Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته، وصد عن رسله، بأنه سيدخلهم نارا دخولا يحيط بجميع أجرامهم، وأجزائهم، ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم، وأنه كلما احترقت جلودهم، بدلوا جلودا غيرها، حتى إنه ليتبدل في الساعة مائة مرة كما روي عن عمر، وفي رواية مائة وعشرين مرة، وكلا الروايتين عن عمر يرفعها إلى رسول الله ﷺ . وقد روى الإمام أحمد عن النبي ﷺ قال: «يعظم أهل النار في النار، حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد» ثم ختم الله- الآية الأولى بوصف ذاته بالعزة والحكمة، وهما يفيدان في هذا المقام غلبة الله بالانتقام، وأنه لا يمتنع عليه شئ مما يريده بالمجرمين، وعقوبته لهم هي الحكمة عينها. وإذ بين عقوبة الكافرين، بين فيما بعد جزاء المؤمنين، فأخبر عن مآل السعداء في جنات عدن التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها، ومحالها، وأرجائها، حيث شاءوا، وأين أرادوا، وهم خالدون فيها أبدا، لا يحولون ولا يزولون، ولا يبغون عنها حولا، ولهم فيها أزواج مطهرة من الحيض والنفاس والأذى، والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة، ويدخلهم ظلا عميقا كثيرا غزيرا طيبا أنيقا، وقد روى ابن جرير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها- شجرة الخلد». وقال تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ. (سورة الرحمن) ثم أمر الله- المؤمنين أمرين- كلاهما ضروري في قضية التقوى:
الأمر الأول: فى أداء الأمانات إلى أهلها، وهو يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله- على عباده من الصلاة، والزكاة، والصيام، والكفارات، والنذور، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك، مما يأتمنون به من غير اطلاع وبينة على ذلك. فأمر الله- بأدائها. ومن ذلك قيام كل إنسان برعاية مسئولياته حتى قال ابن عباس: يدخل فيه وعظ السلطان النساء، يعني يوم العيد.
والأمر الثاني: أمر منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس، ولا عدل إلا بإقامة حكم الله، وكل تصور للعدل غير ذلك، إنما هو انحراف وجهل وجور، ثم أثنى الله- على ما يأمرنا به من أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة. ثم ختم الله الآية والمقطع بتذكيرنا بأنه سميع لأقوالنا بصير بأفعالنا.
стр. 1052
المعنى الحرفي:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً. أي: سوف ندخلهم نارا.
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ. أي: كلما أحرقت. بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها قال النسفي: أي: أعدنا تلك الجلود غير محترقة. فالتبديل والتغير لتغاير الهيئتين، لا لتغاير الأصلين عند أهل الحق، وعن الفضل: يجعل النضيج غير نضيج. لِيَذُوقُوا الْعَذابَ. أي: ليدوم لهم ذوقه. وقد ذكر علماء التشريح أن الأعصاب التي تذوق الألم هي في الجلود، فما أعظم إعجاز هذا القرآن. وكيف لا يكون الأمر كذلك ومنزله خالق كل شئ، والعالم بكل شئ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً. أي: غالبا في انتقامه، حَكِيماً. في ما يفعله بالمجرمين.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ. أي اجتمع لهم الإيمان مع العمل الصالح، سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ. أي: من الأنجاس والحيض والنفاس وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا. أي: ظلا طويلا فينانا لا جوب فيه، ودائما لا تنسخه الشمس، وسجسجا لا حر فيه ولا برد، وليس إلا ظل الجنة كذلك.
اجتمع لهم الخلود مع لذة النظر ولذة المتعة، ولذة المحيط دون منغصات، نسأل الله الجنة.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها. دخل في هذا الأمر أداء الفرائض التي هي أمانة الله تعالى التي حملها الإنسان، وحفظ الحواس التي هي ودائع الله تعالى، ودخل في ذلك الأمانات العادية التي يأتمن الناس بعضهم بعضا عليها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ أي: وإذا قضيتم بين الناس أن تقضوا بالسوية والإنصاف، بلا هوى ولا جور، بالقضاء بحكم الله. إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ.
أي: إن الله نعم شيئا يعظكم به، أو إن الله نعم الشئ الذي يعظكم به، أي نعما يعظكم به ذلك، وهو المأمور به، من أداء الأمانات، والعدل في الحكم. إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً سميعا لأقوالكم، بصيرا بأعمالكم. وسبب نزول هذه الآية الأخيرة ما رواه ابن جرير عن ابن جريج قال: نزلت في عثمان بن طلحة، قبض منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة، فدخل في البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ ... الآية. فدعا عثمان إليه. فدفع إليه المفتاح. قال: «وقال عمر ابن الخطاب لما خرج رسول الله ﷺ من الكعبة وهو يتلو هذه الآية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ .... فداه أبي وأمي ما سمعته يتلوها قبل ذلك». وقد عرض ابن كثير مجموعة
стр. 1053
الروايات وقصة ذلك، ثم عقب على ذلك فقال: «وهذا من المشهورات» أن هذه الآية نزلت في ذلك. وسواء كانت نزلت في ذلك أو لا فحكمها عام. ولهذا قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية: هي للبر والفاجر، أي: هي أمر لكل أحد. وقال أكثر من مفسر، منهم زيد بن أسلم: إن هذه الآية إنما نزلت في الأمراء يعني الحكام بين الناس.
فوائد:
١ - روى الإمام أحمد وأهل السنن عن رسول الله ﷺ قال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة السلام: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء». وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: «إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة، وإن كان قد قتل في سبيل الله فيقال: أد أمانتك، فيقول: فأنى أؤديها وقد ذهبت الدنيا؟! فتمثل له الأمانة في قعر جهنم فيهوي إليها فيحملها على عاتقة، قال فتنزل عن عاتقه فيهوي على إثرها أبد الآبدين، قال زاذان: فأتيت البراء فحدثته فقال:
صدق أخي إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ...
قال أبي بن كعب: من الأمانات أن المرأة ائتمنت على فرجها.
٢ - قال محمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وشهر بن حوشب «إن هذه الآية:
أي وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. إنما نزلت في الأمراء يعني الحكام بين الناس» قال ابن كثير وفي الحديث: «إن الله مع الحاكم ما لم يجر فإذا جار وكله إلى نفسه». وفي الأثر «عدل يوم كعبادة أربعين سنة».
٣ - روى أبو داود وابن حبان في صحيحه وغيرهما عن أبي يونس مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها .. إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ويضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه ويقول: وهكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها، ويضع إصبعيه .. ».
٤ - رأينا أن كلمة (الأمانات) في الآية عامة وفي ذلك يقول الألوسي:
«وأيا ما فالخطاب يعم كل أحد- كما أن الأمانات، وهي جمع أمانة مصدر سمي به المفعول- تعم الحقوق المتعلقة بذممهم من حقوق الله تعالى، وحقوق العباد، سواء كانت فعلية، أو قولية، أو اعتقاديه. وعموم الحكم لا ينافي خصوص السبب. وقد روي ما يدل على العموم عن ابن عباس، وأبي، وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأبي
стр. 1054
جعفر، وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهم، وإليه ذهب الأكثرون، وعن زيد بن أسلم وأختاره الجبائي وغيره أن هذا خطاب لولاة الأمر أن يقوموا برعاية الرعية، وحملهم على موجب الدين والشريعة، وعدوا من ذلك تولية المناصب مستحقيها، وجعلوا الخطاب الآتي لهم أيضا، وفي تصدير الكلام- بإن- الدالة على التحقيق، وإظهار الاسم الجليل، وإيراد الأمر على صورة الإخبار من الفخامة، وتأكيد وجوب الامتثال، والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه، ولهذا ورد من حديث ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا إيمان لمن لا أمانة له».
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «أربع إذا كن فيك فلا عليك فيما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة». وأخرج عن ميمون بن مهران «ثلاث تؤدين إلى البر والفاجر. الرحم توصل برة كانت أو فاجرة. والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر. والعهد يوفى به للبر والفاجر»، وأخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
«ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». والأخبار في ذلك كثيرة.
٥ - وفي آخر آية في المقطع أي في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ ... يقول صاحب الظلال:
«هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة؛ وهذا هو خلقها: أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين «الناس» بالعدل، على منهج الله وتعليمه.
والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى .. الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان؛ والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها «الإنسان» .. أمانة الهداية، والمعرفة، والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه. فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة. فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به. والاهتداء إليه، وعبادته، وطاعته. وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد، ولا إرادة ولا اتجاه. والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته، وإلى عقله وإلى معرفته، وإلى إرادته، وإلى اتجاهه، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله، بعون من الله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا .. وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من
الأمانات.
ومن هذه الأمانة الكبرى، تنبثق سائر الأمانات، التي يأمر بالله أن تؤدى: ومن هذه
стр. 1055
الأمانات: أمانة الشهادة لهذا الدين .. الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له. ترجمة في شعورها وسلوكها. حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس. فيقولوا: ما أطيب هذا الإيمان وأحسنه وأزكاه؛ وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال! فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون .. والشهادة له بدعوة الناس إليه، وبيان فضله ومزيته- بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية- فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه، إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك. وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان- وهي إحدى الأمانات- ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض، منهجا للجماعة المؤمنة؛ ومنهجا للبشرية جميعا .. المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيله، وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة. فإقرار هذا المنهج في حياة البشر وهو كبرى الأمانات، بعد الإيمان الذاتي. ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة. ومن ثم ف «الجهاد ماض إلى يوم القيامة» على هذا الأساس .. أداء لإحدى الأمانات.
ومن هذه الأمانات- الداخلة في ثنايا ما سبق- أمانة التعامل مع الناس؛ ورد أماناتهم إليهم: أمانة المعاملات والودائع المادية. وأمانة النصيحة للراعي وللرعية. وأمانة القيام على الأجيال الناشئة. وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها ..
وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال .. فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدى؛ ويجملها النص هذا الإجمال.
فأما الحكم بالعدل بين «الناس» فالنص يطلقه هكذا عدلا شاملا «بين الناس» جميعا. لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب. ولا عدلا مع أهل الكتاب، دون سائر الناس .. وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه «إنسانا». فهذه الصفة- صفة الناس- هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني. وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعا: مؤمنين وكفارا، أصدقاء وأعداء، سودا وبيضا، عربا وعجما .. والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل- متى حكمت في أمرهم- هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط في هذه الصورة- إلا على يد الإسلام، وإلا في حكم المسلمين، وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية .. والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة؛ فلم تذق له طعما قط، في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعا. لأنهم «ناس» لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه «الناس». وذلك هو أساس الحكم في الإسلام، كما أن الأمانة- بكل مدلولاتها- هي أساس الحياة في
стр. 1056
المجتمع الإسلامي. والتعقيب على الأمراء بأداء الأمانات إلى أهلها؛ والحكم بين الناس بالعدل، هو التذكير بأنه من وعظ الله- سبحانه- ونعم ما يعظ الله به ويوجه:
إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ. ونقف لحظة أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه.
فالأصل في تركيب الجملة: إنه نعم ما يعظكم الله به .. ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة، فيجعله «اسم إن» ويجعل نعم ما «نعما» ومتعلقاتها، في مكان «خبر إن» بعد حذف الخبر .. ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله- سبحانه- وهذا الذي يعظهم به .. ثم إنها لم تكن «عظة» إنما كانت «أمرا» .. ولكن التعبير يسميه عظة. لأن العظة أبلغ إلى القلب، وأسرع إلى الوجدان، وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة والحياة! ثم يجئ التعقيب الأخير في الآية؛ يعلق الأمر بالله ومراقبته وخشيته ورجائه: إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ..
والتناسق بين المأمور به من التكاليف؛ وهو أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس؛ وبين كون الله سبحانه «سميعا بصيرا» مناسبة واضحة ولطيفة معا .. فالله يسمع ويبصر، قضايا العدل، وقضايا الأمانة. والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير، وإلى حسن التقدير، وإلى مراعاة الملابسات والظواهر، وإلى التعمق فيما وراء الملابسات والظواهر. وأخيرا فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور.
وبعد: فالأمانة والعدل .. ما مقياسهما؟ ما منهج تصورهما وتحديدهما وتنفيذهما في كل مجال في الحياة، وفي كل نشاط للحياة؟.
أيترك مدلول الأمانة والعدل ووسائل تطبيقهما وتحقيقهما إلى عرف الناس واصطلاحهم؟ وإلى ما تحكم به عقولهم أو أهواؤهم؟
إن للعقل البشري وزنه وقيمته بوصفه أداة من أدوات المعرفة والهداية في الإنسان ..
هذا حق .. ولكن هذا العقل البشري هو عقل الأفراد والجماعات في بيئة من البيئات؛ متأثرا بشتى المؤثرات .. ليس هناك ما يسمى «العقل البشري» كمدلول مطلق! إنما هناك عقلي وعقلك، وعقل فلان وعلان، وعقول هذه المجموعة من البشر، في مكان ما وفي زمان ما .. وهذه كلها واقعة تحت مؤثرات شتى، تميل بها من هنا، وتميل بها من هناك .. ولا بد من ميزان ثابت، ترجع إليه هذه العقول الكثيرة؛ فتعرف عنده مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوراتها. ومدى الشطط والغلو، أو التقصير والقصور في هذه الأحكام والتصورات. وقيمة العقل البشري هنا هو أنه الأداة المهيأة للإنسان، ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان .. والميزان الثابت، الذي لا يميل مع
стр. 1057
الهوى، ولا يتأثر بشتى المؤثرات ... ولا عبرة بما يضعه البشر أنفسهم من موازين ..
فقد يكون الخلل في هذه الموازين ذاتها فتختل جميع القيم .. ما لم يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت القويم. والله يضع هذا الميزان للبشر، للأمانة والعدل، ولسائر القيم، وسائر الأحكام، وسائر أوجه النشاط، في كل حقل من حقول الحياة.
فصل: في مناقشة كلامية
مما حدث فيه نقاش كثير بين علماء الكلام، موضوع هل الذرات المادية التي خالطت جسد الإنسان هي عينها التي تلتحق بجسده ولها يكون العقاب والعذاب، أو ليس هذا ضروريا؟ ويستتبع هذا النقاش: هل الجلود التي يبدلها الله أهل النار هي الجلود نفسها يعيدها الله غير نضيجة؟
والقول الذي عليه جماهير المتكلمين هو: أن الذرات نفسها هي التي تنال العقاب والجزاء، وأن ذلك كائن بقدرة الله- والألوسي يرى الرأي الآخر ومن أجل أن تتضح آفاق النقاش ننقل كلامه في تفسير قوله تعالى كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ. يقول:
«أي أعطيناهم مكان كل جلد محترق عند احتراقه جلدا مغايرا للمحترق صورة، وإن كانت مادته الأصلية موجودة بأن يزال عنه الاحتراق فلا يرد أن الجلد الثاني لم يعص فكيف يعذب، وذلك لأنه هو العاصي باعتبار أصله فإنه لم يبدل إلا صفته، وعندي أن هذا السؤال مما لا يكاد يسأله عاقل فضلا عن فاضل، وذلك لأن عصيان الجلد وتألمه وتلذذه غير معقول، لأنه من حيث ذاته لا فرق بينه وبين سائر الجمادات من جهة عدم الإدراك والشعور وهو أشبه الأشياء بالآلة؛ فيد قاتل النفس ظلما مثلا آلة كالسيف الذى قتل به، ولا فرق بينهما إلا بأن اليد حاملة للروح، والسيف ليس كذلك، وهذا لا يصلح وحده سببا لإعادة اليد بذاتها وإحراقها؛ دون إعادة السيف وإحراقه؛ لأن ذلك الحمل غير اختياري، فالحق أن العذاب على النفس الحساسة بأي بدن حلت، وفي أي جلد كانت وكذا يقال في النعيم، ويؤيد هذا أن من أهل النار من يملأ زاوية من زوايا جهنم وأن سن الجهنمي كجبل أحد، وأن أهل الجنة يدخلونها على طول آدم ﵇ ستين ذراعا في عرض سبعة أذرع، ولا شك أن الفريقين لم يباشروا الشر والخير بتلك الأجسام، بل من أنصف رأى أن أجزاء الأبدان في الدنيا لا تبقى على كميتها كهولة وشيوخة، وكون الماهية واحدة لا يفيد لأنا لم ندع فيما نحن فيه أن الجلد الثاني
стр. 1058
يغاير الأول كمغايرة العرض للجوهر، أو الإنسان للحجر بل كمغايرة زيد المطيع لعمرو العاصي مثلا على أنه لو قيل: إن الكافر يعذب أولا ببدن من حديد تحله الروح، وثانيا ببدن من غيره كذلك لم يسغ لأحد أن يقول: إن الحديد لم يعص فكيف أحرق بالنار ولولا ما علم من الدين بالضرورة من المعاد الجسماني بحيث صار إنكاره كفرا لم يبعد عقلا القول بالنعيم والعذاب الروحانيين فقط.
ولما توقف الأمر عقلا على إثبات الأجسام أصلا، ولا يتوهم من هذا أني أقول باستحالة إعادة المعدوم- معاذ الله تعالى- ولكني أقول بعدم الحاجة إلى إعادته وإن أمكنت، والنصوص في هذا الباب متعارضة، فمنها ما يدل على إعادة الأجسام بعينها بعد إعدامها، ومنها ما يدل على خلق مثلها وفناء الأولى، ولا أرى بأسا بعد القول بالمعاد الجسماني في اعتقاد أي الأمرين كان، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في الآيات التي يدل ظاهرها على إعادة العين مثل قوله سبحانه: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وما في شرح البخاري للسفيري- من أنه لا تزال الخصومة بين الناس حتى تختصم الروح والجسد يوم القيامة، فتقول الروح للجسد: أنت أمرت وأنت سولت، ولولاك لكنت بمنزلة الجذع الملقى لا أحرك يدا ولا رجلا، فيبعث الله تعالى ملكا يقضي بينهما فيقول لهما: إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير وآخر ضرير دخلا بستانا فقال المقعد للضرير: إني أرى هاهنا ثمارا لكن لا أصل إليها. فقال له الضرير: أركبني فتناولها فأيهما المتعدي؟ فيقولان: كلاهما فيقول لهما الملك: فإنكما قد حكمتما على أنفسكما- لا أراه صحيحا لظهور الفرق بين المثال والممثل له فإن الحامل فيما نحن فيه لا اختيار له ولا شعور بوجه من الوجوه اللهم إلا أن يكون هناك شعور لكن لا شعور لنا به. ولعل لنا عودة إن شاء الله تعالى لتحقيق هذا المقام، ثم إن هذا التبديل كيفما كان يكون في الساعة الواحدة مرات كثيرة.
فقد أخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، عن ابن عمر قال: «قرئ عند عمر هذه الآية فقال كعب: عندي تفسيرها قرأتها قبل الإسلام فقال هاتها يا كعب فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله ﷺ صدقناك. قال: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعته من رسول الله ﷺ ، وأخرج ابن أبي شيبة. وغيره عن الحسن قال: «بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة كلما أنضجتهم النار وأكلت لحومهم قيل لهم: عودوا فعادوا».
стр. 1059
لِيَذُوقُوا الْعَذابَ أي ليدوم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز: أعزك الله. والتعبير عن إدراك العذاب بالذوق من حيث إنه لا يدخله نقصان بدوام الملابسة، أو للإشعار بمرارة العذاب مع إيلامه، أو للتنبيه على شدة تأثيره من حيث إن القوة الذائقة أشد الحواس تأثيرا أو على سرايته للباطن، ولعل السر في تبديل الجلود- مع قدرته تعالى على إبقاء إدراك العذاب وذوقه بحال مع الاحتراق أو مع بقاء أبدانهم على حالها مصونة عنه- أن النفس ربما تتوهم زوال الإدراك ولا تستبعد كل الاستبعاد أن تكون مصونة عن التألم والعذاب صيانة بدنها عن الاحتراق قاله مولانا شيخ الإسلام، وقيل: السر في ذلك أن في النضج والتبديل نوع إياس لهم وتجديد حزن على حزن» اهـ كلام الألوسي.
أقول: وأنا أرجح القول الذي ذهب إليه النسفي وغيره وأثبتناه في صلب التفسير. وسنفصل في هذا الموضوع- إن شاء الله- عند قوله تعالى قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ (سورة ق).
كلمة في السياق:
ابتدأ هذا المقطع بتحريم الصلاة في حالة السكر مبينا الحكمة في ذلك، ثم بصرنا بمواقف أهل الكتاب منا وحالهم، ثم بين جزاء الكافرين وجزاء المؤمنين، ثم أمر بأداء
الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل. فلنر صلة هذا المقطع بمحور السورة من البقرة:
قلنا إن محور سورة النساء هو الآيات الخمس بعد مقدمة سورة البقرة، ونلاحظ أن في الآيات الخمس قوله تعالى: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وفي هذا المقطع ذكر للصلاة وهي عبادة. وفي الآيات الخمس من البقرة قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وفي هذا المقطع نجد قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وفي الآيات الخمس من البقرة قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ونجد في المقطع قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ.
стр. 1060
وفي الآيات الخمس من البقرة نجد قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ، وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ.
ونجد في هذا المقطع قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا.
وإذا كانت آيات المحور تأمر بالعبادة كطريق للتقوى، فإن من التقوى أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين الناس بالعدل، وقد ختمت آيات المقطع بهذين الأمرين فالصلة بين محور السورة من البقرة وبين المقطع على أتمها وأكملها، وقد رأينا من قبل بعض معالم السياق الخاص للمقطع وصلته بسياق سورة النساء.
قلنا إن سورة النساء تفصل في محورها من سورة البقرة وارتباطات هذا المحور وامتداداته، ومن المعاني الشديدة الصلة في سورة البقرة بمحور سورة النساء: قوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
وقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ.
وقوله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ
وقوله تعالى وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ....
وقوله تعالى وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ.
وقوله تعالى فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ.
والملاحظ أن هذه المعاني وغيرها شدت إلى محور سورة البقرة، وفصلت فيها سورة النساء في مقاطعها الأربعة التي مرت معنا والتي انتهت بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
والملاحظ أن كل ما مر معنا قبل هذه الآية يدخل في موضوع الأمانات بمعناها العام وكثير
стр. 1061
مما مر معنا يدخل في قضايا العدل، والملاحظ أن المقاطع التالية لها صلة بهذه الآية:
فالطاعة لله، والرسول ﷺ ، ولأولي الأمر، هي مظهر الأمانة الأول، والاحتكام لله والرسول هو واجب الحاكم الأول وهو من الأمانة، والطاعة هي الأساس الذي عليه يقوم القتال وهي من الأمانة، والقتال به تقوم الحياة الإسلامية وهو من الأمانة. وبعد الكلام عن الطاعة والقتال يأتي مقطع يبدأ بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وينتهي بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ فهذا المقطع له علاقة بالعدل فالمقاطع اللاحقة لها علاقة بالأمانة وبالعدل وذلك مرتبط بموضوع الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. ومن هنا ندرك بعض صلة المقاطع التالية ببعضها وصلتها بما قبلها، والأمر أوسع من ذلك كما سنرى فلننتقل إلى المقطع الخامس:
المقطع الخامس
ويمتد من الآية (٥٩) إلى نهاية الآية (٧٠) وهذا هو:
[سورة النساء (٤): الآيات ٥٩ الى ٦١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١)
стр. 1062
[سورة النساء (٤): الآيات ٦٢ الى ٧٠]
فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا
أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦)
وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠)
كلمة في هذا المقطع
واضح أن هذا المقطع موضوعه الرئيسي طاعة الله والرسول ﷺ أي طاعة الكتاب والسنة، والاهتداء بهما، وهو ركن من أركان التقوى كما نعلم.
لقد رأينا في مقدمة سورة البقرة أن أول ما وصف به المتقون هو أن القرآن هداهم
стр. 1063
الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. ورأينا أن المقطع الأول في سورة البقرة يبدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وقلنا هناك إن المقطع الأول الآتي بعد مقدمة سورة البقرة يدلنا على الطريق لنكون من المتقين، والطريق هو العبادة، وإذا كانت سورة النساء تفصيلا لقضيتي العبادة والتقوى، وإذا كان من التقوى الاهتداء بالكتاب، فإن المقطع الذي بين أيدينا يفصل في هذا الموضوع.
وإذ جاءت سورة النساء تفصيلا لقضية التقوى والعبادة، وما يدخل فيهما فإننا نرى أن هذا المقطع يذكرنا بطاعة الله والرسول ﷺ وكيف أنه لا إيمان بالقرآن ولا إيمان بالرسول ﷺ ، ولا إيمان بالله إلا بالطاعة لله والرسول ﷺ .
لاحظ الصلة بين قوله تعالى في مقدمة سورة البقرة: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وبين قوله تعالى في هذا المقطع: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ
إن ادعاء التقوى دون سلوك طريقها دعوى زائفة. إن سورة النساء التي تفصل في المحور- الذي دعا الناس إلى السير في الطريق الذي يوصل إلى التقوى- تفصل لنا في الطريق، وتوضح لنا ماهية التقوى، فالمقطع واضح الصلة بسياق السورة واضح الصلة بمحورها. ومن خلال قوله تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ندرك أن هناك صلة بين المقطع وبين الآية السابقة عليه وهي: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
فصيغة العدل الوحيدة هي هذا الدين في مصدرية الرئيسين الكتاب والسنة، وفي مصادره الفرعية الملتزمة بالكتاب والسنة والمنبثقة عنهما.
إنه من خلال أدنى نظرة إلى المقطع ندرك أن المقطع وحدة متكاملة موضوعها (الطاعة) فالآية الأولى فيه: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
стр. 1064
والآيتان الأخيرتان فيه: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ ... ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ فالمقطع يبدأ بالأمر بطاعة الله والرسول ﷺ ، وأولي الأمر من المسلمين في طاعة الله، وأن على كل المسلمين أن يرجعوا إلى الكتاب والسنة حال التنازع، وفي المقطع حديث عمن يدعي الإيمان ويريد أن يتحاكم إلى الطاغوت، وإذا دعي إلى الله والرسول ﷺ أو إلى الكتاب والسنة أعرض فهؤلاء هم المنافقون. والمقطع يبين لنا أن الله- ما أرسل رسولا إلا ليطاع، فهؤلاء الذين يعصون رسول الله ﷺ لم يحققوا ما يقتضيه إرسال الرسل لهم، وقد بين المقطع أنه لا إيمان إلا بتحكيم الرسول ﷺ في النزاع والتسليم لحكمه، وأن على المؤمن أن يطيع الله، ولو كان في ذلك ترك الأوطان، وقتل الأنفس، وأن عاقبة الطاعة لله والرسول ﷺ حميدة، ثم ذكرنا المقطع بأن الطاعة لله والرسول ﷺ تجعل صاحبها مع المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا يذكرنا بصلة المقطع بالمحور، وصلة المحور بمقدمة سورة البقرة، وصلة مقدمة سورة البقرة بسورة الفاتحة صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ.
المعنى العام للمقطع:
يأمر بطاعة الله، وطاعة الرسول ﷺ ، وذلك بطاعة كتابه، والأخذ بسنة رسوله ﷺ . كما يأمر بطاعة أولي الأمر فيما يأمرون من طاعة الله، لا في معصيته.
وأولو الأمر في الأصل: العلماء والأمراء. ثم أمر تعالى أن يرد كل تنازع يقع بين الناس في أصول الدين، أو فروعه، أو في أي أمر إلى الكتاب والسنة. ثم بين أن علامة الإيمان بالله واليوم الآخر هو رد الخصومات إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ والاحتكام إليهما في كل شئ مما شجر فيه خلاف، فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر، ثم بين أن التحاكم إلى كتاب الله، وسنة رسوله، والرجوع إليهما في فصل النزاع هو الخير والأحسن عاقبة ومآلا، والأحسن جزاء.
ثم يلفت الله نظر رسوله ﷺ ، والمؤمنين المتقين إلى من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله، وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فيعدلون عنهما، ويتحاكمون إلى ما سواهما من
стр. 1065
الباطل، مع أن الله- أمرهم أن يكفروا بالطاغوت، وهو الباطل هنا، وهو كل ما خالف الكتاب والسنة، وما يفعلون ذلك إلا طاعة للشيطان الذي يريد إضلالهم الضلال البعيد. ثم أكمل الله- وصف حالهم بأنهم عند ما يدعون إلى كتاب الله وإلى رسول الله، لا يكون منهم إلا الإعراض الشديد. ثم قال الله مهددا مبينا أن هؤلاء المنافقين ستنزل بهم مصائب بسبب مواقفهم، وعندئذ يأتون رسول الله ﷺ حالفين كذبا وزورا. وقد سيق هذا المعنى بعبارة مضمونها،
فكيف إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، فاحتاجوا إليك فجاءوك يعتذرون إليك، ويحلفون ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى أعدائك إلا الإحسان والتوفيق، أي المداراة والمصانعة، لا اعتقادا منا صحة تلك الحكومة، وذلك دأب المنافقين يسيرون تحت لواء الكافرين. ثم يدعون أنهم فعلوا ذلك بقصد الإحسان والتوفيق. ولا تعبير يستطيع أن يحل محل اعتذار المنافقين بإرادتهم الإحسان والتوفيق في سيرهم مع الكافرين، أو في الرضوخ لحكمهم. كتعبيرهم ذلك في التغطية على فعلتهم.
ثم بين الله- لرسوله ﷺ أن هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم، وسيجزيهم على ذلك. فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف بعلمه فيهم، فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم، فلا تعنفهم على ما في قلوبهم، وانههم بوعظك عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر، وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم. وبهذا اكتملت هذه الصورة للمنافقين. وهي صورة لمن يرفض الاحتكام للكتاب والسنة، ويحتكم في شأنه إلى غيرهما، وما ينبغي أن يكون الموقف منهم. فدل على أن الاهتداء بكتاب الله، وقبول الاحتكام له، والخضوع لحكمه هو الذي يحدد تقوى الإنسان أو نفاقه.
ثم بين الله- أن ما أمر به من طاعته وطاعة رسوله هو الأصل الدائم عنده، فما أرسل رسولا إلا من أجل أن يطاع، ولا يطيع الرسل إلا من وفقه الله، ثم أرشد الله تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول ﷺ فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك، تاب الله عليهم ورحمهم، وغفر لهم. ثم أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا إيمان حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهرا وباطنا، فكما تجب الطاعة الظاهرة، يجب الانقياد الباطني لحكمه بالتسليم الكلي من غير
стр. 1066
مخالفة ولا مدافعة، ولا منازعة. ثم بين تعالى أن الخير كله في طاعة الله مهما كان في الطاعة من مشقة على النفس، حتى لو كان الأمر فيه قتل الأنفس، وترك الديار، والهجرة منها. ففعل الأمر كائنا ما كان هو الخير، وهو الذي يزيد من ثبات المؤمن على إيمانه، والله يأجر أصحاب ذلك على ذلك الجنة والهداية في أمر الدنيا والآخرة. ثم بشر الله- مطيعي الله ورسوله الذين يعملون بما أمر الله ورسوله، ويتركون ما نهى الله عنه ورسوله، بشر الله- من كان كذلك بأنه يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقا للأنبياء ومن بعدهم في الرتبة وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين، وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم، وما أحسن هؤلاء من رفقة، ما أحسن معيتهم، وما أحسن صحبتهم، وما أحسن مرافقتهم، وما أحسن عشرتهم. ثم ختم الله- هذا المقطع بتبيان أن الفضل فضله إذا وفق إنسانا لطاعته أو أعطاه فذلك من آثار رحمته إذ هو سبحانه الذي أهل هؤلاء لذلك، وما أهلهم وتفضل عليهم إلا لعلمه بهم، فهو العليم بمن يستحق الهداية والتوفيق.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ بطاعة كتابه، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ بطاعة شخصه في حياته، وطاعة سنته بعد وفاته. وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ. أي: من المسلمين. أما غير المسلم فلا ولاية له على المسلم ولا طاعة. وأولو الأمر هم الأمراء المسلمون. هذا الذي يفهم من سبب النزول. وقال ابن عباس: هم أهل الفقه والدين، ولا تعارض، لأن الأصل أن يكون الأمراء علماء فقهاء. أخرج الدارمي عن تميم الداري أن عمر قال «لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة فمن سوده قومه على الفقه كان حياة له ولهم، ومن سوده قوم على غير فقه كان هلاكا له ولهم»، فإن لم يكونوا كذلك فعليهم أن يرجعوا في شئون ولايتهم إلى العلماء، ومن ثم فالعلماء فوقهم، ولكن يبقى لهم حق الطاعة على العلماء فيما سوى ذلك إن كانوا ولاة عدل وعدولا. فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ. أي: فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر في شئ من أمور الدين، أو اختلفتم فيما بينكم فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. أي:
فارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. إذ إن الإيمان مقتضاه الطاعة، ومن مقتضى الطاعة الرجوع إلى الكتاب والسنة في حالة النزاع ذلِكَ خَيْرٌ. أي: الرد إلى الكتاب والسنة خير في العاجل وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا وأحسن في الآجل أي وأحسن عاقبة.
стр. 1067
فوائد:
١ - قال النسفي: دلت الآية على أن طاعة الأمراء واجبة، إذا وافقوا الحق، فإن خالفوه فلا طاعة لهم. وروى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن علي ﵁ قال:
«بعث رسول الله ﷺ سرية، واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، فلما خرجوا، وجد عليهم في شئ، قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني، قالوا:
بلى، قال فاجمعوا لي حطبا، ثم دعا بنار فأضرمها فيه ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها.
قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال لهم: لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف». وقال ﵊ في الحديث الصحيح: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة».
٢ - وبمناسبة ذكر ولاة الأمر نقول: إن ولي الأمر عندنا في الأصل هو الخليفة الذي تنبثق إمرته عن شورى المسلمين، ومهمته إقامة الكتاب والسنة، والأمر له في الطريقة التي يختارها لتعيين الولاة والمساعدين. إن شاء أن يجعلها شورى، أو يعين تعيينا، ويجب على المسلمين طاعته وطاعة عماله في المعروف. روى مسلم عن أم الحصين أنها سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع يقول: «ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله اسمعوا وأطيعوا».
٣ - ليس هناك أهم في الإسلام من ثلاث قضايا، القضيتان الأولى والثانية:
التقوى والعبادة وهما متلازمتان. القضية الثالثة: الطاعة. لذلك كانت الأوامر الرئيسية التي وجهها الرسل لأقوامهم هي: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* (الشعراء) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (نوح) ولذلك كان من أهم الفقه في دين الله فقه العبادة والتقوى والطاعة، كيف نعبد الله ؟ وبماذا نعبده؟ وما هو مضمون التقوى؟ وكيف نتحقق به؟ ولمن نعطي طاعتنا؟ لله والرسول ﷺ فذلك واضح، وطاعة أولي الأمر في حال الاستقامة والسلامة واضحة، وذلك إذا كان هناك خلافة راشدة بل وحتى خلافة ظالمة لكنها تعترف لله بالحاكمية وتقيم كتاب الله على ضعف أو ظلم. ولكن حيث لا خلافة راشدة ولا ظالمة فلمن تعطى الطاعة؟ عند ما يكون النظام كافرا فلمن تعطى الطاعة؟ هناك الطاعة لسلطان القانون والنظام فهذه مفروضة على المسلم كرها وهذه ليست محل بحثنا، وإنما محل بحثنا لمن يعطي المسلم طاعته الاختيارية؟ فعند ما يكون في
стр. 1068
نظام كفري فإنه لا تدخل طاعته في قوله تعالى: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ولكن سلطان القانون يطالبه فهو مضطر للطاعة الإجبارية، والذي نستطيع أن نفتي به هو أن الطاعة الاختيارية في هذه الحالة تكون للعلماء الربانيين فهم وراث النبوة. وعلى مثل هذا نستطيع أن نحمل حملا مباشرا كلام ابن عباس في تفسير: أولي الأمر بأنهم العلماء الفقهاء ويشهد لما ذكرناه بعض روايات حديث حذيفة «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وأسأله عن الشر مخافة أن يدركني» فهذا الحديث أصل عظيم في الفتوى فيما يكون بعد رسول الله ﷺ ، ففي بعض روايات أبي داود لهذا الحديث ما يلي:
«قلت يا رسول الله ثم ماذا؟ قال: إن كان لله خليفة في الأرض فضرب ظهرك وأخذ مالك فأطعه وإلا فمت وأنت عاض بجذل شجرة»، وفى رواية أخرى: أن رسول الله ﷺ كان يكرر أمرا ثلاث مرات، في كل مرحلة تمر، هذا الأمر هو:
«تعلم كتاب الله واتبع ما فيه»، وفي هذا إشارة إلى التلمذة على الربانيين قال تعالى:
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ فتعلم كتاب الله يقتضي أخذا عن الربانيين فكأن الحديث يشير إلى ما ذكرناه: أن الطاعة الاختيارية في حالة فقدان الخلافة إنما تكون لوراث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكما قلنا فليس كلامنا في الطاعة المفروضة بسلطان النظام والقانون، وفي حديث حذيفة ما يدل على أن التلمذة على الربانيين هي الأساس حتى في حالة وجود الخلافة الظالمة، فما بعد الخلافة الراشدة الأصل أن تعطى الطاعة الإجبارية للخلافة وأن تعطى الطاعة الاختيارية لوراث الأنبياء.
٤ - وفي سبب نزول الآية يروي ابن جرير، وابن مردويه وغيرهما ما يلي:
«بعث رسول الله ﷺ سرية عليها خالد بن الوليد، وفيها عمار بن ياسر، فساروا قبل القوم الذين يريدون. فلما بلغوا قريبا منهم، عرسوا، وأتاهم ذو العيينتين، فأخبرهم، فأصبحوا وقد هربوا، غير رجل أمر أهله. فجمعوا متاعهم، ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل، حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر، فأتاه، فقال: يا أبا اليقظان: إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت، فهل إسلامي نافعي غدا، وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفعك فأقم، فأقام فلما أصبحوا أغار خالد، فلم يجد أحدا غير الرجل، فأخذه، وأخذ ماله. فبلغ عمارا الخبر، فأتى خالدا فقال: خل عن الرجل، فإنه قد أسلم، وإنه في أمان مني. فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستبا، وارتفعا إلى النبي
стр. 1069
صلى الله عليه وسلم فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير، فاستبا عند رسول الله ﷺ فقال خالد: يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يسبني، فقال رسول الله ﷺ يا خالد: لا تسب عمارا، فإنه من سب عمارا يسبه الله، ومن يبغض عمارا يبغضه الله، ومن يلعن عمارا يلعنه الله» فغضب عمار، فقام فتبعه خالد فأخذ بثوبه فاعتذر إليه، فرضي عنه، فأنزل الله- قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ .... ومن هذا النص نفهم أن الآية في طاعة الأمراء، وأن طاعتهم واجبة، وأن عدم التقدم عليهم في أمر واجب. وقد استثنى فقهاء الحنفية حالة، وهي ما إذا أمر الأمير بأمر رأى الأكثرية فيه ضررا، فيتبع رأي الأكثرية في هذه الحالة، ذكره ابن عابدين في أول كتاب الجهاد.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ. أي: يدعون أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ.
من الوحي والقرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ على رسل الله عليهم الصلاة والسلام يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ. أي: إلى ما خالف الكتاب والسنة من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هنا. وقيل الطاغوت هنا: الشيطان ممثلا بجنده وأتباعه.
وقيل الطاغوت: هو من جاوز الحد في طغيانه، وعتوه، ومحاربته للإسلام. وكل ذلك صحيح. وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ. أي: وقد أمروا أن يكفروا بالطاغوت والشيطان الداعي إليه، وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً. عن الحق، والمراد بقوله: ضلالا بعيدا: أي مستمرا إلى الموت.
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ. أي:
للمنافقين تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ. أي: إلى كتاب الله وَإِلَى الرَّسُولِ إلى شخصه في حياته وإلى سنته بعد مماته للتحاكم، رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً. أي: يعرضون عنك أشد أنواع الإعراض.
فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ. أي فكيف تكون حالهم، وكيف يصنعون إذا نزلت بهم المصائب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ. أي: بسبب ما فعلوه من التحاكم إلى غير الله ورسوله
وأمثال ذلك.
ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا. أي: ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً بين الخصوم، فلم نرد مخالفة لك ولا تسخطا لحكمك، وهذا شأن المنافق يظن أنه محسن في نفاقه وأنه يجمع بين وجهات النظر وهذا وعيد لهم على فعلهم، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم، ولا يغني عنهم الاعتذار.
أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ. أي: فأعرض عن قبول الاعتذار، وَعِظْهُمْ. أي وعظ بالزجر والإنكار، وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا
стр. 1070
بَلِيغاً أي: قولا يبلغ منهم، ويؤثر فيهم: والبلاغة: أن يبلغ الإنسان بلسانه كنه ما يريد، ويمكن أن يراد بالإعراض، الإعراض عن العقاب والعتاب. وبالوعظ التذكير، وبالإبلاغ إيصال الحقائق إلى أنفسهم بأبلغ أسلوب.
فائدة:
مما ورد في أسباب نزول هذه الآيات، أنها نزلت في رجل من الأنصار، ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف.
وروى الطبراني في سبب نزولها عن ابن عباس قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المشركين، فأنزل الله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ ... الآيات، وقيل غير ذلك. قال ابن كثير: والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هنا.
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ. أي: وما أرسلنا رسولا قط إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ. أي: إلا ليطاع بتوفيق الله في طاعته وتيسيره، أو بسبب إذن الله في طاعته، إذ إنه أمر المبعوث إليهم أن يطيعوه، لأنه مؤد عن الله، فطاعته لله. وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالتحاكم إلى الطاغوت. جاؤُكَ تائبين من النفاق، معتذرين عما ارتكبوا من الشقاق. فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ من النفاق والشقاق.
وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ. أي: بالشفاعة لهم، والدعاء لهم لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً. أي: لعلموه توابا عليهم إن تابوا رحيما بهم. والمعنى: ولو وقع مجيئهم للرسول في وقت ظلمهم مع استغفارهم، ثم استغفر الرسول لهم، لوجدوا الله توابا رحيما، ولم يقل: واستغفرت لهم، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات تفخيما لشأنه ﷺ ، وتعظيما لاستغفاره، وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول ﷺ من الله بمكان.
فائدة:
لم يفرق بعض الإسلاميين بين دعاء رسول الله ﷺ وخطابه بعد وفاته. ولا بد في الحقيقة أن نفرق بين دعائه- والدعاء لا يجوز إلا لله- وبين مخاطبته أن يدعو الله للمخاطب. وقد روى ابن كثير عند هذه الآية هذه الحادثة قال: «وقد ذكر جماعة
стр. 1071
منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه (الشامل) الحكاية المشهورة عن العتبي.
قال: كنت جالسا عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ... الآية، وقد جئتك مستغفرا لذنبي، مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت في القاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني، فرأيت النبي ﷺ في النوم فقال: «يا عتبي الحق الأعرابي، فبشره أن الله قد غفر له». وشاهدنا أن ابن كثير ذكر هذه الحادثة دون تعليق مما يدل على أنه يعتبر أن الآية حكمها لا زال باقيا في جواز مخاطبة رسول الله ليستغفر الله لطالب ذلك.
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. أي: فو ربك لا يؤمنون حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ. أي: فيما وقع بينهم من اختلاف واختلاط. ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ. أي: لا يجدون ضيقا أو شكا، لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين. فكما فرض الله علينا الرضوخ لحكم رسوله ﷺ فقد حرم علينا أن تضيق صدورنا بحكمه وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً. أي: وينقادوا لقضائك انقيادا لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم، والمعنى: لا يكونون مؤمنين حتى يرضوا بحكمك وقضائك.
فائدة في سبب النزول:
روى البخاري عن عروة قال: «خاصم الزبير رجلا في شراج الحرة، فقال النبي ﷺ : اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فقال الأنصاري: يا رسول الله! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك، فاستوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم، حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما ﷺ بأمر لهما فيه سعة.
قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ...
الآية» وروى الحافظ أبو إسحاق بن عبد الرحمن في تفسيره عن حمزة: أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فقضى للمحق على المبطل، فقال المقضي عليه: لا أرضى، فقال صاحبه فما تريد؟ قال: أن تذهب إلى أبي بكر الصديق فذهبا إليه، فقال الذي قضي له: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي، فقال أبو بكر:
أنتما على ما قضى به رسول
стр. 1072
الله ﷺ فأبى صاحبه أن يرضى، فقال: نأتي عمر بن الخطاب، فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي عليه فأبى أن يرضى، فسأله عمر بن الخطاب، فقال: كذلك، فدخل عمر منزله، وخرج والسيف في يده قد سله، فضرب رأس الذي أبى أن يرضى فقتله، فأنزل الله فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ... الآية.
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ. أي: ولو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، بأن يقتل بعضهم بعضا أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ. أي: هاجروا ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ممن خلصوا لله، وذلك لصعوبة الأمر، وندرة المخلصين. دلت على أن الخروج من الديار يعدل القتل. وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ من اتباع رسول الله ﷺ ، والانقياد لحكمه، وتنفيذ أمره، مهما كان. لَكانَ خَيْراً لَهُمْ في الدارين، وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً. أي: وأكثر تثبيتا لإيمانهم، وأبعد عن الاضطراب فيه.
وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً.
أي: ثوابا كثيرا لا ينقطع،
وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً. أي: لثبتناهم على الدين الحق، وهدينا قلوبهم إليه، وفيه.
فائدة:
قال السدي: افتخر ثابت بن قيس بن شماس، ورجل من اليهود، فقال اليهودي:
والله لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا. فقال ثابت: والله لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا، فأنزل الله هذه الآية. وبعد أن نزلت الآية قال أناس من أصحاب رسول الله ﷺ لو فعل ربنا لفعلنا، فبلغ النبي ﷺ . فقال: «للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي». وقال ﵊: «لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم». وقال: «لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل» قال ذلك عن ابن رواحة.
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ثم بينهم وعددهم، مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ الصديق: هو المبالغ في صدق ظاهره بالمعاملة، وباطنه في المراقبة، وَالشُّهَداءِ. أي: الذين استشهدوا في سبيل الله وَالصَّالِحِينَ. قال تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلهم في الصالحين). أي: من صلحت أحوالهم، وحسنت أعمالهم وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً. أي: وما أحسن أولئك رفيقا.
ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ. أي: إن ما أعطي المطيعون من الأجر العظيم، ومرافقة المنعم عليهم إنما هو فضل من الله تفضل الله
стр. 1073
به عليهم. وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً. أي: ليس أعلم منه بعباده، وبمن هو أهل الفضل. دلت الآية على أن ما يفعل الله بعباده، وما يوفقهم إليه، إنما هو فضله، وهو حجة على المعتزلة في نفي خلق الأفعال.
فوائد:
١ - روى البخاري عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة» وكان في شكواه التي قبض فيها ﷺ أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ. فعلمت أنه خير» قال ابن كثير: وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الآخر «اللهم الرفيق الأعلى» ثلاثا ثم قضى، عليه أفضل الصلاة والتسليم.
٢ - روى الطبراني بإسناد لا بأس به عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي، وأحب إلي من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتيك، فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة، رفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة خشيت ألا أراك، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى نزلت عليه وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ ... الآية.
٣ - وفي صحيح مسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: «كنت أبيت عند النبي ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل، فقلت: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك؟ قلت هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود».
٤ - ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، فقال: «المرء مع من أحب» قال أنس فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث. وفي رواية عن أنس أنه قال: إني لأحب رسول الله ﷺ وأحب أبا بكر وعمر ﵄، وأرجو أن الله يبعثني معهم، وإن لم أعمل كعملهم».
٥ - وقد فسر رسول الله ﷺ معنى هذه الآية في حديث رواه ابن جرير:
«إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم، فيجتمعون في رياض، فيذكرون ما أنعم الله عليهم، ويثنون عليه، وينزل لهم أهل الدرجات، فيسعون عليهم بما يشتهون،
стр. 1074
وما يدعون به، فهم في روضة يحبرون ويتنعمون».
٦ - روى الإمام مالك والبخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تراءون
الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين».
٧ - روى الإمام أحمد عن عمر بن مرة الجهني قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله ﷺ من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا- ونصب إصبعيه- ما لم يعق والديه».
٨ - وروى الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا إن شاء الله».
٩ - وروى الترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء».
كلمة في السياق:
بين- في هذا المقطع معنى عظيما من معاني عبادته وتقواه، هذا المعنى هو الطاعة المطلقة له- ولرسوله ﷺ ، ولأولي الأمر من المسلمين في طاعة الله ورسوله. وبين معاني ما يدخل في هذه الطاعة، مما بدونه لا تكون تقوى ولا عبادة لله، بل ولا إيمان أصلا، فلا تقوى ولا عبادة إذا لم يكن أصل الإيمان موجودا. فهذا المقطع إذن سائر على النسق الخاص في هذه السورة، والذي محوره الآيات الخمس من سورة البقرة، والملاحظ أن المقطع الأول والثاني في السورة كانا في توضيح معان من التقوى لها علاقة بالضعيفين: المرأة واليتيم. والمقطع الثالث بين معان في التقوى لها علاقة بالأموال والأنفس، ووضع كل في محله، والإحسان إلى خلق الله. والمقطع الرابع بين معاني من العبادة والتقوى في الصلاة والمواقف من أهل الكتاب، والأمانة والعدل. وهذا المقطع يبين معان في أصل العبادة والتقوى وهو
стр. 1075
الإيمان ومحل الطاعة الكاملة فيه ومواضعها، وما ينافيها، وما يدخل فيها.
ومجئ هذا المقطع الذي يمكن تسميته بمقطع الطاعة في سياق السورة التي تربي على العبادة والتوحيد والتقوى والإيمان والعمل الصالح واضح السبب، ثم مجئ هذا المقطع بين آية الأمر بأداء الأمانة والحكم بالعدل وبين مقطع الأمر بالنفير العام واضح السبب كذلك. إن الانضباط والطاعة في الفن العسكري يعتبران أساس الوجود العسكري أصلا فإن يسبق الكلام عن القتال كلام عن الطاعة فذلك واضح السبب، وأن يأتي مقطع الطاعة لله والرسول بعد الأمر بأداء الأمانة والحكم بالعدل، فذلك لأنه لا أمانة إلا بطاعة الله ورسوله، ولا عدل إلا بطاعة الله ورسوله، ولذلك ورد اشتقاق الحكم أكثر من مرة في المقطع: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ولعل ما ذكرناه فيه كفاية لمعرفة محل المقطع في السياق الخاص للسورة ومحله بالنسبة للسياق القرآني العام، ومع ذلك نقول لزيادة الإيضاح: إنه في آيات المحور ورد قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا* وفي المقطع بشارة لأهل الإيمان مع توضيح في شأن هؤلاء الذين يستحقون البشارة، وفي محور السورة أمر بالعبادة للوصول إلى التقوى التي تنافي الكفر والنفاق، والمقطع يدلنا على أخلاق للكافرين والمنافقين وكل ذلك له صلة بمحور سورة النساء من البقرة وارتباطاته وامتداداته.
ولنختم الكلام عن هذا المقطع بفصل ونقل:
فصل: في طاعة أولي الأمر
لا شك أن طاعة أولي الأمر فيما هو واجب، واجبة .. وأن طاعة أولي الأمر في المعصية حرام، ولكن كثيرا من قضايا الواجب والمعصية يخضع للفتوى البصيرة من أهلها، فهناك حالات الضرورة والاضطرار، وحالات الإكراه، والحالات الاستثنائية، وتأثير ذلك على أصل الحكم الشرعي، وصلة ذلك بالفتوى، وهناك حالات يعطيها أمر أولي الأمر الشرعيين صفة استثنائية، فقد تكون قضية لا تجوز في بعض الأحوال، فإذا أمر بها الأمير أصبحت جائزة، كأمر الأمير أحد المسلمين أن يموه عن نفسه لتحقيق خدعة، أو لتحقيق مصلحة تخدم المعركة، وإذن فنحن إذا تحدثنا عن الطاعة والمعصية فعلى ضوء الفتوى البصيرة التي تلاحظ الزمان والمكان والأشخاص والأوضاع الاستثنائية على ضوء الكتاب والسنة.
على ضوء ذلك كله يقال: لا طاعة في المعصية إنما الطاعة في المعروف فحيثما كانت
стр. 1076
معصية فالطاعة حرام، وحيثما كان واجبا فالطاعة واجبة.
والطاعة في المعصية حرام ولكن الحكم على المطيع في المعصية يختلف باختلاف أنواع المعاصي، ويختلف باختلاف أحوال الآمر والمأمور، ويتدخل في الحكم عوامل متعددة لا بد أن تراعى، فهناك حالات تغتفر في حالات الإكراه، وهناك حالات لا تغتفر، وهناك حالات ينفذ الإنسان فيها أمرا لا يجوز ومع ذلك يعتبر في عبادة، كالصورة التي ذكرها الفقهاء: لو أن أميرا فرض ضريبة ظالمة على ناس ويمكن أن يوزعها عادل فيوزع الظلم بعدل أو يوزعها ظالم فيزيد الظلم ظلما قال الفقهاء: الذي يوزع الظلم بعدل هو كالمجاهد في سبيل الله. هذا كله لا بد أن يتفطن له، ونحن ندرس أمر الطاعة في ظروفنا وأوضاعنا. ومن الآية نعرف: أنه في حالة أي خلاف على أي أمر فالحكم هو الكتاب والسنة بين كل الناس وفي كل قضية.
بقي أن نتساءل ما هو حكم طاعة أولي الأمر في المباح؟ نقول: لا بد من التفريق بين المباح الأصلي الذي تقتضي مصلحة للمسلمين بتقييده كأن يقيد السير بقانون فلا شك في هذه الحالة أن طاعة أولي الأمر من المسلمين واجبة فيه، وبين التحكم في تحريم الحلال فذلك لا يجوز لأحد، وقد عرض الألوسي لهذه المسألة في تفسيره وذكر وجهات النظر فيها فقال: «وهل يشمل المباح أم لا؟ فيه خلاف، فقيل: إنه لا يجب طاعتهم فيه لأنه لا يجوز لأحد أن يحرم ما حلله الله تعالى. ولا أن يحلل ما حرمه الله تعالى، وقيل: تجب أيضا كما نص عليه الحصكفي وغيره، وقال بعض محققي الشافعية: يجب طاعة الإمام في أمره ونهيه ما لم يأمر بمحرم، وقال بعضهم: الذي يظهر أن ما أمر به مما ليس فيه مصلحة عامة لا يجب امتثاله إلا ظاهرا فقط، بخلاف ما فيه ذلك يجب باطنا أيضا، وكذا يقال في المباح الذي فيه ضرر للمأمور به، ثم هل العبرة بالمباح والمندوب المأمور به باعتقاد الآمر. فإذا أمر بمباح عنده سنة عند المأمور يجب امتثاله ظاهرا فقط، أو المأمور فيجب باطنا أيضا وبالعكس فينعكس ذلك كل محتمل؟ وظاهر إطلاقهم في مسألة أمر الإمام الناس بالصوم للاستسقاء الثاني لأنهم لم يفصلوا بين كون الصوم المأمور به هناك مندوبا عند الآمر أولا، وأيد بما قرروه في باب الاقتداء من أن العبرة باعتقاد المأموم لا الإمام، ولم أقف على ما قاله أصحابنا في هذه المسألة فليراجع هذا».
نقل
قدم صاحب الظلال للآيات التي بدأت بتوضيح مواقف أهل الكتاب بمقدمة هي
стр. 1077
لذلك المقطع وللمقاطع اللاحقة وقد رأينا أن ننقل بعضها هنا لتكون مقدمة مباشرة للمقطع السادس الذي يأمر بالنفير العام، يقول صاحب الظلال:
«لقد كان القرآن فيها (أي في السور الثلاث البقرة وآل عمران والنساء) يخوض المعركة بالجماعة المسلمة، في كل جبهة .. كان يخوضها في الضمائر والمشاعر، حيث ينشئ فيها عقيدة جديدة، ومعرفة بربها جديدة، وتصورا للوجود جديدا، ويقيم فيها موازين جديدة، وينشئ فيها قيما جديدة؛ ويستنقذ فطرتها من ركام الجاهلية؛ ويمحو ملامح الجاهلية في النفس والمجتمع؛ وينشئ ويثبت ملامح الإسلام الوضيئة الجميلة .. ثم يقودها في المعركة مع أعدائها المتربصين بها في الداخل والخارج .. اليهود والمنافقين والمشركين .. وهي على أتم استعداد للقائهم، والتفوق عليهم، بمتانة بنائها الداخلي الجديد: الاعتقادي والأخلاقي والاجتماعي والتنظيمي سواء ..
ولقد كان التفوق الحقيقي للمجتمع المسلم على المجتمعات الجاهلية من حوله- بما فيها مجتمع اليهود القائم في قلب المدينة- هو تفوقه في البناء الروحي والخلقي والاجتماعي والتنظيمي- بفضل المنهج القرآني الرباني- قبل أن يكون تفوقا عسكريا أو اقتصاديا أو ماديا على العموم!
بل هو لم يكن قط تفوقا عسكريا واقتصاديا- ماديا- فقد كان أعداء المعسكر الإسلامي دائما أكثر عددا، وأقوى عدة وأغنى مالا، وأوفر مقدرات مادية على العموم! سواء في داخل الجزيرة العربية، أو في خارجها في زمن الفتوحات الكبرى بعد ذلك .. ولكن التفوق الحقيقي كان في ذلك البناء الروحي والخلقي والاجتماعي- ومن ثم السياسي والقيادي- الذي أسسه الإسلام بمنهجه الرباني المتفرد.
وبهذا التفوق الساحق على الجاهلية في بنائها الروحي والخلقي والاجتماعي- ومن ثم السياسي والقيادي- اجتاح الإسلام الجاهلية .. اجتاحها أولا في الجزيرة العربية.
واجتاحها ثانيا في الإمبراطوريتين العظيمتين الممتدتين حوله: امبراطوريتي كسرى وقيصر .. ثم بعد ذلك في جوانب الأرض الأخرى. سواء كان معه جيش وسيف، أم كان معه مصحف وأذان!
ولولا هذا التفوق الساحق ما وقعت تلك الخارقة التي لم يعرف لها التاريخ نظيرا.
حتى في الاكتساحات العسكرية التاريخية الشهيرة. كزحف التتار في التاريخ القديم.
وزحف الجيوش الهتلرية في التاريخ الحديث .. ذلك أنه لم يكن اكتساحا عسكريا
стр. 1078
فحسب، ولكنه كان اكتساحا عقيديا، ثقافيا، حضاريا كذلك، يتجلى فيه التفوق الساحق الذي يطوي- من غير إكراه- عقائد الشعوب ولغاتها، وتقاليدها وعاداتها .. الأمر الذي لا نظير له على الإطلاق في أي اكتساح عسكري آخر قديما!
لقد كان تفوقا «إنسانيا» كاملا. تفوقا في كل خصائص «الإنسانية» ومقوماتها.
كان ميلادا آخر للإنسان. ميلاد إنسان جديد غير الذي تعرفه الأرض على وجه اليقين والتأكيد. ومن ثم صبغ البلاد التي غمرها هذا المد بصبغته؛ وترك عليها طابعه الخاص؛ وطغى هذا المد على رواسب الحضارات التي عاشت عشرات القرون من قبل في بعض البلاد .. كالحضارة الفرعونية في مصر. وحضارة البابليين والآشوريين في العراق، وحضارة الفينيقيين والسريان في الشام. لأنه كان أعمق جذورا في الفطرة البشرية؛ وأوسع مجالا في النفس الإنسانية، وأضخم قواعد وأشمل اتجاهات في حياة بني الإنسان، من كل تلك الحضارات.
وغلبة اللغة الإسلامية واستقرارها في هذه البلاد ظاهرة عجيبة، لم تستوف ما تستحقه من البحث والدراسة والتأمل، وهي في نظري أعجب من غلبة العقيدة واستقرارها. إذ إن اللغة من العمق في الكينونة البشرية ومن التشابك مع الحياة الاجتماعية، بحيث يعد تغييرها على هذا النحو معجزة كاملة! وليس الأمر في هذا هو أمر «اللغة العربية». فاللغة العربية كانت قائمة؛ ولكنها لم تصنع المعجزة في أي مكان على ظهر الأرض وقبل الإسلام، ومن ثم سميتها «اللغة الإسلامية» فالقوة الجديدة التي تولدت في اللغة العربية، وأظهرت هذه المعجزة على يديها، كانت هي «الإسلام» قطعا! وكذلك اتجهت العبقريات الكامنة في البلاد المفتوحة (المفتوحة للحرية والنور والطلاقة) اتجهت إلى التعبير عن ذاتها- لا بلغاتها الأصلية- ولكن باللغة الجديدة.
لغة هذا الدين- اللغة الإسلامية- وأنتجت بهذه اللغة في كل حقل من حقول الثقافة نتاجا تبدو فيه الأصالة، ولا يلوح عليه الاحتباس من معاناة التعبير في لغة عربية- غير
اللغة الأم- لقد أصبحت اللغة الإسلامية هي اللغة الأم فعلا لهذه العبقريات .. ذلك أن الرصيد الذي حملته هذه اللغة كان من الضخامة أولا؛ ومن ملاصقة الفطرة ثانيا؛ بحيث كان أقرب إلى النفوس وأعمق فيها، من ثقافاتها. ومن لغاتها القديمة أيضا!
لقد كان هذا الرصيد هو رصيد العقيدة والتصور؛ ورصيد البناء الروحي والعقلي، والخلقي والاجتماعي الذي أنشأه المنهج الإسلامي في فترة وجيزة. وكان من الضخامة
стр. 1079
والعمق واللصوق بالفطرة، بحيث أمد الله- لغة الإسلام- بسلطان لا يقاوم. كما أمد الجيوش- جيوش الإسلام- بسلطان لا يقاوم كذلك!
وبغير هذا التفسير يصعب أن نعلل تلك الظاهرة التاريخية الفريدة.
المقطع السادس
ويمتد من الآية (٧١) إلى نهاية الآية (٩٣). وهذا هو:
[سورة النساء (٤): الآيات ٧١ الى ٧٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥)
الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦)
стр. 1080
[سورة النساء (٤): الآيات ٧٧ الى ٨٤]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٨١)
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣) فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤)
стр. 1081
[سورة النساء (٤): الآيات ٨٥ الى ٩١]
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧) فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩)
إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١)
стр. 1082
[سورة النساء (٤): الآيات ٩٢ الى ٩٣]
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣)
كلمة في المقطع:
قلنا أثناء الكلام عن آيات القتال الأولى وما قبلها في سورة البقرة:
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ.
إن مجئ هذه الآيات في سياق الكلام عن التقوى والطرق التي توصل إليها يصحح مفاهيم خاطئة عن التقوى، فالكثيرون من الناس يفهمون أن التقي هو المسالم أبدا، وهو الذي لا يرد الاعتداء، وهذا تصور مغلوط عن التقوى. وكذلك فإن كثيرين لا يعتبرون أن الوصول إلى الشئ من بابه هو من التقوى، وهذا شئ مغلوط بينته تلك الآيات، وكثيرون لا يعتبرون أن حريتهم في التصرف بأموالهم مقيدة بقيود الشرع، وذلك تصور مغلوط صححته الآيات هناك.
وإذا كان المحور الرئيسي لسورة النساء هو التقوى، وتبيان ماهيتها، والدلالة على طريقها، فهي تأمر، ومن خلال الأمر تصحح مفاهيم، ومن المفاهيم الضائعة في قضية التقوى، موضوع الطاعة والحركة الجهادية، إن كثيرين من الناس لا يعرفون لمن يعطون طاعتهم، ولا يعرفون كيف ينبغي أن يتحركوا الحركة الجهادية، والمقاطع التي بين أيدينا من سورة النساء حددت الطاعة، وأطلقت الطاقة. ففي المقطع الخامس تحددت الطاعة، وفي المقطع السادس وما بعده مباشرة تحريك للطاقة في الطريق الذي لا يصح أن
стр. 1083
تتوقف الحركة فيه، وهو طريق الجهاد الذي لا يعرف الكثيرون كيف يقيمون أمر الله- فيه.
يأتي هذا المقطع ليبين معان من العبادة والتقوى، مرتبطة بموضوع القتال، ففيه الأمر بالنفير العام، وفيه كلام عن المتقاعسين، وفيه حض على القتال، وبيان لأسبابه، وبيان لنوعية قتال المؤمنين، ولطبيعة قتال الكافرين، ثم عودة لتبيان طبيعة المتقاعسين، ومعالجة لها. وإذ كانت الطاعة ركن القتال، فإنه يأتي كلام عن الطاعة، وإذ كانت الشائعات جزءا من المعركة، فإن المقطع يحدد موقف المسلم من الشائعة، ويأتي ذلك في سياق الأمر بتدبر القرآن، ثم يأتي أمر بالقتال، ولو نكص الناس جميعا. وفي هذا السياق يأتي كلام عن التحية والشفاعة والتوحيد، وفي ذلك إشارة إلى أن المسلم يقابل بالأحسن، وأن تلافي آثار القتال يحتاج إلى شفاعة، وأن التوحيد يقتضي توكلا، وكل ذلك له صلة بالقتال من وجه. ثم يأتي كلام عن المنافقين ومتى يجوز قتالهم؟ ومتى لا يجوز؟ وفي هذا السياق يأتي تبيان تحريم قتل المؤمن عمدا، وماذا يجب أن يفعل من قتل مؤمنا خطأ؟ فالمقطع يوضح لنا محل القتال في التقوى، وما هي مواقف المتقين حيث ينبغي القتال، وفي المقطع تأكيد لكلمة الإيمان إذ الإيمان الحق هو الذي ينبثق عنه القتال الحق.
رأينا أن سورة البقرة تحدثت عن المتقين والكافرين والمنافقين، ثم جاء المقطع الأول في القسم الأول يحدثنا عن الطريق إلى التقوى، والطريق إلى الكفر والنفاق، ورأينا في سورة البقرة أمرا بقتال الذين يقاتلوننا، وقلنا هناك إن الكلام عن القتال جاء يصحح مفهوما عن التقوى والمتقين، وهاهنا نلاحظ أن التقاعس عن القتال نوع نفاق، وأن محاولة الوقوف على الحياد بين أهل الإيمان والكفر نفاق، وأن على أهل الإيمان أن يتصرفوا ضمن حدود معينة مع المنافقين. فالمقطع يفصل في الطريق للتقوى، وفي ماهية التقوى في أمور متعددة. ولعلنا نتذكر أن الأمر بقتال من يقاتلنا في سياق القسم الثاني من أقسام سورة البقرة، هو القسم نفسه الذي فيه حديث عن القصاص. وهذا المقطع يختتم بالكلام عن القتل العمد والقتل الخطأ.
إن سورة النساء تفصل في التقوى، والطريق إليها، وامتدادات ذلك في سورة
стр. 1084
البقرة، ولذلك مظاهره الكثيرة التي من أبرزها ابتداء كثير من مقاطع سورة النساء بصيغة «يا أيها» التي هي الصيغة الآتية بعد مقدمة سورة البقرة.
المعنى العام للمقطع:
رأينا في سورة البقرة عند قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... أن هذه الآيات آتية في سياق توضيح أن القتال في سبيل الله جزء من التقوى، لا كما يظن الجاهلون أن القتال يتنافى مع التقوى. وهذا المقطع والذي يليه توضيح لكون القتال جزءا من عبادة الله ومن تقواه. ولنر المعاني العامة التي تضمنها هذا المقطع.
يأمر تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد، وتكثير العدد بالنفير في سبيل الله، سرية بعد سرية، نفيرا عاما ينفر به الجميع. ثم بين تعالى أن ممن يخالطون المؤمنين، ويتظاهرون بالإيمان، ناسا يتخلفون عن القتال في سبيل الله، فيتباطئون عنه، ويبطئون غيرهم، وينظرون إلى القتال من خلال المصلحة المادية لهم ولغيرهم، فإذا رأوا المسلمين أصيبوا فرحوا، وإن رأوهم غلبوا وغنموا تمنوا أن يكونوا معهم ليصيبوا من الغنائم. ومن فساد تصورهم أنهم يعتبرون عدم خروجهم للقتال حال غلبة الكافرين على المسلمين أن ذلك من فضل الله عليهم، جهلا منهم بالله وسننه في عباده، وجهلا منهم بمعاني الإسلام والإيمان والقرآن.
وإذ بين الله فساد تصور هؤلاء لموضوع الجهاد وحكمته، وما يحيط به من قتل في سبيل الله، أصدر أمره تعالى للمؤمنين بالقتال، وأمرهم أن يكون قتالهم في سبيله خالصا، وبين أن كل من قاتل في سبيل الله سواء قتل أو غلب، فله عند الله ثواب عظيم، وأجر جزيل. وقد جاء هذا الأمر كتصحيح لذلك التصور الموجود عند المنافقين عن القتال. ثم بين الله- الحكمة في القتال مصححا المفاهيم المعوجة فيه، محرضا للمؤمنين على القتال، منكرا عليهم تركه، ومن أولى من الله- أن يقاتل في سبيله، ومن أولى من المسلمين المستضعفين المغلوبين على أمرهم، المضطهدين في دينهم، الراغبين إلى الله أن ينقذهم من طغيان من هم تحت سلطانه من المردة والظالمين، من أولى من هؤلاء أن يقاتل من أجلهم؟؟ وإذ تقرر بهذا الأمر القتال، وضرورته، بين تعالى بعد ذلك الفارق بين قتال المؤمنين، وقتال الكافرين، فالمؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه، والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان ومقاصده. ثم هيج الله تعالى المؤمنين على قتال أعدائه أولياء الشيطان، مبينا أن
الشيطان وحزبه
стр. 1085
ومكرهم، كل ذلك ضعيف أمام قدرة الله، ضعيف إذا وجد الجهاد. فليعلم ذلك المؤمنون. أن كيد الشيطان ضعيف إذا قام المسلمون بأمر الله في الجهاد في سبيله. أما إذا لم يفعلوا فيا خسارتهم في الدنيا والآخرة، إن ذلك من النفاق كما ورد في الحديث «من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق».
ثم يلفت الحق- نظر رسوله ﷺ والمؤمنين إلى تصور خاطئ عند بعض الناس تصور من يظن أن الإسلام صلاة وزكاة، ثم لا قتال، تصور الذين هم مستعدون لطاعة الله في قضايا العبادة، لا في قضايا بذل الدم في سبيل الله، وذلك من خلال عرض حال بعض المؤمنين بعد أن كتب عليهم القتال، وذلك أن المسلمين كانوا مأمورين في ابتداء الإسلام بالصلاة، والإنفاق في سبيل الله مواساة للفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين إلى حين، وكانت هذه مرحلة لها أسبابها، حتى إذا أذن الله بالجهاد والقتال، وأمر به، إذا فريق من هؤلاء المؤمنين يجزع ويخاف من مواجهة الناس بالقتال، ويتمنون على الله أن يؤخر عنهم فريضة القتال؛ لما فيها من سفك الدماء، ويتم الأولاد، وتأيم النساء، والتي من أجلها يتمنون تأخير فريضة القتال، فبين أن متاع الدنيا قليل لا يساوي شيئا، وأن الآخرة لأهل التقوي، خير من هذه الدنيا، وأن الله يوفي أهل التقوى جزاء أعمالهم كاملا، فليرغبوا في الآخرة، وليجاهدوا.
ثم زادهم بصيرة وبيانا ليرغبوا في الجهاد، عند ما بين لهم أنهم صائرون إلى الموت لا محالة، وأن الموت لا ينجو منه أحد، وأن كل أحد صائر إلى الموت في الأجل المحدد، لا ينجيه من ذلك شئ سواء جاهد أو لم يجاهد، حتى ولو كان في الحصون المنيعة العالية الرفيعة، ثم سفه الله- تصورا آخر عند بعض من يدعون الإسلام، ويتظاهرون أنهم من أهله، ولا يعقلون ولا يعلمون. هذا التصور، هو أنه إذا كان خصب، ورزق، وثمار، وزروع، وأولاد، ورخاء، يعتبرون ذلك من عند الله، وإن كان قحط، وجدب، ونقص في الثمار والزروع والأولاد، يعتبرون ذلك من قبل رسول الله ﷺ وبسبب اتباعه والاقتداء بدينه. وإذا كان نصر وغلبة يعتقدون أن ذلك من الله، وإذا كان إصابة من قتل أو هزيمة يعتقدون أن ذلك من رسول الله ﷺ أو من يقوم مقامه من بعده من أمته على طريقته في أمر الجهاد وغيره. فصحح الله هذا المفهوم الصادر عن قلة فهم وعلم وكثرة جهل وظلم، مبينا أن الحسنة والسيئة من عند الله، وأن الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البر والفاجر، والمؤمن والكافر،
стр. 1086
وهو ولي المؤمنين، يمتحنهم تارة ويديل عليهم، ويمتحنهم تارة بنصرهم، والفعل فعله.
وبعد أن صحح الله هذا التصور الكفري لهذا الموضوع المرتبط ارتباطا كاملا بموضوع الجهاد. إذ الجهاد قد يرافقه نصر، وقد يرافقه غير ذلك، وعلى المؤمنين في الحالين التسليم لله لا إلقاء اللوم على قيادتهم. بعد أن بين الله ذلك لفت النظر- في الوقت نفسه- إلى أنه وإن كان كل شئ فعله- إن أصاب بالسيئة من قحط أو هزيمة فذلك عدله، وإن أصاب بالحسنة فذلك فضله، لكنه إن أصاب الإنسان بسيئة فما ذلك إلا بذنب، وإن أصاب المجموع فقد يكون بذنب بعضهم، والله هو الذي قدر. وإذا كان الأمر كذلك فقد أرسل رسوله ﷺ من أجل أن يبلغ شرائعه، وما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه. وهو شهيد على رسوله ﷺ وعلى عباده بالبلاغ، والعمل، وكل شئ. وإذ كان الأمر كذلك فعلى الناس أن يجتهدوا ألا يذنبوا، وإذا أذنبوا، فلا يلومون إلا أنفسهم، مع معرفة أن الفعل فعل الله، وأن ذلك استحقاقهم، وأن عليهم أن يسلموا.
ثم بين تعالى أن طاعة رسول الله ﷺ طاعة لله، وهذا أكبر رد عليهم في دعواهم أن طاعة رسول الله ﷺ سبب المصائب! إذ سبب المصائب المعاصي لا الطاعات، فكيف تكون طاعة رسول الله ﷺ سببا للمصائب، وطاعته طاعة لله! وقد رأينا أن طاعة الأمراء في ذات الله طاعة لله، ورسوله، ثم عزى الله رسوله ومن على قدمه بأنه من تولى عن الطاعة، وأعرض عنها، فالله هو الحفيظ عليه، وهو الذي يتولى أمره، وليس لرسول الله ﷺ ولا عليه من ذلك شئ، وإذ بين أن الطاعة لرسول الله ﷺ سبب الحسنات والخيرات والنصر، بين حالة من حالات المنافقين وسفهها، ودل رسوله ﷺ على ما يفعله معهم مقابلة لها، هذه الحالة هي أن المنافقين يتظاهرون بالطاعة، والموافقة في حضرة رسول الله ﷺ ، فإذا خرجوا من عنده وتواروا عنه، أسروا فى أنفسهم، واتفقوا فيما بينهم على غير ذلك. وعزى الله رسوله، وهددهم بأنه يعلم بما يضمرونه، وما يخفونه، وما يتفقون عليه فيما بينهم من العصيان، وسيجزيهم على ذلك. ثم أمره أن يقابل ذلك بالإعراض عنهم، والتوكل على الله، فهما سلاحا رسول الله ﷺ ، ومن على قدمه أمام عدم انضباط بعض المتظاهرين أنهم من الصف وفيه. وسبب مجئ هذه المعاني في سياق الأمر بالقتال، وفي سياق نفي أن تكون المصائب بسبب اتباع رسول الله ﷺ وموافقته، واضح، فلا قتال بلا طاعة وانضباط، ولا نصر إلا بطاعة وانضباط. ثم أنكر الله- حالهم مبينا أن سبب هذا الحال هو عدم تدبر
стр. 1087
القرآن، وفهمه، وفقهه، والإيمان به، مع أن الدليل على أنه من عند الله، قائم به، من حيث إن كل كتاب بشري لا بد أن يظهر فيه شئ من الاضطراب، والتضاد والتناقض، إما مع نفسه، وإما مع الحقيقة. وهذا الكتاب سالم من الاختلاف في معانيه وأسلوبه، وغير ذلك، وكفى ذلك دليلا على أنه من عند الله، ومن الآية وسياقها نعلم أنه لا طاعة، ولا انضباط، ولا إيمان، إلا بتدبر لهذا القرآن. وفي عصرنا نعرف أهمية الحرب النفسية، وأهمية حرب الإشاعات، وتأثيرها على نفسية الأمة، ونفسية المقاتل، وفي هذا السياق، سياق الأمر بالقتال الجزئي، أو بالقتال الشامل، بالقتال على طريقة حرب العصابات، أو بالقتال على طريقة الحرب النظامية، ينكر الله- على من يبادر بنشر خبر قبل أن يتحقق، أو قبل أن يعرف محتواه ودلالاته، ويطالب المؤمنين أن يردوا أمثال هذه القضايا إلى رسول الله ﷺ ، وإلى قياداتهم المؤهلة لمعرفة الأمور وحقائقها، من أجل أن يعرفوا دلالات ماله علاقة بهذه القضايا. والأمر بهذا- في الحقيقة- أمر بالثقة، وأمر بالتروي، وأمر بالتقيد
بالسياسة الرسمية للدولة المسلمة، وعقب هذا التنبيه، بين الله فضله على هذه الأمة، والذي من مظاهره حفظهم من اتباع الشيطان، وفي ذلك بشارة وإشارة: بشارة بحفظ أهل الإيمان، وإشارة إلى أن السير وراء الشائعات، ونشرها، وعدم إرجاعها إلى المختصين بها اتباع للشيطان.
رأينا في هذا المقطع أنه ابتدأ بتوجيه الأمر إلى المؤمنين أن ينفروا للقتال سرايا أو جيوشا، ثم صدر أمر بالقتال لمن يشتري الدنيا بالآخرة. والآن يصدر الأمر لرسول الله ﷺ بالقتال ولو منفردا، والأمر لرسول الله ﷺ هنا، أمر لكل فرد من أمته، أنه لو نكلت الأمة كلها عن القتال، فعليه أن يقاتل هو، وأن يحرض المؤمنين على القتال، وبذلك يكون قد أسقط عن نفسه فريضة القتال، إذ بذلك يكون قد بذل جهده. ثم بين الله- أنه بذلك ينكف بأس الذين كفروا عن المؤمنين، مع أن الله قادر عليهم، وهو معذبهم، ومنكل بهم، ولكن شاء- أن يبتلي الناس بعضهم ببعض، فكلف المؤمنين بقتالهم. دل ذلك على أنه لا ينكف بأس الذين كفروا إلا بقتال.
وفي هذا السياق يذكر الله- ثلاث آيات، آية في الحض على الشفاعات في الخير، والنهي عن الشفاعات في الشر، والتذكير برقابة الله، وحفظه، ومحاسبته لخلقه، والآية الثانية في رد السلام على من سلم بأحسن منه، أو بمثله، مع التذكير بمحاسبة الله عباده. والآية الثالثة في التذكير بالوحدانية، وباليوم الآخر ومجيئه، وأنه
стр. 1088
لا شك فيه، وكيف يكون شك وأصدق الصادقين الله هو الذي حدثنا عنه!!!
فما صلة هذه المعاني بالسياق؟ إن الصلة بين هذه المواضيع والقتال واضحة، فالقتال يترتب عليه أسر للمسلمين، أو سجن لهم، أو اضطهاد لهم، وفي هذه الحالات قد يشفع ناس بالخير، وقد يحرض ناس على المسلمين- المبتلين- بشر، ومن ثم جاءت الآية في هذا السياق للندب إلى الشفاعة بخير. وفي عملية القتال، قد تظهر بادرة أخلاقية عند الكافرين فعلينا أن نقابلها بمثلها، أو أحسن منها، أو قد تظهر رغبة في السلام من أعداء الله، فعلينا أن نقابل هذه المبادرة بمثلها، مع ملاحظة شروط السلام كما هي في الإسلام، لا كما هي في اصطلاحات العالم كما سنرى ذلك، والتذكير بالله واليوم الآخر في هذا السياق واضح الصلة، فلا قتال في سبيل الله إذا لم يرافق ذلك إيمان بالله واليوم الآخر. وبعد الآيات الثلاث يعود السياق إلى الموضوع الرئيسي. فالقتال يقتضي صفا موحدا، وموقفا موحدا، ومن ثم تأتي الآيات في السياق تنكر على المؤمنين انقسامهم في أمر المنافقين إلى قسمين: قسم يريد قتلهم، وقسم يرى مسالمتهم بعد أن أظهر الله ضلالهم، من خلال مواقفهم، بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول ﷺ . واتباعهم الباطل، ورغبتهم في تكفير المسلمين. فكيف يصح أن يكون منهم موقف لين؟ وإذا كان سبب الموقف اللين هو الرغبة في هدايتهم، فهذا في غير محله بعد أن تبين أن الله يريد إضلالهم، وإذ تتحدد هذه المعاني، فلا مجال بعد ذلك لأن ينقسم المسلمون في أمرهم قسمين، بل ينبغي أن يكون الموقف واحدا، وهو ترك توليهم، ثم قتلهم حيث كانوا- وهذا متوقف على شرط، وعدم اتخاذ ولي منهم أو نصير. ثم استثنى الله- من الأمر بالقتل والقتال، ناسا لجئوا وتحيزوا إلى قوم بيننا وبينهم مهادنة، أو عقد ذمة، فعندئذ يأخذون حكمهم، كما استثنى ناسا رغبوا في مهادنة المسلمين، وقلوبهم لا ترغب في قتال المسلمين، ولا في قتال قومهم مع المسلمين، فدخلوا مع المسلمين في عهد أن يكونوا على الحياد، وقبل المسلمون منهم ذلك، فإن الله- أجاز لنا عدم قتلهم وقتالهم، وذلك من لطفه تعالى بنا، إذ أعطانا بهذا فرصة كيلا يقاتلنا الناس جميعا، أو نضطر لقتال الناس جميعا. ومن ثم أمرنا الله ألا نقاتل هؤلاء ما داموا مسالمين، ملتزمين بما التزموا به. وهذه الآيات والتي بعدها مباشرة قد لا تفهم فهما جيدا إلا بعد استعراض المعنى الحرفي. وذلك أن الكلام عن المنافقين مختلط بالكلام عن الكافرين في موضوع الأمر بالقتل والقتال، وما يستثنى من ذلك، وما لا يستثنى. وتطبيقات ذلك على عصرنا، كل ذلك نرجو أن يتضح أثناء
стр. 1089
التفسير الحرفي، والفوائد التي نلحقها به. ولنعد إلى السياق، فبعد أن استثنى الله ناسا من الأمر بالقتل والقتال، يذكر الله ناسا يأمر بقتلهم وقتالهم، يشبهون المستثنين في الصورة ويختلفون عنهم في الحقيقة والنية، هؤلاء الذين يأمر الله بقتلهم وقتالهم قوم منافقون يظهرون للنبي ﷺ ولأصحابه الإسلام، ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم، ويصانعون الكفار بالباطن، ومتى وضعوا في أدنى وضع من الفتنة عن الإسلام، دخلوا فى الكفر والشرك وانهمكوا به، وأظهروا إخلاصهم له، بل أصبحوا في صف الكفر إيذاء وقتالا للمسلمين، هؤلاء أمر الله في شأنهم إذا لم يعتزلوا قتال المسلمين، ويعلنوا الإسلام، ويكفوا أيديهم عن إيذاء المسلمين، أن يقتلوا، ولأن هذا الموضوع قد يتحرج منه بعض الناس ختم الله الآية بقوله وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً أي: بينا واضحا. وبعد أن أمر الله هذه الأمة بالقتل والقتال حذر هذه الأمة أن تستجرها جرأتها على قتل أعدائها إلى أن تتجرأ على أن يقتل بعضها بعضا، وكان التحذير شديدا، فقد بين الله- في الآيات الأخيرة من هذا المقطع، أنه ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، وإذ كان هذا النهي جازما، والمؤمن في الأصل لا يخالفه، بين تعالى أنه تتصور حالة واحدة من الحالات، يمكن أن يقتل مؤمن مؤمنا، وهي حالة الخطأ. ثم بين أنه في حالة تلبس المؤمن بالقتل الخطأ فماذا يفعل؟ يختلف الحكم بين ما إذا كان هذا المؤمن المقتول خطا من قوم كافرين، بيننا وبينهم ميثاق، أو كان من قوم كافرين ليس بيننا وبينهم ميثاق، فإن كان مؤمنا من قوم بيننا وبينهم ميثاق، فعلى القاتل الدية والكفارة، وإلا فالكفارة دون دية، والكفارة إما عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، تلك توبة القاتل خطا.
أما الذي يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه الخلود في نار جهنم، واستحقاق غضب الله، ولعنته وعذابه الأليم الشديد، ثم يأتي مقطع جديد مرتبط بالمقطع السابق بشكل عام، وبدايته مرتبطة بما قبلها مباشرة وسنرى ذلك.
المعنى الحرفي
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ الحذر والحذر واحد، والحذر التحرز، وأخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه، ويعصم بها
روحه، والمعنى: كونوا دائما حذرين، متحرزين، متيقظين من عدوكم وعلى عدوكم. فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً الثبات: واحدها ثبة، وهي الجماعة،
стр. 1090
وكلمة جميعا هنا حال، والمراد مجتمعين، فالأمر الثاني بالنفير العام، والنفر: الخروج للعدو. والمعني: فاخرجوا إلى قتال العدو، جماعات متفرقة سرية بعد سرية، وجماعة بعد جماعة، عصابة بعد عصابة أو اخرجوا مجتمعين، فهو أمر بالقتال، إما بالخروج المجزأ، وإما بالنفير العام، حسب مقتضيات الأحوال. ويدخل في الأمر بالقتال ثُباتٍ القتال على طريقة حرب العصابات، حتى إن ابن كثير فسر ثبات فقال:
أي عصبا. ففي الآية أمران، أمر بالحذر، وأمر بالقتال، والأمر بالقتال على حسب مقتضيات الأحوال. والمهم ألا يترك المسلمون القتال في سبيل الله على قدر ما يلزم، وبحسب ما يمكن. وسنرى في هذا المقطع أن بأس الكافرين لا ينكف عنا إلا بالقتال، ولو بقتال فردي، فما أكثر غفلة المسلمين حين تركوا القتال حتى تغلب الكافرون على أرضهم، وسيطر المرتدون على بلادهم، فذلوا ببلادهم لعدوهم، وطمع بهم كل طامع. وإذا لم يعودوا إلى دينهم بإحياء فريضة القتال على قدر المستطاع، فلن تكون كلمة الله هي العليا لا في أقطارهم، ولا في العالم، وهذا الذي ورد في الحديث «إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتركتم جهادكم، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم». فكأن ميزان الرجوع إلى الإسلام هو الجهاد
وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ، أي: وإن منكم أيها المسلمين لمن أقسم جازما ليتثاقلن، وليتخلفن عن الجهاد، وقد عرفنا القسم من وجود اللام في قوله تعالى:
لَيُبَطِّئَنَّ، وقوله تعالى مِنْكُمْ. أي: من المسلمين، أي في الظاهر دون الباطن وهم المنافقون، ويحتمل أن يكون من المسلمين أنفسهم، ولكن ممن اختلت تصوراتهم، وكثر جهلهم، وفسد تقديرهم للأمور، ونظروا للأمور كلها من خلال مصلحتهم الذاتية، ومنفعتهم الخاصة. ويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو في نفسه، ويبطئ غيره عن الجهاد، كما كان عبد الله بن أبي بن سلول- قبحه الله- يفعل، يتأخر عن الجهاد، ويثبط الناس عن الخروج فيه، وهذا قول ابن جريج، وابن جرير، وقد يفعل هذا الذي يفعله المنافقون كثير من بسطاء المسلمين ممن لا يصدرون في أحكامهم عن شرع، أو فتوى، وإنما يصدرون أحكامهم بناء على ما يتصورونه مصلحة لأنفسهم، أو لناس من المسلمين، وهم بهذا يقتلون أنفسهم، ويقتلون المسلمين، وهم وإن لم يكونوا منافقين نفاق عقيدة، فإن عملهم هذا يستحقون به دخول النار، لجرأتهم على تعطيل فريضة الله، وعلى الفتوى بغير علم. والذي قلناه في كون من لا يتصف بنفاق العقيدة قد يقف نفس الموقف، بناء على أن كثيرين من الناس
следующие страницы →