← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

انتظار الفرج». ورواه ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «سلوا الله من فضله. فإن الله يحب أن يسأل. وإن أحب عباد الله إلى الله الذي يحب الفرج». ٩ - يرى بعضهم أن عقد مولى الموالاة المذكور في قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ قد نسخ بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ.* وبقي النصر، والرفادة، والنصيحة. ونقول: إن الذين أثبتوا الإرث بعقد الموالاة لا ينفون أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض. ولكن يقولون: إذا لم يكن ورثة أصحاب فروض، أو عصبات، أو أرحام، فإن مولى الموالاة يرث. الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً* وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً. المعنى العام: يبين الله- في هذه الآيات أن الرجل هو القيم على المرأة، فهو رئيسها، والحاكم عليها، ومؤدبها إذا اعوجت، وذلك لفضل الرجل على المرأة بالخصائص، ومن ثم كانت النبوة في الرجال، وكذلك الخلافة، وكذلك القضاء. ثم لكون الرجل هو المكلف بالمهر، والنفقة عليها؛ فالرجل في الجملة أفضل من المرأة، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيما عليها، فالصالحات من النساء يعطين الطاعة لأزواجهن، ويحفظن أزواجهن في غيبتهم بما يوفقهن الله- لذلك. وإذ أعطى الله- حق الطاعة للرجل على المرأة، بين أن المرأة التي تترفع على زوجها، وتترك أمره، وتعرض عنه تستحق الوعظ، والتخويف من الله، ثم الهجر داخل البيت: إما بأن لا ينام معها، وهو معرض عنها، بأن يدير لها ظهره، ولا يكلمها، ولا يجامعها. وذلك عليها شديد. ثم إن لم ترجع إلى الطاعة، فقد أذن له أن يضربها ضربا غير مبرح. فإذا أطاعت زوجها في جميع ما يريده منها مما أباحه الله له منها، فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها، ولا هجرانها. فإن الله العلي

стр. 1017

الكبير وليهن، وهو منتقم ممن ظلمهن، وبغى عليهن. وبعد أن بين علاج حالة ما إذا كان النفور والنشوز من الزوجة، ذكر حالة ما إذا كان النفور من الزوجين وعلاجه، فإذا وقع الشقاق بين الزوجين، أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة، ينظر في أمرهما، ويمنع الظالم منهما من الظلم. فإن تفاقم أمرهما، وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة، وثقة من قوم الرجل ليجتمعا، فينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق- على خلاف بين الفقهاء في كونه للحكمين- أو التوفيق على إجماع. وندب الشارع إلى التوفيق. والله عليم بالنيات، والإرادات، خبير بالظلم من صاحبه. المعنى الحرفي: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. أي: الرجال يقومون على النساء آمرين، ناهين، كما يقوم الولاة على الرعايا. وسموا قواما لذلك. بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ. أي: هذه القوامة والسيطرة بسبب تفضيل الله بعضهم، وهم الرجال، على بعض، وهم النساء، بالعقل، والحزم، والرأي، والقوة، ونوع العواطف المؤهلة للقوامة، والغزو، وكمال الصوم، والصلاة، والنبوة، والخلافة، والإمامة، والأذان، والخطبة، والجماعة، والجمعة، والشهادة في الحدود، والقصاص، وتضعيف الميراث، والتعصيب فيه، وملك النكاح، والطلاق. وإليهم الانتساب، وهم أصحاب اللحى، والعمائم. إن الخصائص والصفات التي فضل الله بها الرجل على المرأة كأثر عن اختلاف الجسم والوظيفة، والتي ترتب عليها اختلاف في الأحكام هي سبب القوامة الأول. والسبب الثاني وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ. أي: وبسبب أن المهر والنفقة عليهم، وفيه دليل وجوب نفقتهن عليهم. فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ. أي: فالصالحات من النساء، مطيعات لأزواجهن، قائمات بما عليهن لهم. حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ. أي: حافظات لواجب الغيب. أي: حافظات لغيبة أزواجهن. أي: إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن، حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة، من الفروج، والبيوت، والأموال. ويدخل في ذلك حفظهن لأسرار أزواجهن في غيبتهم. بِما حَفِظَ اللَّهُ. أي:

стр. 1018

حفظهن للغيب، بسبب حفظ الله إياهن، وعصمتهن وتوفيقهن لحفظ الغيب، حيث صيرهن كذلك. وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ. أي: واللاتي تخافون عصيانهن، وترفعهن عن طاعة الأزواج. فَعِظُوهُنَّ. هذا أول الدواء. أي: فخوفوهن عقوبة الله تعالى. والعظة، كلام يلين القلوب القاسية، ويرغب الطبائع النافرة. وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ. هذا ثاني الدواء، وهو الهجر في المضجع، أي المرقد. أي: لا تدخلوهن تحت اللحف، وهو كناية عن الجماع، أو هو أن يوليها ظهره في المضجع، إذ لم يأمر الله تعالى بهجرانهن عن المضاجع، بل قال: في المضاجع. فالهجر إذن يبقى داخل البيت، وفي الفراش. وَاضْرِبُوهُنَّ. هذا ثالث الدواء. أمر بالضرب، وقيدت السنة هذا الضرب بأن يكون غير مبرح، أي غير مؤثر. أي: ضربا رفيقا، لا يكسر فيها عضوا ولا يترك أثرا. أمر بوعظهن، ثم بهجرانهن في المضاجع، ثم بالضرب إن لم ينجح فيهن الوعظ والهجران. فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا. أي: فإن أعطين الطاعة، فلا تطلبوا لهن سبيلا لتتعرضوا لهن بالأذى. أي: فإن أطعنكم فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً: تذكير الله إيانا بصفتي العلو والعظمة في هذا المقام يفيد: أيها المؤمنون إن علت أيديكم عليهن فاعلموا أن قدرة الله عليكم أعظم من قدرتكم عليهن، فاجتنبوا ظلمهن. أو: أيها المؤمنون إنكم تعصون الله على علو شأنه، وكبرياء سلطانه، ثم تتوبون، فيتوب عليكم. فعليكم بالعفو عمن يجني عليكم إذا رجع. وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما. الخطاب لولاة المسلمين، وقضاتهم. والشقاق: العداوة والخلاف، والضمير للزوجين، ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء. فصار المعنى: وإن خفتم أيها الولاة، والقضاة شقاقا بين زوجين فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها. أي: فابعثوا من أهله رجلا يصلح للحكومة والإصلاح بينهما، وابعثوا من أهلها رجلا كذلك. وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما، لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح، ونفوس الزوجين أسكن إليهم، فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة. وما هي حدود صلاحية الحكمين؟ هل التوفيق فقط، أو التوفيق والتفريق. وإذا كان لهما التفريق، فما حدوده؟ قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الحكمين، إذا اختلف قولهما، فلا عبرة بقول الآخر. وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع، وإن لم

стр. 1019

يوكلهما الزوجان، واختلفوا هل ينفذ قولهما في التفرقة؟ ثم حكى عن الجمهور، أنه ينفذ قولهما فيها أيضا من غير توكيل. قال إبراهيم النخعي: إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة، أو بطلقتين، أو ثلاث، فعلا. وهو رواية عن مالك. ومذهب الحنفية: أن لهما الجمع لا التفريق. وسبب الاختلاف يعود إلى أن الحكمين، هل هما منصوبان من جهة الحاكم، فيحكمان، وإن لم يرض الزوجان. أو هما وكيلان من جهة الزوجين؟. على قولين. والجمهور على الأول. وهو الجديد من مذهب الشافعي. إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما. الضمير في يريدا، للحكمين. وقيل للزوجين. والضمير في بينهما، للزوجين، وقيل للحكمين. والمعنى على الأول: إن قصد الحكمان إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة، بورك في وساطتهما، وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق، وألقى في نفوسهما المودة والاتفاق. وإذا اعتبرنا الضميرين للحكمين، يكون المعنى: إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين، يوفق الله بينهما، فيتفقان على الكلمة الواحدة، ويتساندان في طلب الوفاق حتى يتم المراد، وإن اعتبرنا الضميرين للزوجين، كان المعنى: إن يريدا إصلاح ما بينهما، وطلبا الخير، وأن يزول عنهما الشقاق، يلق الله بينهما الألفة، ويبدلهما بالشقاق الوفاق، وبالبغضاء، المودة. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً عليما بإرادة الحكمين، خبيرا بالظالم من الزوجين. فوائد: ١ - إن تجار السياسة في كثير من بلدان العالم يتاجرون في الأغلب في قضيتين: القضية الأولى: قضية الأموال. والقضية الثانية: قضية النساء. فباسم إعادة توزيع الملكية، أو إلغائها. وباسم حرية المرأة ومساواتها: يضلون ويضلون، مستغلين الجهل، أو الفسوق، أو عقدة النقص، أو مستثيرين الحقد. وفي هذا المقطع وضع للأمور في نصابها الصحيح. المال مال الله، لا يؤكل إلا بطريق مشروع. والرجال قوامون على النساء. ولا يصح للرجال أن يتمنوا ما أنعم الله به على بعضهم. ولا يصح للنساء أن يتمنين ما للرجال. ٢ - روى البخاري عن رسول الله ﷺ قوله: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». وبعض أصحاب النظر القاصر، يستشكلون هذا خاصة في عصرنا الذي وصل فيه إلى رئاسة كثير من الدول، نساء. وكان لهن وزنهن. والجواب: أن العبرة

стр. 1020

عادة في مثل هذه الظروف، لكل النتائج التي تترتب على تصرفات المرأة الحاكمة. ليس على المدى القريب. بل على المدى القريب والبعيد. ٣ - قال الحسن البصري: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تشكو أن زوجها لطمها فقال رسول الله ﷺ القصاص. فأنزل الله . الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ الآية. فرجعت بغير قصاص. رواه ابن جريج، وابن أبي حاتم، وابن جرير. وروى ابن جرير عن علي قال: أتى رسول الله ﷺ رجل من الأنصار بامرأة له. فقالت: يا رسول الله إن زوجها فلان بن فلان الأنصاري، وإنه ضربها، فأثر في وجهها. فقال رسول الله ﷺ : «ليس له ذلك». فأنزل الله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. أي: في الأدب فقال رسول الله ﷺ : «أرادت أمرا، وأراد الله غيره». ٤ - روى ابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خير النساء امرأة، إذا نظرت إليها، سرتك. وإذا أمرتها، أطاعتك. وإذا غبت عنها، حفظتك في نفسها، ومالك». قال ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ إلى آخرها. وروى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت». وقال رسول الله ﷺ : «ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها». وروى مسلم عن رسول الله ﷺ : «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح». وفي رواية البخاري: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت عليه، لعنتها الملائكة حتى تصبح». ٥ - في السنن والمسند عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله: ما حق امرأة أحدنا عليه؟. قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت». وقال ﷺ في حجة الوداع: «واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح.

стр. 1021

ولهن رزقهن، وكسوتهن بالمعروف». وقال ابن عباس: يهجرها في المضجع. فإن أقبلت، وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربا غير مبرح. ولا تكسر لها عظما. فإن أقبلت، وإلا فقد أحل الله لك منها الفدية». (أي في الخلع). وقال النبي ﷺ (مرة): «لا تضربوا إماء الله. فجاء عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئرت النساء على أزواجهن. فرخص رسول الله ﷺ في ضربهن. فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشتكين أزواجهن. فقال رسول الله ﷺ : «لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن، ليس أولئك بخياركم». وروى الإمام أحمد عن الأشعث بن قيس قال: ضفت عمر ﵁، فتناول امرأته، فضربها. فقال: يا أشعب! احفظ عني ثلاثا، حفظتهن عن رسول الله ﷺ لا تسأل الرجل فيما ضرب امرأته. ولا تنم إلا على وتر، ونسي الثالثة. ٦ - في تفسير قوله تعالى: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما قال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: أمر الله- أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل، ورجلا مثله من أهل المرأة. فينظران أيهما المسئ فإن كان الرجل هو المسئ، حجبوا عنه امرأته، وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة، قصروها على زوجها، ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي لم يرض، ولا يرث الكاره، الراضي» رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير. ٧ - روى عبد الرزاق عن ابن عباس قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين. قال معمر: بلغني أن عثمان بعثهما، وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا، جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا، ففرقا. فهذا مذهب سيدنا عثمان ﵁. وروى عبد الرزاق عن عبيدة قال: شهدت عليا جاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فئام من الناس. فأخرج هؤلاء حكما، وهؤلاء حكما. فقال علي للحكمين: أتدريان ما عليكما؟. إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما. فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعلي. وقال الزوج: أما الفرقة، فلا. فقال علي: كذبت والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله- -

стр. 1022

لك وعليك، فهذا مذهب علي ﵁. وقد رأينا أن كون الحكمين لهما حق التفريق أو لا؟ قولان للعلماء. وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً. الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً. وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً. وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً. بعد أن وضع الله الأمور مواضعها في قضايا المال، والنفس، والمرأة. أمر بعبادته، والإحسان إلى خلقه، والإنفاق في سبيله مبينا علة البخل. المعنى العام: يأمر ﵎ بعبادته وحده، لا شريك له. فإنه هو الخالق الرازق المنعم، المتفضل على خلقه، فهو المستحق أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته. ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين. فإن الله جعلهما سببا لخروجك من العدم إلى الوجود. وكثيرا ما يقرن الله سبحانه بين عبادته، والإحسان إلى الوالدين. ثم عطف على الإحسان إليهما، الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، ثم عطف على ذلك الإحسان إلى اليتامى، وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم، ومن ينفق عليهم. فأمر الله بالإحسان إليهم، والحنو عليهم، ثم عطف على الإحسان إلى ما سبق، الإحسان إلى المساكين، وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون من يقوم بكفاياتهم. فأمر الله سبحانه بمساعدتهم، بما تتم به كفايتهم، وتزول ضرورتهم. ثم أمر بالإحسان إلى الجار ذي القربى، والجار القريب، والصاحب في العمل، والصاحب في البيت، والصاحب في السفر، ثم أمر بالإحسان إلى ابن السبيل. وهو الضيف، أو الذي يمر عليك في سفر. ثم بين الله- بعد أن أمر بعبادته، والإحسان إلى خلقه، أنه تعالى لا يحب من كان مختالا في نفسه، متكبرا فخورا على

стр. 1023

الناس، يرى أنه خير منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، وعند الناس بغيض، يفخر على الناس بما أعطاهم، ويفخر على الناس بما أعطاه الله من نعمه، وهو قليل الشكر لله على ذلك. والسياق يدل على أن من لا يعبد الله، ولا يحسن إلى خلقه، لا بد أن يكون فيه اختيال، وفخر. ولذلك وصف الذين يختالون، ويفخرون بأنهم يبخلون، ويأمرون الناس بالبخل. وأنهم يجحدون نعمة الله عليهم، ولا يظهرونها، لا في العطاء، ولا في البذل. ثم هدد الله الكافرين بالعذاب الأليم. مما يدل على أن الأخلاق المذكورة من اختيال، وفخر، وبخل، وكتمان لفضل الله، إنما هي أخلاق الكافرين، لا أخلاق المؤمنين. ثم وصف الله الكافرين بخلق من أخلاقهم، وهو أنهم إذا أنفقوا، فإنما يريدون بإعطائهم، السمعة، وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله. وأنهم لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر. وإنما حملهم على صنيعهم القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطان، فإنه سول لهم، وأملى لهم، وقارنهم فحسن لهم القبائح. ومن كان الشيطان صاحبه، فساء صاحبا. ثم خاطبهم الله تعالى بأنه: أي شئ يضرهم لو آمنوا بالله، وسلكوا الطريق الحميدة، وعدلوا عن الرياء إلى الإخلاص؛ رجاء موعوده في الدار الآخرة لمن يحسن عمله، وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها. ثم ذكر الله- بعلمه. وهو في هذا السياق يفيد: أنه عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه، ويلهمه رشده، ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه. وبمن يستحق الخذلان، والطرد عن جنابه الأعظم، الذي من طرد عن بابه فقد خاب، وخسر في الدنيا والآخرة عياذا بالله من ذلك. المعنى الحرفي: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً. قال ﷺ لمعاذ بن جبل: «أتدري ما حق الله على العباد؟. قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. ثم قال: أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم». فالأمر الأول، والواجب الأول، هو معرفة الله، وتوحيده، وطاعته، وعدم الشرك به- في شأن ألوهيته، وفي شأن ربوبيته- بشرا، أو حجرا، أو كونا، أو طبيعة، أو مجتمعا، أو غير ذلك. وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً. أي: وأحسنوا بهما

стр. 1024

إحسانا بالقول والفعل، والإنفاق عليهما عند الاحتياج. وَبِذِي الْقُرْبى. أي: وأحسنوا بكل من كان بينكم وبينه قربى من أخ، أو عم، أو غيرهما وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ. أي: وأحسنوا باليتامى والمساكين. وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى. أي: وأحسنوا بالجار الذي قرب جواره، أو بالجار القريب النسيب. وَالْجارِ الْجُنُبِ. أي: وأحسنوا بالجار الجنب وهو: إما الذي جواره بعيد، أو هو الجار الأجنبي. وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ. أي: وأحسنوا بالصاحب بالجنب، ويدخل في ذلك الزوجة، والذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقا في سفر، أو شريكا في تعلم علم أو غيره، أو قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد. وَابْنِ السَّبِيلِ. الغريب، أو الضيف. وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ. أي: وأحسنوا بالعبيد والإماء. إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا. أي: متكبرا، يأنف عن قرابته، وجيرانه، فلا يلتفت إليهم. فَخُوراً. أي: يعدد مناقبه كبرا. فإن عدها اعترافا، كان شكورا. الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ. أي: الذين يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم، فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا للسخاء. وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. أي: ويخفون ما أنعم الله عليهم به من المال وسعة الحال. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً. أي: وهيأنا للكافرين عذابا يهانون به في الآخرة. وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ. أي: للفخار، وليقال: ما أجودهم لا لابتغاء وجه الله. وهم المنافقون، أو الكافرون، بدليل. وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً. أي: صاحبا، ومرافقا. فَساءَ قَرِيناً. حيث حملهم على البخل، والرياء، وكل شر. ويمكن أن يفهم منه الوعيد بأن الشيطان يقرن بهم في النار. وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ. أي: وأي تبعة ووبال عليهم في الإيمان والإنفاق في سبيل الله؟ والمراد بالاستفهام، الذم، والتوبيخ. وإلا فكل منفعة ومصلحة في ذلك. وهذا كما يقال للعاق: ما ضرك لو كنت بارا، وقد علم أنه لا مضرة في البر. ولكنه ذم وتوبيخ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً. هذا وعيد لهم بأنهم إن لم يؤمنوا، ولم ينفقوا، بأن الله مطلع عليهم، وعالم بهم. فوائد: ١ - قال النسفي: قيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود،

стр. 1025

والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. وقال: قيل: البخل أن يأكل بنفسه، ولا يؤكل غيره. والشح: ألا يأكل ولا يؤكل. والسخاء: أن يأكل، ويؤكل. والجود: أن يؤكل، ولا يأكل. ٢ - فسر نوف البكالي: الجار الجنب بأنه اليهودي والنصراني. نفهم من ذلك، أن الجار، ولو لم يكن مسلما، فقد أمرنا بالإحسان إليه. وفي الحديث الذي رواه البزار قال: قال رسول الله ﷺ : «الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وهو أدنى الجيران حقا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقا. فأما الجار الذي له حق واحد، فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار، وأما الجار الذي له حقان فجار مسلم، له حق الإسلام، وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق، فجار مسلم ذو رحم، له حق الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم». ٣ - مما ورد من أحاديث في الوصية بالجار: أ- في الصحيحين: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». ب- وروى الإمام أحمد عنه ﷺ : «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله، خيرهم لجاره». ج- وروى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قوله: «لا يشبع الرجل دون جاره». د- وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود: قلت يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟. قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت: ثم أي؟. قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟. قال: أن تزاني حليلة جارك». هـ- روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ فقالت: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟. قال: «إلى أقربهما منك بابا». ٤ - كانت وصية رسول الله ﷺ في مرض الموت: «الصلاة، الصلاة، وما ملكت أيمانكم». فجعل يرددها، حتى ما يفيض بها لسانه. وروى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قوله: «ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك، فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك، فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك، فهو لك صدقة». ورواه النسائي، وإسناده صحيح.

стр. 1026

ومما ورد في الإحسان إلى الخادم، والمملوك، والأهل قوله ﷺ كما في مسلم: «كفى بالمرء إثما أن يحبس عما يملك قوتهم». وفي مسلم أيضا: «للمملوك طعامه، وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق». وفي الصحيحين: «إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي حره، وعلاجه». وفي الصحيحين: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم». ٥ - في الحديث: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة». ٦ - عن أبي تميمة عن رجل من بني الهجيم قال: «قلت يا رسول الله: أوصني. قال: إياك وإسبال الإزار من المخيلة. وإن الله لا يحب المخيلة». ٧ - في الحديث: «إن الله إذا أنعم نعمة على عبد، أحب أن يظهر أثرها عليه». ٨ - وبمناسبة الإنفاق رياء، نذكر بالحديث المعروف الذي يذكر الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار. وهم العالم، والغازي، والمنفق، المراءون بأعمالهم. يقول صاحب المال: ما تركت من شئ تحب أن ينفق فيه، إلا أنفقت في سبيلك. فيقول الله: كذبت. إنما أردت أن يقال: جواد. فقد قيل. أي فقد أخذت جزاءك في الدنيا. وهو الذي أردت بفعلك. وكذلك يقال للغازي، وللعالم. نسأل الله الإخلاص في القول، والعمل. ثم يختم هذا المقطع بهذه الآيات: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً. فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً. يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً. المعنى العام: يقول تعالى مخبرا أنه لا يظلم أحدا من خلقه يوم القيامة مثقال حبة خردل، ولا مثقال

стр. 1027

ذرة. بل يوفيها له، ويضاعفها له إن كانت حسنة ويعطي الجنة. ثم بين تعالى هول يوم القيامة، وشدة أمره وشأنه حين يأتي الأنبياء شهداء على أقوامهم، ويأتي رسول الله ﷺ شهيدا على قومه وأمته. يومئذ يود الذين كفروا لو انشقت الأرض وبلعتهم، مما يرون من أهوال الموقف، وما يحل بهم منه من الخزي، والفضيحة، والتوبيخ، يومئذ يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئا وبهذه المعاني يختم هذا المقطع الذي بين قضايا رئيسية في موضوع التقوى، من عدم أكل الأموال بالباطل، وعدم قتل الأنفس، ووجوب اجتناب الكبائر، وعدم تمني ما للآخرين، وألزم بقوامية الرجال على النساء، وبين حدود معالجة المنشوز. كما أمر بالعبادة، والتوحيد، وترك الاختيال والفخر والبخل. وبعد ذلك تأتي هذه المعانى المرغبة، المرهبة. إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ. المعنى الحرفي: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ: قال النسفي: (وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكون ذرة). وهذا معنى عظيم، فالهباءة على هذا القول مؤلفة من ذرات كثيرة. وعلى هذا فإن النسفي يفسر الذرة في الصغر بما نفسرها به الآن من كونها أصغر وحدة مستقلة في المادة. فالله- لا ينقص عمل أحد مثقال هذه الذرة من خير، أو شر. وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها. أي: وإن تكن مثقال الذرة حسنة، يضاعف ثوابها. وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً. أي: ويعطي صاحبها من عنده ثوابا عظيما، وما وصفه الله بالعظم فمن يعرف مقداره؟ مع أنه سمى متاع الدنيا قليلا. وفيه إبطال قول المعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة، مع أن له حسنات كثيرة. فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ. أي فكيف يصنع هؤلاء الكافرون إذا جئنا من كل أمة بشهيد، يشهد عليهم بما فعلوه، وهو نبيهم. وَجِئْنا بِكَ يا محمد. عَلى هؤُلاءِ. أي: على أمتك شَهِيداً. أي: شاهدا على من آمن بالإيمان، وعلى من كفر بالكفر، وعلى من نافق بالنفاق. روى البخاري عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ علي.

стр. 1028

فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟. قال: نعم. إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً. فقال: حسبك الآن. فإذا عيناه ﷺ تذرفان». يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله. وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ. أي: لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء، أو حين تصير البهائم ترابا يودون حالها. وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً. أي: ولا يقدرون على كتمانه، لأن جوارحهم تشهد عليهم. فوائد: ١ - في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة الطويل وفيه: «فيقول الله : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار. وفي لفظ: أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار. فيخرجون خلقا كثيرا. ثم يقول أبو سعيد: اقرءوا إن شئتم. إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ .... ٢ - روى أبو داود الطيالسي: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة، لم يكن له حسنة». ٣ - وبمناسبة قوله تعالى: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها. يروي ابن كثير حديثا بأسانيد متعددة عن أبي هريرة وفيه: «إن الله ليضاعف الحسنة ألفي حسنة». ٤ - روى عبد الرزاق عن سعيد بن جبير قال: (جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياء تختلف علي في القرآن. قال: ما هو؟ أشك في القرآن؟. قال: ليس هو بالشك ولكن اختلاف، قال: فهات ما اختلف عليك من ذلك. قال: أسمع الله يقول: ثُمَ

стр. 1029

لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. وقال: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً. فقد كتموا؟. فقال ابن عباس: أما قوله: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. فإنهم لما رأوا يوم القيامة، أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام، ويغفر الذنوب ولا يغفر شركا، ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره، جحد المشركون فقالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ؛ رجاء أن يغفر لهم فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم، وأرجلهم بما كانوا يعملون. فعند ذلك يود الذين كفروا، وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا). تحقيق وتعليق ١ - يقول الألوسي مبينا وجهتي النظر في قوله تعالى وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ. هم موالي الموالاة. أخرج ابن جرير. وغيره عن قتادة قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول دمي دمك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك؛ فجعل له السدس من جميع المال في الإسلام، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم، فنسخ ذلك بعد في سورة الأنفال بقوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ. وروي ذلك من غير ما طريق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وكذلك عن غيره، ومذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه إذا أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يرثه ويعقل عنه صح وعليه عقله وله إرثه إن لم يكن له وارث أصلا، وخبر النسخ المذكور لا يقوم حجة عليه، إذ لا دلالة فيما ادعى ناسخا على عدم إرث الحليف لا سيما وهو إنما يرثه عند عدم العصبات وأولي الأرحام، والأيمان هنا جمع يمين بمعنى اليد اليمنى، وإضافة العقد إليها لوضعهم الأيدي في العقود أي بمعنى القسم اهـ. ٢ - ويقول صاحب الظلال عند قوله تعالى الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. إن الأسرة- كما قلنا- هي المؤسسة الأولى في الحياة الإنسانية. الأولى من ناحية أنها نقطة البدء التي تؤثر في كل مراحل الطريق. والأولى من ناحية الأهمية لأنها تزاول إنشاء وتنشئة العنصر الإنساني، وهو أكرم عناصر هذا الكون، في التصور الإسلامي.

стр. 1030

وإذا كانت المؤسسات الأخرى الأقل شأنا، والأرخص سعرا، كالمؤسسات المالية والصناعية والتجارية، وما إليها .. لا يوكل أمرها- عادة- إلا لأكفاء المرشحين لها، ممن تخصصوا في هذا الفرع علميا، ودربوا عليه عمليا، فوق ما وهبوا من استعدادات طبيعية للإدارة والقوامة ... إذا كان هذا هو الشأن في المؤسسات الأقل شأنا والأرخص سعرا ... فأولى أن تتبع هذه القاعدة في مؤسسة الأسرة، التي تنشئ أثمن عناصر الكون .. العنصر الإنساني .. والمنهج الرباني يراعي هذا. ويراعي به الفطرة، والاستعدادات الموهوبة لشطري النفس لأداء الوظائف المنوطة بكل منهما وفق هذه الاستعدادات، كما يراعي به العدالة في توزيع الأعباء على شطري النفس الواحدة. والعدالة في اختصاص كل منهما بنوع الأعباء المهيأ لها، المعان عليها من فطرته واستعداداته المتميزة المتفردة .. والمسلم به ابتداء أن الرجل والمرأة كلاهما من خلق الله. وأن الله- سبحانه- لا يريد أن يظلم أحدا من خلقه، وهو يهيئه ويعده لوظيفة خاصة، ويمنحه الاستعدادات اللازمة لإحسان هذه الوظيفة! وقد خلق الله الناس ذكرا وأنثى .. زوجين على أساس القاعدة الكلية في بناء هذا الكون .. وجعل من وظائف المرأة أن تحمل، وتضع، وترضع، وتكفل ثمرة الاتصال بينها وبين الرجل .. وهي وظائف ضخمة أولا، وخطيرة ثانيا. وليست هينة ولا يسيرة، بحيث تؤدى بدون إعداد عضوي ونفسي وعقلي عميق غائر في كيان الأنثى: فكان عدلا كذلك أن ينوط بالشطر الثاني- الرجل- توفير الحاجات الضرورية، وتوفير الحماية كذلك للأنثى؛ كي تتفرغ لوظيفتها الخطيرة؛ ولا يحمل عليها أن تحمل وتضع وترضع وتكفل .. ثم تعمل وتكد وتسهر لحماية نفسها وطفلها في آن واحد. وكان عدلا كذلك أن يمنح الرجل من الخصائص في تكوينه العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينه على أداء وظائفه هذه. وأن تمنح المرأة في تكوينها العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينها على أداء وظيفتها تلك. وكان هذا فعلا .. ولا يظلم ربك أحدا .. ومن ثم زودت المرأة- فيما زودت به من الخصائص- بالرقة والعطف، وسرعة الانفعال، والاستجابة العاجلة لمطالب الطفولة- بغير وعي

стр. 1031

ولا سابق تفكير- لأن الضرورات الإنسانية العميقة كلها- حتى في الفرد الواحد- لم تترك لأرجحة الوعي والتفكير وبطئه، بل جعلت الاستجابة لها غير إرادية! لتسهل تلبيتها فورا وفيما يشبه أن يكون قسرا. ولكنه قسر داخلي غير مفروض من الخارج؛ ولذيذ ومستحب في معظم الأحيان كذلك، لتكون الاستجابة سريعة من جهة ومريحة من جهة أخرى. مهما يكن فيها من المشقة والتضحية! صنع الله الذي أتقن كل شئ. وهذه الخصائص ليست سطحية. بل هي غائرة في التكوين العضوي والعصبي والعقلي والنفسي للمرأة .. بل يقول كبار العلماء المختصين: إنها غائرة في تكوين كل خلية. لأنها عميقة في تكوين الخلية الأولى، التي يكون من انقسامها وتكاثرها الجنين، بكل خصائصه الأساسية! وكذلك زود الرجل- فيما زود به من الخصائص- بالخشونة والصلابة، وبطء الانفعال والاستجابة، واستخدام الوعي والتفكير قبل الحركة والاستجابة. لأن وظائفه كلها من أول الصيد الذي كان يمارسه في أول عهده بالحياة إلى القتال الذي يمارسه دائما لحماية الزوج والأطفال. إلى تدبير المعاش .. إلى سائر تكاليفه في الحياة .. لأن وظائفه كلها تحتاج إلى قدر من التروي قبل الإقدام، وإعمال الفكر، والبطء في الاستجابة بوجه عام! .. وكلها عميقة في تكوينه عمق خصائص المرأة في تكوينها .. وهذه الخصائص تجعله أقدر على القوامة، وأفضل في ممارستها .. كما أن تكاليفه بالإنفاق- وهو فرع من توزيع الاختصاصات- يجعله بدوره أولى بالقوامة، لأن تدبير المعاش للمؤسسة ومن فيها داخل في هذه القوامة، والإشراف على تصريف المال فيها أقرب إلى طبيعة وظيفته فيها .. وهذان هما العنصران اللذان أبرزهما النص القرآني، وهو يقرر قوامة الرجال على النساء في المجتمع الإسلامي. قوامة لها أسبابها من التكوين والاستعداد. ولها أسبابها من توزيع الوظائف والاختصاصات. ولها أسبابها من العدالة في التوزيع من ناحية، وتكليف كل شطر- في هذا التوزيع- بالجانب الميسر له، والذي هو معان عليه من الفطرة. وأفضليته في مكانها .. في الاستعداد للقوامة والدربة عليها والنهوض بها بأسبابها .. لأن المؤسسة لا تسير بلا قوامة- كسائر المؤسسات الأقل شأنا والأرخص سعرا- ولأن أحد شطري النفس البشرية مهيأ لها معان عليها، مكلف تكاليفها. وأحد الشطرين غير مهيأ لها، ولا معان عليها .. ومن الظلم أن يحمل تكاليفها إلى جانب

стр. 1032

أعبائه الأخرى .. وإذا هو هيئ بالاستعدادات الكامنة، ودرب عليها بالتدريب العلمي والعملي فسد استعداده للقيام بالوظيفة الأخرى .. وظيفة الأمومة .. لأن لها هي الأخرى مقتضياتها واستعداداتها. وفي مقدمتها سرعة الانفعال، وقرب الاستجابة. فوق الاستعدادات الغائرة في التكوين العضوي، وآثارها في السلوك والاستجابة! إنها مسائل خطيرة .. أخطر من أن تتحكم فيها أهواء البشر .. وأخطر من أن تترك لهم يخبطون فيها خبط عشواء .. وحين تركت لهم ولأهوائهم في الجاهليات القديمة والجاهليات الحديثة، هددت البشرية تهديدا خطيرا فى وجودها ذاته؛ وفي بقاء الخصائص الإنسانية التي تقوم بها الحياة الإنسانية وتتميز. ولعل من الدلائل التي تشير بها الفطرة إلى وجودها وتحكمها؛ ووجود قوانينها المتحكمة في بني الإنسان، حتى وهم ينكرونها ويرفضونها ويتنكرون لها .. ولعل من هذه الدلائل ما أصاب الحياة البشرية من تخبط وفساد، ومن تدهور وانهيار، ومن تهديد بالدمار والبوار، في كل مرة خولفت فيها هذه القاعدة. فاهتزت سلطة القوامة في الأسرة. أو اختلطت معالمها. أو شذت عن قاعدتها الفطرية الأصيلة! ولعل من هذه الدلائل توقان نفس المرأة ذاتها إلى قيام هذه القوامة على أصلها الفطري في الأسرة. وشعورها بالحرمان والنقص والقلق وقلة السعادة؛ عند ما تعيش مع رجل لا يزاول مهام القوامة؛ وتنقصه صفاتها اللازمة؛ فيكل إليها هي القوامة! وهي حقيقة ملحوظة تسلم بها حتى الخابطات في الظلام. ولعل من هذه الدلائل أن الأطفال- الذين ينشئون في مؤسسة عائلية القوامة فيها ليست للأب. إما لأنه ضعيف الشخصية، بحيث تبرز عليه شخصية الأم وتسيطر. وإما لأنه مفقود: لوفاته- أو لعدم وجود أب شرعي! - قلما ينشئون أسوياء. وقل ألا ينحرفون إلى شذوذ ما في تكوينهم العصبي، والنفسي، وفي سلوكهم العلمي والخلقي .. فهذه كلها بعض الدلائل، التي تشير بها الفطرة إلى وجودها وتحكمها، ووجود قوانينها المتحكمة في بني الإنسان، حتى وهم ينكرونها ويرفضونها ويتنكرون لها! ولا نستطيع أن نستطرد أكثر من هذا- في سياق الظلال- عن قوامة الرجال ومقوماتها ومبرراتها، وضرورتها وفطريتها كذلك .. ولكن ينبغي أن نقول: إن هذه القوامة ليس من شأنها إلغاء شخصية المرأة في البيت، ولا في المجتمع الإنساني، وإلغاء وضعها «المدني» - كما بينا ذلك من قبل- وإنما هي وظيفة- داخل كيان الأسرة

стр. 1033

لإدارة هذه المؤسسة الخطيرة، وصيانتها وحمايتها. ووجود القيم في مؤسسة ما، لا يلغي وجود ولا شخصية ولا حقوق الشركاء فيها، والعاملين في وظائفها. فقد حدد الإسلام في مواضع أخرى صفة قوامة الرجل وما يصاحبها من عطف ورعاية، وصيانة وحماية، وتكاليف في نفسه وماله، وآداب في سلوك مع زوجه وعياله. كلمة في السياق: بهذا المقطع يكون قد مر معنا ثلاثة مقاطع من سورة النساء، اتضحت لنا فيها معان كثيرة، مرتبطة بالعبادة والتقوى، وتحددت فيها أمور. وفي المقطع الثالث تحددت قضايا، هي من الأهمية بمكان كبير، ومن ثم فإن فهم هذا المقطع يترتب عليه شئ كثير في عصرنا. خاصة وأن فتنة العصر تكمن في القضيتين الرئيسيتين: اشتراكية الأموال، ومساواة الرجال بالنساء. والمقطع يقيم المؤمنين حيث ينبغي أن يقيموا في هاتين القضيتين، وغيرهما. ولعلنا لاحظنا في هذا المقطع تشابها بين معان فيه، ومعان موجودة في سورة البقرة. ولكنها هنا أكثر تفصيلا كقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ .... وكقوله تعالى: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ. وكقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ... وكل ذلك في سورة البقرة. مما يؤكد ما قلناه من أن سورة النساء تفصل في محورها من سورة البقرة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... ، وامتدادات هذا المحور في سورة البقرة نفسها. ولنقف هنا وقفة متأنية: جاء قوله تعالى فى سورة البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ بعد مقدمة سورة البقرة التي وصفت المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، وأنهم ينفقون مما رزقهم الله- . ومن قوله تعالى اعْبُدُوا رَبَّكُمُ .. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ نفهم أن العبادة هي الطريق لتعميق الإيمان، وإقامة الصلاة، واستخراج الإنفاق، وتحقيق الالتزام بالقرآن. وقد جاء في المقطع الذي مر معنا أمر بالعبادة وانتهت الآية التي أمرت بالعبادة بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ فالسياق إذن يحرر من البخل، وقد جاءت آية الأمر بالعبادة هنا بعد تبيان أن الصالحات قانتات، فهي تدل على طريق الصلاح، وجاءت هذه الآية بعد أوامر

стр. 1034

ونواه- هي من التقوى- فهي تدل على طريق التقوى وكل ذلك صلته بمحور السورة من البقرة واضح لمن تأمل. أمرت آية العبادة بالعبادة، وترك الشرك، وأمرت بالإحسان وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى ... ومحور سورة النساء من البقرة جاء فيه أمر بالعبادة، ونهي عن الشرك، وجاء به ما يستثير الإحسان: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ .. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً .. فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ إنه سيتأكد لدينا شيئا فشيئا كيف أن سورة النساء تفصل في محورها من البقرة، وفي ارتباطات هذا المحور، وفي امتداداته من سورة البقرة بما لا يبقى معه شك. وبعد المقطع الثالث، يأتي المقطع الرابع ، ويبدأ بالنهي عن الصلاة في حالة السكر، ويبيح التيمم للصلاة في بعض الحالات، ثم تأتي مجموعة فيه توضح الرؤية في أمر أهل الكتاب، ثم تأتي مجموعة تتحدث عن الكافرين والمؤمنين، ثم تأمر بأداء الأمانة، والحكم بالعدل، فلنتأمل صلة ذلك ببعضه وبالمحور: لقد جاء في المحور أمر بالعبادة لتحقيق التقوى التي أحد أجزائها: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ فللعبادة صلة بقضية الإيمان، ومن التقوى الصلاة، وهي كذلك عبادة فإن يأتي الآن مقطع ينهى عما ينافي الصلاة، ثم يوضح لنا الرؤية في شأن من لا يؤمنون بما أنزل على محمد ﷺ ، وما هي دوافعهم في ذلك؟ كل ذلك لا تخفى صلاته مع المحور، ولهذا الموضوع تتمة نراها أثناء استعراض المقطع الرابع. المقطع الرابع ويمتد من الآية (٤٣) إلى نهاية الآية (٥٨). وهذا هو: [سورة النساء (٤): الآيات ٤٣ الى ٥٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (٤٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨)

стр. 1035

[سورة النساء (٤): آية ٤٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣) *** [سورة النساء (٤): الآيات ٤٤ الى ٥٣] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (٤٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣)

стр. 1036

[سورة النساء (٤): الآيات ٥٤ الى ٥٥] أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥) *** [سورة النساء (٤): الآيات ٥٦ الى ٥٨] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) كلمة في المقطع: جاء هذا المقطع بعد أمر بالعبادة، وتذكير بمشهد من مشاهد يوم القيامة، والصلاة جزء من العبادة، والعبادة بمجموعها تعمق الرؤية الإيمانية، ومن ثم جاءت في المقطع توجيهات تعمق الرؤية في شأن أهل الكتاب، وجحودهم، وضلالهم، وحسدهم، وكفرهم، ثم جاءت آيتان تنذر الكافرين، وتبشر المؤمنين، وإذ تعمقت الرؤية واستجيشت النفس بالتبشير والإنذار يأتي الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل. وهكذا يضيف السياق إلى ماهية التقوى قضيتين رئيسيتين هما: أداء الأمانة إلى أهلها، والحكم بالعدل.

стр. 1037

إن مجئ النهي عن الصلاة في حالة السكر، وتعليل ذلك بقوله تعالى: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ. يشير إلى أن العبادة التي تحقق المراد منها هي العبادة الخاشعة، ومجئ إباحة التيمم في بعض الحالات في هذا السياق يشير إلى أن العبادة في الإسلام مقرونة باليسر، ومجئ الدروس في شأن أهل الكتاب في هذا السياق يشير إلى أن من لا عبادة له لا يستطيع أن يرى حقيقة أهل الكتاب، فالرؤية الإيمانية الكاملة مرتبطة: بالعبادة، وأداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل مرتبط: بالعبادة، والإيمان، وبالعمل الصالح، وبالرؤية الإيمانية، وكل ذلك يقدمه لنا المقطع فلنبدأ عرض المقطع على مراحل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً. فى الآية قضيتان: ١ - قربان الصلاة والإنسان سكران. ٢ - التيمم، ولكل سبب نزول. سبب نزول تحريم قربان الصلاة والإنسان سكران: من المعلوم أن المرحلة الثالثة في تحريم الخمر، هي المنصوص عليها في هذه السورة وأما المرحلة الرابعة، فهي المنصوص عليها في سورة المائدة. وسنذكر هناك- إن شاء الله- بعض الأحاديث في هذا الموضوع، أما هنا فنكتفي بما له صلة بموضوع الآية: روى ابن أبي حاتم عن سعد بن أبي وقاص قال: (نزلت في أربع آيات. صنع رجل من الأنصار طعاما، فدعا أناسا من الأنصار، فأكلنا وشربنا حتى سكرنا، ثم افتخرنا، فرفع رجل لحي بعير، ففزر بها أنف سعد، فكان سعد مفزور الأنف، وذلك قبل تحريم الخمر، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ... والحديث بطوله عند مسلم. وروى الترمذي، وابن أبي حاتم- وهو حديث حسن صحيح- عن علي بن أبي طالب قال: (صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموا فلانا. قال: فقرأ: قل يا أيها الكافرون ما أعبد ما تعبدون. ونحن نعبد ما تعبدون.

стр. 1038

فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ... وقد روي هذا الأثر روايات متعددة. وفي سنن أبي داود الحديث الذي فيه دعاء عمر: «اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا» .. فكان منادي رسول الله ﷺ إذا قامت الصلاة، ينادي أن لا يقربن الصلاة سكران). والمهم أن نعرف أن هذه الآية نزلت والاستعداد النفسي لقبول حكمها كان قائما بعد مجموعة حوادث، كلها مقنع بضرورة هذا الحكم. سبب نزول مشروعية التيمم: قال ابن كثير: (وإنما ذكرنا ذلك هاهنا، لأن هذه الآية التي في النساء، متقدمة النزول على آية المائدة: وبيانه: أن هذه نزلت قبل تحريم الخمر. والخمر إنما حرم بعد (أحد) بيسير، في محاصرة النبي ﷺ لبني النضير. وأما المائدة، فإنها من آخر ما نزل، ولا سيما صدرها فناسب أن يذكر السبب هنا. وبالله الثقة). - روى البخاري عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء. وليس معهم ماء. فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ ، وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء! فجاء أبو بكر، ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام. فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء! قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي. ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي. فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا. فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته). وروى ابن مردويه عن الأسلع بن شريك قال: كنت أرحل ناقة رسول الله ﷺ فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله ﷺ الرحلة، فكرهت أن أرحل ناقة رسول الله ﷺ وأنا جنب. وخشيت أن أغتسل بالماء البارد، فأموت أو أمرض فأمرت رجلا من الأنصار، فرحلها. ثم رضفت أحجارا، فأسخنت بها ماء، واغتسلت. ثم

стр. 1039

لحقت رسول الله ﷺ وأصحابه. فقال: يا أسلع ما لي أرى رحلتك تغيرت. قلت يا رسول الله، لم أرحلها. رحلها رجل من الأنصار. قال: ولم؟ قلت: إني أصابتني جنابة، فخشيت القر على نفسي، فأمرته أن يرحلها. ورضفت احجارا، فأسخنت بها ماء، فاغتسلت به فأنزل الله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ إلى قوله- إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً قال ابن كثير: وقد روي من وجه آخر عنه .. أقول قد يتعدد النزول لتأكيد شمول النص لأكثر من حادثة، وقد لا يكون الأسلع قد عرف الآية من قبل فظنها في حادثته. المعنى العام: ينهى الله ﵎ عباده عن فعل الصلاة في حال السكر الذي لا يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان محالها- التي هي المساجد- للجنب إلا أن يكون مجتازا من باب إلى باب، من غير مكث، وفي حال الضرورة، والحكمة في تحريم قربان الصلاة، والإنسان سكران، هو علم الإنسان بما يقول. فإن المخمور فاقد التدبر والخشوع، يخلط في قراءته، ولا يعقلها. فالآية نهت عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها. وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة، المباعدة للصلاة ولمحلها، إلا إذا كان عابر طريق في حالة الضرورة، كما ذكرنا، حتى يغتسل الإنسان من جنابته. ثم رخص في التيمم، كبديل عن الغسل في حالات: حالة السفر إذا فقد الماء. وحالة المرض الذي يضر معه استعمال الماء. ثم بين كيفية التيمم وأداته. ثم ذيل الآية بالتذكير بعفوه وغفرانه، وتذييل الآية بالعفو والمغفرة، يفيد أن من عفوه وغفرانه، أن شرع لكم التيمم، وأباح لكم فعل الصلاة به إذا فقدتم الماء. توسعة عليكم، ورخصة لكم. وذلك أن هذه الآية الكريمة، فيها تنزيه الصلاة أن تفعل على هيئة ناقصة، من سكر حتى يصحو المكلف ويعقل ما يقول، أو جنابة حتى يغتسل، أو حدث حتى يتوضأ، إلا أن يكون مريضا، أو عادما للماء، فإن الله- قد أرخص في التيمم، والحالة هذه، رحمة بعباده، ورأفة بهم، وتوسعة عليهم. فإذا كان محور سورة النساء في العبادة، والتقوى، ومن التقوى الصلاة. فهذه الآية إذن، تفصيل لبعض قضايا التقوى، بتفصيل بعض ما يدخل فيها.

стр. 1040

المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى. أي: لا تصلوا وأنتم في حالة سكر. حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ. أي: لتعلموا ما تقرءون. وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا. أي: ولا تصلوا جنبا. أي: لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين حال الجنابة، إلا أن تكونوا مسافرين، عادمين الماء، متيممين. هذا ما ذهب إليه الحنفية في فهم الآية: لا تقربوا الصلاة سكارى، لا تقربوا الصلاة جنبا حتى تغتسلوا، إلا في حالة السفر، فاقربوها متيممين لفقدان الماء. ومذهب الشافعية في فهم الآية على الشكل التالي: لا تقربوا الصلاة. أي: لا تقربوا مواضعها. وهي المساجد، وأنتم سكارى. ولا تقربوا المساجد جنبا، إلا عابري سبيل. أي: مجتازين فيها. فيجوز عندهم للجنب العبور في المسجد عند الحاجة. وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ: طويل، أو قصير. أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ. والغائط: هو المكان المطمئن من الأرض كنى بذكره عن التغوط وقضاء الحاجة، وهو الحدث الأصغر. أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ. أي: أو جامعتموهن على أصح أقوال المفسرين في هذا المقام، كما رجحه ابن كثير. فَلَمْ تَجِدُوا ماءً. أي: فلم تقدروا على استعماله، لعدمه أو بعده، أو فقد آلة الوصول إليه، أو لمانع من حية أو سبع، أو عدو. ذكره النسفي. فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً. فسر الزجاج الصعيد، بوجه الأرض، ترابا كان، أو غيره. وإن كان صخرا لا تراب عليه. لو ضرب المتيمم يده، ومسح، لكان ذلك طهوره. وهذا مذهب الحنفية. وسترى أن هذه القضية، خلافية. والطيب في الآية: الطاهر على رأي الحنيفة. فصار المعنى: أن المريض، والمسافر، والمحدث، وأهل الجنابة، لهم التيمم إذا عدموا الماء حقيقة أو حكما فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ. أي: امسحوا وجوهكم وأيديكم، بأيديكم التي ضربتم بها الصعيد الطيب بنية التيمم، وهل المراد بالأيدي هنا، الأكف فقط، أو الأيدي إلى المرافق؟ قولان سنراهما إن شاء الله. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا. بالترخيص، والتيسير. غَفُوراً. عن الخطأ، والتقصير.

стр. 1041

فوائد: ١ - الجزء الأول من الآية، وهو ما له علاقة بإباحة السكر إلا في الصلاة منسوخ بالتحريم القطعي للخمر، الذي ورد في سورة المائدة. فما الحكمة في بقاء النص، مع نسخ حكمه؟. لو تأملنا بدقة هذا الموضوع، لرأينا أن التحريم المقيد، لم ينسخ. بل بقي مع زيادة. فتحريم قربان الصلاة، والإنسان سكران، لا زال قائما. ولكن ما يفهم من حل الخمر فيما عدا ذلك، هو الذي نسخ. هذه واحدة. ثم إننا نفهم من الآية مجموعة أمور، كلها غير منسوخ فلئن بقي النص، فلوجوده إذن حكم كثيرة. عدا عن الحكمة الكبيرة، وهي إثبات الواقع التاريخي، التدريجي، لعملية تحريم الخمر. مما يمكن أن نفهم منها طريقة التربية الإسلامية للأمة المسلمة في نشأتها. وما يمكن أن نستفيد من ذلك من عبر في، تطوير أوضاعها في غير ما استقرت عليه الأحكام. ٢ - مما نفهمه من النص، ومن سبب النزول، ما ذكره الحنفية، قالوا: وفيه دليل على أن ردة السكران، ليست بردة. لأن قراءة سورة الكافرون بطرح اللاءات كفر. ولم يحكم بكفره، حتى خاطبهم باسم الإيمان. أي بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا .... ومما فهمه بعضهم من الآية وجوب الخشوع في الصلاة من قوله تعالى: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ. فدل ذلك على أن عقل الإنسان لما يقول في صلاته، مقصود في الشريعة. وأخذ الفقهاء تعريف السكران من النص فعرفوه: بأنه الذي لا يدري ما يقول. ومن الآية نفهم أن للصلاة مهمة خاصة، لذلك يراعى فيها، ما لا يراعى في غيرها. ٣ - هذه الآية كانت التوطئة الكبرى للتحريم النهائي للخمر. ففيها تعريض بالنهي عن السكر بالكلية. لكونهم مأمورين بالصلاة في الأوقات الخمسة، من الليل والنهار. فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائما، إلا إذا جانب الخمر في أكثر أوقاته. ٤ - دلت الآية على أن معرفة المصلي ما يقول، مراد رئيسي في الصلاة. ويؤكد هذا، الحديث الصحيح عنه ﷺ : «إذا نعس أحدكم، وهو يصلي، فلينصرف، ولينم، حتى يعلم ما يقول». رواه البخاري، والنسائي. وفي ألفاظ الحديث: «فلعله يذهب يستغفر، فيسب نفسه».

стр. 1042

ومن ثم، فعلينا أن نبذل جهدا لتحصيل علم الخشوع، وحاله. وهو أول علم يرفع من الأرض، كما في حديث حسن. ٥ - رأينا أن في قوله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ، تفسيرين: التفسير الذي فسر ذلك بالسفر ووجه الاستثناء على أنه استثناء من جواز قربان الصلاة في حالة الجنابة. وهو اتجاه الحنفية. وبناء عليه، فلا يجوز لجنب أن يدخل المسجد ولو مارا. والتفسير الثاني: وهو الذي فسر الاستثناء على أنه استثناء من جواز قربان محال الصلاة، وهي المساجد. وبالتالي فإن عبور المسجد للجنب عند الحاجة على هذا المذهب جائز. قال ابن كثير: (ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد ويجوز المرور، وكذا الحائض، والنفساء أيضا في معناه إلا أن بعضهم قال يحرم مرورهما، لاحتمال التلويث، ومنهم من قال: إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور، جاز لها المرور). وذكر ابن كثير أدلة الطرفين، ولكل دليله. وأما المكث في المسجد للجنب فإن أبا حنيفة، ومالكا، والشافعي يحرمون على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل، أو يتيمم إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله بطريقه، وذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجد لما روى هو، وسعيد بن منصور في سننه، بسند صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. ٦ - وفي حد المرض الذي يبيح التيمم، قال ابن كثير: (أما المرض المبيح للتيمم، فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء فوات عضو، أو شينه، أو تطويل البرء). ومن العلماء من جوز التيمم بمجرد المرض، لعموم الآية. ٧ - وفي تفسير الصعيد في الآية، أقوال قال ابن كثير: (والصعيد، قيل هو: كل ما صعد على وجه الأرض. فيدخل فيه التراب، والرمل، والشجر، والحجر، والنبات. وهو قول مالك. وقيل: ما كان من جنس التراب. كالرمل والزرنيخ، والنورة. وهذا مذهب أبي حنيفة. وقيل: هو التراب فقط. وهو قول الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهما). ثم ذكر أدلة القول الأخير. ٨ - وعند قوله تعالى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ قال ابن كثير: التيمم بدل عن الوضوء في التطهير، لا أنه بدل منه فى جميع أعضائه بل يكفي مسح الوجه واليدين بالإجماع. ولكن اختلف الأئمة في كيفية التيمم على أقوال: أحدها- وهو مذهب الشافعي في الجديد- أنه يجب أن يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين

стр. 1043

بضربتين، لأن لفظ اليدين، يصدق إطلاقه على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ الكفين كما في آية السرقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما. قالوا: وحمل ما أطلق هاهنا على ما قيد في آية الوضوء أولى، لجامع الطهورية). ثم ذكر أدلة الطرفين. والأمر فيه سعة. وفي سورة المائدة عند آية الوضوء زيادة بيان. وبعد أن ذكرت هنا في هذا المقطع هذه الآية عن الصلاة، ومحلها من التقوى والعبادة ما نعلم، تأتي هنا مجموعة آيات تتكرر فيها أَلَمْ تَرَ. توضح الرؤية للمتقين. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ* وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً* مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ. وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا* يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا* إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً. أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً. كلمة في السياق: في محور سورة النساء من البقرة أمر بالعبادة ونهي عن الشرك، والهدف هو الوصول إلى التقوى، ولا عبادة ولا توحيد ولا تقوى إلا إذا وضحت رؤيتنا لمواقف أهل الكتاب وهذه المجموعة توضح الرؤية لذلك يرد فيها قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ* ثلاث مرات وفي سياقها يأتي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ.

стр. 1044

المعنى العام يخبر تعالى في هذه المجموعة من الآيات عن اليهود- عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة- أنهم يشترون الضلالة بالهدى، ويعرضون عما أنزل الله على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأولين في صفة محمد ﷺ . يشترون به ثمنا قليلا من حطام الدنيا. ويودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون، وتتركون ما أنتم عليه من الهدى، والعلم النافع. ثم بين الله- أنه الأعلم منا بأعدائنا. ثم ذكرنا أنه كفى به وليا لمن لجأ إليه، ونصيرا لمن استنصره، ثم بين لنا بعض طبائع اليهود في كونهم يتأولون كتاب الله على غير تأويله. ويفسرونه بغير مراد الله- منه قصدا وافتراء. ومن صفاتهم، أنهم يعلنون السمع، والعصيان، بدلا من إعلان السمع والطاعة. وهذا أبلغ في الكفر، والعناد. أن يتولى الإنسان عن كتاب الله بعد ما عقله. ومن صفاتهم، أنهم يقولون لرسول الله ﷺ : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ. أي: اسمع ما نقول، لا سمعت. استهزاء منهم، واستهتارا. فما أحقره من خلق. ومن صفاتهم أنهم يقولون القول ويريدون غيره، إيهاما للسامع، كقولهم لرسول الله ﷺ وَراعِنا التي ظاهرها طلب الإقبال والرعاية. وهم يريدون السب بإرادتهم الرعونة، أو بإرادتهم كلمة عبرانية معناها سب. ثم بين الله- أنهم لو أعلنوا السمع والطاعة، وطلبوا السمع والإنظار، لكان خيرا لهم، وأقوم. ولكن قلوبهم مطرودة عن الخير، مبعدة عنه، فلا يدخلها من الإيمان شئ نافع لهم، بسبب الكفر المستقر في قلوبهم. ثم نادى الله أهل الكتاب، آمرا بالإيمان بما نزل على رسوله ﷺ من الكتاب العظيم، الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات. ومهددا لهم إن لم يفعلوا أن يطمس وجوههم. فلا يبقي لهم سمعا، ولا بصرا. ولا أنفا. ومع ذلك يردها إلى ناحية الأدبار. أو يفعل بهم كما فعل بالذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد، وقد مسخوا قردة وخنازير. ثم هدد الله- أنه إذا أمر بأمر فإنه لا يخالف، ولا يمانع. ثم بين الله- الأصل العظيم الذي يعامل به عباده. وهو أنه من لقيه وهو مشرك به لا يغفر له. أما ما دون ذلك من الذنوب، فإنه يغفرها إن شاء. أو يعذب عليها إن شاء. ثم بين أن الشرك بالله إنما هو افتراء يأثم به صاحبه إثما عظيما. ثم يعود السياق إلى لفت نظر أهل الإيمان إلى حالة أخرى من حالات أهل الكتاب ينبغي أن تكون واضحة عند أهل الإيمان. هذه الحالة الثانية هي مدح أهل الكتاب لأنفسهم ودعاواهم، كقولهم نحن أبناء الله

стр. 1045

وأحباؤه. ثم يبين الله- أن الشأن ليس أن تزكي نفسك ولكن أن يزكيك الله، فالمرجع إليه، لأنه أعلم بحقائق الأمور وغوامضها، وأنه لا يظلم أحدا من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل (وهو ما يكون في شق النواة). ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يرى افتراءهم على الله الكذب في تزكيتهم أنفسهم، ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودات، والأمر لرسول الله ﷺ بالرؤية يؤكد أن هدف المجموعة هو توضيح الرؤية ثم بين الله- أنه كفى بصنيعهم هذا كذبا وافتراء ظاهرا. وبعد أن وضح الله للمؤمنين الرؤية في هاتين القضيتين، وضح لهم الرؤية في قضية ثالثة عند أهل الكتاب، وهي إيمانهم بالسحر والشيطان إيمان المطيع المستعمل، وأنهم يفضلون الكفار وعباد الأصنام على المسلمين بجهلهم، وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم، ثم بين أن هؤلاء يستحقون لعنة الله- وقد لعنهم- وأن الذي يلعنه الله فإن أحدا ما لا يستطيع نصره. ثم أنكر الله- عليهم حالهم من أنهم لو كان لهم نصيب من الملك والتصرف لما أعطوا أحدا من الناس- ولا سيما محمدا ﷺ شيئا ولا ما يملأ النقير: وهو النقطة التي في النواة. ثم أنكر الله- حسدهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما رزقه من النبوة العظيمة. وكيف منعهم من تصديقهم إياه حسدهم له؛ لكونه من العرب، وليس من بني إسرائيل، ولكنها طبيعتهم، فقد جعل الله في أسباط بني إسرائيل- الذين هم من ذرية إبراهيم- النبوة، وأنزل عليهم الكتب، وحكم النبيون فيهم بالسنن، وهي الحكمة، وجعل منهم الملوك ومع هذا فمنهم من آمن به، أي: بهذا الإيتاء، وهذا الإنعام، ومنهم من صد عنه، أي: كفر به وأعرض عنه وسعى في صد الناس عنه، وهم منهم، ومن جنسهم، أي من بني إسرائيل فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟. ثم تهددهم الله بقوله: وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً. أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله. ونظرة إلى هذه المجموعة ترينا أنها توضح الرؤيا للمتقين بطبائع أهل الكتاب، ومواقفهم، كيلا نغتر بهم. ونظرة إلى واقع أهل الكتاب الحالي ترينا أن خصائصهم السيئة هذه مستمرة، مستقرة، سواء في ذلك اشتراؤهم الضلالة، وإرادتهم ضلالنا، ودعاواهم، وتزكيتهم لأنفسهم، وتزيينهم الكفر لأهله، وتفضيله على هذا الإسلام سواء كان مجوسية، أو بوذية، أو هندوسية، وحرصهم على الخير لأنفسهم. وحسدهم لمن أوتي شيئا من الفضل غيرهم، حتى إنهم ليسرقون كثيرا من النظريات

стр. 1046

التي كتبها الإسلاميون، ويرفضون أن ينسبوها إلى أصحابها. المعنى الحرفي: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ النصيب هنا: الحظ، والكتاب: هو التوراة لأن الكلام فيما يبدو منصب على اليهود، والرؤية هنا رؤية القلب يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ. أي: يستبدلونها بالهدى، والضلالة هي البقاء على ما هم عليه بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوة رسول الله ﷺ وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة والإنجيل وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ أي: ويودون أن تضلوا سبيل الحق كما ضلوه، يودون أن تكفروا بما أنزل على محمد ﷺ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ. أي: والله أعلم منكم بعداوة هؤلاء، فاحذروهم، ولا تستنصحوهم في أموركم. وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً أي: كفى به وليا في الدفع، فثقوا بولايته ونصرته دونهم، أو لا تبالوا بهم، فإن الله ينصركم عليهم، ويكفيكم مكرهم. مِنَ الَّذِينَ هادُوا ... هذا دليل على أن الآيات تنصب على نوع من أهل الكتاب وهم (اليهود) كما أن هذه تحدد المذكورين سابقا بلفظ الأعداء، وبالذين أوتوا نصيبا من الكتاب يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ. أي: يميلونه عنها ويزيلونه، لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلما غيره فقد أمالوه عن مواضعه في التوراة التي وضعه الله تعالى فيها، وأزالوه عنها. فمعنى عن مواضعه. أي: عن مواضعه التي أوجبت حكمة الله وضعه فيها، بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه، ومن ذلك صفة رسول الله ﷺ . وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا. أي: يقولون سمعنا قولك، وعصينا أمرك، ويحتمل أنهم أسروا به. وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ. أي: واسمع قولنا وأنت غير مسمع، وهو قول ذو وجهين: وجه يحتمل الذم، ووجه يحتمل المدح، وهم يريدون الذم، أما احتماله الذم فلأن معناه على هذا: اسمع منا مدعوا عليك بلا سمعت، لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع شيئا، فكان أصم غير مسمع، قالوا ذلك اتكالا على أن قولهم لا سمعت دعوة مستجابة، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك، فكأنك لم تسمع شيئا، وأما احتماله المدح فبمعنى: اسمع غير مسمع مكروها، من قولك أسمع فلان فلانا إذا سبه. وَراعِنا يحتمل: راعنا نكلمك، أي ارقبنا وانتظرنا، ويمكن أن يكونوا يريدون فيها الرعونة، فكانوا سخرية بالدين وهزءا برسول الله ﷺ يكلمونه بكلام محتمل ينوون به الشتيمة والإهانة، ويظهرون به التوقير والاحترام.

стр. 1047

ولماذا يفعلون ذلك؟ بين الله سبب فعلهم لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ اللي: هو الفتل والتحريف، أي: يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون راعنا موضع انظرنا، وغير مسمع موضع لا أسمعت مكروها، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقا. والطعن في الدين من أمثال قولهم: لو كان نبيا حقا لأخبر بما نعتقد فيه، فلينتبه المؤمنون إلى طرق اليهود، وأمثالهم في تحريف الكلم وفتله. وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا. بدل قولهم: سمعنا وعصينا، وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا. أي وقالوا: واسمع دون أن يلحقوا بها غير مسمع، وانظرنا بدل قولهم راعنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ. أي: لكان قولهم ذاك خيرا لهم عند الله، وأعدل وأسد وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ. أي: ولكن طردهم وأبعدهم عن رحمته بسبب اختيارهم الكفر. فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا يحتمل معنيين: إما أن قليلين منهم فقط هم الذين يؤمنون، وإما إن إيمانهم قليل، ضعيف، لا يعبأ به، وهو إيمانهم بخالقهم مع كفرهم بما هو من مقتضيات الإيمان. يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا: أي: آمنوا بالقرآن. مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ. من التوراة أي: آمنوا بالقرآن المصدق للتوراة. مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها الطمس: محو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم، والرد على الأدبار يحتمل أكثر من معنى، فإما أن يكون معناها: فنجعلها على هيئة أدبارها، وهي الأقفاء مطموسة مثلها، أو أن نطمس وجوها فنعكس الوجوه إلى خلف، والأقفاء إلى قدام. ويمكن أن تفهم الوجوه على أن المراد بها رءوس الناس، ووجهاؤهم، فيكون المعنى آمنوا من قبل أن نغير أحوال وجهائكم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم، ونكسوهم صغارهم وإدبارهم، أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ. أي: أو نخزيهم بالمسخ كما مسخنا أصحاب السبت. وبعض العلماء قال: إن هذا الوعيد كان معلقا بألا يؤمنوا كلهم، وقد آمن بعضهم، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا. أي: وكان المأمور به من الله وهو: العذاب في حالة أمر الله به كائنا لا محالة. إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ. أي: لمن مات على الشرك، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. أي: ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء ولو كان من الكبائر، ولو لم يكن توبة، هذا مذهب أهل السنة، وسنرى في الأحاديث ما يؤيده. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً. أي: ومن يشرك بالله فقد كذب كذبا عظيما، استحق به عذابا أليما. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ من اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله

стр. 1048

وأحباؤه، وأمثال ذلك، وهذا الوعيد يدخل فيه كل من زكى نفسه، فأثنى عليها، ووصفها بزكاء العمل، وزيادة الطاعة والتقوى. بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ هذا إعلام بأن تزكية الله هي التي يعتد بها، لا تزكية غيره، لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية. وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا. أي: قدر فتيل، وهو ما يحدث بفتل الأصابع من الوسخ، أو هو ما يكون في شق النواة. والضمير في وَلا يُظْلَمُونَ يعود إما على الذين يزكون أنفسهم، أو على من يزكيه الله فيكون المعنى على القول الأول: الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكية أنفسهم عقوبة عادلة دون ظلم، والمعنى على القول الثاني: إن من زكاه الله يثيبه على زكاء نفسه، ولا ينقصه شيئا من ثوابه. انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ. أي: في زعمهم أنهم عند الله أزكياء. وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً. أي وكفى بزعمهم هذا إثما واضحا من بين سائر آثامهم. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ. أي: اليهود الذين أعطوا حظا من الكتاب. يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ. أي: بما عبد من دون الله وَالطَّاغُوتِ. أي: الشيطان أو كل من تجاوز حدود الله. وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أي: يقولون للكافرين أنتم أهدى طريقا من محمد وأصحابه. روى ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن عكرمة قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب، وأهل العلم، فأخبرونا عنا، وعن محمد؟ فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العاني، ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج من غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير، وأهدى سبيلا. فأنزل الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ .... أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. أي: هؤلاء الذين أبعدهم الله من رحمته. وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً. أي: فلن تجد له ناصرا يعتد بنصره. أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً. النقير هو النقرة في ظهر النواة، وهو مثل في القلة كالفتيل. والاستفهام في الآية يفيد الإنكار. والمعنى: أي لو كان لهم نصيب من الملك، أي من ملك أهل الدنيا، أو من ملك الله، فإذا لا يؤتون أحدا مقدار نقير لفرط بخلهم. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. أي: بل أيحسدون رسول الله ﷺ والمؤمنين على ما آتاهم الله من القرآن، والنصر، والغلبة، وازدياد العز والتقدم كل يوم. وصفهم الله فى الآية السابقة بالبخل، وفي هذه الآية بالحسد، وهما

стр. 1049

من شر الخصال، يمنعون مالهم، ويتمنون ما لغيرهم، وفي الآية دليل على فساد الحسد واستقباحه فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ. أي: التوراة. وَالْحِكْمَةَ. أي: الموعظة والفقه. وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً، ملك يوسف وداود وسليمان ﵈. وهذا إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة آل إبراهيم الذين هم أسلاف محمد ﷺ ، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما آتى أسلافه. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ. أي: فمن اليهود من آمن بما ذكر من حديث آل إبراهيم، ومنهم من أنكره، ومنع الناس من الإيمان به، مع علمه بصحته! وهذا إلزام لهم بأنهم عاقون متمردون، فليس مستغربا كفرهم بمحمد ﷺ ، ومنهم من فسر النص بقوله: فمنهم من آمن بمحمد ﷺ ومنهم من كفر به، وصد عن دينه. والتفسير الأول هو الأكثر انسجاما مع السياق. وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً. أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم، ومخالفتهم كتب الله ورسله. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً .. يروي المفسرون أن هذه الآية كانت سبب إسلام كعب الأحبار، ومما يروونه في ذلك عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني قال: كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب، وكان يلومه في إبطائه عن رسول الله ﷺ قال: «فبعثه إليه ينظر أهو هو، قال كعب: فركبت حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ... الآية. فبادرت الماء، فاغتسلت، وإني لأمس وجهي مخافة أن أطمس، ثم أسلمت»، والمعروف أن كعبا أسلم في خلافة عمر فلعل هذه الحادثة في غير كعب، وهناك رواية أخرى تذكر إسلام كعب بسبب سماعه الآية في حمص وهو في طريقه إلى بيت المقدس. ٢ - روى الإمام أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه شيئا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله، فالشرك بالله، قال الله- إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الآية، وقال: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. وأما الديوان الذي لا يعبأ به شيئا، فظلم العبد نفسه بينه وبين الله من صوم يوم تركه، أو صلاة، فإن الله لا يغفر ذلك، ويتجاوز إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالة».

стр. 1050

٣ - وقد ورد في ذم التمادح والتزكية أحاديث، وقد أثنى رسول الله ﷺ على ناس مما يشير إلى أن المدح تعتوره أحكام متعددة على حسب الأحوال والأشخاص، فمما ورد في ذم التمادح والتزكية، ما ورد في صحيح مسلم عن المقداد بن الأسود قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المداحين التراب». وفي الصحيحين عن أبي بكرة «أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يثني على رجل فقال: ويحك قطعت عنق صاحبك، ثم قال: إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة، فليقل أحسبه كذا ولا يزكي على الله أحدا». وروى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه، وإياكم والتمادح فإنه الذبح». وقال ابن مسعود: «إن الرجل ليغدو بدينه، ثم يرجع وما معه منه شئ، يلقى الرجل ليس يملك له ضرا ولا نفعا فيقول له: إنك والله كيت وكيت، فلعله أن يرجع، ولم يحظ من حاجته بشيء وقد أسخط الله، ثم قرأ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ... الآية. ٤ - روى الإمام أحمد عن قبيصة بن مخارق أنه سمع النبي ﷺ قال: «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت» قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط فى الأرض، والجبت قال الحسن: الشيطان، وقال الإمام مالك في تفسير الجبت: هو كل ما يعبد من دون الله- أقول: كانوا يزجرون الطير ليبنوا على خطوط سيرها هل يقدمون على عمل أو لا، وكانوا يخطون بالرمل ليستخرجوا الغيب، فكل ذلك مع التطير من الجبت. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ، وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً. المعنى العام: بعد أن ذكر الله- فى الآيات السابقة كفر أهل الكتاب، وأنه لا يغفر شرك من أشرك به، يبين في آيتين من هذه الآيات الثلاث التي هي خاتمة هذا المقطع جزاء الكافرين والمؤمنين، ثم يصدر للمؤمنين أمرين، لا يكون المؤمن تقيا إلا بهما.

стр. 1051

يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته، وصد عن رسله، بأنه سيدخلهم نارا دخولا يحيط بجميع أجرامهم، وأجزائهم، ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم، وأنه كلما احترقت جلودهم، بدلوا جلودا غيرها، حتى إنه ليتبدل في الساعة مائة مرة كما روي عن عمر، وفي رواية مائة وعشرين مرة، وكلا الروايتين عن عمر يرفعها إلى رسول الله ﷺ . وقد روى الإمام أحمد عن النبي ﷺ قال: «يعظم أهل النار في النار، حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد» ثم ختم الله- الآية الأولى بوصف ذاته بالعزة والحكمة، وهما يفيدان في هذا المقام غلبة الله بالانتقام، وأنه لا يمتنع عليه شئ مما يريده بالمجرمين، وعقوبته لهم هي الحكمة عينها. وإذ بين عقوبة الكافرين، بين فيما بعد جزاء المؤمنين، فأخبر عن مآل السعداء في جنات عدن التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها، ومحالها، وأرجائها، حيث شاءوا، وأين أرادوا، وهم خالدون فيها أبدا، لا يحولون ولا يزولون، ولا يبغون عنها حولا، ولهم فيها أزواج مطهرة من الحيض والنفاس والأذى، والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة، ويدخلهم ظلا عميقا كثيرا غزيرا طيبا أنيقا، وقد روى ابن جرير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها- شجرة الخلد». وقال تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ. (سورة الرحمن) ثم أمر الله- المؤمنين أمرين- كلاهما ضروري في قضية التقوى: الأمر الأول: فى أداء الأمانات إلى أهلها، وهو يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله- على عباده من الصلاة، والزكاة، والصيام، والكفارات، والنذور، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك، مما يأتمنون به من غير اطلاع وبينة على ذلك. فأمر الله- بأدائها. ومن ذلك قيام كل إنسان برعاية مسئولياته حتى قال ابن عباس: يدخل فيه وعظ السلطان النساء، يعني يوم العيد. والأمر الثاني: أمر منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس، ولا عدل إلا بإقامة حكم الله، وكل تصور للعدل غير ذلك، إنما هو انحراف وجهل وجور، ثم أثنى الله- على ما يأمرنا به من أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة. ثم ختم الله الآية والمقطع بتذكيرنا بأنه سميع لأقوالنا بصير بأفعالنا.

стр. 1052

المعنى الحرفي: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً. أي: سوف ندخلهم نارا. كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ. أي: كلما أحرقت. بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها قال النسفي: أي: أعدنا تلك الجلود غير محترقة. فالتبديل والتغير لتغاير الهيئتين، لا لتغاير الأصلين عند أهل الحق، وعن الفضل: يجعل النضيج غير نضيج. لِيَذُوقُوا الْعَذابَ. أي: ليدوم لهم ذوقه. وقد ذكر علماء التشريح أن الأعصاب التي تذوق الألم هي في الجلود، فما أعظم إعجاز هذا القرآن. وكيف لا يكون الأمر كذلك ومنزله خالق كل شئ، والعالم بكل شئ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً. أي: غالبا في انتقامه، حَكِيماً. في ما يفعله بالمجرمين. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ. أي اجتمع لهم الإيمان مع العمل الصالح، سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ. أي: من الأنجاس والحيض والنفاس وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا. أي: ظلا طويلا فينانا لا جوب فيه، ودائما لا تنسخه الشمس، وسجسجا لا حر فيه ولا برد، وليس إلا ظل الجنة كذلك. اجتمع لهم الخلود مع لذة النظر ولذة المتعة، ولذة المحيط دون منغصات، نسأل الله الجنة. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها. دخل في هذا الأمر أداء الفرائض التي هي أمانة الله تعالى التي حملها الإنسان، وحفظ الحواس التي هي ودائع الله تعالى، ودخل في ذلك الأمانات العادية التي يأتمن الناس بعضهم بعضا عليها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ أي: وإذا قضيتم بين الناس أن تقضوا بالسوية والإنصاف، بلا هوى ولا جور، بالقضاء بحكم الله. إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ. أي: إن الله نعم شيئا يعظكم به، أو إن الله نعم الشئ الذي يعظكم به، أي نعما يعظكم به ذلك، وهو المأمور به، من أداء الأمانات، والعدل في الحكم. إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً سميعا لأقوالكم، بصيرا بأعمالكم. وسبب نزول هذه الآية الأخيرة ما رواه ابن جرير عن ابن جريج قال: نزلت في عثمان بن طلحة، قبض منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة، فدخل في البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ ... الآية. فدعا عثمان إليه. فدفع إليه المفتاح. قال: «وقال عمر ابن الخطاب لما خرج رسول الله ﷺ من الكعبة وهو يتلو هذه الآية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ .... فداه أبي وأمي ما سمعته يتلوها قبل ذلك». وقد عرض ابن كثير مجموعة

стр. 1053

الروايات وقصة ذلك، ثم عقب على ذلك فقال: «وهذا من المشهورات» أن هذه الآية نزلت في ذلك. وسواء كانت نزلت في ذلك أو لا فحكمها عام. ولهذا قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية: هي للبر والفاجر، أي: هي أمر لكل أحد. وقال أكثر من مفسر، منهم زيد بن أسلم: إن هذه الآية إنما نزلت في الأمراء يعني الحكام بين الناس. فوائد: ١ - روى الإمام أحمد وأهل السنن عن رسول الله ﷺ قال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة السلام: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء». وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: «إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة، وإن كان قد قتل في سبيل الله فيقال: أد أمانتك، فيقول: فأنى أؤديها وقد ذهبت الدنيا؟! فتمثل له الأمانة في قعر جهنم فيهوي إليها فيحملها على عاتقة، قال فتنزل عن عاتقه فيهوي على إثرها أبد الآبدين، قال زاذان: فأتيت البراء فحدثته فقال: صدق أخي إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ... قال أبي بن كعب: من الأمانات أن المرأة ائتمنت على فرجها. ٢ - قال محمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وشهر بن حوشب «إن هذه الآية: أي وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. إنما نزلت في الأمراء يعني الحكام بين الناس» قال ابن كثير وفي الحديث: «إن الله مع الحاكم ما لم يجر فإذا جار وكله إلى نفسه». وفي الأثر «عدل يوم كعبادة أربعين سنة». ٣ - روى أبو داود وابن حبان في صحيحه وغيرهما عن أبي يونس مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها .. إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ويضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه ويقول: وهكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها، ويضع إصبعيه .. ». ٤ - رأينا أن كلمة (الأمانات) في الآية عامة وفي ذلك يقول الألوسي: «وأيا ما فالخطاب يعم كل أحد- كما أن الأمانات، وهي جمع أمانة مصدر سمي به المفعول- تعم الحقوق المتعلقة بذممهم من حقوق الله تعالى، وحقوق العباد، سواء كانت فعلية، أو قولية، أو اعتقاديه. وعموم الحكم لا ينافي خصوص السبب. وقد روي ما يدل على العموم عن ابن عباس، وأبي، وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأبي

стр. 1054

جعفر، وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهم، وإليه ذهب الأكثرون، وعن زيد بن أسلم وأختاره الجبائي وغيره أن هذا خطاب لولاة الأمر أن يقوموا برعاية الرعية، وحملهم على موجب الدين والشريعة، وعدوا من ذلك تولية المناصب مستحقيها، وجعلوا الخطاب الآتي لهم أيضا، وفي تصدير الكلام- بإن- الدالة على التحقيق، وإظهار الاسم الجليل، وإيراد الأمر على صورة الإخبار من الفخامة، وتأكيد وجوب الامتثال، والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه، ولهذا ورد من حديث ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا إيمان لمن لا أمانة له». وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «أربع إذا كن فيك فلا عليك فيما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة». وأخرج عن ميمون بن مهران «ثلاث تؤدين إلى البر والفاجر. الرحم توصل برة كانت أو فاجرة. والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر. والعهد يوفى به للبر والفاجر»، وأخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». والأخبار في ذلك كثيرة. ٥ - وفي آخر آية في المقطع أي في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ ... يقول صاحب الظلال: «هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة؛ وهذا هو خلقها: أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين «الناس» بالعدل، على منهج الله وتعليمه. والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى .. الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان؛ والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها «الإنسان» .. أمانة الهداية، والمعرفة، والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه. فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة. فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به. والاهتداء إليه، وعبادته، وطاعته. وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد، ولا إرادة ولا اتجاه. والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته، وإلى عقله وإلى معرفته، وإلى إرادته، وإلى اتجاهه، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله، بعون من الله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا .. وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات. ومن هذه الأمانة الكبرى، تنبثق سائر الأمانات، التي يأمر بالله أن تؤدى: ومن هذه

стр. 1055

الأمانات: أمانة الشهادة لهذا الدين .. الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له. ترجمة في شعورها وسلوكها. حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس. فيقولوا: ما أطيب هذا الإيمان وأحسنه وأزكاه؛ وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال! فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون .. والشهادة له بدعوة الناس إليه، وبيان فضله ومزيته- بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية- فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه، إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك. وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان- وهي إحدى الأمانات- ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض، منهجا للجماعة المؤمنة؛ ومنهجا للبشرية جميعا .. المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيله، وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة. فإقرار هذا المنهج في حياة البشر وهو كبرى الأمانات، بعد الإيمان الذاتي. ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة. ومن ثم ف «الجهاد ماض إلى يوم القيامة» على هذا الأساس .. أداء لإحدى الأمانات. ومن هذه الأمانات- الداخلة في ثنايا ما سبق- أمانة التعامل مع الناس؛ ورد أماناتهم إليهم: أمانة المعاملات والودائع المادية. وأمانة النصيحة للراعي وللرعية. وأمانة القيام على الأجيال الناشئة. وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها .. وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال .. فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدى؛ ويجملها النص هذا الإجمال. فأما الحكم بالعدل بين «الناس» فالنص يطلقه هكذا عدلا شاملا «بين الناس» جميعا. لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب. ولا عدلا مع أهل الكتاب، دون سائر الناس .. وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه «إنسانا». فهذه الصفة- صفة الناس- هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني. وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعا: مؤمنين وكفارا، أصدقاء وأعداء، سودا وبيضا، عربا وعجما .. والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل- متى حكمت في أمرهم- هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط في هذه الصورة- إلا على يد الإسلام، وإلا في حكم المسلمين، وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية .. والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة؛ فلم تذق له طعما قط، في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعا. لأنهم «ناس» لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه «الناس». وذلك هو أساس الحكم في الإسلام، كما أن الأمانة- بكل مدلولاتها- هي أساس الحياة في
следующие страницы →