← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

هذا الطلب من أهل عصرنا مع زيادة وقاحة، فبنوا إسرائيل طلبوا الرؤية وعلقوا عليها الإيمان، وإن من أبناء عصرنا من كتب طالبا الرؤية من أجل أن يؤذي الله في زعمه. ألا ما أجهل الكافر وأغباه وما أحمقه وأضله وما أعظم حلم ربنا!؟ ولكن ما أعده الله لأعدائه في الدنيا والآخرة كثير. وهل الذين طلبوا الرؤية هم الجميع، أو هم السبعون الوارد ذكرهم في سورة الأعراف؟ قولان للمفسرين وسنقف في سورة الأعراف وقفات طويلة مستعرضين الروايات اليهودية مع النقد فإلى هناك. وقد ناقشنا موضوع تعليق الإيمان بالله على رؤيته وسماعه في كتابنا «الله ﷻ » وقد اتضح لنا من خلال ما مر هنا وما مر من قبل في قصة بني إسرائيل أو في قصة آدم كيف أن معصية الله لا تمر بدون عقوبة للفرد أو للجماعة أو للأمة فما أكثر غفلة الناس. وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ: أي جعلنا الغمام يظلكم، وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس: وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى اختلفت عبارات المفسرين في المن ما هو وسننقل في سورة الأعراف ما تذكره الروايات الإسرائيلية. قال ابن كثير ملخصا عبارات المفسرين في شرح المن قال: «فمنهم من فسره بالطعام ومنهم من فسره بالشراب، والظاهر والله أعلم أنه كل ما من الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ليس لهم فيه عمل ولا كد. فالمن: المشهور إن أكل وحده كان طعاما وحلاوة، وإن مزج مع الماء صار شرابا طيبا، وإن ركب مع غيره صار نوعا آخر». وهناك حديث صحيح رواه البخاري يستأنس به هنا وهو: «الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين» وأما السلوى: فالمشهور الذي يكاد يكون عليه إجماع المفسرين أنها طير، وفسر بأنه السمانى وهو طير أكبر من العصفور، وقال بعضهم غير ذلك. ووجد من قال بأن السلوى هي العسل. كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. قال ابن كثير: «أي أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا .. فخالفوا وكفروا، فظلموا أنفسهم هذا مع ما شاهدوه من الآيات والمعجزات القاطعات وخوارق العادات». قال ابن كثير تعليقا على هذه الآية: «من هاهنا نتبين فضيلة أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم مع ما كانوا معه في أسفاره وغزواته منها عام تبوك في

стр. 142

ذلك القيظ والحر الشديد والجهد لم يسألوا خرق عادة ولا إيجاد أمر مع أن ذلك كان سهلا على النبي ﷺ ، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم فجاء قدر مبرك الشاة فدعا الله فيه وأمرهم فملئوا كل وعاء معهم، وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى فجاءتهم سحابة فأمطرتهم فشربوا وسقوا الإبل وملئوا أسقيتهم ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر فهذا هو الأكمل». ٧ - وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. هذه نعمة أخرى يأمرهم الله بتذكرها وهي الفتح بعد التيه، ويأمرهم أن يشكروه على نعمة الفتح والرخاء بأنواع من الطاعة، وهم العطاش إلى الفتح والاستقرار بعد تشرد طويل، وهم المحتاجون إلى العيش الرغد بعد تيه طويل، ومع ذلك لم يقابلوا ذلك بما ينبغي. وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ الظاهر أن هذا القول لهم بعد ما خرجوا من التيه بعد وفاة موسى ﵊ في عهد يوشع بن نون خليفة موسى على قومه والقرية إما بيت المقدس أو أريحا، فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً أي هنيئا واسعا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً الباب باب القرية أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها، وسجدا جمع ساجد أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله تعالى وتواضعا له، وهل المراد بالسجود هنا الركوع أو الخضوع، أو السجود الحقيقي؟ أقوال للمفسرين والظاهر أنه السجود الحقيقي. وَقُولُوا حِطَّةٌ أمروا أن يجمعوا مع الفعل القول فيطلبوا من الله أن يحط عنهم ذنوبهم فالحطة: مشتقة من الحط وهو هنا إما طلب حط الذنوب، أو أن مسألتنا وأمرنا حطة أي تواضع لجلال الله، أو أمر الله حطة بمعنى: أنه موضوع علينا. نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ: الخطايا جمع خطيئة وهي الذنب، وعدوا (على الطاعة في القول والفعل) غفران الذنب للمذنب والزيادة في الثواب للمحسن، فكيف كان موقفهم من الأمرين: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار، فخالفوه إلى قول ليس معناه ما أمروا به، قيل: قالوا بدل حطة: حنطة، وأمروا بالسجود حال الدخول، فبدلوا بأن دخلوا زاحفين على أستاههم. فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً أي عذابا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ الفسوق هو

стр. 143

الخروج عن طاعة الله. وقد كرر تعبير الَّذِينَ ظَلَمُوا في الآية الأخيرة مرتين زيادة في تقبيح أمرهم وإيذانا بإنزال الرجز عليهم لظلمهم. أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدا وقولوا: حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقالوا حبة في شعرة» أقول: وهذا نص في التبديل الذي فعلوه فلا محل لكلام آخر. وأما ما هو الرجز الذي نزل بهم فللمفسرين أقوال وليس هناك من نص خاص في هذا الموضوع. قال الضحاك: عن ابن عباس «كل شئ في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب». وقال أبو العالية: الرجز الغضب وأخرج ابن جرير بسنده عن أسامة بن زيد عن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا الوجع والسقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم». وأخرج النسائي عن رسول الله ﷺ : «الطاعون رجز عذاب عذب به من كان قبلكم». لكن هذين النصين ليسا في الحادثة التي نحن فيها عينا، ولكن بعض المفسرين استأنس بهما ففسر الرجز هنا بالطاعون وبالبرد، والله أعلم. وفي الآيتين إشعار بأن النعمة ينبغي أن يقابلها شكر، والشكر قول وعمل، وفيهما إشعار أن الأمر بالقول والفعل ينبغي أن يكون تنفيذه حرفيا لا تبديل ولا تغيير، وأن المعصية لا تمر بلا عقوبة، والملاحظ أن السياق كلما تقدم يوضح لنا طبيعة جديدة من طبائع يهود، ليكون ذلك تأسيسا لفهم مواقفهم من الدعوة الجديدة، ولتعتبر هذه الأمة فلا تقع فيما وقع به غيرها، والطبيعة الجديدة لليهود التي عرفناها في هاتين الآيتين هي التحريف في التنفيذ. ثم يأمرهم الله بأن يتذكروا نعمة أخرى: ٨ - وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى ﵊ حين استسقاني لكم، وتيسيري لكم الماء وإخراجه لكم من حجر يحمل معكم، وتفجيري الماء لكم من اثنتي عشرة عينا لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها، فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعي منكم ولا كد واعبدوا الذي سخر لكم ذلك ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها. والاستسقاء: طلب السقيا من الله والألف واللام في الحجر، هل هي للعهد أو

стр. 144

للجنس؟ قولان للمفسرين فإن كانت للعهد فذلك إشارة إلى حجر معلوم، وإن كانت للجنس فذلك إشارة إلى أي حجر، والانفجار هو: السيلان بكثرة وكانت اثنتا عشرة عينا على عدد أسباط بني إسرائيل، وقد عرف كل سبط- أي فروع ابن من أبناء يعقوب- عينهم التي يشربون منها فأصبح أكلهم في التيه المن والسلوى وشربهم من العيون والكل من رزق الله، والعيث أشد الفساد. ومعنى قوله تعالى وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي ولا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم، وبهذه الآية تمت صورة ما أعطي بنو إسرائيل في التيه لطعامهم وشرابهم ليكون ذلك تأسيسا للآية بعدها، التي تعرفنا على طبيعة جديدة لليهود هي الطبيعة المتطلعة لغير ما أعطيت، الطبيعة التي تتطلع إلى الدنئ الممنوع رغم ما بيدها من الخير الرفيع، وقد نهتهم هذه الآية عن الفساد ولم تذكر لنا شيئا عن فسادهم ولكن الآية اللاحقة تؤكد إفسادهم في الأرض كما سنرى. ٩ - وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ. الطعام الواحد هو المن والسلوى، وإنما قالوا: على طعام واحد وهما طعامان لأنهم أرادوا بالواحد ما لا يتبدل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها يقال: لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا، والبقول: ما أنبتته الأرض من الخضار، والمراد به في النص أطايب البقول، والقثاء معروفة وهي والخيار صنف واحد، والفوم هو الحنطة على لغة قريش، أو الحمص على لغة الشام، أو الثوم، وقد قرأ به ابن مسعود، أو هو كل ما يختبز. والأدنى: هو الأقرب منزلة والأدون مقدارا، والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار، والخير في الآية هو الأرفع والأجل، ومصرا في الآية منكرة أي: أي مصر من الأمصار يوجد فيه ما سألتم، والذلة الهوان، والمسكنة: الاستكانة فاليهود أذلاء وأهل مسكنة من طبيعتهم التصاغر والتفاقر ومعنى «باءوا بغضب من الله» أي صاروا أحقاء بغضبه- أو حقوا على رأي الكسائي وباء معناها رجع. يقول تعالى في الآية: واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى طعاما

стр. 145

طيبا هنيئا نافعا سهلا، واذكروا ضجركم مما رزقناكم، وسؤالكم استبدال ذلك بالأطعمة الدنيئة من البقول ونحوها. فكان جواب موسى: أن هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه، هذا الذي ذكره المفسرون. ولكني ألمح مع التأنيب الإباحة، أخذا من السياق الذي يعدد النعم فكأنهم مع نزولهم عن المقام الأعلى أبيح لهم أن يحصلوا على مثل هذه الأشياء بالنزول إلى الأمصار المجاورة لهم في رحلة التيه، وبهذا يكون قد انتهى تعداد النعم ثم بعد ذلك يذكر الله ما عوقبوا به بعد موسى بكثير. وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ. ثم علل ﷻ لهذه العقوبة: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ. فالكفر بالآيات وقتل الأنبياء والعصيان والاعتداء، هي سبب استحقاقهم للذلة والمسكنة والغضب من الله بعد سير تاريخي طويل، وبعد إنعام كثير وبعد تفضيل الله إياهم على عالم زمانهم. إنها عقوبة تأتي بعد فترة من المرحلة التي قص الله علينا من أنباء الإنعام عليهم، ولكنه ﷻ وهو يقص علينا من أنبائهم في المرحلة الأولى، هيأ أذهاننا لنصل إلى هذه النتيجة من خلال ما رأيناه من تعنتهم في الطلب وتحريفهم للأمر، وظلمهم واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، وذلك كله في العصر الأول، إن بذور الأخلاق الفاسدة الكبرى التي أدت إلى عقوبتهم النهائية كانت موجودة عند بعضهم حتى في العصر الأول عصر موسى ويوشع. ﵉. ثم تأتي آية أخيرة في الفقرة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. من المعلوم أن الأمة كلها لا تقع في المعصية بل يبقى أفراد ملتزمون مطيعون وهم لما يفعله الآخرون كارهون ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئا، هؤلاء ما محلهم في أمتهم؟ ما حظهم من العقوبة الدنيوية والأخروية؟ مع أنهم يقومون بحق الله، إن هذه الآية تأتي لتقرر أن فضل الله سابغ على أمثال هؤلاء في كل أمة من الأمم، فهم بمنجاة من العقوبة الدنيوية والعقوبة الأخروية والذين هادوا هم: اليهود، والنصارى هم من

стр. 146

نصروا المسيح وللمفسرين في الصابئين اتجاهان، الاتجاه الأول: أنهم قوم بأعيانهم تجد بقاياهم الآن في العراق يعبدون النجوم والملائكة، والاتجاه الثاني: أنهم كل من فارق الباطل إلى الله ولا يعرف ما هو الدين الصحيح، وذهب بعض العلماء أنهم الذين لم تبلغهم دعوة نبي ولم يدخلوا في عبادة غير الله. ويجب أن يكون واضحا أن المقصود بهؤلاء من المذكورين إنما هم المؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا حقيقيا والعاملون بدين الله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً. وحتى لا يقع لبس نقول: إنه لم يعد الآن نجاة لا ليهودي ولا لنصراني ولا لصابئي ولا لمجوسي ولا لغير ذلك إلا بالإيمان بمحمد ﷺ إلا إذا لم تبلغه الدعوة، وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار». وعلى هذا فاليهود المعنيون في الآية: هم من كانوا قبل عيسى ممن لم يشاركوا في المعصية واستمروا على الإيمان، أما اليهودي الذي لم يؤمن بعيسى بعد بعثته فإنه هالك، والمراد بالنصارى، النصارى الذين كانوا قبل محمد ﷺ ممن استمروا على الإيمان الصحيح والعمل الصالح ولم ينحرفوا بانحراف الناس، أما بعد محمد ﷺ فكل نصراني هالك إذا لم يدخل في الإسلام. وكذلك الصابئون فإنهم ناجون حتى بعثة محمد ﷺ بحكم مفارقتهم قومهم إذا أريد بهم هذا المعنى، أما بعد البعثة فكل من لم يؤمن هالك. وصدرت الآية بالكلام عن الذين آمنوا، والمراد بهم أمة محمد ﷺ مع أنهم الآخرون وجودا، لأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضين والغيوب الآتية فكان الإيمان علما عليهم. إن أهل الإيمان والعمل الصالح لهم السعادة الأبدية ولا خوف عليهم فيما يستقبلون ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه. وبهذا انتهت الفقرة الأولى من الفصل الأول من المقطع الثالث. كلمة في هذه الفقرة وسياقها: - دلنا على نهاية هذه الفقرة أنها ختمت بمثل القاعدة التي ختمت بها قصة آدم. ودلنا على ذلك أيضا: أن الفقرة كلها كانت في التذكير بالنعم، ثم ختمت بقاعدة، ثم

стр. 147

تأتي فقرة أخرى تذكر بالميثاق وبشيء آخر، وإذن ففي القرآن علامات للمتأملين على بدايات ونهايات الفقرات والمقاطع والأقسام وذلك سيتضح معنا شيئا فشيئا. - يلاحظ أن هذه الفقرة ختمت بقوله تعالى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ لاحظ التشابه بين نهاية هذه الفقرة ونهاية قصة آدم: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من أن المقطع الذي جاء بعد قصة آدم كان نموذجا لأمة أنزل عليها وحي، وما هو موقفها من هذا الوحي، لتأخذ هذه الأمة دروس ذلك. - بدأ هذا المقطع بأوامر ونواه موجهة لبني إسرائيل: وكان الأمر الأول يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وجاءت هذه الفقرة في التذكير بالنعم الجلى عليهم. وكان الأمر الثاني والثالث: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ. وستأتي الفقرة الثانية في التذكير بالعهد والتذكير بالخشية: ولذلك تبدأ الفقرة الثانية بقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ .. وتنتهي بقوله تعالى وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. فالصلة واضحة بين مدخل المقطع وبين الفصل الأول من المقطع في فقرتيه فلننتقل إلى الفقرة الثانية من الفصل الأول. الفقرة الثانية من الفصل الأول من المقطع الثالث: تمتد هذه الفقرة من الآية (٦٣) إلى نهاية الآية (٧٤) وهذه هي:

стр. 148

[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٣ الى ٧٤] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)

стр. 149

كلمة عامة في هذه الفقرة: تتحدث الفقرة في جولتها الأولى عن الميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل، وماذا فعلوا فيه، وتتحدث في جولتها الثانية عما عوقب به المخالفون لأمر الله في البست، وتتحدث في الجولة الثالثة عن حادثة كشف القاتل، ثم تنتهي الفقرة بآية تتحدث عما أصيبت به قلوب بني إسرائيل من قسوة زادت على قسوة الحجارة وهي في جولتيها الثانية والثالثة تبرز من مظاهر الجلال الإلهي ما يستجيش أعظم مظاهر الرهبة من الله ﷻ . التفسير وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ بقبول ما في التوراة وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ قال ابن عباس: إنهم لما امتنعوا عن الطاعة رفع عليهم الجبل ليسمعوا خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ. أي: خذوا التوراة بجد واجتهاد وعزيمة، وذلك بالعلم والعمل وَاذْكُرُوا ما فِيهِ. أي: بحفظه ودراسته وتذكره وعدم نسيانه والغفلة عنه لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أي رجاء أن تكونوا من المتقين الناجين عند الله ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ. أي: ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به، أي إنهم بعد ذلك الميثاق المؤكد العظيم انثنوا عنه ونقضوه فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بتأخير العذاب عنكم أو بتوفيق الله إياكم للتوبة عليكم وإرسال النبيين والمرسلين إليكم لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ. أي: الهالكين بنقضكم ذلك الميثاق في العذاب بالدنيا والآخرة وَلَقَدْ

стр. 150

عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ هم أهل (إيلة) إيلات اليوم أي العقبة، وعلمتم هنا بمعنى عرفتم والاعتداء في السبت مجاوزة ما حد لهم فيه، وذلك أنهم جاوزوا ما حد لهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد فَقُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ. أي: كونوا جامعين بين القردية والخسوء وهو الصغار والطرد. فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها النكال العبرة المانعة لِما بَيْنَ يَدَيْها. أي: من بحضرتها من القرى الذين يبلغهم خبرها وما حل بها وَما خَلْفَها. أي: لمن يأتي بعدها بالخبر المتواتر عنهم وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ. أي: وزاجرا وعبرة لكل تقي سمع خبرها، يدخل في ذلك من نهوهم ويدخل في ذلك المتقون خلال العصور ومنهم هذه الأمة، والضمير في قوله تعالى فَجَعَلْناها يعود إلى القرية. وتأتي القصة مفصلة في سورة الأعراف وسنرى هناك كيف احتالوا للصيد يوم السبت بما ظاهره أنهم لم يفعلوا شيئا يقول رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناد جيد مخاطبا أمتنا «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل». وقد بين لنا ما مر من هذه الفقرة خلقان جديدان من أخلاق اليهود وطبائعهم: ١ - إعراضهم عن الوحي المنزل إليهم مع كثرة المؤكدات وقوة الدواعي للإقبال. ٢ - تحيلهم على التخلص من الأوامر والنواهي بمراعاتها ظاهرا ومخالفتها باطنا والواجب المراعاة الظاهرة والباطنة. ثم يتجه السياق لتبيان طبيعة أخرى من طبائع اليهود هي الطبيعة الجدلية ليتم في نهاية الفقرة تحديد معالم الطبيعة اليهودية لتخاطب هذه الأمة على ضوء ذلك فتأخذ الدرس الأول في طريقة التعامل مع هذه الطبيعة في الفصل الثاني من المقطع: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً أي أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو الهزء نفسه قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ العياذ واللواذ بمعنى واحد، والجهل والسفه هنا بمعنى واحد، وقد استعاذ موسى من الجهل لأن الهزء في مثل هذا من باب الجهل والسفه وفيه تأنيب لهم إذ لم يعرفوا مقام الرسول وأنه لا يليق به ما نسبوه إليه قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ هذا سؤال عن حالها وصفتها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ أي لا مسنة ولا فتية وإنما هي نصف بين الفارض والبكر وسميت المسنة فارضا لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ أي افعلوا ما أمرتم

стр. 151

به، وفي ذلك إشعار لهم في أن البيان كاف وعليهم أن ينفذوا قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها؟ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه يقال في التوكيد أصفر فاقع. والسرور: لذة في القلب تكون عند حصول نفع أو توقعه وهاهنا وصفت البقرة بأنها تسر الناظرين لحسنها، فرؤية الحسن من لذات القلب قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ هذا تكرار للسؤال عن حالها وصفتها واستكشاف زائد ليزدادوا بيانا لوصفها إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا أي: أن البقر العوان والأصفر كثير فاشتبه علينا، هذا تعليل لطلبهم مزيد بيان وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ أي إلى البقرة المراد ذبحها أو إلى ما خفي علينا من أمر القاتل أخرج ابن أبي حاتم عن رسول الله ﷺ قال: «لولا أن بني إسرائيل قالوا: وإنا إن شاء الله لمهتدون لما أعطوا ولكن استثنوا»، قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها لا ذلول أي لم تذلل للكراب وإثارة الأرض وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ أي ليست من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحروث مُسَلَّمَةٌ أي عن العيوب وآثار العمل لا شِيَةَ فِيها أي لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة فهي صفراء كلها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ أي بالحق البين، أي بحقيقة وصف البقرة بحيث لم يبق إشكال في أمرها فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ أي حصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها وما كادوا يفعلون ذلك، إما لغلاء ثمنها أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل والآن تأتي بداية القصة. قال المفسرون أول القصة مؤخر في التلاوة وهو قوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً .. وذلك لأن السياق يقص قصة بني إسرائيل هاهنا تعديدا لوجود الجنايات منهم وتقريعا لهم عليها، وهاتان القصتان وإن كانتا متصلتين فتستقل كل واحدة منهما بنوع من التقريع، فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك، والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية العظيمة، وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولذهب المراد في تثنية التقريع. وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً خوطبت الجماعة لوجود القتيل فيهم وهذا يشعر بمسئولية الجماعة كلها عما يقع فيها. فَادَّارَأْتُمْ فِيها. أي: فاختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضا أي يدفع، أو المعنى فتدافعتم بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض فيدفع المطروح عليه الطارح، أو لأن الطرح في نفسه دفع. وَاللَّهُ

стр. 152

مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. أي: مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتوما فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها. أي: اضربوا القتيل ببعض البقرة المذكورة في الجزء الأول من القصة، وهذا الضمير هو الذي ربط بين جزئي القصة فضربوه فحيي فأخبر عن قاتله كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى. أي: كهذا الإحياء يحيي الله الموتى يوم القيامة؟ وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. أي: يريكم دلائله على أنه قادر على كل شئ فتعملون على قضية عقولكم وهي أن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء جميعها لعدم الاختصاص، ثم عقب الله- على ما مر بقوله: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ. أي: من بعد إحياء القتيل أو من بعد كل الآيات المارة، ووصف القلوب بالقسوة بيان عنها أنها لم تعد تقبل موعظة ولا اعتبارا، واستعمال حرف العطف (ثم) الذي يدل على التعقيب المتراخي يشير إلى أن المفروض أن لا تقسو قلوبهم بعد ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها كإحياء القتيل وغير ذلك من الآيات المارة. فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً. أي: فهي في قسوتها كالحجارة وأشد قسوة، أو أن بعضها كالحجارة قسوة وبعضها أشد قسوة من الحجارة أي أن منهم من هو هكذا ومنهم من هو هكذا. وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ هذا بيان لزيادة قسوة قلوبهم على الحجارة، يعني أن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير، ومنها ما ينشق انشقاقا بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضا، وقلوبهم لا تندى ولا تنبض بقطرة خير، ومن الحجارة ما يتردى من أعلى الجبل من خشية الله وقلوبهم لا تخشى. وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ هذا تهديد ووعيد وفيه إشارة إلى أن قسوة القلب ينتج عنها أعمال سيئة وأن الله لا يغفل عن عمل. فوائد: ١ - قالوا في خشية الحجارة وترديها، إنه مجاز في انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به. وقالوا المراد بها الحقيقة: على معنى أنه يخلق فيها الحياة والتمييز وليس شرط خلق الحياة والتمييز في الجسم أن يكون على بنية مخصوصة عند أهل السنة، وعلى هذا قوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ .. (سورة الحشر) ومنه قوله ﵇ في الحديث الصحيح عن أحد: «هذا جبل يحبنا ونحبه» ومنه حنين الجذع المتواتر، ومنه ما في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن».

стр. 153

٢ - قال ابن كثير: والله تعالى قد ذكر في هذه السورة مما خلقه من إحياء الموتى في خمسة مواضع ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم ﵇ والطيور الأربعة، ونبه تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأجسام بعد صيرورتها رميما كما قال أبو داود الطيالسي .. عن أبي رزين العقيلي قال، «قلت يا رسول الله: كيف يحيي الله الموتى؟ قال أما مررت بواد ممحل ثم مررت به خضرا قال بلى قال: كذلك النشور أو قال كذلك يحيي الله الموتى». ٣ - قال ابن جريج قال رسول الله ﷺ : «إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا شدد الله عليهم، وأيم الله لو لم يستثنوا «أي لو لم يقولوا إن شاء الله» لما بينت لهم آخر الأبد». ومن ثم فعلينا أن نترك التشديد في الأمور، وأن نسارع إلى امتثال الأوامر وترك النواهي من غير تفتيش وكثرة سؤال. ٤ - قال بعض العلماء: إنما أمروا بذبح البقرة دون غيرها لأنها أفضل قرابينهم، ولعبادتهم العجل. ٥ - قال المسيب بن رافع: ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله وتصديق ذلك في كلام الله وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. ٦ - نقل المفسرون أقوالا كثيرة في تحديد العضو الذي ضرب به القتيل. وقال ابن كثير تعليقا: هذا البعض أي شئ كان من أعضاء هذه البقرة فالمعجزة حاصلة به وخرق العادة به كائن، وقد كان معينا في نفس الأمر فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى، ولكن أبهمه ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه فنحن نبهمه كما أبهمه الله. ٧ - اختلف علماء العربية في معنى (أو) في قوله تعالى: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً بعد الإجماع على استحالة كونها للشك، فقال بعضهم: (أو) هاهنا بمعنى الواو، وقال آخرون: (أو) هاهنا بمعنى بل، وقال آخرون: المراد بذلك الإبهام على المخاطب، وقال بعضهم: معنى ذلك فقلوبكم لا تخرج عن أحد هذين المثلين إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها في القسوة، وهذا الذي رجحه ابن جرير.

стр. 154

٨ - أخرج ابن مردويه والترمذي عن رسول الله ﷺ قال: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي». وأخرج البزار عن أنس عن رسول الله ﷺ : «أربع من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا». وبعد: فإننا نحب خلال عرض المقطع ألا نكثر من الفوائد وألا نعقد فصولا حتى لا يكون ذلك على حساب وضوح السياق، فلنؤخر من ذلك إلى نهاية المقطع ما لا يضر تأخيره. كلمة في السياق: - انتهينا حتى الآن من عرض مدخل المقطع الثالث ومن عرض الفقرتين الأولى والثانية منه واللتين تشكلان الفصل الأول منه، وقد رأينا أن الفصل قد ارتبط بالآية الأولى من المدخل وهي قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ فجاء الفصل مذكرا بالنعم، مذكرا بالميثاق، مذكرا بالخشية من الله. ونلاحظ أن الفصل الثاني يبدأ بخطاب أمتنا أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ... ومن مطلع الفصل الثاني ومما مر معنا من قبل ندرك أن ما اتجهنا إليه في التقسيم إلى فقرات ومقاطع له أدلته التي تدلنا فيها المعاني على ذلك، وواضح كذلك من بداية الفصل اللاحق أنه مرتبط بالآية التالية في المدخل على الآية التي فصل فيها الفصل الأول: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ .... - قلنا أثناء الكلام عن مدخل المقطع: إن مجموعة هذه الأوامر والنواهي هي العلاج الكامل للطبيعة اليهودية. ورأينا من خلال الفصل الأول دليل ذلك، ويكفي أن نشير إلى الآية التي ختم بها الفصل ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ .. لندرك أنه لا دواء إلا قوله تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وسيتضح لنا من خلال الفصل الثاني أن ما اتجهنا إليه كان صحيحا في هذا الشأن، وبهذه المناسبة نقول: إن أمتنا نفسها بعد سير طويل قد تعقدت نفسيات الكثير من أبنائها حتى إنه لم يعد يصلحهم إلا أن ينفذوا مجموعة هذه الأوامر والنواهي بسير جاد لترجع نفوسهم إلى صفائها وهذا يقتضي من المربين أن يلحظوا ذلك عمليا إذا ما واتاهم مسلم يريد العودة الكاملة إلى الله، كما أن على الوعاظ أن يركزوا عمليا على مجموعة هذه القضايا، وألا يقتصروا على واحد منها كطريقة بعضهم إذ يكتفون بتذكير المسلمين بماضيهم فقط.

стр. 155

- ورد معنا في هذا الفصل قوله تعالى: فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وفي ذلك ما يذكرنا بقوله تعالى في بداية سورة البقرة: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فالمقطع يعمق فيما يعمق التقوى والالتزام بها، ويعمق قضية الالتزام بالأمر وترك النهي، وذلك تعميق للالتزام بالأمر والنهي اللذين بدأ بهما القسم كله، يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ .. فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً ... وقد مر معنا في المقطع الأول من القسم الأول قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ .... وقد رأينا في هذا الفصل نموذج ذلك، والصورة الكلية للوحدة الشاملة في السورة ستتكامل معنا شيئا فشيئا فلننتقل إلى الفصل الثاني في المقطع الثالث . الفصل الثاني في المقطع الثالث: هذا الفصل يبدأ بقوله تعالى مخاطبا هذه الأمة: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ .... وينتهي بقوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ... ثم تأتي خاتمة المقطع. فالفصل كله في قضية الإيمان. إن مدخل المقطع قد دعا اليهود إلى الإيمان: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ* وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. والملاحظ أن الفصل كله في هذا. ولا نلاحظ أن المقطع تحدث عما له صلة فيما بعد ذلك من آيات المدخل وذلك- والله أعلم- لأن تنفيذ الأوامر وترك النواهي اللاحقة متوقف على قضية الإيمان، فإذا دخلوا فيها أصبح الخطاب متوجها لهم بتلك القضايا مع المؤمنين، وإذا لم يدخلوا في الإيمان فلا فائدة في بحثها معهم، غير أنه من مجئ تعريف البر فيما بعد، ندرك أن نقاشا له صلة بالمعاني المذكورة في هذا المقطع لا زال مفتوحا مع بني إسرائيل فالصلات في السورة بعيدة الأغوار.

стр. 156

- يمتد هذا الفصل من الآية (٧٦) إلى نهاية الآية (١٢١) حيث تأتي خاتمة المقطع وهو يتألف من أربع فقرات، بعضها طويل وبعضها أقصر، وكلها كما قلنا تعالج قضية إيمان بني إسرائيل ونؤثر أن يكون الكلام منصبا على العرض والسياق، حتى ننتهي من عرض الفقرات ثم بعد ذلك نذكر بعض الفوائد ونعقد بعض الفصول فلنبدأ عرض الفقرة الأولى من الفصل الثاني: الفقرة الأولى: تمتد هذه الفقرة من الآية (٧٥) إلى نهاية الآية (٨٢) وهذه هي: [سورة البقرة (٢): الآيات ٧٥ الى ٨٢] أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢)

стр. 157

كلمة في هذه الفقرة وسياقها: - تبين لنا هذه الفقرة علة رئيسية من علل عدم إيمان اليهود وهي عقليتهم التحريفية المنافقة، وأن هذا يرافقه أماني جاهلة عند العامة وكذب على الله عند العلماء، كما تبين لنا علة جرأتهم على كل شئ، وهي تصورهم أنهم سيعذبون أياما معدودة ثم يكون مآلهم الجنة، وقد ناقشت الفقرة هذا كله. - يلاحظ أن قصة آدم ختمت بالقاعدة: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. وأن الفقرة الأولى من الفصل الأول من هذا المقطع ختمت بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. وأن هذه الفقرة وهي الأولى في الفصل الثاني ختمت بقوله تعالى: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وكما أنه بعد الفقرة الأولى من الفصل الأول جاء قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ فإنه بعد هذه الفقرة الأولى من الفصل الثاني يأتي قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ .. أن هذا كله يؤكد أن تقسيما ما موجود في سور هذا القرآن للمتتبع، كما أن مجئ هذه الخاتمة لهذه الفقرة هنا تدلنا على صحة ما ذكرناه من قبل، من أن قصة بني إسرائيل بعد قصة آدم إنما تخدم في ذكر نموذج على أمة أنزل عليها هدى، وكيف كان موقفها من هذا الهدى، فهي توضيح عملي للقاعدة التي ختمت بها قصة آدم.

стр. 158

- يلاحظ أنه في مدخل المقطع الثالث جاء قوله تعالى: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ. وفي هذه الفقرة يأتي قوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ. ويأتي قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا. إن هذا يؤكد ارتباط هذه الفقرة بما يقابلها من مدخل المقطع كما كنا تحدثنا عنه من قبل. - وبعد فلأول مرة في سورة البقرة يتوجه الخطاب مباشرة إلى الأمة الإسلامية وذلك في هذه الفقرة بقوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ .. فقد سبق من قبل خطاب لبني إسرائيل، وقبل ذلك توجه الخطاب لرسول الله ﷺ وَبَشِّرِ* وقبله توجه الخطاب إلى الناس جمعيا، وقبل ذلك خوطب رسول الله ﷺ بكاف الخطاب وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ولأول مرة يتوجه الخطاب إلينا بشكل مباشر بقوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ ... وذلك بعد مجموعة الدروس التي أخذتها الأمة في سورة البقرة، وكأن الدروس الماضية كافية لإيجاد نضج خاص في الذات العامة للأمة، والخطاب في هذه الفقرة هو في حقيقته درس في المواجهة بين هذه الأمة واليهود، بعد أن اتضحت إلى حد كبير الصورة التاريخية لليهود، وفي هذا الدرس تتقرر مجموعة حقائق لها علاقة باليهود، ومواقفهم، وأسبابها، والرد عليهم، وتأنيبهم وغير ذلك، ففي هذه الفقرة إذن يتجه السياق لخطاب هذه الأمة؛ لتضع قدمها حيث ينبغي أن توضع في آرائها بالآخرين، وفي مواقفها، وفي معرفة أعدائها وتحليل مواقفهم، وذلك كله يؤكد ما ذكرناه من قبل أن هذا المقطع إنما يقدم لأمتنا نموذجا على أمة أنزل عليها الوحي، وكيف كان موقفها من ذلك ليعطيها دروسه، ولكن في الوقت نفسه فإن المقطع يخدم قضايا أخرى كثيرة منها: دعوة بني إسرائيل، وإقامة الحجة عليهم، ومنها توضيح صراط المغضوب عليهم والضالين لتجتنب، ومنها ومنها مما لا يحيط بأسراره إلا الله، ثم يأتي من أعداء الله من يتساءل أين الصلات بين الآيات في السورة الواحدة والصلة بين السور في القرآن، ألا إنه العمى وحده هو الذي يجعل هؤلاء لا يبصرون عمق الصلات. - قد يكون مناسبا قبل أن نبدأ عرض الفقرة أن نذكر بعض ملامح الشخصية اليهودية مما وضحه لنا الفصل الأول:

стр. 159

١ - طبيعة مسارعة إلى الشرك ٢ - طبيعة متعنتة تطلب ما لا يصح طلبه كرؤية الله ٣ - طبيعة فاسقة محرفة ٤ - طبيعة مفسدة شهوانية ٥ - طبيعة كافرة مكذبة بالآيات ٦ - طبيعة تكره الحق وتقتل أهله ولو كانوا أنبياء ٧ - طبيعة محتالة على الأوامر والنواهي ٨ - طبيعة غادرة تنقض المواثيق حتى مع الله- ﷻ ٩ - طبيعة مجادلة. ولنبدأ عرض الفقرة: التفسير: أَفَتَطْمَعُونَ أيها المؤمنون أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ. أي: ينقاد لكم هؤلاء اليهود بالتصديق والطاعة والاستجابة لدعوتكم وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ. أي: طائفة ممن سلف منهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ. أي: التوراة ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ. أي: يتأولونه على غير تأويله مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أي: من بعد ما فهموه على الجلية، ومع هذا فهم يخالفونه على بصيرة مع علمهم أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله، يفهم من ذلك أنه متى وجدت هذه العقلية التحريفية فلا أمل يرتجى عندها في قبول الحق ومتابعته. وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا. أن صاحبكم رسول الله ولكنه إليكم خاصة وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ. أي: في حال اختلائهم ببعضهم يقول بعضهم لبعض: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم ليحاجوكم به عند ربكم فيخصموكم. وقال ابن عباس: «وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا لا تحدثوا العرب بهذا فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم فكان منهم فأنزل الله وَإِذا لَقُوا .. لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ. أي: تقرون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا: اجحدوه ولا تقروا به. وقال النسفي في تفسير هذا الجزء من الآية أي: أتخبرون أصحاب محمد ﷺ بما بين الله لكم في التوراة من صفة محمد ﷺ ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه، جعلوا محاجتهم به وقولهم هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله ألا تراك تقول: هو في كتاب الله تعالى هكذا، وهو عند الله هكذا، بمعنى واحد. وقيل في قوله تعالى: لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ إنه إضمار مضاف والتقدير أي: عند كتاب ربكم. وقيل: ليجادلوكم ويخاصموكم به بما قلتم لهم عند ربكم في الآخرة، يقولون كفرتم بعد أن وقفتم على صدقه

стр. 160

أَفَلا تَعْقِلُونَ أن هذا حجة عليكم حيث تعترفون به ثم لا تتابعونه، دلت هذه الآية على أن من طبيعة اليهود أن يظهروا خلاف ما يبطنون مع عدم الإكراه، وأنهم يقولون للناس شيئا ويقولون فيما بينهم شيئا آخر، كما دلت الآية على أن هذا النوع من المواقف سببه عدم معرفة الله حق المعرفة، وإلا لو أنهم يعلمون أن الله يعلم السر وأخفى لعلموا أن الحجة قائمة عليهم اعترفوا أو لم يعترفوا ولذلك قال تعالى: أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إنهم جهلة بالله؛ ولذلك فإنهم يقولون ما يقولون، فإذا كان هذا حال أهل العلم منهم فما بالك بالعامة، إن الآية الآتية تصور لنا حال هؤلاء العامة: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ الأمي: هو الذي لا يحسن القراءة والكتابة، والمراد بالكتاب هنا التوراة، والأماني: جمع أمنية وهي التمني الذي لا يرافقه عمل، وقد تأتي بمعنى الكذب، أو بمعنى التلاوة غير المتعمقة، والأرجح أن المراد بها هاهنا الأول، فمعنى الآية: ومن اليهود من لا يحسن القراءة والكتابة، فهم لا يطالعون التوراة فيتحققون بما فيها، فهم لا يعرفون إلا ما هم عليه من أماني من أن الله يحبهم، ويعفوا عنهم، ويرحمهم على ما هم عليه كائنا ما كان، وما هم في هذا إلا ظانين؛ لا يستندون في ما هم فيه على يقين. ذكر في هذه الآية العامة المقلدون، وفيما قبلها العلماء المحرفون، والمنافقون والمضللون، وهذا هو التقليد المذموم أن يوجد إمام يتبعه متبع على غير هدى، ومن الضلال الفظيع تأويل كتاب الله على غير ما يحتمله نص الكتاب وما تشعبت فرق الضلال إلا عن مثل هذا، وما تضل العامة في الغالب إلا بسبب أئمة الضلال الذين يحرفون كتاب الله، أو يتأولونه بهوى، أو ينسبون إلى الله ما لم يقله أو يحكم به، وعلماء اليهود فعلوا هذا كله، والآية التالية تذكر فعلة من فعلاتهم، والدواعي التي دعتهم لذلك وما يستحقونه من عقاب عليها قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ عن ابن عباس: «الويل المشقة من العذاب» .. وقال الخليل بن أحمد: الويل شدة الشر. وقال سيبويه: ويل لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف عليها وقال بعضهم: الويل الحزن. وقال الحسن البصري: «الثمن القليل الدنيا بحذافيرها» ومن الدنيا المال والزعامة والجاه وعلى هذا فمعنى الآية. أن الهلاك والعذاب للكتبة الوضاعين الذين يكتبون كتبا مختلقة من عند أنفسهم،

стр. 161

ويزعمون أنها من عند الله وليست كذلك، ومن أجل كسب يسير كهذه الدنيا الفانية وما فيها أو بعض ما فيها، فويل لهم مرتين: مرة على ما كتبوا ومرة على ما كسبوه من مال حرام، والآية وإن جاءت في سياق الحديث عن بني إسرائيل فإنها عامة. قال عبد الرحمن بن علقمة: سألت ابن عباس ﵁ عن قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ قال نزلت في المشركين وأهل الكتاب. ثم قال تعالى: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ مجئ هذه الآية بعد ما قبلها بمثابة البيان لأسباب هذه المواقف الخائنة. إن جرأة اليهود على التحريف والتبديل، وعلى الكيد والمكر والحسد والخداع ومعاندة الأنبياء، وغير ذلك من صفاتهم ومواقفهم، إن ذلك كله سببه هذا الاعتقاد الفاسد أن مدة مكثهم في النار أياما معدودة، ثم إن مجئ الآية بعد الآية التي ذكرت كتاباتهم المختلقة، ونسبتهم إياها إلى الله يوحي كذلك بأن هذا مما اختلقوه وقالوا هو من عند الله، وفي الوقت نفسه فإن الآية تسجل واحدة من الأماني الكاذبة التي ربي عليها عامة اليهود. وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فهذه إحدى الأماني المظنونة، وقد ردت الآية على زعمهم في هذا الموضوع. وعلينا أن ندرك هنا بعمق كيف أن تصور الإنسان عن اليوم الآخر يؤثر تأثيرا كاملا في مواقفه فإذا كانت هذه المواقف اليهودية الفظيعة أثرا من آثار هذه العقيدة التي رأيناها وذلك شئ منصوص عليه في سورة آل عمران: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ. إذا كانت هذه مواقف اليهود بسبب هذه العقيدة، فكيف تكون مواقف الذين لا يؤمنون باليوم الآخر أصلا! فكيف تكون مواقف الذين يتصورون أن الله لا يعذبهم أبدا! وللأسف فإن كثيرين من عامة المسلمين وعلمائهم يستشعرون الأمن من النار ومن عقاب الله، وذلك أقل ما يقال فيه أنه من الكبائر كما نص عليه الفقهاء. في الأيام المعدودة أقوال منها أنها سبعة أيام، ومنها أنها أربعون يوما، ولا شك أن

стр. 162

التحديد هو مما سمعه علماء المسلمين منهم أو عنهم، وهناك حديث رواه البخاري والنسائي وأحمد فيه كلام لليهود أمام رسول الله ﷺ وليس فيه تحديد والأمر واسع ولا تهمنا معرفته عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم فقال رسول الله ﷺ اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا، فقال لهم رسول الله ﷺ من أبوكم؟ قالوا: فلان قال: كذبتم أبوكم فلان فقالوا صدقت وبررت، ثم قال لهم: هل أنتم صادقي عن شئ إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : من أهل النار؟ فقالوا نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ : اخسئوا والله لا نخلفكم فيها أبدا ثم قال ... ». وبإجمال نقول تفسيرا للآية: يقول تعالى فى الآية إخبارا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم من أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة ثم ينجون منها، فرد الله عليهم ذلك بقوله تعالى قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً أي بذلك، فإن كان قد وقع عهد فهو لا يخلف عهده، ولكن هذا ما جرى ولا كان ولذا أتى ب أَمْ التي بمعنى بل في الرد على زعمهم، أي بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه، ثم بين الله أن الأمر عنده هو: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم ولا كما تشتهون، بل الأمر أنه من عمل سيئة وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليست له حسنة بل جميع أعماله سيئات، فهذا من أهل النار، والخطيئة هنا الشرك كما هو المأثور عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأما الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات من العمل الموافق للشريعة فهم من أهل الجنة إذ إنهم آمنوا بما كفر به الآخرون، وعملوا بما ترك الناس من دين الله، أخبر الله بالآية أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له. وللمفسرين كلام كثير في قوله تعالى بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ

стр. 163

قال النسفي: بلى من كسب شركا؛ وسدت عليه مسالك النجاة بأن مات على شركه (أي فهذا الذي أحاطت به خطيئته) فأما إذا مات مؤمنا فأعظم الطاعات وهو الإيمان معه فلا يكون الذنب محيطا به؛ فلا يتناوله النص، وبهذا التأويل يبطل تشبث المعتزلة والخوارج. وقيل في تفسير إحاطة الخطيئة: أي استولت عليه كما يحيط العدو ولم يتخلص منها بالتوبة. وعلى كل حال فإن الخطايا، ولو لم تكن كفرا، فإنها بريد الكفر، فإذا سار الإنسان في طريق الخطايا، فإنه بذلك يجني على قلبه شيئا فشيئا حتى يصل إلى الكفر عند ما تحيط به الخطايا. أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه» وإن رسول الله ﷺ ضرب لهم مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجئ بالعود، والرجل يجئ بالعود؛ حتى جمعوا سوادا وأججوا نارا؛ فأنضجوا ما قذفوا فيها» وفي هذا الموضوع نصوص كثيرة سنراها. كلمة في الفقرة الأولى: - بينت هذه الفقرة أن لليهود عقيدة هي أنهم يتصورون أنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودة، وبسبب من هذه العقيدة فعامتهم غلبتهم الأماني الكاذبة، وهم وراء علمائهم، وعلماؤهم كذابون على الله منافقون، ويحرفون الكلم عن مواضعه، فكتاب الله يحرفونه ويزيدون على ذلك الاختلاق على الله، وناس هذا شأنهم لا طمع في إيمانهم، ومن ثم فإن هذه الفقرة قطعت الطريق على حسن الظن باليهود ما دامت طبيعتهم على هذه الشاكلة، والطريق أمامهم مفتوح إذا أرادوا الإيمان، وقد حدده الله في مدخل المقطع، ولكن أن يتوهم المسلمون في هذا الشأن فذلك شئ آخر، وبهذا أعطت الفقرة المسلمين دروسا: درسا في انحرافات أمة عن دين الله، ودرسا في حدود حسن الظن بهذه الأمة، ودرسا في أن على المسلمين ألا يقعوا فيما وقعت فيه هذه الأمة، وألا يسيروا فيه، وللأسف فإن كثيرا من الفرق التي انشقت عن جسم الأمة الإسلامية كان سبب ضلالها هو غياب درس هذه الفقرة عنها. - بعد أن بينت هذه الفقرة محل اليهود في قضية الإيمان بالإسلام فإن السياق الآن سيتجه لإقامة الحجة عليهم في قضية الإيمان هذه.

стр. 164

إن دعواهم الرئيسية في عدم إيمانهم هي: أن إيمانهم بما أنزل عليهم يكفيهم ويغنيهم وينجيهم؛ ومن ثم تأتي الفقرة التالية لتنقض هذا الزعم نوع نقض، وتأتي الفقرة الثالثة لتنهي هذه المزاعم إنهاء كاملا فلنر الفقرة الثانية: الفقرة الثانية من الفصل الثاني من المقطع الثالث: تمتد هذه الفقرة من الآية (٨٣) إلى نهاية الآية (٨٦) وهذه هي: [سورة البقرة (٢): الآيات ٨٣ الى ٨٦] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)

стр. 165

كلمة في هذه الفقرة وسياقها: ١ - يلاحظ أن الفقرة الأولى من الفصل الأول انتهت بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا ... مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وأن الفقرة الأولى من الفصل الثاني انتهت بقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فهناك تشابه بين نهاية الفقرة الأولى في الفصل الأول، وبين نهاية الفقرة الأولى من الفصل الثاني. وكما أن الفقرة الثانية من الفصل الأول بدأت بقوله تعالى وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ فإن الفقرة الثانية من الفصل الثاني تبدأ بقوله تعالى وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ... ٢ - يلاحظ أن هذه الفقرة ذكرت مضمونين لميثاقين أخذا على بني إسرائيل بينما مرت معنا من قبل كلمة الميثاق دون أن يذكر مضمون لها، فههنا يأتي بعض التفصيل في قضية الميثاق، وتأخير التفصيل إلى هذا الموضع يقدم لنا أكثر من درس مرتبط بمجموع ما مر من قبل، ولو أن هذه الفقرة جاءت قبل ذلك لكانت خدماتها للسياق أقل مما أعطته هاهنا كما سنرى. ٣ - جاءت هذه الفقرة بعد ذكر ادعاء اليهود أنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودة، وبعد الرد عليهم من خلال قاعدة كلية، فكانت هذه الفقرة بمثابة تفصيل أو تمثيل لأنواع من الأعمال ارتكبوها يستأهلون فيها العذاب الشديد والخلود، ولذلك تختم هذه الفقرة بقوله تعالى وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ .. ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ إنهم يستحقون ذلك بسبب من نقضهم الميثاق في شأن العبادة والمعاملة، وبسبب من نقضهم الميثاق في شأن التطبيق الشامل للتوراة. وجاءت هذه الفقرة بعد الفقرة التي تبدأ بقوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ .. فهي تعمق عند المسلمين فهم النفسية اليهودية التي تعقدت فلم تعد تستجيب لدعوة الإيمان، كما جاءت مقدمة للفقرات التي تناقش اليهود في لب قضية دعاواهم الإيمانية مقيمة الحجة عليهم بأنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ.

стр. 166

٤ - قلنا: إن هذا الفصل يفصل ويعلل لما يقابله من الأوامر والنواهي التي وردت في مدخل المقطع وهي: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ* وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ وهذه الفقرة ختمت بقوله تعالى أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ... فالفقرة تبين أن اليهود اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، وخلطوا الحق بالباطل، وأنهم نقضوا الميثاق في قضية الصلاة والزكاة والتوحيد واتباع الهدى المنزل عليهم، وهذا كله يقتضي تجديد المطالبة بالأوامر والنواهي التي أهملوها، وكان ذلك من خلال رسالة جديدة ودعوة جديدة. ٥ - وقصة آدم انتهت كما رأينا بقاعدة فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وفي هذه الفقرة يرينا الله موقف هؤلاء مما طالبهم الله به من الهدى وخيانتهم في ذلك واستحقاقهم بذلك عذاب الله. وفيما قبل قصة آدم: ذكر من صفات المتقين في مقدمة سورة البقرة: الإيمان والصلاة والإنفاق واتباع الكتاب، ثم جاءت دعوة عامة للتوحيد والعبادة، وجاء تحذير من نقض العهد والإفساد في الأرض وقطع ما أمر الله به أن يوصل، ونلاحظ أن هذه الفقرة أعطتنا درسا في ذلك كله بينت لنا أن بني إسرائيل أمروا بعبادة الله وبالصلاة والزكاة فأعرضوا إلا قليلا، وأن بني إسرائيل طبقوا بعض الكتاب وأهملوا بعضه الآخر، وأنهم نقضوا العهد والميثاق مع الله، وكيف أنهم يقتلون أنفسهم وهو إفساد، وكيف أنهم لا يقومون بحق أخوة الإيمان وهو قطع لما أمر الله به أن يوصل، وهكذا نجد أن الفقرة مرتبطة بما قبلها مباشرة من الآيات، وتخدم في سياق فصلها وفي سياق مقطعها، وتخدم في تعميق معاني كل المقاطع السابقة عليها، وتخدم في تعميق معاني مقدمة السورة وهي تأتي حلقة في سلسلة، فهي بمثابة المكمل لما سبق والمقدمة لما لحق. ٦ - يلاحظ أنه بعد مدخل المقطع الأول جاء خطاب لبني إسرائيل وجاءت موعظة ثم بدأ التذكير بالنعم، والملاحظ أن الموعظة انتهت بقوله تعالى وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ وهنا تختم الفقرة بقوله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ

стр. 167

عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ. لاحظ جملة وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ولو أنك تأملت المعاني التى مرت معنا حتى الآن في المقطع، والمعاني التي تأتي معنا لرأيت عجبا فكأننا في هذه الفقرة في نهاية شئ، وكأننا فيما يأتي في بداية جديدة ضمن إطار كلي هو المقطع ضمن إطار أكبر هو السورة. بدأ الفصل الأول بعد مدخل المقطع بهذا النداء: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ* وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ. فكان هذا النداء بمثابة المقدمة للفصلين الأول والثاني ونلاحظ أن المقطع كله ينتهي بمثل هذه المقدمة. وجاء الفصل الأول، وجاءت الفقرة الأولى والثانية من الفصل الثاني، وجاء تذكير بالنعم، وجاء تذكير بالعقوبة الصارمة القطعية، وختمت الفقرة الثانية من الفصل الثاني بقوله تعالى وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ فكأن هاهنا خاتمة التقرير لأسباب الموعظة في بداية الفصلين ليكون الآن عرض جديد وتغير فى أسلوب الخطاب والمعالجة ولذلك يأتي بعد هذه الفقرة قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ .... إننا أمام سياق يشبه أن يكون جديدا بالنسبة لما سبقه وكأن هذه الفقرة تعتبر خاتمة من وجه لجولات في المقطع. وكأن مقطع بني إسرائيل في النهاية يتألف من مدخل وفصلين وكل فصل يتألف من فقرتين، نهاية الفقرة الأولى في الفصلين متقاربة، وبدايات الفقرة الثانية من الفصلين متشابهة، ثم بعد ذلك عندنا في المقطع مناقشات ودروس، ولنبدأ عرض الفقرة الثانية في الفصل الثاني من المقطع الثالث. التفسير: تعطينا هذه الفقرة درسين من خلال موقفين لليهود لهما علاقة بالعهود المأخوذة عليهم وموقفهم منها، وكلا الدرسين مبدوء بكلمة (إذ) التي تأتي عادة في هذا السياق بعد أمر محذوف تقديره (اذكر) ولا شك أن الذي يتذكر هو المسلم وحده، إذ هو الذي

стр. 168

يستفيد من كتاب الله، فإذ يتذكر المسلم ما أمروا به، وما فعلوه، وما عوقبوا به نتيجة لذلك فإنه يكون قد استفاد من الدرس. الدرس الأول: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ الميثاق هو العهد المؤكد غاية التوكيد لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ هذا إخبار في معنى النهي وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي لأنه كأنه سورع إلى الانتهاء والامتثال وهو يخبر عنه وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى أي القرابة وَالْيَتامى جمع يتيم: وهو الذي فقد أباه قبل الحلم إلى الحلم وَالْمَساكِينِ جمع مسكين وهو الذي أسكنته الحاجة وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً أي قولا هو الحسن في نفسه لإفراط حسنة، يذكر ﵎ بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر وأخذ ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدا وعمدا وهم يعرفونه، ويتذكرونه، فأمرهم تعالى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وبهذا أمر جميع خلقه، ولذلك خلقهم، وهذا هو أعلى الحقوق، وأعظمها، وهو حق الله ﵎ أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين وأكبرهم وأولادهم بذلك حق الوالدين، والأقربين، ثم اليتامى والمساكين، فهؤلاء يستحقون الإحسان؛ لأن اليتامى لا كاسب لهم؛ والمساكين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، أما الناس كل الناس فلهم الكلمة الطيبة ولين الجانب وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً قال الحسن البصري: «فالحسن من القول يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحلم ويعفو ويصفح ويقول للناس حسنا» وقد ناسب أن يأمر بالإحسان بالقول بعد الإحسان في الفعل؛ ليجتمع طرفا الإحسان الفعلي والقولي، ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمتعين من ذلك، وهو الصلاة والزكاة وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثم أخبر أنهم تولوا عن ذلك كله ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ أي تركوا كل ما أمروا به ونهوا عنه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه على عمد، بعد العلم به إلا القليل منهم. وقد أمر الله هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء كما سنرى، وكم من هذه الأمة قد أعرض. بينت هذه الآية كيف كان موقفهم القولي، وإعراضهم عن العبادة، والإحسان الفعلي، والقولي، وعن الصلاة والزكاة. وبمناسبة هذه الآية فلنذكر بهذين الحديثين: في الصحيحين عن ابن مسعود «قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في

стр. 169

سبيل الله .. » وأخرج مسلم والترمذي والإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تحقرن من المعروف شيئا وإن لم تجد فالق أخاك بوجه منطلق». الدرس الثاني: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ أي لا يقتل بعضكم بعضا وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أي لا يخرجه من منزله ولا يظاهر عليه ولا ينفيه جعل غير الرجل بمثابة نفسه إذا اتصل به أصلا أو دينا، وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة، كما قال ﵇ «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» ثم قال تعالى: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أي ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته وأنتم تشهدون به وتعترفون على أنفسكم بلزومه. ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ كانوا في المدينة المنورة فريقان طائفة منهم بنو قينقاع وهم حلفاء الخزرج، والطائفة الأخرى النضير وقريظة وهم حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج وخرجت النضير وقريظة مع الأوس يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى تسافكوا دماءهم بينهم وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم، والأوس والخزرج أهل شرك، يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنة ولا نارا، ولا بعثا ولا قيامة ولا كتابا، ولا حلالا ولا حراما، يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، ويخرجونهم من بيوتهم وينتهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال ويخرجونهم منها. تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ أي تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ كانوا إذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا الأسارى من الفريق المغلوب عملا بحكم التوراة الذي جاء فيها (إنك لا تجد مملوكا من بني إسرائيل إلا أخذته فأعتقته)، فهم يطبقون التوراة في هذا الجانب ويخالفونها في غيره مما ذكر قبله وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ. فالإخراج حرام عليهم وكذلك القتل وكذلك مظاهرة غيرهم على بعضهم. قال السدي: «أخذ الله عليهم أربعة عهود ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، والفداء فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء. قال تعالى مؤنبا: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ أي أتفادونهم بحكم التوراة،

стр. 170

وتقتلونهم، وتخرجونهم، وتظاهرون عليهم، مع أن التوراة تحرم هذا، جعلت الآية التطبيق إيمانا وعدم التطبيق كفرا. قال السدي: فإذا أسر رجل من الفريقين كلاهما، جمعوا له حتى يفدونه فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم. قالوا فلم تقاتلوهم؟ قالوا إنا نستحيي أن تستذل حلفاؤنا فذلك حين يخبرهم الله تعالى: فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ أي فما جزاء من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي إلا ذلة وهوان بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ أشد العذاب هو الذي لا روح فيه ولا فرح جزاء على مخالفتهم كتاب الله الذي بأيديهم وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ من الأعمال القبيحة والسيئة، ولكن له سننا أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ أي استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة واختاروها عليها اختيار المشتري. دلت الآية على أن سبب الخلل في التطبيق هو محبة الدنيا وتفضيلها على الآخرة فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ أي لا يفتر عنهم ساعة واحدة وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ أي ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم فليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي ولا يجيرهم منه. وبمناسبة قوله تعالى وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ نحب أن نلفت النظر هاهنا إلى أن اليهود، أو النصارى، أو أبناء الأديان، يرون أنهم بسبب من كونهم يهودا، أو نصارى، أو غير ذلك، فإنهم سينصرون يوم القيامة، وأن من ينتسبون إليهم سينصرونهم، وقد قطع الله في هذه الآية طمع اليهود من ذلك بسبب من أعمالهم. وكثيرون من أبناء المسلمين غلب عليهم هذا التفكير أنهم سينجون عند الله مهما اقترفوا، وكثيرون من صوفية المسلمين غلب عليهم هذا التفكير حتى أصبحت تجد صوفيا لا يصلي، ولا يزكي، ولا يهتدي بكتاب الله، ويوالي الكافرين، ويؤمن بشعاراتهم المعطلة للكتاب، ويتصور مع هذا أن نسبته إلى فلان من الناس، أو إلى الطريقة الفلانية، تنجيه عند الله. وبمناسبة قوله تعالى أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ نقول: لقد أخذ الله على هذه الأمة ما أخذ على بني إسرائيل في وجوب إقامة أحكام القرآن، فطبقت في عصورها المتأخرة بعضا وتركت بعضا؛ فابتلاها الله بما ابتلاها به، من الذلة، والهوان ولعذاب الآخرة أشد. وها نحن الآن في القرن الخامس عشر الهجري نعاني من الذلة والهوان، بأن سلط الله

стр. 171

علينا أمم الكفر، حتى سلط علينا اليهود أذل خلق، وتلك عقوبة نسيان جزء من كتاب الله: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وها نحن نلنا خزي الدنيا ونعوذ بالله من ذلك ومن عذاب الآخرة، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ إنه لا خلاص لنا مما نحن فيه بالدنيا، ولا نجاة لنا في الآخرة، إلا بالعودة الكاملة لكتاب الله، بتطبيقه كله، في محيط الفرد، والأسرة، والدولة، والأمة. وإلا فإن الذلة مستمرة، وكل محاولة للخروج منها عن غير هذا الطريق محاولة فاشلة. قال عمر ﵁: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله»، وقد رأينا أن سبب التطبيق الجزئي هو استحباب الدنيا على الآخرة، فبداية الدواء إذن أن نغرس في قلب المسلم تفضيل الآخرة على الدنيا، وأن نغرس في قلبه حب الآخرة، وطريق ذلك العلم بالكتاب والسنة، والعمل، ومجالسة الصالحين من عباد الله. كلمة في السياق: بقيت عندنا فقرتان من الفصل الثاني في المقطع الثالث ثم خاتمة المقطع، والحقيقة أن هاتين الفقرتين بمثابة جولتين في النقاش المباشر مع بني إسرائيل، فهما من ناحية امتداد للفصل الثاني، لأنهما نقاش في قضية الإيمان، ومن ناحية أخرى فهما يشبهان أن يكونا فصلا جديدا في المقطع، فهما يمثلان استمرارية من ناحية، واستقلالية من ناحية أخرى، ولذلك فسنعرضهما على أنهما جولتان في هذا الفصل، مع اعتبارنا إياهما فقرتين من فقرات أربع تشكل الفصل الثاني كما رأينا من قبل. الفقرة الثالثة من الفصل الثاني تمتد هذه الفقرة من الآية (٨٧) إلى نهاية الآية (١٠٣) وهذه هي: [سورة البقرة (٢): الآيات ٨٧ الى ١٠٣] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦) قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)

стр. 172

كلمة في هذه الفقرة: ١ - لقد رأينا أن مدخل هذا المقطع دعا اليهود إلى الإيمان بالقرآن: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ورأينا الفقرة الأولى من الفصل الثاني تيئس المسلمين من الطمع بإيمان اليهود، ثم تأتي الفقرة الثانية من الفصل الثاني فترينا أن عند اليهود خللا في إيمانهم بكتابهم أصلا، ثم تأتي هذه الفقرة لتبدأ حوارا مفتوحا مع اليهود في قضية الإيمان والأسباب الصارفة لهم عن الإيمان بالقرآن، وأنها ليست إلا الطبيعة الكافرة المستكبرة الفارة من الهدى إلى الضلال، فهي إذن استمرار للفصل الأول المبدوء بقوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ .. ومن ثم فهي تحدثنا عن أن عادة بني إسرائيل أن يكذبوا، ويقتلوا كل رسول لا يوافق كلامه أهواءهم، وتحدثنا عن أسباب أخرى يرفضون من أجلها الإيمان برسول الله ﷺ ، وتقيم عليهم الحجة بشكل ثم بآخر، فهي استكمال لعرض الأسباب والعوامل التي تحول بينهم وبين الإيمان بالقرآن. ٢ - في الفصل الأول من هذا المقطع جاء قوله تعالى وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ وتأتي هذه الفقرة فترينا تفصيلات، في قتلهم الأنبياء، وكفرهم بالآيات، وعصيانهم، واعتدائهم بعد أن وجدت الأسس اللازمة لهذه التفصيلات، ولتخدم هذه التفصيلات هنا السياق السابق، واللاحق بشكل أجدى. ٣ - دعاهم مدخل هذا المقطع إلى الإيمان والتقوى: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ. ونجد في هذه الفقرة وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ونجد أن خاتمتها هي: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.

стр. 173

فالفقرة هذه إذن تناقش مواقفهم من الدعوة الموجهة إليهم، ومن قبل كان عرض لمواقفهم، فهناك عرض، وهاهنا حوار مباشر. ٤ - يلاحظ أن المعاني في الفقرة تتعانق ومن ثم تتكرر بدايات بعينها، فالآية الأولى في الفقرة مبدوءة بقوله تعالى وَلَقَدْ وكذلك الآية (٩٢) وكذلك الآية (٩٩) والآية (٨٩) مبدوءة بكلمة وَلَمَّا وكذلك الآية (١٠١) وفي الفقرة ورد قوله تعالى أَفَكُلَّما وبعد اثنتي عشرة آية قوله تعالى أَوَكُلَّما وهذا كله يعطينا مؤشرات على وحدة الفقرة كما سنرى. ٥ - ومن خلال النقاش الطويل مع بني إسرائيل في قضية الإيمان بالقرآن والهدى المنزل من الله ، تتضح للمسلم مجموعة الأمور التي تصرف عن الإيمان بالقرآن، ويتعمق لديه حس المعرفة بالطبيعة اليهودية العابثة التي ستكون بينها وبين المسلمين مواجهات خلال العصور. والفقرة مع تعانق معانيها فإنها تكاد تنقسم إلى ثلاث مجموعات، كل مجموعة فيها درس، بل دروس، ولنبدأ عرض المجموعة الأولى: المجموعة الأولى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ أي وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل، يقال قفاه به إذا أتبعه إياه، وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ أي المعجزات الواضحات، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، والإخبار بالمغيبات وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أي بالروح المقدسة، ومعنى القدس في الأصل الطهارة. وما هي هنا؟ للمفسرين أقوال، منهم من قال: إنه جبريل؛ لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب، ومنهم من قال: إنه الإنجيل؛ لأنه كالقرآن روح من عند الله وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا. (سورة الشورى) ومنهم من قال: إنه اسم الله الأعظم، الذي كان يحيي به الموتى. قال ابن جرير: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبريل .. أقول ويؤيد هذا الاتجاه قول الله تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ .. (سورة الشعراء) فسمى جبريل في هذه الآية روحا، ويؤيد هذا الاتجاه ما رواه البخاري عن رسول الله ﷺ : «اللهم أيد حسان بروح القدس؛ كما نافح عن نبيك». وفي بعض الروايات: إن رسول الله ﷺ قال لحسان: «اهجهم أو هاجهم وجبريل معك». أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ أي بما لا تحبه وتريده اسْتَكْبَرْتُمْ

стр. 174

فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ أي تعظمتم عن القبول والمتابعة، ففريقا كذبتموهم كعيسى ومحمد، وفريقا تقتلونهم كز كريا ويحيى. قال الزمخشري في قوله تعالى فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ «إنما لم يقل وفريقا قتلتم، لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضا، لأنهم حاولوا قتل النبي ﷺ بالسم والسحر». في الآية نعت بني إسرائيل بالعتو، والعناد، والمخالفة، والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، آتى الله موسى الكتاب فحرفوه، وبدلوه، وخالفوا أوامره، وأولوها، وأرسل الرسل بعده يحكمون بشريعته، فكانوا يعاملونهم أسوأ معاملة، من التكذيب إلى القتل. ثم ختم الله أنبياء بني إسرائيل بعيسى ﵇، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، وأعطاه الله من المعجزات الكثير وأيده بجبريل، فاشتد تكذيب بني إسرائيل له، وصدهم وعنادهم، وكل هذه المواقف من الأنبياء سببه أن الأنبياء يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم، فالأمر بالنسبة لهم معكوس، إنهم بدلا من أي يضبطوا أهواءهم على شرع الله يريدون أن يكون شرع الله تابعا لأهوائهم، وأمة هذا شأنها لا يستغرب موقفها الكافر من رسالة محمد ﷺ ، وما أشبه حال الكثيرين من أبناء عصرنا بهذا الذي عليه اليهود: إذا حدثتهم عن الإسلام بما يوافق هواهم قبلوا وإلا كذبوا؛ وإن كان لهم سلطان قتلوا، وما أكثر من يجعل الإسلام تابعا لأهواء الناس من الحاكمين والمحكومين، حتى صعب على أهل الإخلاص والعلم أن يبينوا الإسلام للناس كما هو، لكثرة مسايرة الأهواء فأين هذا من الحديث؟ «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به». همزة الاستفهام في قوله تعالى أَفَكُلَّما تفيد التوبيخ، والتعجب، وأي عجب أكبر من تكذيب الرسل، وقتلهم، والاستكبار عن متابعتهم، والسماع لهم، ومن يستحق اللوم أكثر من هؤلاء؟ وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ أي هي مخلوقة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد ﷺ ، ولا تفقهه، وقيل غلف تخفيف غلف جمع غلاف، أي قلوبنا أوعية للعلوم، فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، أو أوعية للعلوم فلو كان ما جئت به حقا لقبلنا، والقول الأول أقوى بدليل الحديث «وقلب أغلف مربوط على غلافه .. وأما القلب الأغلف فقلب الكافر» وقولهم هذا يدل على طبيعة متبجحة تتبجح بالكفر، وتفتخر بقساوة القلب، وما أكثر ما تجد هذا النوع من الناس بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي بل طردهم وأبعدهم بسبب كفرهم الذي اختاروه لأنفسهم. هذا رد

стр. 175

من الله عليهم أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك؛ لأنها خلقت على الفطرة، والتمكن من قبول الحق، وإنما طردهم بكفرهم وزيغهم فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ أي فإيمانا قليلا يؤمنون، وهو إيمانهم ببعض الكتاب، أو ببعض الوحي، وقيل القلة بمعنى العدم و (ما) في الآية مزيدة أي لا يؤمنون بشيء. وقيل: فقليل منهم من يؤمن، والأقوى الأول. دلت الآية على أن الإيمان ببعض الكتاب أثر من آثار الطرد من رحمة الله، وأن سبب الطرد هو الكفر، وأن من أسباب الكفر اتهام الله، والتبجح في الوصف الكافر. وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ أي ولما جاء اليهود القرآن المصدق للتوراة وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أي على المشركين. ذكر ابن كثير عن ابن عباس: «أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن معرور، وداود بن سلمة: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله في ذلك من قولهم وَلَمَّا جاءَهُمْ، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ أي فلما جاءهم ما عرفوه من الوحي والنبوة كفروا به بغيا وحسدا وحرصا على الرئاسة فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ أي فلعنة الله عليهم. ووضع الاسم الظاهر بدل الضمير للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم، أو أن المعنى: أن لعنة الله على كل كافر، واليهود دخلوا في ذلك دخولا أوليا؛ لأنهم أحق الناس أن يؤمنوا. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ الشراء هنا البيع. والبغي الحسد. فصار المعنى: بئسما باعوا به أنفسهم، باعتياضهم الكفر بما أنزل على محمد ﷺ بدلا من تصديقه ومؤازرته ونصرته، وإنما حملهم على ذلك، البغي، والحسد، والكراهية لأن ينزل من الوحي على من يصطفيه من عباده، وهو محمد ﷺ ، ولا حسد أفظع من هذا النوع من الحسد لأنه معاندة مباشرة، واعتراض مباشر على الذات الإلهية فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ أي رجعوا بسبب سيرهم هذا مستوجبين مستحقين الغضب على الغضب. أي الغضب المترادف، غضب بسبب ما ضيعوا من التوراة، وغضب بسبب كفرهم بعيسى وبالإنجيل، وغضب بكفرهم بمحمد ﷺ وبالقرآن، ومن ثم فقد فسر رسول الله ﷺ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (في الفاتحة) بأنهم اليهود لأنهم يعرفون الحق ويجحدونه وينحرفون عنه

стр. 176

ويعاندونه. وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ أي مذل، إذ لما كان كفرهم سببه البغي، والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة، والصغار. أخرج الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شئ من الصغار، حتى يدخلوا سجنا في جهنم يقال له بولس تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال، عصارة أهل النار». وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي إذا قيل لليهود صدقوا بالقرآن واتبعوه قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا أي يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة، ولا نقر إلا بذلك وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ يعني بما بعده وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ أي غير مخالف له، وفيه رد لمقالتهم، وتسفيه لهم، وإقامة حجة عليهم، لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها فمن عرف الله وعرف كتابه؛ آمن بكل رسول له، وآمن بكل كتاب له أنزل أو ينزل وهذا رسول الله ﷺ خاتم الرسل بشرت به التوراة، والكتاب المنزل عليه يصدق ما في التوراة، فكيف يكفرون به! ولكنها ليست أول مواقفهم السيئة قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم والحكم بها وعدم نسخها وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغيا، وعنادا، واستكبارا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي، وهكذا أهل الباطل في كل زمن يفرون من الحق ويحتجون بما ليس حجة، بل بما به الحجة عليهم، فهم متناقضون وليس كمواقفهم وأفعالهم دليل على ما في قلوبهم، فهؤلاء ناس يدعون أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم وبسبب ذلك يرفضون الإيمان بالوحي الجديد، فأقام الله عليهم الحجة بأنهم ليسوا مؤمنين بما أنزل عليهم، بدليل أنهم كانوا يقتلون أنبياءهم، وبدليل أنهم عبدوا العجل في زمن موسى مع كل الآيات التي رأوها. قال تعالى مقيما عليهم تتمة الحجة: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ البينات هي الآيات الواضحات، والدلائل القاطعات، كالطوفان، والجراد، والقمل، والدم، والعصا، واليد، وفرق البحر، لقد جاءكم موسى بالآيات الواضحات، ثم اتخذتم العجل معبودا من دون الله، من بعد ما ذهب موسى إلى الطور لمناجاة الله ، وأنتم ظالمون في هذا الصنيع الذي صنعتموه، من عبادتكم العجل، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله، أو أنتم قوم من عادتكم الظلم، فإذا كان هذا شأنكم، وموسى موجود بين أظهركم، أتدعون الآن أن إيمانكم بالتوراة هو الذي يجعلكم لا

стр. 177

تؤمنون بمحمد ﷺ وبالقرآن! إنها الطبيعة الكافرة في مواقفها وأفعالها وأقوالها. وبهذا انتهت المجموعة الأولى من الفقرة. كلمة في هذه المجموعة وسياقها: ١ - بدأت المجموعة بآية مبدوءة ب وَلَقَدْ وانتهت بآية مبدوءة ب وَلَقَدْ وتأتي مجموعة بعدها مبدوءة ب وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ مما يوحي بأننا أمام مجموعة جديدة، وفي الآية الأولى من هذه المجموعة ورد قوله تعالى وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ وجاءت خاتمة المجموعة لتقول فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ. ٢ - في هذه المجموعة حوار مباشر مع اليهود في قضية الإيمان بالقرآن، ومناقشة الصوارف التي يطرحونها، وإقامة حجة عليهم فيها من خلال مجموعة الأمور التي تدل على أن هذا الموقف الظالم هو استمرار لمواقف ظالمة أخرى. ٣ - وقد سبقت هذه المجموعة بخاتمة الفقرة السابقة: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فكانت هذه المجموعة بمثابة استمرار لنقاش يفضح دعواهم الإيمان سابقا ولا حقا، واستكمالا للحجة عليهم، كما جاءت هذه المجموعة في سياق الفصل المبدوء بقوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ فقدمت لنا مجموعة معان سابقة تجعل إيمان هؤلاء ميئوسا منه. ٤ - ونكرر أن هذه المجموعة جزء من جولة من النقاش المباشر مع بني إسرائيل في أجواء قوله تعالى وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وذلك بعد فقرات سابقة كان الكلام في الغالب يأتي بشكل غير مباشر في هذا الموضوع بالذات. فلننتقل إلى عرض المجموعة الثانية من هذه الفقرة: المجموعة الثانية: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ كرر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأولى، ولأنها في المرة الأولى ذكرت في معرض، وهاهنا تذكر في معرض آخر خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا أي خذوا التوراة أخذا قويا واسمعوا ما أمرتكم به فيها، سماع قبول وعمل قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا أي سمعنا قولك، وعصينا أمرك،

стр. 178

أمروا أن يكون سماعهم سماع طاعة، فكان سماعهم سماع عصيان، وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أي أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم، فداخلهم حبه، والحرص على عبادته، كما يتداخل الصبغ الثوب، وقوله فِي قُلُوبِهِمُ بيان لمكان الإشراب بِكُفْرِهِمْ أي بسبب كفرهم، واعتقادهم التشبيه. قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه من كفر ومخالفة، فكيف تدعون لأنفسكم الإيمان وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة من نقضكم المواثيق وكفركم بآيات الله وعبادتكم العجل من دون الله؟؟. هم يدعون الإيمان، والإيمان يقتضي طاعة، وهم يعصون، هم يدعون الإيمان بالتوراة وليس في التوراة عبادة عجل، فأي إيمان هذا الذي يأمرهم بعبادة العجل وبمحبته؟ فإذا كان هذا هو إيمانهم الذي سول لهم مثل هذه القبائح فإنه هو هو نفس الإيمان الذي يسول لهم أفظع قبيح، وهو عدم الإيمان بالقرآن. وقوله تعالى بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ من باب الأسلوب التهكمي، لأن الأصل في الإيمان ألا يأمر صاحبه بمثل هذا وفي قوله تعالى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم. هذه أول حجة عليهم في هذه المجموعة تكمل حجج المجموعة السابقة عليهم في رفضهم الإيمان بحجة إيمانهم بالتوراة. ثم تأتي الحجة الثانية. ويتجه السياق إلى التحدي، ليضع اليهود على المحك في قضية الإيمان، ليثبت لهم بما لا يقبل الجدل أنهم غير مؤمنين، وأنهم كفرة، وذلك أنهم إذا كانوا صادقين في دعواهم من أنهم أهل الحق، وأنهم عباد الله المصطفون، وأنهم غير مكلفين بالاستجابة لرسول الله ﷺ فهذا يقتضي أن يكونوا هم المستحقين ثواب الله الذي أعده لأوليائه في الآخرة التي يؤمنون بها، والإنسان الذي يثق بهذا الثواب، ويعرف أن الآخرة خير من الدنيا، يتمنى هذه الآخرة، ويفضلها على الدنيا، وبالتالي فإن الموت أحب إليه من الحياة فهل هم كذلك؟ لا؛ إذن فهم كاذبون .. أو يقال: من كان مطمئنا إلى أنه على الحق، وإلى أن غيره ليس كذلك، فهو على استعداد لأن يدعو الله أن يميت من كان على الباطل هو أو خصمه، وهو يفعل هذا وهو مطمئن إلى النتيجة، فإذا كان اليهود يرفضون هذا، فذلك علامة على أنهم يعلمون حق العلم أنهم على الباطل.

стр. 179

هذه هي الحجة الثانية التي يأمر الله رسوله ﷺ أن يقولها لهم، وهذه الحجة يمكن أن تكون صياغتها إما على الشكل الأول، أو على الشكل الثاني، على حسب اتجاهات المفسرين في التفسير فلنر الآيات: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ معنى خالِصَةً أي سالمة لكم فالمعنى: إن كنتم تعتقدون أن الدار الآخرة لكم دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين فيما تقولون، لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها تخلصا من الدار ذات الشوائب، كما نقل عن العشرة المبشرين بالجنة أن كل واحد منهم كان يحب الموت ويحن إليه. هذا هو المعنى العام المتبادر إلى الذهن عند تلاوة الآية، وهو الذي يرجحه ابن جرير، ولكن هناك اتجاها آخر لابن عباس في الآية يرجحه ابن كثير ونحن هنا ننقل عبارة ابن جرير، وكلام ابن كثير مع شئ من الحذف. قال ابن جرير: فهذه الآية مما احتج الله سبحانه لنبيه ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم، وذلك أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يدعوهم إلى قضية عادلة فيما كان بينه وبينهم من الخلاف .. فقال لفريق اليهود إن كنتم محقين فتمنوا الموت، فإن ذلك غير ضاركم إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان، وقرب المنزلة من الله لكم، بل إن أعطيتم أمنيتكم من الموت إذ تمنيتم فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا، ونصبها، وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته إن كان الأمر كما تزعمون من أن الدار الآخرة لكم خاصة دوننا، وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون، ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم، فامتنعت اليهود من ذلك لعلمها أنها إن تمنت الموت هلكت فذهبت دنياها؛ وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها .. ». وقال ابن كثير: فأما على تفسير ابن عباس أي في تفسير قوله تعالى فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ أي ادعوا على أي الفريقين أكذب فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ : بل قيل لهم كلام نصف: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من أهل الجنة، ومن عداكم من أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة، فلما تيقنوا ذلك وعرفوا صدقه نكلوا عن المباهلة؛ لما يعلمون من كذبهم وافترائهم، وكتمانهم الحق من صفة الرسول ﷺ ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ويتحققونه. فعلم كل أحد باطلهم وخزيهم وضلالهم وعنادهم، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وسميت هذه المباهلة تمنيا لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل بالموت

стр. 180

لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت ... ». وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أي الموت أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي لن يتمنوه ما عاشوا بسبب ما أسلفوه من الكفر بمحمد ﷺ ، وتحريف كتاب الله وغير ذلك، وهو من المعجزات لأنه إخبار بالغيب، وكانوا يستطيعون أن يكذبوا القرآن بإعلانهم أنهم يتمنون الموت ولكنهم لم يفعلوا. قال ابن عباس: «ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات». وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ومن علمه ﷻ أنه تحداهم، ومن علمه أنه أخبر أنهم لن يتمنوه، وكان كما أخبر، وفي النص تهديد لهم. وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ هذه تتمة الحجة عليهم في أنهم أهل باطل. ظهور هذا الحرص العظيم عندهم على الحياة، فهم كالمشركين في هذا الحرص، أو أشد حرصا من المشركين، فلو كان إيمانهم بالله واليوم الآخر سليما، واستقامتهم موجودة لما كانوا كذلك، والتنكير في لفظ حَياةٍ يدل على أنهم يرغبون بالحياة المتطاولة مهما كان نوع هذه الحياة، فهم أحرص الناس على طول العمر؛ لما يعلمون من مآلهم السيئ، وعاقبتهم الخاسرة عند الله لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ. هل الضمير أَحَدُهُمْ يعود على المشركين أو على اليهود؟ قولان للمفسرين فعلى القول أنه يعود على اليهود يكون المعنى: أن اليهود أحرص الناس على الحياة وهم أحرص من المشركين عليها، حتى أن أحدهم يتمنى لو عمر ألف عام، وعلى القول بأن الضمير يعود على المشركين يكون المعنى: أن المشرك يود لو عمر ألف عام فهو حريص على الحياة ومع ذلك فاليهود أحرص منه على الحياة، وفيه توبيخ عظيم لليهود لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة، ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم، فإذا زاد في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقا بأعظم التوبيخ، وإنما زاد حرصهم على الذين أشركوا لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار، والمشركون لا يعلمون ذلك. قال مجاهد: «حببت إليهم الخطيئة طول العمر». وقد دلت الآية على أن المؤمن الحق يحب الآخرة أكثر من الدنيا، ويحب الموت أكثر من الحياة، وقد أدبنا رسولنا ﵊ ألا نتمنى الموت لضر أصابنا، بل نقول: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وأمتني ما كان الموت خيرا لي، واجعل لحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر، وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون». ثم قال تعالى:
следующие страницы →