Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
والنصوص التي ذكرناها بمناسبتها تفيد أن صاحب الذنب مجازى به فإن كان مسلما ففي الدنيا، ويحتمل أن يؤخر إلى الآخرة إذا لم يرد الله له السلامة في الآخرة، وإن كان كافرا فعذابه في الآخرة، وقد يعجل الله له العقوبة في الدنيا زيادة على الآخرة، والله- يقول في سورة الشورى وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قال البيضاوي: «والآية مخصوصة بالمجرمين فإن ما أصاب غيرهم فلأسباب أخر، منها تعريضه للأجر العظيم بالصبر عليه» أقول: كلام البيضاوي في التخصيص يظهر في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهم معصومون عن الذنب، فالمصيبة في حقهم رفع درجات، أما في غير الرسل عليهم الصلاة والسلام فإن الإنسان لا يخلو من ذنب، وقد يكون ذنبه في تقصيره في حقوق الإسلام، أو في حقوق الغير قال تعالى:
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً فالأمة بمجموعها قد تصاب بسبب قصور بعضها؛ لأن هناك مسئولية مشتركة بشكل ما بين بني الإنسان، أو بين المسلمين بعضهم مع بعض، فالأصل في المصيبة أن تكون بسبب ذنب، وهي في حق المسلم رحمة من الله- به، وهي في حق الكافر سخط من الله وعقوبة عاجلة، وهاهنا قد يلتبس الأمر على كثير من الناس، وأهل البصيرة يعرفون ويميزون، ويدركون الحكمة ويسلمون لله فعله، وإذا أراد عبد السلامة فليقم بحق الله قياما كاملا في أمر نفسه وغيره، وعندئذ يكون الابتلاء في حقه رفع درجات.
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ الإفتاء: تبيين المبهم، والاستفتاء: السؤال عن حكم الله فيما هو مبهم والمعنى: ويسألونك الإفتاء في النساء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ أي: الله وكتابه القرآن يفتيكم فيهن، وقوله تعالى: وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ. معناه: والمتلو عليكم في القرآن في حق اليتامى يفتيكم فيهن، وهو إشارة إلى قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ... نفهم من هذا أن تلك الآية في أول سورة النساء تفتيكم فيما تسألون عنه، والله يفتيكم فيما يأتي فيما يحتاج إلى تبيان. ويتامى النساء اللاتي ذكرهن الله من قبل وصفهن هنا اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ. قالت عائشة: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها، فأشركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها (أي عن أن ينكحها)، ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها، فنزلت هذه الآية رواه البخاري
стр. 1157
ومسلم. فمعنى اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن في الآية: أي لا تعطونهن ما فرض لهن من الميراث، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ أي: في أن تنكحوهن لجمالهن، أو عن أن تنكحوهن لدمامتهن وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ أي: اليتامى. كانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوامين بالأمور دون الأطفال والنساء. وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ القسط: العدل في الميراث والمال. والخطاب للأئمة في أن ينظروا لهم، ويستوفوا لهم حقوقهم وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً فيجازيكم به.
فائدة:
هذه الآية من غوامض الآيات، وتحتاج إلى دقة فهم، ومزيد علم، فلينتبه القارئ للكلام عنها. في أول السورة: مر قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ... ثم قال: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً .. ثم ذكر بعد ذلك أحكام اليتامى، فهذا كله مما تلي علينا وله صلة بأحكام يتامى النساء عامة، وخلاصته أن اليتيمة إن شاء وليها أن يتزوجها تزوجها بمهر مثلها، وإن رغب عنها فعليه أن يزوجها إذا جاء طلابها. وحكمها في ما سوى ذلك حكم اليتامى عامة، وقد أمر الله بالقيام بالقسط لليتامى، مفصلا أحكام ذلك في أول سورة النساء، فمن ثم علمنا أن ما ورد في أول سورة النساء يوضحه ما في هذه الآية، إذ فيها تفصيل لصفات من كان الحديث عنهن في أول السورة. ففي أول سورة النساء، حكم يتيمات النساء واليتامى عامة.
وفي هذه الآية استفتاء عن أمور النساء عامة وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ فبين الله- أنه سيبين ما له علاقة بذلك، وأن ما تلاه في أول سورة النساء من أحكام اليتيمات واليتامى عامة مبين لبعض أمورهن. فما تلي من قبل، وما سينزله من بعد، كل ذلك جواب للاستفتاء في شأن النساء. نفهم من ذلك أنه ما من قضية من قضايا النساء إلا وقد أفتى الله بها فيما مر ويمر. ومن ثم تأتي الآيات الثلاث التالية توضح بعض أحكام النساء؛ تنفيذا لوعد الله في الإفتاء في شأن النساء.
إذن: فالآية تعرض أن الناس يستفتون في شأن النساء، والآية تبين أن ما أنزله الله، وما ينزله فيه بيان لكل ما له علاقة بهذا الشأن. وقد لخص الله ما أنزل في شأنهن ومن
стр. 1158
هن اللواتي بين أحكامهن في أول السورة، فهل اتضحت هذه الآية وصلة ما بعدها بها، وما محل ذلك كله في سياقها؟ الآيات الثلاث التالية:
وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً النشوز: أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته، وأن يؤذيها بسب أو ضرب. والإعراض أن يقلل محادثتها ومؤانستها بسبب كبر سن أو دمامة، أو سوء في خلق أو خلق، أو ملال، أو طموح عين إلى أخرى، أو غير ذلك. والمعنى أنه إذا توقعت امرأة ما من زوجها نشوزا أو إعراضا لما لاح لها من مخايله وأماراته، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً. أي: فلا إثم عليهما أن يتصالحا، وذلك بأن تطيب له نفسا عن القسمة، أو عن بعضها، أو تهب له بعض المهر أو كله أو النفقة.
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ. أي: من الفرقة والنشوز، أو من الخصومة في كل شئ. أو المعنى كما أن الخصومة شر من الشرور، فإن الصلح خير من الخيور. وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ. أي: جعل الشح حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا، ولا تنفك عنه.
يعني أنها مطبوعة عليه. والمراد هنا أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمها أو بشيء لها.
والرجل لا يكاد يسمح بأن يقسم لها أو بشيء إذا رغب عنها، فكل واحد منهما يطلب ما فيه راحته ومصلحته ومنفعته. ثم رفع الله الهمة إلى الإحسان والتقوى، وفي ذلك
حث على مخالفة الطبع، ومتابعة الشرع فقال: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً. أي: وإن تحسنوا بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن، وأحببتم غيرهن، وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة، وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة، فإن الله عليم بإحسانكم وتقواكم وسيثيبكم عليه.
فوائد:
١ - في سنن سعيد بن منصور عن عروة قال: «أنزل الله في سودة أم المؤمنين ﵂ وأشباهها وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً وذلك أن سودة ﵂ كانت امرأة قد أسنت، ففرقت أن يفارقها رسول الله ﷺ ، وضنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله ﷺ عائشة ومنزلها منه، فوهبت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة فقبل رسول الله ﷺ » وروى الشافعي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ توفي عن تسع نسوة، وكان يقسم لثمان.
٢ - روى ابن أبي حاتم. جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فسأله عن قول الله- عزّ
стр. 1159
وجل- وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً قال علي: يكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها من دمامتها، أو كبرها، أو سوء خلقها، أو قذذها، فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج.
٣ - عند قوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ يروي ابن كثير الحديث الذي رواه أبو داود: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق».
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ تمام العدل أن يسوي بينهن بالقسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال، والمكالمة والمفاكهة والجماع وغيرها، وهذا كله غير مستطاع للإنسان مهما كان حريصا في تحري ذلك، ولذلك فرض الله العدل في النفقة والكسوة والمبيت، ولم يفرض فيما سوى ذلك. وفي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (يعني القلب) فمثل هذا عفا الله عن العدل فيه. وأما ما فرض الله فيه العدل فواجب فقد روى الإمام أحمد وأهل السنن عنه ﷺ «ومن كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط».
فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ المعلقة: هي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة. والمعنى: فلا تجوروا كل الجور على المرغوب عنها فتتركوها كالمعلقة. أي إذا لم يكن العدل المطلق ممكنا، فراعوا ألا تفرطوا في حق المرغوب عنها، لدرجة أن تجعلوها كالمعلقة، بحرمانها قسمها وذلك حرام إلا برضاها، أو بعدم الإقبال عليها في قسمتها وذلك ضار بها. وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً.
أي: وإن أصلحتم في أموركم وقسمتم بالعدل فيما تملكون، واتقيتم الله في جميع الأحوال غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض. أو المعنى: وإن تصلحوا بينهن وتتقوا الجور فيهن يغفر لكم ميل قلوبكم، ويرحمكم فلا يعاقبكم.
وَإِنْ يَتَفَرَّقا.
أي: إن لم يصطلح الزوجان على شئ، وتفرقا بالخلع، أو بتطليقه إياها، وإيفائه مهرها ونفقة عدتها. يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ. أي: يغن الله كل واحد منهما من غناه، أي يرزقه إن شاء زوجا خيرا من زوجته، وعيشا أهنأ من عيشه. وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً واسعا في عطائه، إذ الواسع هو الغني المقتدر، حكيما إذ أذن في الطلاق والتسريح.
стр. 1160
كلمة في السياق:
هذه هي المجموعة الخامسة في هذا المقطع وتبدأ من قوله تعالى وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ ... ومحل هذه المجموعة في السياق من حيث إن هذا المقطع بين الله- فيه أنه أنزل كتابه ليحكم رسوله ﷺ بين الناس بالحق. ومن جوانب العدل والحق ما له علاقة بقضايا النساء. ومن ثم جاء الاستفتاء، وكانت الفتوى، ففي المجموعة بيان للحق والعدل في هذا الشأن ضمن محور التقوى الذي هو محور سورة النساء. ومن ثم تكرر ذكر التقوى في هذه الآيات.
ثم تأتي المجموعة السادسة في هذا المقطع لتذكر بالتقوى، التي هي محور هذه السورة وتذكر بالله- وباليوم الآخر. وهذه هي المجموعة السادسة، وبعدها تأتي آية الختام في هذا المقطع.
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ بعد أن ختم الله- الآية السابقة بالتذكير باسمين من أسمائه، بين غناه وقدرته بذكر أن له ما في السموات وما في الأرض خلقا ورزقا وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ فهذه هي الوصية الدائمة لنا، وللأمم قبلنا أن نتقي الله، كيف لا ونحن عبيده، فالمعنى: أن هذه وصية قديمة ما زال يوصي الله بها، ولستم مخصوصين بها، لأنه بالتقوى وحدها يسعد الإنسان عند الله. وكما أمر من قبلنا بالتقوى، وأمرنا بها، فقد قال لنا ولهم: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً. أي: غنيا عن خلقه، وعن عبادتهم مستحقا لأن يحمد؛ لكثرة نعمه وإن لم يحمده أحد. كيف وهو مالك السموات والأرض
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا وإذا كان ذلك فلا تتكلوا على غيره واتخذوه وحده وكيلا لكم في شئونكم كلها، وتكرير قوله:
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تقرير لما هو موجب تقواه والتوكل عليه، لأن الخلق لما كانوا كلهم له، وهو خالقهم ومالكهم، فحقه أن يكون مطاعا في خلقه غير
معصي؛ متوكلا عليه لا على غيره. وقوله تعالى: وَإِنْ تَكْفُرُوا ... وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا في هذا السياق دليل على أن رأس الأمر التوحيد والتوكل.
ثم خوف الله- عباده فقال: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ. أي: إن يشأ يعذبكم عذاب استئصال أيها الناس ويوجد إنسا آخرين مكانكم، أو خلقا آخرين غير الإنس.
وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً. أي: بليغ القدرة
مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا في عمله،
стр. 1161
وحاله، وقلبه، واعتقاده وسلوكه وجهاده فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وإذا كان الأمر كذلك فما للإنسان يطلب إحداهما دون الأخرى، والتي يطلبها أخسها.
وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً سميعا للأقوال، بصيرا بالأفعال، وهو وعد ووعيد.
وإذ استقرت معاني مالكيته وقدرته وثوابه في الدنيا والآخرة، يصدر الله أمره بالعدل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ. أي: كونوا مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا. شُهَداءَ لِلَّهِ. أي: مقيمين شهادتكم لوجه الله وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ. أي: ولو كانت الشهادة على أنفسكم أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ.
أي: ولو كانت الشهادة على آبائكم وأمهاتكم وأقاربكم. إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما. أي: إن يكن المشهود عليه غنيا فلا يمنعنكم غناه عن الشهادة عليه طلبا لرضاه، أو كان المشهود عليه فقيرا فلا يمنعكم فقره من الشهادة عليه ترحما عليه، لأن الله أولى بالأغنياء والفقراء بالرعاية للجميع والرحمة للجميع. أما أنتم فواجبكم إقامة شهادة الحق.
فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا. أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية والبغض أو الحب عن العدول عن الحق إلى الباطل، أو من أن تتركوا العدل إلى الجور. وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً اللي: الحرف، والإعراض: الترك والمنع.
والمعنى: وإن تلووا عن شهادة الحق، أو حكومة العدل، بتحريف الشهادة والحكم، أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم بمنعكم الشهادة وتركها، وعدم أدائها، فإن الله خبير بعملكم فيجازيكم عليه. قال ﵊: «خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها».
فائدة:
شهادة الإنسان على نفسه هي الإقرار على نفسه، لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق، والدعوى والشهادة والإقرار تشترك جميعها في الإخبار عن حق لأحد على أحد. غير أن الدعوى: إخبار عن حق لنفسه على الغير، والإقرار: إخبار عن حق للغير على نفسه، والشهادة: إخبار عن حق للغير على الغير، والشهادة فرض ..
كلمة في سياق المقطع:
بدأ المقطع بذكر الحق، وانتهى بذكر العدل وإقامة الشهادة. وبين الحكم بالحق الذي هو
стр. 1162
القرآن، وذكر العدل تلازم، إذ لا عدل ولا حق إلا ما وافق حكم الله. وفيما بين الحق والعدل وإقامة الشهادة تلازم، إذ يضيع الحق والعدل بلا شهود عدول، وبلا أمة تحمل الحق والعدل. وفيما بين البداية والنهاية ذكرت قضايا من الحق والعدل في شئون الحياة، وفي شئون النساء، وفي شئون العقيدة، وكل ذلك بما يتناسب مع ما تدور حوله السورة من محور العبادة والتقوى، والإيمان والعمل الصالح.
كلمة في سياق المقاطع الأربعة الأخيرة:
جاءت المقاطع الأربعة بعد آية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها، وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً.
ولو أنك تأملت المقاطع الأربعة الأولى من السورة؛ لرأيت أنها ركزت على قضايا هي أقرب إلى قضية الأمانة: الإرث، وأداء أموال اليتامى إليهم، وعدم أكل أموال الناس بالباطل، إلى الصلاة وهي أمانة في عنق الإنسان.
ولو أنك تأملت المقاطع الأربعة التالية لما سبق لرأيت أنها ركزت على قضايا هي أقرب إلى قضية الحكم، فكأن الآية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ ... كانت جسرا بين ما قبلها وما بعدها، هذا مع ملاحظة أن المقاطع الأربعة الأولى فيها ما له علاقة بالحكم، وأن المقاطع الأربعة التالية فيها ما له علاقة بالأمانة. لقد جاءت المقاطع الأربعة الأخيرة بعد آية:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ وجاء المقطع الأخير ليبدأ بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ ولينتهي بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ. أي: بالعدل، فالمقطع الرابع- إذن- واضح الصلة بآية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ وعلى هذا فإننا نفهم أن المقاطع الأربعة لها صلة بالحكم بالعدل. إن الطاعة لله والرسول ﷺ ولأولي الأمر، وإن الجهاد الدائم هما الطريقان الوحيدان لإقامة الحكم بالعدل.
إنه ما لم يكن المسلمون صفا واحدا، ذا قيادة واحدة، مطاعة بالحق، وما لم يكن هذا الصف على استعداد دائم للجهاد، وعلى تعبئة جزئية أو كلية، فإن العدل لن يقوم، وإن الحكم الإسلامي العادل لن يقوم.
стр. 1163
كلمة في ارتباط سياق المقاطع بمحور السورة:
بعد مقدمة سورة البقرة التي تحدثت عن المتقين والكافرين والمنافقين، جاءت آيات خمس تأمر بعبادة الله كطريق إلى التقوى، وتنهى عن الشرك، وتحرر من الريب، وتنذر الكافرين، وتبشر المؤمنين الصالحين، فرسمت بذلك الطريق للوصول إلى التحقيق بالتقوى، ومن التقوى الاهتداء بالقرآن، والإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق في سبيل الله، وقد جاءت المقاطع الأربعة الأخيرة تعمق في موضوع التقوى، فبينت أن من التقوى طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، وطاعة أولي الأمر من المسلمين، ومن التقوى القتال في سبيل الله، ومن التقوى الحكم بكتاب الله وعدم الجدال عن الخائنين، ومن الملاحظ أنه قد ورد في أواخر المقاطع الأربعة قوله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وكان في المقطع حديث عن الإيمان والعمل الصالح وبشارة لأهلهما وكان فيه إنذار للكافرين وفضح للمنافقين.
قلنا من قبل: إن سورة النساء تفصل في محورها من سورة البقرة وهي الآيات الخمس وفي امتدادات هذا المحور في السورة:
ومن امتدادات هذا المحور في السورة قضايا القتال، وقضايا المرأة، وقضايا الصلاة، وقضايا الشهادة، وقد رأينا تفصيلات كثيرة لذلك في سورة النساء. ومن أبرز مظاهر هذه الصلة: أن صلاة الخوف في سورة البقرة جاءت في ثنايا الكلام عن قضايا النكاح والطلاق، والملاحظ أن صلاة الخوف في سورة النساء قد جاء بعد مقطعها المقطع الذي فيه الاستفتاء عن النساء، وفيه ذكر لمواضيع الوفاق والفراق. وهذا يؤكد ما ذكرناه من قبل: بأن لكل سورة من القرآن محورها في سورة البقرة، وأن السورة تفصل في هذا المحور وفي امتدادات معانيه الأشد لصوقا به؛ فهي تجذب المعاني الأشد لصوقا في المحور إلى المحور، ثم تفصل وتوضح وتكمل وتؤصل وتفرع وتذكر، وكل ذلك على ترتيب خاص، ومن خلال سياق خاص للسورة الواحدة.
فأنت ترى كيف أن سورة النساء تتألف من مقاطع، وكل مقطع له وحدته، وللسورة كلها سياقها الخاص الجامع، وكل ذلك مرتبط بالمحور.
فالسورة تبدأ بالأمر بتقوى الله الذي خلق النساء والرجال، وتبدأ بالأمر باتقاء الأرحام، ثم تسير في تبيان أحكام لها صلة بالأسرة، ولها صلة بالنساء والرجال،
стр. 1164
وتأمر بالعبادة التي هي طريق للتقوى، فإذا تحدثت عن دائرة الأسرة تنتقل إلى دائرة أوسع، ثم تعود إلى دائرة الأسرة، وكل ذلك مرتبط بالآية الأولى من السورة.
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً.
كلمة قصيرة بين يدي المقطعين التاسع والعاشر:
أثناء الكلام عن سورة البقرة قلنا عن آية البر لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا ... إنها لخصت ما مر وفصلت فيه فقد فصلت من مقدمة سورة البقرة الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ لقد فصلت ذلك بقوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وختمت آية البر بقوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. والملاحظ أن المقطعين التاسع والعاشر في سورة النساء يبدءان بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً فههنا في هذين المقطعين من سورة النساء يأتي تفصيل لما يدخل في ماهية التقوى وماهية النفاق والكفر.
فهما تفصيل للمحور من سورة البقرة وارتباطاته وامتداداته إنهما تفصيل لجزء مما يدخل تحت قوله تعالى من المحور: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* فلكي تتقي عليك أن تؤمن وعليك أن تتحرر من النفاق ومن الكفر نجد فيهما: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا .... بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ
وسنرى بعد العرض للمقطعين سياقهما الخاص وارتباطهما بالمحور بشكل أكثر تفصيلا.
المقطعان التاسع والعاشر
يمتد هذان المقطعان من الآية (١٣٦) حتى نهاية الآية (١٦٢). وكل من المقطعين مبدوء بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
стр. 1165
وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً.
والمقطعان يكملان بعضهما البعض. فهما في موضوع واحد؛ ولذلك فإن خاتمة المقطع الثاني لها صلة ببداية المقطع الأول: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ.
ولذلك، فسنعرض المقطعين عرضا واحدا:
[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٦ الى ١٤٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
(١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠)
стр. 1166
[سورة النساء (٤): الآيات ١٤١ الى ١٤٣]
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١) إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣)
*** [سورة النساء (٤): الآيات ١٤٤ الى ١٤٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (١٤٤) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧)
*** [سورة النساء (٤): الآيات ١٤٨ الى ١٤٩]
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (١٤٩)
*** [سورة النساء (٤): آية ١٥٠]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠)
стр. 1167
[سورة النساء (٤): الآيات ١٥١ الى ١٥٢]
أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢)
*** [سورة النساء (٤): الآيات ١٥٣ الى ١٥٩]
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧)
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩)
стр. 1168
[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٠ الى ١٦٢]
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)
كلمة في المقطعين:
بعد مقدمة سورة البقرة، دعا الله الناس جميعا ليسيروا في الطريق المؤدي إلى أن يكونوا من المتقين. وذلك بالسير في طريق العبادة والتوحيد. وتحداهم بهذا القرآن. وأمر رسوله ﷺ أن يبشر الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات، بالجنة. وإذ كان الإيمان بالغيب، والإيمان بالقرآن، والكتب السابقة، ركنا من أركان التقوى. فههنا في سورة النساء التي تفصل في الطريق إلى التقوى وفي ماهيتها، يأتي الأمر بتجديد الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. ويأتي الأمر لرسول الله ﷺ بتبشير المنافقين بالعذاب.
هناك في سورة البقرة وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ.
وفي السورة التي تفصل في ذلك المحور، تأتي التتمة: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً.
وفي هذا السياق يحذرنا الله- من سلوك طريق النفاق.
وإذا كان أهل الكتاب مكلفين بالإيمان بالقرآن، ليكونوا من المتقين، فإنه في هذا السياق يقص الله علينا من أنبائهم، ومواقفهم ليستقر السياق على نفر منهم. لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ .... لاحظ
التشابه بين هذه الصفات، وبين صفات المتقين في سورة البقرة:
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ إن السورة التي تفصل في الطريق إلى التقوى، تصف التقوى،
стр. 1169
وما يدخل فيها وما يخرج منها. كما تفصل في طريقها الذي هو العبادة، والتوحيد، والإيمان، والعمل الصالح.
المعنى العام للمقطعين:
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في شرائع الإيمان، وشعبه، وأركانه، ودعائمه، من باب تكميل الكامل، وتقريره، وتثبيته، والاستمرار عليه. ثم بين تعالى أن الذي يكفر بركن من أركان الإيمان، فقد خرج عن طريق الهدى، وبعد عن القصد كل البعد. ثم أخبر تعالى عمن دخل في الإيمان، ثم رجع عنه ثم عاد فيه، ثم رجع، واستمر على ضلاله وازداد حتى مات. فإنه لا توبة له بعد موت، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجا، ولا مخرجا، ولا طريقا إلى الهدى. وبعد أن ذكر أهل الإيمان، وذكر أهل الكفر بنوعيهم، من كان ابتداء كافرا، ومن كفر بعد إيمان، عقب بوصف المنافقين. ويذكرنا هذا بمقدمة سورة البقرة إذ تتكلم عن المتقين، ثم الكافرين، ثم المنافقين، فسورة النساء وهي التي تفصل في ماهية التقوى، ترسم الطريق ليكون الإنسان من أهل التقوى متطهرا من الكفر والنفاق. بدأ الكلام هنا عن المنافقين، بالأمر بأن يبشرهم رسوله والمؤمنون بالعذاب الأليم. ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. بمعنى أنهم معهم في الحقيقة. يوالونهم، ويسرون إليهم بالمودة. ثم بين تعالى سبب موالاتهم للكافرين: طلبهم بهذه الموالاة العزة، والجاه في الدنيا. ثم أخبر تعالى بأن العزة كلها له وحده، لا شريك له، ولمن جعلها له من أجل أن يهيج القلوب فتطلب العزة من جنابه وحده؛ فتقبل على العبودية له. فينتظم أصحابها في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.
ثم حرم الله الجلوس في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله، ويستهزأ بها فيه. وبين أننا إذا ارتكبنا النهي بعد أن وصل إلينا، ورضينا بالجلوس مع الكافرين والمنافقين في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله، ويستهزأ بها وينتقص منها، وأقررناهم على ذلك، فقد شاركناهم في الذي هم فيه، ومن شارك الكافرين في كفرهم، فقد استحق أن يشركه الله معهم في نار جهنم أبدا. ويجمع بينهم في دار العقوبة، والنكال، والقيود، والأغلال، وشراب الحميم، والغسلين. نفهم من ذلك أن مجالسة الكافرين مع إعلانهم الكفر، واستهزائهم بدين الله مع الإقرار، نفاق. ثم زاد الله المؤمنين بصيرة بالمنافقين، فوصفهم بعد أن وصفهم بمجالسة الكافرين على الحال التي مرت بنا، بأنهم يتربصون
стр. 1170
بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى: أنهم ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكفرة عليهم، وذهاب ملتهم. ولكنهم لنفاقهم، إن رأوا نصرا، وتأييدا للمسلمين، يتوددون إليهم بالتظاهر بأنهم معهم. وإن كان للكافرين إدالة على المؤمنين، كما قد يقع في بعض الأحيان، يقولون للكافرين: لقد ساعدناكم في الباطن. وما ألونا المؤمنين خبالا، وتخذيلا حتى انتصرتم عليهم. يصانعون المؤمنين إن كانت لهم غلبة. ويصانعون الكافرين إن كانت لهم غلبة، ليحظوا عند الجميع، ويأمنوا الجميع. وما ذاك إلا لضعف إيمانهم وقلة يقينهم. ثم هددهم الله- بأن لا يغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليهم ظاهرا في الحياة الدنيا؛ لما لله في ذلك من الحكمة. فيوم القيامة لا تنفع الظواهر. ويوم القيامة تظهر العزة كلها للمؤمنين. ولا يكون للكافرين على المؤمنين أدنى طريق. فلا يغتر من يغتر بما قد يكون للكافرين من غلبة على المؤمنين في الحياة الدنيا. ثم زادنا الله بصيرة في شأن المنافقين، وأنهم من جهلهم بالله، وقلة علمهم وعقلهم، يعتقدون أن أمرهم كما راج على الناس- حتى جرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرا، فكذلك يكون حكمهم يوم القيامة. وأن أمرهم يروج عند الله. ولكن أنى يروج خداعهم على الله، وكيف يمر. فالله الحكم العدل، البصير، الخبير، يستدرجهم حتى في الدنيا- في طغيانهم، وضلالهم. ويخذلهم عن الحق، والوصول إليه فكذلك يوم القيامة هم مجزيون على كفرهم.
ثم بين الله- صفة أخرى من صفات المنافقين. وكيف أنهم إذا عملوا أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة، كان عملهم محاطا بالكسل.
فإذا قاموا إلى الصلاة، قاموا كسالى؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية في شأنها ولا يعقلون معناها. ومن ثم يقومون إليها كسالى. وهذه صفة ظاهرهم في أدائها، وأما صفة بواطنهم الفاسدة، فهي أنهم لا إخلاص لهم فيها. وإنما يؤدونها مراءاة للناس، ومصانعة لهم. ثم هم في صلاتهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون. ثم زادنا الله بصيرة في شأن المنافقين، فوصفهم بالحيرة، والتردد بين الإيمان، والكفر، والمؤمنين، والكافرين. فلا هم مع المؤمنين ظاهرا، وباطنا. ولا هم مع الكافرين ظاهرا، وباطنا. بل ظواهرهم مع المؤمنين، وخاصة عند ما تكون الغلبة للمؤمنين. وبواطنهم مع الكافرين. ومنهم من يعتريه الشك. فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى أولئك.
وذلك علامة من أراد الله إضلاله: أن لا تجد له طريقا واضحا. وبعد أن اتضحت
стр. 1171
حال المنافقين، وأن أساس نفاقهم هو موالاة الكافرين، نهى الله عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أي: نهى عن مصاحبتهم، ومصادقتهم، ومناصحتهم، وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم. ثم حذر أنه إن فعلنا ذلك، فإننا نكون قد جعلنا الحجة قائمة علينا في استحقاقنا عقوبة الله.
ثم بين الله- ما أعده من عقوبة للمنافقين، جزاء على كفرهم الغليظ.
وهو استحقاقهم العذاب في أسفل النار، في توابيت من نار، مغلقة عليهم، مقفلة.
وأنهم لا ناصر لهم من الله ينقذهم مما هم فيه. ويخرجهم من أليم العذاب. ثم أخبر تعالى أنه من تاب منهم في الدنيا، تاب الله عليه، وقبل ندمه إذا أخلص في توبته، وأصلح عمله، واعتصم بربه في جميع أمره، وبدل الرياء بالإخلاص. فعندئذ يكونون في زمرة المؤمنين. ينالهم ما ينالهم من الأجر العظيم. ثم أخبر تعالى عن غناه عما سواه وأنه
إنما يعذب العباد بذنوبهم، وأنه منزه- تعالى- أن يعذب من أصلح العمل وآمن. إذ إنه تعالى يشكر من شكر له. ومن آمن علم ذلك منه وجازاه على ذلك أوفر الجزاء.
في هذا السياق الذي علمنا فيه الله- أنه منزه عن مقابلة الشكر والإيمان بالعذاب، وأنه يعذب من يستحق العذاب، أدبنا على ألا ندعوا على أحد إلا إذا ظلمنا، وألا نتكلم على أحد إلا إذا ظلمنا. وندبنا إلى العفو حتى في مثل هذا؛ لأن من صفاته هو، العفو مع كمال القدرة. ثم بين لنا أنه إن عاقب، لا يعاقب إلا بعد استحقاق العذاب. فليحذر أحد عقوبته العادلة، إن كفر أو نافق.
ثم يعود السياق إلى الكلام عن الكفر- الذي ينقض الإيمان- وعن أهله. إذ المقطع كله في قضية الإيمان، وما ينقضها من كفر، أو نفاق. فتوعد الله الكافرين به- تعالى- وبرسله. وخاصة الذين يفرقون بين الله ورسله في الإيمان. فيؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض بمحض التشهي والعادة وما ألفوا عليه آباءهم، لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك، بل بمجرد الهوى والعصبية، كحال اليهود. إذ كفروا بعيسى، وكحالهم وحال النصارى إذ كفروا بمحمد ﷺ ، فمن كفر بنبي من الأنبياء، فقد كفر بسائر الأنبياء. فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى الأرض.
فمن رد نبوة واحد منهم، فقد رد نبوة الكل. لذلك وصف الله- أمثال هؤلاء بأن كفرهم محقق لا شك فيه، وأنهم كما استهانوا بمن كفروا به، إما لعدم نظرهم
стр. 1172
فيما جاءهم به من الله، وإعراضهم عنه، وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه. وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته. فإنهم في مقابل هذه الاستهانة، يعاقبهم الله بالعذاب المهين في الآخرة. أما المؤمنون الذين آمنوا بالله، وبكل الرسل، فقد أعد الله لهم الجزاء الجزيل، والثواب الجليل، والعطاء الجميل على ما آمنوا بالله ورسله، ووعدهم المغفرة، والرحمة.
ولنلاحظ في هذا المقطع كيف أنه بدأ بالدعوة إلى تحقيق الإيمان وبين الكفر وجزاءه. وهدد المنافقين، وبين صفاتهم ثم بدأ يناقش نوعا من الكافرين. وهم الذين يكفرون ببعض الرسل دون بعض. وأول من ينطبق عليهم هذا الوصف هم اليهود والنصارى. ومن ثم يبدأ المقطع يناقش هؤلاء، ويسفه ما هم عليه كما سنرى إن شاء الله- والمهم هنا أن نلاحظ كيف أن هذين المقطعين اللذين هما في حكم المقطع الواحد، منصبان على قضية الإيمان التي محلها في التقوى ما عرفناه في أول سورة البقرة. فلنتذكر أن محور النساء هو تبيان ماهية التقوى. لكي يكون إدراكنا للسياق الجزئي، والعام، صحيحا.
ولنرجع إلى استعراض المعاني العامة:
سأل اليهود رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابا مكتوبا من السماء مباشرة. وإنما سألوه هذا على سبيل التعنت والكفر، لا رغبة بالآية من أجل الإيمان، لأن نبوة محمد ﷺ وآياته ظاهرة واضحة. فبين الله لرسوله أن سؤالهم هذا من باب التعنت، لا من باب طلب الدليل. وأن هذه طبيعتهم المتوارثة. فها هم مع كل ما رأوا من الآيات مع موسى ﵇، طالبوه أن يريهم الله جهرة، فعوقبوا. وعبدوا العجل بعد كل البينات، فعوقبوا، وعفي عنهم. وأخذت عليهم مواثيق غليظة في أوضاع معجزة.
فنقضوا المواثيق، وكفروا بآيات الله، وقتلوا الأنبياء، ووصفوا أنفسهم بقسوة القلب وتغليفه، فرارا من الموعظة والطاعة. وادعوا أنهم قتلوا المسيح ابن مريم.
ورموا أمه الطاهرة بالزنا. هذه هي طبيعتهم الظالمة. فهل يستغرب موقفهم من رسالة محمد ﷺ بعد هذه الطبيعة، وبسبب من ظلمهم هذا، وبسبب صدهم عن سبيل الله، وبسبب أكلهم الربا، وبسبب أكلهم أموال الناس بالباطل، شدد الله عليهم في الحياة الدنيا، وسيعاقب الكافرين منهم في الآخرة عقابا أليما. وحتى لا يظن ظان أنهم ليس فيهم إلا من هذا شأنه، استثنى الله من هذه الأوصاف، الراسخين في العلم منهم،
стр. 1173
والمؤمنين بكل وحي أنزله الله، والمقيمين الصلاة، والمؤتين الزكاة، والمؤمنين بالله، واليوم الآخر. فهؤلاء سيؤتيهم الله أجرا عظيما.
إن السياق في هذه المجموعة الأخيرة انصب باتجاهه الرئيسي، على هذه المعاني.
ولكنه خلال ذلك، تحدث عن أشياء كثيرة. عن رفع المسيح إلى السماء. وعن نزوله قبيل يوم القيامة. وعن أشياء أخرى. وكما بدأ السياق بالأمر بالإيمان للمؤمنين. فقد ختم بوصف طائفة من أهل الكتاب متحققة بأركان التقوى. ولنتذكر مقدمة سورة البقرة، التي حددت صفات المتقين، والكافرين، والمنافقين. لنرى كيف أن هذا المقطع بيان وتفصيل لمحل الإيمان في التقوى، وما ينافيه.
ففي أول سورة البقرة: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
فلنقارن هذا بآخر آية في هذا المقطع: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ولنتذكر الآية الأولى في هذا المقطع: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ... لنرى بوضوح كيف أن سورة النساء شرح لقضية التقوى وتفصيل لها. وإذا كان الإيمان هو الركن الرئيسي في التقوى. فقد انصب الكلام في المقطعين عليه. وستتضح الأمور لنا أكثر أثناء الشرح الحرفي لهذين المقطعين.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. أي: محمد وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ أي: القرآن وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ. أي: جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب،
أي كل الكتب، والخطاب للمسلمين. والمعنى اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه، وجددوه. قال ابن كثير: وقال في القرآن: نزل لأنه نزل مفرقا منجما على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم. وأما الكتب المتقدمة فكانت تنزل جملة واحدة. وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. أي: ومن يكفر بشيء من ذلك. فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً أي: فقد
стр. 1174
خرج عن طريق الهدى وبعد عن القصد كل البعد، لأن الكفر بأي ركن أو بأي مما يدخل في كل ركن من أركان الإيمان كفر بالكل. والملاحظ أنه قد ذكرت خمسة أركان من أركان الإيمان هنا، لأن الركن السادس- وهو الإيمان بالقدر- جزء من مضمون الإيمان بالله، لأن الإيمان بالقدر إيمان بعلم الله الأزلي، وإرادته الأزلية، وإبراز ما أراده بقدرته، وكون ذلك مسجلا في اللوح المحفوظ وكل ذلك يدخل في الإيمان بالله.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً هم المنافقون آمنوا في الظاهر، وكفروا بالسر مرة أخرى، وازدياد الكفر منهم، ثباتهم عليه إلى الموت، أو أنهم آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا، ثم كفروا، على حسب الأحوال من ظهور للإسلام وأهله، أو ظهور على الإسلام والمسلمين. لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ بسبب كفرهم الذي لا يغفره الله. وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا. أي: طريقا إلى النجاة، أو إلى الجنة بسبب كفرهم مرة بعد مرة. وقد استدل الإمام علي بهذه الآية وكون الكفر بعد الإيمان ذكر مرة بعد مرة ثلاث مرات: أن المرتد يستتاب ثلاثا.
وذكر المنافقين بعد هذه الآيات يشعر بأن هذه حال من أحوال المنافقين. بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ. أي:
أخبرهم، ووضعت (بشر) مكان أخبر تهكما بهم على طرائق العرب في الخطاب بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً. أي: مؤلما.
ثم وصف الله المنافقين مبينا حالهم بتوسع، كما فعل في مقدمة سورة البقرة؛ لخفاء حال المنافقين، ولكثرة خطرهم وعظمه.
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قلوبهم معهم، وعواطفهم معهم، ويعطونهم نصرتهم، ويستنصرون بهم، ويعطونهم طاعتهم ومودتهم.
أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ. أي: إن المنافقين يوالون الكفرة طلبا منهم للمنعة والنصرة والجاه، وظهور هذه المعاني في عصرنا بارز جدا ويعطيها تفسيرها العملي، ففي عصرنا نجد من مظاهر الولاء، انتساب أبناء المسلمين للأحزاب الكافرة، وإعطاء قيادتها الكافرة الولاء والطاعة والنصرة بغية تحصيل شئ من جاه الدنيا ومتاعها. ولذلك بين الله- أن العزة له وحده ليقطع دابر مثل هذه الأفكار. فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً يعطي منها من يشاء، ويمنعها من يشاء. فلا يطلبن المؤمن العزة إلا من الله.
وأي قيمة لعزة في الدنيا تعقبها ذلة أبدية في الآخرة،
ولأن المجالسة مظهر من مظاهر الولاء، وطلب العزة، ولكون هذا مرتبطا بقضية النفاق، جاءت الآية وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ. أي: في القرآن، وهو إشارة إلى ما ورد في سورة الأنعام، مما سيأتي معنا أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى
стр. 1175
يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ. أي: حتى يشرعوا في كلام غير الكفر والاستهزاء بالقرآن، والخوض: هو الشروع. إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ. أي: في الوزر إذا مكثتم معهم. ولم يرد به التمثيل من كل وجه، فإن خوض المنافقين فيه كفر، ومكث هؤلاء إن رافقه رضى ومشاركة فهو كفر، وإن رافقه كراهة وعدم مشاركة فهو معصية.
إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً لاجتماعهم في الكفر والاستهزاء، فكما شارك المنافقون الكافرين في الكفر، كذلك يشارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم. وقد أفهمت الآية أن من أخلاق المنافقين مجالسة الكافرين ومشاركتهم ومؤانستهم، والسماع منهم كلام الكفر، ومشاركتهم إياهم بالاستهزاء بالإسلام.
ثم زادنا الله بصيرة بالمنافقين بمزيد من أوصافهم. الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ أي: ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق، أو ينتظرون زوال دولتكم وظهور الكفرة عليكم، وذهاب ملتكم. فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ أي: نصر وتأييد وظفر، قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ. أي: ألم نكن مظاهرين لكم، ونعطيكم نصرتنا، ونؤيدكم. يقولون ذلك توددا ومصانعة للمؤمنين. وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ. أي: حظ من الإدالة على المؤمنين لحكمة يريدها الله. قالُوا. أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. أي: قالوا للكافرين كان بإمكاننا أن نغلبكم، ونتمكن من قتلكم، ولكنا أبقينا عليكم، وكان بإمكاننا أن نشجع المؤمنين عليكم، ولكنا ثبطناهم عنكم، وخيلنا لهم ما ضعفت قلوبهم به ومرضوا عن قتالكم، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، فهم يمنون على الكافرين في خذلانهم المؤمنين ساعة الشدة، ولو أنهم ساعدوهم لانتصر المؤمنون. ومعنى الاستحواذ: الاستيلاء والغلبة.
هذا هو حال المنافقين، مصانعة للمؤمنين وكلام لهم بما يناسب، ومصانعة للكافرين، وتكليم لهم بما يرضيهم. فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ. أي: يا أيها المؤمنون والمنافقون إن الله سيحكم بينكم يوم القيامة، فيدخل المنافقين النار، والمؤمنين الجنة، فلا تغتروا أيها المنافقون بكونكم تتظاهرون بأنكم مع أهل الإيمان، فلن ينفعكم هذا التظاهر يوم القيامة. ولا تحزنوا أيها المؤمنون من مودة المنافقين للكافرين، فحسابهم على الله. وإذا كان الحكم لله خالصا ظاهرا وباطنا يوم القيامة وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا. أي: يوم القيامة، فلا غلبة يومئذ، ولا نصرة، ولا حجة لكافر على مؤمن. ويحتمل أن يكون المعنى: أنه وعد من الله للمسلمين أن الحجة لهم دائما من الله على الكافرين يلهمهم الله إياها في أي مناقشة أو جدال. ويحتمل أن
стр. 1176
يكون المعنى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا، أي في الدنيا بأن يسلطوا عليهم تسليط استئصال بالكلية وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة. وعلى هذا يكون النص ردا على المنافقين فيما أملوه ورجوه، وانتظروه، من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من
مصانعتهم الكافرين خوفا على أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين، فاستأصلوهم. وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم للكافر. ومن قال منهم بالصحة يأمره بإزالة ملكه عنه. كما استدل بعضهم بالآية على عدم جواز شهادة الكافر على المسلم. وقد سمى الله في الآية ظفر المسلمين فتحا تعظيما لشأنهم، لأنه أمر عظيم تفتح له أبواب السماء. وسمى ظفر الكافرين نصيبا تخسيسا لحظهم، لأنه لمظة من الدنيا يصيبونها.
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ. أي:
يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان، وإبطان الكفر، والمنافق من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، أو المعنى: يخادعون أولياء الله وهم المؤمنون، فجعل خداع أوليائه خداعا له، تشريفا للمؤمنين من باب «من آذى وليا فقد آذاني» وَهُوَ خادِعُهُمْ. أي: وهو فاعل بهم ما يفعل المغالب في الخداع حيث تركهم معصومي الدماء، والأموال في الدنيا، وأعد لهم الدرك الأسفل من النار في العقبى. وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى. أي: قاموا متثاقلين كراهية الصلاة. أما مجرد الغفلة فقد يبتلي بها المؤمن يُراؤُنَ النَّاسَ. أي: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة، والمراءاة مفاعلة من الرؤية، لأن المرائي يريهم عمله، وهم يرونه استحسانا.
وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. أي: ولا يصلون أصلا إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس، أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا نادرا. ولو كان هذا الذكر القليل خالصا لله لكان كثيرا، ولكنه ليس خالصا
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ. أي: مرددين، يعني ذبذبهم الهوى والشيطان بين الإيمان والكفر، فهم مترددون بينهما متحيرون. وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين، أي: يدفع فلا يقر. والمنافقون مترددون بين الكفر والإيمان. لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ.
أي: لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونون مؤمنين، ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسمون كافرين، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا. أي: فلن تجد له طريقا إلى الهدى، أو فلن تجد له طريقا ما أصلا، بل هو متقلب، كل يوم هو في طريق.
стр. 1177
فوائد:
١ - رأينا أن السمة الأولى للمنافقين هي أن ولاءهم منحرف. وقد ذكرت الآيات السابقة مجموعة من مظاهر هذا الولاء: مجالسة الكافرين، ومشاركتهم فيما هم فيه من الهجوم على الإسلام، والاستهزاء به، ومن ذلك مودتهم الخفية للكافرين. ومن ثم نجد النداء الثاني في المقطع الثاني يتوجه لأهل الإيمان بالحذر من موالاة الكافرين كما سنرى.
٢ - روى ابن مردويه أن ابن عباس كان يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة، شديد الفرح، فإنه يناجي الله، وإن الله تجاهه، يغفر له، ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو هذه الآية: وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى. وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ... » وروى الإمام مالك عن رسول الله ﷺ قال: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق: يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» رواه مسلم وغيره.
٣ - وروى الإمام مسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة (أي المترددة بين الفحلين لا تدري أيهما ينزو عليها) بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، ولا تدري أيهما تتبع».
٤ - روى أبو يعلى عن رسول الله ﷺ قوله: «من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه ».
٥ - قال قتادة: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يضرب مثلا للمؤمن وللمنافق والكافر، كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر، فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر أن هلم إلي، فإني أخشى عليك، وناداه المؤمن أن هلم إلي فإن عندي وعندي يحظي له ما عنده، فما زال يتردد بينهما، حتى أتى عليه الماء فغرقه، وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك.
نقول:
١ - رأينا أن المنافقين يوالون الكافرين رغبة في العزة ولقد قال الله تعالى: أَيَبْتَغُونَ
стр. 1178
عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وتعليقا على ذلك يقول صاحب الظلال:
«والله- يسأل في استنكار: لم يتخذون الكافرين أولياء وهم يزعمون الإيمان؟ لم يضعون أنفسهم هذا الموضع، ويتخذون لأنفسهم هذا الموقف؟ أهم يطلبون العزة والقوة عند الكافرين؟ لقد استأثر الله- بالعزة، فلا يجدها إلا من يتولاه ويطلبها عنده ويرتكن إلى حماه. هكذا تكشف اللمسة الأخيرة عن طبيعة المنافقين، وصفتهم الأولى، وهي ولاية الكافرين دون المؤمنين، كما تكشف عن سوء تصورهم لحقيقة القوى، وعن تجرد الكافرين من العزة والقوة التي يطلبها عندهم أولئك المنافقون. وتقرر أن العزة لله وحده، فهي تطلب عنده، وإلا فلا عزة ولا قوة عند الآخرين:
ألا إنه لسند واحد للنفس البشرية تجد عنده العزة، فإن ارتكنت إليه استعلت على من دونه. وألا إنها لعبودية واحدة ترفع النفس البشرية وتحررها ... العبودية لله ... فإن لا تطمئن إليها النفس استعبدت لقيم شتى، وأشخاص شتى، واعتبارات شتى، ومخاوف شتى. ولم يعصمها شئ من العبودية لكل أحد، ولكل شئ ولكل اعتبار.
وإنه إما عبودية لله كلها استعلاء وعزة وانطلاق. وإما عبودية لعباد الله كلها استخذاء وذلة وأغلال .. ولمن شاء أن يختار ..
وما يستعز المؤمن بغير الله وهو مؤمن. وما يطلب العزة والنصرة والقوة عند أعداء الله وهو مؤمن بالله. وما أحوج ناسا ممن يدعون الإسلام، ويتسمون بأسماء المسلمين، وهم يستعينون بأعداء الله في الأرض، أن يتدبروا هذا القرآن ... إن كانت بهم رغبة في أن يكونوا مسلمين .. وإلا فإن الله غني عن العالمين!.
ومما يلحق بطلب العزة عند الكافر وولايتهم من دون المؤمنين: الاعتزاز بالآباء والأجداد الذين ماتوا على الكفر، واعتبار أن بينهم وبين الجيل المسلم نسبا وقرابة! كما يعتز ناس بالفراعنة، والآشوريين، والفينيقيين، والبابليين، وعرب الجاهلية اعتزازا جاهليا، وحمية جاهلية. وروى الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو بكر ابن العباس، عن حميد الكندي عن عبادة بن نسي، عن أبي ريحانة: أن النبي ﷺ قال: «من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا، فهو عاشرهم في النار». ذلك أن آصرة التجمع في الإسلام هي العقيدة، وأن الأمة في الإسلام هي
стр. 1179
المؤمنون بالله منذ فجر التاريخ. في كل أرض، وفي كل جيل. وليست الأمة مجموعة الأجيال من القدم، ولا المجتمعين في حيز من الأرض في جيل من الأجيال!.
٢ - قال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ عند قوله تعالى: إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ يقول الألوسي:
«والمراد من المماثلة في الجزاء المماثلة في الإثم لأنهم قادرون على الإعراض والإنكار، لا عاجزون كما في مكة، أو في الكفر على معنى إن رضيتم بذلك، وهو مبني على أن الرضا بكفر الغير كفر من غير تفصيل، وهي رواية عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه عثر عليها صاحب الذخيرة.
وقال شيخ الإسلام خواهرزاده: الرضا بكفر الغير إنما يكون كفرا إذا كان يستجيز الكفر، أو يستحسنه، أما إذا لم يكن كذلك، ولكن أحب الموت أو القتل على الكفر لمن كان مؤذيا حتى ينتقم الله تعالى منه فهذا لا يكون كفرا، ومن تأمل قوله تعالى في سورة يونس: رَبَّنَا اطْمِسْ الآية يظهر له صحة هذه الدعوى. وهو المنقول عن الماتريدي، وقول بعضهم: إن من جاءه كافر ليسلم فقال: اصبر حتى أتوضأ، أو أخره يكفر لرضاه بكفره في زمان، موافق لما روي عن الإمام لكن يدل على خلافه ما روي من الحديث الصحيح في فتح مكة أن ابن أبي سرح أتى به عثمان رضي الله تعالى عنه إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله بايعه فكف ﷺ يده ونظر إليه ثلاث مرات وهو معروف في السير، وهو يدل بظاهره على أن التوقف مطلقا ليس- كما قالوه- كفرا.
واستدل بعضهم بالآية على تحريم مجالسة الفساق والمبتدعين من أي جنس كانوا، وإليه ذهب ابن مسعود، وإبراهيم، وأبو وائل، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وروى عنه هشام بن عروة أنه ضرب رجلا صائما كان قاعدا مع قوم يشربون الخمر، فقيل له في ذلك: فتلا الآية، وهي أصل لما يفعله المصنفون من الإحالة على ما ذكر في مكان آخر، والتنبيه عليه والاعتماد على المعنى، ومن هنا قيل: إن مدار الإعراض عن الخائضين فيما يرضي الله تعالى، هو العلم بخوضهم، ولذلك عبر عن ذلك تارة بالرؤية وأخرى بالسماع، وأن المراد بالإعراض إظهار المخالفة بالقيام عن مجالستهم، لا الإعراض بالقلب أو الوجه فقط، وعن الجبائى أن المحذور مجالستهم من غير إظهار كراهة لما يسمعه أو يراه.
стр. 1180
ولنرجع إلى السياق:
أمر الله بالإيمان وثبت عليه، وحذر من الكفر، ونفر من المنافقين الذين يكفرون بعد إيمان، ثم أخبر بما أعده للمنافقين، ثم وصفهم ليعرفوا وليحذروا، وكانت الصفة الرئيسية للمنافقين، انحراف ولائهم، ومن ثم يأتي المقطع الثاني ليبدأ بالنهي عن اتخاذ الكافرين أولياء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ بالمصاحبة أو بالمصادقة، أو بالمناصحة وإسرار المودة إليهم، أو بإفشاء أحوال المؤمنين إليهم، أو بطاعتهم، أو بنصرتهم، أو غير ذلك من مظاهر الولاء. أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً. أي: حجة بينة في تعذيبكم. دلت الآية على أن مجرد الولاء، ولو رافقه إيمان يستحق به صاحبه التعذيب، والسلطان في الآية الحجة.
قال ابن عباس: «كل سلطان في القرآن حجة» والسند إليه صحيح.
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. أي: في أسفل النار. وقال بعضهم: النار دركات كما أن الجنة درجات، والمنافقون في القعر. وقد نقل عن الصحابة وصف حالهم في هذا القعر، فقال أبو هريرة: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليهم فتوقد من تحتهم ومن فوقهم. وقال ابن مسعود: في توابيت من نار تطبق عليهم. قال النسفي: والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض، وإنما كان المنافق أشد عذابا من الكافر، لأنه أمن السيف في الدنيا، فاستحق الدرك الأسفل في العقبى تعديلا، ولأنه مثله في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله. وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً. أي: يمنعهم من العذاب، أو ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من أليم العذاب.
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا. أي: من النفاق وَأَصْلَحُوا. ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في النفاق. أي وأصلحوا العمل. وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ. أي:
وثقوا به كما يثق المؤمنون الخلص. وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فبدلوا الرياء بالإخلاص، وأصبحوا لا يبتغون بطاعتهم إلا وجه الله. فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ في الدارين، هم أصحابهم، وهم رفاقهم، وهم زمرتهم يوم القيامة.
وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً فليسارع المنافقون إذن إلى التوبة والإصلاح والاعتصام بالله، والإخلاص له ليشاركوا المؤمنين فيه. وليستخرج توبة المنافقين، وليرفع همة المؤمنين.
قال: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ هذا استفهام تقريري معناه: إن الله لا يعذب المؤمن الشاكر، والإيمان معرفة المنعم والشكر
стр. 1181
الاعتراف بالنعمة، والكفر بالمنعم والنعمة عناد، فلذا استحق الكافر العذاب. وقدم في الآية الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه، وتعريضه للمنافع، فيشكر شكرا مبهما، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به، ثم شكر شكرا متصلا، فكان الشكر متقدما على الإيمان. ومعنى النص: أي شئ يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً يعلم من آمن وشكر، ومن نافق أو كفر، ويشكر لمن شكر، بمعنى أنه يجزي على الشكر، أو أن شكره لعبيده هو أنه يقبل اليسير من العمل، ويعطي الجزيل من الثواب.
وبعد أن أمرنا الله في هذين المقطعين بالإيمان، وتحرير الولاء. ورفع همتنا إلى أن نجمع مع الإيمان الشكر، لأن الشكر أعلى درجات العبودية يحذرنا فيما يلي من خلق يتنافى مع الإيمان، وهو الجهر بالسوء فقال: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ. أي:
إلا جهر من ظلم، استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم، والسوء كله لا يحبه الله سواء كان جهرا أو غير جهر، ولكن الجهر أفحش. وجهر المظلوم بالسوء إما بدعائه على الظالم، وذكره بما فيه من السوء، أو رده عليه بمثل ما ظلمه به، أو الكلام عليه ضمن حدود مظلمته للناس، ولا شك أن رفع الدعوى على الظالم، وذكر حيثيات الظلم جائز بإجماع. وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً. أي: سميعا لشكوى المظلوم، عليما بظلم الظالم،
ثم حث تعالى على العفو، وألا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار، بعد ما أطلق له الجهر به، حثا على الأفضل فقال: إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ. أي: إن تظهروا خيرا أو تعملوا الخير سرا أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ. أي:
تمحوه عن قلوبكم، وتعرضوا عن الرد على من ظلمكم. فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً. أي: أنه لم يزل عفوا عن الآثام مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنته، وذكر عفوه مع قدرته دليل لمن ذهب على أن إبداء الخير وإخفاءه، والعفو عن السوء، كل ذلك في موضوع العفو. فمن عفى فقد أظهر خيرا. ومن لم يعف فقد أخفى خيرا، ومن عفا عن السوء كله، فإنه في هذا كله يكون متخلقا بأخلاق الله الكاملة. وفي الحديث الصحيح «ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه».
دلت هاتان الآيتان على أن من أخلاق المؤمنين العفو عمن ظلمهم، وترك السوء، فالآيتان في سياقهما تدلان على أن حفظ اللسان والعفو، من القضايا الرئيسية في موضوع الإيمان، لأن السياق كله في هذا الموضوع.
стр. 1182
فائدة وتعليق:
- فسر ابن عباس قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ. فقال: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد، إلا أن يكون مظلوما، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه وذلك قوله إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وإن صبر فهو خير له.
وقال الحسن البصري: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه.
«وقال عبد الكريم بن مالك الجزري في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه». وقال ﵊: «المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم» وقال مجاهد في الآية: «هو الرجل ينزل بالرجل، فلا يحسن ضيافته فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن» وروى البزار أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: «إن لي جارا يؤذيني، فقال له: أخرج متاعك فضعه على الطريق، فأخذ الرجل متاعه، فطرحه على الطريق، فكل من مر به قال مالك؟ قال: جاري يؤذيني، فيقول: اللهم العنه، اللهم اخزه، قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك والله لا أوذيك أبدا» فهذه مجموعة نقول تفسر قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ. وعلى كل حال فالظلم تدركه الفطرة وتحدده النصوص ومن ظلم يحل له أن يتكلم بما ظلم به.
ولقد علق صاحب الظلال على هذه الآية لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ بقوله: «إن المجتمع شديد الحساسية، وفي حاجة إلى آداب اجتماعية تتفق مع هذه الحساسية. ورب كلمة عابرة لا يحسب قائلها حسابا لما وراءها؛ ورب شائعة عابرة لم يرد قائلها بها إلا فردا من الناس .. ولكن هذه وتلك تترك في نفسية المجتمع وفي أخلاقه وفي تقاليده وفي جوه آثارا مدمرة؛ وتتجاوز الفرد المقصود إلى الجماعة الكبيرة.
والجهر بالسوء من القول- في أية صورة من صوره- سهل على اللسان ما لم يكن هناك تحرج في الضمير وتقوى لله. وشيوع هذا السوء كثيرا ما يترك آثارا عميقة في ضمير المجتمع .. كثيرا ما يدمر الثقة المتبادلة في هذا المجتمع، فيخيل إلى الناس أن الشر قد صار غالبا. وكثيرا ما يزين لمن في نفوسهم استعداد كامن للسوء، ولكنهم يتحرجون منه، أن يفعلوه لأن السوء قد أصبح ديدن المجتمع الشائع فيه، فلا تحرج إذن ولا تقية، وهم ليسوا بأول من يفعل! وكثيرا ما يذهب استقباح السوء بطول الألفة. فالإنسان
стр. 1183
يستقبح السوء أول مرة بشدة، حتى إذا تكرر وقوعه أو تكرر ذكره، خفت حدة استقباحه والاشمئزاز منه، وسهل على النفوس أن تسمع- بل أن ترى- ولا تثور للتغيير على المنكر. ذلك كله فوق ما يقع من الظلم على من يتهمون بالسوء ويشاع عنهم- وقد يكونون منه أبرياء- ولكن قالة السوء تنتشر؛ وحين يصبح الجهر بها هينا مألوفا، فإن البريء قد يتقول عليه مع المسئ ويختلط البر بالفاجر بلا تحرج من فرية أو اتهام، ويسقط الحياء النفسي والاجتماعي الذي يمنع الألسنة من النطق بالقبيح، والذي يعصم الكثيرين من الإقدام على السوء. إن الجهر بالسوء يبدأ في أول الأمر اتهامات فردية- سبا وقذفا- وينتهي انحلالا اجتماعيا، وفوضى أخلاقية، تضل فيها تقديرات الناس بعضهم لبعض أفرادا وجماعات، وتنعدم فيها الثقة بين بعض الناس وبعض، وقد شاعت الاتهامات، ولاكتها الألسنة بلا تحرج. لذلك كله كره الله
للجماعة المسلمة أن تشيع فيها قالة السوء. وأن يقتصر حق الجهر بها على من وقع عليه ظلم، يدفعه بكلمة السوء يصف بها الظالم، في حدود ما وقع عليه منه من الظلم!».
ثم يعود السياق إلى قضية الإيمان ليقرر كفر من كفر بالله، وكفر من يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض، ويناقش طبقة من هؤلاء، ويعريهم فلنر تتمة المقطع: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ دلت هذه الآية على أن الكفر برسول الله ﷺ كفر بالله ورسله جميعا. وقد كفر اليهود بعيسى ومحمد ﵉، وكفر النصارى بمحمد ﷺ .
وهناك من يكفر بكل رسول لله أصلا. ومنهم من لا يؤمن حتى بوجود الله، ولكن السياق هنا منصب على من يكفر ببعض رسل الله. وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا. أي: طريقا ومسلكا وسطا بين الإيمان والكفر، ولا واسطة بينهما. وفي هذا رد على كل من يعز عليه أن يسمى كافرا وفي الوقت نفسه لا يعطي قضية الإيمان كل لوازمها.
أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا. أي: أولئك هم الكاملون في الكفر، وكفرهم حق ثابت لا شك فيه. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً. أي:
وهيأنا للكافرين عذابا مذلا في الآخرة.
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وليس هذا- بعد البعثة المحمدية- لأحد إلا لمن تابع محمدا ﷺ ، فأمته تؤمن بكل نبي، وتؤمن بكل كتاب. أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ. أي: الثواب الموعود لهم.
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أي: غفورا لذنوبهم إن كان لهم ذنوب، رحيما بهم في
стр. 1184
الدنيا والآخرة. هذه هي إحدى قواعد الفهم لموضوع الكفر والإيمان، وإذ تتقرر القاعدة يبدأ السياق يبين ظلم اليهود الذين لم يؤمنوا برسول الله محمد ﷺ .
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ السائلون هم اليهود.
قال محمد بن كعب القرظي والسدي وقتادة: سأل اليهود رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابا من السماء كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة. قال ابن جريج: «سألوه أن ينزل عليهم صحفا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان، بتصديقه بما جاءهم به» وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت والظلم للحقيقة. فلم يطلبوا آية من أجل أن يتأكدوا من صحة رسالة محمد ﷺ ، والآيات كثيرة ولكنها طبيعتهم التي سيعرض السياق حقائق عنها ليؤكد أن كفرهم وتعنتهم لا سبب له إلا ظلمهم. فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ هذا جواب شرط مقدر، معناه: إن استكبرت ما سألوه فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، والسؤال من آبائهم في أيام موسى ﵇، وأسند إليهم لأنهم كانوا على مذهبهم، وراضين بسؤالهم. وما هو هذا السؤال الأفظع؟ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً. أي: عيانا، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ. أي: فأخذهم العذاب الهائل، أو النار المحرقة بسبب ظلمهم بالتحكم على نبيهم في الآيات، وتعنتهم في سؤال الرؤية لا بمجرد سؤال الرؤية، فقد سألها موسى ولكنه سألها إيمانا وشوقا وهم علقوا الإيمان عليها، ومع هذا فقد أحياهم الله بعد موتهم وعفا عنهم. ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ. أي: ثم اتخذوا العجل إلها من بعد ما رأوا المعجزات التسع، وهي معجزات في غاية الوضوح ومع ذلك عبدوا العجل. فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ تفضلا ولم نستأصلهم بل أمرهم الله أن يقتلوا أنفسهم، أو أن العفو أخروي لأن العقوبة الدنيوية قد حصلت. وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً. أي:
حجة ظاهرة على من خالفه، فانحرافهم مع هذا وفتنتهم أثر عن طبيعتهم القاسية فلا يستغرب انحرافهم وظلمهم، وتعنتهم الحالي هو امتداد لذاك.
وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ. أي: بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه. قال ابن كثير: «وذلك حين امتنعوا عن الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى ﵇، رفع الله على رءوسهم جبلا ثم ألزموا فالتزموا ... ». وهذا مظهر آخر من مظاهر ظلمهم إذ احتاج أخذ الميثاق عليهم إلى رفع الجبل فوقهم وتهديدهم. ثم أن يكون مع مثل هذا نقض للميثاق فما أفظع هذه الطبيعة؟. وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً أمروا أن يدخلوا باب القدس سجدا، أي مطأطئين الرءوس عند دخولهم، فخالفوا ما
стр. 1185
أمروا به، وعصوا فهي طبيعتهم، العصيان والمخالفة. وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ. أي: أوصيناهم بحفظ السبت، والتزام ما حرم الله عليهم، فلا يتجاوزون الحد فيه، فخالفوا وعصوا واحتالوا على ارتكاب ما حرم الله عليهم، تلك طبيعتهم.
وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً. أي: عهدا شديدا،
فنقضوا مواثيقهم كلها بدليل قوله تعالى بعد ذلك: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ. أي: فبنقضهم العهود التي أخذها الله عليهم، والجواب والعقوبة سيأتيان بعد خمس آيات كما سنرى. وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ. أي: وكفرهم بحججه وبراهينه والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء ﵈. وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ. أي: بغير سبب يستحقون به القتل، والرسل لا يرتكبون ما يستحقون به القتل، ولكن حتى لا يتوهم متوهم ذكرت، وما قتلوهم إلا لشدة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جمعا غفيرا من الأنبياء ﵈ كما سنرى في قسم الفوائد. وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ.
أي: قلوبنا مغطاة محجوبة لا يتوصل إليها شئ من الذكر والوعظ وهو كالاعتذار، وما أقبحه من اعتذار. لذلك رد الله عليهم بقوله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ.
أي: بسبب كفرهم فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا. أي: إلا قليلا منهم يؤمنون، كعبد الله بن سلام وأمثاله.
وَبِكُفْرِهِمْ كرر ذكر الكفر، لتكرار الكفر منهم، كلما بعث رسول. وهنا يذكر الكفر بمناسبة كفرهم بعيسى ﵇. وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً. أي: كذبا كبيرا، إذ رموها بالعظائم، فاتهموها بالزنى.
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ. فهم لم يكتفوا بالكفر بل تبجحوا بادعاء قتله. ووصف المسيح بأنه رسول الله إن كان من كلامهم، فإنه يكون من باب الاستهزاء، ويحتمل أن الله وصفه بالرسول، ويكون هذا ليس من كلامهم.
وقد نفى الله- قتله أو صلبه بقوله: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وقتلوا وصلبوا شبيهه. وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ. أي: في عيسى ﵇، والاختلاف فيه إن كان أثناء القتل، أو قبله، يكون المختلفون اليهود، وإن كان فيما بعد فالمختلفون النصارى. لَفِي شَكٍّ مِنْهُ. أي: لفي شك من شأنه وقتله. ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ. أي: ما لهم بالمسيح من علم قاطع، ولكنهم يتبعون الظن، وأنى يجوز الظن في باب العقائد. وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً. أي:
وما قتلوه حقا، أو ما قتلوه متيقنين.
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. أي: بل رفع الله المسيح إلى السماء. وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً. أي: مانع الجناب، لا يرام جنابه ولا
стр. 1186
يضام من لاذ ببابه. حَكِيماً. أي: في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها أو يفعلها، ومن ذلك رفع المسيح
وبمناسبة ذكر المسيح ﵇ يقول الله:
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ يحتمل معنيين، الأول: أي وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى ﵇ وبأنه عبد الله ورسوله، وذلك إذا عاين قبل أن تزهق روحه، حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف، والمعنى الثاني وهو الراجح: وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله، في آخر الزمان. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً يشهد على اليهود بأنهم كذبوه، وعلى النصارى بأنهم غلوا فيه.
ويعود الآن السياق المبدوء بقوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ، ليكمل الآن فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ. قال ابن كثير: وهذا التحريم قد يكون قدريا، بمعنى أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالا لهم، فحرموها على أنفسهم، تشديدا منهم على أنفسهم وتضييقا وتنطعا، ويحتمل أن يكون شرعيا. والمهم هنا أن نعرف أن قوله تعالى حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ هي التي يتعلق بها كل ما قبلها وما بعدها من قوله تعالى فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ .. وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً وبمنعهم عن طريق الله خلقا كثيرا، أو صدا كثيرا
وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ كان الربا محرما عليهم، كما حرم علينا، وكانوا يتعاطونه وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة، وسائر أنواع التعامل التي حرمها الله. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً. أي: في الآخرة.
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ. أي:
الثابتون في الدين الذين لهم قدم راسخة في العلم النافع من أهل الكتاب. قال ابن كثير:
أنزلت في عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد وزيد بن سعية، وأسد بن عبيد، الذين دخلوا في الإسلام، وصدقوا بما أرسل الله به محمدا ﷺ . وَالْمُؤْمِنُونَ.
أي: من المهاجرين والأنصار، ومن على قدمهم، فأولئك من أهل الكتاب وهؤلاء.
يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ. أي: القرآن. وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ. أي: بسائر الوحي والكتب. دل هذا على أن الراسخين في العلم من أهل الكتاب إن كان عندهم إنصاف، فإن علمهم سيهديهم إلى الإيمان بما أنزل على رسول الله ﷺ . وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ. أي: وأخص المقيمين الصلاة، دل على أن إقامة الصلاة عامل عظيم من
стр. 1187
عوامل حصول الإيمان. وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ زكاة الأموال، وزكاة الأنفس.
وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مع إيمانهم بما أنزل على محمد ﷺ وما أنزل من قبله، هؤلاء ممن هذه صفاتهم، الإيمان بالكتب، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان بالله واليوم الآخر يعدهم الله. أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً. وبهذا ينتهي هذان المقطعان بتبيان ما أعده الله لأهل الإيمان من الأجر العظيم، بدأ المقطع الأول بالأمر بالإيمان، وختم المقطع الثاني بجزائه ومقتضياته، وخلال ذلك كان نقاش وتربية، وذكر مناف، وتطهير مما يناقض. وتعريض بأهل الكفر والعناد، ورفع للمسلم إلى ذروة التقوى بالتطهير عما ينافيها وذلك محور سورة النساء كلها كما رأينا أكثر من مرة، ولأن المقطعين في حكم المقطع الواحد دمجنا الكلام عنهما.
فصل في رفع المسيح ﵊:
سنعقد فصلا في أواخر تفسير المقطع الثاني عشر نتحدث فيه عن الأناجيل، والتثليث، وهناك سنرى القيمة التاريخية للأناجيل الأربعة المعتمدة عند نصارى اليوم،
وسنرى أنها من وجهة النظر التاريخية والنقدية، مما لا يمكن أن تقوم به حجة، ومع إجماعها على أن المسيح ﵊ قد صلب، إلا أنها متناقضة مع بعضها في كثير من الحيثيات فإنجيل متى يقول على لسان يهوذا الأسخريوطي.
«الذي أقبله هو هو أمسكوه فللوقت تقدم إلى يسوع وقال السلام يا سيدي وقبله .... حينئذ تقدموا وألقوا الأيادي على يسوع وأمسكوه».
وفي إنجيل يوحنا:
«فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم من تطلبون أجابوه يسوع الناصري قال لهم يسوع أنا هو وكان يهوذا مسلمه أيضا واقفا معهم فلما قال لهم إني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض».
فرواية إنجيل متى تقول: إن يهوذا دلهم عليه من خلال القبلة ورواية إنجيل يوحنا تقول: إن المسيح ﵇ هو الذي عرفهم على نفسه.
وإذا كانت هذه الأناجيل كما سنرى ليس واحدا منها ثابت النسبة لواحد من تلاميذ المسيح ﵊ فلذلك لا نحتاج إلى جهد عقلي كي نستدل على أنها غير قابلة للاعتماد. وبإجماع من كتب ودرس فإن المرحلة الأولى من النصرانية قد طمست
стр. 1188
طمسا كاملا، وكل ذلك سنراه في الفصل الذي وعدنا به يقول شارل جنيبير أستاذ المسيحية ورئيس قسم تاريخ الأديان في جامعة باريس في كتابه (المسيحية: نشأتها وتطورها):
(وهكذا لم نعد نستطيع أن نميز في وضوح الجوانب التاريخية لشخصية عيسى ولم نعد نملك المراجع اللازمة لتحديد أحداث حياته بدقة).
ويقول عن موضوع دعوى الصلب:
(ومن المرجح كذلك أن الأحداث الخاصة بالصلب كانت قد فقدت الكثير من وضوحها في ذاكرة المؤمنين قبل تحرير الأناجيل وأنها تأثرت في مخيلتهم بالأساطير المختلفة الشائعة ثم إنها فسرت تفسيرات غيرت وجددت في جوانب كثيرة أساسية منها).
أمام هذا كله، فإن أي باحث يجد نفسه مساقا من الناحية التاريخية أن ينقل رواية إنجيل برنابا، لأنها الرواية الوحيدة المنسوبة لتلميذ مباشر من تلاميذ المسيح ﵇ من الثابت أنه قد اختلف مع بولس الذي إليه مرجع المعتقدات النصرانية الحالية، وإن رواية برنابا ﵇ لواضحة في أن المسيح ﵊ قد رفع وأن الذي صلب هو يهوذا الخائن الذي ألقي عليه شبه المسيح.
ونحن سننقل رواية برنابا كاملة في هذا الشأن، لا للاستناد عليها في إثبات رفع المسيح ﵊، فهذه قضية بت فيها القرآن وانتهى الأمر، لكنا ننقلها كيلا يماحك مماحك في أن النصارى واليهود مجمعون على الصلب، وأنهم لا يشكون في ذلك، بينما القرآن أثبت شكهم.
يقول إنجيل برنابا:
«الفصل الرابع عشر بعد المائتين»
وخرج يسوع من البيت ومال إلى البستان ليصلي فجثا على ركبتيه مائة مرة معفرا وجهه كعادته في الصلاة ولما كان يهوذا يعرف الموضع الذي كان فيه يسوع مع تلاميذه ذهب لرئيس الكهنة وقال: إذا أعطيتني ما وعدت به أسلم هذه الليلة ليدك يسوع الذي تطلبونه لأنه منفرد مع أحد عشر رفيقا. أجاب رئيس الكهنة: كم تطلب؟ قال يهوذا:
ثلاثين قطعة من الذهب فحينئذ عد له رئيس الكهنة النقود فورا وأرسل فريسيا إلى الوالي
стр. 1189
وهيرودس ليحضر جنودا فأعطياه كتيبة منها لأنهما خافا الشعب. فأخذوا من ثم أسلحتهم وخرجوا من أورشليم بالمشاعل والمصابيح على العصي.
«الفصل الخامس عشر بعد المائتين»
ولما دنت الجنود من يهوذا من المحل الذي كان فيه يسوع سمع يسوع دنو جم غفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفا، وكان الأحد عشر نياما، فلما رأى الله الخطر على عبده أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم، فجاء الملائكة الأطهار وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد.
«الفصل السادس عشر بعد المائتين»
ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التي أصعد منها يسوع وكان التلاميذ كلهم نياما، فأتى الله العجيب بأمر عجيب، فتغير يهوذا في النطق، وفي الوجه شبها بيسوع حتى إننا اعتقدنا أنه يسوع، أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم، لذلك تعجبنا وأجبنا: أنت يا سيد هو معلمنا، أنسيتنا الآن؟ أما هو فقال مبتسما: هل أنتم أغبياء حتى لا تعرفوا يهوذا الأسخريوطي وبينما كان يقول هذا دخلت الجنود وألقوا أيديهم على يهوذا لأنه كان شبيها بيسوع من كل وجه، أما نحن فلما سمعنا قول يهوذا ورأينا جمهور الجنود هربنا كالمجانين، ويوحنا الذي كان ملتفا بملحفة من الكتان استيقظ وهرب، ولما أمسكه جندي بملحفة الكتان ترك ملحفة الكتان وهرب عريانا لأن الله سمع دعاء يسوع وخلص الأحد عشر من الشر.
«الفصل السابع عشر بعد المائتين»
فأخذ الجنود يهوذا وأوثقوه ساخرين منه لأنه أنكر- وهو صادق- أنه هو يسوع، فقال الجنود مستهزءين به، يا سيدي لا تخف لأننا أتينا لنجعلك ملكا على إسرائيل، وإنما أوثقناك لأننا نعلم أنك ترفض المملكة: أجاب يهوذا: لعلكم جننتم أنكم أتيتم بسلاح ومصابيح لتأخذوا يسوع الناصري كأنه لص، أفتوثقونني، أنا الذي أرشدكم لتجعلوني ملكا. حينئذ خان الجنود صبرهم وشرعوا يمتهنون يهوذا بضربات ورفسات، وقادوه
стр. 1190
بحنق إلى أورشليم، وتبع يوحنا وبطرس الجنود عن بعد وأكد للذي يكتب أنهما شاهدا كل التحري الذي تحراه بشأن يهوذا ورئيس الكهنة ومجلس الفريسيين الذين اجتمعوا ليقتلوا يسوع. فتكلم من ثم يهوذا كلمات جنون كثيرة، حتى إن كل واحد أغرق في الضحك معتقدا أنه بالحقيقة يسوع وأنه يتظاهر بالجنون خوفا من الموت. لذلك عصب الكتبة عينيه بعصابة وقالوا له مستهزءين: يا يسوع نبي الناصريين (فإنهم هكذا كانوا يدعون المؤمنين بيسوع) قل لنا من ضربك، ولطموه وبصقوا في وجهه ولما أصبح الصباح التأم المجلس الكبير للكتبة وشيوخ الشعب وطلب رئيس الكهنة مع الفريسيين شاهد زور على يهوذا معتقدين أنه يسوع فلم يجدوا مطلبهم، ولماذا أقول إن رؤساء الكهنة اعتقدوا أن يهوذا يسوع؟ بل إن التلاميذ كلهم مع الذي يكتب اعتقدوا ذلك أن أم يسوع العذراء المسكينة مع أقاربه وأصدقائه اعتقدوا ذلك، إن حزن كل واحد يفوق التصديق، لعمر الله إن الذي يكتب نسي كل ما قاله يسوع: من أنه يرفع من العام وأن شخصا آخر سيعذب باسمه وأنه لا يموت إلا وشك نهاية العالم لذلك ذهب (الذي يكتب) مع أم يسوع ومع يوحنا إلى الصليب، فأمر رئيس الكهنة أن يؤتى بيسوع أمامه، وسأله عن تلاميذه وعن تعليمه فلم يجب بشيء في الموضوع كأنه جن حينئذ استحلفه رئيس الكهنة بإله إسرائيل الحي أن يقول له الحق. أجاب يهوذا: لقد قلت لكم إني يهوذا الأسخريوطي الذي وعد أن يسلم إلى أيديكم يسوع الناصري، أما أنتم فلا أدري بأي حيلة قد جننتم لأنكم تريدون بكل وسيلة أن أكون أنا يسوع، أجاب رئيس الكهنة، أيها الضال لقد أضللت كل إسرائيل بتعليمك، وآياتك الكاذبة مبتدئا من الجليل حتى أورشليم هنا. أفيخيل لك الآن أن تنجو من العقاب الذي تستحقه والذي أنت أهل له بالتظاهر بالجنون؟ لعمر الله إنك لا تنجو منه، وبعد أن قال هذا، أمر خدمه أن يوسعوه لطما ورفسا لكي يعود عقله إلى رأسه، ولقد أصابه من الاستهزاء على يد خدم رئيس الكهنة ما يفوق التصديق، لأنهم اخترعوا أساليب جديدة بغيرة ليفكهوا المجلس، فألبسوه لباس مشعوذ وأوسعوه ضربا بأيديهم وأرجلهم حتى إن الكنعانيين أنفسهم لو رأوا ذلك المنظر لتحننوا عليه، ولكن قست قلوب رؤساء الكهنة والفريسيين وشيوخ الشعب على يسوع إلى حد سروا معه أن يروه معاملا هذه المعاملة معتقدين أن يهوذا هو بالحقيقة يسوع، ثم قادوه بعد ذلك موثقا إلى الوالي الذي كان يحب يسوع سرا، ولما كان يظن أن يهوذا هو يسوع أدخله غرفته سائلا إياه لأي سبب قد سلمه رؤساء الكهنة والشعب إلى يديه. أجاب يهوذا: لو قلت لك الحق لما
стр. 1191
صدقتني، لأنك قد تكون مخدوعا كما خدع الكهنة والفريسيون. أجاب الوالي (ظانا أنه أراد أن يتكلم عن الشريعة): ألا تعلم أني لست يهوديا؟ ولكن الكهنة وشيوخ الشعب قد سلموك ليدي، فقل لنا الحق لكي أفعل ما هو عدل، لأن لي سلطانا أن أطلقك، وأن آمر بقتلك. أجاب يهوذا: صدقني يا سيد أنك إذا أمرت بقتلي ترتكب ظلما كبيرا لأنك تقتل بريئا، لأني أنا يهوذا الأسخريوطي لا يسوع الذي هو ساحر فحولني هكذا بسحره فلما سمع الوالي هذا تعجب كثيرا حتى إنه طلب أن يطلق سراحه، لذلك خرج الوالي وقال مبتسما: من جهة واحدة على الأقل لا يستحق هذا الإنسان الموت بل الشفقة، ثم قال الوالي: إن هذا الإنسان يقول إنه ليس يسوع بل يهوذا الذي قاد الجنود ليأخذوا يسوع، ويقول إن يسوع الجليلي قد حوله هكذا بسحره، فإذا كان هذا صدقا يكون قتله ظلما كبيرا لأنه يكون بريئا، ولكن إذا كان هو يسوع وينكر أنه هو فمن المؤكد أنه قد فقد عقله ويكون من الظلم قتل مجنون، حينئذ صرخ رؤساء الكهنة، وشيوخ الشعب، مع الكتبة والفريسيين بصخب قائلين:
إنه يسوع الناصري فإننا نعرفه لأنه لو لم يكن هو المجرم لما سلمناه ليديك، وليس هو بمجنون بل بالحري خبيث لأنه بحيلته هذه يطلب أن ينجو من أيدينا، وإذا نجا تكون الفتنة التي يثيرها شرا من الأولى، أما بيلاطس (وهو اسم الوالي) فلكي يتخلص من هذه الدعوى قال: إنه جليلي وهيرودس هو ملك الجليل، فليس من حقي الحكم في هذه الدعوى، فخذوه إلى هيرودس، فقادوا يهوذا إلى الذي طالما تمنى أن يذهب يسوع إلى بيته، ولكن يسوع لم يرد قط أن يذهب إلى بيته لأن هيرودس كان من الأمم وعبد الآلهة الباطلة الكاذبة عائشا بحسب عوائد الأمم النجسة، فلما قيد يهوذا إلى هناك سأله هيرودس عن أشياء كثيرة لم يحسن يهوذا الإجابة عنها منكرا أنه هو يسوع، حينئذ سخر به هيرودس مع بلاطه كله وأمر أن يلبس ثوبا أبيض كما يلبس الحمقى، ورده إلى بيلاطس قائلا له: لا تقصر في إعطاء العدل بيت إسرائيل. وكتب هيرودس هذا لأن رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين أعطوه مبلغا كبيرا من النقود، فلما علم الوالي من أحد خدم هيرودس أن الأمر هكذا تظاهر بأنه يريد أن يطلق سراح يهوذا طمعا في نيل شئ من النقود، فأمر عبيده الذين دفع لهم الكتبة (نقودا) ليقتلوه أن يجلدوه ولكن الله الذي قدر العواقب، أبقى يهوذا للصليب ليكابد ذلك الموت الهائل الذي كان أسلم إليه آخر، فلم يسمح بموت يهوذا تحت الجلد مع أن الجنود جلدوه بشدة سال معها جسمه دما، ولذلك ألبسوه ثوبا قديما من الأرجوان تهكما قائلين: يليق بملكنا الجديد
стр. 1192
أن يلبس حلة ويتوج، فجمعوا شوكا وصنعوا إكليلا شبيها بأكاليل الذهب والحجارة الكريمة التي يضعها الملوك على رءوسهم، ووضعوا إكليل الشوك على رأس يهوذا ووضعوا في يده قصبة كصولجان وأجلسوه في مكان عال، ومر من أمامه الجنود حانين رءوسهم تهكما مؤدين له السلام كأنه ملك اليهود، وبسطوا أيديهم لينالوا الهبات التي اعتاد إعطاءها الملوك الجدد، فلما لم ينالوا شيئا ضربوا يهوذا قائلين: كيف تكون إذا متوجا أيها الملك إذا كنت لا تهب الجنود والخدم؟ فلما رأى رؤساء الكهنة مع الكتبة والفريسيين أن يهوذا لم يمت من الجلد، ولما كانوا يخافون أن يطلق بيلاطس سراحه أعطوه هبة من النقود للوالي، فتناولها وأسلم يهوذا للكتبة والفريسيين كأنه مجرم يستحق الموت، وحكموا بالصلب على لصين معه، فقادوه إلى جبل الجمجمة حيث اعتادوا شنق المجرمين، وهناك صلبوه عريانا مبالغة في تحقيره،
ولم يفعل يهوذا شيئا سوى الصراخ: يا الله لماذا تركتني فإن المجرم قد نجا أما أنا فأموت ظلما. الحق أقول إن صوت يهوذا ووجهه وشخصه بلغت من الشبه بيسوع أن اعتقد تلاميذه والمؤمنون به كافة أنه هو يسوع، لذلك خرج بعضهم من تعليم يسوع معتقدين أن يسوع كان نبيا كاذبا وأنه إنما يفعل الآيات التي فعلها بصناعة السحر لأن يسوع قال إنه لا يموت إلى وشك انقضاء العالم، لأنه سيؤخذ في ذلك الوقت من العالم فالذين ثبتوا راسخين في تعليم يسوع حاق بهم الحزن إذ رأوا من يموت شبيها بيسوع كل الشبه حتى إنهم لم يذكروا ما قاله يسوع، وهكذا ذهبوا في صحبة أم يسوع إلى جبل الجمجمة ولم يقتصروا على حضور موت يهوذا باكين على الدوام بل حصلوا بواسطة نيقوديموس ويوسف الاباريماثيائي من الوالي على جسد يهوذا ليدفنوه، فأنزلوه من ثم عن الصليب ببكاء لا يصدقه أحد ودفنوه في القبر الجديد ليوسف بعد أن ضمخوه بمأة رطل من الطيوب.
«الفصل الثامن عشر بعد المائتين»
ورجع كل إلى بيته ومضى الذي يكتب ويوحنا ويعقوب أخوه مع أم يسوع إلى الناصرة، أما التلاميذ الذين لم يخافوا الله فذهبوا ليلا وسرقوا جسد يهوذا وخبئوه وأشاعوا أن يسوع قام فحدث بسبب هذا اضطراب، فأمر رئيس الكهنة أن لا يتكلم أحد عن يسوع الناصري وإلا كان تحت عقوبة الجرم فحصل اضطهاد عظيم فرجم وضرب ونفي من البلاد كثيرون لأنهم لم يلازموا الصمت في هذا الأمر وبلغ الخبر الناصرة كيف أن يسوع أحد أهالي مدينتهم قام بعد أن مات على الصليب فضرع الذي
стр. 1193
يكتب إلى أم يسوع أن ترضى فتكف عن البكاء لأن ابنها قام فلما سمعت العذراء مريم هذا قالت باكية: لنذهب إلى أورشليم لننشد ابني فإن رأيته مت قريرة العين.
«الفصل التاسع عشر بعد المائتين»
فعادت العذراء إلى أورشليم مع الذي يكتب ويعقوب ويوحنا في اليوم الذي صدر فيه أمر رئيس الكهنة، ثم إن العذراء التي كانت تخاف الله أوصت الساكنين معها أن ينسوا ابنها مع أنها عرفت أن أمر رئيس الكهنة ظلم وما كان أشد انفعال كل أحد، والله الذي يبلو قلوب البشر يعلم أننا فنينا من الأسى على موت يهوذا الذي كنا نحسبه يسوع معلمنا وبين الشوق إلى رؤيته قائما، وصعد الملائكة الذين كانوا حرسا على مريم إلى السماء الثالثة، حيث كان يسوع في صحبة الملائكة وقصوا عليه كل شئ لذلك ضرع يسوع إلى الله أن يأذن له بأن يرى أمه وتلاميذه فأمر حينئذ الرحمن ملائكته الأربعة المقربين الذين هم جبريل وميخائيل ورافائيل وأوريل أن يحملوا يسوع إلى بيت أمه وأن يحرسوه هناك لمدة ثلاثة أيام متوالية، وأن لا يسمحوا لأحد أن يراه خلا الذين آمنوا بتعليمه، فجاء يسوع محفوفا ... إلى الغرفة التي أقامت فيها مريم العذراء مع أختيها ومرثا ومريم المجدلية ولعازر والذي يكتب ويوحنا ويعقوب وبطرس فخروا من الهلع كأنهم أموات فأنهض يسوع أمه والآخرين عن الأرض قائلا: لا تخافوا لأني أنا يسوع، ولا تبكوا فإني حي لا ميت، فلبث كل منهم زمنا طويلا كالمخبول لحضور يسوع، لأنهم اعتقدوا اعتقادا تاما بأن يسوع مات، فقالت حينئذ العذراء باكية: قل لي يا بني لماذا سمح الله بموتك ملحقا العار بأقربائك وأخلائك وملحقا العار بتعليمك؟ وقد أعطاك قوة على إحياء الموتى، فإن كل من يحبك كان كميت.
«الفصل العشرون بعد المائتين»
أجاب يسوع معانقا أمه: صدقيني يا أماه لأني أقول لك بالحق أني لم أمت قط، لأن الله قد حفظني إلى قرب انقضاء العالم، ولما قال هذا رغب إلى الملائكة الأربعة أن يظهروا ويشهدوا كيف كان الأمر، فظهر من ثم الملائكة كأربع شموس متألقة حتى إن كل أحد خر من الهلع ثانية كأنه ميت، فأعطى حينئذ يسوع الملائكة أربع ملاء من كتان ليستروا بها أنفسهم لتتمكن أمه ورفاقها من رؤيتهم وسماعهم يتكلمون، وبعد أن
стр. 1194
أنهض كل واحد منهم عزاهم قائلا: إن هؤلاء هم سفراء الله، جبريل الذي يعلن أسرار الله، وميخائيل الذي يحارب أعداء الله، ورافائيل الذي يقبض أرواح الميتين، وأوريل الذي ينادي إلى دينونة الله في اليوم الآخر، ثم قص الملائكة الأربعة على العذراء كيف أن الله أرسل إلى يسوع وغير (صورة) يهوذا ليكابد العذاب الذي باع له آخر، حينئذ قال الذي يكتب: يا معلم أيجوز لي أن أسألك الآن كما كان يجوز عند ما كنت مقيما معنا؟ أجاب يسوع: سل ما شئت يا برنابا أجبك، فقال حينئذ الذي يكتب: يا معلم إذا كان الله رحيما، فلماذا عذبنا بهذا المقدار بما جعلنا نعتقد أنك كنت ميتا؟ ولقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت وسمح الله أن يقع عليك عار القتل بين اللصوص على جبل الجمجمة وأنت قدوس الله أجاب يسوع: صدقني يا برنابا أن الله يعاقب على كل خطيئة مهما كانت طفيفة عقابا عظيما لأن الله يغضب من الخطيئة، فلذلك لما كانت أمي وتلاميذي الأمناء الذين كانوا معي أحبوني قليلا حبا عالميا أراد الله البر أن يعاقب على هذا الحب بالحزن الحاضر حتى لا يعاقب عليه بلهب الجحيم، فلما كان الناس قد دعوني الله، وابن الله على أني كنت بريئا في العالم أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله، وبعد أن تكلم يسوع بهذا قال: إنك لعادل أيها الرب إلهنا لأن لك وحدك الإكرام والمجد بدون نهاية.
«الفصل الحادي والعشرون بعد المائتين»
والتفت يسوع إلى الذي يكتب وقال: يا برنابا عليك أن تكتب إنجيلي حتما، وما حدث في شأن مدة وجودي في العالم واكتب أيضا ما حل بيهوذا ليزول انخداع المؤمنين ويصدق كل أحد الحق حينئذ أجاب الذي يكتب: إني لفاعل ذلك إن شاء الله يا معلم ولكن لا أعلم ما حدث ليهوذا لأني لم أر كل شئ. أجاب يسوع: هاهنا يوحنا وبطرس اللذان قد عاينا كل شئ، فهما يخبرانك بكل ما حدث، ثم أوصانا يسوع أن ندعو تلاميذه المخلصين ليروه فجمع حينئذ يعقوب ويوحنا التلاميذ السبعة نيقوديموس ويوسف وكثيرين آخرين من الاثنين والسبعين وأكلوا مع يسوع، وفي اليوم الثالث قال يسوع:
اذهبوا مع أمي إلى جبل الزيتون لأنني أصعد من هناك أيضا إلى السماء، وسترون من يحملني، فذهب الجميع خلا خمسة وعشرين من التلاميذ الاثنين والسبعين الذين كانوا
стр. 1195
قد هربوا إلى دمشق من الخوف، وبينما كان الجميع وقوفا للصلاة جاء يسوع وقت الظهيرة مع جم غفير من الملائكة الذين كانوا يسبحون الله فطاروا فرقا من سناء وجهه فخروا على وجوههم إلى الأرض ولكن يسوع أنهضهم وعزاهم قائلا: لا تخافوا أنا معلمكم، ووبخ كثيرين من الذين اعتقدوا أنه مات وقام قائلا: أتحسبونني أنا والله كاذبين؟ لأن الله وهبني أن أعيش حتى قبيل انقضاء العالم كما قد قلت لكم، الحق أقول لكم أني لم أمت بل يهوذا الخائن. احذروا لأن الشيطان سيحاول جهده أن يخدعكم، ولكن كونوا شهودي في كل إسرائيل، وفي العالم كله كل الأشياء التي رأيتموها وسمعتموها، وبعد أن قال هذا صلى لله لأجل خلاص المؤمنين وتجديد الخطأة، فلما انتهت الصلاة عانق أمه قائلا: سلام لك يا أمي، توكلي على الله الذي خلقك وخلقني، وبعد أن قال هذا التفت إلى تلاميذه قائلا: لتكن نعمة الله ورحمته معكم ثم حملته الملائكة الأربعة أمام أعينهم إلى السماء.
«الفصل الثاني والعشرون بعد المائتين»
وبعد أن انطلق يسوع تفرقت التلاميذ في أنحاء إسرائيل والعالم المختلفة، أما الحق المكروه من الشيطان فقد اضطهده الباطل كما هي الحال دائما فإن فريقا من الأشرار المدعين أنهم تلاميذ بشروا بأن يسوع مات ولم يقم وآخرون بشروا بأنه مات الحقيقة، ثم قام وآخرون بشروا ولا يزالون يبشرون بأن يسوع هو ابن الله وقد خدع في عدادهم بولص، أما نحن فإنما نبشر بما كتبت الذين يخافون الله ليخلصوا في اليوم الأخير لدينونة الله. آمين. أهـ.
أقول: لسنا ملزمين أن نؤمن بكل ما ورد في هذا النص لعدم ثبوته القطعي عندنا، ولكنا نستأنس به لفهم بعض القضايا في النص القرآني.
فوائد:
١ - قتل اليهود للأنبياء وتعذيبهم لهم شئ مشهور، ولا زالت كتب العهد القديم مع تحريفها وتبديلها، وكذلك كتب العهد الجديد، رغم تحريفها وتبديلها مليئة بما يشعر بهذا القتل، وأما تحريم الربا على اليهود فقد ورد في كتبهم الحالية في أكثر من مكان:
فمن ذلك ما ورد في الإصلاح الثاني والعشرين من سفر الخروج «إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي لا تضعوا عليه ربا».
следующие страницы →