Полный текст (6 440 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
واحدة في هذا السبيل، وهو أن تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها عن بعض لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها. ولكن الواقع أن للعرب طريقة أخرى، وهي أن تشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامت وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها كما هنا. فالمراد العام هنا تشبيه حال المنافقين في ضلالتهم، وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة كحال من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق.
٣ - حديث شريف كاشف
إن هناك حديثا شريفا يكشف لنا هذين المثلين ويبين لنا أهلهما كما يكشف لنا مقدمة سورة البقرة كلها فلنره:
عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن فسراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف، فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» قال ابن كثير: رواه الإمام أحمد بإسناد جيد حسن.
لا شك أن القلب الأول هو: قلب المؤمنين المتقين الذين وردت صفاتهم في الفقرة الأولى من مقدمة سورة البقرة، وأن القلب الثاني هو قلب الكافرين الذين وردت صفاتهم في الفقرة الثانية من مقدمة سورة البقرة، وأن القلبين الثالث والرابع هما في من وردت صفاتهم في الفقرة الثالثة من مقدمة سورة البقرة، وأن القلب الثالث مثله هو المثل الأول وأن القلب الرابع مثله هو المثل الثاني.
والملاحظ أن القلب الرابع لا زال فيه أمل، وذلك إذا أصبح مدد الإيمان أكثر من مدد النفاق، وذلك بالإقبال على الأعمال الصالحة وترك السيئات وخلطة أهل الباطل.
وسنرى كيف أن سورة البقرة بأقسامها كلها، إنما تدل على الطريق ليكون الإنسان من الفئة الأولى. فئة الإيمان والتقوى، ولذلك فإن القسم الأول يبدأ بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وهذا حديث سيأتي فلنبق الآن في أجواء مقدمة سورة البقرة.
стр. 72
٤ - (فصول شتى)
فصل في فواتح السور:
لو أنك تأملت فواتح سور القرآن، فإنك تجد أن نوعا من الفواتح يتكرر، فمثلا تجد أكثر من سورة مبدوءة ب الم* أو الر* أو حم* أو إِنَّا* أو إِذا* أو هَلْ* أو وَيْلٌ* وتجد سورا كثيرة مبدوءة بقسم، ثم إنك تلاحظ أحيانا أن مجموعة من السور لها بدايات معينة تشبهها مجموعة أخرى لها نفس البدايات فمثلا: نلاحظ أن سورتي البقرة وآل عمران مبدوءتان ب الم* وتأتي بعدهما سورتا النساء والمائدة وكل منهما مبدوءة ب يا أَيُّهَا* ثم تأتي سورة الأنعام وهي مبدوءة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ.
ونلاحظ بعد ذلك بسور كثيرة: أنه تأتي سورة العنكبوت، وهي والسور الثلاث بعدها مبدوءة ب الم، ثم تأتي بعد ذلك سورة الأحزاب وهي مبدوءة ب يا أَيُّهَا ثم تأتي بعد ذلك سورتا سبأ وفاطر وكل منهما تبدأ ب الْحَمْدُ لِلَّهِ.*
لاحظ التشابه بين بدايات هذه المجموعة، وبين بدايات المجموعة الأولى مع الاختلاف في عدد السور التي بدأت بالنوع الواحد من الفواتح.
ولنأخذ مثلا آخر:
بعد سورة المدثر: تأتي سورة القيامة، وهي مبدوءة بقسم، وتأتي بعدها سورة الدهر وهي مبدوءة باستفهام:
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ، هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ؟
ثم تأتي بعد سورة الدهر سورة مبدوءة بقسم، وبعدها سورة مبدوءة باستفهام:
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً
عَمَّ يَتَساءَلُونَ
لاحظ القسم والاستفهام في كل من النموذجين الأول والثاني
وبعد سور كثيرة تأتي خمس سور متتالية مبدوءة بقسم، ثم تأتي سورة مبدوءة باستفهام:
стр. 73
وَالْفَجْرِ، لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ، وَالشَّمْسِ وَضُحاها، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالضُّحى. ثم سورة مبدوءة باستفهام أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.
فهل هناك تعليل شامل لهذه الظاهرة
إننا الآن نقول باختصار: (وسنرى الدليل على ذلك شيئا فشيئا):
إن فواتح السور هي بعض المفاتيح التي تتعرف بها على الرابطة بين أقسام القرآن، وبين مجموعات هذه الأقسام، وبين تسلسل السور ضمن القسم الأول أو المجموعة الواحدة، فهي من مفاتيح الوحدة القرآنية المعجزة، ولو أننا أردنا أن ندلل على هذا الموضوع هاهنا لتعثر القارئ ولطال البحث وتعقد، ولذلك فإننا سنعرض لأدلة هذا الموضوع شيئا فشيئا، فإنه موضوع يصعب التدليل عليه إلا من خلال السير الشامل والوقوف عند كل سورة وبدايتها، والتدليل آت بإذن الله تعالى.
فصل في الحروف التي بدأت بها بعض السور:
هذه الحروف التي بدأت بها بعض سور القرآن مثل (الم) * أو (المص) أو (الر) * أو (أَحْرَصَ) * وقف عندها بعض المفسرين كثيرا، وبعضهم لم يقف واكتفى بأن يذكر بعد الواحدة منها: الله أعلم بمراده. والذين وقفوا عندها إما واحد أراد أن يعطيها تفسيرا فاعتبر كل حرف هو جزء لكلمة تدل عليها، ثم حاول أن يجد الكلمة التي يدل عليها الحرف، وإما واحد اعتبرها رموزا على أزمنة، وحاول من خلال ما اعتاده العرب أن يعطوا كل حرف رقمه الحسابي وأن يستخرج نبوءات زمنية، وإما واحد اكتفى بأن يسجل ملاحظة حول هذه الأحرف، ومن أهم الملاحظات التي سجلت خلال العصور أنه حيث وردت هذه الأحرف في سورة فإن السورة لها صلة في الحديث عن القرآن.
ومن ثم اعتبروا أن ذكر هذه الأحرف فيه إشارة إلى الإعجاز، وفيه مظهر من مظاهر التحدي، وقد عبر سيد قطب- ﵀ في ظلاله عن هذا المعنى تعبيرا طيبا.
يقول الأستاذ سيد قطب- ﵀ في ظلاله عند الكلام عن (الم) في سورة البقرة: «ومثل هذه الأحرف يجيء في مقدمة بعض السور القرآنية وقد وردت في
стр. 74
تفسيرها وجوه كثيرة نختار منها وجها: أنها إشارة للتنبيه إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف وهي في متناول المخاطبين به من العرب، ولكنه مع هذا هو ذلك الكتاب المعجز الذي لا يملكون أن يصوغوا من تلك الحروف مثله. الكتاب الذي يتحداهم مرة ومرة ومرة أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة من مثله، فلا يملكون لهذا التحدي جوابا.
والشأن في هذا الإعجاز: هو الشأن في خلق الله جميعا، وهو مثل صنع الله في كل شئ وصنع الناس. إن هذه التربة الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات، فإذا أخذ الناس هذه الذرات فقصارى ما يصوغونه منها لبنة، أو آجرة، أو آنية، أو أسطوانة، أو هيكل، أو جهاز كائنا في دقته ما يكون، ولكن الله المبدع يجعل من تلك الذرات حياة؛ حياة نابضة خافقة تنطوي على ذلك السر الإلهي المعجز، سر الحياة. السر الذي لا يستطيعه بشر ولا يعرف سره بشر، وهكذا القرآن حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلاما وأوزانا ويجعل منها الله قرآنا وفرقانا. والفرق بين صنع البشر وصنع الله من هذه الحروف والكلمات هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض، هو الفرق ما بين صورة الحياة وحقيقة الحياة».
أقول وصدق الله العظيم وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
(سورة الشورى) هذه الملاحظة التي سجلها صاحب الطلال ببيانه المشرق سجلها علماء المسلمين قديما، إلا أنه في عصرنا- فيما أعلم- سجلت ملاحظة أخرى إضافية حول هذه الأحرف وهي ما ذكرناه في الفصل السابق من أن فواتح السور- ومنها الأحرف- هي مفتاح من مفاتيح الوحدة القرآنية، وهذا الموضوع سيتضح لنا شيئا فشيئا في هذا التفسير. ولنكتف هنا بتسجيل هاتين الملاحظتين حول الأحرف التي افتتحت بها بعض السور، ولنا عودة على ما قيل في هذه الأحرف في أول سورة يونس حيث أول القسم الثاني من أقسام القرآن.
стр. 75
فصل في القلوب في المصطلح الشرعي: ورد في مقدمة سورة البقرة قوله تعالى عن الكافرين: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وورد قوله تعالى عن المنافقين: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وترد كلمة القلب في الكتاب والسنة كثيرا، وكثيرون من الناس يغلطون في شأنها. وباختصار نقول: إن هناك قلبا محسوسا لكل الناس يشترك فيه الإنسان مع كثير من المخلوقات هو القلب الدموي، هذا القلب الذي له وظيفة المضخة الدموية هو مركز لقلب آخر هو مركز الأحاسيس الوجدانية، من حب وبغض وحقد وسماحة وخوف وأمن، وهذه القضايا كذلك محسوسة لكل الناس، إذ كل الناس يحسون بشيء من هذه المعاني في قلوبهم. هذا القلب الثاني هو محل الإيمان الذوقي، وهو محل الكفر والنفاق كذلك، وهاهنا نجد أمورا محسة عند بعض الناس وغير محسة عند آخرين، فأهل الإيمان- مثلا يحسون بمعان كثيرة في قلوبهم، هذه المعاني لا يحس بها الكافرون لأن هذا الجانب في قلوبهم ميت، هذا القلب المرتبط بالقلب الدموي ليس هو عين القلب الدموي، بدليل أن الذين أجريت لهم عمليات استئصال لقلوبهم، وأعطوا قلبا آخر، لم تتغير أحاسيسهم، وفي التفريق بين القلب الدموي والقلب الآخر يقول صاحب حاشية الجمل على تفسير الجلالين: «وحيث أطلق القلب في لسان الشرع فليس المراد به الجسم الصنوبري الشكل فإنه للبهائم وللأموات، بل المراد به معنى آخر يسمى بالقلب أيضا، وهو جسم لطيف قائم بالقلب اللحماني قيام العرض بمحله أو قيام الحرارة بالفحم، وهذا القلب هو الذي يحصل منه الإدراك وترتسم فيه العلوم والمعارف». هذا القلب في المصطلح الشرعي يمرض ويصح ويموت ويعمى ويصم.
ومن ثم رأينا في الكلام عن الكافرين في الفقرة كيف أن الله قال خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وقال عن المنافقين فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ووصفهم بقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.
هذا القلب في المصطلح الشرعي مقره الصدر لا كما توهم بعضهم، من أن مقره الدماغ، قال تعالى فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج: ٤٦) فحدد مكانها في الصدور. وقد فصلنا في كتابنا (تربيتنا الروحية) في هذه المعاني فليراجع.
وبمناسبة قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وقوله تعالى فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ننقل هذه النقول:
стр. 76
قال مجاهد: «الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الأقفال، والأقفال أشد من ذلك كله».
وقال مجاهد: «ثبتت الذنوب على القلب، فحفت به من كل جوانبه حتى تلتقي عليه فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع: الختم»:
وقال: «كانوا يرون أن القلب في مثل هذه- يعني الكف- فإذا أذنب العبد ذنبا ضم منه وقال: بأصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضم وقال: بأصبع أخرى، فإذا أذنب ضم، وقال: بأصبع أخرى، هكذا، حتى ضم أصابعه كلها ثم قال: يطبع عليه بطابع. وقال مجاهد: كانوا يرون أن ذلك عين الران».
وفي الحديث الصحيح عن حذيفة عن رسول الله ﷺ قال: تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين قلب أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا».
وأخرج الترمذي وغيره عن رسول الله ﷺ قوله: «إن المؤمن إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه. وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (المطففين: ١٤) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قال ابن جرير: فأخبر رسول الله ﷺ أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله تعالى والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر عنها مخلص، فذلك هو الختم والطبع الذي ذكر في قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ نظير الختم والطبع على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد فض خاتمه وحل رباطه» اه.
فإذا علم الإنسان هذا وفهم قوله تعالى فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وما أشبه ذلك من الآيات، أدرك أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاء وفاقا على تماديهم في الباطل وتركهم الحق.
стр. 77
وبمناسبة ما مر أقول: إن التركيز على قضية القلب من أهم ملامح التربية القرآنية والنبوية، وقد أهمل الناس هذا إلا القليل، والقليل عنده دخن كثير إلا أقل القليل.
ولأن الجزء الأكبر من التكاليف الربانية منوط بالقلب، فإن على الإنسان أن ينتبه لذلك. ونحن- في هذه السلسلة- سنعطي هذا الموضوع حقه، كلما جاءت مناسبته بإذن الله.
فصل في الكفر الذي لا يؤمن أهله:
يلاحظ أن كثيرين من الناس يكونون كافرين ثم يدخلون في الإسلام، وقد ذكرت الفقرة التي تحدثت عن الكافرين في مقدمة سورة البقرة أن الكافرين يستوي عليهم الإنذار وعدمه فهم لا يؤمنون فكيف نجمع بين هذا وهذا؟ قال بعض المفسرين في هذا: والمراد بالذين كفروا هنا أناس علم الله أنهم لا يؤمنون فهؤلاء يستوي عليهم الإنذار وعدمه، روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ .. قال: كان رسول الله ﷺ يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له السعادة في الذكر الأول ولا يضل إلا من سبق له من الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له السعادة في الذكر التفسير، أن هاتين الآيتين قد فصلت فيهما سور في كتاب الله، ومن خلال دراسة هذه السور سنرى أن الكفر الكامل هو ما انعدمت فيه قضية الفطرة في قلب الإنسان، وأن هذا له علاماته وله حقيقته وثمراته. فمن اجتمعت له الحقيقة والثمرات والعلامات فهذا الذي لم تعد فيه بقية من الفطرة، وهذا الذي لم يعد ينفع معه إنذار. ولكون هذا لا يعلمه إلا الله فإننا مكلفون بالإنذار لإقامة الحجة، أما الكافرون الذين لم يصلوا إلى مثل تلك الدرجة، فهؤلاء لا زال في شأنهم أمل أن يهتدوا بإذن الله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ (الأنعام: ١٢٢) ولا يصل الإنسان إلى الكفر الذي لا أمل معه في الإيمان إلا بسيره في طريق ذلك كما رأينا. في الفصل السابق، وهذا موضوع سنراه كثيرا. وبكلامنا هذا لا نرد على من ذهب إلى أن الآيتين وردتا في شأن كفار علم الله أنهم لا يؤمنون، بل كلامنا تبيان لأسباب هداية بعض الكافرين وعدم هداية بعضهم، وإلا فالآيتان حتما واردتان في كفار علم الله أنهم لا يهتدون.
стр. 78
٥ - فوائد
(أ) أخرج الترمذي وابن ماجه عن رسول الله ﷺ قال: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس) قال الترمذي عنه: حديث حسن غريب. وذكر ابن كثير أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال له: أما سلكت طريقا ذا شوك؟ قال: بلى، قال: فما عملت؟ قال:
شمرت واجتهدت قال: فذلك التقوى .. » وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة إن نظر إليها سرته وإن أمرها أطاعته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله)، دل الحديث على أن تقوى الله هي أعظم ما يعطاه عبد.
(ب) مما أورده ابن كثير بمناسبة قوله تعالى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
- قال أبو العالية في تفسير الإيمان بالغيب: «الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث».
- عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا فذكرنا أصحاب النبي ﷺ وما سبقونا به فقال عبد الله: إن أمر محمد ﷺ كان بينا لمن رآه والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ الم ذلِكَ الْكِتابُ ..
إلى قوله: الْمُفْلِحُونَ قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وعن صالح بن جبير قال: «قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ببيت المقدس يصلي فيه، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة، فلما انصرف خرجنا نشيعه فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقا أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ قلنا: هات رحمك الله. قال: كنا مع رسول الله ﷺ ومعنا معاذ بن جبل- عاشر عشرة- فقلنا: يا رسول الله: هل من قوم أعظم منا أجرا؟ آمنا بالله واتبعناك. قال:
ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين، يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرا، أولئك أعظم منكم أجرا».
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ :
«أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ قالوا: الملائكة، قال: وما لهم لا يؤمنون وهم
стр. 79
عند ربهم؟ قالوا: فالنبيون، قال: وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا:
فنحن، قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : ألا إن أعجب الخلق إلي إيمانا، لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها». قال ابن كثير: قال الحاكم: صحيح الإسناد دلت هذه النصوص على فضل إيمان من جاء بعد الصحابة من المسلمين، ولا يعني ذلك أن من جاء بعد الصحابة أفضل منهم بل من جاء بعدهم أعظم أجرا من هذه الحيثية لا مطلقا.
(ج) أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قيل له: يا رسول الله: إنا نقرأ من القرآن فنرجو ونقرأ من القرآن فنكاد أن نيأس أو كما قال.
قال: أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟ قالوا: بلى يا رسول الله ... قال: الم ذلِكَ الْكِتابُ إلى قوله تعالى الْمُفْلِحُونَ هؤلاء أهل الجنة، قالوا: إنا نرجو أن نكون هؤلاء. ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ ... وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ هؤلاء أهل النار. قالوا: لسنا هم يا رسول الله .. قال: أجل.
(د) فهم بعضهم أن الفقرة الأولى من مقدمة سورة البقرة ذكرت صنفين من أهل الإيمان، الأول: هم الذين آمنوا بالقرآن دون أن يكونوا على دين سماوي سابق، وهؤلاء هم الذين ذكروا في قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
والثاني: هم الذين كانوا على دين سماوي سابق ثم آمنوا بالقرآن وهم الذين ذكروا في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ
يُوقِنُونَ
ونحن في التفسير الحرفي لم نعتمد هذا الاتجاه، بل اعتبرنا أن المتكلم عنهم في الفقرة صنف واحد، فالناس كلهم مطالبون بالإيمان بالغيب والإيمان بالوحي كله وباليوم الآخر، وقد ذكرنا حكمة التفصيل بذكر الإيمان بالوحي كله وباليوم الآخر مع أنهما داخلان في الإيمان بالغيب؛ نعم قد يكون من حكمة ذكر قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ البيان لأهل الكتاب ولأصناف من الناس قد لا يعتبرون الإيمان بالآخرة ضروريا، قد يكون من جملة الحكم في التفصيل البيان لهؤلاء جميعا أن التقوى لا بد فيها من إيمان بالوحي كله وباليوم الآخر هذا مع الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق والاهتداء بكتاب الله.
стр. 80
(هـ) في قوله تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ يصح الوقوف على قوله تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ كما يصح الوقوف على لا رَيْبَ فِيهِ فإذا وقفنا على لا رَيْبَ كان المعنى: هذا القرآن الذي لا يدانيه كتاب بلا شك، فيه هدى للمتقين وفي هذه الحالة يكون في الآية إشارة إلى أن المتقين يأخذون هداية أخرى نفهمها من نصوص الكتاب ذاته إذ المتقون مكلفون بالاهتداء بالسنة مع الكتاب، وبما أحال عليه الكتاب والسنة من طرق الاهتداء إلى حكم الله. أما الوقوف على قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ فإنه يفيد أن أصل الريب منفي عن هذا الكتاب، بينما على الوقف الأول، فإن الشك منفي عن أن هذا الكتاب يدانيه كتاب آخر، ثم إن قوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ في الوقف على لا رَيْبَ فِيهِ يعطينا أن هداية المتقين محصورة في الكتاب، ولا تنافي بين المعاني فهداية المتقين محصورة في الكتاب.
ولكن الكتاب هداهم إلى اعتماد السنة والاهتداء بها، وإلى اعتماد الإجماع والاهتداء به، وإلى اعتماد القياس وغيره. وهكذا نرى أنه من خلال الوقف فقط عرفنا معاني متعددة يكمل بعضها بعضا ويفسر بعضها بعضا، وسنرى هذا وغيره فندرك كيف أنه من خلال الوقف، ومن خلال القراءات المتعددة، ومن خلال السياق الخاص، ومن خلال السياق العام، تتولد عن هذا القرآن معاني لا نهاية لها، وكل هذا مع تيسير الفهم لكتاب الله، لكل طبقات الناس، بحيث يأخذ كل من مائدة القرآن ثم هي تبقى بلا نفاد.
(و) قال قتادة في نعت المنافق: «خنع الأخلاق يصدق بلسانه وينكر بقلبه ويخالف بعمله، يصبح على حال ويمسي على غيره، ويمسي على حال ويصبح على غيره، ويتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح هبت معها».
وقال مالك: المنافق في عهد رسول الله ﷺ هو الزنديق اليوم ..
ونقل ابن كثير- عن بعض العلماء- أن المنافقين بعد رسول الله ﷺ إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون أنهم يقتلون ...
وقال ابن كثير: «وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر، هل يستتاب أم لا؟ أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا؟ أو يتكرر منه ارتداده أم لا؟ أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه أو بعد أن ظهر عليه؟» وسنتحدث عن هذا
стр. 81
الموضوع في سورة الأحزاب عند قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا.
(ز) فرق بعض العلماء بين النفاق الاعتقادي والنفاق العملي، والحقيقة أن النفاق حالة قلبية تنبثق عنها أخلاقيتها، كما أن الكفر حالة قلبية تنبثق عنها أخلاقيتها، وكذلك الإيمان حالة قلبية تنبثق عنها أخلاقيتها. فمن أخلاقية النفاق ما ذكره لنا رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». وكذلك ما أخرجه البخاري وغيره عن عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ قال: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان. وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر»، فهذه أخلاقيات النفاق التي تدل على وجوده، ومن الحديث الأخير ندرك أن علينا أن نفرق بين النفاق الخالص والنفاق المخالط، وفي الأصل فإن علينا أن نفرق بين الزلة العارضة والخلق الدائم.
(هـ) من ذكر التجارة في قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ نفهم فهما بعيدا لا ينصب عليه السياق أن من عوامل النفاق وأسبابه الرغبة في الدنيا، والحرص عليها، وأنهم باعوا دينهم بمنفعة أو مصلحة.
٦ - كلمة في السياق
(أ) جاءت مقدمة سورة البقرة بعد سورة الفاتحة مباشرة فأرتنا النموذج الذي ينبغي أن نكونه، وعرفتنا على نموذجين لا ينبغي أن نكون من أهلهما، ولنلاحظ خاتمة سورة الفاتحة:
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فهؤلاء رأينا نموذجهم الفقرة الأولى عن المتقين.
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. وقد رأينا نماذج ذلك في الفقرتين الثانية والثالثة من مقدمة سورة البقرة، فالكافرون مغضوب عليهم وضالون، والمنافقون مغضوب عليهم وضالون، ولا يتعارض هذا مع كون المغضوب عليهم على الأخص
стр. 82
اليهود، والضالون على الوجه الأخص هم النصارى، لأن جميع الكافرين والمنافقين على الوجه العام مغضوب عليهم وضالون.
(ب) وقبل الفقرة الأخيرة من الفاتحة يأتي قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وسنرى أن القسم الأول من أقسام البقرة مبدوء بدعوة الناس جميعا إلى العبادة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ فالصلة بين سورة البقرة والفاتحة على أكثر ما تكون وأدق ما تكون.
(ج) يلاحظ أنه بعد أن قسم الله الناس إلى أصناف ثلاثة، يأتي القسم الأول من أقسام سورة البقرة ليدعو إلى سلوك الطريق الذي يحررهم من أن يكونوا كافرين، أو منافقين، ويجعلهم مؤمنين متقين فلننتقل للكلام عن القسم الأول من أقسام سورة البقرة:
стр. 83
القسم الأول من أقسام سورة البقرة:
ويمتد من الآية (٢١) إلى نهاية الآية (١٦٧) حيث يأتي قوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً
стр. 84
كلمة في القسم الأول من أقسام سورة البقرة:
ترد كلمة يا أَيُّهَا النَّاسُ مرتين في سورة البقرة: مرة في بداية القسم الأول:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ، ومرة في بداية القسم الثاني: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً، وهذا الابتداء هو إحدى العلامات التي دلتنا على القسم الأول والثاني.
والعلامة الثانية التي دلتنا على نهاية القسم الأول، هو انتهاؤه بنفس معاني الابتداء.
البداية هي قوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
والنهاية هي قوله تعالى:
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ.
لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى في البداية: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ قال ابن عباس في تفسيرها: وحدوا ربكم.
- إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ، وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى في البداية الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ
وبعد آية الخلق يأتي قوله تعالى في نهاية القسم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ* إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ* وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ.
стр. 85
لاحظ صلة قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً هنا بقوله تعالى في بداية القسم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فهذه العلامة الثانية التي دلتنا على أن هاهنا نهاية القسم الأول من سورة البقرة.
والعلامة الثالثة هي:
أننا لاحظنا أن مقدمة سورة البقرة وهي تشكل كلا بالنسبة للسورة انتهت بفقرة مبدوءة بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ
ونلاحظ هنا أنه لأول مرة في سورة البقرة بعد المقدمة يأتي قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ في الآيات التي مرت معنا وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً، فهذا كذلك مما دلنا على أن القسم الأول من سورة البقرة ينتهي هنا.
والعلامة الرابعة التي دلتنا على القسم الأول بداية ونهاية هي المعاني: فهذا القسم كما سنرى من خلال المعاني يتألف من ستة مقاطع كل مقطع مرتبط بما قبله وبما بعده بوشائج وصلات فلنستعرض بعض معاني المقاطع لنرى كيف أنها تدلنا على أنها مع بعضها تشكل قسما من الأقسام: يبدأ المقطع الأول بدعوة الناس جميعا إلى سلوك طريق العبادة والتوحيد، ليكونوا من المتقين، مقيما عليهم الحجة من خلال إعجاز القرآن محذرا ومنذرا ومبشرا، ثم يبين لهم العوامل التي تحول بين الإنسان وبين الهداية، مقيما الحجة على الكافرين بكفرهم، ثم يأتي المقطع الثاني: وفيه قصة آدم التي نهايتها فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* وهي تبين أن الوضع العادي للإنسان أن يكون مهتديا بهدى الله، وبالتالي فشئ عادي أن يكون الإنسان من المتقين بسلوك طريق ذلك.
ثم بعد ذلك يأتي مقطعان:
مقطع فيه قصة بني إسرائيل، وهي لأمة جاءها وحي ففرطت فيه، ومقطع فيه قصة إبراهيم ﵇ وفيه نموذج على من قام بحق الوحي قياما كاملا: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ أي قام بهن كلهن وفي كل من المقطعين تأخذ هذه الأمة دروسا.
وقصة إبراهيم ﵇ التي فيها بناء الكعبة، تصل بنا إلى مقطع جديد حول
стр. 86
قبلة المسلمين ودروس ذلك، وذلك هو المقطع الخامس.
ثم يأتي المقطع السادس، وفيه توجيهات مباشرة للمسلمين لها صلة بكل ما مر قبل ذلك في السورة.
فالمعاني إذن هي العلامة الرابعة التي دلتنا على القسم ابتداء وانتهاء ولئن اختصرنا وبسطنا فمن أجل مجرد وضع أساس وسيتضح الأمر لنا شيئا فشيئا.
ومما مر ندرك أن القسم الأول يتألف من ستة مقاطع- ذلك اجتهادنا- فلنبدأ بعرض المقطع الأول.
المقطع الأول من القسم الأول:
يمتد هذا المقطع من الآية (٢١) إلى نهاية الآية (٢٩) وهذا هو:
стр. 87
١ - كلمة إجمالية في هذا المقطع وسياقه
بعد أن عدد الله في مقدمة السورة فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين، وذكر صفاتهم وأحوالهم وما اختصت به كل فرقة أقبل عليهم بالخطاب داعيا إياهم إلى عبادته وتوحيده دالا لهم على طريق الكون من المتقين مقيما عليهم الحجة، على أن كتابه لا ريب فيه، مبشرا المستجيبين له بما أعده لهم مبينا الأسباب الحقيقة لضلال الضالين من كافرين ومنافقين، ومناقشا الكافرين مقيما عليهم الحجة، فإذا كانت مقدمة البقرة قد قررت بعض المعاني تقريرا فهذا المقطع كان دعوة وإقامة حجة.
٢ - المعنى الحرفي
وسنعرض فيه المقطع على ثلاث مراحل كل مرحلة نعرض فقرة وتعقيبا على محل الفقرة في السياق.
الفقرة الأولى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ أي اعرفوه ووحدوه وأدوا له حقوق الربوبية بعبادتكم إياه. قال ابن عباس: كل عبادة في القرآن توحيد. أقول: ولا توحيد إلا
стр. 88
بمعرفة، والمعرفة تقتضي القيام بحقوق المعبود. الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. الخلق هو إيجاد المعدوم على تقدير واستواء، وتذكيره إيانا بخلقنا وخلق من قبلنا في سياق الأمر بالعبادة تهييج لنا على العبادة وتبيان أن من خلق هو الذي يستحق العبادة. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لعل في أصل اللغة للترجي والإطماع ولكنه في القرآن إطماع من كريم، فيجري مجرى وعده المحتوم وفاؤه، فمن عرف الله حق المعرفة ووحده حق التوحيد، وعبده حق العبادة، وحققه الله بالتقوى كان من المفلحين، ففي الآية دعوة للناس جميعا أن يكونوا من الفئة الأولى التي ذكرت في مقدمة سورة البقرة- فئة المتقين- وذلك بسلوك طريق ذلك، وطريق ذلك معرفة الله وتوحيده وعبادته. وقد عرفهم على ذاته بأنه خالقهم وخالق من قبلهم،
ثم أكمل التعريف على ذاته بقوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً معنى جعل: صير.
والفراش كالبساط قال الألوسي: ومعنى صيرها فراشا أي كالفراش فى صحة القعود والنوم عليها قال السيوطي: أي بساطا يفترش لا غاية في الصلابة أو الليونة فلا يمكن الاستقرار عليها، قال القرطبي: وما ليس بفراش كالجبال والأوعار والبحار فهي من مصالح ما يفترش منها لأن الجبال كالأوتاد .. والبحار تركب إلى سائر منافعها، وَالسَّماءَ بِناءً. قال القرطبي: وكل ما علا فأظل قيل له سماء أقول: وقد شبهت السماء بالبناء في الآية لدقة إحكامها وكمال ترتيبها وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً أي من السحاب فَأَخْرَجَ بِهِ أي بالماء مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ، وهذا يقتضي منكم معرفة وعبادة وتوحيدا. ولذلك قال تعالى فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً الند: المثل، ولا يقال إلا للمثل المخالف المناوئ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنها لا تخلق شيئا ولا ترزق، وأن الله هو الخالق والرازق فهو صاحب الحق بالعبادة ويمكن أن يكون التقدير: فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم من أهل العلم بأصل الفطرة بأن الله هو المستحق للعبادة وحده.
ثم بعد أن عرفهم على ذاته من خلال ظاهرتي الخلق والعناية، بما يثبت الوحدانية ويبطل الإشراك ويستوجب العبادة ويستأهل التقوى ذكر ما هو الحجة على إثبات نبوة محمد ﷺ وما يقرر إعجاز القرآن مما يستوجب السير على هداه لتحقيق التقوى وذلك في قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ أي في شك مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا العبد اسم لمملوك من جنس العقلاء والمراد به في الآية محمد ﷺ وكلمة نَزَّلْنا تفيد التنزيل التدريجي المنجم فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ السورة هي: الطائفة من القرآن المترجمة أي المعنونة
стр. 89
التي أقلها ثلاث آيات وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ الشهيد هو: الحاضر أو القائم بالشهادة مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غير الله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعاواكم،
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا: بأن تأتوا بسورة من مثله فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ. الوقود: ما توقد به النار من مثل الحطب، ومعنى وقودها الناس
والحجارة: أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران، بأنها تتقد بالناس والحجارة وهي إما حجارة الكبريت فهي أشد توقدا، وأبطأ خمودا، وأنتن رائحة، وألصق بالبدن، وإما الأصنام المعبودة فهي أشد تحسيرا، أو هي هذه وهذه وكل ذلك اتجاهات للمفسرين أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ أي هيئت لهم، وفي ذلك دليل أن النار مخلوقة موجودة الآن، وبعد أن بين الله طريق تقواه، وأقام الحجة على وجوبها، وبين أن هذا القرآن لا ريب فيه، وتوعد الكافرين، فكأنه لم يعد هناك مبرر لإنسان في ألا يؤمن ويعمل صالحا،
ومن ثم فقد توجه الخطاب لرسول الله ﷺ أن يبشر هؤلاء العاملين:
وَبَشِّرِ الأمر لرسول الله ﷺ ابتداء ولكل مسلم انتهاء بحكم أن للمؤمنين أسوة برسول الله فهو قدوتهم، والبشارة: الإخبار بما يظهر سرور المخبر به الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ: الذين آمنوا بالغيب، وآمنوا بما أنزل على محمد ﷺ ، وما أنزل من قبل، وآمنوا بالآخرة وعملوا الصالحات؛ من إقامة صلاة وإنفاق وذلك كله قرر من قبل والصالحات في الاصطلاح الشرعي: كل ما استقام من الأعمال بدليل الكتاب والسنة، وعطف العمل الصالح على الإيمان دليل على أن الإيمان غير العمل الصالح. أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ. الجنة في اللغة: البستان من الشجر المتكاثف وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الأشجار، وقد جمعت في الآية ونكرت لاشتمالها على جنان كثيرة مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين، لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان ودار الثواب مخلوقة من قبل موجودة الآن. رزقنا الله إياها، قال علماء أصول الدين: ولا نجعل للمؤمن العاصي صاحب الكبيرة بشارة مطلقة بل نثبت بشارة مقيدة بمشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ النهر هو: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر والجري: الاطراد. قالوا: وأنهار الجنة تجري في غير أخدود من تحت أشجار الجنة وأنزه البساتين ما كانت أشجارها مظلة والأنهار في خلالها مطردة، والماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى ولذا قرن الله تعالى الجنات بذكر الأنهار الجارية وقدمه على سائر نعوتها كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً هذه الجنات لها ثمار أجناسها
стр. 90
أجناس ثمرات الدنيا وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله، وإنما كانت ثمار الجنة مثل ثمار الدنيا، ولم تكن أجناسا أخرى لأن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل، وإذا رأى فيه مزية ظاهرة وتفاوتا بينا كان تعجبه أكثر واستغرابه أوفر. وقوله تعالى مِنْ قَبْلُ أى من قبل ذلك مما رزقوه في الدنيا والآخرة وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً يشبه بعضه بعضا في المنظر والطعم مختلف وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من مساوئ الأخلاق، ومما يختص بالنساء في الدنيا من حيض واستحاضة، ومما لا يختص بالمرأة من البول والغائط وسائر الأقذار والأدناس، ومطهرة أبلغ من طاهرة لأنها تكون للتكثير وفيها إشعار بأن مطهرا طهرهن وما ذلك إلا الله وَهُمْ فِيها خالِدُونَ الخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع، فالجنة باقية ولكنها مخلوقة، وهي باقية بإبقاء الله، والله باق وبقاؤه واجب وليس لوجوده ابتداء فهو الأول.
عن ابن عباس قال: لا يشبه شئ مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء «وفي رواية:
ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء» وعن ابن مسعود في قوله تعالى وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً قال: في اللون والمرأى وليس يشتبه في الطعم، وقال يحيى بن كثير فيها:
يؤتى أحدهم بالصحفة من الشئ فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيقول هذا الذي أتينا به من قبل فتقول الملائكة: كل فاللون واحد والطعم مختلف، وقال مجاهد في تفسير قوله تعالى وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد .. نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته وأن يقينا ناره.
كلمة في السياق:
- قسمت مقدمة سورة البقرة الناس إلى ثلاثة أقسام ثم جاءت الآيتان التاليتان للمقدمة تدعوان الناس إلى أن يكونوا من المتقين بسلوك طريق ذلك، فأقامتا الحجة عليهم بلزوم السير في هذا الطريق من خلال ظاهرتي الخلق والعناية، ثم في الآية اللاحقة أقامت عليهم الحجة في أن هذا القرآن من عند الله، فأكملت الحجة على ضرورة السير ليكون الإنسان من المتقين، ويلاحظ أن بداية سورة البقرة كانت: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ وأن هاهنا قد جاء قوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فههنا يأتي الدليل على أن القرآن لا ريب فيه، ويأتي الدليل الملزم على وجوب الإيمان بالوحي المنزل على محمد ﷺ وهي إحدى النقاط المذكورة في المقدمة وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ.
- وفي المقدمة ذكرت الآيات استحقاق الكافرين للعذاب، واستحقاق المنافقين
стр. 91
للعذاب، فقالت عن الكافرين وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وعن المنافقين وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ. وفي الآيات التي جاءت بعد المقدمة ذكر فيها ماهية هذا العذاب فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ والمنافقون كفار بل هم شر الكفار.
- لاحظ الصلة بين الأمر بالعبادة بعد المقدمة، وبين صفات المتقين التي وردت في المقدمة ثم لاحظ الصلة بين قوله تعالى وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ في المقدمة، وبين قوله تعالى فيما بعد فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ ثم لاحظ أن مقدمة سورة البقرة بعد أن قررت أن القرآن لا ريب فيه ذكرت أن المهتدين به هم الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، وهاهنا بعد أن أقامت الآيتان السابقتان على آية الأمر بالبشارة الحجة على أن القرآن لا ريب فيه، بشر أهل الإيمان والعمل الصالح أي: الذين آمنوا بالغيب وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة واتبعوا الكتاب، وبهذا عرفنا مظهر الفلاح الذي ورد في مقدمة سورة البقرة في حق المتقين، وهو أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ..
وإذا عرفنا الصلة بين مقدمة سورة البقرة والفقرة الأولى من المقطع الأول من القسم الأول من أقسام سورة البقرة فلننتقل إلى الفقرة الثانية من المقطع:
الفقرة الثانية:
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
قال قتادة: أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكر شيئا مما قل أو كثر وإن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟
فأنزل الله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ... فالمعنى إذن: أن الله لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها، وما في الآية إبهامية وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاما وزادته عموما فَما فَوْقَها:
أي فما تجاوزها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا وهو القلة والحقارة أو فما زاد عليها في الحجم فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أي يعلمون أن المثل هو الحق من عند الله والحق هو: الثابت الذي لا يصح إنكاره. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا أشعر سؤالهم الاستحقار، وذلك من جهلهم بالله،
стр. 92
والإرادة طلب النفس وميل القلب بالنسبة للإنسان، وهي عند المتكلمين معنى يقتضي تخصيص الممكنات بوجه دون وجه، والله تعالى موصوف بالإرادة: على الحقيقة عند أهل السنة. يُضِلُّ بِهِ أي بالمثل كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً دلت على أن فريق العالمين بأنه الحق، وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة، وأن العلم بكونه حقا من باب الهدى، وأن الجهل بحسن مورده من باب الضلالة، وأهل الهدى كثيرون في أنفسهم وإنما يوصفون بالقلة بالقياس إلى أهل الضلال، والإضلال: خلق فعل الضلال في العبد، والهداية: خلق فعل الاهتداء عند أهل السنة. وَما يُضِلُّ بِهِ، أي بالمثل إِلَّا الْفاسِقِينَ الفاسق في اصطلاح الفقهاء هو: الخارج عن الأمر بارتكاب كبيرة أو بإصرار على صغيرة وأما في الاصطلاح القرآني فإذا جاء في سياق الكلام عن الكافرين والمنافقين فالمراد به الكافر، وإذا جاء حديثا عن المسلمين العاصين فالمراد به المقصرون في الفعل أو في الترك. وهاهنا المراد به الكافرون والمنافقون، وينسحب الكلام على المؤمنين، لأنه كثيرا ما ينسحب الوعيد في حق الكافرين والمنافقين على عصاة هذه الأمة ممن يوافقون الكافرين أو المنافقين في أمر هو معصية. ثم وصف الله- هؤلاء الذين يستحقون الإضلال بسبب فسوقهم فقال:
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ النقض هو الفسخ وفك التركيب، والعهد الموثق، والضمير في مِيثاقِهِ يعود إلى العهد أو لله تعالى، والميثاق من الوثاقة وهي: إحكام الشئ، فإذا كان الضمير للعهد صار المعنى ينقضون عهد الله من بعد ما وثقوه به من قبوله وإلزامه أنفسهم، وإذا كان الضمير (لله) صار المعنى:
ينقضون عهد الله من بعد توثقته عليهم، وعهد الله هو: إما ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به، ووثقه عليهم، وإما الميثاق بأنه إذا بعث رسولا يصدقه بالمعجزات أن يؤمنوا ويتابعوا، وإما أخذ الله العهد على ألا يسفك دم ظلما وألا يكون بغي وفساد وتقطيع أرحام.
وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ هو: قطعهم الأرحام وقطعهم موالاة المؤمنين ومن باب أولى موالاة الرسل، فمن قطع ما بين الأنبياء من الوصلة والاجتماع على الحق فآمن ببعض وكفر ببعض فقد قطع ما أمر الله به أن يوصل، والأمر: طلب الفعل بقول مخصوص على سبيل الاستعلاء.
وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ من أظهر مظاهر الإفساد في الأرض الدعوة إلى الكفر
стр. 93
والمعصية والفواحش، والتعويق عن الإيمان.
أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ الخاسر هو: المغبون وهؤلاء مغبونون حيث استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل والفساد بالصلاح والعقاب بالثواب.
كلمة في السياق:
١ - في مقدمة سورة البقرة ذكر المتقون، وذكر أنهم هم المفلحون، وذكر الكافرون وأن لهم عذابا عظيما، وذكر المنافقون وأن لهم عذابا أليما، وأنهم اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم، وهاهنا ذكر أن من اجتمعت لهم صفات بعينها هم الخاسرون، فدل ذلك على أن هذه الصفات التي ذكرت هنا صفات مشتركة بين المنافقين والكافرين، وأنهم جميعا فاسقون، وفي الكلام عن الكافرين ذكر الله أنه ختم على قلوبهم. وفي الكلام عن المنافقين ذكر الله أنه ذهب بنورهم.
وهاهنا بين الله أنه لا يضل إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، فعرفنا أنه ما ختم على قلوب الكافرين ولا ذهب بنور المنافقين إلا بسبب من أعمال ارتكبوها وطريق ساروا فيها فاستحقوا من الله ما استحقوا، فهذا أول مظهر من مظاهر صلة الآيتين بما قبلهما.
٢ - مقدمة سورة البقرة ذكرت الذين يهتدون بالكتاب، وهم من اجتمع لهم الإيمان بالغيب، والصلاة والإنفاق. وفي هاتين الآيتين ذكر من لا يهتدي بالكتاب، وهم الناقضون للعهد والقاطعون لما ينبغي وصله، والمفسدون في الأرض، وبالتالي فعلى الراغبين في الهداية أن يفعلوا شيئا، ويتركوا شيئا وكل من الشيئين مفصل محدد، وهذا مظهر ثان من مظاهر الصلة بين هاتين الآيتين وما قبلهما، فبعد أن دلنا الله على الطريق السالك نحو تقواه وعرفنا على ماهية تقواه وبشر المتقين، دلنا على طريق الضلال ليجتنب وذلك من خلال التعريف به ﷻ .
٣ - جاءت هاتان الآيتان في سياق قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ورأينا أن الأمر بالعبادة أمر بالمعرفة بالضرورة، وهاتان الآيتان جاءتا معرفتين على الله، ولذلك بدأتا بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا فعرفتانا على الله أنه يضل وأنه يهدي وأن إضلاله باستحقاق، وذلك كله تعريف على الله وتصحيح لمفاهيم خاطئة عن الله ، فهناك أناس يؤمنون بالله في زعمهم ولكنهم يعتقدون أن الله لا يتدخل في قضايا عباده، أو في شأن توجيههم، وهناك أناس يتصورون أن الله لا يهتم بشئون عباده وإذا اهتم فضمن حدود، ويرون أن هناك أمورا لا تليق
стр. 94
به، وكل ذلك من بنات أفكارهم، وقد جاءت الآيتان تصحح ذلك كله، ومن ثم فهي تعرف على الله في سياق أمر الله للناس بالعبادة، ومن هاهنا ندرك صلة الآيتين ببداية المقطع، وهذا شئ سنراه كثيرا من كون بداية المقطع لها صلة بكل آيات المقطع.
٤ - جاءت هاتان الآيتان بعد الآية التي أمر الله بها رسوله ﷺ أن يبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات فكان في هاتين الآيتين الإنذار المقابل للتبشير وذلك لمن ضل عن طريق الله ، وهكذا نجد كيف أن الآيتين مرتبطتان بما قبلهما مباشرة ومرتبطتان بمقدمة السورة بأقوى رباط.
والآن لننتقل إلى الفقرة الثالثة في المقطع الأول من القسم الأول من أقسام سورة البقرة.
الفقرة الثالثة:
المعنى الحرفي: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ؟ الاستفهام بكيف هنا يفيد الإنكار والتعجب فكأنه قال: أتكفرون بالله وفيكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان، والأموات: جمع ميت كالأقوال جمع قول وهو عادم الحياة أصلا، وذلك حال كون الإنسان ترابا إذ النطفة من الغذاء، والغذاء من التراب، والحياة الأولى هي حال كون الإنسان في الرحم فما بعد ذلك حتى يموت. ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للبعث؛ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي تصيرون إلى الجزاء، أو التقدير: ثم يحييكم في قبوركم ثم إليه ترجعون للنشور. وإنما أنكر اجتماع الكفر مع ما ذكر، لأن ما ذكر يقتضي شكرا وخشية، لا كفرا وإدبارا وغفلة.
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أي لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم، أما في دنياكم فظاهر إذ ما من شئ إلا وهو لصالح الإنسان بشكل من الأشكال، وأما في دينكم فلما يؤدي النظر في ذلك إلى معرفة بالله وتذكر للآخرة، فملاذ الدنيا تذكر بثواب الآخرة، ومكارهها تذكر بمكارهها ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي أقبل وعمد إلى خلق السموات بعد ما خلق ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شئ آخر والمراد بالسماء جهات العلو كأنه قيل ثم استوى إلى فوق فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ معنى تسويتهن: تعديل خلقهن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور أو إتمام خلقهن، ومن فعل هذا كله كان علمه محيطا فليتق الإنسان الله الذي يعلم كل شئ فيعلم تقلبه في كل حال وسره وعلانيته.
стр. 95
كلمة في السياق:
١ - بدأت الفقرة الأولى من هذا المقطع بالدعوة إلى عبادة الله وتوحيده وجاءت الفقرة الثانية فزادتنا تعريفا على الله ثم جاءت الفقرة الثالثة فناقشت الكافرين بالله، وأقامت عليهم الحجة من خلال ظاهرتي الحياة والعناية.
٢ - يلاحظ أن المقطع بدأ بقوله تعالى الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وأن الآيتين الأخيرتين منه بدأتا بالتذكير بذلك كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ، والآن لنحاول أن نبحث عن حكمة تسلسل فقرات المقطع:
في الفقرة الأولى ذكر الطريق إلى الله كاملا، ومن جملة ما ذكر في الفقرة الأولى وجوب معرفة الله وإقامة الحجة على أن القرآن لا ريب فيه، وجاءت الفقرة الثانية في سياقها الرئيسي فزادت معرفتنا بالله ونفت شبهة عن هذا القرآن، وجاءت الفقرة الثالثة لتناقش الكافرين في كفرهم بالله، وتأخير الفقرة الثالثة فيه إشارة إلى أن باطل الأباطيل الكفر بالله، فقد جاءت الفقرة الثالثة بعد قوله تعالى وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، فمجيء قوله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ .. بعد ذلك فيه إشارة إلى أن السبب الأول في ضلال الكافرين والمنافقين هو الكفر بالله، وهكذا نجد أن الفقرة اللاحقة تخدم في كل ما سبقها وجميع الفقرات على غاية من التلاحم مع بعضها، والمقطع كله كما رأينا شديد الصلة بالمقدمة.
٣ - فوائد
١ - بمناسبة قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً ننقل هذه النقول:
في الصحيحين عن ابن مسعود قال: «قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟
قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك». وفي حديث معاذ: «أتدري ما حق الله على عباده؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» وفي الحديث «لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان ولكن ليقل ما شاء الله ثم شاء فلان». وعن ابن عباس قال: قال رجل للنبي ﷺ : «ما شاء الله وشئت قال: أجعلتني لله ندا قل: ما شاء الله وحده» وأخرج ابن مردويه والنسائي وابن ماجه عن الطفيل بن سخبرة قال: رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على نفر من اليهود فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود. فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون عزير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم
стр. 96
تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. قال: ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: من أنتم؟
قالوا: نحن النصارى. قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله.
قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: هل أخبرت بها أحدا؟
قلت: نعم فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا: ما شاء الله وحده.
وقال ابن عباس في تفسيره قوله تعالى فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً «الأنداد هو الشرك. أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها (فلان). هذا كله به شرك» أقول: وقد غرقت كثير من البيئات في مخلات التوحيد الكبرى أو الصغرى، فعلى العلماء أن يتقوا الله فيقوموا بكل ما يحمي جناب التوحيد كأعظم واجب على الإطلاق، ولنختم هذه النقول بهذا النص:
أخرج الإمام أحمد بإسناد قال عنه ابن كثير: إنه حسن، عن الحارث الأشعري أن نبي الله ﷺ قال: «إن الله أمر يحيى بن زكريا ﵇ بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وأنه كاد أن يبطئ بها، فقال عيسى ﵇: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن، فقال: يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي. قال فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد، وقعدوا على الشرف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن: أو لهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم؛ فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا. وأمركم بالصلاة فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت؛ فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وأمركم بالصيام، فإن مثل ذلك مثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى
стр. 97
عنقه وقدموه ليضربوا عنقه وقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه. وأمركم بذكر الله كثيرا، وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره فأتى حصنا حصينا فتحصن به وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله. قال: وقال رسول الله ﷺ : «وأنا آمركم بخمس؛ الله أمرني بهن: الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله، فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جثي جهنم قالوا: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ فقال:
وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم الله المسلمين المؤمنين عباد الله».
٢ - قوله تعالى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ يعم كل سورة في القرآن طويلة كانت أو قصيرة لأنها نكرة في سياق الشرط فتعم، كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين كما هو مقرر في موضعه، فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها، فكل سورة من القرآن معجزة، لا يستطيع البشر معارضتها طويلة كانت أو قصيرة، بل ما كان في حجم السورة القصيرة من السور الطوال، يقوم به الإعجاز وتثبت به الحجة.
ولقد تحدى القرآن العرب- والتحدي للعرب تحد للناس جميعا من باب أولى؛ لأنهم أفصح الأمم والقرآن بلغتهم- مرات عديدة أن يأتوا بشيء مثله، ومع شدة عداوتهم له وبغضهم لهذا الدين عجزوا عن ذلك. ولقد قال تعالى فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ولن: تفيد النفي المؤبد في المستقبل أي: ولن تفعلوا ذلك أبدا، وهذه أيضا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبرا جازما قاطعا مقدما غير خائف ولا مشفق أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين ودهر الداهرين. وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن، وأنى يتأتى ذلك لأحد؛ والقرآن كلام الله خالق كل شئ وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين، ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز وجوها ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى وسنرى ذلك في هذا التفسير حيث جاءت مناسبة. في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» اهـ. وذلك لأن معجزات الرسل خارجة عن ماهية الوحي أما في رسالة رسولنا فالقرآن نفسه معجزة بل معجزات.
стр. 98
٣ - قال ابن مسعود في تفسير قوله تعالى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ: «هي حجارة من كبريت خلقها الله يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين» رواه ابن جرير.
وأخرج الإمام مسلم عن ابن مسعود قال: سمعنا وجبة فقلنا ما هذه؟ فقال رسول الله ﷺ : «هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى مقرها». أقول: فهذا دليل على أن النار موجودة الآن، وأن الصحابة كان يكشف عن أسماعهم فيسمعون شيئا من أمر الغيب.
٤ - سيقت آية إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما لبيان أن ما استنكره الجهلة من الكفار، واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروبا بها المثل، ليس بموضوع للاستنكار والاستغراب؛ لأن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى، وإدناء المتوهم من المشاهد، فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به كذلك، وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك، ألا ترى أن الحق لما كان واضحا جليا تمثل له بالضياء والنور، وإن الباطل لما كان بضد صفته تمثل له بالظلمة؟ ولما كانت حالة الآلهة التي جعلها الكفار أندادا لله لا حال أحقر منها وأقل، ولذلك جعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف والوهن، وجعلت أقل من الذباب، وضربت لها البعوضة فالذي دونها مثلا فمثل هذا التمثيل لا يستنكر ولا يستبعد، إذ المثل مضروب في محله مسوق على قضية مضربه، كما سيقت الآية لبيان أن المؤمنين الذين عادتهم الإنصاف والنظر في الأمور بناظر العقل، إذا سمعوا بهذا التمثيل علموا أنه الحق، وأن الكفار الذين غلب عليهم الجهل والإثارة الغوغائية، إذا سمعوه كابروا وعاندوا وقضوا عليه بالبطلان وقابلوه بالإنكار، غوغائية وتشويشا دون مبرر. فلم يزل الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وخشاش الأرض فقالوا: أجمع من ذرة، وأجرأ من
الذباب، وأسمع من قراد، وأضعف من فراشة، وآكل من السوس، وأضعف من البعوضة، وأعز من مخ البعوضة، والله جل شأنه خاطب البشر من حيث ما ألفوه من فنون الخطاب، فبدلا من أن يشكر الإنسان الله على ما قرب إليه من معان، كفر!! وما أكثر ما نرى المحجوج والمبهوت يدفع الواضح وينكر اللائح.
٥ - ذكر الله ثلاث صفات استحق بها- من استحق- الضلال وهي صفات مشتركة في الكافرين والمنافقين، والحديث الشريف ذكر أن للمنافقين ثلاث
стр. 99
خصال، ولأبي العالية جمع لطيف بين هذه الصفات جميعا يقول أبو العالية فيما ذكره ابن كثير:
«ست خصال من المنافقين إذا كانت فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال:
إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل وأفسدوا في الأرض. وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الخصال الثلاث إذا حدثوا كذبوا وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا».
وفيما ذهب إليه أبو العالية دليل لما ذهبنا إليه أن الآية في الفقرة الثانية شملت الكافرين والمنافقين، ومن درس حال من تنطبق عليهم صفات المنافقين المتقدمة في مقدمة السورة قبل وصولهم إلى حكم البلاد في عصرنا وبعد الوصول إلى الحكم عرف مصداق ما ذكره أبو العالية.
٦ - في قوله تعالى عن الفاسقين في الفقرة الثانية من المقطع .. أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ قال ابن جرير: «الخاسرون جمع خاسر وهم: الناقصون أنفسهم حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته، كما يخسر الرجل من تجارته بأن يوضع من رأسماله في بيعه وكذلك المنافق والكافر خسرا بحرمان الله إياهما رحمته التي خلقها لعباده في القيامة وهم أحوج ما كانوا إلى رحمته».
وقال الضحاك عن ابن عباس «كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب» أقول:
وهذا شئ مهم جدا في فهم النصوص فكثير من الناس غلطوا فكفروا عصاة المؤمنين بسبب عدم فهم مثل هذه الدقائق.
٧ - قال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قال: كنتم ترابا قبل أن يخلقكم فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى، فهذه ميتتان وحياتان فهو كقوله كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً .. نقل هذا التفسير ابن كثير وهو نص مهم في تفسير الآيتين، لأن بعض المفسرين فسر الموتة الأولى: بأنها عند ما كان الإنسان نطفة فاستغل ذلك بعض المضللين بأن أصبح يقول:
إن النطفة فيها حياة فكيف تعتبر ميتة بينما تفسير ابن عباس يجعل الموتة الأولى مرحلة ما قبل النطفة مرحلة الترابية، إذ ذرات النطفة قبل أن تتخلق كانت غذاء، وقبل ذلك كان
стр. 100
الغذاء ترابا وهواء وماء، وذلك كله عديم حياة وإذن فهذا التفسير عن ابن عباس أبعد عن الإشكال.
٨ - استدل الكرخي وأبو بكر الرازي بقوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً على أن الأشياء التي يصح أن ينتفع بها خلقت مباحة في الأصل ومنه القاعدة: «الأصل في الأشياء الإباحة» وهذا مبحث من مباحث علم أصول الفقه.
٩ - النصوص القرآنية قطعية الدلالة في أن السموات والأرض خلقت في ستة أيام، ولكن لم يرد نص في الكتاب والسنة يوضح ماهية هذه الأيام الستة، وماذا تم في كل واحد منها على التعيين، نقول هذا لأن علماء الكون لهم كلام طويل في موضوع تطور الأرض حتى وصلت إلى ما هي عليه فحتى لا يظن ظان أن هناك كلاما قطعيا في الكتاب والسنة حول هذا الشأن فيعارض به الأبحاث العلمية أحببنا الإشارة إلى هذا الموضوع.
كل ما في الأمر أن هناك كلاما عن أهل الكتاب في هذا الموضوع، وهو كلام متناقض متهافت ساقط علميا، وفي كل الأحوال لا ينبغي أن يحسب على الكتاب والسنة أو على الإسلام بشكل عام، وهناك قضية موهمة وهي أن الإمام مسلما روى حديثا في هذا الموضوع، فلننقل الحديث وتعليق ابن كثير عليه لنعرف الخطأ في هذا الشأن:
عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: «خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» قال ابن كثير: «وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه علي بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ وجعلوه من كلام كعب (أي كعب الأحبار اليهودي الأصل ثم أسلم)، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعا وقد حرر ذلك البيهقي» اهـ كلام ابن كثير. أقول:
والنص إذا فهمناه على أنه شرح للأيام الستة وما حدث فيها فإنه يناقض القرآن لأن اليومين الأخيرين من الستة تم فيهما خلق السموات كما نص القرآن على ذلك في سورة فصلت ولهذا وغيره أنكره المحدثون وعلى فرض صحة رفعه، فإنه يحمل على تسلسل الخلق دون أن يعتبر تفسيرا للستة التي خلق الله بها السموات والأرض، وعلى ألا يعتبر ذلك
стр. 101
تسلسلا متواليا بل أن يفهم على أنه في سبت من السبوت تم خلق التربة ثم في أحد من أيام الأحد فيما بعد تم خلق الشجر، والملاحظ أن هذا النص إذا فهم في إطاره الحرفي وعلى أنه تفسير للأيام الستة فإنه لا يتفق مع القرآن، ولا حتى مع رواية ما يسمى الآن بالتوراة، لأن التوراة المحرفة الحالية تزعم أن الله فرغ من الخلق يوم الجمعة، وأنه لم يعمل شيئا يوم السبت، وعلى كل فقد رأيت ترجيح المحدثين لاعتبار النص كتابيا وليس حديثا شريفا. وهناك نص عن عبد الله بن سلام ﵁
وكان قبل إسلامه من أحبار اليهود يقول: «إن الله بدأ الخلق يوم الأحد فخلق الأرضين في الأحد والاثنين وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء وخلق السموات في الخميس والجمعة وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة». ولنا على هذه الرواية أكثر من عودة فالأمر يحتاج إلى بحث طويل ولنا عنده وقفات.
٤ - فصول شتى
فصل في السموات:
هناك ألفاظ لها في الأصل معانيها اللغوية، ويعطيها الشارع معان شرعية، وأحيانا يستعملها الشارع بمعناها اللغوي، وأحيانا بمعناها الشرعي الخاص الذي أعطاها إياه، وهذا يقتضي دقة في الفهم عن الشارع. مثال ذلك: كلمة السماء فهي في أصل اللغة تدل على العلو، والشارع يستعملها أحيانا بهذا المعنى، ثم هي في هذا المعنى تستعمل للدلالة على العلو القريب وأحيانا على العلو كله، والشارع حدثنا عن السموات السبع وهي من حيث إنها في جهة العلو تتفق مع أصل الوضع اللغوي، ولكنها في اصطلاح الشارع تدل على شئ بعينه من مجموع هذا العلو.
في مجموع هذه الأمور زلت أقدام وتزل أقدام ويقع خطأ كبير، وفي المقطع الذي مر معنا وردت كلمة السماء أربع مرات: وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وفي اجتهادي أن اللفظ الأول للسماء في الآية الأولى يراد به جهة العلو كلها، واللفظ الثاني للسماء في نفس الآية يراد به السماء القريبة أي:
منطقة تشكل السحاب. وأما اللفظ الأول للسماء في الآية الثانية فهو يوافق اللفظ الأول لها في الآية الأولى وأما السموات السبع فيراد بها السموات في الاصطلاح الخاص. بعد هذا العرض السريع لهذا الموضوع فلنتحدث عن بعض مقولات علماء الطبيعة في عصرنا:
يقدر علماء الطبيعة أن عمر مجرتنا التي تشكل مجموعتنا الشمسية جزءا منها حوالي
стр. 102
عشرة مليارات من السنين، بينما يعتبرون أن عمر الأرض والشمس حوالي أربع مليارات ونصف من السنين، فعمر الأرض إذن أقل بكثير من عمر المجرات، فالسماء بمجموعها إذن أقدم من الأرض، ونتيجة لهذا فإن بعض الدارسين وقع في حيرة، بسبب أن القرآن يذكر أن السموات خلقت بعد الأرض، وسبب الحيرة أنهم لم يفرقوا بين السماء بالمعنى الأعم والسموات السبع بالمعنى الأخص، فالنص القرآني يثبت أن السموات السبع بالمعنى الأخص قد خلقت بعد الأرض، ولكن القرآن يثبت كذلك أن الأرض قد خلقت بعد السماء بالمعنى الأعم.
لقد زعم بعض الباحثين أن السموات السبع هي هذه المجرات أو هي الكواكب وهذا الذي أوقعهم في الخطأ مرتين ومن أجل وضع الأمور في نصابها نقول:
تستعمل كلمة السماء في القرآن على أكثر من استعمال، فأحيانا تطلق على ما علا، فيدخل في ذلك الجو والنجوم والسموات والمجرات، وأحيانا تذكر ويراد بها السموات السبع التي هي سكن الملائكة، وإليها تعرج أرواح المؤمنين وإليها كان معراج رسول الله ﷺ ، والتي في أعلاها الجنة، وسقفها عرش الرحمن، وعدم التفريق بين المعنى الاصطلاحي للسماوات وهي هذه السبع وبين السماء مطلقا كما هو معناها في اللغة مزلة قدم في فهم كتاب الله، والسموات الواردة في قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ، إنما هي السموات في المصطلح الذي ذكرناه، وهي سماوات يجب أن نؤمن بها فمن أنكرها كفر، ولكن هل هي غيبية أو لا؟ أو هي فوق المجرات كلها أو لا؟ هذه كلها قضايا تحتملها النصوص وعبارات العلماء، ولا يترتب عليه كفر أو إيمان وسنتعرض له في محله ولا يؤثر على العقيدة الجهل به، ولكن هناك قضية تفرض نفسها في عصرنا وهي أن ظاهر الآية هنا- ويؤكد هذا المعنى الآيات الواردة في سورة فصلت- يذكر أن السموات السبع خلقت بعد الأرض، بينما قال الله تعالى في سورة النازعات: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً، أَمِ السَّماءُ بَناها* رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها* وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فههنا ذكر دحو الأرض بعد خلق السماء والذي أتجه إليه في هذا الموضوع:
أن السموات السبع التي ذكرنا مواصفاتها خلقت بعد الأرض، أما السماء ككل أي هذه المجرات فإنها خلقت قبل الأرض ويؤيد هذا الاتجاه أن الله- قد ذكر أن خلق السموات والأرض قد كان قبله شئ آخر وذلك قوله تعالى في سورة هود وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ وبهذا
стр. 103
الاتجاه الذي اتجهناه نكون قد جمعنا بين النصوص، وبعد أن سجلت هذا الاتجاه في مسودة التفسير رايت أن الألوسي في تفسيره قد نقل عن بعض الإسلاميين ما يشبه هذا الاتجاه يقول في الصفحة (٢١٧) من الجزء الأول من تفسيره. «والذي يفهم من بعض عبارات القوم ... أن المحدد ويقال له سماء أيضا مخلوق قبل الأرض وما فيها، وأن الأرض نفسها خلقت بعد، ثم بعد خلقها خلقت السموات السبع، ثم بعد السبع خلق ما في الأرض من معادن ونبات، ثم ظهر عالم الحيوان، ثم عالم الإنسان» أقول: هذا النقل يحتاج إلى نقاش في بعض أجزائه ولكنه يؤيد أصل ما اتجهنا إليه، وينبغي أن يكون واضحا أن القرآن يثبت قدم المجرات على تشكل الأرض، وهذا من أعظم المعجزات التي تدل على أن هذا القرآن من عند الله.
فصل في إعجاز القرآن ومعجزاته:
رأينا أن الإعجاز شئ مشترك في القرآن كله، ففي أصغر سورة أو بقدرها يقوم الإعجاز، ويثبت التحدي، وتقوم حجة الله على الخلق بأن هذا القرآن من عند الله، ولكن هناك معجزات أخرى في هذا القرآن زائدة على أصل الإعجاز، إن كل معنى في القرآن يستحيل أن يكون أثرا عن علم بشري، سواء كان حديثا عن ماض أو
آت أو سر من أسرار هذا الكون يشكل في حد ذاته معجزة تزيد على مجرد الإعجاز، إن الإعجاز حاصل في القرآن سواء وجد إخبار عن مستقبل أو لا، وجد كلام عن قضية علمية أو لا، فإذا وجد شئ من ذلك وجدت معجزة زائدة على الإعجاز الموجود في سور القرآن كلها، وهذا معنى سيتضح شيئا فشيئا، وإنما نبهنا على ذلك لأن كثيرا من المؤلفين يتساهلون في التعبير عن هذه الأمور ولا حرج في ذلك، ولكنه كلام تقتضيه دقة العرض العلمي لهذا القرآن الكريم، وبهذه المناسبة نقول: إن من أهم واجبات الدعاة في هذا العصر أن يعرفوا معجزات القرآن، وأن يمتلكوا القدرة على فهم إعجازه، وأن يحسنوا العرض لهذا كله، فما من شئ أقرب من إقامة الحجة وأكثر تأثيرا في النفس من مثل هذا، إن سيرنا في هذا الطريق وامتلاكنا ناصية البيان فيه يختصر لنا الطريق في الدعوة إلى الإيمان بالله وبالرسول ﷺ وبالإسلام بآن واحد.
فصل في قضايا عقدية:
مر معنا في هذا المقطع قوله تعالى يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً فدل ذلك على أن الله هو الذي يخلق الهداية والضلال، على أن ذلك له أسبابه كما رأينا
стр. 104
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ، الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ .. وهذا يؤيد ما اتجه إليه أهل السنة والجماعة في مسألة خلق الأفعال في أنهم يثبتون الأسباب ويسندون الخلق لله، فكل شيء بعلمه ﷻ وإرادته وقدرته ابتداء واستمرارا، ولقد رأينا النقول التي نقلناها بمناسبة قوله تعالى فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وكيف أن الصحابة اعتبروا من مخلات التوحيد الاعتماد على الأسباب أو نسبة الأفعال إليها دون ملاحظة أن ذلك لم يكن إلا بالله.
وأهل السنة والجماعة يرون أن الإيمان هو التصديق، ويعتبرون العمل بالإسلام علامة كمال، ومن ثم فلا يحكمون بكفر من صدق إذا أخل إلا إذا كان في تصديقه خلل، أو أتى ناقضا يخل بأصل الإيمان، ومن أدلتهم على ذلك قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فالعطف في اللغة العربية يقتضي المغايرة، ومن ثم فإن العمل الصالح غير الإيمان.
ولعل أحدا من الناس يضايقه ذكر مثل هذه المعاني ولهؤلاء نقول: إننا لسنا أمام خيار، فلقد ثارت هذه المسائل في التاريخ وأثيرت وإما أن نقدم للمسلمين اليوم خلاصة التحقيق فيها ليكون عند المسلم مناعة ضد الخطأ، أو نسكت فيقع المسلم في الاتجاهات الخاطئة، ونحيل المسلم على رسالتنا «جولات في الفقهين الكبير والأكبر» ليرى فيها ضرورة ما ذكرنا.
فصل في بعض دروس مقدمة السورة والمقطع الأول من قسمها الأول:
رأينا في المقطع أن الله أقام الحجة على الكافرين من خلال ظاهرتي الحياة والعناية، وأقام الحجة على وجوب عبادته وتوحيده من خلال ظاهرتي الخلق والعناية، وعرفنا على أسباب الضلال ومظاهره، وعرفنا على طريق الهداية ومعالمها، وطرق سمعنا خلال ذلك قضية التقوى وقضية العبادة كأهم قضيتين على الإطلاق، ونحب هنا أن نضع بعض الأطر لنعرف محل قضية التقوى والعبادة في مجموع دين الله.
١ - ما من قضية من قضايا التكليف إلا وقد بينها الله في كتابه أو سنة رسوله ﷺ أو بما أحال عليه الكتاب والسنة من أصول تستنبط منها أحكام الله، وأن مجموع ذلك وغيره إنما هو إسلام أو من الإسلام.
٢ - إن أركان الإسلام الذي يقوم عليه بناؤه خمسة، وقد ذكرت الفقرة الأولى من مقدمة سورة البقرة ثلاثا منها.
стр. 105
٣ - إن مجموع ما يطالب به المسلم من مجموع الإسلام هو التقوى حقيقة وطريقا والتقوى هي التي توصل إلى الشكر، ويدخل فيها العمل بالإسلام والتحقق بالإيمان والارتقاء إلى مقام الإحسان، وقد فصلنا هذا كله في كتابنا «تربيتنا الروحية».
وباختصار نقول:
إن المسلم مكلف بأن يعرف الإسلام، وأن يعرف شموله، وأن يؤمن به، ومكلف بأن يأخذ حظه من العمل بالإسلام، وبأن يتحقق بالإيمان، وبأن يسعى للإحسان، وبأن يتحقق بحقيقة التقوى، وأن يصل بذلك إلى مقام الشكر، وهذه معان نعرضها هنا باختصار وسنراها كثيرا فيما بعد، وإنما أحببنا هنا أن نلفت النظر إلى مجمل ما درسناه بالنسبة لمجموع النصوص، ولعله قد وضح لدينا أنه لكي لا نكون كافرين ولا منافقين:
فإن علينا أن نتذكر عهودنا مع الله ولا ننقضها، وأن نصل ما أمر الله به أن يوصل من رحم وأن نواد أهل الإيمان ونواليهم، وأن علينا ألا نفسد في الأرض بصد عن سبيل الله أو بدعوة إلى كفر، وأن علينا أن نؤمن وأن نعمل صالحا، بإقام الصلاة والإنفاق والعبادة واتباع كتاب الله، وأن نتذكر- إذا وقع في قلوبنا وسوسة- هذا القرآن وإعجازه، وظواهر هذا الكون التي تدلنا على الله، وأن نتذكر أن أمامنا نارا أعدها الله للكافرين، وسنرى كيف أن هذه المعاني كلها- مما ورد هاهنا ومما سيرد في سورة البقرة- ستفصل فيه سور كثيرة.
كلمة أخيرة في المقطع الأول من القسم الأول:
مر معنا حتى الآن من سورة البقرة مقدمتها والمقطع الأول من القسم الأول منها، وقد رأينا صلة المقدمة بهذا المقطع وعمق الارتباط بين المقدمة وبين هذا المقطع، ورأينا صلة ذلك كله بفاتحة الكتاب. هذا كله قد رأيناه، والآن نحب أن نذكر شيئا هو: أن هذا المقطع هو أول مقطع في القسم الأول من أقسام سورة البقرة، وإذ كان هو المقطع الأول، فإن صلته ببقية مقاطع القسم صلة خاصة حتى ليكاد يكون كل مقطع من المقاطع التالية يعمق معاني تعرض لها المقطع بشكل من الأشكال، وسنرى ذلك
كله تفصيلا فلننتقل بعد هذه الإشارة إلى المقطع الثاني من القسم الأول من سورة البقرة، وفيه قصة آدم، وقد وصلنا إليها بعد أن وضح لدينا: «أن الإنسان سيد هذه الأرض ومن أجله خلق كل شئ فيها كما تقدم ذلك نصا، فهو إذن أعز وأكرم وأغلى من كل شئ مادي ومن كل قيمة مادية في هذه الأرض جميعا ... فهذه الماديات كلها مخلوقة أو مصنوعة من أجله، من أجل تحقيق إنسانيته، من أجل تقرير وجوده الإنساني ... ».
стр. 106
«وأن دور الإنسان في الأرض هو الدور الأول، فهو الذي يغير ويبدل في أشكالها وفي ارتباطاتها، وهو الذي يقود اتجاهاتها ورحلاتها، وليست وسائل الإنتاج ولا توزيع الإنتاج هما اللتان تقودان الإنسان وراءهما ذليلا سلبيا كما تصوره المذاهب المادية التي تحقر من دور الإنسان وتصغر بقدر ما تعظم في دور الآلة وتكبر». عن الظلال.
المقطع الثاني من القسم الأول:
يمتد هذا المقطع من الآية (٣٠) إلى نهاية الآية (٣٩) وهذا هو:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٠ الى ٣٩]
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤)
وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)
стр. 107
١ - كلمة عامة في هذا المقطع وسياقه:
- يقص الله علينا في هذا المقطع قصة آدم ﵇ والحكمة في خلقه وكرامته على الله ، وتمرد الشيطان بسببه وإغواء الشيطان لآدم وزوجه وإهباط الله آدم وزوجه والشيطان إلى الأرض والقاعدة التي قررها لهم حين الإهباط فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
- جاءت قصة آدم بعد قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فبعد أن أخبرنا الله عن تهيئة الأرض لنا، أخبرنا عن قصة خلقنا وما ركبه فينا من استعدادات؛ لاحظ الصلة بين قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وبين: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً لاحظ ذكر الأرض في كل من الآيتين فإذا ما لاحظت الصلة المباشرة بين قصة آدم وبين الآية التي سبقتها فلنحاول أن نرى صلة هذا المقطع بما قبله:
بدأت سورة البقرة بكلام عن المتقين والكافرين ومما ذكرته:
الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لاحظ صلة ذلك
стр. 108
في القاعدة الكلية التي تختم بها قصة آدم: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فبعد أن قرر الله في المقدمة ما قرر، تأتي قصة آدم فكأنها تقول: إن اتباع هداي هو شرطي عليكم من الابتداء، ومن ثم فقصة آدم تعمق قضية الاهتداء بكتاب الله، وتحذر من قضية المخالفة والكفر، وهي في الوقت نفسه تعمق معنى الصراط المستقيم والسير فيه، ومعنى تنكب صراط المغضوب عليهم والضالين الذي ورد في آخر فقرة من الفاتحة.
- رأينا أنه قد جاء بعد مقدمة سورة البقرة مقطع: في بدايته أمر ونهي. الأمر: هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ.
والنهي هو قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
وفي قصة آدم نجد أمرا ونهيا.
الأمر هو اسْجُدُوا لِآدَمَ.
والنهي هو وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ.
وقد حدثت مخالفة للأمر والنهي فكان العقاب، فقصة آدم جاءت لتعمق ضرورة الالتزام بطاعة الأمر واجتناب النهي.
وفي هذا القدر من ذكر الصلة بين قصة آدم وما سبقها من سورة البقرة كفاية وللكلام تتمة فلننتقل إلى ذكر التفسير:
٢ - التفسير:
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (إذ) بإجماع المفسرين متعلقة بفعل أمر تقديره (اذكر) فإن يأمرنا الله بعد ما مر من مقدمة السورة والمقطع الأول بتذكر هذه القصة، فذلك دليل على ارتباط هذه القصة بما قبلها، وورودها ضمن سياق متسلسل يخدم المعاني التي سبقتها كما رأينا، وكما سنرى. والمراد بالخليفة في الآية: آدم وذريته ولم يقل خلائف أو خلفاء لأنه أريد بالخليفة آدم واستغنى بذكره عن ذكر بنيه كما تستغني بذكر أبي القبيلة في قولك مضر وهاشم، وهل هو خليفة عن الله؟ أو خليفة عن الجن؟ أو خليفة عن خلق آخرين؟ أقوال للمفسرين أقواها الأول وليس هناك نص قطعي في الموضوع، والخليفة في اللغة: من خلف فلان فلانا في
стр. 109
أمر إذا قام فيه مقامه بعده. عن ابن مسعود: أن الله قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالوا: ربنا وما يكون ذاك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا. قال ابن جرير: فكان تأويل الآية على هذا:
إني جاعل في الأرض خليفة مني يخلفني في الحكم بالعدل بين خلقي، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه. وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه. قالُوا أي الملائكة أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ. أخبرهم بذلك ليسألوا هذا السؤال فيجابون بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلاف الإنسان قبل كونه، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك يقولون: يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ولا يصدر منا شئ من ذلك وهلا وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى مجيبا لهم عن هذا السؤال إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ: أي إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم، فإني سأجعل فيهم الأنبياء وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء والعاملون والخاشعون والمحبون له ﵎ المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم. وإنما عرفوا أن الخليفة الجديد سيفسد في الأرض ويسفك الدماء إما بإخبار من الله تعالى، أو من جهة اللوح، أو قاسوا ما سيكون على شئ معروف لديهم من قبل، ومعنى: نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ أي ننزهك ونبرئك من كل نقص وعيب متلبسين بالشكر لك، ومعنى: نُقَدِّسُ لَكَ أي ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس.
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ، فَقالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، قالُوا: سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ علم آدم أسماء المسميات كلها، فأراه الأجناس التي خلقها وعلمه أن هذا اسمه فرس، وهذا بعير، وهذا سحاب، وهذه مجرة، وهذه شمس، وهذا نجم، حتى القصعة والمغرفة، ثم عرض المسميات على الملائكة وطالبهم أن يخبروه عن أسمائها إن كانوا صادقين في ما اتجهوا إليه أنه يستخلف مفسدين سفاكين للدماء، وفيه رد عليهم، وبيان أن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ما يستأهلون لأجله
стр. 110
أن يستخلفوا، فما كان جوابهم إلا أن قدسوه ونزهوه أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء، وأن يعلموا شيئا إلا ما علمهم فهو العليم بكل شئ، الحكيم في خلقه، وأمره، وفي تعليمه، وعطائه ما يشاء ومنعه ما يشاء، له الحكمة في ذلك والعدل التام ..
قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أمر آدم أن يخبرهم بأسماء الأشياء كلها، فلما ظهر فضل آدم ﵇ في سرده ما علمه الله تعالى من أسماء الأشياء، ذكرهم بأنه ﷻ يعلم الغيب الظاهر والخفي ويعلم ما يظهرونه في ألسنتهم وما كانوا يخفونه في أنفسهم، وما أظهروه هو قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها .. والذي كانوا يكتمونه هو ما كان منطويا عليه إبليس من الخلاف على الله في أوامره والتكبر عن طاعته ومن المعتاد تعميم الخطاب وإرادة البعض. هذا الذي رجحه ابن جرير.
وبعد أن أرى الله الملائكة مزية آدم، أمرهم بالسجود له وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ هذه كرامة عظيمة من الله لآدم امتن بها على ذريته حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، والجمهور: على أن المأمور به وضع الوجه على الأرض. وكان السجود تحية لآدم ﵇ في الصحيح، إذ لو كان لله تعالى لما امتنع عنه إبليس، وكان سجود التحية جائزا فيما مضى، ثم نسخ بشريعتنا، وإبليس من الجن بالنص وهو قول الحسن وقتادة، ولأنه خلق من نار والملائكة خلقوا من النور، ولأنه أبى وعصى واستكبر، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ولا يستكبرون عن عبادته، ولأن الله قال: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي ولا نسل للملائكة، ودخل إبليس في خطابهم لأنه وإن لم يكن من عنصرهم إلا أنه قد تشبه بهم وتوسم بأفعالهم، قال الحسن: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، وقال شهر بن حوشب: كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء، رواه ابن جرير، وعن سعد بن مسعود قال: كانت الملائكة تقاتل الجن فسبي إبليس وكان صغيرا فكان مع الملائكة يتعبد معها، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا، فأبى إبليس فلذلك قال تعالى إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ (سورة الكهف)، وللمفسرين اتجاهات أخرى في هذا المقام ولا طائل في ذلك، وقد حسد عدو الله إبليس آدم ﵇ على ما أعطاه الله
следующие страницы →