Полный текст (6 440 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
«وأن دور الإنسان في الأرض هو الدور الأول، فهو الذي يغير ويبدل في أشكالها وفي ارتباطاتها، وهو الذي يقود اتجاهاتها ورحلاتها، وليست وسائل الإنتاج ولا توزيع الإنتاج هما اللتان تقودان الإنسان وراءهما ذليلا سلبيا كما تصوره المذاهب المادية التي تحقر من دور الإنسان وتصغر بقدر ما تعظم في دور الآلة وتكبر». عن الظلال.
المقطع الثاني من القسم الأول:
يمتد هذا المقطع من الآية (٣٠) إلى نهاية الآية (٣٩) وهذا هو:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٠ الى ٣٩]
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤)
وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)
стр. 107
١ - كلمة عامة في هذا المقطع وسياقه:
- يقص الله علينا في هذا المقطع قصة آدم ﵇ والحكمة في خلقه وكرامته على الله ، وتمرد الشيطان بسببه وإغواء الشيطان لآدم وزوجه وإهباط الله آدم وزوجه والشيطان إلى الأرض والقاعدة التي قررها لهم حين الإهباط فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
- جاءت قصة آدم بعد قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فبعد أن أخبرنا الله عن تهيئة الأرض لنا، أخبرنا عن قصة خلقنا وما ركبه فينا من استعدادات؛ لاحظ الصلة بين قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وبين: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً لاحظ ذكر الأرض في كل من الآيتين فإذا ما لاحظت الصلة المباشرة بين قصة آدم وبين الآية التي سبقتها فلنحاول أن نرى صلة هذا المقطع بما قبله:
بدأت سورة البقرة بكلام عن المتقين والكافرين ومما ذكرته:
الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لاحظ صلة ذلك
стр. 108
في القاعدة الكلية التي تختم بها قصة آدم: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فبعد أن قرر الله في المقدمة ما قرر، تأتي قصة آدم فكأنها تقول: إن اتباع هداي هو شرطي عليكم من الابتداء، ومن ثم فقصة آدم تعمق قضية الاهتداء بكتاب الله، وتحذر من قضية المخالفة والكفر، وهي في الوقت نفسه تعمق معنى الصراط المستقيم والسير فيه، ومعنى تنكب صراط المغضوب عليهم والضالين الذي ورد في آخر فقرة من الفاتحة.
- رأينا أنه قد جاء بعد مقدمة سورة البقرة مقطع: في بدايته أمر ونهي. الأمر: هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ.
والنهي هو قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
وفي قصة آدم نجد أمرا ونهيا.
الأمر هو اسْجُدُوا لِآدَمَ.
والنهي هو وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ.
وقد حدثت مخالفة للأمر والنهي فكان العقاب، فقصة آدم جاءت لتعمق ضرورة الالتزام بطاعة الأمر واجتناب النهي.
وفي هذا القدر من ذكر الصلة بين قصة آدم وما سبقها من سورة البقرة كفاية وللكلام تتمة فلننتقل إلى ذكر التفسير:
٢ - التفسير:
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (إذ) بإجماع المفسرين متعلقة بفعل أمر تقديره (اذكر) فإن يأمرنا الله بعد ما مر من مقدمة السورة والمقطع الأول بتذكر هذه القصة، فذلك دليل على ارتباط هذه القصة بما قبلها، وورودها ضمن سياق متسلسل يخدم المعاني التي سبقتها كما رأينا، وكما سنرى. والمراد بالخليفة في الآية: آدم وذريته ولم يقل خلائف أو خلفاء لأنه أريد بالخليفة آدم واستغنى بذكره عن ذكر بنيه كما تستغني بذكر أبي القبيلة في قولك مضر وهاشم، وهل هو خليفة عن الله؟ أو خليفة عن الجن؟ أو خليفة عن خلق آخرين؟ أقوال للمفسرين أقواها الأول وليس هناك نص قطعي في الموضوع، والخليفة في اللغة: من خلف فلان فلانا في
стр. 109
أمر إذا قام فيه مقامه بعده. عن ابن مسعود: أن الله قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالوا: ربنا وما يكون ذاك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا. قال ابن جرير: فكان تأويل الآية على هذا:
إني جاعل في الأرض خليفة مني يخلفني في الحكم بالعدل بين خلقي، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه. وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه. قالُوا أي الملائكة أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ. أخبرهم بذلك ليسألوا هذا السؤال فيجابون بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلاف الإنسان قبل كونه، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك يقولون: يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ولا يصدر منا شئ من ذلك وهلا وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى مجيبا لهم عن هذا السؤال إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ: أي إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم، فإني سأجعل فيهم الأنبياء وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء والعاملون والخاشعون والمحبون له ﵎ المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم. وإنما عرفوا أن الخليفة الجديد سيفسد في الأرض ويسفك الدماء إما بإخبار من الله تعالى، أو من جهة اللوح، أو قاسوا ما سيكون على شئ معروف لديهم من قبل، ومعنى: نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ أي ننزهك ونبرئك من كل نقص وعيب متلبسين بالشكر لك، ومعنى: نُقَدِّسُ لَكَ أي ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس.
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ، فَقالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، قالُوا: سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ علم آدم أسماء المسميات كلها، فأراه الأجناس التي خلقها وعلمه أن هذا اسمه فرس، وهذا بعير، وهذا سحاب، وهذه مجرة، وهذه شمس، وهذا نجم، حتى القصعة والمغرفة، ثم عرض المسميات على الملائكة وطالبهم أن يخبروه عن أسمائها إن كانوا صادقين في ما اتجهوا إليه أنه يستخلف مفسدين سفاكين للدماء، وفيه رد عليهم، وبيان أن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ما يستأهلون لأجله
стр. 110
أن يستخلفوا، فما كان جوابهم إلا أن قدسوه ونزهوه أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء، وأن يعلموا شيئا إلا ما علمهم فهو العليم بكل شئ، الحكيم في خلقه، وأمره، وفي تعليمه، وعطائه ما يشاء ومنعه ما يشاء، له الحكمة في ذلك والعدل التام ..
قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أمر آدم أن يخبرهم بأسماء الأشياء كلها، فلما ظهر فضل آدم ﵇ في سرده ما علمه الله تعالى من أسماء الأشياء، ذكرهم بأنه ﷻ يعلم الغيب الظاهر والخفي ويعلم ما يظهرونه في ألسنتهم وما كانوا يخفونه في أنفسهم، وما أظهروه هو قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها .. والذي كانوا يكتمونه هو ما كان منطويا عليه إبليس من الخلاف على الله في أوامره والتكبر عن طاعته ومن المعتاد تعميم الخطاب وإرادة البعض. هذا الذي رجحه ابن جرير.
وبعد أن أرى الله الملائكة مزية آدم، أمرهم بالسجود له وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ هذه كرامة عظيمة من الله لآدم امتن بها على ذريته حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، والجمهور: على أن المأمور به وضع الوجه على الأرض. وكان السجود تحية لآدم ﵇ في الصحيح، إذ لو كان لله تعالى لما امتنع عنه إبليس، وكان سجود التحية جائزا فيما مضى، ثم نسخ بشريعتنا، وإبليس من الجن بالنص وهو قول الحسن وقتادة، ولأنه خلق من نار والملائكة خلقوا من النور، ولأنه أبى وعصى واستكبر، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ولا يستكبرون عن عبادته، ولأن الله قال: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي ولا نسل للملائكة، ودخل إبليس في خطابهم لأنه وإن لم يكن من عنصرهم إلا أنه قد تشبه بهم وتوسم بأفعالهم، قال الحسن: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، وقال شهر بن حوشب: كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء، رواه ابن جرير، وعن سعد بن مسعود قال: كانت الملائكة تقاتل الجن فسبي إبليس وكان صغيرا فكان مع الملائكة يتعبد معها، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا، فأبى إبليس فلذلك قال تعالى إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ (سورة الكهف)، وللمفسرين اتجاهات أخرى في هذا المقام ولا طائل في ذلك، وقد حسد عدو الله إبليس آدم ﵇ على ما أعطاه الله
стр. 111
من الكرامة وقال: أنا ناري وهذا طيني، فامتنع عن السجود كبرا، فكان بدء الذنوب الكبر، فاقتضى ذلك طرده وإبعاده عن جنات الرحمة وحضرة القدس، ومعنى قوله
تعالى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أي: وصار من الكافرين بإبائه واستكباره ورده الأمر.
وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ، وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ يقول الله تعالى إخبارا عما أكرم به آدم بعد أن أمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس أنه أباح له الجنة يسكن منها حيث يشاء ويأكل منها ما شاء رغدا أي هنيئا واسعا طيبا والجنة هي نفسها دار الثواب وقالت المعتزلة:
كانت بستانا في الأرض لأن الجنة لا تكليف فيها ولا خروج عنها والجواب: إنما لا يخرج منها من دخلها جزاء وقد دخل النبي ﷺ إليها ليلة المعراج ثم خرج منها، وأهل الجنة يكلفون المعرفة والتوحيد قال ابن جرير: «نهي آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها ولا علم عندنا أي شجرة كانت على التعيين لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة، وقد قيل كانت شجرة البر، وقيل كانت شجرة العنب، وقيل كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به» اهـ. وقد بين الله لآدم وزوجته أنهما إذا قاربا الشجرة كانا من الظالمين، لأنه لا ظلم للنفس أعظم من معصية الله، ولا ضرر عليها أعظم من ذنبها، فأي ظلم أكبر من أن تتجاوز ما حد الله لك بعد كل ما أعطاك بلا مقابل منك؟
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها أي عن الشجرة أي فحملهما الشيطان على الزلة بسببها، أي فأصدر الشيطان زلتهما عنها، أو عن الجنة بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما. وزلة آدم بالخطإ في التأويل بحمل النهي على التنزيه دون التحريم. وهذا دليل على أنه يجوز إطلاق اسم الزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقال بعضهم: لا يطلق اسم الزلة على أفعالهم كما لا تطلق المعصية، وإنما يقال فعلوا الفاضل وتركوا الأفضل فعاتبهم ربهم وله عتابهم، أما نحن فقد أدبنا الله بأن نتأدب معهم، وذهب بعضهم أن ما فعله آدم كان قبل النبوة، وبالتالي فلا خدش لموضوع العصمة فيما فعله آدم ﵇.
فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ أي من النعيم والكرامة أو من الجنة إن كان الضمير للشجرة في (عنها).
стр. 112
والسؤال: كيف توصل إلى إزلالهما بعد ما قيل له: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ سورة (ص) والجواب: إنه منع من دخولها على جهة التكرمة كدخول الملائكة لا عن دخولها على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء، وبعضهم ذهب إلى أن الوسوسة مستطاعة له على البعد، والرواية الإسرائيلية تذكر الحية كواسطة في الدخول وسنرى قيمة الروايات الإسرائيلية فيما بعد.
وَقُلْنَا: اهْبِطُوا الهبوط النزول والخطاب على رأي بعضهم لآدم وحواء وإبليس وبعضهم قال: الخطاب لآدم وحواء لأن إبليس أمر بالهبوط من قبل، والمراد هما وذريتهما لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ على الوجه الأول فالمراد به عداوة إبليس للإنسان وعلى الوجه الثاني فالمراد به ما عليه الناس من التباغي والتعادي وتضليل بعضهم لبعض وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ المستقر إما موضع الاستقرار أو هو الاستقرار نفسه وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ المتاع: التمتع، والحين: إما يوم القيامة أو الموت
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ أي استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها، أي إن الله ألهمه إياها والكلمات هن: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ، (سورة الأعراف) فَتابَ عَلَيْهِ. أي فرجع عليه بالرحمة والقبول واكتفى بذكر توبة آدم لأن حواء كانت تبعا له. إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
التواب: الكثير القبول للتوبة، والرحيم: الكثير الرحمة.
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً. أي مجتمعين، وكرر الأمر بالهبوط للتأكيد، أو لما نيط به من زيادة قوله تعالى فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً إذ هي القاعدة الكلية التي سيكون عليها مدار فعل الله ﷻ بهم فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً الهدى هنا هو: الرسول أو الكتاب أو الوحي، أو هو: الكتاب أو الوحي بواسطة رسوله فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ الاتباع يكون بالقبول له والإيمان به والعمل. فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي فيما يستقبلونه من أمر الآخرة. وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما فاتهم من أمر الدنيا
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا. أي: جحدوا الهدى وكذبوا أهله مع مجيئهم بالآيات أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ. أي: أهلها ومستحقوها هُمْ فِيها خالِدُونَ. أي: مخلدون فيها لا محيد لهم عنها ولا محيص.
стр. 113
٣ - فوائد
(أ) أخرج الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. أقول: وهو نص في كون آدم لم يتطور عن شئ سبقه، ولنا عودة على هذا الموضوع، وأخرج مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها» وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: «ما أسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس» وقال الحسن: «لبث آدم في الجنة ساعة من نهار، تلك الساعة ثلاثون ومائة سنة من أيام الدنيا» وقال أبو موسى: «إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض علمه صنعة كل شئ، وزوده من ثمار الجنة، فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير».
أخرج الحافظ أبو بكر بن مردويه عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله أرأيت آدم أنبيا كان؟ قال: نعم. أنبيا رسولا يكلمه الله قبيلا» أي: عيانا.
(ب) يلاحظ من قصة آدم وموقف الملائكة من خلقه، كيف أن العلم المحيط تنكشف به من الأسرار والحكم ما لا ينكشف بغيره، وعلم الله أزلي ليس كمثله شئ، ولكن من قصة آدم نأخذ درسا وهو أنه كلما ازداد العلم كان الحكم أصح ففي حياتنا الدنيوية نجد كثيرين ليسوا مرشحين لإصدار أحكام في كثير من القضايا لعدم إحاطتهم بها، ومن ثم فإن أحكامهم تبقى قاصرة وهذا يجعلنا- وخاصة في أمر بناء الأمم واعتماد ما ينبغي اعتماده في شئون الحكم والعامة والخاصة- نتأنى كثيرا فلا نصدر حكما إلا بعد استيعاب شامل للقضية التي بين أيدينا.
(ج) يلاحظ أن الملائكة عند ما سئلوا عما لا يعلمون كان جوابهم سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا وهذا أدب رفيع أن يقول المسئول عن شئ لا يدريه: لا أدري. قال القرطبي: وذكر الهيثم بن جميل قال شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال: في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري» وهو أدب نفيس. فقد اعتاد
стр. 114
الكثيرون أن يهجموا على الحديث في كل شئ دون أن يكون عندهم علم فيه، وإنما هي الظنون أو الأوهام.
(د) يلاحظ من قصة آدم أن استعداد الإنسان للعلم هو سر استخلافه وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها .. وفي عصرنا تبينت لنا آفاق هذا السر كثيرا حيث نرى ما استطاع الإنسان أن يكتشفه من أسرار هذا الكون، ولكن للأسف فإن الإنسان سخر هذا من أجل التدبير لسفك الدماء وإفساد الأرض، وكل ذلك بسبب غياب المسلمين عن حكم هذا العالم بكلمة الله، ولكن أليس من المؤسف أن تكون حصة المسلمين منذ قرون في استكشاف هذا الكون ومعرفة أسراره أقل من غيرهم!؟ وكان هذا من عوامل سيطرة الكافرين، إن على المسلمين أن يعودوا رجال قمة في كل اختصاص كوني.
(هـ) يلاحظ من خلال قصة آدم أن الله أبرز للملائكة مزية آدم ثم أمرهم بالسجود، وكانت المزية هي العلم، وهذا درس كبير في موضوع اختيار القيادات، وهو شئ كنا نراه في حياة رسول الله ﷺ كثيرا، فإنه ﵊ كان يري المزية ثم يؤمر كما فعل مع الوفد الذين أمر عليهم رجلا من أحدثهم سنا وليس من أشرفهم لأنه يحفظ سورة البقرة، إن أهم قضية ينبغي أن تلاحظ في التقديم والتأخير هي العلم في القضية التي من أجلها يكون التقديم والتأخير، وبمناسبة قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها يقول النسفي: أفادتنا الآية أن علم الأسماء فوق التخلي (أي التفرغ) للعبادة فكيف بعلم الشريعة؟!
(و) وفي قصة آدم من العبر الكثير، فمن فهمها وأخذ عبرها استقام أمره، ولذلك أمرنا الله أن نتذكرها فهي قصة البداية التي ينسحب أثرها على الزمان كله، وهي قصة الفطرة، ومن عبرها امتحان الإنسان بالشيطان وامتحان الناس بعضهم ببعض، وهذا يقتضي من الإنسان العاقل أن يحذر لينجح في الامتحان، ولا نجاح إلا بملازمة الأمر ومجانبة النهي، ومن عبرها أن الله عرف الإنسان فيها على طريق الخلاص من الذنب إذا وقع فيه وذلك بالتوبة. قال ابن عباس ذاكرا ما تم بين آدم وربه بعد الخطيئة قال آدم ﵇: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قيل له: بلى. وكتبت علي أن أعمل هذا؟ قيل له: بلى. قال: أرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم».
ومن عبرها أن الكبر بداية الخطأ ولذلك قال ﵊: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» ثم عرف الكبر بأنه «غمط الناس وبطر الحق». ومن
стр. 115
عبرها أن امتحان الله رفيق فقد أعطى آدم الجنة ومنعه القليل، وأباح لنا الكثير النافع، ومنعنا القليل الضار، أباح لنا الطعام وحرم علينا لحم الخنزير والميتة والدم، أباح لنا الشراب وحرم علينا الخمر، فالعاقل من وقف عند الحدود. ومن عبرها أن الشهوات الحسية والمعنوية باب الخطيئة، فإن حرص آدم على الخلود وطاعته لشهوة الطعام كانا سبب الخطيئة، وهذا دأب الإنسان في كل العصور، فهو إما مغلوب بشهوة العز والمجد والرئاسة، وإما مغلوب بشهوة الفرج والبطن، فيسلك في هذا أو ذاك غير طريق الله إلا القليل. نسأل الله أن يجعلنا من أهله وأن يحفظنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
قال فتح الموصلي «كنا قوما من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها».
وقال الشاعر:
يا ناظرا يرنو بعيني راقد ... ومشاهدا للأمر غير مشاهد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درج الجنان ونيل فوز العابد
أنسيت ربك حين أخرج آدما ... منها إلى الدنيا بذنب واحد؟
وقال الرازي: «إن من تصور ما جرى على آدم بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة كان على على وجل شديد من المعاصي».
ويقول صاحب الظلال: «لعلني ألمح أن هذه التجربة كانت تربية لهذا الخليفة وإعدادا، كانت إيقاظا للقوى المذخورة في كيانه، كانت تدريبا له على تلقي الغواية وتذوق العاقبة وتجرع الندامة ومعرفة العدو والالتجاء بعد ذلك إلى الملاذ الأمين، إن قصة الشجرة المحرمة ووسوسة الشيطان باللذة، ونسيان العهد بالمعصية، والصحوة من بعد السكرة والندم وطلب المغفرة إنها هي هي تجربة البشرية المتجددة المكرورة، لقد اقتضت رحمة الله بهذا المخلوق أن يهبط إلى مقر خلافته مزودا بهذه التجربة التي سيتعرض لمثلها طويلا استعدادا للمعركة الدائبة وموعظة وتحذيرا».
(ز) ومن دروس قصة آدم «أن الخطيئة فردية والتوبة فردية في تصور واضح بسيط لا تعقيد فيه ولا غموض، ليست هنالك خطيئة مفروضة على الإنسان قبل مولده- كما تقوله نظرية الكنيسة- وليس هنالك تكفير لاهوتي كالذي تقول به الكنيسة: إن عيسى ﵇ (ابن الله بزعمهم) قام بصلبه تخليصا لبني آدم من خطيئة آدم، كلا،
стр. 116
خطيئة آدم كانت خطيئته الشخصية، والخلاص منها كان بالتوبة المباشرة في يسر وبساطة، وخطيئة كل ولد من أولاده خطيئة كذلك شخصية والطريق مفتوح للتوبة في يسر وبساطة، تصور مريح صريح يحمل كل إنسان وزره، ويوحي إلى كل إنسان بالجهد والمحاولة وعدم اليأس والقنوط» عن الظلال.
٤ - فصول شتى:
فصل في الإسرائيليات:
فيما يتعلق بقصة آدم هناك ثلاثة تأثرات تأثر بها بعض الإسلاميين خلال العصور من الإرث الإسرائيلي، فأدخلوها في كتبهم، سواء كانت هذه الكتب كتب تفسير أو كتب تاريخ.
١ - أن الجنة التي أهبط منها آدم كانت جنة أرضية. ٢ - أن الحية هي التى كانت الواسطة في إدخال إبليس ليوسوس لآدم. ٣ - تاريخ الحياة البشرية وقدر الزمن ما بين آدم وبيننا. وهذا يقتضي منا أن نقف وقفة عند الإسرائيليات بشكل عام:
في تحقيق كتبه موريس بوكاي الفرنسي كجزء من دراسة خرجت تحت عنوان:
«دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة» يذكر كيف أن بحاثة القرن الثامن عشر لاحظوا أن بعض نصوص سفر التكوين- وهو السفر الأول فيما يسمي الآن بالتوراة- تذكر اسم يهوه، وبعضها تسميه بألوهيم، فاستدلوا بذلك على أن سفر التكوين يحتوي نصين جنبا إلى جنب قد أدمج أحدهما بالآخر، ثم إن إيخهورن لاحظ نفس الملاحظة بالنسبة للأسفار الأربعة الأخرى، وأن إيخهورن لم يكتف بذلك بل لاحظ أن أحد المصادر ينقسم إلى قسمين أيضا.
ثم يقول موريس بوكاي:
أما بحاثة القرن التاسع عشر فقد كرسوا جهدهم في البحث عن مصادر أكثر دقة وفي (١٨٥٤) كانت هناك أربعة مصادر مقبولة وتسمى بالأسماء التالية: الوثيقة اليهوية، والوثيقة الألوهيمية وسفر التثنية، والنص الكهنوتي، وقد أفلح الباحثون في إعطائها أعمارا:
١ - تقع الوثيقة اليهوية في القرن التاسع قبل الميلاد وقد حررت في مملكة الجنوب.
٢ - أما الوثيقة الألوهيمية فهي أقرب تاريخيا وقد حررت بإسرائيل.
стр. 117
٣ - وأما سفر التثنية فينتمي إلى القرن الثامن قبل الميلاد في رأي أدموند جاكوب.
وهناك بحاثة آخرون مثل الأب ديفويرون أنه ينتمي إلى عصر جوزياس (أي القرن السابع قبل الميلاد).
٤ - وأما النص الكهنوتي فينتمي إلى عصر النفي أو ما بعد النفي أي القرن السادس قبل الميلاد.
بهذا إذن يمتد تحرير نص أسفار موسى الخمسة على ثلاثة قرون بأقل تقدير، ولكن المشكلة أكثر تعقدا من هذا ففي (١٩٤١) استطاع أ. لودز أن يميز في الوثيقة اليهوية ثلاثة مصادر وفي الوثيقة الألوهيمية أربعة، وفي سفر التثنية ستة، وفي النص الكهنوتي تسعة». وبعد كلام يقول موريس بوكاي:
«وبهذا يتضح تكون كتاب أسفار موسى الخمسة من أقوال موروثة مختلفة جمعها- بشكل يقل أو يزيد حذقا- محررون وضعوا تارة ما جمعوا جنبا إلى جنب، وطورا غيروا من شكل هذه الروايات بهدف إيجاد وحدة مركبة تاركين للعين أمورا غير معقولة، وأخرى متنافرة كان من شأنها أن قادت المحدثين إلى البحث الموضوعي عن المصادر».
والملاحظ أن الرواية الكهنوتية التي كتبت حوالي القرن السادس قبل الميلاد، هي التي فيها تفصيلات عن ذكر بداية الخلق، وعن ذكر تاريخ البشرية، وفيها فكرة أن الله تعب أثناء خلق العالم فاستراح، وهي قضايا يسهل على الباحث إما ردها مباشرة أو ردها من خلال أدنى عرض لمعارف الإنسان الحديثة.
وقد قام موريس بوكاي في كتابه بامتحان قضيتين مما ذكر في هذه الأسفار، وهما قضية خلق العالم وقضية عمر الإنسان على ضوء المعارف الحديثة فلاحظ أن عمر العالم بالنسبة لسفر التكوين كان عام (١٩٧٥) ميلادية هو (٥٧٣٦) سنة قمرية بينما التقدير العلمي لتشكل النظام الشمسي هو أربع مليارات ونصف من السنين. كما لاحظ أن تسلسل ظهور الأشياء لا يتفق مع أي دراسة علمية لظهورها على أرض الواقع.
وتاريخ الإنسان كما يذكره سفر التكوين هو نفس الشئ بالنسبة لتاريخ خلق العالم فهو لا يعدو ستة آلاف سنة قمرية بينما نجد المعطيات العلمية تقول: «يمكن أن نؤكد اليوم وجود أطلال لإنسانية مفكرة وعاملة ويحسب قدمها بوحدات تتكون من عشرات من ألوف السنين».
стр. 118
ويقول موريس بوكاي: «هناك إذن استحالة اتفاق واضحة بين ما يمكن استنتاجه من المعطيات الحسابية لسفر التكوين الخاصة بظهور الإنسان على الأرض، وبين أكثر المعارف تأسسا في عصرنا».
أقول: وقد مر معنا في مقدمة هذا التفسير كيف أن الدراسات الأثرية في ما بين الرافدين، أثبتت أن إحدى الأسر التي حكمت بعض المناطق بعد الطوفان حكمت أربعا وعشرين ألفا من السنين.
وأن كل هذه المعاني تجعلنا حذرين من أن نحمل الإسلام معاني، هي جزء من الإرث الكتابي السابق. إن موريس بوكاي في دراسته التي أشرنا إليها قال الكثير في نقد
العهد القديم والجديد، ولكنه بعد ذلك أكد كثيرا أنه لم يحدث قط أن النص القرآني عارضه أي اكتشاف علمي أو مقولة علمية.
إن علينا أن نكون دقيقين جدا، ونحن ننقل عن أهل الكتاب، أو نقرأ لهم حتى لا نحمل إسلامنا ما لا يحتمله.
إذا اتضح هذا، فإنه بالنسبة لقصة آدم فنحن لا نقبل الرواية الإسرائيلية في خلق الكون أو في عمر الإنسان، لأن ذلك يتنافى مع دراسات علمية صحيحة وقد رفض أهل السنة والجماعة فكرة أن الجنة التي هبط منها آدم أرضية، ولم يذهب إلى ذلك ابتداء إلا بعض المعتزلة، وبالنسبة لموضوع توسل إبليس بالحية للدخول إلى الجنة بعد أن طرد منها من أجل أن يوسوس لآدم، فهذا موضوع لا نطالب بالإيمان به، ولا علينا أن نكفر به ولكن حتى في مثل هذه المواضيع فإن ما يرافق عرض أصلها من تعبيرات وحكايات، يرافقه الكثير من الخطأ وتفوته دقة الأداء النبوي بحيث يعطي صورة مشوهة عن الوحي، وهذا وحده شئ خطير.
فصل في الشيطان:
كتب عن الشيطان ملايين الصفحات خلال العصور، وممن عرض لنظرات الأمم والشعوب في هذا الموضوع (عباس محمود العقاد) في كتابه (إبليس). وهو في الكتاب يجلو الصورة المشرقة لهذا الدين في هذا الشأن، شأن الإسلام في كل شئ، إلا أن لنا ملاحظة على كل هذا النوع من الدراسات التي تسمى دراسات مقارنة، إذ في كثير من الأحيان يخرج الإنسان من مثل هذه الدراسات بانطباع: أن الإسلام هو وجهة
стр. 119
نظر بين وجهات نظر أخرى، وتأثير ذلك على تصورات المسلم وعلى قضية الإيمان سيئ جدا.
إن النص القرآني الذي جعله الله- معجزا، لكي يأخذ الإنسان منه الحكم القطعي في كل شئ، وليكون ميزانا يزن به الخطأ والصواب، لا يصح أن يعرض العرض الذي يوحي وكأنه وجهة نظر رفيعة فقط، هذه ملاحظة ينبغي أن نضعها في حسابنا في أي دراسة مقارنة نفعلها، وأن نستقبل كذلك على ضوئها كل دراسة مقارنة.
في قضية الشيطان كتب الكثير وذهبت البشرية في هذا الشأن مذاهب شتى، وكان للتصورات الخاطئة في هذا الشأن التأثيرات الكثيرة، إما على تفكير الناس أو على طرائق حياتهم، أو على نمو طاقاتهم، أو على تفجيرها، والإسلام لا يتحمل شيئا من ذلك، لأن الإسلام وضع هذا الموضوع في إطاره الحق والصحيح، شأن الإسلام في كل شئ.
ولكن بلا شك فإنه قد حدث خطأ في بعض الحالات، وهو أن بعض الكاتبين خلال العصور ذكروا ما هب ودب في هذه الشئون، كما أن العلماء لم يتابعوا تصحيح الكثير من الأوهام المتضخمة في بعض البيئات حول قضايا الجن والشياطين، مع أن هذا الموضوع غيبي، وكل المواضيع الغيبية لا يصح أن يتلقى المسلم في شأنها إلا عن المعصوم، أو بشكل تقوم فيه حجة شرعية معتبرة. وقد حدث تفريط ما في هذه الشئون، ومن جملة التفريط تفريط له صلة بموضوع الجن والشياطين.
وفي عصرنا حدثت حملات عنيفة على كل ما هو غيبي، واتهمت العقلية التي تؤمن بالغيب حتى ولو كان هذا الغيب هو (الله) ﷻ ، اتهمت هذه العقلية بأنها عقلية غير علمية، بل اتهمت بأنها عقلية غبية .. !! دون تفريق بين العقلية الإسلامية التي لا تؤمن بغيب إلا إذا قام عليه دليل العقل أو دليل الشرع المعصوم من الخطأ، وبين العقلية الغيبية الأخرى التي لا تستند في إيمانها الغيبي على دليل. ولم تكن هذه الحملة مستغربة من أصحابها الماديين الذين لا يؤمنون إلا بالحس، فذلك مرض العصور ولم تخل البشرية من أصحابه منذ القديم، ولكن الغريب أن يتجاوب مع هذه الحملة بعض من تصدروا لتوجيه المسلمين، فحاولوا أن يؤولوا النصوص لصالح المادية، ومن جملة ذلك النصوص التي لها صلة بالجن والشياطين فقالوا: بأن الشيطان رمز على الشر وعلى نوازع الشر عند الإنسان، وإذن فهو ليس ذاتا ذات صفات.
стр. 120
ترى إذا كانت النصوص الواردة في شأن الجن والشياطين تؤول كلها على أنها ليست من باب الحقائق وإنما هي رموز لمعان فأي حقيقة إذن لا تؤول؟ إنه الكفر بالنصوص وليس التأويل لها.
إن الشيطان ذات من الذوات الغيبية نؤمن بوجودها، كما نؤمن بكل غيب أخبرتنا عنه النصوص، وموقفنا منه هو الموقف الذي أمرتنا به النصوص، والقلب المؤمن الحي يميز بين نوعين من الإلقاءات يحسها في قلبه: إلقاء نفسه وهواجسها، وإلقاء الشيطان ووساوسه.
إن المسلم الذي يعلم أن هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يعلم أن ما حدثه عنه القرآن هو الحق، ويحاول دائما أن يبحث عن الفهم الصحيح لكتاب الله ولذلك قواعده التي لا تخطئ.
ولقد حاول بعض الكتاب في عصرنا أن يعطي الشيطان صفة البطولة في مواقفه النضالية ضد آدم، وفي الاعتراض على الله، وذلك من باب قوله تعالى في سورة الأنعام: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ. وحاول بعضهم أن يشكك من خلال: أن موقف إبليس كان بإرادة الله، وذلك من باب التشويش لأن كون الأشياء كلها بإرادة الله لا ينفي اختيار المكلف، ولقد كان إبليس مختارا في موقفه فاستحق العقوبة، وموضوع اختيار المكلفين، وأن ذلك وغيره بإرادة الله، موضوع سيمر بنا فلا نقف عنده هنا، إذ إن خطتنا في هذا التفسير ألا نقف عند كل مقام إلا بالقدر الذي يقتضيه المقام، وموضوع الجن والشياطين سيمر معنا كثيرا فلنقتصر على هذا القدر فيه.
فصل في رفض الداروينية كتعليل لنشأة البشر:
إن نظرية داروين أصبحت منقوضة بأكثر من علم، إن دراسة السائل المغذي للكائن الحي ليست لصالح نظرية داروين، وإن حسابا رياضيا لتعميم الأجناس على ضوء نظرية داروين ليس لصالحها، وإن نظام الوراثة وخصائصها وقوانينها ليس لصالح هذه النظرية، وإن دراسة المستحاثات ليست لصالح هذه النظرية، فالنظرية أصبحت منقوضة من جوانب شتى، وحتى لو لم تكن منقوضة فإن قصارى ما يمكن أن تقدمه مجموعة ملاحظات، وليس شرطا أن يكون لهذه الملاحظات تعليل وحيد.
стр. 121
إن الذين يفرون من الإيمان بالله ومن أنه هو الخالق، يفرون إلى نظرية داروين، ولكن إن استطاعوا أن يوجدوا نظرية تغنيهم في زعمهم عن أن الله هو خالق الحياة، فقوانين الكون تدل على أن الله هو خالق الكون كله، وبالتالي فلا ينفعهم الفرار من خلال نظرية داروين عن أن الله هو الخالق.
إن الله في القرآن يقول: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ فهذا أمر من الله لنا في أن ندرس خلق الكون وخلق الحياة ومن ثم فنحن المسلمين مطالبون بالدراسة المستطاعة، وما توصلنا إليه الدراسة عن خلق الكون أو الحياة فنحن لا نتحرج منه بل نفهم على ضوئه النصوص إن كان من باب الحقائق العلمية.
والله في آية أخرى في نفس السورة (سورة العنكبوت) يقول: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فإن نرى خلقا ثم خلقا، فذلك دليل على قدرة الله، أما أن يفهم فاهم أن ذلك دليل على استغناء الأشياء عن الله، فذلك هو العمى الكامل في البصيرة.
لقد رأى الإنسان في عملية البحث عن مسيرة الحياة هياكل لمخلوقات تشبه إنساننا الحالي، ووجودها أقدم من وجود إنساننا الحالي، فهل هذا وحده كاف للقول بأن إنساننا الحالي قد تطور عن تلك؟ يقول الله : ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ. سورة الكهف.
إن الله- في كتابه المعجز الذي خلق الإنسان يقول لنا: أنتم من ذرية آدم يا بَنِي آدَمَ.* ويقول لنا: إن آدم: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، أبعد هذا الوضوح وضوح في أصل نشأة آدم.
أما إذا كان لا بد من تعليل لوجود هذه الهياكل الشبيهة بالإنسان فهذه مجموعة تعليلات:
في قوله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً أكثر من اتجاه في التفسير: الاتجاه الأقوى أنه خليفة عن الله، ولكن هناك اتجاهات أخرى، فهناك من يقول بأنه خليفة عن خلق آخرين هم الجن.
ذكر ابن كثير عن ابن جرير عن ابن عباس قال: «إن أول من سكن الأرض الجن
стр. 122
فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء وقتل بعضهم بعضا فبعث الله إليهم إبليس فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال».
وهناك اتجاه نقله صاحب السيرة الحلبية عن بعض الصوفية أن أبانا آدم ﵇ ليس هو أول آدم على الأرض بل خلق بشر، ثم أفناهم الله ثم خلق بشر، ثم أفناهم الله وهكذا مرات ومرات ثم خلق الله أبانا آدم، وعلى ذريته تقوم القيامة. فعلى هذا الاتجاه فنحن نخلف بشرا آخرين، وقد يستأنس لذلك بقوله الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ على رأي من قال بأنهم قالوا ذلك لتجربة سابقة يعرفونها.
في الحديث الصحيح «إن الله خلق آدم على صورته» وبعض الشراح قالوا في تفسير هذا الحديث: أي على صورة الإنسان المضروب الذي بسببه قيل الحديث، وعلى هذا الاتجاه فحتما إن آدم وذريته لهم سمت خاص بهم، مع ملاحظة أن هناك نصوصا تذكر: أنه عند ما خلق آدم في الجنة كان طويلا جدا وعلى هذا، فالصورة واحدة، والضخامة مختلفة، وقد ذكر الدكتور حسن زينو المختص بالجيولوجيا في كتابه «التطور والإنسان» كيف أنه عثر على جثة ما يسمى بالإنسان العملاق، وكيف أن بعض الهياكل التي عثر عليها كان ضرس الواحد منهم يعدل ستة أضعاف ضرس إنساننا الحالي، فهو إذن يعدل ستة أضعاف إنساننا الحالي.
إن هذا الاكتشاف وحده يقلب كل التعليلات المادية رأسا على عقب. إن آدم خلق خلقا مباشرا بقدرة الله، أما وجود أنواع من المخلوقات تشبه إنساننا الحالي فلا يعني هذا أن ذلك قد تحدر عنه آدم، وإنما المسألة على الشكل التالي إما أن نعتبر تلك الهياكل هياكل بشر، خلقوا قبلنا ثم انتهوا، وإما أن نعتبرها هياكل لمخلوقات غير بشرية مندثرة.
أما النصوص فقطعية في أن آدم خلق مباشرة بيد الله، وأما العلم فإنه يرفض رفضا قاطعا نظرية داروين، ولتراجع ظاهرة الحياة في كتابنا «الله ﷻ » ثم إن علينا أن نذكر نقطة مهمة جدا وهي أن نصوص الكتاب والسنة لا تحدد تاريخا لوجود آدم ﵊.
فصل في السجود لآدم وبعض دروسه:
- بمناسبة ذكر أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، بحث بعض المفسرين هل الملائكة أفضل من البشر أو العكس؟ ولا خلاف بينهم أن الملائكة أفضل من فساق أهل
стр. 123
الإيمان، فضلا عن الكافرين، فالخلاف فيما سوى ذلك، والذي استقر عليه بعضهم أن رسل البشر أفضل من رسل الملائكة، ورسل الملائكة أفضل من أولياء المسلمين، وأولياء الأمة الإسلامية أفضل من عامة الملائكة بعد الرسل.
- وبمناسبة ذكر السجود لآدم نحب أن نذكر بأن المسلم يسجد لجهة القبلة وهذه فريضة عليه، ولكنه لو سجد لصنم فإنه يكفر، ومن هنا نعلم أن قضية الكفر والإيمان قضية لها ضوابطها ولها أحكامها، والفتوى الصحيحة المبصرة من أهلها، هي التي تعطينا الجواب على كثير من الأمور التي تحتمل كفرا أو إيمانا. وقد اختلط الأمر في
عصرنا كثيرا حتى أصبحت المعلومات من الدين بالضرورة، محل نسيان أو جهل، وهذا يقتضي من العلماء بيانا، والعلماء مختلفون هل يكفر الإنسان وهو على الأرض الإسلامية، إذا أنكر معلوما من الدين بالضرورة، قبل البيان أو بعده؟ هناك اتجاهان للعلماء في ذلك، ولكثرة الجهل في عصرنا، ولكثرة التضليل، فإننا نرجح الكفر إذا أصر المنكر بعد البيان، على أن الأمر يحتاج إلى دقة فقهية ومعرفة صحيحة بالأمور المعلومة من الدين بالضرورة.
فصل في منصب الخلافة وضرورة إحيائه:
بمناسبة قوله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً تحدث القرطبي في تفسيره عن منصب الخلافة في صفحات طويلة مفيدة، فليراجع كلامه، وننقل هنا نبذا من كلامه ثم نعلق تعليقا موجزا على هذا الموضوع:
يقول القرطبي:
- «هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم «حيث كان عن الشريعة أصم».
- في شرائط الإمام وهي أحد عشر:
الأول: أن يكون من صميم قريش ... وقد اختلف في هذا.
الثاني: أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث وهذا متفق عليه.
стр. 124
الثالث: أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور، وحماية البيضة (أي بيضة الإسلام أي عزه وجماعته) وردع الأمة والانتقام من الظالم والأخذ للمظلوم.
الرابع: أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود، ولا فزع في ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار.
الخامس: أن يكون حرا ولا خفاء باشتراط حرية الإمام وإسلامه وهو السادس.
السابع: أن يكون ذكرا سليم الأعضاء وهو الثامن، وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إماما وإن اختلفوا في جواز كونها قاضية فيما يجوز شهادتها فيه.
التاسع والعاشر: أن يكون بالغا عاقلا ولا خلاف في ذلك.
الحادي عشر: أن يكون عدلا لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق».
- «يجوز نصب المفضول مع وجود الفاضل خوف الفتنة وألا يستقيم أمر الأمة» - «الإمام إذا نصب ثم فسق بعد إبرام العقد فقال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم .. وقال آخرون: لا ينخلع إلا بالكفر أو بترك إقامة الصلاة أو الترك إلى دعائها أو شئ من الشريعة». «ويجب عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصا يؤثر في الإمامة» «ولما اتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شئ له أن يعزل نفسه، كذلك الإمام يجب أن يكون مثله».
أقول: إن الناس في أمر إقامة فريضة الخلافة مقصرون، وهم بذلك آثمون، ولا شك أن الأمر في عصرنا معقد ولكن علينا أن نسير في الطريق المؤدي لإقامة الخلافة فمن سار في الطريق رفع الإثم عن نفسه، وفي سلسلتنا في البناء: مباحث لها علاقة بمثل هذا فلتراجع.
فصل في تصحيح أخطاء:
- كثيرا ما يحدث أن يرى بعض المتتبعين للحفريات ظاهرة ما، هي في الأصل حالة شاذة، فيعتبروها أصلا يقيسون عليه، وكثيرا ما يحدث أن بعض الكاتبين ينطلقون بانين على فكرة ما، هي خاطئة في الأصل، فيضعون النظرية، والنظرية كلها
стр. 125
مبنية على أصل فاسد، نجد تطبيقات هذه المعاني في أكثر ما كتبه الكاتبون عن نشأة الإنسان وتاريخه القديم، وعن نشأة اللغات. وقصة آدم تصحح لنا هذه المفاهيم كلها.
فقد عرفنا من خلال الآيات كيف أن إنساننا الحالي كان يعلم، وكان يتكلم من بداية خلقه، فما يقوله بعضهم من كون الإنسان لم يضل إلى لغة الخطاب إلا متأخرا فخطأ، وما يقوله بعضهم: عن فوضى جنسية في الابتداء فخطأ، وما يقوله بعضهم: عن جهل مطبق في التعامل مع الأشياء فخطأ، قد تكون هناك مراحل لاحقة أو ظواهر شاذة، لكن آدم ﵇، نزل إلى الأرض، وهو مزود باللازم الأول للاستخلاف: العلم والبيان.
- ختمت قصة آدم في القاعدة الكلية فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
هؤلاء أهل النار الذين هم أهلها ولكن قد يدخل النار عصاة المؤمنين، فهؤلاء لهم وضع خاص.
أخرج الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ :
«أما أهل النار الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أقواما أصابتهم النار بخطاياهم فأماتتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة».
- يهول بعض الناس عند ما يعلم أن أكثرية البشرية إلى النار، ولا يهوله أن تكفر أكثرية البشرية بالله وتحاربه وتحارب أولياءه وشريعته، إن الله يخلق الشجرة العظيمة ذات الثمر الكثير الطيب، الشجرة كلها للنار في المآل وفي الثمر الخير، إن شجرة البشرية خيرها في ثمارها، وثمارها أهل الإيمان فلا ينبغي أن يغتر أحد بكثرة المفسدين، وكثرة سفاكي الدماء ظلما، وعليه أن يحقق حكمة الله في خلقه بالقيام بعبادته وشكره وذكره واتباع هداه باتباع كتابه.
٥ - كلمة أخيرة في المقطع وسياقه:
لعل القارئ من خلال ما مر قد ارتبطت لديه قصة آدم بالآيات التي قبلها. وأدرك سر طلب الله منا أن نتذكرها بعد ما عرفنا على أصناف الناس، وبعد ما عرفنا على الطريق إليه، فجاءت قصة آدم بعد ذلك لتقول: إنكم إن كنتم من المتقين المهتدين
стр. 126
بكتابي، فإنكم تكونون منسجمين مع القاعدة الكلية التي وضعتها لكم: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، وإن لم تكونوا كذلك تكونوا قد وقعتم فيما تهددكم الله به: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، ومع أننا قلنا ما فيه الكفاية في تبيان الصلة بين قصة آدم وما قبلها فإننا نؤثر أن نزيد الأمر وضوحا بذكر بعض الملاحظات:
١ - جاءنا في المقطع الأول أمر ونهي، وجاءت قصة آدم لتبين لنا عاقبة الأمر والنهي، وتدلنا على الطريق الذي ينبغي أن نسلكه إذا واقعنا المعصية.
٢ - عرفنا في المقطع الأول أن سر الضلال هو نقض العهود، وقطع ما أمر الله به أن يوصل والإفساد في الأرض، وعلمتنا قصة آدم أن الإفساد في الأرض يتنافى مع حكمة خلقنا، كما عرفتنا أن الأسباب الأولى للضلال تكمن في الكبر والحسد والشهوة والحرص.
٣ - عرفنا في المقطع الأول أن الأرض قد خلقت لنا، وعرفنا في المقطع الثاني بعض أسرار استخلافنا في الأرض.
٤ - وفي تذكير الله إيانا بكمال النعمة علينا، إذ خلقنا لنكون خلفاء له في الأرض بإعطائنا كمال الاستعداد للتعلم الذي نستطيع به أن نقوم بمقتضيات الخلافة، تهييج لنا على الطاعة فيما سبق ذكره وإبعاد لنا عن المعاصي التي سبق ذكرها.
٥ - وإذا كانت مقدمة سورة البقرة قد ذكرت متقين وكافرين. فقصة آدم عمقت لدينا قضية التقوى، وأفهمتنا قضية الكفر.
٦ - وكان ذلك كله تعميقا لقضية السير في الصراط المستقيم وتنكب صراط المغضوب عليهم والضالين.
وصلات ذلك كله بما مر من قبل لا تخفى.
فلننتقل إلى المقطع الثالث من مقاطع القسم الأول من أقسام سورة البقرة.
стр. 127
المقطع الثالث من القسم الأول من أقسام سورة البقرة:
يمتد هذا المقطع من الآية (٤٠) إلى نهاية الآية (١٢٣) يبدأ بقوله تعالى:
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ.
وينتهي بقوله تعالى:
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً، وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ.
يأتي هذا المقطع بعد قصة آدم التي انتهت بقوله تعالى:
فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فكأن المقطع الجديد بعد هذه الخاتمة يقص علينا- كنموذج- قصة أمة أنزل عليها هدى وكيف كان موقفها من هذا الهدى، وما هي الدروس التي ينبغي أن تأخذها أمتنا من ذلك.
إن هناك أمة قبلنا قد أنزل عليها هدى، وبعث فيها رسل، وكان مما أنزل عليها كتاب سماوي ثم كتاب آخر، فهي على علم من الله، وقد أخذ عليها عهودا وهي تعرف عن موضوع العهود والهدى والرسل ما لا يعرفه غيرها. فالمفروض أن تستجيب هذه الأمة لهدى الله الأخير ولكتابه الأخير. ولرسوله الخاتم، خاصة وعندهم علم في كتبهم عنه، ولهذا يتوجه الخطاب في السورة إليهم بعد أن خوطب الناس جميعا.
وإذ كانوا أهل الكتاب الأول- وللناس ثقة بعلمهم، وقد يكون موقفهم المتعنت المتكبر من الهدى الجديد سببا في توقف بعض الناس- فقد اقتضى ذلك الكلام عن أخلاقهم ومواقفهم من رسلهم ومن الهدى الذي أنزل عليهم- لكيلا تستغرب مواقفهم المتعنتة الجديدة.
وإذ كان الهدى الجديد فيه معنى انتزاع الإمامة والقدوة من أمة، إلى أمة فإن على
стр. 128
الأمة الجديدة أن تعرف ذلك فتخرج عن أي تبعية لغيرها في غير الحق.
وإذا كانت تلك الأمة لم تقم بحق الهدى الذي أنزل إليها حق القيام، فإن هذا يسجل كدروس لكيلا تقع هذه الأمة فيما وقع فيه غيرها. وإذ كانت تلك الأمة سيكون لها مناقشات ومواقف من أمتنا فإن ذلك يقتضي أن توجه هذه الأمة لتعرف ما ينبغي فعله وقوله في مواجهة هذه المناقشات والمواقف.
ومن خلال ذلك كله يتضح الصراط المستقيم الذي ينبغي أن نسير فيه، ويتضح صراط المغضوب عليهم والضالين لنتنكب السير فيه.
هذا كله بعض ما في هذا المقطع، ولكن العرض كان فيه من صور الإعجاز ما يذهل: لقد دعا المقطع الأول في هذا القسم: الناس جميعا للسير في طريق التقوى بسلوك
طريق العبادة والتوحيد، ولكن إذا كان كل الناس تكفيهم توجيهات سريعة للوصول إلى حقيقة التقوى، فإن أهل الكتاب الأول قد تعقدت أنفسهم، فلا يكفيهم إلا أن يلاحظوا مجموعة توجيهات ليستطيعوا الانسجام والتفاعل والتسليم مع هذا الدين ولهذا الدين، ومن ثم جاء المقطع متوجها بمجموعة أوامر ونواه لبني إسرائيل، ثم أعقبه ما هو بمثابة التعليل لأسباب المطالبة بهذه الأوامر والنواهي، وقد أعطيت هذه الأمة خلال ذلك كل الدروس اللازمة لإيجاد المناعة عندها؛ إن في عدم الوقوع في ما وقع فيه هؤلاء، أو في التحذير من تأثيراتهم السيئة. وخلال ذلك تتعمق كل المعاني التي مرت من قبل.
وهكذا نجد أن المقطع في محله من السورة يحقق مقاصد شتى، وإذ كان كل كلام عنه قبل عرضه أقل مما ينبغي فلنبدأ العرض:
يتألف المقطع من مدخل وفصلين، وكل فصل يتألف من فقرات ولطول المقطع فإننا سنعرض أجزاءه جزءا فجزءا.
مدخل إلى المقطع:
يمتد مدخل المقطع من الآية (٤٠) إلى نهاية الآية (٤٦) وهذا هو:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٠ الى ٤٦]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤)
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦)
стр. 129
التفسير:
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ إسرائيل هو: يعقوب ﵇ وذلك لقب له، وذكر النعمة القيام بشكرها، وطاعة الله مانحها، والنعمة التي أمروا بذكرها هي: ما أنعم الله به على آبائهم من الإنجاء من فرعون وتفجير الحجر وإرسال الرسل، وإنزال الكتب وغير ذلك مما سنراه. وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ الوفاء بالعهد أداؤه تاما، وعهد الله عليهم هو: ما أخذه عليهم مما قص الله علينا في القرآن، والذي في جملته أن يتابعوا رسله وأن ينصروهم، ومحمد ﷺ من الرسل، وقد بشرت به التوراة فعليهم أن يؤمنوا ويتابعوا وينصروا، فإن فعلوا أعطاهم الله ما وعدهم به من تكفير السيئات ودخول الجنات. وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ أي فاخشون ولا تخشوا أحدا سواي أن أنزل بكم ما أنزلت بمن قبلكم من آبائكم من النقمات، ولعذاب الآخرة أكبر ..
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ. يعني به القرآن الذي أنزل علي محمد ﷺ مشتملا على الحق من الله تعالى مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل في أصليهما السماويين قبل التحريف والتبديل. وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ قال ابن عباس: (أي) «ولا تكونوا أول كافر به وعندكم من العلم ما ليس عند غيركم»، وهذا تعريض: بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته، والضمير في (به) يعود إلى القرآن وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا أي لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها فإنها قليلة فانية، فالثمن
стр. 130
القليل هو الدنيا بحذافيرها، فإنها قليلة بجنب رضوان الله، ومن الدنيا الرئاسة والمال والجاه. وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ أي فخافون الخوف الذي يوصلكم إلى فعل الأمر، وترك النهي. قال طلق بن حبيب: «التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله».
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ لبس الحق بالباطل:
خلطه، وكتمان الحق: عدم إظهاره، نهاهم عن الشيئين معا: ألا يلبسوا الحق بالباطل فيموهوه به، وألا يكتموا الحق في حال علمهم أنهم لابسون وكاتمون، لأن ذلك أقبح إذ ربما عذر مرتكب القبيح إذا كان جاهلا قال قتادة: (أي) «لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وأنتم تعلمون أن دين الله هو الإسلام». وقال ابن عباس: «لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم» أقول: وكلام قتادة وابن عباس مما يدخل في النهي، والنهي أعم.
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ أمرهم أن يصلوا صلاة المسلمين، وأن يدفعوا زكاة أموالهم كما يفعل المسلمون، وأن تكون صلاتهم مع المسلمين ليكونوا معهم ومنهم. وقد استدل كثير من العلماء بقوله تعالى وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ على وجوب صلاة الجماعة.
أمرهم فيما مر أن يذكروا نعمته، وأن يوفوا بعهده، وأن يرهبوه، وأن يكونوا أول المؤمنين بالإسلام، وألا يعتاضوا عن الإسلام بالدنيا، وأن يتقوا الله، وألا يخلطوا الحق بالباطل، وألا يكتموا الحق مع علمهم به، وأن يقيموا الصلاة وأن يؤتوا الزكاة، وأن يصلوا مع المسلمين في جماعاتهم، فإن فعلوا هذا كانوا أبرارا على الحقيقة وهم يزعمون أنهم دعاة إلى البر وليس البر إلا هذا، فالبر إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبر صلاة وزكاة ووفاء بالعهد ... كما سنرى في آية البر، ومن ثم فإن الله بعد هذه الأوامر والنواهي خاطبهم موبخا ومعجبا من حالهم:
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ يأمرون الناس بطاعة الله وتقواه والالتزام بكتابه وهداه والوفاء بعهوده، وهذا القرآن هو
كتابه ومحمد رسوله ﷺ فلو كانوا صادقين في الدعوة إلى الله لآمنوا بما أنزل وبمن أنزل عليه والتزموا. ولكنهم كاذبون في دعواهم ودعوتهم ولذلك فإنهم بعيدون عن البر لأن الصادق في الدعوة يوجه الدعوة إلى نفسه أولا، وهؤلاء يوجهون الدعوة إلى
стр. 131
غيرهم وينسون أنفسهم مع أنهم يتلون الكتاب الذي: هو التوراة هنا، وهي تأمرهم بالبر الحقيقي وتعظهم. فصار معنى الآية: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب- وأنتم تأمرون الناس بالبر وهو جماع الخير- أن تنسوا أنفسكم فلا تأتمرون بما تأمرون به الناس، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعرفون ما فيه على من قصر في أوامر الله. أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه؟ أفلا تفطنون إلى ما أنتم صانعون بأنفسكم فتنتبهوا من رقدتكم وتبصروا من عمايتكم؟ ألا عقول لكم توصلكم إلى هذا؟!!
وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له، فإن الأمر بالمعروف واجب على العالم، ولكن الواجب الأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلف عنهم فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب لا يسقط أحدهما بترك الآخر، فالصحيح أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه مع إثمه بالتفريط وقصوره ونقصانه، فالآية إذن تلوم على الجانب الثاني ولا تنكر فعل الأول، ومن ثم قال سعيد بن جبير: «لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شئ ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر» قال مالك:
(وصدق من ذا الذي ليس فيه شئ؟) لكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية لعلمه بها ومخالفته على بصيرة، فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم، ولهذا جاءت الأحاديث والآثار في الوعيد على ذلك:
أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن رسول الله ﷺ «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار، فيقولون يا فلان ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟
فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه» هذه رواية أحمد.
وأخرج الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ : «إن الله يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء». وقد ورد في بعض الآثار: فإنه يغفر للجاهل سبعين مرة حتى يغفر للعالم مرة واحدة ليس من يعلم كمن لا يعلم.
وأخرج الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ «مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار قال: قلت من هؤلاء؟ قالوا خطباء أمتك من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟».
стр. 132
وبعد أن امرهم الله ونهاهم ووبخهم دلهم على شئ إن يفعلوه سهل عليهم تنفيذ كل ما سبق قال تعالى:
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ.
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ على حوائجكم إلى الله، وعلى البلايا والنوائب، وعلى القيام بأمر الله كله، وعلى ما يترتب من القيام بالأوامر السابقة من وفاء بالعهود والجهر بالحق والأمر بالبر والالتزام به، وعلى إقامة ذلك أصلا استعينوا على ذلك كله بالجمع بين الصبر والصلاة. وفسر الصبر هنا بالصوم لقوله ﵇ «الصوم نصف الصبر». ولتسمية شهر رمضان بشهر الصبر. وفسر الصبر بالاسترجاع لقول الله تعالى وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
وفسرت الصلاة في الآية بالدعاء الذي هو المعنى اللغوي للصلاة، وفسرت بالصلاة المعروفة، وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. وَإِنَّها أي الصلاة على القول الراجح أو الاستعانة لَكَبِيرَةٌ أي ثقيلة شاقة. إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ الخشوع هو: الإخبات لله والتطامن، أو هو الخوف والتواضع والخضوع الذي هو اللين والانقياد وقد عرفنا الله من هو الخاشع بقوله:
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ. والظن هنا: اليقين، ولقاء الله: فسر بلقاء جزائه، وفسر برؤيته ومعاينته بلا كيف، وفسر الرجوع: بالعود إليه في الآخرة، وفسر بعود الأمور كلها إلى مشيئته وحكمه. فالخاشع: هو من أيقن بلقاء الجزاء في الآخرة فهذا يعمل على حسب ذلك، وأما من لم يوقن بالجزاء، ولم يرج الثواب فإن التكليف عليه شاق، والصلاة التي هي أولى العبادات تكون عليه مشقة خالصة.
قال ابن كثير: «والظاهر أن الآية وإن كانت خطابا في سياق إنذار بني إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص وإنما هي عامة لهم ولغيرهم» أقول: إنه ما من آية في القرآن إلا وهي موجهة للمؤمنين بشكل من الأشكال لأنهم هم المستفيدون وحدهم من كتاب الله. وعلى هذا فما مر وما يمر لا بد أن نعرف فيه هذه القاعدة كي نأخذ حظنا من كل آية، فإذ يقص الله علينا شيئا حدث لبني إسرائيل فلكي نأخذ منه العبرة فنتجنب أو نستبشر أو نتعظ أو نعمل أو نتوقع أو نتعلم، وهكذا الشأن في كل آية.
стр. 133
وفي تفسير قوله تعالى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ قال ابن جرير:
«العرب قد تسمي اليقين ظنا والشك ظنا، والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصر» وقد استشهد على ذلك ببعض الأبيات
ليخلص إلى أن الظن في الآية معناه اليقين.
وقال مجاهد: «كل ظن في القرآن يقين». وقال: «كل ظن في القرآن فهو علم». ونحن مطالبون بأنواع من الصبر: الصبر على الطاعات والصبر عن المعاصي والصبر على الابتلاءات. وقد عرف سعيد بن جبير الصبر على المصيبة فقال: «الصبر اعتراف العبد لله بما أصيب به فيه واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يرى منه إلا الصبر».
والصلاة الكاملة: هي التي يراعي العبد فيها ما يجب فيها من إخلاص القلب ودفع الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية، ومراعاة الآداب والخشوع واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات والأرض.
أخرج الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان قال: «كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى وفي رواية لغير أحمد: إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. وقال حذيفة: رجعت إلى النبي ﷺ ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة يصلي وكان إذا حزبه أمر صلى». وقال علي ﵁: «لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله ﷺ يصلي ويدعو حتى أصبح». وروى ابن جرير: أن ابن عباس نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع ثم تنحى عن الطريق فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ.
كلمة في هذه الآيات وسياقها:
- في هذا المدخل للمقطع الثالث: خمسة عشر أمرا ونهيا، أو ما له حكم الأمر أو النهي وهي بمجموعها العلاج الكامل للنفسية الكتابية حتى يصلح أمرها على مقتضى دين الله في صيغته النهائية والخاتمة؛ الإسلام المنزل على محمد ﷺ ، فالكتابي لا ينصهر بهذا الدين إلا إذا لاحظ مجموع هذا وبقدر انصهاره بمجموع هذه الأوامر، فإنه يكون أكثر صدقا.
стр. 134
- يلاحظ أن هذه الأوامر والنواهي جاءت في سياق الخطاب لبني إسرائيل، ثم يلاحظ أن بقية المقطع كانت إما في تعليل صدور هذه الأوامر والنواهي، أو في دروس تعطى لهذه الأمة من خلال ذلك بما يعمق ضرورة الالتزام بهذه المعاني جميعا، ثم يلاحظ من خلال دراسة سورة البقرة، أن هذه الأوامر والنواهي أحد اثنين إما شئ قد طولبنا به من قبل، أو شئ سنطالب به فيما بعد:
فمثلا في مقدمة سورة البقرة والمقطعين بعدها عرفنا قضية الإيمان والصلاة والزكاة وعدم نقض الميثاق، ووصل ما أمر الله به أن يوصل. وعدم الإفساد في الأرض وألا نبيع دين الله بشيء من الدنيا، وكل ذلك قد جاء بصيغة الأمر والنهي لبني إسرائيل هنا.
وسنرى فيما يأتي في السورة أمرا لنا بالاستعانة بالصبر والصلاة، وتحذيرا لنا من كتمان شئ مما أنزل الله، وتعريفا لنا على البر، وكان ذلك مما صدرت فيه الأوامر والنواهي لبني إسرائيل، ومن ثم ندرك أن هذا المقطع الذي يتوجه فيه الخطاب لبني إسرائيل هو بمثابة التهييج لنا على تنفيذ ما سبق، وبمثابة التأسيس لما سنطالب به فيما يأتي من السورة.
- كنا قلنا من قبل: إن المقطع الثالث يتألف: من مدخل وفصلين. المدخل وقد رأيناه، والفصل الأول ينتهي في الآية (٧٤). وهو يتألف من فقرتين الفقرة الأولى: لها صلة بقوله تعالى يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ. والفقرة الثانية: لها صلة بقوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ.
والفصل الثاني له صلة بقوله تعالى: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ* وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
وهكذا نجد أن الفصلين اللاحقين للمدخل في هذا المقطع، إنما هما بمثابة تعليل لهذه الأوامر والنواهي التي صدرت لبني إسرائيل مع إعطاء الدروس للأمة الإسلامية خلال ذلك لتعرف أن لها الإمامة بحق، وأن عليها ألا تقع في خطأ السير في طريق المغضوب عليهم والضالين. ولعل القارئ بهذا وبما مر أدرك الصلة بين هذا المقطع وما قبله وما بعده، ولا زال في هذا الموضوع كلام فلننتقل إلى الفقرة الأولى من الفصل الأول من هذا المقطع.
стр. 135
[الفصل الاول]
الفقرة الأولى من الفصل الأول:
تمتد هذه الفقرة من الآية (٤٧) إلى نهاية الآية (٦٢) وهذه هي:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٧ الى ٦٢]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١)
ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)
стр. 136
كلمة في هذه الفقرة:
تقص علينا هذه الفقرة نماذج من نعم الله على بني إسرائيل: من تفضيلهم على عالم زمانهم، ومن إنجائهم من فرعون، ومن إنزال التوراة عليهم، ومن قبول توبتهم من بعد ما عبدوا العجل، ومن إحيائهم بعد ما أماتهم عقوبة لهم، ومن تظليل الغمام على آبائهم وإنزال المن والسلوى، ومن فتح بعض البلدان عليهم، ومن سقيهم ماء بشكل معجز، ومن إباحة لما طلبوه مما اشتهته أنفسهم. ولكن هذا التذكير بالنعم يأتي في طيه تذكير بمواقفهم الخائنة مع وجود هذه النعم. بل تستقر الفقرة على ذكر العقوبات الكبرى من ضرب الذلة والمسكنة عليهم، ورجوعهم بغضب الله، إلا من كان منهم مؤمنا يعمل الصالحات، وذلك للإشعار بأنه لا أحد له دالة على الله إذا خالف. وذلك درس لنا أيتها الأمة وتوطئة لما سيأتي بعد من دروس أخرى؛ من خلالها يتعمق في نفوس هذه الأمة: أنه لا ينبغي أن يكون في قلوب أبنائها شعور بأي نوع من أنواع الأستاذية لليهود عليها فضلا عن غيرهم. نلحظ هذا من قوله تعالى: وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ.
وكان ﷻ في الفاتحة علمنا أن ندعوه: ... غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.
لقد كان بعض الذين لهم احتكاك ببعض الأديان السابقة، يرون لأهل هذه الأديان ميزة يظهر ذلك من بعض التعبيرات التي وردت على ألسنة بعض الأنصار رضوان الله عليهم، ويظهر ذلك في أن قريشا في بعض الأحوال سألت بعض أهل الكتاب عن رسول الله ﷺ ويظهر ذلك في أن خديجة نفسها ﵂ استفسرت عما حدث لرسول الله ﷺ في الغار بأن سألت ورقة بن نوفل، وإذ جاء الإسلام تقريرا للحق وتصحيحا لكل التصورات والمعتقدات الفاسدة ومن جملتها معتقدات وتصورات أهل الكتاب، فلا بد من أن يحرر المسلمون من مشاعر التبعية للآخرين، ولا بد أن يربوا على الأستاذية للآخرين، ومن ثم فإن هذا المقطع يخدم في جملة ما يخدم في هذا الشأن، وهذه الفقرة تضع أساسا في ذلك.
تفسير الفقرة:
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ يتجه الخطاب مرة ثانية إلى بني إسرائيل بذكر النعم التي أنعمها على آبائهم وأسلافهم. وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ: أي فضلهم على سائر الأمم من أهل زمانهم بإرسال الرسل منهم وإنزال
стр. 137
الكتب عليهم. قال أبو العالية في تفسيرها: «بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالما» أقول: هذا فهم بعض أهل التفسير لظاهر التفضيل، والقرآن قد أطلق التفضيل ومن ثم فقد يكون التفضيل لهم على غيرهم مع اشتراك غيرهم معهم في مثل ما ذكر من الأسباب. وتفضيلهم على العالمين من أعظم نعمه عليهم، ولكنه خص بالأمر بالتذكر، بعد الأمر بتذكر النعم، لأهمية ذلك، فالعقلية اليهودية منطبع فيها أن اليهود شعب الله المختار مهما فعلوا ومهما أساءوا ومهما أفسدوا، وأن هذه صفة أبدية لهم مهما كفروا ومهما عصوا، ولذلك فإنه يذكر بهذه النعمة ابتداء بين يدي تعداد النعم الذي في طياته التأنيب على الانحراف، ليستقر ذلك على العقوبة الأبدية لهم إن لم يراجعوا أنفسهم في الولوج في حمى الأمة المرحومة أبدا، إن ذكر ذلك على انفراد كما قلنا له أهميته الخاصة.
وبعد هذا التذكير المجمل بالنعم وبالتفضيل يتجه الخطاب إليهم بالتذكير بالآخرة .. وَاتَّقُوا يَوْماً. أي: يوم القيامة الذي من صفاته: لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً. أي: لا يغني أحد عن أحد، فلا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة شيئا من الحقوق التي لزمتها وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ الضمير في (منها) يرجع إلى النفس المؤمنة أي لا تقبل منها شفاعة للكافرة فهو كقوله تعالى في سورة المدثر: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ، فهذا أبلغ رد على اليهود الذين يزعمون أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وعلى النصارى الذين يزعمون أن عيسى يحمل عنهم خطاياهم، وعلى أمثالهم، ممن كفر بعد إيمان. وتشبث المعتزلة بالآية في نفي الشفاعة للعصاة من المؤمنين مردود بالنصوص كما سنرى لأن المنفي شفاعة الكفار وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ: أي لا يقبل منها فداء، فالعدل هنا الفدية والبدل وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ أي لا أحد يعينهم ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، قال ابن جرير: «يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر كما لا يشفع لهم شافع ولا يقبل منهم عدل ولا فدية، بطلت هنالك المحاباة، واضمحلت الرشا والشفاعات، وارتفع من القوم التناصر والتعاون وصار الحكم إلى الجبار، العدل الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها. أقول: وفي تذكيرهم باليوم الآخر وبعض قوانينه الصارمة بعد أمرهم بتذكر النعم وتفضيلهم إشعار لهم أنهم مكلفون ومحاسبون، وأن ذلك يقتضي منهم شكرا لا بطرا، وطاعة لا معصية، قياما بحق الله لا فرارا منه. وهذا يدلنا على أن السياق ... سياق تذكير وتأنيب ودعوة، وهي في النهاية إعطاء دروس لهذه الأمة، ألا تقع فيما وقعت فيه
أمم أخرى.
وللأسف فإن الكثيرين من أبناء أمتنا واقعون فيما وقع فيه اليهود في سيرهم الطويل كما
стр. 138
سنرى،
ثم بعد الأمر بتذكر النعم وتذكر التفضيل وبعد الأمر بتوقي عذاب اليوم الآخر تتجه الفقرة إلى تذكيرهم بنعم الله الكبرى عليهم واحدة فواحدة، وكل نعمة تذكر، يصدر التذكير بها بقوله تعالى وَإِذْ فيكون التقدير: واذكروا إذ، فحيثما وردت إِذْ فيما يأتي فإنها أمر بتذكر نعمة. ومن ثم فما بقي من الفقرة فهو أمر بتذكر النعم تفصيلا بعد الأمر بتذكرها إجمالا والملاحظ أن بعض النعم التي ذكروا بها كانت من نوع قبول التوبة بعد انحراف خطير يذكر، وأن بعضها ذكر وذكر ما رافقه من انحراف، فكان ذلك كله تمهيدا لاستحقاقهم العقوبة الأبدية لهم وهي:
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ: والتي لا مخرج لهم منها إلا بمتابعة محمد ﷺ ، وفي ذلك كله دروس لهذه الأمة تحذرها من أن تفعل ما فعلوا:
١ - وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ.
يقول تعالى: اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ خلصتكم وأنقذتكم من أيدي فرعون وقومه، وقد كانوا يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب بذبح الأبناء وإبقاء البنات للخدمة، وفي ذلك تعريض العرض للفتنة وفي ذلك محنة عظيمة لكم فتذكروا الخلاص منها. (والآل) بمعنى: الأهل، وخص استعماله بأولي الخطر، كالملوك وأشباههم، وفرعون علم على من ملك مصر قديما ككسرى لملك الفرس، وسامه بمعنى: أولاه. وسوء العذاب: أشده وأفظعه. والبلاء: يطلق على النعمة والنقمة على حسب تقدير اشتقاقه، وهاهنا يصلح للوجهين فإن أشير به إلى صنع فرعون كان المراد به المحنة، وإن أشير به إلى الإنجاء كان نعمة، وجمهور المفسرين على أن البلاء هنا المراد به المحنة.
٢ - وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أمروا بتذكر هذه النعم استقلالا، مع أنها جزء من نعمة الخروج من مصر، لما في كل منها من نعمة عظيمة، يذكرهم تعالى كيف أنه بعد أن أنقذهم من آل فرعون وخرجوا مع موسى خرج فرعون في طلبهم ففرق الله بهم البحر فخلصهم منهم وحجز بينهم وبينه وأغرقه مع من معه وبنو إسرائيل ينظرون، ليكون ذلك أشفى لصدورهم وأبلغ لإهانة عدوهم. ومعنى فَرَقْنا فصلنا بين بعض وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم
стр. 139
وقد بقي يوم الإنجاء مشهورا عند بني إسرائيل يعظمونه. فقد روى البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد عن ابن عباس قال: «قدم رسول الله ﷺ المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء فقال: ما هذا اليوم الذي تصومون؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله- فيه بني إسرائيل من عدوهم؛ فصامه موسى ﵇ فقال رسول الله ﷺ : أنا أحق بموسى منكم فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصومه.
٣ - وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ* ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
يذكرهم تعالى قائلا: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه، وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون وإنجائهم من البحر.
والضمير في مِنْ بَعْدِهِ يعود على موسى والتقدير من بعد ذهابه إلى الطور إذ اتخذوا العجل إلها وعبدوه. فههنا ذكرهم بنعمة العفو عنهم على فظاعة الجرم الذي ارتكبوه وهم حديثو عهد بالخروج ومعجزاته.
٤ - وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. الكتاب: التوراة والفرقان: ما يفرق بين الحق والباطل، وهو هنا: إما الآيات التي أعطيها موسى كالعصا واليد، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام؛ فهذه نعمة رابعة أنعمها عليهم أنه أنزل عليهم كتابا ليهتدوا بهديه.
٥ - وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ، فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ، فَتابَ عَلَيْكُمْ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
في هذه الآية توبة الله على بني إسرائيل من عبادة العجل، فلم تقبل التوبة إلا بأن قتل بعضهم بعضا، ومع شدة هذا فإن الله يمن عليهم أن تاب عليهم وقبل توبتهم، والبارئ هو: الخالق الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت، والتواب هو: المفضال بقبول التوبة مرة بعد مرة ولو كثرت الذنوب واسم الرحيم في هذا السياق يشير إلى معنى: أن رحمته من السعة بحيث يعفو عن الذنب وإن عظم إذا تاب صاحبه، وأي ذنب أعظم من الشرك؟
وأي ظلم للنفس أكبر من هذا الظلم الذي وقع فيه بنو إسرائيل؟ إذ تركوا بعد المعرفة عبادة العليم الحكيم الذي برأهم إلى عبادة البقر الذي يضرب به المثل في الغباوة
стр. 140
والبلادة، فاستحقوا هذا العقاب الذي نزل بهم. وقتل النفس الذي أمروا به يحتمل معاني من جملتها وهو الأرجح أن يقتل من لم يعبد العجل من عبده وأن يستسلم الآخر، أو أن يقتل كل منهم من لقيه من أهل وولد وغير ذلك. ولا شك أن تنفيذ هذا الأمر من بني إسرائيل منقبة لهم تظهر فيه حكمة الله في تفضيلهم على عالم زمانهم. وقد قال الله في الآية: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ أي: إن التوبة والقتل خير من الإصرار على المعصية عند الله. وفي هذه الآية دروس منها: أن الذنب لا يمر بلا عقوبة مهما كان فاعلوه إلا إذا شاء الله أن يعفو. وفي ذلك تذكير لليهود بأن يخففوا من دعاواهم مع الله وأمام خلقه. ومن الدروس في الآية أن المؤمن لا يبالي في ذات الله أن يقتل أهله أو قومه أو تقتل نفسه، ومن الدروس في الآية درس للجاهلين بالله الذين يتصورون أن كل ما يجري من معصية لله في هذه الأرض، لا يجوز معه لأهل الله أن يتحركوا إلا
في حدود الكلمة، وإذا فكروا في شئ آخر فكأنهم أخلوا بقوانين السماء والأرض، إن هؤلاء جهلة بالله وجهلة بالإسلام.
٦ - وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ* ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يأمرهم الله في هذه الآيات أن يتذكروا مجموعة نعم: بعثهم بعد إماتتهم، وتظليلهم بالغمام مع إنزال المن والسلوى، ولكنه تذكير يرافقه تذكير آخر بظلمهم وتعنتهم:
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً: أي عيانا ومعاينة فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ الصاعقة هاهنا: إما صوت سمعوه فصعقوا وماتوا وإما نار أحرقتهم.
ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ البعث: هو الإحياء بعد الإماتة، وأصل كلمة البعث في اللغة: الإثارة وفي قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ دليل على أن السياق لا زال يصب في موضوع التذكير بالنعم.
والفارق بين سؤال موسى ربه أن يراه وسؤالهم الرؤية: أن موسى سأل الرؤية مع الإيمان شوقا لله، وهؤلاء سألوا تعنتا وكفرا، إذ علقوا الإيمان بموسى بعد ظهور معجزاته حتى يروا ربهم جهرة، والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم، ولا يجوز اقتراح الآيات عليهم، وسؤالهم لم يكن سؤال استرشاد بل سؤال تعنت وعناد فعوقبوا على ذلك بالصعق والموت. فدل ذلك على عظم الجرم، وما أكثر من يطلب
стр. 141
هذا الطلب من أهل عصرنا مع زيادة وقاحة، فبنوا إسرائيل طلبوا الرؤية وعلقوا عليها الإيمان، وإن من أبناء عصرنا من كتب طالبا الرؤية من أجل أن يؤذي الله في زعمه. ألا ما أجهل الكافر وأغباه وما أحمقه وأضله وما أعظم حلم ربنا!؟ ولكن ما أعده الله لأعدائه في الدنيا والآخرة كثير. وهل الذين طلبوا الرؤية هم الجميع، أو هم السبعون الوارد ذكرهم في سورة الأعراف؟ قولان للمفسرين وسنقف في سورة الأعراف وقفات طويلة مستعرضين الروايات اليهودية مع النقد فإلى هناك. وقد ناقشنا موضوع تعليق الإيمان بالله على رؤيته وسماعه في كتابنا «الله ﷻ » وقد اتضح لنا من خلال ما مر هنا وما مر من قبل في قصة بني إسرائيل أو في قصة آدم كيف أن معصية الله لا تمر بدون عقوبة للفرد أو للجماعة أو للأمة فما أكثر غفلة الناس.
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ: أي جعلنا الغمام يظلكم، وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس: وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى اختلفت عبارات المفسرين في المن ما هو وسننقل في سورة الأعراف ما تذكره الروايات الإسرائيلية.
قال ابن كثير ملخصا عبارات المفسرين في شرح المن قال: «فمنهم من فسره بالطعام ومنهم من فسره بالشراب، والظاهر والله أعلم أنه كل ما من الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ليس لهم فيه عمل ولا كد. فالمن: المشهور إن أكل وحده كان طعاما وحلاوة، وإن مزج مع الماء صار شرابا طيبا، وإن ركب مع غيره صار نوعا آخر». وهناك حديث صحيح رواه البخاري يستأنس به هنا وهو: «الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين» وأما السلوى: فالمشهور الذي يكاد يكون عليه إجماع المفسرين أنها طير، وفسر بأنه السمانى وهو طير أكبر من العصفور، وقال بعضهم غير ذلك. ووجد من قال بأن السلوى هي العسل. كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
قال ابن كثير: «أي أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا .. فخالفوا وكفروا، فظلموا أنفسهم هذا مع ما شاهدوه من الآيات والمعجزات القاطعات وخوارق العادات».
قال ابن كثير تعليقا على هذه الآية:
«من هاهنا نتبين فضيلة أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم مع ما كانوا معه في أسفاره وغزواته منها عام تبوك في
стр. 142
ذلك القيظ والحر الشديد والجهد لم يسألوا خرق عادة ولا إيجاد أمر مع أن ذلك كان سهلا على النبي ﷺ ، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم فجاء قدر مبرك الشاة فدعا الله فيه وأمرهم فملئوا كل وعاء معهم، وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى فجاءتهم سحابة فأمطرتهم فشربوا وسقوا الإبل وملئوا أسقيتهم ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر فهذا هو الأكمل».
٧ - وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ.
هذه نعمة أخرى يأمرهم الله بتذكرها وهي الفتح بعد التيه، ويأمرهم أن يشكروه على نعمة الفتح والرخاء بأنواع من الطاعة، وهم العطاش إلى الفتح والاستقرار بعد تشرد طويل، وهم المحتاجون إلى العيش الرغد بعد تيه طويل، ومع ذلك لم يقابلوا ذلك بما ينبغي.
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ الظاهر أن هذا القول لهم بعد ما خرجوا من التيه بعد وفاة موسى ﵊ في عهد يوشع بن نون خليفة موسى على قومه والقرية إما بيت المقدس أو أريحا، فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً أي هنيئا واسعا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً الباب باب القرية أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها، وسجدا جمع ساجد أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله تعالى وتواضعا له، وهل المراد بالسجود هنا الركوع أو الخضوع، أو السجود الحقيقي؟ أقوال للمفسرين والظاهر أنه السجود الحقيقي. وَقُولُوا حِطَّةٌ أمروا أن يجمعوا مع الفعل القول فيطلبوا من الله أن يحط عنهم ذنوبهم فالحطة: مشتقة من الحط وهو هنا إما طلب حط الذنوب، أو أن
مسألتنا وأمرنا حطة أي تواضع لجلال الله، أو أمر الله حطة بمعنى: أنه موضوع علينا. نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ: الخطايا جمع خطيئة وهي الذنب، وعدوا (على الطاعة في القول والفعل) غفران الذنب للمذنب والزيادة في الثواب للمحسن، فكيف كان موقفهم من الأمرين:
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار، فخالفوه إلى قول ليس معناه ما أمروا به، قيل: قالوا بدل حطة: حنطة، وأمروا بالسجود حال الدخول، فبدلوا بأن دخلوا زاحفين على أستاههم. فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً أي عذابا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ الفسوق هو
стр. 143
الخروج عن طاعة الله. وقد كرر تعبير الَّذِينَ ظَلَمُوا في الآية الأخيرة مرتين زيادة في تقبيح أمرهم وإيذانا بإنزال الرجز عليهم لظلمهم.
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدا وقولوا: حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقالوا حبة في شعرة» أقول: وهذا نص في التبديل الذي فعلوه فلا محل لكلام آخر.
وأما ما هو الرجز الذي نزل بهم فللمفسرين أقوال وليس هناك من نص خاص في هذا الموضوع. قال الضحاك: عن ابن عباس «كل شئ في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب». وقال أبو العالية: الرجز الغضب وأخرج ابن جرير بسنده عن أسامة بن زيد عن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا الوجع والسقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم». وأخرج النسائي عن رسول الله ﷺ : «الطاعون رجز عذاب عذب به من كان قبلكم». لكن هذين النصين ليسا في الحادثة التي نحن فيها عينا، ولكن بعض المفسرين استأنس بهما ففسر الرجز هنا بالطاعون وبالبرد، والله أعلم.
وفي الآيتين إشعار بأن النعمة ينبغي أن يقابلها شكر، والشكر قول وعمل، وفيهما إشعار أن الأمر بالقول والفعل ينبغي أن يكون تنفيذه حرفيا لا تبديل ولا تغيير، وأن المعصية لا تمر بلا عقوبة، والملاحظ أن السياق كلما تقدم يوضح لنا طبيعة جديدة من طبائع يهود، ليكون ذلك تأسيسا لفهم مواقفهم من الدعوة الجديدة، ولتعتبر هذه الأمة فلا تقع فيما وقع به غيرها، والطبيعة الجديدة لليهود التي عرفناها في هاتين الآيتين هي التحريف في التنفيذ. ثم يأمرهم الله بأن يتذكروا نعمة أخرى:
٨ - وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى ﵊ حين استسقاني لكم، وتيسيري لكم الماء وإخراجه لكم من حجر يحمل معكم، وتفجيري الماء لكم من اثنتي عشرة عينا لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها، فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعي منكم ولا كد واعبدوا الذي سخر لكم ذلك ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها.
والاستسقاء: طلب السقيا من الله والألف واللام في الحجر، هل هي للعهد أو
стр. 144
للجنس؟ قولان للمفسرين فإن كانت للعهد فذلك إشارة إلى حجر معلوم، وإن كانت للجنس فذلك إشارة إلى أي حجر، والانفجار هو: السيلان بكثرة وكانت اثنتا عشرة عينا على عدد أسباط بني إسرائيل، وقد عرف كل سبط- أي فروع ابن من أبناء يعقوب- عينهم التي يشربون منها فأصبح أكلهم في التيه المن والسلوى وشربهم من العيون والكل من رزق الله، والعيث أشد الفساد. ومعنى قوله تعالى وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي ولا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم، وبهذه الآية تمت صورة ما أعطي بنو إسرائيل في التيه لطعامهم وشرابهم ليكون ذلك تأسيسا للآية بعدها، التي تعرفنا على طبيعة جديدة لليهود هي الطبيعة المتطلعة لغير ما أعطيت، الطبيعة التي تتطلع إلى الدنئ الممنوع رغم ما بيدها من الخير الرفيع، وقد نهتهم هذه الآية عن الفساد ولم تذكر لنا شيئا عن فسادهم ولكن الآية اللاحقة تؤكد إفسادهم في الأرض كما سنرى.
٩ - وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ.
الطعام الواحد هو المن والسلوى، وإنما قالوا: على طعام واحد وهما طعامان لأنهم أرادوا بالواحد ما لا يتبدل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها يقال: لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا، والبقول: ما أنبتته الأرض من الخضار، والمراد به في النص أطايب البقول، والقثاء معروفة وهي والخيار صنف واحد، والفوم هو الحنطة على لغة قريش، أو الحمص على لغة الشام، أو الثوم، وقد قرأ به ابن مسعود، أو هو كل ما يختبز.
والأدنى: هو الأقرب منزلة والأدون مقدارا، والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار، والخير في الآية هو الأرفع والأجل، ومصرا في الآية منكرة أي: أي مصر من الأمصار يوجد فيه ما سألتم، والذلة الهوان، والمسكنة: الاستكانة فاليهود أذلاء وأهل مسكنة من طبيعتهم التصاغر والتفاقر ومعنى «باءوا بغضب من الله» أي صاروا أحقاء بغضبه- أو حقوا على رأي الكسائي وباء معناها رجع.
يقول تعالى في الآية: واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى طعاما
стр. 145
طيبا هنيئا نافعا سهلا، واذكروا ضجركم مما رزقناكم، وسؤالكم استبدال ذلك بالأطعمة الدنيئة من البقول ونحوها. فكان جواب موسى: أن هذا الذي سألتم ليس بأمر
عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه، هذا الذي ذكره المفسرون. ولكني ألمح مع التأنيب الإباحة، أخذا من السياق الذي يعدد النعم فكأنهم مع نزولهم عن المقام الأعلى أبيح لهم أن يحصلوا على مثل هذه الأشياء بالنزول إلى الأمصار المجاورة لهم في رحلة التيه، وبهذا يكون قد انتهى تعداد النعم ثم بعد ذلك يذكر الله ما عوقبوا به بعد موسى بكثير.
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ. ثم علل ﷻ لهذه العقوبة: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ. فالكفر بالآيات وقتل الأنبياء والعصيان والاعتداء، هي سبب استحقاقهم للذلة والمسكنة والغضب من الله بعد سير تاريخي طويل، وبعد إنعام كثير وبعد تفضيل الله إياهم على عالم زمانهم.
إنها عقوبة تأتي بعد فترة من المرحلة التي قص الله علينا من أنباء الإنعام عليهم، ولكنه ﷻ وهو يقص علينا من أنبائهم في المرحلة الأولى، هيأ أذهاننا لنصل إلى هذه النتيجة من خلال ما رأيناه من تعنتهم في الطلب وتحريفهم للأمر، وظلمهم واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، وذلك كله في العصر الأول، إن بذور الأخلاق الفاسدة الكبرى التي أدت إلى عقوبتهم النهائية كانت موجودة عند بعضهم حتى في العصر الأول عصر موسى ويوشع. ﵉.
ثم تأتي آية أخيرة في الفقرة:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
من المعلوم أن الأمة كلها لا تقع في المعصية بل يبقى أفراد ملتزمون مطيعون وهم لما يفعله الآخرون كارهون ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئا، هؤلاء ما محلهم في أمتهم؟ ما حظهم من العقوبة الدنيوية والأخروية؟ مع أنهم يقومون بحق الله، إن هذه الآية تأتي لتقرر أن فضل الله سابغ على أمثال هؤلاء في كل أمة من الأمم، فهم بمنجاة من العقوبة الدنيوية والعقوبة الأخروية والذين هادوا هم: اليهود، والنصارى هم من
следующие страницы →