Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
أجل مواد خام، أو من أجل استغلال ما، أو من أجل ربح مباشر أو غير مباشر، أما المسلمون فلا يقاتلون إلا من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، وفي سبيل الله، وما يعطيهم الله- بسبب ذلك من الدنيا فهو منة منه وفضل، ولكنه ليس غاية ولا هدفا. وهذا الذي لا يصل إلى إدراك كنهه ولا إلى فهمه من لا يعرف آفاق الربانية في النفس البشرية.
٣ - إن قضية التبين ينبغي أن تأخذ مداها في أي لحظة أو تخطيط أو تنفيذ. فإذا كان لا بد من قتال، فلنتذكر دائما أنه لا بد من تبين.
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ. أي: عن الجهاد مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ. الضرر: المرض أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ نفى التساوي بين المجاهد والقاعد بغير عذر وإن كان معلوما؛ توبيخا للقاعد عن الجهاد، وتحريكا له عليه، ثم لبيان عدم الاستواء بين المجاهدين والقاعدين لعذر قال: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً. أي فضلهم تفضلة وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى. أي:
وكل فريق من القاعدين لعذر والمجاهدين وعده الله المثوبة الحسنى وهي الجنة، وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين لعذر درجة، وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ (بغير عذر) أَجْراً عَظِيماً
دَرَجاتٍ مِنْهُ هذا وما بعده بيان للأجر العظيم وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً إذ يقبل العذر رَحِيماً إذ يوفر الأجر. قال النسفي: وحاصله أن الله تعالى فضل المجاهدين على القاعدين بعذر درجة، وعلى القاعدين بغير عذر- في حالة كون الجهاد فرض كفاية وفي حالة إذن الإمام لهم في المقام- درجات، لأن الجهاد في حال السعة فرض كفاية.
فوائد:
١ - هذه الآية محمولة على كون الجهاد فرض كفاية، وقد قام من يكفي من المسلمين به، فعندئذ لا يأثم القاعدون، ويؤجر المجاهدون هذا الأجر العظيم، أما إذا كان الجهاد فرض عين، أو لم يقم من المسلمين ما يكفي عند ما يكون الجهاد فرض كفاية، فإن القاعدين يأثمون إثما عظيما؛ يستحقون به دخول النار. أما متى يكون الجهاد فرض عين، ومتى يكون فرض كفاية؟ فهذا له تفصيلاته الكثيرة وباختصار نذكر بعض
стр. 1122
الصور: يكون الجهاد فرض عين إذا أعلن الإمام النفير العام، أو إذا هوجمت بلد أو منطقة فقد افترض القتال على المستطيع رجلا أو امرأة، وإذا هوجمت منطقة، فكفى أهلها للدفاع عنها، فالجهاد فرض عين عليهم فقط، وإلا فتنتقل فرضية العين إلى من حولهم، ثم إلى من حولهم. وهكذا حتى يعم الفرض الأمة الإسلامية كلها. ومن حالات النفير التي يجب على المسلمين فيها الجهاد، حالة ما إذا استنفرهم الإمام الحق، لقتال الخارجين عليه بغير الحق، ومن الحالات التي يفترض على المسلمين فيها القتال فرضا عينيا، حالة ما إذا سيطر المرتدون أو الكافرون على قطر من أقطارهم؛ فقد افترض على أهل هذا القطر فرضا عينيا، أن يقاتلوا وعلى المسلمين أن يمدوهم.
ويفترض على المسلمين القتال فرض كفاية، في حالة ما إذا كانوا آمنين، فعليهم أن يقاتلوا أي جهة من جهات دار الحرب، وهذا الذي هو فرض كفاية إذا قام به بعضهم سقط عن البعض الآخر، ولا يسقط هذا إلا في حالات الضعف الذي هو مظنة استئصال المسلمين لو هاجموا بشرط نية الإعداد، وتلافي حالة الضعف والوضع الدولي في عصرنا في غاية التعقيد فلا بد أن يلاحظ ذلك.
٢ - وفي صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم. حبسهم العذر» فهذا مثال على لحوق أصحاب الأعذار للمجاهدين في الأجر، ولكن تبقى درجة لمن مارس الجهاد عمليا.
٣ - وفي تفسير الدرجة والدرجات قال رسول الله ﷺ كما ثبت في الصحيحين:
«إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» وروى عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ قال: «من رمى بسهم فله أجره درجة، فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال: أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام».
٤ - وفي سبب النزول وما أحاط به يروي البخاري عن ابن عباس أن الآية نزلت بمناسبة غزوة بدر. قال ابن عباس لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر، والخارجون إلى بدر، وقد روى البخاري وغيره تساؤل عبد الله بن أم مكتوم- وهو أعمى- عن حال أمثاله ممن لا يستطيعون الجهاد فأنزل الله غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وهذه رواية الإمام أحمد في هذا الموضوع قال زيد بن ثابت: إني قاعد إلى جنب النبي ﷺ إذ أوحي إليه، وغشيته السكينة، قال: فوقع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة،
стр. 1123
قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئا قط أثقل من فخذ رسول الله ﷺ ثم سري عنه فقال: اكتب يا زيد، فأخذت كتفا، فقال: اكتب لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... وَالْمُجاهِدُونَ. .. إلى قوله أَجْراً عَظِيماً فكتبت ذاك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم وكان رجلا أعمى- فقام حين سمع فضيلة المجاهدين وقال:
يا رسول الله! كيف بمن لا يستطيع الجهاد، ومن هو أعمى وأشباه ذلك؟ قال زيد:
فو الله ما مضى كلامه- أو ما هو إلا أن قضى كلامه حتى غشيت النبي ﷺ السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه فقال: اقرأ فقرأت عليه لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ .... فقال النبي ﷺ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ قال زيد: فألحقتها، فو الله كأني انظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف».
٥ - والملاحظ أن هذه الآية جاءت بعد الأمر بالتبين، فكأنه بعد الأمر بالتبين قد يتباطأ ناس عن الجهاد خوفا من عدم التبين، فجاءت هذه الآية لترفع الهمم إلى الجهاد.
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ توفاهم. أي: تتوفاهم، والتوفي:
قبض الروح. والمراد بالملائكة: ملك الموت وأعوانه. وظلمهم أنفسهم بمخالطة الكافرين، وتركهم الهجرة المفروضة، قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ. أي: قال الملائكة للمتوفين: في أي شئ كنتم في أمر دينكم، ومعناه التوبيخ لأنهم لم يكونوا في شئ من الدين لتركهم الهجرة، ومخالتطهم للكافرين، وما يقتضيه ذلك من طاعة ورضوخ ومجاملة
وترك عمل. قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ. أي: كنا عاجزين عن الهجرة، ومجبرين على المكث في الأرض التي نحن فيها. قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها. أي: قال الملائكة هؤلاء موبخين لهم: إنكم كنتم قادرين على الهجرة أي: على الخروج إلى بلد ما لا تمنعون فيها من إظهار دينكم. فالإنسان لا يعدم حيلة إن صمم على شئ فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً. أي: مقرهم فيها وساءت ما يصيرون إليه قال النسفي: والآية تدل على أن من لم يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يجب، وعلم أنه يتمكن من إقامته في غيره حقت المهاجرة. أهـ.
وقد ذكر ابن كثير الإجماع على ذلك. أما إذا تمكن من إقامة دينه، فهل تجب عليه الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، ومن دار الظلم إلى دار العدل؟ ومن دار البدعة إلى دار السنة؟ قولان للعلماء. قال الحنفية: يجب، وقال الشافعية: يندب له البقاء.
стр. 1124
ولنعد إلى السياق لنرى أن الله قد استثنى من أهل الوعيد: المستضعفين حقيقة لا دعوى فقال: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في الخروج والهجرة إما لفقرهم وإما لعجزهم وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. أي: ولا معرفة لهم بالمسالك.
فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ هذا وعد من الله لهم أن يعفو عنهم، فعسى وإن كانت في الأصل للإطماع إلا أن ما أطمعت فيه من الله واجب الوقوع لأن الكريم إذا أطمع أنجز وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً أكدت نهاية هذه الآية عفوه، وأثبتت أن عدم الهجرة ذنب
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً المراغم: هو المهاجر، والطريق الذي يراغم بسلوكه الإنسان قومه، أي يفارقهم على رغم أنوفهم. والرغم: الذل والهوان، يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك، والسعة يدخل فيها السعة في الرزق، أو في إظهار الدين، أو في الصدر لتبدل الخوف بالأمن. وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. أي: إلى حيث أمر الله ورسوله ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ. أي: قبل بلوغه مهاجره فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ. أي: فقد حصل له الأجر بوعد الله، وذكر الوقوع تأكيد للوعد، وإلا فلا شئ يجب على الله لأحد من خلقه، وإنما هو ﷻ يوجب على نفسه ما شاء وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يغفر بالعمل، ويرحم بالنية، وقد قالوا: كل هجرة لطلب علم، أو حج، أو جهاد، أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة، أو قناعة، أو زهدا وابتغاء رزق طيب فهي هجرة إلى الله ورسوله، وإن أدركه الموت في طريقه فقد وقع أجره على الله.
فوائد:
١ - في سبب نزول قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ... الآية يروي البخاري عن ابن عباس: أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله ﷺ يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه فيقتل فأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ... ويكمل ابن أبي حاتم رواية هذا المعنى، أن المسلمين لما أصيب هؤلاء قالوا: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ... الآية فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية التي مضمونها أنه لا عذر لهم. قال فخرجوا فلحقهم المشركون، فأعطوهم التقية. فنزلت هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ....
стр. 1125
٢ - روى أبو داود عن رسول الله ﷺ قوله: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله».
٣ - روى ابن أبي حاتم: لما أسر العباس وعقيل ونوفل. قال رسول الله ﷺ للعباس: «افد نفسك وابن أخيك» فقال يا رسول الله: ألم نصل إلى قبلتك، ونشهد شهادتك. قال يا عباس: إنكم خاصمتم فخصمتم. ثم تلا عليه هذه الآية: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً ... وفي الصحيح: أن ابن عباس كان يقول: «كنت وأمي من المستضعفين من النساء والولدان». وروى ابن جرير عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يدعو في دبر صلاة الظهر: «اللهم خلص الوليد وسلمة بن هشام، وعياش ابن أبي ربيعة وضعفة المسلمين من أيدي المشركين، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا».
٤ - روى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قوله: «من خرج من بيته مجاهدا في سبيل الله ثم قال: وأين المجاهدون في سبيل الله؟ فخر عن دابته فمات، فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات، فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على الله» قال الراوي: يعني بحتف أنفه على فراشه، والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله ﷺ «ومن قتل قعصا فقد استوجب الجنة»
٥ - قال ابن عباس خرج حمزة بن جندب إلى رسول الله ﷺ فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله ﷺ . فنزلت وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ....
٦ - روى الطبراني عن رسول الله ﷺ قوله: «إن الله قال: من انتدب خارجا في سبيلي، غازيا ابتغاء وجهي، وتصديق وعدي، وإيمانا برسلي، فهو في ضمان على الله، إما أن يتوفاه بالجيش، فيدخله الجنة، وإما أن يرجع في ضمان الله، وإن طالب عبدا فنغصه حتى يرده إلى أهله مع ما نال من أجر أو غنيمة ونال من فضل الله، فمات أو قتل، أو وقصته فرسه، أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فهو شهيد».
ولنعد إلى السياق:
بعد أن فرض الله التبين لصالح المسلمين المقيمين بين ظهراني الكافرين، وحض على
стр. 1126
الجهاد كيلا يتقاعس المسلمون عن الجهاد بحجة التبين، هدد المسلمين المقيمين بين ظهراني الكافرين إن لم يهاجروا، وبهذه المناسبة يذكر حكم الصلاة في السفر. وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ. سافرتم فيها، فالضرب في الأرض: هو السفر. فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ .... أي: ليس عليكم حرج في أن تقصروا من أعداد ركعات الصلاة الرباعية، فتصلوها ركعتين. إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا. أي: إن خشيتم أن يقصدكم الكفار بقتل أو جرح أو أخذ. والخوف شرط جواز القصر عند الخوارج؛ لظاهر هذا النص، وعند أهل السنة ليس بشرط.
روى الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب قلت له: قوله فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ ... وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر ﵁: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته». إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً. وصدق الله فما من عداوة أوضح من عداوة الكافر للمؤمن، وذكر العداوة هنا أمر بالتحرز.
فوائد:
١ - روى البخاري عن أنس قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عشرا». وروى الإمام أحمد عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: «صليت مع النبي ﷺ الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين» والكلام عن صلاة المسافر مفصل في كتب الفقه.
٢ - من قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ فهم الشافعي أن القصر رخصة في السفر، والإكمال عزيمة، لأن لا جناح، يستعمل في موضع التخفيف والرخصة، لا في موضع العزيمة. وقال الحنفية: القصر عزيمة غير رخصة، ويكره الإكمال كراهة تحريم؛ لما روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان بإسناد صحيح عن عمر قال: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ ». وأما الآية فقد قال النسفي في توجيهها: فكأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر، فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر، ويطمئنوا إليه، اهـ.
стр. 1127
٣ - تعليق قصر الصلاة هنا على الخوف يشبه قوله تعالى في سورة النور: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً فكما أنه لا يفهم من التعليق بإرادة الإحصان جواز البغاء عند عدم إرادته فكذلك هنا، ومحل التوسع في فهم مثل هذه النصوص وغيرها كتب أصول الفقه.
٤ - هناك اتجاه آخر في فهم الآية، هذا الاتجاه يقول: إن الآيات على ظاهرها وليس المراد بها صلاة السفر والمسافر، وإنما المراد بها بيان جواز قصر الصلاة والصلاة بالقدر المستطاع في حالة كون المسلم خائفا في قتال، أو وهو مطارد من قبل الكافرين، أو وهو يحتمل المطاردة، فإنه في هذه الحالة كلها يقصر، وقد اختلف في حدود هذا القصر، قال ابن عباس: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد ﷺ في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة .. وقال جبير عن الضحاك: ذاك عند القتال يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه. وعلى هذا الاتجاه تكون الآية اللاحقة زيادة بيان للآية السابقة في تبيان حالة أخرى من حالات الصلاة في الخوف.
ولنعد إلى السياق: فقد رأينا أنه بمناسبة الكلام عن الهجرة ذكرت صلاة السفر، ولكن هذا الورود كان ضمن سياق القتال. وعلى هذا فإن الآية التالية تبين لنا صورة من صور الصلاة في القتال.
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ. أي: وإذا كنت يا محمد في أصحابك، فأردت أن تقيم الصلاة بهم. قال أبو يوسف: هذا النص خاص برسول الله ﷺ فلا صلاة خوف بعده ﷺ وقال غيره: الأئمة نواب عن رسول الله ﷺ في كل عصر، فكان الخطاب له متناولا لكل إمام، ودليله فعل الصحابة بعده ﷺ فالخطاب في الآية، وإن كان له ﷺ ، فهو يشمل كل أمير للمسلمين إلى يوم القيامة. فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ. أي: فاجعلهم طائفتين. فلتقم إحداهما معك، فصل بها، وتقوم طائفة تجاه العدو. وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ. أي: وليأخذ الجميع أسلحتهم. والمصلون يأخذون من السلاح، ما لا يشغلهم عن الصلاة فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ. قال الحنفية وكثيرون غيرهم في تفسيرها. أي: إذا قيدوا ركعتهم بسجدتين، فلترجع هذه الطائفة، لتقف بإزاء العدو حتى إذا انتهت الطائفة الثانية من صلاتها، تكمل الطائفة الأولى صلاتها في محلها، أو في مكان الصلاة الأول. وقال
стр. 1128
مالك: تنتهي صلاة الطائفة الأولى بصلاتهم ركعة. لأن صلاة الخوف ركعة عنده.
وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ. أي: ولتحضر الطائفة الواقفة بإزاء العدو فليصلوا معك الركعة الثانية. ورسول الله ﷺ يسلم. وعند مالك تنتهي بذلك صلاة الطائفتين. وعند غيره، تكمل كل من الطائفتين ما فاتها. الطائفة الثانية أولا. ثم الطائفة الأولى. وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ. أي: وليأخذوا ما يتحرزون به من العدو من انتباه، وآلة كالدرع ونحوه. وَأَسْلِحَتَهُمْ جمع سلاح. وهو ما يقاتل به. وأخذ السلاح شرط عند الشافعي، وعند الحنفية مستحب، وذكر الركعتين أثناء الشرح على اعتبار أن الغالب في صلاة الخوف أن تكون في سفر. ولصلاة الخوف كيفيات كثيرة. تسع العصور والأحوال. سنرى- إن شاء الله- إشارة لها في باب ال فوائد . وتفصيل ذلك في كتاب (الأساس في السنة وفقهها). وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً. هذا البيان للحكمة من مشروعية صلاة
الخوف. والمعنى: أن الكافرين يتمنون أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم. فيشدوا عليكم شدة واحدة. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ. رخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم من مطر، أو يضعفهم من مرض.
وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو. إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً. أي: مذلا، وإخباره تعالى في هذا المقام بأنه يهين الكافرين من أجل أن تقوى قلوب المسلمين، وليعلموا أن قدرة الله غالبة، وأن الأمر بالحذر ليس لتوقع غلبة الكافرين عليهم، وإنما هو تعبد من الله تعالى.
فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ. أي: فإذا فرغتم منها. فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ. أي: فداموا على ذكر الله في جميع الأحوال. فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ. أي: فإذا سكنتم بزوال الخوف، فأتموها بطائفة واحدة، أو فإذا أقمتم فأتموا ولا تقصروا. أو: إذا اطمأننتم بالصحة فأتموا القيام، والركوع، والسجود. إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً. أي: مكتوبا محدودا بأوقات معلومة. أو فرضية مؤقتة بوقت.
فوائد:
١ - لصلاة الخوف صور كثيرة، فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون
стр. 1129
في غير اتجاهها، والصلاة تارة تكون رباعية، وتارة تكون ثلاثية، كالمغرب، وتارة تكون ثنائية كالصبح، وهناك صلاة السفر. والصلاة تارة يمكن أن تصلى جماعة، وتارة يلتحم الحرب، فلا يقدرون على الجماعة بل يصلون فرادى، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، رجالا وركبانا، ولهم أن يمشوا- والحالة هذه- ويضربون الضرب المتتابع في متن الصلاة، ومن العلماء من قال يصلون، والحالة هذه، ركعة واحدة. وقال إسحاق بن راهويه. أما عند المسايفة، فيجزيك ركعة واحدة، تومئ بها إيماء. فإن لم تقدر، فسجدة واحدة، لأنها ذكر لله. وقال آخرون: يكفي تكبيرة واحدة. حتى قال الأمير عبد الوهاب بن بخت المكي: فإن لم يقدر على التكبيرة، فلا يتركها في نفسه يعني بالنية. ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال، ولعذر المسير إليه. وقال الأوزاعي: إن تهيأ الفتح، ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه. فإن لم يقدروا، صلوا ركعة، وسجدتين. فإن لم يقدروا، فلا يجزيهم التكبير. ويؤخرونها حتى يأمنوا، وبه قال مكحول، وقال أنس بن مالك، حضرت عند مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة. فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها، ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا، قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. وكان ذلك في إمارة عمر بن الخطاب. ولم ينقل أنه أنكر عليهم، ولا أحد من الصحابة، من هذا كله ندرك أن في هذا الموضوع سعة. وهذه السعة تقتضيها طبيعة عصرنا أكثر من أي عصر مضى. وفي كتب الفقه تفصيلات مثل هذه الشئون.
٢ - روى الإمام أحمد عن أبي عياش الزرقي قال: «كنا مع رسول الله ﷺ بسعفان فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد. وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله ﷺ الظهر. فقالوا: لقد كنا على حال، لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة، هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ .... قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح. قال: فصفنا خلفه صفين. قال: ثم ركع، فركعنا جميعا. ثم رفع، فرفعنا جميعا. ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم. ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع فركعوا جميعا، ثم رفع فرفعوا جميعا، ثم سجد النبي ﷺ والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم. فلما
стр. 1130
جلسوا جلس الآخرون. ثم سلم عليهم، ثم انصرف. قال: فصلاها رسول الله ﷺ مرتين مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم .. » والحديث صحيح. وهذه إحدى صور صلاة الخوف، وصورها كثيرة. ومن صورها، ما رواه أحمد، ومسلم، والنسائي عن جابر «أن رسول الله ﷺ صلى بهم صلاة الخوف، فقام صف بين يديه، وصف خلفه. فصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا في مقام هؤلاء. فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة وسجدتين ثم سلم. فكانت للنبي ﷺ ركعتين، ولهم ركعة».
ثم يختتم الله هذا السياق في موضوع القتال بهذه الآية: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ أي: ولا تضعفوا، ولا تتوانوا في طلب الكفار بالقتال، والتعرض به لهم.
ثم ألزمهم الحجة بفعل ذلك بقوله: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ. أي: ليس ما تجدون من الألم بالجرح والقتل مختصا بكم. بل هو مشترك بينكم وبينهم، يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه، فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم! مع أنكم أجدر منهم بالصبر!؛ لأنكم ترجون من الله ما لا يرجون من إظهار دينكم على سائر الأديان. ومن الثواب العظيم في الآخرة.
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. عليما بما تجدونه من آلام. حكيما فيما أمركم به، ويدبر لكم من أموركم.
كلمة في السياق:
إذا كانت سورة النساء تدور حول ماهية التقوى. فإن هذا المقطع قد بين أن التبين في القتال، والهجرة إلى دار الإسلام، والصلاة في القتال، وذكر الله في كل حال، والصبر على القتال، والاستمرار فيه. كل ذلك داخل في العبادة، والتقوى. ولنا عودة فيما بعد على السياق إن شاء الله.
المقطع الثامن
اعتدنا فيما مضى من سورة النساء أن تكون المقاطع مبدوءة ب (يا أيها):
يا أَيُّهَا النَّاسُ*، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا*، ولكنا في هذا المقطع نجد أن صيغة (يا أيها) تأتي في نهايته، فالمعاني في هذا المقطع تتسلسل حتى نجد في نهايته آية مبدوءة ب
стр. 1131
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وفيها إشعار بالمعنى الرئيسي الذي ينتظم معاني المقطع. وهو أسلوب سنرى نماذجه في القرآن أكثر من مرة، وفيه مظهر من مظاهر التنويع في الأسلوب. إن المقطع الثامن يعرض لنا معاني من مظاهر العدل، ثم يختم المقطع بآية هي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ....
يمتد المقطع من الآية (١٠٥) إلى الآية (١٣٥) وهذا هو:
[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٥ الى ١١٣]
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩)
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣)
стр. 1132
[سورة النساء (٤): الآيات ١١٤ الى ١١٥]
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥)
*** [سورة النساء (٤): الآيات ١١٦ الى ١٢٤]
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢٠)
أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (١٢٢) لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤)
стр. 1133
[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٥ الى ١٢٦]
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦)
*** [سورة النساء (٤): الآيات ١٢٧ الى ١٣٢]
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧) وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١)
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٣٢)
стр. 1134
[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٣ الى ١٣٥]
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥)
كلمة في المقطع:
بدأ المقطع بتبيان الحكمة من إنزال الكتاب بالحق على رسول الله ﷺ وذلك من أجل أن يحكم به، وفي ذلك أبلغ رد على من يهمل قضايا الحكم بما أنزل الله، ومن هذه المقدمة ينطلق السياق إلى التوجيه إلى أنه لا ينبغي أن يجادل أحد عن الخائنين، وهذا أول مظهر من مظاهر العدل، ليصل السياق إلى عدم مواطأة الشيطان وطاعته في دعوته، وذلك مظهر من مظاهر العدل، ليصل السياق إلى التعامل العادل مع المرأة، وذلك مظهر من مظاهر العدل. ويختم بالأمر بالقيام بالعدل والشهادة بالعدل، مع كل الناس.
قلنا: إن محور سورة النساء من سورة البقرة هو: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ.
لاحظ صلة: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا من سورة البقرة بقوله
стр. 1135
تعالى هنا: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ.
وصلة فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً في سورة البقرة بقوله تعالى هنا:
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ.
وصلة وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ من سورة البقرة بقوله تعالى هنا: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً.
وصلة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ من سورة البقرة بقوله تعالى هنا: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ.
وصلة وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ في سورة البقرة بقوله هنا:
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً.
إن الصلة واضحة، وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من أن محور سورة النساء من سورة البقرة هو الآيات (٢١ - ٢٢ - ٢٣ - ٢٤ - ٢٥) ولنا عودة على السياق.
المعنى العام للمقطع:
بين الله- في هذا المقطع أنه أنزل كتابه على رسوله ﷺ بالحق، فهو يتضمن الحق في خبره وطلبه، من أجل أن يحكم رسوله على ضوئه في كل أمر من أمور الناس، وهذا هو الحق الخالص، ومع الأمر بالحق نهى الله رسوله ﷺ عن أن يكون بجانب الخائنين مجادلا عنهم ومدافعا، وهو نهي للأمة كلها، وإذن فهناك صيغة للحق وحيدة هي ما أنزله الله في كتابه، وما سواها باطل وأهلها خونة، والدفاع عن أهل الباطل حرام، كترك الحق في الحكم. وإذا عرفنا أن هذه بداية المقطع، وأن نهايته الأمر بإقامة العدل والقسط، عرفنا مضمون هذا المقطع، وعرفنا أن كل ما يحتويه داخل
стр. 1136
ضمن توضيح قضايا من الحق والعدل، كجزء من مفهوم التقوى التي هي محور السورة الرئيسي. وبعد الأمر بالحق والنهي عن الدفاع عن أهل الباطل في الآية الأولى من هذا المقطع، يصدر الأمر بالاستغفار؛ لدقة قضية الحق؛ ولدقة الموقف من أهل الباطل، ولكن الله واسع المغفرة والرحمة، يغفر ويرحم لمن يجهد في إقامة الحق، ويحرر نفسه من الوقوف بجانب أهل الباطل. ثم يؤكد الله- نهيه عن الدفاع عمن يعمل الباطل ويخون نفسه بفعله الإثم، وذلك لأن الله لا يحب من كانت صفته الخيانة والإثم، فكيف يدافع المؤمن عمن يبغضه الله. فههنا إذن قضيتان متلازمتان، الحكم بالحق، وترك الدفاع عن أهل الباطل، والله- ينفر من الدفاع عن أهل الباطل بتبيان صفاتهم المنفرة، ومن ذلك استخفاؤهم من الناس، وإخفاؤهم قبائحهم عنهم؛ لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها فلا يستخفون منه؛ لأنهم منافقون، إيمانهم بالله مضطرب وغير صحيح. فيبيتون الباطل والظلم، ومن هذا شأنهم فكيف يدافع المؤمن عنهم، والله هو المحيط بأعمالهم، وهو محاربهم ومعاديهم. وإذا افترض أحد أن هؤلاء الخائنين قد استفادوا من مجادلة المؤمنين عنهم، فمن يستطيع الجدال عنهم يوم القيامة، أو من يتوكل لهم يومئذ- يوم القيامة- في ترويج دعواهم؟ فإذا كان الأمر كذلك، والله محيط هذه الإحاطة، فلا يدافعن مسلم عن خائن.
وفي عصرنا هذا- عصر القانون والمحاماة- تظهر أهمية هذا التوجيه، إذ يقرر أن صيغة الحق هي كتاب الله، وأن الدفاع عمن يختانون أنفسهم لا يجوز.
ثم يستمر السياق بعد أن وضح النهي عن الدفاع عن الخائنين، يستمر مقررا ثلاث حقائق رئيسية، الأولى: أن المذنب المسئ إذ استغفر يغفر الله له. والثانية: أن كل إنسان مسئول عن نفسه، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن إثم الآثم لا يتعداه.
والثالثة: أن الذي يرتكب الخطيئة، أو الإثم، ثم يرمي به الأبرياء، فقد اجتمع عليه ذنبان، ذنب البهتان، وإثمه الأصلي. وإذ تتقرر هذه الحقائق الثلاث المرتبطة بموضوع عدم الدفاع عن الخائنين، يبين الله- أن بقاء الإنسان على الحق، وعدم تبنيه للدفاع عن الخائنين، لا يكون إلا بتوفيق من الله، خاصة مع وجود الراغبين في
الإضلال، الذين لا يضلون إلا أنفسهم ولا يضرون غيرها. ثم يذكر الله رسوله ﷺ بنعمته عليه بإنزال الكتاب عليه، وتعليمه الحكمة، وتعليمه ما كان يجهله، وهذا يدل على عظم ما خص الله به رسوله ﷺ ، من الفضل العظيم، الذي من مقتضيات
стр. 1137
شكره، الوقوف على الحق، وترك الدفاع عن الباطل وأهله. والصلة واضحة بين بداية المجموعة المطالبة بالحكم بالقرآن، والنهي عن الجدال عن الخائنين، وبين نهايتها المتحدثة عن نعمة الله على رسوله ﷺ بتعليم القرآن.
وفي إطار السورة، وفي سياق هذا المقطع الذي يبين صورا من العدل والحق، في إطار العبادة والتقوى، يحدد الله- إطار الخير في أحاديث الناس بعضهم مع بعض، وهو مظهر من مظاهر العبادة والتقوى عظيم. فبين أن الحديث الخير هو ما كان أمرا بصدقة، أو أمرا بمعروف: وهو الحق والعدل، أو كان إصلاحا بين الناس. ثم بين الله أن من يفعل ذلك، مبتغيا وجه الله، مخلصا لله فيه، فإن له أجره العظيم عند الله.
دل ذلك على أن توجيه الكلام في هذه الدائرة، من أعظم أنواع العبادة، ومن ألصق آثار التقوى. ثم يقرر الله- حقيقة مرتبطة بقضية الحق والعدل، هذه القضية هي أن ما شرعه الله حق، وما أجمعت عليه الأمة الإسلامية حق، ومخالفة هذا الحق يستحق به صاحبه العذاب الأليم، وارتباط هذه القضية بموضوع السياق الخاص والعام، والجزئي، والكلي واضح. إن من سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ ، أو سلك غير الطريق الذي اجتمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقا، فإنه قد تضمنت لهم العصمة- في اجتماعهم من الخطأ؛ تشريفا لهم وتعظيما لنبيهم، فمن سلك طريق الشقاق لهذا، أو لهذا، يجازيه الله على ذلك باستدراجه في الدنيا، ويجعل النار مصيره في الآخرة. لأن من خرج عن الهدى، لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة؛ لمخالفته الحق الذي لا يزيغ عنه إلا هالك. ولما كان رأس الانحراف عن الحق سببه الشرك واتباع الشيطان، فقد جاءت الآيات اللاحقة تبين هذه القضية مقررة: أن الذنب الذي لا يغفره الله هو الشرك، وأن ما دونه يمكن أن يغفره وأن الذي يشرك بالله، قد سلك غير الطريق الحق، وضل عن الهدى، وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة. ثم بين الله- حال هؤلاء المشركين، محقرا إياه، وأنهم ما يعبدون إلا إناثا كالأحجار، ومظاهر من هذا الكون والطبيعة، وأنهم ما يعبدون في شركهم إلا الشيطان المتمرد على الله، إذ هو الذي يأمرهم بذلك، ويحسنه ويزينه لهم، وهو الملعون المطرود، المبعد من رحمة الله، وعن جواره، وهو الذي أخذ على عاتقه أن يضل قسما معينا، مقدرا معلوما من الناس، من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، يضلهم عن الحق، ويزين لهم ترك التوبة ويعدهم الأماني، ويأمرهم
стр. 1138
بالتسويف والتأخير، ويغرهم من أنفسهم، ويزين لهم تحريم ما أحل الله، وتغيير خلق الله بارتكاب ما حرم، كالوشم والنمص وخصي الإنسان، وغير ذلك. ثم بين الله- أن من يتخذ الشيطان وليا مطاعا معبودا، فإنه قد خسر الدنيا والآخرة، وتلك خسارة لا جبر لها، ولا استدراك لفائتها. ثم بين الله- طريق الشيطان في الإضلال، وهو أن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك. ولذلك بين الله- أن وعد الشيطان أولياءه إنما هو هباء، ثم بين الله- جزاء المستحسنين لإغواء الشيطان ووعوده ومناه، وأن هذا الجزاء هو جهنم، فهي مصيرهم ومآلهم يوم القيامة، وأنه ليس لهم عنها مندوحة، ولا مصرف، ولا خلاص ولا مناص.
فالشرك إذن يسبب الانحراف عن الحق، وأن الشرك في حقيقته عبادة للشيطان وطاعة له في دعوته، ومجئ هذه المعاني في سياق الأمر بالحق والعدل واضح. إذ لا عدل ولا حق مع الشرك واتباع الشيطان. وإذ ذكر حال الأشقياء في الآخرة، قفى بحال المؤمنين الذين صدقت قلوبهم، وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات بأن جزاءهم الخلود الأبدي في جنات تجرى من تحتها الأنهار، ذلك وعد الله لهم، ووعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة، إذ هو أصدق الصادقين، فلا أحد أصدق منه قولا وخبرا ووعدا. ومجئ هذه الآية في سياق الدعوة إلى الحق والعدل واضح، إذ بدون الإيمان، والعمل الصالح، والثقة بوعد الله في الآخرة، لا يستطيع إنسان أن يثبت على الحق والعدل، وإذ كان كل أهل دين يدعون أنهم أهل الحق، وأن الجنة لهم دون غيرهم، وحتى بعض المسلمين يعيشون على الأماني، فيتصورون أن الجنة لهم بلا عمل، قرر الله- أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال. وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال إنه على الحق سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان، فليست النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله سبحانه، واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام، وأن القاعدة عند الله أن من يعمل سوءا يجازيه به.
ولا يستطيع أحد أن يحول بين الله وبين مجازاته، فينصره أو يدفع عنه. ولما ذكر الله الجزاء على السيئات، وأنه سيأخذ مستحقها من العبد، إما في الدنيا وهو الأجود له، نسأل الله العافية- وإما في الآخرة والعياذ بالله من ذلك، شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده، ذكورهم وإناثهم بشرط الإيمان، وأنه
стр. 1139
سيدخلهم الجنة، ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير، وهو: النقرة، التي في ظهر نواة التمر.
ثم بين الله- أنه لا أحسن دينا ممن اجتمع له إخلاص العمل لربه فعمل إيمانا واحتسابا، متبعا في العمل لما شرعه الله، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق. وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما، أن يكون العمل خالصا وصوابا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون متابعا للشريعة، فيصح ظاهر العبد بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص. فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد. فمتى فقد الإخلاص كان منافقا، وهم الذين يراءون الناس، ومتى فقد المتابعة كان ضالا جاهلا، ومن جمعهما كان من المؤمنين الذين لا أحسن دينا منهم، فهم مخلصون محسنون، وهم متبعون لملة إبراهيم، المائل عن كل شرك إلى التوحيد الخالص، ومن ثم اتخذه
الله خليلا، ثم بين الله- أن ما في السموات والأرض ملكه وعبيده وخلقه، وهو المتصرف في جميع ذلك، لا راد لما قضى، ولا معقب لما حكم، ولا يسأل عما يفعل؛ لعظمته وقدرته؛ وعدله وحكمته، ولطفه ورحمته. وأن علمه نافذ في جميع ذلك، لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فهو المحيط بكل شئ، وتقرير هذه المعاني في سياق الأمر بالحق والعدل، وفي السياق الذي يربي على العبادة والتقوى، والإيمان، والعمل الصالح، لا يغيب عن الحاذق الفهم، فليس الحق دعوى، وإنما هو عمل، وليس ميزان الله بخس، ولكنه ميزان عدل، وميزان دقيق، وليس شأن الله قليلا، حتى يهمل أمره أو يعصى أو يطاع غيره في غير طاعته، فالعبودية لله ميزانها الإسلام له، والإحسان في عبادته، واتباع رسله، إذ هو مالك كل شئ، والمحيط بكل شئ، ومن كان كذلك كان حريا أن يسلم له، وأن يحسن في عبادته، وأن يتبع رسله، وذلك من الحق والعدل.
فالحق والعدل في اتباع كتاب الله، وكذلك في عدم الدفاع عن المبطلين. وكما يكونان في ذلك. يكونان في المناجاة بالخير والإصلاح. وكما يكونان في هذا كله يكونان في ترك الشرك وطاعة الشيطان، وكذلك في الإسلام لله، والإحسان في عبادته، واتباع رسله، وذلك كله عبادة وتقوى.
فالمقطع يوضح جوانب من الحق والعدل، يفطن الناس لبعضها، ولا يفطنون لبعضها الآخر. وكل ذلك في إطار السياق الكلي لمحور سورة النساء الذي يعمق قضية العبادة
стр. 1140
والتقوى. ثم يكمل المقطع شرح جوانب من الحق والعدل في موضوع يتامى النساء، والمستضعفين، واليتامى عامة، فيفتي بما هو حق وعدل، وذلك أن الرجل قد يكون في حجره يتيمة، هو وليها ووارثها، لا يرغب أن يتزوجها، ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في مالها إذا ماتت، أيفوت عليه ما يطمع فيه، فيعرضها. فبين الله- حكمه العادل، والحق في مثل هذا، إما أن تتزوجها ولها مهرها كاملا أسوة بأمثالها من النساء، وإما أن تزوجها إن جاءها طالب كفأ ورضيت، وكانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، فأنزل الله حكمه العادل بوجوب التوريث حسب الاستحقاق، ثم أمر الله- بإعطاء اليتامى العدل مذكرا بعلمه بمن فعل خيرا؛ تهييجا على فعل الخيرات وامتثال الأوامر.
ومجئ هذه المعاني في سياق الدعوة إلى الحق والعدل لا يحتاج إلى بيان. ثم بين الله- قضايا من الحق والعدل في الشئون الزوجية، فأخبر مشرعا لأحوال من أحوال الزوجين، تارة في حال نفور الرجل من المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة في حال فراقه لها، وفي كل حالة من هذه الحالات علمنا الله الموقف العدل والحق. فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها، أو يعرض عنها، فلها أن تسقط عنه حقها، أو بعضه من نفقة أو كسوة، أو مبيت أو غير ذلك من حقوقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا حرج عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، إذ الصلح خير من الفراق. وإن كانت النفوس عادة شحيحة. ثم ندب الله- الأزواج إلى الإحسان والتقوى، واعدا إياهم بالخير الكثير، إن تجشموا مشقة الصبر على ما يكرهون منهن، فإذا فعلوا ذلك وصبروا عليه فالله يعلمه، وسيجزي عليه خير الجزاء. والحالة الثانية حالة الوفاق في حال كون الرجل له أكثر من زوجة. فقد بين الله- أن المساواة المطلقة والعدل المطلق بين الزوجات من كل الوجوه غير مستطاع للإنسان، ولذلك لم يكلف الإنسان به، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع، ولكنه فرض العدل في المبيت والمطعم والملبس، ونهى عن المبالغة في الميل إلى واحدة؛ حتى تصبح الأخرى كالمعلقة، ووعد ﷻ أنه في حالة الإصلاح في الأمور، والقسم بالعدل، في الحدود التي يملكها الإنسان، وفي حالة التقوى، فإن الله سيغفر ما كان من تفريط عند عدم وجود العدل المطلق، وأما الحالة الثالثة حالة الفراق، فقد وعد الله كلا من الزوجين أنهما إذا تفرقا فإن الله يغنيه عنها، ويغنيها عنه، بأن يعوضه الله بمن هي أو ما هو خير له منها، ويعوضها عنه بمن أو ما هو خير لها منه، ثم ذكر الله-
стр. 1141
عزّ وجل- بأنه واسع الفضل، عظيم المنة، حكيم في جميع أفعاله وأقداره وشرعه، فليطمئن كل من الزوجين إذا فارق الآخر إلى فضل الله، وليتوكل كل من الزوجين على الله. ثم أخبر الله- أنه مالك السموات والأرض، وأنه الحاكم فيهما، وأنه وصانا بما وصى به من قبلنا من تقواه، وعبادته وحده لا شريك له، وأنه في حالة كفرنا- والعياذ بالله- فإنه لا يضره ذلك، وكيف وهو مالك السموات والأرض، وهو الغني عن عباده، وهو المحمود في جميع ما يقدره ويشرعه. وإذن فما دام الله مالك السموات والأرض وهو الغني عن خلقه، المحمود في فعله وشرعه، فمن حقه أن يتقى، وأن يشكر فلا يكفر. ثم ذكر تعالى مرة ثانية بأنه مالك السموات والأرض، وأنه هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شئ، وتذكيره بهذا مقدمة لتذكيره بأنه هو القادر على إذهابنا وتبديلنا بغيرنا إن عصيناه، إذ هو القادر على كل شئ، وإذا كان الأمر كذلك، فقد ذكر الله- من ليس له همة إلا في الدنيا أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سأله السائل من هذه وهذه أعطاه، فلتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قسم السعادة والشقاوة بين الناس، في الدنيا والآخرة، وعدل بينهم فيما علمه فيهم ممن يستحق هذه، وممن يستحق هذه، فهو السميع البصير.
وما محل هذه المعاني في السياق الخاص في مقطعها الذي هو أمر بالحق والعدل، وتوضيح لما يدخل في مفهوم الحق والعدل؟ الذي يبدو: أن الصلة بين هذه الآيات وبين مقطعها، من حيث إن الله مالك السموات والأرض، هو صاحب الحق في توجيه الإنسان إلى الحق، ويجب أن يتقى، ويجب أن ترتفع همة الإنسان للسير في الحق الذي شرعه لنيل رضوانه وجنته. إلا أننا نحب أن ننبه إلى أن الآيات ينبغي أن تفهم على ضوء سياقها الخاص، وارتباط سورتها بالسياق القرآني العام. وعلى هذا فلنتذكر أن ما ذكره الله في هذا المقطع وفي كل مقطع مرتبط بمجمل السورة في السياق القرآني العام، وسورة النساء محورها الأمر بالعبادة والتقوى. فإذا تذكرنا هذا، وتذكرنا الآيات التي هي محل كلامنا، والتي فيها الوصية بالتقوى وطلب الآخرة. أدركنا صلة هذه الآيات وصلة مقطعها القرآني العام.
والآن يستقر سياق المقطع بنداء المؤمنين أن يكونوا قوامين بالعدل، فلا يعدلوا عنه
стр. 1142
يمينا ولا شمالا، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين، متساعدين، متعاضدين، متناصرين فيه، وأن يؤدوا الشهادة ابتغاء وجه الله فتكون صحيحة عادلة حقا، خالية من التحريف والتبديل والكتمان، وأمر أن تؤدى شهادة الحق ولو عاد ضررها على صاحبها. فإذا سئلت عن أمر فقل الحق فيه، ولو عادت مضرته عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجا ومخرجا من كل أمر يضيق عليه، وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك فلا تراعهم فيها، بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم؛ فإن الحق حاكم على كل أحد، وإن كان المشهود عليه غنيا أو فقيرا فأد فيه شهادة الحق، لا ترع غنيا لغناه، ولا تشفق على فقير لفقره، فالله يتولى الجميع، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما. ثم نهى أن يحملنا الهوى والعصبية وبغض الناس عن ترك العدل في أي أمر وشأن، ثم أمر بلزوم العدل على أي حال، فإن العدل هو الأقرب للتقوى، التي هي الهدف، ثم هدد من يحرف الشهادة ويغيرها، ويتعمد الكذب، بعلم الله فيه.
وبهذا ينتهي المقطع، وإذا تذكر الإنسان ذكر الحق في بداية المقطع، وذكر العدل في نهايته، وكثرة ورود التقوى في المقطع، أدرك كيف أن هذا يمثل تجديدا في الأسلوب بالنسبة لما مر معنا من بدايات المقاطع ونهاياتها إذ ينتهي المقطع بما يتضمن موضوع المقطع كله، ليبدأ مقطع جديد على الطريقة الأولى مبدوء ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.
المعنى الحرفي:
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ. أي: محقا فهو حق من الله، وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه وما شرع لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ. أي: بما عرفك وأوحى به إليك. وقال أبو منصور الماتريدي في تفسيرها: بما ألهمك في أصوله المنزلة، وبهذه الآية استدل من جوز الاجتهاد في حقه ﵊ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً. أي: ولا تكن لأجل الخائنين مخاصما، أي ولا تجادل عن الخائنين، وكل معصية خيانة، وكل عاص خائن في معصيته، فلا يجادلن مسلم عن عاص في معصيته
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ. أي: من أي خاطر يخالف ما مر.
إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً. غفورا لما يهم به العبد ما لم ينفذه، رحيما بالمسلم إذ لم يكلفه ما لا يطيق.
وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ. أي:
стр. 1143
يخونونها بالمعصية. جعلت معصية العصاة خيانة لأنفسهم، لأن الضرر راجع إليهم، والنهي ينصب على المخاصمة عن هؤلاء والدفاع عنهم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً الخوان هو: المفرط في الخيانة، والأثيم: المفرط في الإثم، فإذا كان الله لا يحب الخونة والآثمين، فكيف يدافع المسلم عنهم؟!!.
ثم زادنا الله- بيانا لحال هؤلاء العصاة ليقطع دابر أي تفكير في القلوب المؤمنة في الدفاع عنهم. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ .... أي: يستترون من الناس حياء منهم، وخوفا من ضررهم وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ. أي: ولا يستحيون من الله وهو عالم بهم، مطلع عليهم، ولا يخفى عليه خاف من سرهم، وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياء والخشية من ربهم مع علمهم أنه معهم لا سترة ولا غيبة. إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ. أي: إذ يدبرون ما لا يرضي الله من الكلام، وسمي التدبير تبييتا: لأنه يكون عادة في الليل، وللنهار التنفيذ. وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً علمه محيط، وإرادته محيطة، ولا يكون شئ إلا به، فكيف لا يستحيون منه وهم يعصونه ويدبرون في معصيته.
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا. أي: هبوا أنكم خاصمتم عن هؤلاء الخائنين العصاة في الحياة الدنيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ. أي: فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه. أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا. أي: من يكون حافظا ومحاميا عنهم من بأس الله وعذابه؟ اللهم لا أحد.
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً السوء هنا: الذنب دون الشرك أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ. بالشرك، ويحتمل أن يكون المراد بالسوء القبيح الذي يتعدى ضرره إلى الغير، والظلم للنفس: ما يختص ضرره بفاعله. ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ. أي: يسأل الله مغفرته يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً له رَحِيماً به.
وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً. أي: ذنبا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ لأن وباله عليه وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بمن أذنب حَكِيماً ومن حكمته أنه لا يعاقب بالذنب إلا صاحبه.
وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً يحتمل أن يراد بالخطيئة هنا الصغيرة، وبالإثم الكبيرة، ويحتمل أن يكون المراد بالخطيئة هنا الذنب بينه وبين ربه، وبالإثم الذنب في مظالم العباد ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً. أي: ثم يتهم بهذا الذنب أو الخطيئة غير فاعله فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً. البهتان: الكذب العظيم، إذ البهتان كذب يبهت من قيل عليه ما لا علم له به، والإثم المبين هو الذنب الظاهر، وقد اجتمعت الصفتان فيمن يفعل ما ذكرته الآية
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ أي:
стр. 1144
ولولا عصمة الله وحفظه ولطفه لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ. أي: من الناس أَنْ يُضِلُّوكَ. أي: عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل وجعلك تدافع عن العصاة.
وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ بمحاولتهم، وهمهم وتبييتهم لأن وبال ذلك عليهم. أما رسول الله ﷺ فمحفوظ بحفظ الله، وكذلك من كان على قدمه، مع فارق العصمة فهو ﵊ معصوم، ومن على قدمه تحتمل في حقه الزلة. وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ إن وقفت عند حدود الله، وعملت بما ظهر لك، ولم يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك. وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ.
أي: القرآن وَالْحِكْمَةَ. أي: السنة. وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ. أي: من أمور الدين والشرائع. وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً. أي: فيما علمك وأنعم عليك، والخطاب لرسول الله ﷺ ، خطاب لأمته، فهذا الفضل على رسول الله ﷺ ورثته عنه أمته.
فوائد:
١ - شرحنا هذه الآيات بما يقتضيه عمومها، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ولكن سبب النزول يساعد على فهم النص، لأنه يكون مثالا على ما يمكن أن يدخل في النص مع بقاء عموم اللفظ على حاله، وقبل أن نذكر أسباب نزول هذه الآيات في فائدة لاحقة، نحب هنا أن ننبه على أن مما يدخل تحت عموم هذه الآيات بطريق الأولى في عصرنا صنعة المحاماة التي هي في كثير من أحوالها دفاع عن العصاة والخائنين، ومما يدخل تحت هذا العموم، الدفاع عن أي مذنب وعاص، وخائن لله ورسوله وجماعة المسلمين في أمر ما.
٢ - قوله تعالى: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ احتج به من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان ﷺ له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين «أن رسول الله ﷺ سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو ليذرها».
٣ - وفي سبب نزول الآيات السابقة، وآيتين بعدها، يروي الترمذي وابن جرير عن قتادة بن النعمان ﵁ قال: «كان أهل بيت منا يقال لهم: بنو أبيرق، بشر، وبشير، ومبشر، وكان بشير رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول
стр. 1145
الله ﷺ ، ثم ينحله لبعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، وقال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الرجل الخبيث، أو كما قال الرجل. وقالوا: ابن الأبيرق قالها، قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير.
وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام من الدرمك، ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافطة من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك، فجعله في مشربة له، وفي المشربة سلاح ودرع وسيف، فعدي عليه من تحت البيت، فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبحنا أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي! إنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا. قال: فتحسسنا في الدار، وسألنا فقيل لنا:
قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم.
قال: وكان بنو أبيرق قالوا ونحن نسأل في الدار- والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجلا منا له صلاح وإسلام- فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟
والله ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك أيها الرجل، فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها. فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ فقلت:
إن أهل بيت منا أهل جفاء، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد، فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي ﷺ سآمر في ذلك، فلما سمع بذلك بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسيد بن عروة، فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول الله! إن قتادة ابن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة وثبت، قال قتادة: فأتيت النبي ﷺ فكلمته فقال: «عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة» قال فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي، ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك. فأتاني رفاعة فقال: يا ابن أخي، ما صنعت، فأخبرته بما قال لي رسول الله ﷺ فقال: الله المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً يعني بني أبيرق. وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ. أي: مما قلت لقتادة إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ ... إلى قوله
стр. 1146
رَحِيماً. أي: لو استغفروا الله لغفر لهم. وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ ... إلى قوله إِثْماً مُبِيناً قوله للبيد وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ... إلى قوله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً فلما نزل القرآن أتى رسول الله ﷺ بالسلاح فرده إلى رفاعة، فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح، وكان شيخا قد عمي أو عشي- الشك من أبي عميس- في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولا، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هي في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحا. فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً فلما نزل على سلافة بنت سعد هجاها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت به فرمته في الأبطح ثم قالت: أهديت لي شعر حسان، ما كنت تأتيني بخير».
٤ - روى الإمام أحمد عن علي ﵁ قال: «كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ شيئا نفعني الله فيه بما شاء أن ينفعني منه. وحدثني أبو بكر-
وصدق أبو بكر- قال: قال رسول الله ﷺ «ما من مسلم يذنب ذنبا، ثم يتوضأ، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غفر له، وقرأ هاتين الآيتين وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ... الآية. وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ... ».
٥ - جاءت امرأة إلى عبد لله بن مغفل فسألته عن امرأة فجرت فحبلت، فلما ولدت قتلت ولدها، قال عبد الله بن مغفل: لها النار، فانصرفت وهي تبكي، فدعاها ثم قال: ما أرى أمرك إلا أحد أمرين «من يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما» قال: فمسحت عينيها ثم مضت.
٦ - هناك رواية تذكر أن ابن أبيرق عند ما بلغه أنه اتهم بسرقة الدرع عمد إلى الدرع فألقاها في بيت رجل يهودي اسمه زيد بن السمين، وقال لنفر من عشيرته إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عنده، وعلى هذه الرواية يكون البريء يهوديا، وعلى أساس هذه الرواية يعلق صاحب الظلال على مجموعة الآيات التي نزلت بسبب
стр. 1147
الحادثة بقوله: «هذه الآيات تحكي قصة لا تعرف لها الأرض نظيرا، ولا تعرف لها البشرية شبيها .. وتشهد- وحدها- بأن هذا القرآن وهذا الدين لا بد أن يكون من عند الله، لأن البشر- مهما ارتفع تصورهم، ومهما صفت أرواحهم، ومهما استقامت طبائعهم- لا يمكن أن يرتفعوا- بأنفسهم- إلى هذا المستوى الذي تشير إليه هذه الآيات؛ إلا بوحي من الله ... هذا المستوى الذي يرسم خطا على الأفق لم تصعد إليه البشرية- إلا في ظل هذا المنهج- ولا تملك الصعود إليه أبدا إلا في ظل هذا المنهج كذلك.
إنه في الوقت الذي كان اليهود في المدينة يطلقون كل سهامهم المسمومة التي تحويها جعبتهم اللئيمة، على الإسلام والمسلمين؛ والتي حكت هذه السورة وسورة البقرة وسورة آل عمران جانبا منها، ومن فعلها في الصف المسلم ..
في الوقت الذي كانوا فيه ينشرون الأكاذيب، ويؤلبون المشركين، ويشجعون المنافقين، ويرسمون لهم الطريق، ويطلقون الإشاعات، ويضللون العقول، ويطعنون في القيادة النبوية، ويشككون في الوحي والرسالة، ويحاولون تفسيخ المجتمع المسلم من الداخل، في الوقت الذي يؤلبون عليه خصومه ليهاجموه من الخارج .. والإسلام ناشئ في المدينة، ورواسب الجاهلية ما يزال لها آثارها في النفوس، ووشائج القربى والمصلحة بين بعض المسلمين وبعض المشركين والمنافقين واليهود أنفسهم، تمثل خطرا حقيقيا على تماسك الصف المسلم وتناسقه. في هذا الوقت الحرج، والخطر، الشديد الخطورة ..
كانت هذه الآيات كلها تتنزل، على رسول الله ﷺ وعلى الجماعة المسلمة، لتنصف رجلا يهوديا اتهم ظلما بسرقة؛ ولتدين الذين تآمروا على اتهامه، وهم بيت من الأنصار في المدينة. والأنصار يومئذ هم عدة الرسول ﷺ وجنده، في مقاومة هذا الكيد الناصب من حوله، ومن حول الرسالة والدين والعقيدة الجديدة ... !.
أي مستوى هذا من النظافة والعدالة والتسامي! ثم أي كلام يمكن أن يرتفع ليصف هذا المستوى؟ وكل كلام، وكل تعليق، وكل تعقيب، يتهاوى دون هذه القمة السامقة، التي لا يبلغها البشر وحدهم. بل لا يعرفها البشر وحدهم. إلا أن يقادوا بمنهج الله، إلى هذا الأفق العلوي الكريم الوضيء؟! ...
إن المسألة لم تكن مجرد تبرئة برئ، تآمرت عليه عصبة لتوقعه في الاتهام- وإن كانت تبرئة برئ أمرا هائلا ثقيل الوزن في ميزان الله- إنما كانت أكبر من ذلك.
стр. 1148
كانت هي إقامة الميزان الذي لا يميل مع الهوى، ولا مع العصبية، ولا يتأرجح مع المودة والشنآن أيا كانت الملابسات والأحوال.
وكانت المسألة هي تطهير هذا المجتمع الجديد؛ وعلاج عناصر الضعف البشري فيه مع علاج رواسب الجاهلية والعصبية- في كل صورها حتى في صورة العقيدة، إذا تعلق الأمر بإقامة العدل بين الناس- وإقامة هذا المجتمع الجديد، الفريد في تاريخ البشرية، على القاعدة الطيبة النظيفة الصلبة المتينة التي لا تدنسها شوائب الهوى والمصلحة والعصبية، والتي لا تترجرج مع الأهواء والميول والشهوات!.
ولقد كان هناك أكثر من سبب للإغضاء عن الحادث، أو عدم التشديد فيه والتنديد به وكشفه هكذا لجميع الأبصار. بل فضحه بين الناس- على هذا النحو العنيف المكشوف ...
كان هناك أكثر من سبب لو كانت الاعتبارات الأرضية هي التي تتحكم وتحكم موازين البشر ومقاييسهم هي التي يرجع إليها هذا المنهج!.
كان هناك سبب واضح عريض ... أن هذا المتهم «يهودي» من «يهود» يهود التي لا تدع سهما مسموما تملكه إلا أطلقته في حرب الإسلام وأهله. يهود التي يذوق منها المسلمون الأمرين في هذه الحقبة (ويشاء الله أن يكون ذلك في كل حقبة!) يهود التي لا تعرف حقا ولا عدلا ولا نصفة، ولا تقيم اعتبارا لقيمة واحدة من قيم الأخلاق في التعامل مع المسلمين على الإطلاق!.
وكان هناك سبب آخر، وهو أن الأمر في الأنصار. الأنصار الذين آووا ونصروا، والذين قد يوجد هذا الحادث بين بعض بيوتهم ما يوجد من الضغائن. بينما أن اتجاه الاتهام إلى يهودي، يبعد شبح الشقاق!.
وكان هنا لك سبب ثالث، هو عدم إعطاء اليهود سهما جديدا يوجهونه إلى الأنصار، وهو أن بعضهم يسرق بعضا، ثم يتهمون اليهود! وهم لا يدعون هذه الفرصة تفلت للتشهير بها والتغرير!.
ولكن الأمر كان أكبر من هذا كله. كان أكبر من الاعتبارات الصغيرة. الصغيرة في حساب الإسلام. كان أمر تربية هذه الجماعة الجديدة لتنهض بتكاليفها في خلافة الأرض وفي قيادة البشرية. وهي لا تقوم بالخلافة في الأرض ولا تنهض بقيادة البشرية حتى
стр. 1149
يتضح لها منهج فريد متفوق على كل ما تعرف البشرية؛ وحتى يثبت هذا المنهج في حياتها الواقعية، وحتى يمحص كيانها تمحيصا شديدا؛ وتنفض عنه كل خبيئة من ضعف البشر ومن رواسب الجاهلية، وحتى يقام فيها ميزان العدل- لتحكم بين الناس- مجردا من جميع الاعتبارات الأرضية، والمصالح القريبة الظاهرة، والملابسات التي يراها الناس شيئا كبيرا لا يقدرون على تجاهله.
واختار الله- سبحانه- هذا الحادث بذاته، في ميقاته .. مع يهودي .. من يهود التي يذوق منها المسلمون الأمرين إذ ذاك في المدينة، التي تؤلب عليهم المشركين، وتؤيد بينهم المنافقين، وترصد كل ما في جعبتها من مكر وتجربة وعلم لهذا الدين! وفي فترة حرجة من حياة المسلمين في المدينة، والعدوات تحيط بهم من كل جانب، ووراء كل هذه العداوات يهود.
اختار الله هذا الحادث في هذا الظرف، ليقول فيه- سبحانه- للجماعة المسلمة ما أراد أن يقول، وليعلمها به ما يريد لها أن تتعلم!.
ومن ثم لم يكن هناك مجال للباقة، ولا للكياسة، ولا للسياسة، ولا للمهارة، في إخفاء ما يحرج، وتغطية ما يسوء. ولم يكن هناك مجال لمصلحة الجماعة المسلمة الظاهرة! ومراعاة الظروف الوقتية المحيطة بها!.
هنا كان الأمر جدا خالصا، لا يحتمل الدهان ولا التمويه! وكان هذا الجد هو أمر هذا المنهج الرباني وأصوله. وأمر هذه الأمة التي تعد لتنهض بهذا المنهج وتنشره. وأمر العدل بين الناس. العدل في هذا المستوى الذي لا يرتفع إليه الناس- بل لا يعرفه الناس- إلا بوحي من الله، وعون من الله.
وينظر الإنسان من هذه القمة السامقة على السفوح الهابطة- في جميع الأمم على مدار الزمان- فيراها هنالك .. هنالك في السفوح. ويرى من تلك القمة السامقة في السفوح الهابطة صخورا متردية، هنا وهناك، من الدهاء، والمراء، والسياسة، والكياسة، والبراعة، والمهارة، ومصلحة الدولة، ومصلحة الوطن، ومصلحة الجماعة .. إلى آخر الأسماء والعنوانات .. فإذا دقق الإنسان فيها النظر رأى من تحتها .. الدود .. !!.
وينظر الإنسان مرة أخرى فيرى نماذج الأمة المسلمة- وحدها- صاعدة من السفح إلى القمة. تتناثر على مدار التاريخ، وهي تتطلع إلى القمة، التي وجهها إليها المنهج
стр. 1150
الفريد. أما العفن الذي يسمونه «العدالة» في أمم الجاهلية الغابرة والحاضرة، فلا يستحق أن نرفع عنه الغطاء، في مثل هذا الجو النظيف الكريم.
كلمة في السياق:
بدأ المقطع بتبيان مراد من مرادات الله في إنزال الكتاب- وهو الحكم- بالحق بين الناس، ثم ثنى بالنهي عن الدفاع عن الخائنين، واستمر المقطع يوضح حيثيات هذا المعنى حتى الآية التي تذكر رسول الله ﷺ بفضل الله عليه، والتذكير بفضل الله- الذي منه إنزال الكتاب والحكمة- مرتبط بموضوعي الحكم بالحق، وعدم الدفاع عن الخائنين. فلا يليق بأحد بعد إنزال الكتاب والحكمة أن يحكم إلا بالحق، كما لا يليق به أن يدافع عن أهل الباطل. وفي الآية الأخيرة تذكير لرسول الله ﷺ بفضل الله عليه، بإنزال الكتاب والحكمة، وبالعصمة التي خصه بها.
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ التناجي: كلام الناس فيما بينهم وقد نفى الله الخيرية عنه إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ. أي: إلا نجوى من أمر بصدقة، ففي نجواهم الخير، والصدقة تشمل الزكاة وصدقة التطوع، وإلا نجوى من أمر بمعروف، والمعروف: شريعة الله ودينه. ومن المعروف القرض وإغاثة الملهوف وكل جميل. وإلا من أمر بإصلاح ذات البين وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ.
أي: المذكورات ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ. أي: طلبا لمرضاة الله، وخرج عنه من فعل ذلك رياء أو ترأسا فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً. أي: ثوابا جزيلا كثيرا واسعا
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى. أي: ومن يخالف الرسول من بعد وضوح الدليل، وظهور الرشد وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ. أي: ويتبع غير ما عليه المؤمنون من الدين، وهذا دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها، كما لا يجوز مخالفة الكتاب والسنة، لأن الله تعالى جمع بين اتباع غير سبيل المؤمنين، وبين مشاقة الرسول ﷺ في الشرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد، فكان اتباع الإجماع واجبا كموالاة الرسول ﷺ . نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى. أي: في الدنيا نجعله واليا لما تولى من الضلال، وندعه وما اختاره في الدنيا. وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ. أي: في الآخرة، وَساءَتْ مَصِيراً. وأي منقلب ومأوى ومستقر شر من النار؟!
стр. 1151
فوائد:
١ - روى الترمذي عن رسول الله ﷺ قوله: «كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ذكر الله- أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر».
٢ - روى الإمام أحمد عن أم كلثوم بنت عقبة- وهي من المهاجرات- أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرا، أو يقول خيرا، وقالت: لم أسمعه يرخص في شئ مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها».
٣ - وروى الإمام أحمد عن أبي الدرداء قال: قال ﷺ : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: إصلاح ذات البين، قال: وفساد ذات البين هي الحالقة». رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح.
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً. أي: عن الصواب، إذ ضل عن الهدى، وعطل قوانين العقل، وأفسد تصوراته، فانحرف سلوكه، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة.
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً والإناث جمع أنثى: وهي اللات والعزى ومنات، ولم يكن حي من العرب إلا ولهم صنم يعبدونه، يسمونه أنثى بني فلان. وحتى ملحدو عصرنا يخلعون على الطبيعة كل صفات الإله، وخصائصه فمعبودهم أنثى، وحتى الوجوديون الذين يعبدون أنفسهم يبقون في إطار عبادة الإناث. ومن عبد الملائكة من العرب كان يعتبر الملائكة أنهم بنات الله. وبعضهم فسر الأنثى بأنه الذي لا روح له، من حجر أو خشب يابس. فالمشركون لا يعبدون إلا أمواتا لا حياة فيها. وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً. أي: وما يعبدون في الحقيقة إلا الشيطان الخارج عن الطاعة، العاري عن الخير وهو المريد. لأنه هو الذي أغراهم على عبادة الأصنام، فأطاعوه، فجعلت طاعتهم له عبادة، وكيف يعبدون الشيطان وقد جمع الله عليه صفتين: لعنة الله، وأخذه على نفسه أن يضل بني آدم.
قال تعالى: لَعَنَهُ اللَّهُ.
أي: طرده، وأبعده عن رحمته، وأخرجه من جواره. وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً. أي: نصيبا معينا مقدرا معلوما، مقطوعا واجبا لي. قال قتادة:
من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار.
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ. أي: بأن يدعوهم إلى الضلالة والتزين والوسوسة. وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ. أي: يلقي في قلوبهم الأماني
стр. 1152
الباطلة، من طول الأعمار وبلوغ الآمال، ودخول الجنة بلا عمل، وتحقيق الأهداف بلا أخذ بالأسباب. وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ. البتك: القطع.
والتبتيك: للتكثير والتكرير. والمعنى ولأحملنهم على أن يقطعوا آذان الأنعام، كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها. قال قتادة والسدي وغيرهما في تفسير التبتيك: يعني تشقيقها وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة، وسيمر تفسيرها في سورة المائدة.
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ من مثل فقء عين الحامي، وإعفائه عن الركوب، والخصاء، وهو مباح في البهائم محظور في بني آدم. والوشم، والنمص، والتنمص، والتفليج للحسن، وتغيير الشيب بالسواد، والتحريم والتحليل، والتخنث، وتشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال. وأهم من ذلك تبديل فطرة الله التي هي دين الإسلام بصرف الناس عنها. وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: مجيبا إلى ما دعاه إليه. فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً. أي: واضحا، وأي خسارة أعظم من خسارة الهدى في الدنيا، وخسارة الآخرة بدخول النار.
يَعِدُهُمْ. أي: يوسوس إليهم أن لا جنة ولا نار، ولا بعث، ولا حساب.
وَيُمَنِّيهِمْ. أي: يجعلهم يتمنون ما لا ينالون. وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً. أي: يريهم الأمر على خلاف ما هو، وهذا هو الغرور، رؤية الإنسان نفسه على خلاف ما هو.
أُولئِكَ. أي: أولياء الشيطان المستجيبون له، مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً. أي: معدلا ومفرا، أو مندوحة، أو مصرفا، أو خلاصا، أو مناصا. وبعد أن ذكر الله- حال أولياء الشيطان، ذكر حال السعداء، والأتقياء، وما لهم من الكرامة التامة.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فخالفوا الشيطان، فلم يتبعوه بالكفر أو بعمل السوء سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً. أي: بلا زوال ولا انتقاص وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا. أي: هذا وعد من الله، ووعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا. أي: لا أحد أصدق منه.
وفائدة هذه التوكيدات مقابلة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه، بوعد الله الصادق لأوليائه. وكان رسول الله ﷺ يقول في خطبته: «إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
стр. 1153
فوائد:
١ - في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله- يعني قوله: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
٢ - إن أعظم تبديل لخلق الله يؤاخذ الله عليه هو تبديل الفطرة.
في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء». وفي صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ «قال الله- :
إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم».
كلمة في السياق:
رأينا أن هذا المقطع يوضح جوانب من الحق والعدل في إطار العبادة والتقوى والإيمان والعمل الصالح: وفي المجموعة الأولى رأينا أن الدفاع عن الخائنين محرم. وفي المجموعة الثانية رأينا المناجاة الخيرة، وفي المجموعة الثالثة رأينا فظاعة الشرك، وكونه من الشيطان، ورأينا معالم مظلمة من دروس الشيطان ومدرسته. وكل ذلك بيان عن الحق والعدل أو ما يتنافى معهما.
ولننتقل إلى مجموعة رابعة في هذا المقطع:
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ. أي: ليس الأمر على شهواتكم وأمنياتكم. وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ. أي: وليس الأمر على شهوات اليهود والنصارى وأمنياتهم في ادعائهم بنوة الله، وأنهم
أحبابه، وأنه لن تمسهم النار إلا أياما معدودات وغير ذلك.
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ منهم من فسر السوء هنا بالمعصية أيا كانت، ومنهم من فسرها بالمعصية التي لا تغفر وهي الشرك، مستدلا بتتمة الآية بعدها في وصف حال المؤمنين. وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً هذا وعيد للكفار، أو هو وعيد لكل من فعل ذنبا على الخلاف السابق في تفسير السوء.
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
стр. 1154
الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ تقييد العمل بالإيمان دليل لأهل السنة والجماعة على أن العمل ليس من الإيمان، بل علامة عليه، وكمال فيه. فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً. أي: قدر نقير، والنقير: هو النقرة في ظهر النواة.
والضمير في وَلا يُظْلَمُونَ يعود لعمال السوء، وعمال الصالحات جميعا، وجاز أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دليلا على ذكره عند الآخر.
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ. أي: أخلص نفسه لله، وجعلها سالمة له لا يعرف لها ربا ولا معبودا سواه وَهُوَ مُحْسِنٌ. أي: يعمل الحسنات مع المراقبة لله وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً الحنيف: هو المائل عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق. والجواب: أنه لا أحد أحسن دينا ممن اجتمع له الإسلام والإحسان، والاتباع لملة إبراهيم. كيف لا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا. الخليل في الأصل اللغوي هو الخال، وهو الذي يخالك، أي يوافقك في خلالك، أو يداخلك منزلك، أو يسد خللك والخلة هنا صفاء مودة ويفهم منها الاختصاص بتخلل الأسرار. وقد اصطفى الله- إبراهيم لمقام الخلة عنده. وفائدة ذكر هذه الجملة تأكيد وجوب اتباع ملته وطريقته، لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلا، كان جديرا بأن تتبع ملته وطريقته.
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ذكر هذا بعد ما سبقه إشارة إلى أن اتخاذ الله إبراهيم خليلا إنما كان لاحتياج الخليل إليه؛ مكافأة له على عبوديته، لا لاحتياجه تعالى إليه، لأنه منزه عن ذلك، فهو مالك كل شئ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً أي:
عالما. قال ابن كثير في تفسيرها: أي علمه الفذ في جميع ذلك، لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا تخفى عليه ذرة مما تراءى للناظرين، وما توارى.
فوائد:
١ - في سبب نزول قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ قال ابن عباس: تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا، فقضى الله بينهم وقال:
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ الآية. وخير بين الأديان فقال: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ. قلت فأظهر
стр. 1155
الله في هذه الآية المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان.
٢ - روى الإمام أحمد عن أبي بكر قال: «يا رسول الله! كيف الفلاح بعد هذه الآية: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فكل سوء عملنا به، فقال النبي ﷺ غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض، ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء، قال: بلى، قال: فهو مما تجزون به» وفي رواية «إنما هي المصيبات في الدنيا» وفي رواية: «المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا جزاء»، وفي رواية عن عائشة عن رسول الله ﷺ في الآية «هو ما يصيب العبد المؤمن حتى النكبة ينكبها» وفي رواية قال: «يا عائشة هذه مبايعة الله للعبد مما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة، حتى البضاعة فيضعها في كمه فيفزع لها فيجدها في جيبه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما أن الذهب يخرج من الكير» وفي رواية: «إن المؤمن يؤجر في كل شئ حتى في القبض عند الموت». وفي رواية عنها «إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه». وروى سعيد بن منصور أن أبا هريرة ﵁ قال: لما نزلت مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ شق ذلك على المسلمين، فقال رسول الله ﷺ «سددوا وقاربوا، فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها». وفي الصحيحين» عنه ﵊ «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفر الله من سيئاته». وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال: «قيل يا رسول الله من يعمل سوءا يجز به؟ قال: نعم ومن يعمل حسنة يجز بها عشرا، فهلك من غلب واحدته عشراته».
٣ - ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري «أن رسول الله ﷺ لما خطبهم في آخر خطبة خطبها قال: أما بعد أيها الناس فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله» وروى الحاكم وقال صحيح على شرط البخاري عن ابن عباس قال: «أتعجبون من أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﷺ » قال ابن كثير، وكذا روي عن أنس ابن مالك وغير واحد من الصحابة والتابعين والأئمة من السلف والخلف».
فصل: في المصائب تصيب الإنسان:
رأينا في المجموعة السابقة قوله تعالى مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فهذه الآية
стр. 1156
والنصوص التي ذكرناها بمناسبتها تفيد أن صاحب الذنب مجازى به فإن كان مسلما ففي الدنيا، ويحتمل أن يؤخر إلى الآخرة إذا لم يرد الله له السلامة في الآخرة، وإن كان كافرا فعذابه في الآخرة، وقد يعجل الله له العقوبة في الدنيا زيادة على الآخرة، والله- يقول في سورة الشورى وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قال البيضاوي: «والآية مخصوصة بالمجرمين فإن ما أصاب غيرهم فلأسباب أخر، منها تعريضه للأجر العظيم بالصبر عليه» أقول: كلام البيضاوي في التخصيص يظهر في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهم معصومون عن الذنب، فالمصيبة في حقهم رفع درجات، أما في غير الرسل عليهم الصلاة والسلام فإن الإنسان لا يخلو من ذنب، وقد يكون ذنبه في تقصيره في حقوق الإسلام، أو في حقوق الغير قال تعالى:
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً فالأمة بمجموعها قد تصاب بسبب قصور بعضها؛ لأن هناك مسئولية مشتركة بشكل ما بين بني الإنسان، أو بين المسلمين بعضهم مع بعض، فالأصل في المصيبة أن تكون بسبب ذنب، وهي في حق المسلم رحمة من الله- به، وهي في حق الكافر سخط من الله وعقوبة عاجلة، وهاهنا قد يلتبس الأمر على كثير من الناس، وأهل البصيرة يعرفون ويميزون، ويدركون الحكمة ويسلمون لله فعله، وإذا أراد عبد السلامة فليقم بحق الله قياما كاملا في أمر نفسه وغيره، وعندئذ يكون الابتلاء في حقه رفع درجات.
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ الإفتاء: تبيين المبهم، والاستفتاء: السؤال عن حكم الله فيما هو مبهم والمعنى: ويسألونك الإفتاء في النساء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ أي: الله وكتابه القرآن يفتيكم فيهن، وقوله تعالى: وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ. معناه: والمتلو عليكم في القرآن في حق اليتامى يفتيكم فيهن، وهو إشارة إلى قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ... نفهم من هذا أن تلك الآية في أول سورة النساء تفتيكم فيما تسألون عنه، والله يفتيكم فيما يأتي فيما يحتاج إلى تبيان. ويتامى النساء اللاتي ذكرهن الله من قبل وصفهن هنا اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ. قالت عائشة: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها، فأشركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها (أي عن أن ينكحها)، ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها، فنزلت هذه الآية رواه البخاري
стр. 1157
ومسلم. فمعنى اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن في الآية: أي لا تعطونهن ما فرض لهن من الميراث، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ أي: في أن تنكحوهن لجمالهن، أو عن أن تنكحوهن لدمامتهن وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ أي: اليتامى. كانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوامين بالأمور دون الأطفال والنساء. وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ القسط: العدل في الميراث والمال. والخطاب للأئمة في أن ينظروا لهم، ويستوفوا لهم حقوقهم وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً فيجازيكم به.
فائدة:
هذه الآية من غوامض الآيات، وتحتاج إلى دقة فهم، ومزيد علم، فلينتبه القارئ للكلام عنها. في أول السورة: مر قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ... ثم قال: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً .. ثم ذكر بعد ذلك أحكام اليتامى، فهذا كله مما تلي علينا وله صلة بأحكام يتامى النساء عامة، وخلاصته أن اليتيمة إن شاء وليها أن يتزوجها تزوجها بمهر مثلها، وإن رغب عنها فعليه أن يزوجها إذا جاء طلابها. وحكمها في ما سوى ذلك حكم اليتامى عامة، وقد أمر الله بالقيام بالقسط لليتامى، مفصلا أحكام ذلك في أول سورة النساء، فمن ثم علمنا أن ما ورد في أول سورة النساء يوضحه ما في هذه الآية، إذ فيها تفصيل لصفات من كان الحديث عنهن في أول السورة. ففي أول سورة النساء، حكم يتيمات النساء واليتامى عامة.
وفي هذه الآية استفتاء عن أمور النساء عامة وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ فبين الله- أنه سيبين ما له علاقة بذلك، وأن ما تلاه في أول سورة النساء من أحكام اليتيمات واليتامى عامة مبين لبعض أمورهن. فما تلي من قبل، وما سينزله من بعد، كل ذلك جواب للاستفتاء في شأن النساء. نفهم من ذلك أنه ما من قضية من قضايا النساء إلا وقد أفتى الله بها فيما مر ويمر. ومن ثم تأتي الآيات الثلاث التالية توضح بعض أحكام النساء؛ تنفيذا لوعد الله في الإفتاء في شأن النساء.
إذن: فالآية تعرض أن الناس يستفتون في شأن النساء، والآية تبين أن ما أنزله الله، وما ينزله فيه بيان لكل ما له علاقة بهذا الشأن. وقد لخص الله ما أنزل في شأنهن ومن
стр. 1158
هن اللواتي بين أحكامهن في أول السورة، فهل اتضحت هذه الآية وصلة ما بعدها بها، وما محل ذلك كله في سياقها؟ الآيات الثلاث التالية:
وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً النشوز: أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته، وأن يؤذيها بسب أو ضرب. والإعراض أن يقلل محادثتها ومؤانستها بسبب كبر سن أو دمامة، أو سوء في خلق أو خلق، أو ملال، أو طموح عين إلى أخرى، أو غير ذلك. والمعنى أنه إذا توقعت امرأة ما من زوجها نشوزا أو إعراضا لما لاح لها من مخايله وأماراته، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً. أي: فلا إثم عليهما أن يتصالحا، وذلك بأن تطيب له نفسا عن القسمة، أو عن بعضها، أو تهب له بعض المهر أو كله أو النفقة.
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ. أي: من الفرقة والنشوز، أو من الخصومة في كل شئ. أو المعنى كما أن الخصومة شر من الشرور، فإن الصلح خير من الخيور. وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ. أي: جعل الشح حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا، ولا تنفك عنه.
يعني أنها مطبوعة عليه. والمراد هنا أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمها أو بشيء لها.
والرجل لا يكاد يسمح بأن يقسم لها أو بشيء إذا رغب عنها، فكل واحد منهما يطلب ما فيه راحته ومصلحته ومنفعته. ثم رفع الله الهمة إلى الإحسان والتقوى، وفي ذلك
حث على مخالفة الطبع، ومتابعة الشرع فقال: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً. أي: وإن تحسنوا بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن، وأحببتم غيرهن، وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة، وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة، فإن الله عليم بإحسانكم وتقواكم وسيثيبكم عليه.
فوائد:
١ - في سنن سعيد بن منصور عن عروة قال: «أنزل الله في سودة أم المؤمنين ﵂ وأشباهها وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً وذلك أن سودة ﵂ كانت امرأة قد أسنت، ففرقت أن يفارقها رسول الله ﷺ ، وضنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله ﷺ عائشة ومنزلها منه، فوهبت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة فقبل رسول الله ﷺ » وروى الشافعي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ توفي عن تسع نسوة، وكان يقسم لثمان.
٢ - روى ابن أبي حاتم. جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فسأله عن قول الله- عزّ
стр. 1159
وجل- وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً قال علي: يكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها من دمامتها، أو كبرها، أو سوء خلقها، أو قذذها، فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج.
٣ - عند قوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ يروي ابن كثير الحديث الذي رواه أبو داود: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق».
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ تمام العدل أن يسوي بينهن بالقسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال، والمكالمة والمفاكهة والجماع وغيرها، وهذا كله غير مستطاع للإنسان مهما كان حريصا في تحري ذلك، ولذلك فرض الله العدل في النفقة والكسوة والمبيت، ولم يفرض فيما سوى ذلك. وفي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (يعني القلب) فمثل هذا عفا الله عن العدل فيه. وأما ما فرض الله فيه العدل فواجب فقد روى الإمام أحمد وأهل السنن عنه ﷺ «ومن كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط».
فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ المعلقة: هي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة. والمعنى: فلا تجوروا كل الجور على المرغوب عنها فتتركوها كالمعلقة. أي إذا لم يكن العدل المطلق ممكنا، فراعوا ألا تفرطوا في حق المرغوب عنها، لدرجة أن تجعلوها كالمعلقة، بحرمانها قسمها وذلك حرام إلا برضاها، أو بعدم الإقبال عليها في قسمتها وذلك ضار بها. وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً.
أي: وإن أصلحتم في أموركم وقسمتم بالعدل فيما تملكون، واتقيتم الله في جميع الأحوال غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض. أو المعنى: وإن تصلحوا بينهن وتتقوا الجور فيهن يغفر لكم ميل قلوبكم، ويرحمكم فلا يعاقبكم.
وَإِنْ يَتَفَرَّقا.
أي: إن لم يصطلح الزوجان على شئ، وتفرقا بالخلع، أو بتطليقه إياها، وإيفائه مهرها ونفقة عدتها. يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ. أي: يغن الله كل واحد منهما من غناه، أي يرزقه إن شاء زوجا خيرا من زوجته، وعيشا أهنأ من عيشه. وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً واسعا في عطائه، إذ الواسع هو الغني المقتدر، حكيما إذ أذن في الطلاق والتسريح.
стр. 1160
كلمة في السياق:
هذه هي المجموعة الخامسة في هذا المقطع وتبدأ من قوله تعالى وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ ... ومحل هذه المجموعة في السياق من حيث إن هذا المقطع بين الله- فيه أنه أنزل كتابه ليحكم رسوله ﷺ بين الناس بالحق. ومن جوانب العدل والحق ما له علاقة بقضايا النساء. ومن ثم جاء الاستفتاء، وكانت الفتوى، ففي المجموعة بيان للحق والعدل في هذا الشأن ضمن محور التقوى الذي هو محور سورة النساء. ومن ثم تكرر ذكر التقوى في هذه الآيات.
ثم تأتي المجموعة السادسة في هذا المقطع لتذكر بالتقوى، التي هي محور هذه السورة وتذكر بالله- وباليوم الآخر. وهذه هي المجموعة السادسة، وبعدها تأتي آية الختام في هذا المقطع.
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ بعد أن ختم الله- الآية السابقة بالتذكير باسمين من أسمائه، بين غناه وقدرته بذكر أن له ما في السموات وما في الأرض خلقا ورزقا وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ فهذه هي الوصية الدائمة لنا، وللأمم قبلنا أن نتقي الله، كيف لا ونحن عبيده، فالمعنى: أن هذه وصية قديمة ما زال يوصي الله بها، ولستم مخصوصين بها، لأنه بالتقوى وحدها يسعد الإنسان عند الله. وكما أمر من قبلنا بالتقوى، وأمرنا بها، فقد قال لنا ولهم: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً. أي: غنيا عن خلقه، وعن عبادتهم مستحقا لأن يحمد؛ لكثرة نعمه وإن لم يحمده أحد. كيف وهو مالك السموات والأرض
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا وإذا كان ذلك فلا تتكلوا على غيره واتخذوه وحده وكيلا لكم في شئونكم كلها، وتكرير قوله:
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تقرير لما هو موجب تقواه والتوكل عليه، لأن الخلق لما كانوا كلهم له، وهو خالقهم ومالكهم، فحقه أن يكون مطاعا في خلقه غير
معصي؛ متوكلا عليه لا على غيره. وقوله تعالى: وَإِنْ تَكْفُرُوا ... وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا في هذا السياق دليل على أن رأس الأمر التوحيد والتوكل.
ثم خوف الله- عباده فقال: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ. أي: إن يشأ يعذبكم عذاب استئصال أيها الناس ويوجد إنسا آخرين مكانكم، أو خلقا آخرين غير الإنس.
وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً. أي: بليغ القدرة
مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا في عمله،
следующие страницы →