Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
وهو ولي المؤمنين، يمتحنهم تارة ويديل عليهم، ويمتحنهم تارة بنصرهم، والفعل فعله.
وبعد أن صحح الله هذا التصور الكفري لهذا الموضوع المرتبط ارتباطا كاملا بموضوع الجهاد. إذ الجهاد قد يرافقه نصر، وقد يرافقه غير ذلك، وعلى المؤمنين في الحالين التسليم لله لا إلقاء اللوم على قيادتهم. بعد أن بين الله ذلك لفت النظر- في الوقت نفسه- إلى أنه وإن كان كل شئ فعله- إن أصاب بالسيئة من قحط أو هزيمة فذلك عدله، وإن أصاب بالحسنة فذلك فضله، لكنه إن أصاب الإنسان بسيئة فما ذلك إلا بذنب، وإن أصاب المجموع فقد يكون بذنب بعضهم، والله هو الذي قدر. وإذا كان الأمر كذلك فقد أرسل رسوله ﷺ من أجل أن يبلغ شرائعه، وما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه. وهو شهيد على رسوله ﷺ وعلى عباده بالبلاغ، والعمل، وكل شئ. وإذ كان الأمر كذلك فعلى الناس أن يجتهدوا ألا يذنبوا، وإذا أذنبوا، فلا يلومون إلا أنفسهم، مع معرفة أن الفعل فعل الله، وأن ذلك استحقاقهم، وأن عليهم أن يسلموا.
ثم بين تعالى أن طاعة رسول الله ﷺ طاعة لله، وهذا أكبر رد عليهم في دعواهم أن طاعة رسول الله ﷺ سبب المصائب! إذ سبب المصائب المعاصي لا الطاعات، فكيف تكون طاعة رسول الله ﷺ سببا للمصائب، وطاعته طاعة لله! وقد رأينا أن طاعة الأمراء في ذات الله طاعة لله، ورسوله، ثم عزى الله رسوله ومن على قدمه بأنه من تولى عن الطاعة، وأعرض عنها، فالله هو الحفيظ عليه، وهو الذي يتولى أمره، وليس لرسول الله ﷺ ولا عليه من ذلك شئ، وإذ بين أن الطاعة لرسول الله ﷺ سبب الحسنات والخيرات والنصر، بين حالة من حالات المنافقين وسفهها، ودل رسوله ﷺ على ما يفعله معهم مقابلة لها، هذه الحالة هي أن المنافقين يتظاهرون بالطاعة، والموافقة في حضرة رسول الله ﷺ ، فإذا خرجوا من عنده وتواروا عنه، أسروا فى أنفسهم، واتفقوا فيما بينهم على غير ذلك. وعزى الله رسوله، وهددهم بأنه يعلم بما يضمرونه، وما يخفونه، وما يتفقون عليه فيما بينهم من العصيان، وسيجزيهم على ذلك. ثم أمره أن يقابل ذلك بالإعراض عنهم، والتوكل على الله، فهما سلاحا رسول الله ﷺ ، ومن على قدمه أمام عدم انضباط بعض المتظاهرين أنهم من الصف وفيه. وسبب مجئ هذه المعاني في سياق الأمر بالقتال، وفي سياق نفي أن تكون المصائب بسبب اتباع رسول الله ﷺ وموافقته، واضح، فلا قتال بلا طاعة وانضباط، ولا نصر إلا بطاعة وانضباط. ثم أنكر الله- حالهم مبينا أن سبب هذا الحال هو عدم تدبر
стр. 1087
القرآن، وفهمه، وفقهه، والإيمان به، مع أن الدليل على أنه من عند الله، قائم به، من حيث إن كل كتاب بشري لا بد أن يظهر فيه شئ من الاضطراب، والتضاد والتناقض، إما مع نفسه، وإما مع الحقيقة. وهذا الكتاب سالم من الاختلاف في معانيه وأسلوبه، وغير ذلك، وكفى ذلك دليلا على أنه من عند الله، ومن الآية وسياقها نعلم أنه لا طاعة، ولا انضباط، ولا إيمان، إلا بتدبر لهذا القرآن. وفي عصرنا نعرف أهمية الحرب النفسية، وأهمية حرب الإشاعات، وتأثيرها على نفسية الأمة، ونفسية المقاتل، وفي هذا السياق، سياق الأمر بالقتال الجزئي، أو بالقتال الشامل، بالقتال على طريقة حرب العصابات، أو بالقتال على طريقة الحرب النظامية، ينكر الله- على من يبادر بنشر خبر قبل أن يتحقق، أو قبل أن يعرف محتواه ودلالاته، ويطالب المؤمنين أن يردوا أمثال هذه القضايا إلى رسول الله ﷺ ، وإلى قياداتهم المؤهلة لمعرفة الأمور وحقائقها، من أجل أن يعرفوا دلالات ماله علاقة بهذه القضايا. والأمر بهذا- في الحقيقة- أمر بالثقة، وأمر بالتروي، وأمر بالتقيد
بالسياسة الرسمية للدولة المسلمة، وعقب هذا التنبيه، بين الله فضله على هذه الأمة، والذي من مظاهره حفظهم من اتباع الشيطان، وفي ذلك بشارة وإشارة: بشارة بحفظ أهل الإيمان، وإشارة إلى أن السير وراء الشائعات، ونشرها، وعدم إرجاعها إلى المختصين بها اتباع للشيطان.
رأينا في هذا المقطع أنه ابتدأ بتوجيه الأمر إلى المؤمنين أن ينفروا للقتال سرايا أو جيوشا، ثم صدر أمر بالقتال لمن يشتري الدنيا بالآخرة. والآن يصدر الأمر لرسول الله ﷺ بالقتال ولو منفردا، والأمر لرسول الله ﷺ هنا، أمر لكل فرد من أمته، أنه لو نكلت الأمة كلها عن القتال، فعليه أن يقاتل هو، وأن يحرض المؤمنين على القتال، وبذلك يكون قد أسقط عن نفسه فريضة القتال، إذ بذلك يكون قد بذل جهده. ثم بين الله- أنه بذلك ينكف بأس الذين كفروا عن المؤمنين، مع أن الله قادر عليهم، وهو معذبهم، ومنكل بهم، ولكن شاء- أن يبتلي الناس بعضهم ببعض، فكلف المؤمنين بقتالهم. دل ذلك على أنه لا ينكف بأس الذين كفروا إلا بقتال.
وفي هذا السياق يذكر الله- ثلاث آيات، آية في الحض على الشفاعات في الخير، والنهي عن الشفاعات في الشر، والتذكير برقابة الله، وحفظه، ومحاسبته لخلقه، والآية الثانية في رد السلام على من سلم بأحسن منه، أو بمثله، مع التذكير بمحاسبة الله عباده. والآية الثالثة في التذكير بالوحدانية، وباليوم الآخر ومجيئه، وأنه
стр. 1088
لا شك فيه، وكيف يكون شك وأصدق الصادقين الله هو الذي حدثنا عنه!!!
فما صلة هذه المعاني بالسياق؟ إن الصلة بين هذه المواضيع والقتال واضحة، فالقتال يترتب عليه أسر للمسلمين، أو سجن لهم، أو اضطهاد لهم، وفي هذه الحالات قد يشفع ناس بالخير، وقد يحرض ناس على المسلمين- المبتلين- بشر، ومن ثم جاءت الآية في هذا السياق للندب إلى الشفاعة بخير. وفي عملية القتال، قد تظهر بادرة أخلاقية عند الكافرين فعلينا أن نقابلها بمثلها، أو أحسن منها، أو قد تظهر رغبة في السلام من أعداء الله، فعلينا أن نقابل هذه المبادرة بمثلها، مع ملاحظة شروط السلام كما هي في الإسلام، لا كما هي في اصطلاحات العالم كما سنرى ذلك، والتذكير بالله واليوم الآخر في هذا السياق واضح الصلة، فلا قتال في سبيل الله إذا لم يرافق ذلك إيمان بالله واليوم الآخر. وبعد الآيات الثلاث يعود السياق إلى الموضوع الرئيسي. فالقتال يقتضي صفا موحدا، وموقفا موحدا، ومن ثم تأتي الآيات في السياق تنكر على المؤمنين انقسامهم في أمر المنافقين إلى قسمين: قسم يريد قتلهم، وقسم يرى مسالمتهم بعد أن أظهر الله ضلالهم، من خلال مواقفهم، بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول ﷺ . واتباعهم الباطل، ورغبتهم في تكفير المسلمين. فكيف يصح أن يكون منهم موقف لين؟ وإذا كان سبب الموقف اللين هو الرغبة في هدايتهم، فهذا في غير محله بعد أن تبين أن الله يريد إضلالهم، وإذ تتحدد هذه المعاني، فلا مجال بعد ذلك لأن ينقسم المسلمون في أمرهم قسمين، بل ينبغي أن يكون الموقف واحدا، وهو ترك توليهم، ثم قتلهم حيث كانوا- وهذا متوقف على شرط، وعدم اتخاذ ولي منهم أو نصير. ثم استثنى الله- من الأمر بالقتل والقتال، ناسا لجئوا وتحيزوا إلى قوم بيننا وبينهم مهادنة، أو عقد ذمة، فعندئذ يأخذون حكمهم، كما استثنى ناسا رغبوا في مهادنة المسلمين، وقلوبهم لا ترغب في قتال المسلمين، ولا في قتال قومهم مع المسلمين، فدخلوا مع المسلمين في عهد أن يكونوا على الحياد، وقبل المسلمون منهم ذلك، فإن الله- أجاز لنا عدم قتلهم وقتالهم، وذلك من لطفه تعالى بنا، إذ أعطانا بهذا فرصة كيلا يقاتلنا الناس جميعا، أو نضطر لقتال الناس جميعا. ومن ثم أمرنا الله ألا نقاتل هؤلاء ما داموا مسالمين، ملتزمين بما التزموا به. وهذه الآيات والتي بعدها مباشرة قد لا تفهم فهما جيدا إلا بعد استعراض المعنى الحرفي. وذلك أن الكلام عن المنافقين مختلط بالكلام عن الكافرين في موضوع الأمر بالقتل والقتال، وما يستثنى من ذلك، وما لا يستثنى. وتطبيقات ذلك على عصرنا، كل ذلك نرجو أن يتضح أثناء
стр. 1089
التفسير الحرفي، والفوائد التي نلحقها به. ولنعد إلى السياق، فبعد أن استثنى الله ناسا من الأمر بالقتل والقتال، يذكر الله ناسا يأمر بقتلهم وقتالهم، يشبهون المستثنين في الصورة ويختلفون عنهم في الحقيقة والنية، هؤلاء الذين يأمر الله بقتلهم وقتالهم قوم منافقون يظهرون للنبي ﷺ ولأصحابه الإسلام، ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم، ويصانعون الكفار بالباطن، ومتى وضعوا في أدنى وضع من الفتنة عن الإسلام، دخلوا فى الكفر والشرك وانهمكوا به، وأظهروا إخلاصهم له، بل أصبحوا في صف الكفر إيذاء وقتالا للمسلمين، هؤلاء أمر الله في شأنهم إذا لم يعتزلوا قتال المسلمين، ويعلنوا الإسلام، ويكفوا أيديهم عن إيذاء المسلمين، أن يقتلوا، ولأن هذا الموضوع قد يتحرج منه بعض الناس ختم الله الآية بقوله وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً أي: بينا واضحا. وبعد أن أمر الله هذه الأمة بالقتل والقتال حذر هذه الأمة أن تستجرها جرأتها على قتل أعدائها إلى أن تتجرأ على أن يقتل بعضها بعضا، وكان التحذير شديدا، فقد بين الله- في الآيات الأخيرة من هذا المقطع، أنه ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، وإذ كان هذا النهي جازما، والمؤمن في الأصل لا يخالفه، بين تعالى أنه تتصور حالة واحدة من الحالات، يمكن أن يقتل مؤمن مؤمنا، وهي حالة الخطأ. ثم بين أنه في حالة تلبس المؤمن بالقتل الخطأ فماذا يفعل؟ يختلف الحكم بين ما إذا كان هذا المؤمن المقتول خطا من قوم كافرين، بيننا وبينهم ميثاق، أو كان من قوم كافرين ليس بيننا وبينهم ميثاق، فإن كان مؤمنا من قوم بيننا وبينهم ميثاق، فعلى القاتل الدية والكفارة، وإلا فالكفارة دون دية، والكفارة إما عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، تلك توبة القاتل خطا.
أما الذي يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه الخلود في نار جهنم، واستحقاق غضب الله، ولعنته وعذابه الأليم الشديد، ثم يأتي مقطع جديد مرتبط بالمقطع السابق بشكل عام، وبدايته مرتبطة بما قبلها مباشرة وسنرى ذلك.
المعنى الحرفي
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ الحذر والحذر واحد، والحذر التحرز، وأخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه، ويعصم بها
روحه، والمعنى: كونوا دائما حذرين، متحرزين، متيقظين من عدوكم وعلى عدوكم. فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً الثبات: واحدها ثبة، وهي الجماعة،
стр. 1090
وكلمة جميعا هنا حال، والمراد مجتمعين، فالأمر الثاني بالنفير العام، والنفر: الخروج للعدو. والمعني: فاخرجوا إلى قتال العدو، جماعات متفرقة سرية بعد سرية، وجماعة بعد جماعة، عصابة بعد عصابة أو اخرجوا مجتمعين، فهو أمر بالقتال، إما بالخروج المجزأ، وإما بالنفير العام، حسب مقتضيات الأحوال. ويدخل في الأمر بالقتال ثُباتٍ القتال على طريقة حرب العصابات، حتى إن ابن كثير فسر ثبات فقال:
أي عصبا. ففي الآية أمران، أمر بالحذر، وأمر بالقتال، والأمر بالقتال على حسب مقتضيات الأحوال. والمهم ألا يترك المسلمون القتال في سبيل الله على قدر ما يلزم، وبحسب ما يمكن. وسنرى في هذا المقطع أن بأس الكافرين لا ينكف عنا إلا بالقتال، ولو بقتال فردي، فما أكثر غفلة المسلمين حين تركوا القتال حتى تغلب الكافرون على أرضهم، وسيطر المرتدون على بلادهم، فذلوا ببلادهم لعدوهم، وطمع بهم كل طامع. وإذا لم يعودوا إلى دينهم بإحياء فريضة القتال على قدر المستطاع، فلن تكون كلمة الله هي العليا لا في أقطارهم، ولا في العالم، وهذا الذي ورد في الحديث «إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتركتم جهادكم، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم». فكأن ميزان الرجوع إلى الإسلام هو الجهاد
وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ، أي: وإن منكم أيها المسلمين لمن أقسم جازما ليتثاقلن، وليتخلفن عن الجهاد، وقد عرفنا القسم من وجود اللام في قوله تعالى:
لَيُبَطِّئَنَّ، وقوله تعالى مِنْكُمْ. أي: من المسلمين، أي في الظاهر دون الباطن وهم المنافقون، ويحتمل أن يكون من المسلمين أنفسهم، ولكن ممن اختلت تصوراتهم، وكثر جهلهم، وفسد تقديرهم للأمور، ونظروا للأمور كلها من خلال مصلحتهم الذاتية، ومنفعتهم الخاصة. ويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو في نفسه، ويبطئ غيره عن الجهاد، كما كان عبد الله بن أبي بن سلول- قبحه الله- يفعل، يتأخر عن الجهاد، ويثبط الناس عن الخروج فيه، وهذا قول ابن جريج، وابن جرير، وقد يفعل هذا الذي يفعله المنافقون كثير من بسطاء المسلمين ممن لا يصدرون في أحكامهم عن شرع، أو فتوى، وإنما يصدرون أحكامهم بناء على ما يتصورونه مصلحة لأنفسهم، أو لناس من المسلمين، وهم بهذا يقتلون أنفسهم، ويقتلون المسلمين، وهم وإن لم يكونوا منافقين نفاق عقيدة، فإن عملهم هذا يستحقون به دخول النار، لجرأتهم على تعطيل فريضة الله، وعلى الفتوى بغير علم. والذي قلناه في كون من لا يتصف بنفاق العقيدة قد يقف نفس الموقف، بناء على أن كثيرين من الناس
стр. 1091
قد يصابون بأمراض المنافقين أو الكافرين ويتخلقون بأخلاقهم، وإن لم يكن ثمة كفر أو نفاق، ولكنه الفسوق والمرض والانحراف فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ كقتل أو هزيمة أو كارثة قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً. أي: قال هذا المبطئ قد أنعم الله علي إذ لم أكن مع المسلمين الذين شهدوا القتال حاضرا، فيصيبني مثل ما أصابهم، يعد عدم حضوره مع المسلمين وقعة القتال، يعد ذلك من نعم الله عليه، ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل
وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ.
أي: من فتح أو نصر أو غنيمة لَيَقُولَنَّ. أي: هذا المبطئ متلهفا على ما فاته من الغنيمة، لا طلبا للمثوبة كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ. أي: كأنه لم يتقدم له معكم مودة، لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين في الظاهر، وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن. قال ابن كثير في تفسيرها: كأنه ليس من أهل دينكم. يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً. أي: يا ليتني كنت معهم فآخذ من الغنيمة حظا وافرا، فهذا أكبر قصده وغاية مراده، أن يضرب له بسهم مما ينال المسلمون من خير.
هذا هو منطق هؤلاء، وتصورهم، ينظرون إلى الأمور من خلال مصلحتهم ومنفعتهم لا من خلال أداء ما أوجب الله عليهم، ويقيسون الأمور بمقياس الربح والخسارة الدنيويين لا بمقياس طاعة الله، ومعرفتهم بالله قاصرة، إذ يتصورون أن تخلفهم عن الواجب مع نجاتهم من المصائب دليل رضى الله. وإذا أصاب المسلمين مصيبة وهم يقومون بواجبهم يعتبرون ذلك علامة خطأ ابتداء وانتهاء ناسين أن المسلمين الذين يصابون، على فرض أنهم أصيبوا نتيجة خطأ، فإن إصابتهم تكفر عنهم سيئاتهم، وفي قيامهم بالواجب أسقطوا فرض الله عنهم، وهؤلاء المثبطون والمتباطئون لم يفعلوا هذا وهذا. وإذ بين الله- حقيقة هذه النوعية من الناس الذي موقفها ترك القتال، والتثبيط عنه، يصدر الله- أمره التالي:
فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ يحتمل النص معنيين على حسب ما تفسر به كلمة الشراء، لأنها من كلمات الأضداد في اللغة العربية، تطلق على البيع والشراء بآن واحد، ويحدد ذلك السياق. فعلى أن المعنى المراد بها البيع يكون المعنى: فليقاتل المؤمنون الذين يستحبون الحياة الآجلة على العاجلة، ويستبدلونها بها.
فليقاتل هؤلاء في سبيل الله فلئن صد الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال، فليقاتل الثابتون المخلصون. وأما معنى النص على أن المراد الشراء فيكون: فليقاتل هؤلاء
стр. 1092
المنافقون الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة. فعلى هذا فإن النص يكون وعظا لمن ذكروا في الآية السابقة من أجل أن يغيروا ما بهم من النفاق، ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله، ويجاهدون في سبيل الله حق جهاده، فذلك هو الدواء لنفاقهم، والأول أقوى. ثم يبين الله- ما أعد لمن قاتل في سبيله وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً. أي: كل من قاتل في سبيل الله، سواء قتل أو غلب، فله عند الله مثوبة عظيمة، وأجر جزيل، كما ثبت في الصحيحين:
«وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة». قال النسفي: وعد الله المقاتل في سبيل الله ظافرا، أو مظفورا به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله.
وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أي:
وأي شئ لكم تاركين القتال، وقد ظهرت دواعيه، وهذا الاستفهام فيه معنى التنبيه على الاستبطاء إن قاتلنا، والإنكار إن لم نقاتل. ثم قال: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ. إذا اعتبرنا أن الواو في قوله تعالى وَالْمُسْتَضْعَفِينَ للعطف، يكون المعنى: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله، وفي خلاص الْمُسْتَضْعَفِينَ ....
وإذا اعتبرناها للاستئناف كان المعنى: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله، واختص من سبيل الله خلاص المستضعفين من المستضعفين، لأن سبيل الله عام في كل خير، وخلاص المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه، ولكل عصر مستضعفوه، وما أكثر المستضعفين في عصرنا، وما أقل قتالنا. والمستضعفون ساعة نزول الآية هم الذين أسلموا بمكة، وصدهم المشركون عن الهجرة، فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين، يلقون من المشركين الأذى الشديد، وذكر الولدان تسجيل لإفراط ظلمهم، حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين، إرغاما لآبائهم وأمهاتهم، وفي عصرنا يفتن صغار المسلمين عن دينهم في مدارسهم، وفي غير ذلك بألوف الوسائل، فهل يعقل المسلمون، ويقاتلون لإسقاط الأنظمة الكافرة بالطرق التي تمكنهم منها وسائل عصرنا؟. ثم وصف الله حال هؤلاء المستضعفين الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها القرية الظالم أهلها يوم نزول الآية هي مكة، والوصف يصدق على كل حالة مشابهة. وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يتولى أمرنا ويستنقذنا من أعدائنا، وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ينصرنا على أعدائنا، فهم يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه، أقول: إذا توجه مثل هذا الخطاب وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ من أجل المستضعفين لرسول الله ﷺ والصحابة وهم ما هم؟ في القيام بأمر الله، فماذا يقال لجيلنا الذي
стр. 1093
ترك القتال فذل المسلمون في كل مكان. فهل من قتال لإنقاذ المستضعفين من جديد
ثم ذكر الله- الفارق بين قتال المؤمنين وقتال الكافرين فقال: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ. أي: المؤمنون يقاتلون طاعة لله تعالى، وفي الطريق التي شرعها، والكافرون يقاتلون طاعة للشيطان، وفي طريقه المعوجة التي يضل بها. وكل قتال غير قتال المسلمين هذا شأنه، وهذا ترغيب للمؤمنين في القتال، لأنه ما دام في سبيل الله فالله وليهم وناصرهم. ثم هيج الله المؤمنين على قتال أعدائه فقال فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ. أي: أنصاره وهم الكفار بأصنافهم ومنهم المرتدون. إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ. أي: وساوسه، والكيد: هو السعي في فساد الحال، على جهة الاحتيال. كانَ ضَعِيفاً لأنه غرور لا يؤول إلى محصول، ولأن كيده في مقابلة نصر الله ضعيف .. وفي هذا تجريء للمسلمين على القتال، إذ ما دام الشيطان هو ولي الكافرين، وهذا شأن كيده، وما دام الله هو ولي المؤمنين، وتعالى شأنه، فكيف لا يجرؤ المؤمنون على الكافرين. وفي كل زمان يوجد من يخشى القتال، حتى من المؤمنين، وفي جيلنا يوجد من يتصور أن الإسلام مجرد صلاة وزكاة، أما أن يكون الإسلام قتالا فلا، وفي جيلنا يوجد من يتصور أن التقوى في الصلاة والزكاة، وكلها تصورات فاسدة، يطهر الله عباده المسلمين المتقين منها بالآيات التالية:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ كان ذلك في ابتداء الإسلام إذ كان المسلمون مأمورين بالصلاة ومواساة المحتاج منهم، والعفو والصفح وترك القتال، وكانوا وهم في مكة يتمنون أن يؤذن لهم بالقتال.
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ. أي: فرض عليهم وأمروا به، وذلك بعد إذ كانوا في المدينة. إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ. أي: يخافون أن يقاتلهم الكفار كما يخافون أن ينزل الله عليهم بأسه، لا شكا في الدين ولا رغبة عنه، ولكن نفورا عن المخاطرة بالأرواح، وخوفا من الموت.
كانوا يودون القتال، فلما أمروا به جزع بعضهم منه، وخافوا من مواجهة الناس خوفا شديدا. قال الشيخ أبو منصور الماتريدي: هذه خشية طبع، لا أن ذلك منهم كراهة لحكم الله وأمره اعتقادا، فالمرء مجبول على كراهة ما فيه خوف هلاكه غالبا.
دلت الآية على أن هناك ناسا خشية الله عندهم لا يعدلها شئ بدليل تشبيه خشية هؤلاء من الناس بخشية من يخشى الله. ومن المعلوم أن المشبه به أقوى من المشبه، فالآية تعني أن هذا الفريق الذي خشي الناس إذ أمر بالقتال قد خشي الناس مثل أهل خشية الله، أي
стр. 1094
مشبهين لأهل خشية الله. أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً. أي: أو أشد خشية من أهل خشية الله. وأو في الآية للتخيير، أي إن قلت خشيتهم الناس كخشية الله، فأنت مصيب، وإن قلت إنها أشد فأنت مصيب، لأنه حصل مثلها وزيادة. ولا يعني هذا أن خشية الله عند أهلها ليست على كمالها حتى يكون عليها مزيد، بل إن خشية الله عند أهلها يرافقها معرفة بجمال الله وفضله، ولذلك فإن الخشية يرافقها عادة رجاء، أما هؤلاء فإن خشيتهم من الناس أعمت قلوبهم حتى لم يبق معها محل لغيرها، ولذلك زادت على خشية الله. وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ.
سألوا عن وجه الحكمة في فرض القتال عليهم، لا اعتراضا لحكمه بدليل أنهم أجيبوا على سؤالهم بما يأتي. وبدليل أنهم اقترحوا أن يؤخر فرضه عليهم إلى مدة أخرى. لقد طلبوا التأجيل ولو إلى أمد قريب، رغبة في الحياة، وتجنبا لسفك الدماء، ويتم الأولاد وتئيم النساء. وهي حالة مرضية، عالجها الله تعالى، بلفت النظر إلى حقيقة الحياة الدنيا، وإلى حقيقة الموت. قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى. أي:
متاع الدنيا قليل زائل. ومتاع الآخرة دائم، والكثير إذا كان على شرف الزوال فهو قليل. فكيف بالقليل الزائل. وقيد كون الآخرة خيرا للمتقين لأنهم هم الذين في حقهم
الآخرة خير من الدنيا أما الكافرون، فإن الآخرة شر لهم من الأولى. وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا. هذا النص في سياقه يعني: أنكم لا تنقصون أدنى شئ من أجوركم على مشاق القتل، فلا ترغبوا عنه.
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ. أي: أنتم صائرون إلى الموت.
والموت واصل إليكم. والحذر لا ينجي من القدر. وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ.
أي: الموت يصل إليكم، ولو كنتم في حصون أو قصور حصينة، منيعة، عالية، رفيعة.
وبهاتين القضيتين، تعالج كراهية القتال، وحب الحياة: معرفة حقيقة الدنيا بالنسبة للآخرة. ومعرفة أن الموت لا يتقدم، ولا يتأخر. ثم ذكر الله- مرضا آخر، وقع فيه هؤلاء الطالبون لتأخير فريضة القتال وهو مرض يصيب الكثيرين خاصة في حالات الصراع مع أهل الكفر عند ما يصاب أهل الإيمان، وكل من المرضين يمكن أن يصاب به المسلمون في كل زمان ومكان. وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ. أي: نعمة من خصب ورخاء. يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وهي كذلك. ولا اعتراض على هذا. ولكن الاعتراض على ما بعده. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ. أي: بلية من قحط
стр. 1095
وشدة. يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أي: أضافوها إلى رسول الله ﷺ حين نزول الآية، وفي كل عصر يمكن أن ينسبها أمثالهم إلى وراثه ﷺ والمعنى أن هؤلاء يعتبرون ما هم فيه من خير من الله، وهذا صحيح. وما يصيبهم من شدة، يعتبرون ذلك شؤما سببه رسول الله ﷺ ، والجواب: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. أي: كل ذلك من عند الله. فهو يبسط الأرزاق، ويقبضها. وكل شئ فعله. ثم أنكر الله- عليهم اعتقادهم هذا بقوله: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً. أي:
لا يكادون يفهمون حديثا، فيعلمون أن الله هو الباسط، القابض. وكل ذلك صادر عن حكمه.
ثم بين الله- تفصيل هذا الموضوع، بما يجمع ما بين معرفة الواقع: أن كل شئ صادر عن الله وبفعله، وأن لنزول المصائب التي ينزلها بعباده أسبابا مع أن الكل فعله. ولكن فعله لا يكون إلا مقرونا بالحكمة. فقال تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ. أي: من نعمة، وإحسان فَمِنَ اللَّهِ. تفضلا منه، وامتنانا. إذ لا أحد له عليه شئ. وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ. أي: من بلية ومصيبة، فَمِنْ نَفْسِكَ. أي: فمن عندك أي: فبما كسبت يداك أيها الإنسان. ومن هنا عرفنا خطأ أولئك. فبدلا من أن يرجعوا إلى الله رجوعا عاما، عن معاصيهم، ليرفع الله عنهم بأسه، أرجعوا سبب المصائب إلى وجود رسول الله ﷺ وهو المعصوم وهو الرحمة.
ولذلك ختمت هذه الآية بقوله تعالى: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا: فأنت رحمة، وأنت معصوم، وأنت مبلغ، وعليهم أن يتركوا ما هم عليه مما يخالف رسالتك، لينالوا بر الله، وفضله، لا أن يعصوك، ثم يحملوك مسئولية ما ينزل عليهم. وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً. أي: على أنه أرسلك وهو شهيد أيضا، بينك، وبينهم. وعالم بما يكلفهم إياه. وبما يردون عليك من الحق؛ كفرا، وعنادا. وما أقل الفاهمين عن الله. وما أكثر المتقولين على الله. ولعلنا لا نحتاج إلى أي إيضاح إضافي حول ارتباط هذا المعنى الأخير بسياق مقطع القتال هذا. إذ من يقود المسلمين في صراعهم، وقتالهم، كثيرا ما ينسب إليه الذين في قلوبهم مرض مسئولية ما يصيبهم. وقد لا يكون هو السبب، وقد يكون أحيانا. ونحن نتكلم عن من يقود المسلمين قيادة راشدة، كوارث لرسول الله ﷺ ، وفي هذا السياق- سياق القتال- يأتي الآن حديث عن الطاعة. ونحن نعلم أن كل من كتب في فن الحرب، من كافر، أو مسلم يجمع على أن أي جيش في العالم، لا يستطيع أن يربح معركة، ولا تستطيع أمة أن تربح في أي مجال من مجالات الحياة، إلا
стр. 1096
بانضباط، وطاعة. ونحن المسلمين مكلفون بالطاعة بشرط أن تكون الطاعة مبصرة، ولأهلها. ومن ثم تأتي الآيات الثلاث القادمة مقررة ومعالجة ومبينة.
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ... : وذلك لأن رسول الله ﷺ ، لا يأمر ولا ينهى إلا بما أمر الله به ونهى عنه، فكانت طاعته في أوامره ونواهيه طاعة لله، ومن أدرك هذه الحقيقة، أعطى رسول الله ﷺ منتهى الطاعة، وكان في غاية الانضباط، وهذا ما كان، وهذا مظهر من مظاهر المعجزة التي خلقها الله على يد رسوله ﷺ في أمة العرب، وقد أدخل رسول الله ﷺ في هذه الطاعة التي تعني طاعة الله في النهاية، طاعة الأمراء كما ثبت في الصحيحين عنه ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله. ومن عصاني، فقد عصى الله.
ومن أطاع الأمير، فقد أطاعني. ومن عصى الأمير وهناك- رواية يقول: ومن عصى أميري- فقد عصاني». والملاحظ في هذا الحديث على إحدى رواياته، أنه أطلق لفظ الأمير. والمراد به الأمير المسلم، المؤمر بالحق والسائر بالحق والقائم بالحق، وأول من يدخل في ذلك، أمراء رسول الله ﷺ . وأمراء الخلافة الراشدة. وَمَنْ تَوَلَّى.
أي: ومن أعرض عن الطاعة: فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً. أي: فما أرسلناك عليهم تحفظ أعمالهم؛ وتحاسبهم عليها وتعاقبهم. بل أمر ذلك إلى الله، وفي ذلك تهديد لمن أعرض عن الطاعة.
ثم أخبر تعالى عن حال المنافقين من كونهم يظهرون الموافقة والطاعة. ويبيتون الخلاف، والعصيان. وَيَقُولُونَ طاعَةٌ. أي: ويقول المنافقون إذا أمرتهم بشيء: أمرنا وشأننا طاعة. فَإِذا بَرَزُوا. أي: خرجوا.
مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ. بيت: بمعنى: زور وسوى من البيتوتة، لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل. والمعنى: زور طائفة منهم في أنفسهم خلاف ما قلت
وما أمرت به، أو خلاف ما قالت، وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطنوا الرد لا القبول، والعصيان لا الطاعة، وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون. وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ. أي: والله يثبت ما بيتوه في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ. أي: فتول عنهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في شأنهم، فإن الله يكفيك مضرتهم، وينتقم لك منهم، ويتولى أمرهم وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا كافيا لمن توكل عليه. أمره في مقابل عملهم أن يجمع بين التوكل عليه، والإعراض عنهم،
ثم بين علة مرضهم، وهو عدم التدبر لكتاب الله. وهذا يعني أنه بقدر ما تربى الأمة على التدبر لكتاب الله، ينمو الانضباط الصحيح، والطاعة المبصرة. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ. أي: أفلا يتأملون معانيه ومبانيه. والتدبر: التأمل والنظر في أدبار الأمر
стр. 1097
وما يؤول إليه في عاقبته. ثم استعمل في كل تأمل. والتفكر: تصرف القلب بالنظر في الدلائل ثم قال تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ كما يزعم الكفرة لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً. أي: لوجدوا فيه تناقضا كبيرا في معانيه، بينما نجد معانيه يكمل بعضها بعضا في التوحيد، والتحليل والتحريم، والتربية والإخبار. أو المعنى: لوجدوا فيه تفاوتا من حيث البلاغة، فكان بعضه بالغا حد الإعجاز، وبعضه قاصرا عنه يمكن معارضته، أو لوجدوا فيه تفاوتا كثيرا من حيث المعاني، فكان بعضه إخبارا بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالا على معنى فاسد غير ملتئم، أو هذا كله. وفي كتابنا- الرسول ﷺ في بحث المعجزة القرآنية ذكرنا شيئا عن هذا، فليراجع.
فائدة:
استدل علماؤنا بهذه الآية فردوا على بعض الطوائف التي تقول: إن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول ﷺ والإمام، واستدلوا بها على صحة القياس. أما هي في سياقها فإنها تشير إلى مظهر من مظاهر الإعجاز في القرآن الذي يقطع شك الشاكين، ويزيل تردد المترددين في أمر طاعة الرسول ﷺ . وقد ذكرنا من قبل أن تدبر القرآن هو الطريق لتربية الأمة الإسلامية على الطاعة والانضباط.
ثم ذكر الله- قضية أخرى مهمة في موضوع الحرب والقتال، لها علاقة بحرب الإشاعات، والحرب النفسية، تحدث عنها، ووضع علاجها. فالله- يريد من هذه الأمة أن تكون لديها مناعة ضد الحرب النفسية وضد حرب الإشاعات وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ. الإذاعة: الإفشاء والنشر، والأمن: السلامة والسلم، والخوف: الخلل، أو الخطر، أو الهزيمة، أو الإصابة. والمراد أن هناك ناسا إذا بلغهم الخبر عن سرايا المسلمين وجيوشهم، كانوا يشيعونه ويذيعونه، فيترتب على ذلك خلل في المجتمع الإسلامي، ولذلك فقد ربى الرسول ﷺ المسلمين على التثبت، ففي الصحيحين «أن رسول الله ﷺ نهى عن قيل وقال» أي الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ولا تدبر، وفي الصحيح: «من حدث بحديث، وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»، وفي سنن أبي داود «بئس مطية الرجل زعموا».
وهاهنا في الآية، بعد أن أنكر الله- على من يروج الإشاعات في المجتمع
стр. 1098
الإسلامي، بين الطريق العملي، والموقف الصحيح من هذه الإشاعات، فقال:
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ. أي: ولو ردوا الخبر أو الإشاعة إلى رسول الله ﷺ في حياته، وكبار أصحابه البصراء في الأمور في زمانه، أو لو ردوه إلى خلفائه، وأمراء المسلمين من بعده لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ. أي: لعلم تدبير ما أخبروا به الذين يستخرجون تدبيره، وما ينبغي فعله ممن عندهم قدرة على ذلك بفطنتهم، وتجاربهم، ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها. دلت الآية على أن هناك أناسا عندهم قدرة على الاستنباط للحلول والأحكام لما يجد أو يحدث، أو يقع. وقد فسرنا الآية بما مر، وهو أحد اتجاهين في تفسيرها، فعلى هذا الاتجاه الذي ذكرناه، هي في الإشاعات التي تصل إلى المجتمع الإسلامي بشكل من الأشكال، مما يخدم مصلحة العدو، وعلاج ذلك هو ترك أمر معالجة هذه الإشاعات إلى أمراء المسلمين، وإهمال الإشاعة، وعدم التحدث عنها، وفي ذلك إماتتها. وفي قوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إشارة إلى أن إبلاغ الإشاعة إلى الرسول ﷺ ، وإلى أولي الأمر لا مانع منه، ولكن إشاعة الأمر وتداوله هو الخطأ. وهناك اتجاه آخر في تفسير الآية وهو كذلك قضية ينبغي أن تلاحقها الجماعة المسلمة، هذا الاتجاه هو: أن بعضهم كانوا يقفون من رسول الله ﷺ وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فينتشر، فيبلغ الأعداء، فتعود إذاعة الخبر الفاسد بالشر، ولو ردوه إلى الرسول ﷺ وإلى أولي الأمر منهم، وفوضوه إليهم، وكانوا كأن لم يسمعوا، لأعطوا الذين يدبرون الأمور ويديرونها، ويخططون لها، فرصة الإدارة الصالحة، فيعرفون ما يأتون وما يذرون. وهذا اتجاه في التفسير ينبغي أن يلاحظ تطبيقه. والنبط: هو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر، واستنباطه استخراجه، فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يفعل. وبعد أن ذكر الله- هذه القضية المهمة في شأن القتال، ذكر أن الاستعداد النفسي عند الإنسان يوصله لاتباع الشيطان في هذه القضايا وغيرها، لولا أن الله قضت حكمته أن يتدارك المسلمين بفضله، ويتولاهم، وفي ذلك إشارة إلى أن نشر الإشاعات من الشيطان، وفي ذلك إشارة إلى ضرورة الشعور بفضل الله ورحمته، والتوكل عليه، لأنه مولى المؤمنين، وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بتزكيته لكم وَرَحْمَتُهُ بإرسال رسوله ﷺ ، وإنزال كتابه، وحفظه لكم، لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ فيما يوسوس إِلَّا قَلِيلًا. أي:
إلا قليلا منكم، وهم من صفت فطرتهم، بما فطرهم الله عليه من كمال عقل. وقال ابن
стр. 1099
عباس في تفسيرها: لاتبعتم الشيطان كلكم، لأن القليل في اللغة يطلق على العدم.
فائدة: في الحديث المتفق عليه أن عمر بن الخطاب ﵁ حين بلغه أن رسول الله ﷺ طلق نساءه، فجاء من منزله حتى دخل المسجد، فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على النبي ﷺ ، فاستفهمه أطلقت نساءك؟ فقال:
لا. فقلت: الله أكبر. وذكر الحديث بطوله. وعن مسلم: فقلت أطلقتهن؟ فقال:
لا. فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي، لم يطلق الرسول ﷺ نساءه، فنزلت هذه الآية وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ... فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. نفهم من هذا أن الاستنباط، ورد الأمر إلى الرسول ﷺ وإلى أولي الأمر ليس خاصا في قضايا القتال التي فهمناها من خلال السياق. وإذا لاحظنا أن أولي الأمر في المقطع السابق فسرت بالعلماء على أحد أوجه التفسير ندرك وجاهة من يدخل في هذه الآية قضية الاجتهاد الذي هو استنباط الأحكام لما يجد، وقضية المجتهدين الذين أهلتهم ملكاتهم وعلمهم وتقواهم لاستنباط الأحكام.
وبعد أن أمر الله- في هذا المقطع أمرا عاما للمؤمنين جميعا أن يقاتلوا على طريقة حرب العصابات، أو على طريقة الحرب النظامية، أو على حسب مقتضيات الجهاد، وعاب على المتباطئين والمثبطين، وعالج مرض الراغبين في تأخير القتال، وربى المسلمين على الطاعة والصمت، والكتمان، يصدر الآن أمرا لكل فرد على حدة من خلال الأمر لرسول الله ﷺ أن يقاتل، وأن يحرض المسلمين على القتال، مبينا أن بأس الكافرين لا ينكف إلا بذلك، قال: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ.
أي: لا تكلف غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد، فإن الله تعالى ناصرك لا الجنود. والمعنى: وإن أفردوك وتركوك وحدك، فقاتل. وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ.
أي: حضهم على القتال ورغبهم فيه، وشجعهم عليه عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا. أي: عسى الله بتحريضك على القتال، وقتالك، أن يكف بطش الذين كفروا وشدتهم، وعسى كلمة مطمعة، غير أن إطماع الكريم أعود من إنجاز اللئيم وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً من الكافرين وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا أي: وأشد تعذيبا، يفهم من ذلك: أن بأس الكافرين شديد، وتنكيلهم بالمؤمنين شديد، ولكن بأس الله وتنكيله أشد. وقد دلت الآية أن بأس الكافرين الشديد، وتنكيلهم الشديد بالمؤمنين،
стр. 1100
لا ينكفان إلا بقتال، وتحريض على القتال بالخطب والمحاضرات وبالنشرات والرسائل، والكتب، ليرتفع عن المؤمنين بأس الكافرين وتنكيلهم.
فوائد:
١ - أخرج ابن أبي حاتم عن أبي إسحاق قال: سألت البراء ابن عازب عن الرجل يلقى المائة من العدو فيقاتل، فيكون ممن قال الله فيه: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة؟
قال: قد قال الله لنبيه: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ رواه الإمام أحمد بنفس المعنى مع زيادة، وإنما ذكرنا هذه الفائدة ليعلم أن الصحابة فهموا أن هذا الأمر للأمة كلها لا لشخص رسول الله ﷺ وحده.
٢ - من أمثلة تحريضه ﵊ للمؤمنين على القتال، قوله ﵊ يوم بدر: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» ومن ذلك ما رواه البخاري في التحريض على الجهاد المندوب. قال رسول الله ﷺ : «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها» - هذا حيث لا تكون الهجرة واجبة- قالوا: يا رسول الله: أفلا نبشر الناس بذلك فقال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة. وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة». أقول: هذا في الجهاد المندوب، أما إذا كان الجهاد فرضا فجزاء تاركه النار إلا أن يشاء الله- والآن تأتي ثلاث آيات في مقطع القتال هذا، لا علاقة لها في الظاهر بموضوع القتال، ثم تأتي آيات لها علاقة بالقتال، فما الحكمة في مجئ هذه الآيات ضمن هذا السياق؟ كنا ذكرنا أكثر من مرة أن من مظاهر حكمة الله في القرآن، ومن مظاهر الإعجاز، أنك تفهم من النص شيئا، ومن سياقه القريب شيئا، ومن سياقه العام شيئا، وأن هذا كله يكمل بعضه بعضا، وهذا يسبب توالدا في المعاني القرآنية فلا تتناهى، فالآيات الثلاث هنا مرتبطة بمعاني القتال كما سنرى، وهي تعطي معاني مقصودة بذاتها
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً الشفاعة الحسنة هي: ما كانت في دفع شر، أو جلب نفع مع جوازها شرعا يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها. أي: من ثوابها، والمعنى: أن من يسعى في أمر فيترتب
стр. 1101
عليه خير كان له نصيب من ذلك الخير، وقد ثبت في الصحيح عنه (عليه الصلاة السلام) أنه قال: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء». قال مجاهد ابن حبير: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض. وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً. الشفاعة السيئة: ما كانت في جلب ضر، أو دفع نفع، أو كانت غير جائزة شرعا. يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها. أي: يكن عليه نصيب من إثمها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً. أي: مقتدرا من أقات على الشئ: اقتدر عليه، أو حفيظا من القوت، لأنه يمسك النفس، والحفيظ: شهيد وحسيب. فما محل هذه الآية في السياق؟ قال النسفي: قال ابن عباس- أي في هذه الآية- ما لها مفسر غيري.
معناه: من أمر بالتوحيد وقاتل أهل الكفر «أي: فقد شفع شفاعة حسنة». وإنما نقلنا كلام ابن عباس هذا ليعلم أن من المفسرين من فهم هذه الآية على ضوء السياق. وعلى هذا فإن ابن عباس يفهم أن الشفاعة الحسنة هي القتال في سبيل الله، وذلك لأنها وحدها تنقذ المستضعفين وأمثالهم. وأن الشفاعة السيئة هي القتال في سبيل الشيطان؛ لما يترتب عليه من ظلم لأهل الإيمان. ويمكن أن نفهم الصلة بين هذه الآية وما قبلها من حيث إن القتال يترتب عليه أسر، أو سجن، أو مصائب لأهل الإيمان، أو لأهليهم،
فجاءت الآية تحض من يستطيع الشفاعة أن يشفع.
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها. أي: إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة. وفسرت التحية بالسلام لأنها هي التحية في ديننا في الدنيا وفي الآخرة. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً.
أي: يحاسب على كل شئ من التحية وغيرها. والآن، ما الصلة بين هذه الآية وسياقها؟ يقول صاحب الظلال: لعل المراد منها أن يشار إلى قاعدة الإسلام الأساسية: السلام .. فالإسلام دين السلام وهو لا يقاتل إلا لإقرار السلام في الأرض بمعناه الواسع الشامل، السلام الناشئ عن استقامة الفطرة على منهج الله».
ومما يمكن أن يقال عن الصلة: الإسلام أمرنا أن نعامل بعضنا البعض بمكارم الأخلاق، ومن ذلك إفشاء السلام لما يترتب على ذلك من محبة. قال ﵊ في الحديث الذي رواه أبو داود «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم». ووجود المحبة داخل المجتمع الإسلامي شرط أساسي لإمكانية القتال، ومن مظاهر الصلة بين هذه
стр. 1102
الآية والسياق أن في الآية إشارة نأخذها من السياق وهي: أنه إذا ظهرت بادرة أخلاقية من عدونا فينبغي أن نقابلها بمثلها، أو بأحسن منها، والله أعلم.
فوائد:
١ - يستثنى من عموم الآية في الرد بالمثل أو بالأحسن غير المسلم. ففي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه». وفي الصحيحين عنه ﵊ «إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم، فقل: وعليكم» نفهم من هذا أن ابتداء غير المسلم بالسلام في الأصل لا يجوز، أما الرد فيجب ولكن ب (وعليكم) فقط. قال ابن عباس: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسيا، ذلك بأن الله يقول: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها. واستثنى الحنفية من حالة عدم الجواز في البداءة لغير المسلم في السلام، حالة ما إذا كان للمسلم حاجة، فيصح له البداءة بالسلام للذمي، (راجع الهدية العلائية ص ٢٦٠). أقول: يبدو أن الأوزاعي يعتبر أن الأوامر بمنع الابتداء بالسلام للذمي والتضييق عليه في الطريق أوامر يومية يقتضيها ظرف معين، ولذلك يجيز الابتداء بالسلام للذمي.
٢ - روى ابن جرير عن سلمان الفارسي قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ وقال:
السلام عليك يا رسول الله، فقال: «وعليك السلام ورحمة الله، ثم جاء آخر فقال:
السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له الرسول ﷺ وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فقال له:
وعليك، فقال الرجل: يا نبي الله بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما، أكثر مما رددت علي، فقال: إنك لم تدع لنا شيئا، قال الله تعالى:
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها فرددناها عليك».
قال ابن كثير: وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله ﷺ .
وقال النسفي: ويقال: لكل شئ منتهى، ومنتهى السلام، وبركاته. وروي من طرق في أكثر من كتاب من كتب الحديث «أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال:
«السلام عليكم يا رسول الله، فرد عليه ثم جلس فقال: عشر، ثم جاء آخر فقال:
стр. 1103
السلام عليكم ورحمة الله يا رسول الله، فرد عليه ثم جلس، فقال: عشرون. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه ثم جلس، فقال: ثلاثون» رواه أبو داود والترمذي وغيره.
٣ - قال صاحب الهدية العلائية من الحنفية: «ويكره السلام على الفاسق لو معلنا وإلا لا يكره، كما يكره على عاجز على الرد حقيقة كآكل، أو شرعا كمصل، وقارئ، وذاكر، وخطيب، ومن يصغي إليهم، ومكرر فقه، ومن يفصل الأحكام بين الناس حالة الدعوى، وحالة مذاكرة العلم الشرعي، ومؤذن ومقيم، ومدرس، ومن جلس للصلاة والتسبيح، ومن يلبي، والأجنبيات الفتيات، وعلى من يلعب لعبا غير مباح، ومن يغتاب الناس، أو يطير الحمام، والشيخ الممازح، والكذاب، واللاغي، ومن يسب الناس، أو ينظر وجوه الأجنبيات، ما لم نعرف توبتهم، ومن يتمتع مع أهله، ومكشوف عورة، ومن هو في حال قضاء البول، أو التغوط أو ناعس، أو نائم، أو في الحمام، فلا يجب الرد في كل محل لا يشرع فيه السلام، إلا في الفاسق فينبغي وجوب الرد عليه ولا يجب رد سلام الطفل أو السكران، أو المجنون، ولا في قوله «سلام عليكم» «بسكون الميم في سلام». وقوله سلام الله عليكم دعاء لا تحية ... يكره إعطاء سائل المسجد إذا تخطى رقاب الناس، أو مر بين يدي المصلين لأنه إعانة على أذى الناس وإلا لا يكره ... وإن سلم ثانيا في مجلس واحد لا يجب رد الثاني، وقال الحنفية: وينوي بالسلام تجديد عهد الإسلام وأن لا ينال المؤمن بأذى في عرضه وماله. وتتمة أحكام السلام نعرضها في كتابنا- الأساس في السنة وفقهها- ولنرجع إلى السياق:
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فله الألوهية وحده. لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ هذا قسم منه سبحانه أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله،
وأن هذا الجمع لا ريب فيه، ولا شك. وسمي يوم القيامة بذلك، لقيام الناس فيه من قبورهم، أو لقيام الناس للحساب وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً هذا استفهام بمعنى النفي، أي لا أحد أصدق منه في إخباره، ووعده، ووعيده، لاستحالة الكذب عليه، لأن الكذب: إخبار عن الشئ بخلاف ما هو عليه، وهو محال في حقه تعالى، وقد جاء هذا النفي بعد الإخبار عن وحدانيته، وبعد القسم على جمعه الناس يوم القيامة، فليلاحظ، فيا ويح من فاته التوحيد، وفاته الإيمان باليوم الآخر.
стр. 1104
ومجئ هذه الآية في وسط المقطع الذي موضوعه القتال يذكرنا بالغاية من القتال ويحضنا ويهيجنا عليه.
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ. أي: فما لكم اختلفتم في شأن قوم قد نافقوا ظاهرا، وتفرقتم فيهم فرقتين، وما لكم لم تقطعوا القول بكفرهم. هذا قول النسفي.
وروى الإمام أحمد عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى أحد، فرجع ناس، خرجوا معه. فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين. فرقة تقول:
نقتلهم. وفرقة تقول: لا، فأنزل الله: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ. فقال رسول الله ﷺ : «إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة». وأخرجاه في الصحيحين. فالحكم فيهم القتل والمرجع في ذلك إلى رسول الله ﷺ . فإن شاء قتل، وإلا ترك إذا وجد مصلحة؛ معاملة لهم بظواهرهم. وإذ كان كذلك فما كان ينبغي، ولا ينبغي أن يفترق المسلمون في الموقف. ومن هذا النص، نفهم أن مواقف المسلمين ينبغي أن تكون واحدة. وكيف لا تكون، والكتاب والسنة موجودان، والشورى مقررة، والقيادة على ضوء ذلك كله تتخذ القرار الملزم. وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أركس هنا بمعنى: أوقع، ورد، وأهلك، وأضل. أي: والله ردهم إلى حكم الكفار بسبب كسبهم السيئ الظاهري والباطني. فعاقبهم الله على ذلك، بردهم إلى الكفر. ومن ثم كان حكمهم جواز القتل. أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ.
أي: أتريدون أن تجعلوا من جملة المهتدين من جعله الله ضالا، فأركسه، وحكم بكفره، وأجاز قتله. وذلك باللين معهم ومسايرتهم. أو المعنى: أتريدون أن تسموهم مهتدين، وقد أظهر الله ضلالهم. فيكون النص إنكارا على وصف المنافقين بالمهتدين والمؤمنين بعد إذ تبين أمرهم. وعلى المعنى الأول: فالنص إنكار على من يريد أن يلين مع المنافقين بعد إذ تبين له نفاقهم الكامل. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا.
أي: ومن شاء الله إضلاله، بسبب عمله، فلا طريق له إلى الهدى، ولا مخلص له إليه، ويمكن أن يفهم النص فهما آخر. وهو: أن من شاء الله إضلاله، فلن تجد له طريقا ما. بل هو خابط في كل طريق، وعلى غير هدى، فليس له سبيل واضح.
ويكون هذا علامة على المنافق، فمن علاماته، تقلبه، وتناقضه. فهو اليوم على غير ما هو عليه بالأمس، وما يقوله الآن غير ما يقوله وما سيقوله.
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا. أي: ود هؤلاء المنافقون، لو تكفرون، كفرا مثل كفرهم. فهم يودون الضلالة للمسلمين، ليستووا هم، وإياهم فيها. دل هذا على ما ذكرناه سابقا، أن الفئة
стр. 1105
التي لم تر القتل هي الخاطئة المعاتبة في هذه الآيات. فَتَكُونُونَ سَواءً. أي: ودوا كفركم لتكونوا أنتم وهم مستوين في الكفر. فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أي: فلا توالوهم حتى يؤمنوا، لأن الهجرة في ابتداء الإسلام كانت هي الإعلان العملي عن الإسلام. لأنها دخول إلى دار الإسلام وموالاة عملية لأهله.
فكأن الله- نهانا أن نتخذ منهم أولياء، إلا بعد إعطائهم الولاء الكامل للإسلام، وأهله، وداره قولا، وعملا، والقضية التي تلفت النظر هنا، هي ذكر عدم التولي حتى تكون الهجرة، مع أن السياق في المنافقين، وهم يخالطون المسلمين في المدينة. والجواب على هذا- والله أعلم- هو أن ذكر الهجرة في هذا المقام، أفاد شيئين، الأول: أن غير المهاجر ولو ادعى الإسلام، فإنه ما دام مكثرا لسواد الكافرين، عاملا في ظلهم، منفذا لأوامرهم، فهو منافق، ما لم يكن مستضعفا، مستكرها، وهذا حيث وجبت الهجرة وكانت مستطاعة. والثاني: أن من خالط المسلمين، وعاش في دارهم، فحكمه حكم من لم يهاجر، إذ إنه لم يعط لازم الهجرة، من الولاء والطاعة لأهل الإسلام وداره وقيادته، ولم يعاد أعداء الله ويقطع عنهم الولاء.
فَإِنْ تَوَلَّوْا. أي: فإن أعرضوا عن الإيمان. وقال ابن عباس: أي: تركوا الهجرة. وقال السدي: أي: أظهروا كفرهم. والمعاني الثلاثة، متكاملة في محلها. في النص والسياق، فالمنافق هو الموالي لأهل الكفر في دارهم، أو في دارنا، المعرض عن إعطاء الولاء لله ورسوله والمؤمنين. فهذا جزاؤه القتل. فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً. فههنا أمر، ونهي، في حق هؤلاء المنافقين، أمر بقتلهم حيثما وجدوا، ونهي عن اتخاذهم أولياء، ونصراء. فليفهم هذا الحكم من لم يفهم حتى الآن، أن من أعطى ولاءه للكافرين، والمنافقين، جزاؤه القتل، والإعراض، والرفض. أما أن يتخذ وليا، ونصيرا، وصديقا، وبطانة، ومستودع سر، وأحيانا قائدا فكيف يكون ذلك إلا من جاهل أحمق، أخرق، أو منافق ضال خداع. وإذن فحكم المنافقين في الأصل في وجوب قتلهم حيث كانوا، كحكم المشركين في وجوب قتلهم حيث كانوا ورفض ولايتهم ونصرتهم؛ لأنها كاذبة خادعة، لا تنبع عن صدق وإيمان. وإنما قلنا بوجوب قتل المنافقين في الأصل من حيث إنه كافر مرتد فيجب قتله ولكن لأن المنافق في دار الإسلام له وضعه الخاص فلا يقتل إلا إذا أظهر نفاقه أو أمر الإمام بقتله ببينة. ويحتمل قوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً. أي: لا تعطوهم نصرتكم، ولا تقبلوا منهم نصرة. وبهذه الآية والتي
стр. 1106
قبلها، بين الله- الحكم الأصلي في المنافقين، وهو القتل، وعدم إعطائهم النصرة، وعدم قبولها منهم حتى يكونوا مؤمنين حقا، علما وعملا. وبعد أن ذكر الله-
الحكم الأصلي في المنافقين، ذكر صورا تدخل تحت هذا الحكم.
وصورا مستثناة من هذا الحكم. فذكر من يستثنى من هذا الحكم في الآية اللاحقة وذكر من يدخل تحت هذا الحكم في الآية التي تليها.
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ. هذه أول الصور المستثناة من حكم القتل. صورة من لجأ وتميز إلى قوم بينهم وبينكم مهادنة، أو عقد. فإن حكمهم، كحكمهم. كما حدث يوم الحديبية. إذ كان من جملة بنود الصلح، أن من أحب أن يدخل في صلح قريش، وعهدهم دخل ومن أحب أن يدخل في صلح محمد ﷺ وأصحابه دخل. فيكون المعنى بعد فهم هذه الصورة المستثناة: فاقتلوهم، إلا من اتصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق. أي: إلا الذين ينتهون إلى قوم بينكم وبينهم عهد، أو يتصلون بهم. وهناك مثال يذكره النسفي من السيرة على هذا: أن هلال بن عويمر الأسلمي، وادع رسول الله ﷺ قبل خروجه إلى مكة، على ألا يعينه، ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال، والتجأ إليه، فله من الجوار مثل الذي لهلال.» والصورة الثانية من الصور المستثناة من الأمر بالقتل:
أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ. الحصر:
الضيق، والانقباض. والمعنى: واقتلوهم إلا من كان ممسكا عن قتالكم، أو قتال قومه، بسبب ضيق نفسه عن هذا، وهذا. فهؤلاء قوم آخرون، مستثنون من الأمر بالقتال. وهم الذين تضيق صدورهم أن يقاتلوا المسلمين. ولا يستريحوا أن يقاتلوا قومهم معكم. بل هم لا لكم ولا عليكم، وضرب ابن كثير مثالا لهؤلاء فقال: وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين. فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس، ونحوه. ولهذا نهى النبي ﷺ عن قتل العباس، وأمر بأسره.
وهناك مثال آخر ينطبق على هذه الحالة. وقد ذكره ابن كثير كنموذج للحالة الأولى.
ونراه لهذه الحالة. وهذا هو المثال: أخرج ابن أبي حاتم أن سراقة بن مالك المدلجي قال: لما ظهر النبي ﷺ على أهل بدر، وأحد. وأسلم من حولهم. قال سراقة بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي، بني مدلج. فأتيته، فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: صه، فقال النبي ﷺ «دعوه. ما تريد؟». قال: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في
стр. 1107
الإسلام، وإن لم يسلموا لم تخشن قلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله ﷺ بيد خالد بن الوليد فقال: «اذهب معه، فافعل ما يريد». فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله ﷺ . وإن أسلمت قريش، أسلموا معهم ... ».
ونحب أن نشير هنا إلى أن هاتين الصورتين المستثنيتين هنا، إنما تتصوران في المنافقين الموجودين خارج دار الإسلام، أو خارج دولته، والله أعلم. ولنلاحظ أن من لم يربط مصيره بمواقف المسلمين فإن النص يعامله كمنافق.
ثم بين الله- المنة، والحكمة في هذا الحكم، وفي وجود هذا الصنف من الناس، فقال: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ. أي: من لطف الله بكم أن كفهم عنكم، وإلا فلو شاء الله لقوى قلوبهم، وأزال عنها الحصر، فقاتلوكم.
ثم أكد الله- استثناء الأمر بقتالهم بقوله: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ. أي: فإن لم يتعرضوا لكم بقتال. وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ. أي:
وأعطوكم السلام والمسالمة. فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا. أي: طريقا إلى القتال. أي: فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك.
في هذه الآية ذكر الله- حالتين، استثناهما من الأمر بالقتال. وتأتي الآن آية فيها صورة داخلة في الأمر بالقتال. هي من حيث الظاهر، تشبه الصورة الأخيرة الواردة في الآية السابقة. ولكنها تختلف عنها في الحقيقة.
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ. هؤلاء في الظاهر كما قلنا، يشبهون المذكورين في الآية السابقة. ولكنهم في الواقع غيرهم. فإن هؤلاء قوم منافقون، يظهرون للنبي ﷺ ، ولأصحابه الإسلام، ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم، وأموالهم، وذراريهم.
ويصانعون الكفار في الباطن. فيعبدون معهم ما يعبدون ليأمنوا بذلك عندهم. وهم في الباطن مع الكافرين. فالأولون إذن، مخلصون في موقفهم المحايد. أما هؤلاء، فهم في الحقيقة مع الكافرين، ويتظاهرون أمام المؤمنين بغير ذلك، بدليل تتمة الآية: كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها. أي: إذا ردهم قومهم إلى الافتتان عن الإسلام، بإظهار الشرك، والكفر، يفعلون، وينهمكون، ويزيدون على ذلك أن يصانعوا قومهم، فيؤذوا المسلمين، ويقاتلوهم، ويقتلوهم، قال النسفي: أي كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، وكانوا شرا فيها من كل عدو.
هؤلاء أمر الله- المسلمين أن يوقفوهم عند حدهم فقال: فَإِنْ لَمْ
стр. 1108
يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ.
أي: حيث وجدتموهم فتمكنتم منهم، وظفرتم بهم فاقتلوهم. ألزمهم بثلاثة أشياء مجتمعة، فإن أدوها كان بها، وإلا فقد أمر بقتلهم. ١ - اعتزال قتال المسلمين ٢ - إعطاء الإسلام الكامل، فالسلم هنا الإسلام، والإلقاء يفيد الإعطاء الكامل، وذلك أن هؤلاء أعلنوا الإسلام فهم مطالبون به، وإلا فهم مرتدون حكمهم حكم المرتد. ٣ - كف الأيدي عن إيذاء المسلمين. فإذا لم يعطوا هذه الأشياء الثلاثة، فقد أمر الله- بقتلهم وقتالهم. وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً. أي: حجة واضحة، إن قاتلتموهم وقتلتموهم، أو تسليطا ظاهرا حيث أذنا لكم في قتلهم.
والسلطان المبين، إنما كان بسبب انكشاف حالهم في الكفر والغدر والإضرار بالمسلمين. قال مجاهد في سبب نزول هذه الآية «إنها نزلت في قوم من أهل مكة كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا، وهاهنا، فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا». والسبب وإن كان خاصا، فالعبرة لعموم اللفظ، وبهذه الآية يكون السياق قد وضح حيثيات في القتل والقتال، قتال الكافرين والمنافقين.
وإذ كان الأمر بالقتل والقتال هنا بمثل هذا الوضوح سواء في حق الكافرين أو المنافقين، وإذ كان أمر المنافقين ووضعهم دقيقا،
فقد بدأ السياق يحذر بشدة من قتل المؤمنين، ويذكر كفارة القتل الخطأ إن حدث. وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً. أي: ليس المؤمن كالكافر الذي تقدمت إباحة دمه، فلا يصح للمؤمن ولا يليق بحاله، ولا يستقيم أن يقتل مؤمنا إلا على وجه الخطأ. والمعنى: من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد، بأن يرمي كافرا فيصيب مسلما، أو يرمي شخصا على أنه كافر، فإذا هو مسلم. وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ هذان واجبان في قتل الخطأ، أحدهما الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم، وإن كان خطأ. ومن شرطها أن تكون رقبة مؤمنة، فلا تجزئ الكافرة؛ والحكمة في ذلك أنه لما أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ الرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكما. أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ.
стр. 1109
الواجب الثاني هو الدية لأهل القتيل عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم؛ ومعنى التحرير: الإعتاق، والمراد بالرقبة هنا النسمة المسترقة. ومعنى قوله تعالى: وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أي: ودية مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث. قال النسفي:
لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شئ، فيقضى منها الدين، وتنفذ الوصية، وإذا لم يبق وارث فهي لبيت المال وقد ورث رسول الله ﷺ امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم. إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا. أي: إن هذه الدية واجبة لورثة القتيل إلا أن يتصدقوا بالدية، فالدية واجبة في كل حال، إلا في حال التصدق بها من الورثة.
فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ. أي: فإن كان المقتول خطأ من قوم كفار وَهُوَ مُؤْمِنٌ. أي: والمقتول مؤمن فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. هذه هي الكفارة في هذه الحالة، وصورتها: لو أسلم إنسان في دار الحرب ولم يهاجر إلينا، فقتله مسلم خطأ، تجب الكفارة بقتله، للعصمة المؤثمة وهي الإسلام، ولا تجب الدية لأن العصمة المقومة بالدار لم توجد. قال ابن كثير في تفسيرها: أي إذا كان القتيل مؤمنا، ولكن أولياءه من الكفار أهل الحرب فلا دية له، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير.
وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. أي: فإن كان أولياء القتيل أهل ذمة أو هدنة، فلهم دية قتيلهم المؤمن كاملة، ويجب على القاتل أيضا تحرير رقبة مؤمنة. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ. أي: رقبة يعتقها إما لفقره وعجزه عن التملك. أو لعدم وجود الأرقاء كما في عصرنا. فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ. أي: فعليه بدل العتق صيام شهرين متتابعين، أي لا إفطار بينهما، بل يسرد صومهما إلى آخرهما، فإن أفطر من غير عذر من مرض أو حيض أو نفاس، استأنف. واختلفوا في السفر هل يقطع أم لا؟ على قولين. هذا كلام ابن كثير.
تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. أي: هذه توبة القاتل خطأ، إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين. واختلفوا فيمن لا يستطيع الصيام هل يجب عليه إطعام ستين مسكينا كما في كفارة الظهار؟ على قولين، أحدهما: نعم وإنما لم ينص عليه هنا لأن المقام مقام تهديد وتخويف وتحذير. والمعنى: شرعه الله ذلك توبة لكم، رحمة منه وقبولا وهو العليم إذ يأمر، الحكيم إذ يقدر ويشرع.
وبعد أن بين الله انتفاء القتل العمد عن المؤمن، وبين حكم القتل الخطأ، شرع في بيان حكم القتل العمد حال وقوعه فقال: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً. أي قاصدا قتله فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ أي: انتقم منه وطرده من رحمته. وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً
стр. 1110
عَظِيماً لارتكابه أمرا عظيما، وخطبا جسيما.
فوائد:
١ - ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال:
«لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث:
النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة». قال ابن كثير: ثم إذا وقع شئ من هذه الثلاث فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإن ذلك إلى الإمام أو نائبه- أقول ولكن هل يأثم من قتل أمثال هؤلاء إثم القاتل؟ حتما لا، وإنما الإثم في تقدمه على الإمام حتى لا يترتب على ذلك مفسدة- أما من حيث إنه قتل مستحقا للقتل فهو مأجور إن فعل ذلك بنية صالحة.
٢ - وفي سبب نزول آية القتل الخطأ قال مجاهد وغير واحد: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه، وهي أسماء بنت مخرمة. (وذلك أنه قتل رجلا يعذبه مع أخيه على الإسلام وهو الحارث بن يزيد الغامدي) - فبسبب من تعذيب ذلك الرجل لعياش وأخيه- أضمر له عياش السوء، فأسلم ذلك الرجل وهاجر وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه على دينه، فحمل عليه فقتله، فأنزل الله هذه الآية.
٣ - وفي كفارة القتل الخطأ هل تجزئ أي رقبة صغيرة أو كبيرة، رجل أو امرأة؟. الجمهور أنه متى كان مسلما صح عتقه عن الكفارة سواء كان صغيرا أو كبيرا، رجلا أو امرأة.
٤ - وأما مقدار الدية فقد قال ابن مسعود: «قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكورا، وعشرين بنت لبون،
وعشرين جذعة، وعشرين حقة. هذا لفظ النسائي. وعند الحنفية يجزئ عن الدية عشرة آلاف درهم فضة، وتختلف قيمتها باختلاف سعر الفضة نزولا أو ارتفاعا. وفي يوم جمع هذا الكتاب كان ذلك يعدل حوالي ستة عشر ألفا من الريالات السعودية. وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل لا في ماله. قال الشافعي ﵀: لم أعلم مخالفا أن رسول الله ﷺ قضى بالدية على العاقلة. قال ابن كثير: وهذا الذي أشار إليه ﵀ قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها» قال ابن
стр. 1111
كثير: وهذا ما يقتضي أن حكم عمد الخطأ حكم الخطأ المحض، لكن هذا تجب فيه الدية أثلاثا لشبهة العمد. وفي صحيح البخاري عن الزهيري عن سالم عن أبيه قال: «بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره؛ فقلت والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره، فذكرنا ذلك للنبي ﷺ فقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين» وبعث عليا فودى قتلاهم وما أتلف من أموالهم، حتى ميلغة الكلب. وهذا الحديث يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال، قال النسفي من الحنفية: إن دية الذمي كدية المسلم وهو قولنا. وقد مر معنا في هذه الفائدة أكثر من اصطلاح: العاقلة، شبه العمد، فأما العاقلة: فهي عشيرة الرجل وقبيلته التي يتناصر هو وإياها، وأما شبه العمد: فهو كالعمد إلا أن الأداة فيه ليست قاتلة في الأصل. فمن قتل عامدا بسيف مثلا أو بمسدس فذلك قاتل عمد، وأما من قتل بمثل عصا أو بحجر مما لا يقتل في الأصل فهذا شبه عمد.
٥ - في قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ في آية القتل الخطأ مظهرا من مظاهر الإعجاز القرآني العظيم إذ فيه ما يشير إلى دقة اللفظ القرآني بحيث يسع الزمان والمكان، وبحيث يسع تشريعه الزمان والمكان، فقوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ. يدخل فيه حالة عدم الاستطاعة، ويدخل فيه عدم الوجود. وفي عصرنا حيث لا يوجد رقاب ورقيق، يدرك الإنسان سعة هذه الشريعة إذ وضعت بديلا مراعاة لمثل هذه الحالة، ومثل هذا الإعجاز في النص وفي التشريع، لا يمكن أن يكون لولا أن هذا القرآن من عند الله رب العالمين.
٦ - وفي موضوع القتل العمد، وتفسير الخلود في النار- الذي هدد به صاحبه- قضايا كثيرة، ضل بها من ضل، وخلاصة الحق في هذا الموضوع، أن من قتل مؤمنا قاصدا لأنه مؤمن، أو قتل مؤمنا مستحلا قتله بلا شبهة معتبرة شرعا، فهو كافر، وجزاؤه الخلود الأبدي في النار. أما من قتل مؤمنا عمدا غير مستحل، فهو مؤمن ويستحق المقام الطويل في جهنم إلا أن يعفو الله. وقد قال العلماء: إن في القتل ثلاثة حقوق: حق الله، وحق القتيل، وحق أوليائه. فحق أوليائه الدية أو القصاص، وحق الله يسقط بالتوبة إن قبلها الله، ويبقى حق القتيل يوم القيامة، فإن شاء الله أن يرضي
стр. 1112
القتيل أرضاه عن قاتله، وإن شاء عذب القاتل بحق القتيل، وإذا أدخله الله في النار فذلك إليه- سبحانه- ولكن لا يخلد فيها أبدا، كالكافرين لقوله ﵊: «يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من إيمان» والخلود في اللغة يطلق على المكث الطويل. وفي آية القتل العمد، يدور كلام كثير، وما قلناه مدار كلام أهل الحق. وفي النقل الصحيح عن ابن عباس في هذه الآية قال: «هي آخر نزولا وما نسخها شئ» فليحذر الإنسان أن يقع في دماء المؤمنين.
٧ - ومما ورد في القتل العمد:
أ- في الصحيحين عن رسول الله ﷺ «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» وفي الحديث الذي رواه أبو داود عنه ﵊: «لا يزال المؤمن معنقا (أي مسرعا في سيره) صالحا ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما بلح» - أي انقطع من الإعياء والوهن-» وفي حديث آخر: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم». وفي الحديث الآخر «لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار» وفي الحديث الآخر «من أعان على قتل المسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله».
ب- روى الإمام أحمد عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا» وسبب عدم قبول توبة القاتل من حيث إن القتل حق القتيل، وحقوق الآدميين لا تسقط بالتوبة بالإجماع. فلا بد من ردها إليهم، فإذا تعذر ذلك، فلا بد من المطالبة يوم القيامة.
قال ابن كثير: لكن لا يلزم من وقوع المطالبة، وقوع المجازاة، إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة، أو يعوض الله المقتول بما يشاء من فضله من قصور الجنة، ونعيمها، ورفع درجته فيها ونحو ذلك.
ج- روى النسائي وغيره عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «يجئ المقتول متعلقا بقاتله يوم القيامة، آخذا رأسه بيده الأخرى فيقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ قال:
فيقول: قتلته لتكون العزة لك، فيقول: فإنها لي، قال: ويجئ آخر متعلقا بقاتله فيقول: رب سل هذا فيم قتلني؟ قال: فيقول قتلته لتكون العزة لفلان، قال: فإنها ليست له، بؤ بإثمه، قال فيهوي فى النار سبعين خريفا».
стр. 1113
٨ - كان ابن عباس يرى أن قاتل العمد لا تقبل توبته، وفي هذا نظر. كيف وقد ثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذى قتل مائة نفس، ثم سأل عالما هل لي من توبة؟
فقال: من يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة، وإذا كان هذا في بني إسرائيل، فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى، لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت علينا، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة.
٩ - ولقاتل العمد أحكام في الدنيا، وأحكام في الآخرة، فأما في الدنيا، فتسليط أولياء المقتول عليه، وهم مخيرون بين أن يقتلوا أو يعفوا، أو يأخذوا دية مغلظة أثلاثا، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، واختلف الأئمة هل تجب عليه كفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام؟ فالشافعي وأصحابه وطائفة من العلماء يقولون: نعم يجب عليه، وقال الإمام أحمد وأصحابه وآخرون: قتل العمد أعظم من أن يكفر، فلا كفارة فيه. وقد احتج من ذهب إلى وجوب الكفارة بحديث رواه الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع قال: «أتى النبي ﷺ نفر من بني سليم فقالوا:
إن صاحبا لنا أوجب، قال: فليعتق رقبة، يفدي الله بكل عضو منها عضوا من النار».
كلمة في السياق:
إذا كانت سورة النساء في سياقها العام توضيحا لقضية التقوى فإن هذا المقطع بين أن مما يدخل في التقوى القتال ومقتضياته من طاعة، وانضباط وإرادة، وأن مما يدخل في التقوى قتال المنافقين وقتلهم بشروطه، وأن مما يتنافى مع التقوى قتل المؤمن عمدا، وأن مما يدخل في التقوى الكفارة والدية في حالة القتل الخطأ، وأن مما يدخل في التقوى الشفاعة الخيرة ورد السلام، والتوحيد الخالص، والتصديق الكامل. وقد صحح الله- بهذا المقطع مفاهيم كثيرة خاطئة عن التقوى، يمكن أن يقع فيها المؤمنون سواء في مواقفهم من قتال الكافرين، أو في مواقفهم من قتال المنافقين. ولنا عودة على السياق فيما بعد إن شاء الله.
المقطع السابع
ويمتد من الآية (٩٤) إلى الآية (١٠٤) وهذا هو:
стр. 1114
[سورة النساء (٤): الآيات ٩٤ الى ١٠٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤) لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨)
فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠)
стр. 1115
[سورة النساء (٤): الآيات ١٠١ الى ١٠٤]
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١) وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢) فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣) وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤)
كلمة في المقطع:
هذا المقطع استمرار للمقطع السابق، فبعد أن ذكر الله- عاقبة القتل العمد، أمرنا فى هذا المقطع أن نتبين إذا قاتلنا، وألا نقتل من يقول لا إله إلا الله، حتى ولو قالها أثناء القتال. ثم بين الله- أنه لا يستوي عنده من يقاتل مع من لا يقاتل. ثم بين تعالى وجوب الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام. إلا للعاجز عن ذلك، ووعد المهاجر السعة، ومراغمة أعداء الله. وفي هذا السياق ذكر قصر الصلاة للمهاجر، وذكر صلاة الخوف، وذكرنا بوجوب إقامة الصلاة كاملة في الأمن.
وختمت آيات القتال بالتذكير بوجوب متابعة القتال في كل الظروف ما دامت الحرب قائمة.
стр. 1116
ولنتذكر الآن- ولنا عودة على الموضوع- أن صلاة الخوف قد ذكرت في سورة البقرة في سياق الكلام عن شئون المرأة وطلاقها، ووفاة زوجها عنها. والملاحظ أن المقطع اللاحق لهذا المقطع يأتي فيه كلام عن المرأة والطلاق، وهذا يذكرنا بالقاعدة التي اعتمدناها أن لكل سورة محورها من سورة البقرة، وأن السورة تفصل فى هذا المحور، وفي امتداداته في نفس سورة البقرة. وهذا الذي اتجهنا إليه سنرى ما يؤكده في هذا التفسير شيئا فشيئا، ولا زلنا نعتبر أن ما نذكره هو بمثابة شواهد
يتكامل معها الدليل شيئا فشيئا.
المعنى العام:
يأمر الله- في هذا المقطع عباده المؤمنين إذا قاتلوا في سبيله أن يتبينوا، إذا قاتلوا أو قتلوا، وينهاهم إذا أعلن لهم أحد إسلامه أن يرفضوا إعلانه رغبة منهم في تحصيل عرض من الدنيا بقتله ليأخذوا ماله، ووعدهم الله- مغانم كثيرة يؤتيهم إياها من فضله. ثم ذكرهم بأنهم كانوا في يوم من الأيام يسرون إيمانهم، فإذا وجدوا إنسانا يسر إيمانه بين قومه، حتى إذا جاءوا هم أظهره لهم، فكيف يقتلونه، ثم جدد لهم الأمر بالتبين والتثبت إذا قاتلوا أو قتلوا، ثم هددهم بأنه يعلم الظواهر والخوافي فلا يخالفوا. ثم بين الله- أن المجاهدين لا يستوون عنده مع القاعدين إلا إذا كان قعودهم أثرا عن ضرر كمرض، أو عرج، أو عمى، وأنه- فضل المجاهدين على القاعدين، ثم أخبر تعالى بما فضلهم به من الدرجات في غرف الجنات العاليات ومغفرة الذنوب والزلات، وأحوال الرحمة والبركات، إحسانا منه وتكريما.
وبعد أن أمر الله- بالتبين في الجهاد مراعاة لحال من يكتم الإيمان بسبب من الأسباب، ومن جملة ذلك إقامته بين الكفار، فقد بين الله- حكم الإقامة بين الكفار ليرفع همم أهل الإيمان إلى الهجرة.
ومن ثم فقد بين الله- أن من أقام بين ظهراني الكفار، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، ومرتكب للحرام بإجماع المسلمين، وبنص ما ذكر في هذا السياق من كون أمثال هؤلاء عند ما تتوفاهم الملائكة تعنفهم سائلة إياهم لم مكثتم هاهنا، وتركتم الهجرة؟ فيعتذرون بعدم قدرتهم على الخروج أو الذهاب في الأرض، فترد عليهم الملائكة حجتهم أن أرض الله واسعة،
стр. 1117
وكان باستطاعتهم الهجرة، وبناء على تقصيرهم هذا فإن الله قد حكم عليهم بالعذاب في نار جهنم، ثم أخرج الله- من هؤلاء المستضعفين حقيقة، كالنساء والأولاد. فهؤلاء لا يقدرون أن يتخلصوا من أيدي الكافرين، ولو قدروا ما عرفوا أن يسلكوا طرق الهجرة، فهؤلاء عسى الله أن يتجاوز عنهم بتركهم الهجرة، إذ هو عفو لمن يستحق المغفرة والعفو، ومشيئته مع هذا مطلقة يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.
ثم حض الله- على الهجرة، ورغب فيها، وحرض إليها مبينا أن المؤمن حيثما ذهب وجد مندوحة وملجأ يتحصن فيه، ويراغم به أعداء الله، ورزقا واسعا، ووعد من يخرج من منزله بنية الهجرة فيموت في أثناء الطريق، أن يعطيه ثواب من هاجر، وذلك من كمال مغفرته ورحمته.
فإذا وصل السياق في هذا المقطع إلى نهاية هذه المعاني ينتقل السياق إلى بيان قضايا متعلقة بالصلاة أثناء الهجرة والحرب، وكالعادة في شأن آيات القرآن إذا نظر إليها من خلال السياق، تعطي معاني، وإذا نظر إلى كل كلمة منها في محلها فإنها تفيد معاني تكمل تلك، وذلك من إعجاز هذا القرآن. وقبل أن نستعرض ما ورد من معان حول الصلاة في هذا السياق نذكر بما ذكر قبله: أمر الله المسلمين بالتبين إذا قاتلوا أو قتلوا في سبيل الله، حتى لا يقتلوا مؤمنا، ولكي لا يوقفهم التبين عن الجهاد بين الله فضيلة الجهاد ليجمع المسلمون بين الجهاد والتبين؛ حتى لا يعطلوا الجهاد بحجة التبين، ولما كان التبين لصالح المسلمين المقيمين بين ظهراني الكافرين، فقد حذر هؤلاء من المقام بين ظهراني الكافرين، وأمرهم بالهجرة إلى دار الإسلام، وأوجبها عليهم، وهي قضية ستتضح معنا أثناء التفسير الحرفي وفوائده، وبمناسبة الجهاد والهجرة، فقد ذكر أحكاما في الصلاة، منها ما هو مرتبط بالهجرة والسفر، ومنها ما هو مرتبط بالجهاد واحتمالاته.
فبين الله- أن المسافر المهاجر له أن يقصر الصلاة مراعاة لوضعه إذ يحتمل أن يلحق به الكافرون، ويفتنوه عن دينه، إذ عداوة الكافرين شديدة واضحة.
ثم بين الله- أنه في حالة اللقاء مع الأعداء، فإن للمسلمين أن يصلوا صلاة الخوف التي يجتمع فيها إقامة العبادة والحذر واليقظة بآن واحد، بأن يجتمع مع الصلاة مراقبة العدو والاستعداد بالسلاح، وسنرى تفصيل ذلك في التفسير الحرفي وفوائده. ثم يأمر الله- بكثرة الذكر بعد صلاة الخوف، والذكر وإن كان مشروعا
стр. 1118
مرغبا فيه بعد كل صلاة، لكنه بعد صلاة الخوف آكد، ولما وقع فيها من التخفيف ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب، وغير ذلك مما لا يوجد في غيرها، ولأن حال المحارب يقتضي يقظة وانتباها، وحالا طيبا مع الله. ثم أرشدنا الله- في حالة انتهاء وضع الخوف، وحصول الطمأنينة، إلى وجوب إتمام الصلاة وإقامتها بحدودها، وخشوعها، وركوعها، وسجودها، وجميع شئونها، مبينا تعالى أن الصلاة فرض مفروض، ومؤقت بوقت محدد. ومن هنا نفهم أن الصلاة يطالب بها المسلم في كل حال، ولا يسعه التخلف عن أدائها بحال، لا في سلم ولا في حرب، ولا في خوف، ولا في أمن. وإذا اضطر إلى تأخيرها في بعض الحالات التي نص عليها الفقهاء فعليه قضاؤها ثم يختم الله- هذا المقطع الذي يعتبر امتدادا لما قبله والذي ينصب هو والذي قبله على موضوع القتال، بأن لا يضعفوا في طلب عدوهم، بل عليهم أن يجدوا فيهم، ويقاتلوهم في كل حال، حتى في حالة الإصابة والجراح، مبينا أنه كما تصيبنا الجراح تصيبهم، وكما نألم يألمون، فنحن وإياهم سواء فيما يصيبنا من جراح وآلام، ولكنا نزيد عليهم بأننا نرجو من الله نصرا ومثوبة وتأييدا ما لا يرجون، كما وعدنا ذلك في كتابه العزيز، وعلى لسان رسوله ﷺ وهو وعد حق، وخبر صدق، وهم لا يرجون شيئا من ذلك، فنحن أولى بمتابعة القتال منهم، والصبر عليه، والرغبة فيه. وإذ يطالبنا الله- بذلك، فما ذلك إلا من آثار علمه وحكمته، بأن هذا هو الطريق، الجهاد الدائم المستمر المتتابع في كل الظروف والأحوال. وقد كان خالد لا ينام ولا ينيم.
هذه هي المعاني العامة في هذا المقطع، وسنرى تفصيلاتها فيما يلي، فهل اتضح من هذا كله أنه لا تقوى إلا بجهاد وقتال.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا. أي: إذا سرتم في طريق غزو وقتال في سبيل الله، فتبينوا، أي: اطلبوا بيان الأمر وثباته ووضوحه في حال قتلكم وقتالكم. أو إذا قاتلتم فتبينوا حال من تقتلونه وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً. السلام هنا: هو الإسلام بدليل آخر النص لَسْتَ مُؤْمِناً وقيل هو الاستسلام، وقيل هو التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع النفاذ، فهو الذي يدعوكم إلى
стр. 1119
ترك التثبت، وقلة البحث عن حال من تقتلونه. والعرض: المال سمي به لسرعة فنائه.
فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوذ به من التعرض له لتأخذوا ماله كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. أي: إنكم أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة؛ فحقنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم، فمن الله عليكم بالاستقامة والاشتهار بالإيمان. فافعلوا بمن يدخل في الإسلام كما فعل بكم، واقبلوا منهم ما قبل منكم. ويحتمل إنكم كنتم أيها المسلمون في ابتداء الأمر تخفون إسلامكم بين قومكم، كما يخفي هذا الذي أظهر لكم الإسلام- أثناء القتال- إسلامه بين قومه، فيظهره لكم إذا جئتم، فمن الله عليكم أنتم بأن أصبحتم تجهرون بالإسلام، ولكن لا تنسوا حالكم الأول، وارحموا أمثالكم. ويحتمل أن يكون المعنى: إنكم أيها المسلمون كنتم قبل إسلامكم تقاتلون وتقتلون من أجل الدنيا، فمن الله عليكم بالإسلام، فأصبحتم تقاتلون في سبيل الله، فلا تكفروا نعمة الله. فَتَبَيَّنُوا كرر الأمر بالتبين تأكيدا عليهم. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً قال سعيد بن جبير:
«وهذا تهديد ووعيد». التهديد بعلم الله بما يخفى وما يظهر هنا يفيد النهي عن التهافت في القتل، والأمر بأن يكونوا محترزين، محتاطين في ذلك.
فوائد:
١ - في سبب نزول هذه الآية، آثار كثيرة كلها يرفد بعضها، وكلها يفسر بعض وجوهها والعبرة كما نكرر دائما لعموم اللفظ، ومما ورد في سبب نزولها:
أ- روى الإمام أحمد والترمذي، وقال عنه حسن صحيح عن ابن عباس قال: مر رجل من بني سليم- بنفر من أصحاب النبي ﷺ يرعى غنما له، فسلم عليهم، فقالوا: لا يسلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه وأتوا بغنمه النبي ﷺ فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ ... الآية إلى آخرها.
ب- وقد ذكر ابن كثير قصة رجل اسمه ضرار، هاجر إلى رسول الله ﷺ في عماية الليل، وكان قد قال لهم: إنه مسلم، فلم يقبلوا منه، فقتلوه، فقال أبوه:
فقدمت على رسول الله ﷺ فأعطاني ألف دينار ودية أخرى، وسيرني فنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ...
стр. 1120
ج- وقد روى الإمام أحمد قصة محلم بن جثامة، ورواها ابن جرير بسياق أتم منه هذا هو: «عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ محلم بن جثامة مبعثا فلقيهم عامر ابن الأضبط فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ ... فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له فقال رسول الله ﷺ : لا غفر الله لك، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاءوا إلى النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم» ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ....
د- روى البخاري قول رسول الله ﷺ للمقداد تعليقا على حادثة، ويروي الحادثة كلها البزار، وهذه روايته عن ابن عباس قال: «بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد ابن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأهوى إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه:
أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله! والله لأذكرن ذلك للنبي ﷺ ، فلما قدموا على رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله! إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال: «ادعوا لي المقداد، فقال: يا مقداد أقتلت رجلا يقول لا إله إلا الله؟! فكيف لك بلا إله إلا الله غدا». قال: فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا الآية. فقال رسول الله ﷺ للمقداد «كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، كذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل».
هـ- وذكر النسفي: أن مرداس بن نهيك أسلم، ولم يسلم من قومه غيره فغزتهم سرية لرسول الله ﷺ فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى منفرج من الجبل وصعد، فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد، واستاق غنمه، فأخبروا رسول الله ﷺ فوجد وجدا شديدا وقال: «قتلتموه إرادة ما معه ثم قرأ الآية على أسامة».
٢ - من هذه الآية نفهم أن الفارق الرئيسي بين قتال المسلمين، وقتال غيرهم. أن غير المسلمين يقاتلون من أجل الدنيا متمثلة باحتلال أرض، أو بسوق اقتصادي، أو من
стр. 1121
أجل مواد خام، أو من أجل استغلال ما، أو من أجل ربح مباشر أو غير مباشر، أما المسلمون فلا يقاتلون إلا من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، وفي سبيل الله، وما يعطيهم الله- بسبب ذلك من الدنيا فهو منة منه وفضل، ولكنه ليس غاية ولا هدفا. وهذا الذي لا يصل إلى إدراك كنهه ولا إلى فهمه من لا يعرف آفاق الربانية في النفس البشرية.
٣ - إن قضية التبين ينبغي أن تأخذ مداها في أي لحظة أو تخطيط أو تنفيذ. فإذا كان لا بد من قتال، فلنتذكر دائما أنه لا بد من تبين.
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ. أي: عن الجهاد مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ. الضرر: المرض أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ نفى التساوي بين المجاهد والقاعد بغير عذر وإن كان معلوما؛ توبيخا للقاعد عن الجهاد، وتحريكا له عليه، ثم لبيان عدم الاستواء بين المجاهدين والقاعدين لعذر قال: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً. أي فضلهم تفضلة وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى. أي:
وكل فريق من القاعدين لعذر والمجاهدين وعده الله المثوبة الحسنى وهي الجنة، وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين لعذر درجة، وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ (بغير عذر) أَجْراً عَظِيماً
دَرَجاتٍ مِنْهُ هذا وما بعده بيان للأجر العظيم وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً إذ يقبل العذر رَحِيماً إذ يوفر الأجر. قال النسفي: وحاصله أن الله تعالى فضل المجاهدين على القاعدين بعذر درجة، وعلى القاعدين بغير عذر- في حالة كون الجهاد فرض كفاية وفي حالة إذن الإمام لهم في المقام- درجات، لأن الجهاد في حال السعة فرض كفاية.
فوائد:
١ - هذه الآية محمولة على كون الجهاد فرض كفاية، وقد قام من يكفي من المسلمين به، فعندئذ لا يأثم القاعدون، ويؤجر المجاهدون هذا الأجر العظيم، أما إذا كان الجهاد فرض عين، أو لم يقم من المسلمين ما يكفي عند ما يكون الجهاد فرض كفاية، فإن القاعدين يأثمون إثما عظيما؛ يستحقون به دخول النار. أما متى يكون الجهاد فرض عين، ومتى يكون فرض كفاية؟ فهذا له تفصيلاته الكثيرة وباختصار نذكر بعض
стр. 1122
الصور: يكون الجهاد فرض عين إذا أعلن الإمام النفير العام، أو إذا هوجمت بلد أو منطقة فقد افترض القتال على المستطيع رجلا أو امرأة، وإذا هوجمت منطقة، فكفى أهلها للدفاع عنها، فالجهاد فرض عين عليهم فقط، وإلا فتنتقل فرضية العين إلى من حولهم، ثم إلى من حولهم. وهكذا حتى يعم الفرض الأمة الإسلامية كلها. ومن حالات النفير التي يجب على المسلمين فيها الجهاد، حالة ما إذا استنفرهم الإمام الحق، لقتال الخارجين عليه بغير الحق، ومن الحالات التي يفترض على المسلمين فيها القتال فرضا عينيا، حالة ما إذا سيطر المرتدون أو الكافرون على قطر من أقطارهم؛ فقد افترض على أهل هذا القطر فرضا عينيا، أن يقاتلوا وعلى المسلمين أن يمدوهم.
ويفترض على المسلمين القتال فرض كفاية، في حالة ما إذا كانوا آمنين، فعليهم أن يقاتلوا أي جهة من جهات دار الحرب، وهذا الذي هو فرض كفاية إذا قام به بعضهم سقط عن البعض الآخر، ولا يسقط هذا إلا في حالات الضعف الذي هو مظنة استئصال المسلمين لو هاجموا بشرط نية الإعداد، وتلافي حالة الضعف والوضع الدولي في عصرنا في غاية التعقيد فلا بد أن يلاحظ ذلك.
٢ - وفي صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم. حبسهم العذر» فهذا مثال على لحوق أصحاب الأعذار للمجاهدين في الأجر، ولكن تبقى درجة لمن مارس الجهاد عمليا.
٣ - وفي تفسير الدرجة والدرجات قال رسول الله ﷺ كما ثبت في الصحيحين:
«إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» وروى عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ قال: «من رمى بسهم فله أجره درجة، فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال: أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام».
٤ - وفي سبب النزول وما أحاط به يروي البخاري عن ابن عباس أن الآية نزلت بمناسبة غزوة بدر. قال ابن عباس لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر، والخارجون إلى بدر، وقد روى البخاري وغيره تساؤل عبد الله بن أم مكتوم- وهو أعمى- عن حال أمثاله ممن لا يستطيعون الجهاد فأنزل الله غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وهذه رواية الإمام أحمد في هذا الموضوع قال زيد بن ثابت: إني قاعد إلى جنب النبي ﷺ إذ أوحي إليه، وغشيته السكينة، قال: فوقع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة،
стр. 1123
قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئا قط أثقل من فخذ رسول الله ﷺ ثم سري عنه فقال: اكتب يا زيد، فأخذت كتفا، فقال: اكتب لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... وَالْمُجاهِدُونَ. .. إلى قوله أَجْراً عَظِيماً فكتبت ذاك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم وكان رجلا أعمى- فقام حين سمع فضيلة المجاهدين وقال:
يا رسول الله! كيف بمن لا يستطيع الجهاد، ومن هو أعمى وأشباه ذلك؟ قال زيد:
فو الله ما مضى كلامه- أو ما هو إلا أن قضى كلامه حتى غشيت النبي ﷺ السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه فقال: اقرأ فقرأت عليه لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ .... فقال النبي ﷺ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ قال زيد: فألحقتها، فو الله كأني انظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف».
٥ - والملاحظ أن هذه الآية جاءت بعد الأمر بالتبين، فكأنه بعد الأمر بالتبين قد يتباطأ ناس عن الجهاد خوفا من عدم التبين، فجاءت هذه الآية لترفع الهمم إلى الجهاد.
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ توفاهم. أي: تتوفاهم، والتوفي:
قبض الروح. والمراد بالملائكة: ملك الموت وأعوانه. وظلمهم أنفسهم بمخالطة الكافرين، وتركهم الهجرة المفروضة، قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ. أي: قال الملائكة للمتوفين: في أي شئ كنتم في أمر دينكم، ومعناه التوبيخ لأنهم لم يكونوا في شئ من الدين لتركهم الهجرة، ومخالتطهم للكافرين، وما يقتضيه ذلك من طاعة ورضوخ ومجاملة
وترك عمل. قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ. أي: كنا عاجزين عن الهجرة، ومجبرين على المكث في الأرض التي نحن فيها. قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها. أي: قال الملائكة هؤلاء موبخين لهم: إنكم كنتم قادرين على الهجرة أي: على الخروج إلى بلد ما لا تمنعون فيها من إظهار دينكم. فالإنسان لا يعدم حيلة إن صمم على شئ فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً. أي: مقرهم فيها وساءت ما يصيرون إليه قال النسفي: والآية تدل على أن من لم يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يجب، وعلم أنه يتمكن من إقامته في غيره حقت المهاجرة. أهـ.
وقد ذكر ابن كثير الإجماع على ذلك. أما إذا تمكن من إقامة دينه، فهل تجب عليه الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، ومن دار الظلم إلى دار العدل؟ ومن دار البدعة إلى دار السنة؟ قولان للعلماء. قال الحنفية: يجب، وقال الشافعية: يندب له البقاء.
стр. 1124
ولنعد إلى السياق لنرى أن الله قد استثنى من أهل الوعيد: المستضعفين حقيقة لا دعوى فقال: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في الخروج والهجرة إما لفقرهم وإما لعجزهم وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. أي: ولا معرفة لهم بالمسالك.
فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ هذا وعد من الله لهم أن يعفو عنهم، فعسى وإن كانت في الأصل للإطماع إلا أن ما أطمعت فيه من الله واجب الوقوع لأن الكريم إذا أطمع أنجز وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً أكدت نهاية هذه الآية عفوه، وأثبتت أن عدم الهجرة ذنب
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً المراغم: هو المهاجر، والطريق الذي يراغم بسلوكه الإنسان قومه، أي يفارقهم على رغم أنوفهم. والرغم: الذل والهوان، يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك، والسعة يدخل فيها السعة في الرزق، أو في إظهار الدين، أو في الصدر لتبدل الخوف بالأمن. وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. أي: إلى حيث أمر الله ورسوله ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ. أي: قبل بلوغه مهاجره فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ. أي: فقد حصل له الأجر بوعد الله، وذكر الوقوع تأكيد للوعد، وإلا فلا شئ يجب على الله لأحد من خلقه، وإنما هو ﷻ يوجب على نفسه ما شاء وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يغفر بالعمل، ويرحم بالنية، وقد قالوا: كل هجرة لطلب علم، أو حج، أو جهاد، أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة، أو قناعة، أو زهدا وابتغاء رزق طيب فهي هجرة إلى الله ورسوله، وإن أدركه الموت في طريقه فقد وقع أجره على الله.
فوائد:
١ - في سبب نزول قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ... الآية يروي البخاري عن ابن عباس: أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله ﷺ يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه فيقتل فأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ... ويكمل ابن أبي حاتم رواية هذا المعنى، أن المسلمين لما أصيب هؤلاء قالوا: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ... الآية فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية التي مضمونها أنه لا عذر لهم. قال فخرجوا فلحقهم المشركون، فأعطوهم التقية. فنزلت هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ....
стр. 1125
٢ - روى أبو داود عن رسول الله ﷺ قوله: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله».
٣ - روى ابن أبي حاتم: لما أسر العباس وعقيل ونوفل. قال رسول الله ﷺ للعباس: «افد نفسك وابن أخيك» فقال يا رسول الله: ألم نصل إلى قبلتك، ونشهد شهادتك. قال يا عباس: إنكم خاصمتم فخصمتم. ثم تلا عليه هذه الآية: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً ... وفي الصحيح: أن ابن عباس كان يقول: «كنت وأمي من المستضعفين من النساء والولدان». وروى ابن جرير عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يدعو في دبر صلاة الظهر: «اللهم خلص الوليد وسلمة بن هشام، وعياش ابن أبي ربيعة وضعفة المسلمين من أيدي المشركين، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا».
٤ - روى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قوله: «من خرج من بيته مجاهدا في سبيل الله ثم قال: وأين المجاهدون في سبيل الله؟ فخر عن دابته فمات، فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات، فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على الله» قال الراوي: يعني بحتف أنفه على فراشه، والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله ﷺ «ومن قتل قعصا فقد استوجب الجنة»
٥ - قال ابن عباس خرج حمزة بن جندب إلى رسول الله ﷺ فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله ﷺ . فنزلت وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ....
٦ - روى الطبراني عن رسول الله ﷺ قوله: «إن الله قال: من انتدب خارجا في سبيلي، غازيا ابتغاء وجهي، وتصديق وعدي، وإيمانا برسلي، فهو في ضمان على الله، إما أن يتوفاه بالجيش، فيدخله الجنة، وإما أن يرجع في ضمان الله، وإن طالب عبدا فنغصه حتى يرده إلى أهله مع ما نال من أجر أو غنيمة ونال من فضل الله، فمات أو قتل، أو وقصته فرسه، أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فهو شهيد».
ولنعد إلى السياق:
بعد أن فرض الله التبين لصالح المسلمين المقيمين بين ظهراني الكافرين، وحض على
следующие страницы →