← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

صدقتني، لأنك قد تكون مخدوعا كما خدع الكهنة والفريسيون. أجاب الوالي (ظانا أنه أراد أن يتكلم عن الشريعة): ألا تعلم أني لست يهوديا؟ ولكن الكهنة وشيوخ الشعب قد سلموك ليدي، فقل لنا الحق لكي أفعل ما هو عدل، لأن لي سلطانا أن أطلقك، وأن آمر بقتلك. أجاب يهوذا: صدقني يا سيد أنك إذا أمرت بقتلي ترتكب ظلما كبيرا لأنك تقتل بريئا، لأني أنا يهوذا الأسخريوطي لا يسوع الذي هو ساحر فحولني هكذا بسحره فلما سمع الوالي هذا تعجب كثيرا حتى إنه طلب أن يطلق سراحه، لذلك خرج الوالي وقال مبتسما: من جهة واحدة على الأقل لا يستحق هذا الإنسان الموت بل الشفقة، ثم قال الوالي: إن هذا الإنسان يقول إنه ليس يسوع بل يهوذا الذي قاد الجنود ليأخذوا يسوع، ويقول إن يسوع الجليلي قد حوله هكذا بسحره، فإذا كان هذا صدقا يكون قتله ظلما كبيرا لأنه يكون بريئا، ولكن إذا كان هو يسوع وينكر أنه هو فمن المؤكد أنه قد فقد عقله ويكون من الظلم قتل مجنون، حينئذ صرخ رؤساء الكهنة، وشيوخ الشعب، مع الكتبة والفريسيين بصخب قائلين: إنه يسوع الناصري فإننا نعرفه لأنه لو لم يكن هو المجرم لما سلمناه ليديك، وليس هو بمجنون بل بالحري خبيث لأنه بحيلته هذه يطلب أن ينجو من أيدينا، وإذا نجا تكون الفتنة التي يثيرها شرا من الأولى، أما بيلاطس (وهو اسم الوالي) فلكي يتخلص من هذه الدعوى قال: إنه جليلي وهيرودس هو ملك الجليل، فليس من حقي الحكم في هذه الدعوى، فخذوه إلى هيرودس، فقادوا يهوذا إلى الذي طالما تمنى أن يذهب يسوع إلى بيته، ولكن يسوع لم يرد قط أن يذهب إلى بيته لأن هيرودس كان من الأمم وعبد الآلهة الباطلة الكاذبة عائشا بحسب عوائد الأمم النجسة، فلما قيد يهوذا إلى هناك سأله هيرودس عن أشياء كثيرة لم يحسن يهوذا الإجابة عنها منكرا أنه هو يسوع، حينئذ سخر به هيرودس مع بلاطه كله وأمر أن يلبس ثوبا أبيض كما يلبس الحمقى، ورده إلى بيلاطس قائلا له: لا تقصر في إعطاء العدل بيت إسرائيل. وكتب هيرودس هذا لأن رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين أعطوه مبلغا كبيرا من النقود، فلما علم الوالي من أحد خدم هيرودس أن الأمر هكذا تظاهر بأنه يريد أن يطلق سراح يهوذا طمعا في نيل شئ من النقود، فأمر عبيده الذين دفع لهم الكتبة (نقودا) ليقتلوه أن يجلدوه ولكن الله الذي قدر العواقب، أبقى يهوذا للصليب ليكابد ذلك الموت الهائل الذي كان أسلم إليه آخر، فلم يسمح بموت يهوذا تحت الجلد مع أن الجنود جلدوه بشدة سال معها جسمه دما، ولذلك ألبسوه ثوبا قديما من الأرجوان تهكما قائلين: يليق بملكنا الجديد

стр. 1192

أن يلبس حلة ويتوج، فجمعوا شوكا وصنعوا إكليلا شبيها بأكاليل الذهب والحجارة الكريمة التي يضعها الملوك على رءوسهم، ووضعوا إكليل الشوك على رأس يهوذا ووضعوا في يده قصبة كصولجان وأجلسوه في مكان عال، ومر من أمامه الجنود حانين رءوسهم تهكما مؤدين له السلام كأنه ملك اليهود، وبسطوا أيديهم لينالوا الهبات التي اعتاد إعطاءها الملوك الجدد، فلما لم ينالوا شيئا ضربوا يهوذا قائلين: كيف تكون إذا متوجا أيها الملك إذا كنت لا تهب الجنود والخدم؟ فلما رأى رؤساء الكهنة مع الكتبة والفريسيين أن يهوذا لم يمت من الجلد، ولما كانوا يخافون أن يطلق بيلاطس سراحه أعطوه هبة من النقود للوالي، فتناولها وأسلم يهوذا للكتبة والفريسيين كأنه مجرم يستحق الموت، وحكموا بالصلب على لصين معه، فقادوه إلى جبل الجمجمة حيث اعتادوا شنق المجرمين، وهناك صلبوه عريانا مبالغة في تحقيره، ولم يفعل يهوذا شيئا سوى الصراخ: يا الله لماذا تركتني فإن المجرم قد نجا أما أنا فأموت ظلما. الحق أقول إن صوت يهوذا ووجهه وشخصه بلغت من الشبه بيسوع أن اعتقد تلاميذه والمؤمنون به كافة أنه هو يسوع، لذلك خرج بعضهم من تعليم يسوع معتقدين أن يسوع كان نبيا كاذبا وأنه إنما يفعل الآيات التي فعلها بصناعة السحر لأن يسوع قال إنه لا يموت إلى وشك انقضاء العالم، لأنه سيؤخذ في ذلك الوقت من العالم فالذين ثبتوا راسخين في تعليم يسوع حاق بهم الحزن إذ رأوا من يموت شبيها بيسوع كل الشبه حتى إنهم لم يذكروا ما قاله يسوع، وهكذا ذهبوا في صحبة أم يسوع إلى جبل الجمجمة ولم يقتصروا على حضور موت يهوذا باكين على الدوام بل حصلوا بواسطة نيقوديموس ويوسف الاباريماثيائي من الوالي على جسد يهوذا ليدفنوه، فأنزلوه من ثم عن الصليب ببكاء لا يصدقه أحد ودفنوه في القبر الجديد ليوسف بعد أن ضمخوه بمأة رطل من الطيوب. «الفصل الثامن عشر بعد المائتين» ورجع كل إلى بيته ومضى الذي يكتب ويوحنا ويعقوب أخوه مع أم يسوع إلى الناصرة، أما التلاميذ الذين لم يخافوا الله فذهبوا ليلا وسرقوا جسد يهوذا وخبئوه وأشاعوا أن يسوع قام فحدث بسبب هذا اضطراب، فأمر رئيس الكهنة أن لا يتكلم أحد عن يسوع الناصري وإلا كان تحت عقوبة الجرم فحصل اضطهاد عظيم فرجم وضرب ونفي من البلاد كثيرون لأنهم لم يلازموا الصمت في هذا الأمر وبلغ الخبر الناصرة كيف أن يسوع أحد أهالي مدينتهم قام بعد أن مات على الصليب فضرع الذي

стр. 1193

يكتب إلى أم يسوع أن ترضى فتكف عن البكاء لأن ابنها قام فلما سمعت العذراء مريم هذا قالت باكية: لنذهب إلى أورشليم لننشد ابني فإن رأيته مت قريرة العين. «الفصل التاسع عشر بعد المائتين» فعادت العذراء إلى أورشليم مع الذي يكتب ويعقوب ويوحنا في اليوم الذي صدر فيه أمر رئيس الكهنة، ثم إن العذراء التي كانت تخاف الله أوصت الساكنين معها أن ينسوا ابنها مع أنها عرفت أن أمر رئيس الكهنة ظلم وما كان أشد انفعال كل أحد، والله الذي يبلو قلوب البشر يعلم أننا فنينا من الأسى على موت يهوذا الذي كنا نحسبه يسوع معلمنا وبين الشوق إلى رؤيته قائما، وصعد الملائكة الذين كانوا حرسا على مريم إلى السماء الثالثة، حيث كان يسوع في صحبة الملائكة وقصوا عليه كل شئ لذلك ضرع يسوع إلى الله أن يأذن له بأن يرى أمه وتلاميذه فأمر حينئذ الرحمن ملائكته الأربعة المقربين الذين هم جبريل وميخائيل ورافائيل وأوريل أن يحملوا يسوع إلى بيت أمه وأن يحرسوه هناك لمدة ثلاثة أيام متوالية، وأن لا يسمحوا لأحد أن يراه خلا الذين آمنوا بتعليمه، فجاء يسوع محفوفا ... إلى الغرفة التي أقامت فيها مريم العذراء مع أختيها ومرثا ومريم المجدلية ولعازر والذي يكتب ويوحنا ويعقوب وبطرس فخروا من الهلع كأنهم أموات فأنهض يسوع أمه والآخرين عن الأرض قائلا: لا تخافوا لأني أنا يسوع، ولا تبكوا فإني حي لا ميت، فلبث كل منهم زمنا طويلا كالمخبول لحضور يسوع، لأنهم اعتقدوا اعتقادا تاما بأن يسوع مات، فقالت حينئذ العذراء باكية: قل لي يا بني لماذا سمح الله بموتك ملحقا العار بأقربائك وأخلائك وملحقا العار بتعليمك؟ وقد أعطاك قوة على إحياء الموتى، فإن كل من يحبك كان كميت. «الفصل العشرون بعد المائتين» أجاب يسوع معانقا أمه: صدقيني يا أماه لأني أقول لك بالحق أني لم أمت قط، لأن الله قد حفظني إلى قرب انقضاء العالم، ولما قال هذا رغب إلى الملائكة الأربعة أن يظهروا ويشهدوا كيف كان الأمر، فظهر من ثم الملائكة كأربع شموس متألقة حتى إن كل أحد خر من الهلع ثانية كأنه ميت، فأعطى حينئذ يسوع الملائكة أربع ملاء من كتان ليستروا بها أنفسهم لتتمكن أمه ورفاقها من رؤيتهم وسماعهم يتكلمون، وبعد أن

стр. 1194

أنهض كل واحد منهم عزاهم قائلا: إن هؤلاء هم سفراء الله، جبريل الذي يعلن أسرار الله، وميخائيل الذي يحارب أعداء الله، ورافائيل الذي يقبض أرواح الميتين، وأوريل الذي ينادي إلى دينونة الله في اليوم الآخر، ثم قص الملائكة الأربعة على العذراء كيف أن الله أرسل إلى يسوع وغير (صورة) يهوذا ليكابد العذاب الذي باع له آخر، حينئذ قال الذي يكتب: يا معلم أيجوز لي أن أسألك الآن كما كان يجوز عند ما كنت مقيما معنا؟ أجاب يسوع: سل ما شئت يا برنابا أجبك، فقال حينئذ الذي يكتب: يا معلم إذا كان الله رحيما، فلماذا عذبنا بهذا المقدار بما جعلنا نعتقد أنك كنت ميتا؟ ولقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت وسمح الله أن يقع عليك عار القتل بين اللصوص على جبل الجمجمة وأنت قدوس الله أجاب يسوع: صدقني يا برنابا أن الله يعاقب على كل خطيئة مهما كانت طفيفة عقابا عظيما لأن الله يغضب من الخطيئة، فلذلك لما كانت أمي وتلاميذي الأمناء الذين كانوا معي أحبوني قليلا حبا عالميا أراد الله البر أن يعاقب على هذا الحب بالحزن الحاضر حتى لا يعاقب عليه بلهب الجحيم، فلما كان الناس قد دعوني الله، وابن الله على أني كنت بريئا في العالم أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله، وبعد أن تكلم يسوع بهذا قال: إنك لعادل أيها الرب إلهنا لأن لك وحدك الإكرام والمجد بدون نهاية. «الفصل الحادي والعشرون بعد المائتين» والتفت يسوع إلى الذي يكتب وقال: يا برنابا عليك أن تكتب إنجيلي حتما، وما حدث في شأن مدة وجودي في العالم واكتب أيضا ما حل بيهوذا ليزول انخداع المؤمنين ويصدق كل أحد الحق حينئذ أجاب الذي يكتب: إني لفاعل ذلك إن شاء الله يا معلم ولكن لا أعلم ما حدث ليهوذا لأني لم أر كل شئ. أجاب يسوع: هاهنا يوحنا وبطرس اللذان قد عاينا كل شئ، فهما يخبرانك بكل ما حدث، ثم أوصانا يسوع أن ندعو تلاميذه المخلصين ليروه فجمع حينئذ يعقوب ويوحنا التلاميذ السبعة نيقوديموس ويوسف وكثيرين آخرين من الاثنين والسبعين وأكلوا مع يسوع، وفي اليوم الثالث قال يسوع: اذهبوا مع أمي إلى جبل الزيتون لأنني أصعد من هناك أيضا إلى السماء، وسترون من يحملني، فذهب الجميع خلا خمسة وعشرين من التلاميذ الاثنين والسبعين الذين كانوا

стр. 1195

قد هربوا إلى دمشق من الخوف، وبينما كان الجميع وقوفا للصلاة جاء يسوع وقت الظهيرة مع جم غفير من الملائكة الذين كانوا يسبحون الله فطاروا فرقا من سناء وجهه فخروا على وجوههم إلى الأرض ولكن يسوع أنهضهم وعزاهم قائلا: لا تخافوا أنا معلمكم، ووبخ كثيرين من الذين اعتقدوا أنه مات وقام قائلا: أتحسبونني أنا والله كاذبين؟ لأن الله وهبني أن أعيش حتى قبيل انقضاء العالم كما قد قلت لكم، الحق أقول لكم أني لم أمت بل يهوذا الخائن. احذروا لأن الشيطان سيحاول جهده أن يخدعكم، ولكن كونوا شهودي في كل إسرائيل، وفي العالم كله كل الأشياء التي رأيتموها وسمعتموها، وبعد أن قال هذا صلى لله لأجل خلاص المؤمنين وتجديد الخطأة، فلما انتهت الصلاة عانق أمه قائلا: سلام لك يا أمي، توكلي على الله الذي خلقك وخلقني، وبعد أن قال هذا التفت إلى تلاميذه قائلا: لتكن نعمة الله ورحمته معكم ثم حملته الملائكة الأربعة أمام أعينهم إلى السماء. «الفصل الثاني والعشرون بعد المائتين» وبعد أن انطلق يسوع تفرقت التلاميذ في أنحاء إسرائيل والعالم المختلفة، أما الحق المكروه من الشيطان فقد اضطهده الباطل كما هي الحال دائما فإن فريقا من الأشرار المدعين أنهم تلاميذ بشروا بأن يسوع مات ولم يقم وآخرون بشروا بأنه مات الحقيقة، ثم قام وآخرون بشروا ولا يزالون يبشرون بأن يسوع هو ابن الله وقد خدع في عدادهم بولص، أما نحن فإنما نبشر بما كتبت الذين يخافون الله ليخلصوا في اليوم الأخير لدينونة الله. آمين. أهـ. أقول: لسنا ملزمين أن نؤمن بكل ما ورد في هذا النص لعدم ثبوته القطعي عندنا، ولكنا نستأنس به لفهم بعض القضايا في النص القرآني. فوائد: ١ - قتل اليهود للأنبياء وتعذيبهم لهم شئ مشهور، ولا زالت كتب العهد القديم مع تحريفها وتبديلها، وكذلك كتب العهد الجديد، رغم تحريفها وتبديلها مليئة بما يشعر بهذا القتل، وأما تحريم الربا على اليهود فقد ورد في كتبهم الحالية في أكثر من مكان: فمن ذلك ما ورد في الإصلاح الثاني والعشرين من سفر الخروج «إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي لا تضعوا عليه ربا».

стр. 1196

ومن ذلك ما ورد في الإصحاح الثالث والعشرين من سفر التثنية: «ولا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام أو ربا شئ مما يقرض بربا». ٢ - ينبغي أن نلاحظ أن الكتب المعتمدة عند النصارى الحاليين، وهي ما يسمونه بكتب العهد الجديد، إن هي إلا من آثار مدرسة واحدة من مدارس النصارى وهي مدرسة بولس فالأناجيل من كتابة مدرسته، وأكثر الرسائل المعتمدة إن لم تكن كلها إما رسائله وإما رسائل لتلاميذه، وهذه الرسائل تشعر، أن بولس قد اختلف مع برنابا تلميذ المسيح المباشر وفي هذه الرسائل ما يشعر بإن هناك مخالفين لبولس وقد فصلنا ذلك في كتابنا (من أجل خطوة إلى الأمام) فإذا تأكد هذا المعنى نستطيع أن نتساءل، أين هى آثار الحواريين الاثنى عشر؟ وأين هي آثار تلاميذهم؟ أين هي أقوالهم؟ أين هي رسائلهم؟ أين هي أخبارهم؟ كل هذا غير موجود وليس موجودا ما يشعر به تقريبا، أليس هذا دليلا على أن دين المسيح الحقيقي، وإنجيله الحقيقي، وقصة حياته الحقيقة، ووضعه الحقيقي، كل ذلك قد انتهى بتغلب مدرسة بولس اليهودي الذي غلا في السيد المسيح، واستطاع بغلوه أن يتغلب بممالأة السلطة ونفاقه لها، ثم بتبني الدولة الرومانية مذهبه رسميا، إذا اتضح هذا، فإننا لا نستغرب التصورات الفاسدة عن السيد المسيح في الكتب المعتمدة عندهم. وإذا عرفنا تتبع الكنيسة لكل ما يخالفها والقضاء عليه سواء كان فكرا أو بشرا نعلم لماذا لم يصلنا شئ عن أخبار الرسل وتلاميذهم ونقولهم مما يخالف مدرسة بولس اليهودية التي اغتالت المسيحية من داخلها، وسيطرت عليها. غير أننا نجد بعضا مما فر من الإتلاف، كإنجيل برنابا التي تنص كتب العهد الجديد على اختلافه مع بولس. هذا الإنجيل يتحدث عن المسيح كما هو: رسول الله ﷺ ، بشر برسول الله محمد ﷺ ، وأمثال ذلك مما يوافق الحق. وإن مما يشبه السخرية أن يدعي النصارى أن هذا الإنجيل ألفه أحد المسلمين، وهو الأوروبي الوجود، الأوروبي الطبع، ولئن سلمنا بذلك جدلا فنحن نسألهم: أين إنجيل برنابا التي تتحدث عن تحريمه النشرات البابوية التي صدرت قبل الإسلام بكثير. ولنا عودة على هذه الأمور في الفصل الذي سنكتبه عن التثليث عند النصارى في أواخر الكلام عن المقطع الثاني عشر. ٣ - في نزول المسيح ﵇ في آخر الزمان إجماع الأمة المسلمة، والنصارى كذلك يرون ذلك، وفي كتب اليهود ما يشعر به، وقد ورد أكثر من سبعين حديثا عن

стр. 1197

رسول الله ﷺ في شأن نزوله، وحوالي أكثر من أربعين أثرا عن الصحابة في ذلك. وقد ألف في ذلك عبد الحي اللكنوي كتابه (التواتر الصريح في نزول المسيح) فمن أنكر قضية نزوله يكفر. والكلام عن المسيح ﵇ مرتبط بالكلام عن المسيح الدجال الذي موضوعه من المواضيع المتواترة كذلك، وفي كتابنا- الأساس في السنة وفقهها- تفصيل ذلك. ٤ - ننقل في هذه الفائدة كلام ابن عباس، في موضوع رفع المسيح، وما حدث لقومه بعده، كما ننقل حديثا واحدا عن نزول المسيح ﵇، وموضوع الدجال. أ- في أثر صحيح عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء فقال: إن منكم من يكفر في اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: ثم قال أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتى؟ فقام شاب من أحدثهم سنا فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام ذلك الشاب فقال: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب، فقال: أنا فقال: هو أنت ذاك. فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء، قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه، ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة، فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا ﷺ . ب- روى مسلم وأصحاب السنن عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات، طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف، خسف في المشرق، وخسف في المغرب، وخسف في جزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق- أو تحشر- الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا». ونحب هنا أن ننبه إلى أن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب بل يفيد مطلق الجمع،

стр. 1198

كلمة في السياق: لاحظنا أكثر من مرة خلال استعراضنا لمعاني المقطعين، كيف أن هذين المقطعين كانا في سياق توضيح قضية الإيمان وما ينافيها، وما يناقضها، فلسنا بحاجة إلى إعادة ذلك، والمهم أن يكون واضحا أن الإيمان هو الركن الأساسي في قضية التقوى التي هي محور سورة النساء. وهذان المقطعان في هذه القضية، ونؤثر ألا نطيل الكلام هاهنا في موضوع السياق لأن لنا عودة أخيرة على سياق سورة النساء في آخر تفسيرها إن شاء الله. المقطع الحادي عشر ويمتد من الآية (١٦٣) إلى نهاية الآية (١٧٠) وكما أن المقطع الثامن قد بدأ ب (إنا) وانتهى ب (يا أيها) فإن هذا المقطع يبدأ ب (إنا) وينتهي ب (يا أيها) وبدايته إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ونهايته يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ. وهذا هو المقطع: [سورة النساء (٤): الآيات ١٦٣ الى ١٦٦] إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦)

стр. 1199

[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٧ الى ١٧٠] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٦٩) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠) كلمة في المقطع: قلنا إن محور سورة النساء هو الآيات الخمس بعد المقدمة من سورة البقرة والتي من جملتها: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ. وفي هذه الآيات تقرير أن الله أوحى لمحمد ﷺ كما أوحى لغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن الله يشهد بما أنزل على محمد، لاحظ الصلة بين قوله تعالى في سورة البقرة وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ وبين لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ وأن الكافرين الذين يصدون عن سبيل الله قد ضلوا، وأن الله لن يهديهم إلا إلى النار. ثم ختم المقطع بالتبيان للناس جميعا أن الرسول قد جاءهم بالحق من ربهم وأن عليهم أن يؤمنوا. إن الصلة بين المقطع، وبين محور السورة من سورة البقرة لا يكاد يخفى. المعنى العام: يخبر الله- في هذا المقطع، أن إنزال الوحي على محمد ﷺ ليس بدعا، بل أوحى إليه كما أوحى إلى الرسل من قبله، وعدد أسماء بعض من أوحي إليه من الرسل. وأن إنزاله الكتاب إلى محمد ﷺ ليس بدعا، فقد أنزل كتبا من قبل، منها

стр. 1200

الزبور الذي أنزل على داود، وأن هؤلاء الرسل صلى الله عليهم وسلم كثر، منهم من قص الله على رسوله قصصهم، ومنهم من لم يقصص الله قصتهم، وأن هذا الوحي منه ما كان كلاما مباشرا من الله كما كان ذلك لموسى. ثم بين الله حكمة إرساله الرسل، وهي التبشير والإنذار من أجل إقامة الحجة على الخلق بما أعد الله لهم. ولما تضمن هذا الجزء من هذا المقطع إثبات نبوة محمد والرد على من أنكرها، بين الله- أنه وإن كفر بمحمد ﷺ من كفر ممن كذبه وخالفه، فالله يشهد له أنه رسوله الذي أنزل عليه الكتاب، وهو القرآن الذي أنزله الله بعلمه، والدليل أنه أنزله بعلمه ما فيه من أمور لا يمكن أن تكون إلا أثرا عن علم الله، من ذكر للبينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، ومن ذكر لغيوب من الماضي والمستقبل، ومن ذكر لصفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل، ولا ملك مقرب، إلا أن يعلمه الله بها، إن في هذا القرآن من العلوم ما لا يمكن أن يكون، لولا أنه من عند الله رب العالمين. وكما شهد الله برسالة رسوله، وبأنه هو الذي أنزل الكتاب عليه، فإن الملائكة يشهدون بصدق ما أنزل الله على رسوله، وشهادة الله وحدها كافية، وسنرى كيف كانت شهادة الله أثناء الشرح الحرفي وفوائده، وإذ تأكدت رسالة الرسول ﷺ ، يؤكد الله- الضلال المبين الذي وقع فيه من كفر في نفسه برسول الله ﷺ فلم يتبع الحق، وسعى مع هذا إلى صد الناس عن إتيانه والاقتداء به. ثم أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته، وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك، وبالصد عن سبيله، وبارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه، بأنه لا يغفر لهم ولا يهديهم سبيلا إلى الخير، بل هم مهتدون فقط إلى طريق جهنم، وأن مقامهم فيها الخلود الأبدي، وهذا على الله يسير. وإذا اتضحت هذه الحقائق، فقد جاء النداء إلى الناس جميعا أنه قد جاءكم محمد ﷺ بالهدى ودين الحق، والبيان الشافي من الله- فآمنوا بما جاءكم، واتبعوا يكن خيرا لكم. وأما إذا كفرتم بالحق الذي جاءكم به محمد ﷺ ، فإن الله غني عنكم، وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم، لأنه مالك السموات والأرض وما فيهن، وهو العليم بمن اهتدى أو ضل، وبمن يستحق الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. فالمقطع منصب على تأكيد صحة الوحي، وصدق القرآن، وعلى تأكيد اتباع هذا الحق الذي هو القرآن، واتباع القرآن بعد الإيمان ركن من أركان التقوى، إذ التقوى كما رأينا في كتابنا- (جند الله ثقافة وأخلاقا) - إيمان واتباع كتاب، فهو

стр. 1201

مكمل للمقطعين السابقين، فهما في ركن الإيمان، وهو في ركن اتباع الكتاب، فالمقطع إذن آخذ مكانه في السياق العام لسورة النساء، المرتبط بالسياق العام لسورة البقرة، على النسق العام لمعاني القرآن حسب تسلسلها الذي لا يحيط بحكمه إلا الله. المعنى الحرفي: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ كهود وصالح وشعيب، وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ. أي: أولاد يعقوب وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً. الزبور: اسم الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود ﵇. وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ. أي: من قبل نزول هذه السورة. وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ. أي: رسلا آخرين لم يذكروا في القرآن. وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً. أي: بلا واسطة. وهذا تشريف لموسى ﵇ بهذه الصفة. رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. أي: يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره، وكذب رسله بالعقاب والعذاب. لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. أي: لئلا يبقى لمعتذر عذر. والمعنى إرسالهم إزاحة للعلة، وتتميم لإلزام الحجة، لئلا يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولا فيوقظنا من سنة الغفلة، وينبهنا بما وجب الانتباه له، ويعلمنا ما سبيل معرفته السمع، كالعبادات والشرائع، مقاديرها وأوقاتها وكيفياتها وغير ذلك. وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ «لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله- من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين». وفي لفظ آخر. «من أجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل كتبه». وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً عزيزا في العقاب على الإنكار، حكيما في بعث الرسل للإنذار. لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ ومعنى شهادة الله بما أنزله إليه، إثباته لصحته بإظهار المعجزات كما تثبت الدعاوى بالبينات إذ الحكيم لا يؤيد الكاذب بالمعجزة أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ. أي: أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك، وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد، والدليل على أن إنزاله القرآن بعلمه، أن في هذا القرآن ما لا يمكن أن يصل إليه علم الإنسان مطلقا كالغيوب، أو ما لا يمكن أن يصل إليه علم الإنسان- خاصة في زمن نزول القرآن- ككثير من

стр. 1202

أسرار هذا الكون. وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ. أي: لرسول الله ﷺ بالنبوة والرسالة. وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً. أي: شاهدا وإن لم يشهد غيره. روى ابن إسحاق عن ابن عباس في سبب نزول الآية الأخيرة قال: «دخل على رسول الله ﷺ جماعة من اليهود فقال لهم: إني لأعلم والله، إنكم لتعلمون أني رسول الله، فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله- لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ... إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بتكذيب رسول الله ﷺ فيما جاء به وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. أي: ودفعوا الناس عن سبيل الحق بفتنتهم أو بدعايتهم ضده. قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً عن الرشد. أي: بعدوا عنه بعدا عظيما شاسعا. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا. أي: بالله وآياته وكتبه ورسله وَظَلَمُوا أنفسهم بارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه، أو ظلموا الظلم العظيم لرسول الله ﷺ بإنكارهم نبوته وتحريف ما ورد في نعته في الكتب السابقة. لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ما داموا على الكفر وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً. أي: سبيلا إلى الخير، أو سبيلا رشدا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً. أي: إلى جهنم طريقهم، وفي جهنم عذابهم أبدا، وكان تخليدهم في جهنم سهلا عليه، وهذه الآية والتي قبلها في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، وأنهم يموتون على الكفر. يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ. أي: محمد ﷺ بِالْحَقِّ. أي: بالإسلام مِنْ رَبِّكُمْ فمن أراد الإسلام لله رب العالمين فليس إلا دين محمد ﷺ ، فمحمد ﷺ هو الذي جاء بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من الله- فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ فصدقوا بمحمد ﷺ وبدينه وبكتابه، وبكل الحق الذي جاء به، وذلك خير لكل إنسان مما هو فيه. وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم. وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً عليما بمن يؤمن وبمن يكفر، حكيما لا يسوي بينهما بالجزاء، وبهذا ينتهي المقطع. فوائد: ١ - قال ابن كثير: «وهذه تسمية الأنبياء الذين نص الله على أسمائهم في القرآن وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وكذا ذو الكفل،

стр. 1203

عند كثير من المفسرين وسيدهم محمد ﷺ ». ٢ - روى ابن مردويه عن أبي ذر قال: «قلت: يا رسول الله! كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف، وأربعة وعشرون ألفا. قلت: يا رسول الله: كم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، جم غفير، قلت: يا رسول الله! من كان أولهم؟ قال: آدم، قلت يا رسول الله: نبي مرسل؟ قال: نعم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا، ثم قال: يا أبا ذر: أربعة سريانيون: آدم وشيث، ونوح وخنوخ، وهو إدريس، وهو أول من خط بالقلم، وأربعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيك يا أبا ذر. وأول نبي من بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى، وأول النبيين آدم، وآخرهم نبيك». وقد وسم ابن حبان البستي هذا الحديث بالصحة، وجعله ابن الجوزي في الموضوعات، ولم يعتمد علماء التوحيد بعض ما ورد فيه من معان فيوسف رسول وهو أقدم من موسى وهو من أبناء إسرائيل وعدد الأنبياء والرسل لا يثبت بمثل هذا الحديث حتى يعتمد. كلمة في السياق: هذا المقطع كله في تقرير أن ما أنزل على رسول الله ﷺ حق، وأن الإيمان به واجب وهي قضية رئيسية في التقوى، كما نعلم ذلك من مقدمة سورة البقرة. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وإذا عرفنا أن سورة النساء كلها محورها التقوى، عرفنا محل هذا في السياق. فصل في قوله تعالى لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ: يقول صاحب الظلال عند هذه الآية: «ونقف من هذه اللفتة: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ أمام حشد من الإيحاءات اللطيفة العميقة ونختار منه ثلاثا على سبيل الاختصار الذي لا يخرج بنا من الظلال. نقف منها .. : أمام قيمة العقل البشري ووظيفته ودوره في أخطر قضايا «الإنسان» قضية الإيمان بالله؛ التي تقوم عليها حياته في الأرض من جذورها؛ بكل مقوماتها واتجاهاتها وواقعها وتصرفاتها؛ كما يقوم عليها مآله في الآخرة وهي أكبر وأبقى. لو كان الله سبحانه- وهو أعلم بالإنسان وطاقاته كلها- يعلم أن العقل البشري،

стр. 1204

الذي وهبه للإنسان، هو حسب هذا الإنسان في بلوغ الهدى لنفسه والمصلحة لحياته، في دنياه وآخرته، لوكله إلى هذا العقل وحده؛ يبحث عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق، ويرسم لنفسه كذلك المنهج الذي تقوم عليه حياته، فتستقيم على الحق والصواب؛ ولما أرسل إليه الرسل على مدى التاريخ؛ ولما جعل حجته على عباده هي رسالة الرسل إليهم؛ وتبليغهم عن ربهم؛ ولما جعل حجة الناس عنده- سبحانه- هي عدم مجئ الرسل إليهم: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ .. ولكن لما علم الله- سبحانه- أن العقل الذي آتاه للإنسان أداة قاصرة بذاتها عن الوصول إلى الهدى- بغير توجيه من الرسالة وعون وضبط- وقاصرة كذلك عن رسم منهج للحياة الإنسانية يحقق المصلحة الصحيحة لهذه الحياة؛ وينجي صاحبه من سوء المآل في الدنيا والآخرة .. لما علم الله- سبحانه- هذا، شاءت حكمته وشاءت رحمته أن يبعث للناس بالرسل، وألا يؤاخذ الناس إلا بعد الرسالة والتبليغ: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وهذه تكاد تكون إحدى البديهات التي تبرز من هذا النص القرآني .. فإن لم تكن بديهية فهي إحدى المقتضيات الحتمية .. إذن .. ما هي وظيفة هذا العقل البشري؛ وما هو دوره في قضية الإيمان وفي قضية منهج الحياة ونظامها؟. إن دور هذا العقل أن يتلقى عن الرسالة؛ ووظيفته أن يفهم ما يتلقاه عن الرسول. ومهمة الرسول أن يبلغ، ويبين، ويستنقذ الفطرة الإنسانية مما يرين عليها من الركام. وينبه العقل الإنساني إلى تدبر دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق؛ وأن يرسم له منهج التلقي الصحيح، ومنهج النظر الصحيح؛ وأن يقيم له القاعدة التي ينهض عليها منهج الحياة العملية، المؤدي إلى خير الدنيا والآخرة. وليس دور العقل أن يكون حاكما على الدين ومقرراته من حيث الصحة والبطلان، والقبول أو الرفض- بعد أن يتأكد من صحة صدورها عن الله؛ وبعد أن يفهم المقصود بها: أي المدلولات اللغوية والاصطلاحية للنص- ولو كان له أن يقبلها أو يرفضها- بعد إدراك مدلولها، لأنه هو لا يوافق على هذا المدلول! أو لا يريد أن يستجيب له- ما استحق العقاب من الله على الكفر بعد البيان .. فهو إذن ملزم بقبول مقررات الدين متى بلغت إليه عن طريق صحيح، ومتى فهم عقله ما المقصود بها وما المراد منها. إن هذه الرسالة تخاطب العقل .. بمعنى أنها توقظه، وتوجهه، وتقيم له منهج

стр. 1205

النظر الصحيح .. لا بمعنى أنه هو الذي يحكم بصحتها أو بطلانها، وبقبولها أو رفضها. ومتى ثبت النص كان هو الحكم؛ وكان على العقل البشري أن يقبله ويطيعه وينفذه؛ سواء كان مدلوله مألوفا له أو غريبا عليه .. إن دور العقل- في هذا الصدد- هو أن يفهم ما الذي يعنيه النص. وما مدلوله الذي يعطيه حسب معاني العبارة في اللغة والاصطلاح. وعند هذا الحد ينتهي دوره .. إن المدلول الصحيح للنص لا يقبل البطلان أو الرفض بحكم من هذا العقل. فهذا النص من عند الله والعقل ليس له أن يحكم بالصحة أو البطلان، وبالقبول أو الرفض لما جاء من عند الله. وعند هذه النقطة الدقيقة يقع خلط كثير .. سواء ممن يريدون تأليه العقل البشري فيجعلونه هو الحكم في صحة أو بطلان المقررات الدينية الصحيحة .. أو من يريدون إلغاء العقل، ونفي دوره في الإيمان والهدى .. والطريق الوسط الصحيح هو الذي بيناه هنا .. من أن الرسالة تخاطب العقل ليدرك مقرراتها؛ وترسم له المنهج الصحيح للنظر في هذه المقررات، وفي شئون الحياة كلها. فإذا أدرك مقرراتها- أي إذا فهم ماذا يعني النص- لم يعد أمامه إلا التصديق والطاعة والتنفيذ .. والمنهج الصحيح في التلقي عن الله، هو ألا يواجه العقل مقررات الدين الصحيحة- بعد أن يدرك المقصود بها- بمقررات له سابقة عليها، كونها .. لنفسه من مقولاته «المنطقية»! أو من ملاحظاته المحدودة؛ أو من تجاربه الناقصة .. إنما المنهج الصحيح أن يتلقى النصوص الصحيحة، ويكون منها مقرراته هو! فهي أصح من مقرراته الذاتية؛ ومنهجها أقوم من منهجه الذاتي- قبل أن يضبط بموازين النظر الدينية الصحيحة- ومن ثم لا يحاكم العقل مقررات الدين- متى صح عنده أنها من الله- إلى أية مقررات أخرى من صنعه الخاص! .. إن العقل ليس إلها، ليحاكم بمقرراته الخاصة مقررات الله .. إن له أن يعارض مفهوما عقليا بشريا للنص بمفهوم عقلي بشري آخر له .. هذا مجاله، ولا حرج عليه في هذا ولا حجر، ما دام هناك من الأصول الصحيحة مجال للتأويل والأفهام المتعددة. وحرية النظر- على أصوله الصحيحة وبالضوابط التي يقررها الدين نفسه- مكفولة للعقول البشرية في هذا المجال الواسع. وليس هنالك من هيئة، ولا سلطة، ولا شخص، يملك الحجر على العقول، في إدراك المقصود بالنص الصحيح وأوجه

стр. 1206

تطبيقه- متى كان قابلا لأوجه الرأي المتعددة، ومتى كان النظر في حدود الضوابط الصحيحة والمنهج الصحيح، المأخوذ من مقررات الدين- وهذا كذلك معنى أن هذه الرسالة تخاطب العقل .. إن الإسلام دين العقل .. نعم .. بمعنى أنه يخاطب العقل بقضاياه ومقرراته. ويخاطب العقل بمعنى أنه يصحح له منهج النظر ويدعوه إلى تدبر دلائل الهدى وموحيات الإيمان والأنفس والآفاق، ليرفع عن الفطرة ركام الإلف والعادة والبلادة؛ وركام الشهوات المضلة للعقل والفطرة. ويخاطب العقل بمعنى أنه يكل إليه فهم مدلولات النصوص التي تحمل مقرراته، .. فإذا وصل إلى مرحلة إدراك المدلولات وفهم المقررات لم يعد أمامه إلا التسليم بها فهو مؤمن، أو عدم التسليم بها فهو كافر .. وليس هو حكما في صحتها أو بطلانها .. وليس هو مأذونا في قبولها أو رفضها، كما يقول من يبتغون أن يجعلوا من هذا العقل إلها، يقبل من المقررات الدينية الصحيحة ما يقبل، ويرفض منها ما يرفض، ويختار منها ما يشاء، ويترك منها ما يشاء .. فهذا هو الذي يقول الله عنه: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؟ ويرتب عليه صفة الكفر، ويرتب عليه كذلك العقاب .. فإذا قرر الله- سبحانه- حقيقة في أمر الكون، أو أمر الإنسان، أو أمر الخلائق الأخرى. أو قرر أمرا في الفرائض، أو في النواهي .. فهذا الذي قرره الله واجب القبول والطاعة ممن يبلغ إليه. متى أدرك المدلول المراد منه .. إذا قال الله سبحانه اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ .. أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ .. وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ .. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ .. إلى آخر ما قال- سبحانه- عن طبيعة الكون والكائنات والأحياء والأشياء .. فالحق هو ما قال. وليس للعقل أن يقول- بعد أن يفهم مدلول النصوص والمقررات التي تنشئها- إنني لا أجد هذا في مقرراتي، أو في عملي، أو في تجاربي .. فكل ما يبلغه العقل في هذا معرض للخطإ والصواب. وما قرره الله- سبحانه- لا يحتمل إلا الحق والصواب. وإذا قال الله سبحانه: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ .. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا

стр. 1207

تُظْلَمُونَ .. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى ..... وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ .... إلى آخر ما قال في شأن منهج الحياة البشرية، فالحق هو ما قال- سبحانه- وليس للعقل أن يقول: ولكنني أرى المصلحة في كذا وكذا مما يخالف عن أمر الله، أو فيما لم يأذن به الله ولم يشرعه للناس .. فما يراه العقل مصلحة يحتمل الخطأ والصواب، وتدفع إليه الشهوات والنزوات .. وما يقرره الله- سبحانه- لا يحتمل إلا الصحة والصلاح. وما قرره الله سبحانه من العقائد والتصورات، أو من منهج الحياة ونظامها، سواء في موقف العقل إزاءه .. متى صح النص، وكان قطعي الدلالة، ولم يوقت بوقت .. فليس للعقل أن يقول: آخذ في العقائد والشعائر التعبدية؛ ولكني أرى أن الزمن قد تغير في منهج الحياة ونظامها .. فلو شاء الله أن يوقت مفعول النصوص لوقته. فما دام النص مطلقا فإنه يستوي زمان نزوله وآخر الزمان .. احترازا من الجرأة على الله، ورمي علمه بالنقص والقصور- عما يقولون علوا كبيرا .. إنما يكون الاجتهاد في تطبيق النص العام في الحالة الجزئية؛ لا في قبول المبدأ العام أو رفضه، تحت أي مقولة من مقولات العقل في جيل من الأجيال. وليس في شئ من هذا الذي نقرره انتقاص من قيمة العقل ودوره في الحياة البشرية .. فإن المدى أمامه واسع في تطبيق النصوص على الحالات المتجددة- بعد أن ينضبط هو بمنهج النظر وموازينه المستقاة من دين الله وتعليمه الصحيح- والمدى أمامه أوسع في المعرفة بطبيعة هذا الكون وطاقاته وقواه ومدخراته؛ وطبيعة الكائنات فيه والأحياء، والانتفاع بما سخر الله له من هذا الكون ومن هذه الكائنات فيه والأحياء، وتنمية الحياة وتطويرها وترقيتها- في حدود منهج الله- لا كما تبتغي الشهوات والأهواء التي تضل العقل وتغطي الفطرة بالركام. ونقف من هذه اللفتة: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وقفة أخرى: نقف منها أمام التبعة العظيمة الملقاة على الرسل- صلوات الله وسلامه عليهم- ومن بعدهم المؤمنين برسالاتهم- تجاه البشرية كلها .. وهي تبعة ثقيلة بمقدار ما هي عظيمة .. إن مصائر البشرية كلها في الدنيا وفي الآخرة سواء، منوطة بالرسل وبأتباعهم من بعدهم. فعلى أساس تبليغهم هذا الأمر للبشرية، تقوم سعادة هؤلاء البشر أو شقوتهم، ويترتب ثوابهم أو عقابهم .. في الدنيا والآخرة.

стр. 1208

إنه أمر هائل عظيم .. ولكنه كذلك .. ومن ثم كان الرسل- صلوات الله عليهم- يحسون بجسامة ما يكلفون. وكان الله- سبحانه- يبصرهم بحقيقة العبء الذي ينوطه بهم .. وهذا هو الذي يقول الله عنه لنبيه: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا .. ويعلمه كيف يتهيأ له ويستعد: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا .. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا .. إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا. فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً. وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا .. وهذا هو الذي يشعر به نبيه ﷺ وهو يأمر أن يقول وأن يستشعر حقيقة ما يقول: قُلْ: إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ، وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً .. إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ. .. عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ، فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً .. لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ. وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً. إنه الأمر الهائل العظيم .. أمر رقاب الناس .. أمر حياتهم ومماتهم .. أمر سعادتهم وشقائهم .. أمر ثوابهم وعقابهم .. أمر هذه البشرية، التي إما أن تبلغ إليها الرسالة فتقبلها وتتبعها فتسعد في الدنيا والآخرة. وإما أن تبلغ إليها فترفضها وتنبذها فتشقى في الدنيا والآخرة. وإما ألا تبلغ إليها فتكون لها حجة على ربها، وتكون تبعة شقائها في الدنيا وضلالها معلقة بعنق من كلف التبليغ فلم يبلغ!. فأما رسل الله- عليهم الصلاة والسلام- فقد أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة، وأفضوا إلى ربهم خالصين من هذا الالتزام الثقيل .. وهم لم يبلغوها دعوة باللسان، ولكن بلغوها- مع هذا- قدوة ممثلة في العمل، وجهادا مضنيا بالليل والنهار لإزالة العقبات والعوائق .. سواء كانت هذه العقبات والعوائق شبهات تحاك، وضلالات تزين، أو كانت قوى طاغية تصد الناس عن الدعوة وتفتنهم في الدين. كما صنع رسول الله ﷺ خاتم النبيين. بما أنه المبلغ الأخير. وبما أن رسالته هي خاتمة الرسالات. فلم يكتف بإزالة العوائق باللسان. إنما أزالها كذلك بالسنان حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ .. وبقي الواجب الثقيل على من بعده .. على المؤمنين برسالته .. فهناك أجيال وراء أجيال جاءت وتجئ بعده ﷺ وتبليغ هذه الأجيال منوط- بعده- بأتباعه. ولا فكاك لهم من التبعة الثقيلة- تبعة إقامة حجة الله على الناس، وتبعة استنقاذ الناس من

стр. 1209

عذاب الآخرة وشقوة الدنيا- إلا بالتبليغ والأداء .. على ذات المنهج الذي بلغ به رسول الله ﷺ وأدى .. فالرسالة هي الرسالة؛ والناس هم الناس .. وهناك ضلالات وأهواء وشبهات وشهوات .. وهناك قوى عاتية طاغية تقوم دون الناس ودون الدعوة، وتفتنهم كذلك عن دينهم بالتضليل وبالقوة .. الموقف هو الموقف؛ والعقبات هي العقبات، والناس هم الناس. ولا بد من بلاغ، ولا بد من أداء. بلاغ بالبيان. وبلاغ بالعمل حتى يكون المبلغون ترجمة حية واقعة مما يبلغون. وبلاغ بإزالة العقبات التي تعترض طريق الدعوة؛ وتفتن الناس بالباطل وبالقوة .. وإلا فلا بلاغ ولا أداء .. إنه الأمر المفروض الذي لا حيلة في النكوص عن حمله .. وإلا فهي التبعة الثقيلة. تبعة ضلال البشرية كلها، وشقوتها في هذه الدنيا، وعدم قيام حجة الله عليها في الآخرة، وحمل التبعة في هذا كله وعدم النجاة من النار .. فمن ذا الذي يستهين بهذه التبعة؟ وهي تبعة تقصم الظهر وترعد الفرائص وتهز المفاصل؟!. إن الذي يقول: إنه «مسلم» إما أن يبلغ ويؤدي هكذا بقدر ما يستطيع. وإلا فلا نجاة له في دنيا ولا في أخرى (إلا أن يشاء الله) .. إنه حين يقول: إنه «مسلم» ثم لا يبلغ ولا يؤدي .. كل ألوان البلاغ والأداء هذه، إنما يؤدي شهادة ضد الإسلام الذي يدعيه! بدلا من أداء شهادة له، تحقق فيه قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً. وتبدأ شهادته للإسلام، من أن يكون هو بذاته ببيته وعائلته، ثم بأسرته وعشيرته، صورة واقعية من الإسلام الذي يدعو إليه .. وتخطو شهادته الخطوة الثانية بقيامه بدعوة الأمة- بعد دعوة البيت والأسرة والعشيرة- إلى تحقيق الإسلام في حياتها كلها .. الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ... وتنتهي شهادته بالجهاد لإزالة العوائق التي تضل الناس وتفتنهم من أي لون كانت هذه العوائق .. فإذا استشهد في هذا فهو إذن «شهيد» أدى شهادته لدينه، ومضى إلى ربه .. وهذا وحده هو «الشهيد». وفي نهاية المطاف نقف وقفة خاشعة أمام جلال الله وعظمته؛ ممثلة في علمه، وعدله، ورعايته، وفضله، ورحمته، وبره، بهذا الكائن الإنساني الذي يجحد ويطغى .. نقف أمام عظمة العلم بهذا الكائن؛ وما أودعه من القوى والطاقات، وما ركب في كينونته من استعدادات الهدى والضلال. وما رتبه على هذا العلم حين لم يكله إلى عقله

стр. 1210

وحده .. على عظمة هذه الأداة التي وهبها له؛ وعلى كثرة ما في الأنفس والآفاق من دلائل الهدى وموجبات الإيمان .. فلقد علم الله أن هذه الأداة العظيمة تنوشها الشهوات والنزوات؛ وأن الدلائل المبثوثة في تضاعيف الكون وأطواء النفس قد يحجبها الغرض والهوى، ويحجبها الجهل والقصور .. ومن ثم لم يكل إلى العقل البشري تبعة الهدى والضلال- إلا بعد الرسالة والبيان- ولم يكل إليه بعد البيان والاهتداء وضع منهج الحياة، إنما وكل إليه تطبيق منهج الحياة الذي يقرره له الله .. ثم ترك له ما وراء ذلك- وهو ملك عريض- يبدع فيه ما شاء، ويغير فيه ما يشاء، ويركب فيه ما يشاء، منتفعا بتسخير الله لهذا الملك كله لهذا الإنسان وهو الذي يخطئ عقله ويصيب وتعثر قدمه وتستقيم على الطريق!. ونقف أمام عظمة العدل الذي يرتب للناس حجة على الله- سبحانه- لو لم يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين. هذا مع احتشاد كتاب الكون المفتوح، وكتاب النفس المكنون بالآيات الشواهد على الخالق، ووحدانيته، وتدبيره وتقديره، وقدرته وعلمه .. ومع امتلاء الفطرة بالأشواق إلى الاتصال ببارئها والإذعان له، والتناسق والتجاوب والتجاذب بينها وبين دلائل وجود الخالق في الكون والنفس .. ومع هبة العقل الذي يملك أن يحصي الشواهد ويستنبط النتائج .. ولكن الله- سبحانه- بما يعلم من عوامل الضعف التي تطرأ على هذه القوى كلها، فتعطلها، أو تفسدها، أو تطمسها، أو تدخل في حكمها الخطأ والشطط، قد أعفى الناس من حجية الكون، وحجية الفطرة، وحجية العقل، ما لم يرسل إليهم الرسل ليستنقذوا هذه الأجهزة كلها مما قد يرين عليها، وليضبطوا بموازين الحق الإلهي الممثل في الرسالة، هذه الأجهزة، فتصح أحكامها حين تستقيم على ضوابط المنهج الإلهي .. وعندئذ فقط يلزمها الإقرار والطاعة والاتباع، أو تسقط حجتها وتستحق العقاب. ونقف أمام عظمة الرعاية والفضل والرحمة والبر بهذا المخلوق الذي يكرمه الله ويختاره على ما يعلم به من ضعف ونقص، فيكل إليه هذا الملك العريض .. خلافة الأرض .. وهو بالقياس إليه ملك عريض! وإن كان في ملك الله ذرة تمسكها يد الله فلا تضيع في ملكه الكبير. ثم تشاء رعايته وفضله ورحمته وبره، ألا تدعه لما أودع في كينونته من فطرة هادية ولكنها تطمس، ومن عقل هاد ولكنه يضل، بل يتفضل عليه ربه فيرسل إليه الرسل تترى .. وهو يكذب ويعاند، ويشرد وينأى، فلا يأخذه ربه بأخطائه وخطاياه، ولا يحبس عنه بره وعطاياه، ولا يحرمه هداه على أيدى رسله الهداة .. ثم لا

стр. 1211

يأخذه بالعقاب في الدنيا أو في الآخرة حتى تبلغه الرسل، فيعرض ويكفر، ويموت وهو كافر لا يتوب ولا ينيب .. ومن عجب أن يأتي على هذا الإنسان زمان يزعم لنفسه أنه استغنى عن ربه .. استغنى عن رعايته وفضله ورحمته وبره .. استغنى عن هدايته ودينه ورسله .. استغنى بالأداة التي علم ربه أنها لا تغنيه- ما لم تقوم بمنهج الله- فلم يكتب عليه عقابا إلا بعد الرسالة والبيان .. فيتمثل لنا الطفل الذي يحس ببعض القوة في ساقيه فيروح يبعد عنه اليد التي تسنده، ليتكفأ ويتعثر! غير أن الطفل في هذا المثال أرشد وأطوع للفطرة. إذ إنه بمحاولة الاستقلال عن اليد التي تسنده يجيب داعي الفطرة في استحثاث طاقات كامنة في كيانه؛ وإنماء قدرات ممكنة النماء؛ وتدريب عضلات وأعصاب تنمو وتقوى بالتدريب .. أما إنسان اليوم الذي يبعد عنه يد الله ويتنكب هداه، فإن كينونته- بكل ما يكمن فيها من قوى- يعلم الله أنها لا تشتمل على قوة مكنونة تملك الاستغناء عن يد الله وهداه. وقصارى ما في قواه أنها ترشد وتضبط وتستقيم برسالة الله. وتضل وتختل وتضطرب إذا هي استقلت بنفسها، وتنكبت هداه! وخطأ وضلال- إن لم يكن هو الخداع والتضليل- كل زعم يقول: إن العقول الكبيرة كانت حرية أن تبلغ بدون الرسالة ما بلغته بالرسالة .. فالعقل ينضبط- مع الرسالة- بمنهج النظر الصحيح؛ فإذا أخطأ بعد ذلك في التطبيق كان خطؤه كخطإ الساعة التي تضبط، ثم تغلبها عوامل الجو والمؤثرات، وطبيعة معدنها الذي يتأثر بهذه المؤثرات، لا كخطإ الساعة التي لم تضبط أصلا، وتركت للفوضى والمصادفة: وشتان شتان!. وآية ما يتم بالرسالة- عن طريق العقل نفسه- لا يمكن أن يتم بغيرها؛ فلا يغني العقل البشري عنها .. إن تاريخ البشرية لم يسجل أن عقلا واحدا من العقول الكبيرة النادرة اهتدى إلى مثل ما اهتدت إليه العقول العادية المتوسطة بالرسالة .. لا في تصور اعتقادي، ولا في خلق نفسي، ولا في نظام حياة؛ ولا في تشريع واحد لهذا النظام. إن عقلي أفلاطون وأرسطو من العقول الكبيرة قطعا .. بل إنهم ليقولون: إن عقل أرسطو هو أكبر عقل عرفته البشرية- بعيدا عن رسالة الله وهداه- فإذا نحن راجعنا تصوره لإلهه- كما وصفه- رأينا المسافة الهائلة التي تفصله عن تصور المسلم العادي لإلهه مهتديا بهدى الرسالة. وقد وصل أخناتون- في مصر القديمة- إلى عقيدة التوحيد- وحتى مع استبعاد

стр. 1212

تأثره في هذا بإشعاع عقيدة التوحيد في رسالة إبراهيم ورسالة يوسف- فإن الفجوات والأساطير التي في عقيدة أخناتون- كما نقلت لنا- تجعل المسافة بينها وبين التوحيد المسلم العادي لإلهه بعيدة بعيدة. وفي الخلق نجد في الفترة التي هيمن فيها الإسلام في صدر الإسلام نماذج للأوساط ممن رباهم الرسول ﷺ لا تتطاول إليها أعناق الأفذاذ على مدار التاريخ ممن لم تخرجهم رسالة سماوية. وفي المبادئ والنظم والتشريعات لا نجد أبدا ذلك التناسق والتوازن، مع السمو والرفعة التي نجدها في نظام الإسلام ومبادئه وتشريعاته. ولا نجد أبدا ذلك المجتمع الذي أنشأه الإسلام يتكرر لا في زمانه ولا قبل زمانه ولا بعد زمانه في أرض أخرى، بتوازنه وتناسقه ويسر حياته وتناغمها .. إنه ليس المستوى الحضاري المادي هو الذي يكون عليه الحكم. فالحضارة المادية تنمو بنمو وسائلها التي ينشئها «العلم» الصاعد .. ولكن ميزة الحياة في فترة من الفترات هو التناسق والتوازن بين جميع أجزائها وأجهزتها وأوضاعها .. هو التوازن الذي ينشئ السعادة والطمأنينة، والذي يطلق الطاقات الإنسانية كلها لتعمل دون كبت ودون مغالاة في جانب من جوانبها الكثيرة .. والفترة التي عاشت بالإسلام كاملا لم تبلغها البشرية- بعيدا عن الرسالة- في أي عصر .. والخلخلة وعدم الاتزان هو الطابع الدائم للحياة في غير ظل الإسلام؛ مهما التمعت بعض الجوانب؛ ومهما تضخمت بعض الجوانب. فإنما تلتمع لتنطفئ جوانب أخرى، وإنما تتضخم على حساب الجوانب الأخرى .. والبشرية معها تتأرجح وتختار وتشقى. المقطع الثاني عشر ويمتد من الآية (١٧١) إلى نهاية الآية (١٧٣) وهذا هو: [سورة النساء (٤): آية ١٧١] يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١)

стр. 1213

[سورة النساء (٤): الآيات ١٧١ الى ١٧٣] يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣) كلمة في هذا المقطع: في السورة التي ترسم طريق التقوى للناس جميعا، وتبين لهم ماهيتها. يأتي فيها هذا المقطع خاصا بأهل الكتاب، يدعوهم فيه إلى الإيمان، والعمل الصالح، وترك ما يتنافى مع عبادة الله والعبودية له وصلة ذلك بمحور السورة الذي يدعو للعبادة والتوحيد والإيمان، والعمل الصالح لا تخفى. فقد رأينا في هذه السورة مقاطع موجهة للناس كلهم، ورأينا فيها مقاطع موجهة للمؤمنين. وهذا المقطع موجه لأهل الكتاب خاصة، كي يحرروا العبادة لله عقيدة وسلوكا ليكونوا من المتقين. وهذا الخطاب خاص بالنصارى، وقد رأينا من قبل كيف خوطب اليهود في المقطع العاشر. المعنى العام: ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن

стр. 1214

اتخذوه إلها من دون الله، يعبدونه كما يعبدون الله. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه فادعوا فيهم العصمة كما يعتقدون ذلك في البابا. فاتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا أو ضلالا أو رشادا، فنهاهم عن الغلو في دينهم، ثم نهاهم أن يفتروا على الله، وأن يجعلوا له صاحبة أو ولدا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وتنزه وتقدس، وتوحد في سؤدده وكبريائه، وعظمته، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه. وإذ كان من أعظم ما وقع من غلو ما ادعاه النصارى أن المسيح هو الله أو ابن الله- تعالى الله عن ذلك- فقد قرر الله في شأن المسيح أنه عبد من عباده، وخلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله، وكلمة ألقاها إلى مريم، أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن الله فكان عيسى بإذنه- وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، ونزلت حتى ركبت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق لله تعالى، ولهذا قيل لعيسى إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروح التي أرسل بها جبريل. وبعد أن قرر حقيقة عيسى نهاهم أن يجعلوا عيسى وأمه- أو ما يسمونه الروح القدس- مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وهذا نهي عن التثليث، وهو نهي لكل فرق النصارى عن ضلالهم في هذا الشأن، لأن فرق النصارى بعد ما فني أهل التوحيد الخالص منهم كلها تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح، ويختلفون في كيفية ذلك، وفي اللاهوت والناسوت في زعمهم هل اتحدا أو ما اتحدا، أو امتزجا، أو حل فيه، على ثلاث مقالات كلها كفر، ولهذا أمرهم الله- أن ينتهوا عما هم فيه، لأن انتهاءهم عما هم فيه، فيه الخير لهم، ثم قرر الله وحدانيته، ونزه ذاته أن يكون له ولد وقرر أن كل ما في السموات والأرض ملكه وخلقه، وجميع ما فيهما عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شئ، فكيف يكون له منهم صاحبة وولد، وهو الحافظ والمدبر للجميع. ومن كان هذا شأنه، لم يحتج إلى ولد يعينه. ثم بين أنه لا المسيح، ولا الملائكة المقربون يستكبرون عن العبودية لله، بل هي فخرهم وشرفهم، وفيها أنسهم وشرفهم، وكيف لا يكونون كذلك وهم من أعرف خلق الله بجلال الله، وما ينبغي لهذا الجلال. ثم بين الله- أن من يستكبر عن عبادة الله، وتوحيده، فإن الله سيجمعهم إليه يوم القيامة ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا يجور، ولا يحيف، وإنما يكون حكمه ضمن قاعدة هي: أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة، ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه، وسعة رحمته وامتنانه. وأما الممتنعون

стр. 1215

عن عبادة الله، المستكبرون عنها، فإن الله يعذبهم عذابا أليما، ولا يجدون من ينصرهم أو ينقذهم. المعنى الحرفي: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ. أي: لا تجاوزوا الحد فيه، وكمثال على الغلو غلو يهود في حط المسيح عن منزلته، حتى قالوا: إنه ابن زنا، وغلو النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه ابن الله. والغلو باب واسع يدخل فيه أشياء كثيرة من قضايا العقائد إلى العبادات إلى غير ذلك. وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ. أي: لا تصفوه إلا بصفاته العليا، وأسمائه الحسنى، وإلا بما يليق به من الحق، فلا تجعلوا له صاحبة ولا ولدا، أو غير ذلك مما لا يليق به. وفي هذا السياق يقرر حقيقة المسيح التي غلا فيها من غلا. إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ فليس ابنا لله ولا هو رب، وإنما رسول الله كبقية رسله وَكَلِمَتُهُ سماه الله- كلمته لأنه يهتدى به كما يهتدى بالكلام، أو لأنه خلق بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم، فكأنه خلق بكلمة الله المباشرة كن فكان، ولم يخلق على حسب عالم الأسباب. قال شاذ بن يحيا: ليست الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ. أي: أوصلها إليها، وحصلها فيها، جاء بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها بإذن الله فكان عيسى وَرُوحٌ مِنْهُ. أي: روح مصدرها منه، ومخلوقة من قبله بتخليقه وتكوينه، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله كقوله تعالى في سورة الجاثية: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ. أي: من خلقه ومن عنده، وليست من للتبعيض، بل هي لابتداء الغاية. وسمي المسيح روحا لأنه كان يحيي الموتى، ويحيي موات القلوب بإذن الله، وبما آتاه الله، وألقاه عليه من المحبة والجمال والجلال. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ. أي: فصدقوا بأن الله واحد أحد، لا ولد له ولا صاحبة، وآمنوا بكل رسل الله، ومنهم عيسى ومحمد والجميع عبيده وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ. أي: ولا تقولوا الإله ثلاثة: أب وابن وروح القدس انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ. أي: انتهوا عن التثليث يكن الانتهاء خيرا لكم إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ. أي: تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا، يسبح تسبيحا من أن يكون له ولد، وأنى يكون له ولد؟.

стр. 1216

لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ هذا بيان لتنزهه مما نسب إليه بمعنى أن كل ما فيهما خلقه، وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزءا منه، إذ البنوة والملك لا يجتمعان. على أن الجزء إنما يصح في الأجسام، وتعالى الله- عن أن يكون جسما. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا. أي حافظا ومدبرا لهما ولما فيهما. ومن عجز عن كفاية أمر احتاج إلى ولد يعينه، أما الله فهو الذي يحتاج إليه كل شئ، فأنى يكون له ولد؟ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ. أي: لن يأنف من العبودية لله وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ. أي: الكروبيون أي العرشيون الذين هم حول العرش، وجبريل وميكائيل وإسرافيل، ومن في طبقتهم. والمعنى ولا الملائكة المقربون يأنفون أن يكونوا عبادا لله، وفي ذلك رد على النصارى ومن عبد الملائكة من العرب. وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ. أي: ومن يترفع عن عبادة الله، ويطلب الكبرياء فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً فيجازيهم على استنكافهم واستكبارهم. ثم فصل المجازاة فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ. أي: فيعطيهم ثواب أعمالهم وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ. أي: ويعطيهم زيادة على ذلك من إحسانه وسعة رحمته، وامتنانه وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً وقد فصل الله- في ذلك حال المتكبرين عن عبادته، وحال العابدين مع أن المذكور أحد الفريقين. وسبب ذلك أن ذكر أحد الفريقين يدل على ذكر الثاني، وأن ذكر الإحسان إلى النوع الثاني مما يفهم، فكان داخلا في جملة التنكيل بهم، فكأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب عذابين: بالحسرة إذا رأى أجور العاملين، وبما يصيبه من عذاب الله. فصل في الأناجيل والتثليث: الأناجيل التي تعترف بها الكنائس منذ زمن بعيد هي: إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا، ولكن التاريخ يروي لنا أنه كانت في العصور الغابرة أناجيل أخرى قد أخذت بها فرق قديمة، فعند كل من أصحاب مرقيون، وأصحاب ديصان إنجيل يخالف بعضه الأناجيل، ولأصحاب ماني إنجيل يخالف هذه الأربعة، وهناك إنجيل اشتهر باسم التذكرة، وإنجيل سرن تهس. ويذكر التاريخ أمرا أصدره البابا جلاسيوس الأول الذي ابتدأت بأبويته سنة (٤٩٢) يعدد فيه أسماء الكتب المنهي عن مطالعتها وفي عدادها كتاب يسمى إنجيل برنابا، وكل هذه الأناجيل شيء، والإنجيل الذي أنزل على عيسى ﵇ شئ آخر، فهذه قصة حياة فيها بعض الوحي قد اختلط بأشياء كثيرة؛ ولذلك

стр. 1217

فإن بعض المحققين من النصارى يقول: «قال اكهارن في كتابه: إنه كان في ابتداء الملة المسيحية في بيان أحوال المسيح رسالة مختصرة يجوز أن يقال: إنها الإنجيل الأصلي .. هذه ترجمة لما قاله نارتن كما نقله عنه الشيخ أبو زهرة، ونحن نجزم بإخبار الله لنا أن المسيح ﵊ قد أنزل عليه كتاب هو الإنجيل، ولكن أين هو والكنيسة اعتمدت ما لا يصلح للاعتماد، وقضت على كل ما يخالفه، مع ملاحظة ما يقوله شارل جنيبير أستاذ الديانة المسيحية في جامعة باريس من كون العقلية التي سيطرت على النصارى في المراحل الأولى عقلية غير تحقيقية يقول: «فكل ما يمليه اتصال الواحد منهم اتصالا خياليا مباشرة بالروح القدس، يؤخذ قضية مسلمة وفرضا ضروريا على الجميع يؤمنون به إيمانا لا يعلو عليه، بل لا يدانية إيمانهم بالواقع المباشر الذي يمليه التاريخ. فتلك التعاليم مثلا التي قال القديس بولس أن عيسى أوحى بها إليه روحيا، كانت تبدو له أكثر ثقة ويقينا من كل ما كان يحكيه له صاحبا المسيح: بطرس ويعقوب» هذا كلام بحاثة نصراني فليتصور القارئ أن المسيحية الحالية التي هي أثر من آثار بولس كلها أثر عن دعوى إنسان أن المسيح يتصل به بشكل روحي، ويقول له كل شئ أما المسيحية كما ورثها تلاميذ المسيح وتلقوها منه مباشرة فقد انتهت. ولننظر نظرة في الأناجيل الأربعة التي يعتمدها النصارى حاليا الإنجيل الأول إنجيل متى: وينسب إلى متى أحد تلاميذ المسيح المباشرين، وهناك خلاف كثير في سنة تدوينه وأهم من هذا أن الأصل ضائع، يقول صاحب ذخيرة الألباب من كتاب النصارى «إن القديس متى كتب إنجيله في السنة (٤١) للمسيح باللغة المتعارفة يومئذ في فلسطين وهي العبرانية أو السير وكلدانية، ثم ما عتم هذا الإنجيل أن ترجم إلى اليونانية، ثم تغلب استعمال الترجمة على الأصل الذي لعبت به أيدي النساخ الأيونيين ومسخته، بحيث أضحى ذلك الأصل خاملا بل فقيدا وذلك منذ القرن الحادي عشر» ومن هذه العبارة نفهم أن هناك اختلافا كبيرا بين الأصل والترجمة حتى أتلف الأصل، ولكن من هو المترجم وما هو العصر؟ ويذكر سيف الدين فاضل في مقدمته لإنجيل برنابا أن هناك إنجيل متى الكاذب يبشر بما يبشر به إنجيل برنابا فهل هو الإنجيل الأصيل لمتى؟. إنجيل مرقس: ومرقس لم يكن من الحواريين وإن كان من تلاميذ المسيح المباشرين، وقد جاء في كتاب مروج الأخبار في تراجم الأبرار وهو كتاب نصراني: أن مرقس كان ينكر ألوهية المسيح هو وأستاذه بطرس الحواري، وقد جاء في ذلك الكتاب عن مرقس

стр. 1218

«صنف إنجيله بطلب من أهالي رومية وكان ينكر ألوهية المسيح» وهناك خلاف كثير في زمن تأليفه. ويقول ابن البطريق:- من مؤرخي النصارى- «وفي عصر نارون قيصر كتب بطرس رئيس الحواريين إنجيل مرقس عن مرقس في مدينة رومية ونسبه إلى مرقس». وهذا وحده كاف لزعزعة الثقة بالرواية فهل بطرس تتلمذ على مرقس؟ وهناك روايات تقول: إن مرقس كتبه بعد وفاة بطرس وبولس وسنرى أن نسبة إنجيلي متى ومرقس لهما لا قيمة لها من الناحية التاريخية؛ لأنه لا يوجد سند صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، ولا باطل إليهما، فهي دعوى محض وإلا فما أسهل أن يقال: أملى مرقس إنجيله على فلان، وفلان أملاه على غيره، وعلى كل الأحوال فإن الشيخ رشيد رضا ينقل في مقدمته لإنجيل برنابا عن دائرة المعارف الفرنسية أن بولس هو الذي وضع إنجيلي مرقس ويوحنا ونسبهما إليهما، وأما لوقا فمن تلاميذ بولس فهو ليس من تلاميذ المسيح ولا من تلاميذ تلاميذه أصلا، ولذلك فإن هذا الإنجيل يمثل مدرسة بولس التحريفية. وأما إنجيل يوحنا ففيه دعاوى كثيرة، ولقد جاء في دائرة المعارف البريطانية التي اشترك في تأليفها خمسمائة من علماء النصارى ما نصه: «أما إنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور أراد صاحبه مضادة اثنين من الحواريين بعضهما لبعض وهما القديسان يوحنا ومتى، وقد ادعى هذا الكاتب المزور في متن الكتاب أنه هو الحواري الذي يحبه المسيح فأخذت الكنيسة هذه الجملة على علاتها، وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري ووضعت اسمه على الكتاب نصا مع أن صاحبه غير يوحنا يقينا، ولا يخرج هذا الكتاب عن كونه مثل بعض كتب التوراة التي لا رابطة بينها وبين من نسبت إليه، وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهدهم ليربطوا- ولو بأوهى رابطة- ذلك الرجل الفلسفي الذي ألف هذا الكتاب في الجيل الثاني بالحواري يوحنا الصياد الجليل فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى لخبطهم على غير هدى». وقد قال جرجس زوين اللبناني فيما ترجمه: «إن شيربنطوس وأبيسون وجماعتهما لما كانوا يعلمون المسيحية بأن المسيح ليس إلا إنسانا، وأنه لم يكن قبل أمه مريم فلذلك في سنة (٩٦) اجتمع عموم أساقفة آسيا وغيرهم عند يوحنا، والتمسوا منه أن يكتب عن المسيح وينادي بإنجيل مما لم يكتبه الإنجيليون الآخرون، وأن يكتب بنوع خصوصي لاهوت المسيح».

стр. 1219

وقال يوسف الدبس الخوري في مقدمة تفسيره (من تحفة الجيل): «إن يوحنا صنف إنجيله في آخر حياته بطلب من أساقفة كنائس آسيا وغيرها؛ والسبب أنه كانت هناك طوائف تنكر لاهوت المسيح فطلبوا منه إثباته وذكر ما أهمله متى ومرقس ولوقا في أناجيلهم». فالكتاب إذن كتب ليخدم غرض تأليه المسيح ﵇ وقد برأه الله مما قالوا- ومع كل ما يقال عن هذه الأناجيل فإن أحدا لا يستطيع أن يثبت بأي سند نسبتها إلى من نسبت إليه، ولذلك قلنا: إنها كلها لا تمثل إلا مدرسة واحدة هي مدرسة بولس التحريفية: فإنجيل لوقا لواحد من تلاميذه، وإنجيلا يوحنا ومرقس منسوبان إليه، وإنجيل متى ضائع والترجمة فيما يبدو ترجمة لمدرسة بولس فالمعروف أن متى بشر في الحبشة، ومن المعروف أن النجاشي كان موحدا، ويؤمن بأن عيسى عبد الله فهذا يؤكد أن الإنجيل الأصلي لمتى ليس هو الموجود حاليا، فأي قيمة تاريخية لهذه الأناجيل خاصة وأن أول إشارة تاريخية لها كانت سنة (٢٠٩) ميلادية، فإذا عرفنا أنه قبل ذلك الوقت كانت هناك مئات من الفرق المسيحية، وكل فرقة لها رواياتها، وإذا عرفنا أن هناك تناقضات تبلغ المائة بين هذه الأناجيل، أثبتها جميعها رحمة الله بن خليل الهندي في كتابه العظيم «إظهار الحق» أدركت أنه لا قيمة تاريخية لهذه الأناجيل ولا قيمة إلهامية، ومن ثم فلا قيمة لما تثبته أو تنفيه إلا إذا جاء شئ يرجح. ومن أهم السقطات التي نجدها في بعض الأناجيل ادعاء بنوة المسيح لله، وتأليهه، وادعاء التثليث الذي انحدر إلى النصارى عن الوثنيين، وهذه القضايا كلها ترفضها الواضحات من أدلة العقل، والواضحات مما يؤمنون به، وجاء القرآن- المعجزة الخالدة- ليصحح «إنما الله إله واحد». يقول سيف الدين أحمد فاضل: «وقد وردت «لا إله إلا الله» في أسفار العهد القديم والجديد (الكتب التي يؤمن بها اليهود والمسيحيون حاليا) وأبين بعضها فيما يلي: «لا تصنعوا لكم أوثانا ولا تقيموا لكم تمثالا منحوتا أو نصبا ولا تجعلوا في أرضكم حجرا مصورا لتسجدوا له. لأني أنا الرب إلهكم» (سفر اللاويين ٢٦: ١) أي كل حجر مصور لا يمكن أن يكون إلها بل هو وثن. «الرب هو الإله ليس آخر سواه» (سفر التثنية ٥٤: ٣٥) «اسمع يا إسرائيل

стр. 1220

الرب إلهنا رب واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك» (سفر التثنية ٦: ٤، ٥) أي: لا تحب إلا الرب بكل ما أعطيت. «فاعلم أن الرب إلهك هو الله الإله الأمين الحافظ العهد والإحسان للذين يحبونه» (سفر التثنية ٧: ٩). فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلا تتقي الرب إلهك لتسلك في كل طرقه وتحبه وتعبد الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك. (سفر التثنية ١٠: ١٢)، «الرب إلهك تتقي إياه تعبد» - أي: تعبده لا تعبد غيره- «وباسمه تحلف» (سفر التثنية ١٠: ١٢) - أي: إذا حلفت فاحلف باسم الله- وفي سفر التثنية ١٣ - ٤ «وراء الرب إلهكم تسيرون وإياه تتقون ووصاياه تحفظون وإياه تعبدون» انظروا الرب إلهكم وراءه تسيرون وإياه تتقون ووصاياه تحفظون» .. «وإياه تعبدون». «انظر الآن. أنا أنا هو وليس إله معي. أنا أميت وأحيي. سحقت وإني أشفي وليس من يدي مخلص» (سفر التثنية ٣٩٠٣٢) - وتعني ليس من يدي مخلص أي: لا شفيع ولا وكيل من دونه «ليس قدوس مثل الرب لأنه ليس غيرك» (سفر صموائيل الأول ٢: ٣) «لا تحيدوا عن الرب بل اعبدوا الرب بكل قلوبكم. ولا تحيدوا. لأن ذلك وراء الأباطيل التي لا تفيد ولا تنقذ لأنها باطلة» (سفر صموائيل ١٢: ٢٠، ٢١). «لذلك قد عظمت أيها الرب الإله لأنه ليس مثلك وليس إله غيرك» (سفر صموائيل الثاني ٧: ٢٢) «أيها الرب إله إسرائيل ليس إله مثلك» (سفر الملوك الأول ٨: ٣٣)، «ليعلم كل شعوب الأرض أن الرب هو الله وليس آخر» (سفر الملوك الأول ٨: ٦٠) «الرب هو الله الرب هو الله» (سفر الملوك الأول: ١٨: ٣٩)، «أصنام الأمم فضة وذهب عمل أيدي الناس. لها أفواه لا تتكلم. لها أعين لا تبصر. لها آذان ولا تسمع. كذلك ليس لها في أفواهها نفس. مثلها يكون صانعوها وكل من يتكل عليها. يا بيت إسرائيل باركوا الرب ... » (مزمور ١٣٥: ١٥ - ٢٠). «اتق الله واحفظ وصاياه لأن هذا هو الإنسان كله» (سفر الجامعة ١٢: ١٣) - ويقصد ب «الإنسان كله» ما وضحه سليمان ﵇ من أن الإنسان باطل وكل ما تحت الشمس باطل في إصحاحات سفر الجامعة كلها- «أنا الرب هذا اسمى لا أعطيه لآخر» (سفر أشعياء ٤٢: ٨). «إني أنا هو. قبلي لم يصور إله وبعدي لا يكون. أنا أنا الرب وليس غيري مخلص» (سفر أشعياء ٤٣: ١٠، ١١)، «أنا الأول والآخر ولا إله غيري» .. «ما أعلمتك منذ القديم وأخبرتك فأنتم شهودي. هل يوجد إله غيري». (سفر أشعياء ٤٤: ٨) «أنا الرب وليس آخر. لا إله سواي. نطقتك

стр. 1221

وأنت لم تعرفني. لكي يعلموا من مشرق الشمس ومن مغربها أن ليس غيري. أنا الرب وليس آخر». (سفر أشعياء ٤٥: ٥، ٦)، «أنا الرب وليس آخر» (سفر أشعياء ٤٥: ١٨)، «أليس أنا الرب ولا إله غيري، إله بار ومخلص ليس سواي التفتوا إلي وأخلصوا يا جميع أقاصي الأرض لأني أنا الله وليس آخر» (سفر أشعياء ٤٥: ٢١، ٢٢)، «اذكروا الأوليات منذ القديم لأني أنا الله وليس آخر الإله وليس مثلي» (سفر أشعياء ٤٦: ٩)، «وإني أنا الرب إلهكم وليس غيري»، (سفر يوئيل ٢: ٧٢). وفي إنجيل مرقس يقول المسيح ﵇: «إن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك هذه هي الوصية الأولى»، (إنجيل مرقس ١٢: ٢٩، ٣٠) - فقال له الكاتب (وهو نيقوديموس على ما بينه إنجيل برنابا) - «بالحق قلت لأن الله واحد وليس آخر سواه» (إنجيل مرقس ١٢: ٣٢) - فأعجب المسيح ﵇ برده، وقال له: «لست بعيدا عن ملكوت الله»، (إنجيل مرقس ١٢: ٣٤). فإذا كانت قضية التوحيد بمثل هذه الوضوح حتى فيما غير وبدل من إرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكيف يستسيغ عقل أن يقبل الشرك على أنه وحي؟!. فإذا قال العقل بعد ذلك كلمته في الرفض المطلق لأن يجمع بين التثليث والتوحيد، وجاء مع ذلك كله النص القرآني المعجز ليقيم الحجة ويهدي ويرشد، فهل بقي أمام عاقل أن يختار إلا التوحيد والإسلام والإيمان بالقرآن؟! فوائد: ١ - روى الإمام أحمد عن عمر ﵁ «أن رسول الله ﷺ قال: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله» وفي رواية: «إنما أنا عبد الله فقولوا: عبد الله ورسوله». وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك أن رجلا قال: يا محمد، يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول الله: ﷺ . «أيها الناس عليكم بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ».

стр. 1222

٢ - روى البخاري عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» وزادت رواية في مسلم «من أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء». ٣ - استدل المعتزلة ومن تشبث بتفضيل الملائكة على البشر بقوله تعالى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ إذ قالوا: إن الارتقاء يكون من الأدنى إلى الأعلى فلما قال وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ. أي: كأنه قال: ولا من أعلى منه قدرا، وأعظم منه خطرا. قال النسفي: والجواب أنا نسلم تفضيل الثاني على الأول، ولكن هذا لا يمس ما تنازعنا فيه، لأن الآية تدل على أن الملائكة المقربين بأجمعهم أفضل من عيسى، ونحن نسلم بأن جميع الملائكة المقربين أفضل من رسول واحد من البشر. إلى هذا ذهب بعض أهل السنة، ولأن المراد أن الملائكة مع ما لهم من القدرة الفائقة قدرة البشر والعلوم اللوحية وتجردهم عن التولد الازدواجي رأسا لا يستنكفون عن عبادته، فكيف بمن يتولد من آخر، ولا يقدر على ما يقدرون، ولا يعلم ما يعلمون، وهذا لأن شدة البطش، وسعة العلوم، وغرابة التكون، هي التي تورث الحمقى وهم الترفع عن العبودية. فالنصارى رأوا المسيح ولد من غير أب، وهو يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، وينبئ بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم؛ فبرءوه من العبودية، فقيل لهم: هذه الأوصاف في الملائكة أتم منها في المسيح، ومع هذا لم يستنكفوا عن العبودية، فكيف المسيح!! والحاصل أن خواص البشر- وهم الأنبياء ﵈ أفضل من خواص الملائكة، وهم الرسل منهم كجبريل وميكائيل وملك الموت ونحوهم، وخواص الملائكة أفضل من عوام المؤمنين من البشر، وعوام المؤمنين من البشر أفضل من عوام الملائكة. ودليلنا على تفضيل البشر على الملك ابتداء، أنهم قهروا نوازع الهوى في ذات الله تعالى مع أنهم جبلوا عليها فضاهت الأنبياء ﵈ الملائكة ﵈ في العصمة، وتفضلوا عليهم في قهر البواعث النفسانية والدواعي الجسدية، فكانت طاعتهم أشق لكونها مع الصوارف، بخلاف طاعة الملائكة لأنهم جبلوا عليها، فكانت أزيد ثوابا بالحديث» أقول: والمراد بعوام المسلمين أي: ما سوى الرسل من الصديقين والشهداء والصالحين وإلا فالملائكة بإجماع أفضل من فسقة المسلمين وجهلتهم.

стр. 1223

كلمة في السياق: لقد طالب هذا السياق أهل الكتاب بتوحيد الله ومعرفته، وعبادته، والعمل الصالح، فدل ذلك على أن العبادة مجموعة أمور معرفة الله، والإيمان به، والعمل الصالح له، وهذا أوان الانتقال إلى المقطع الثالث عشر في هذه السورة، وهو المقطع الأخير، وكما بدأ المقطع الأول ب يا أَيُّهَا النَّاسُ ... فإن المقطع الأخير مبدوء ب يا أَيُّهَا النَّاسُ. ولعله من المناسب قبل أن ننتقل إلى المقطع الأخير أن نشير إلى بعض المعاني: إن الآيات الخمس التي جاءت بعد مقدمة سورة البقرة قد وردت فيها: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً، فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ. ولو أنك تأملت المقطع الذي مر معنا لوجدته دعوة إلى التوحيد: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ ودعوة إلى العبادة والعمل الصالح لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ. وهكذا نجد مواطأة كاملة للمعاني الموجودة في المحور مع توجه الخطاب لبعض الناس وهم أهل الكتاب. وأما صلة المقطع بما قبله مباشرة فواضحة، فبعد أن دعا المقطع السابق في آيته الأخيرة الناس جميعا للإيمان بالحق الذي بعث به محمد ﷺ ، توجه إلى أهل الكتاب بذلك، والآن يعود الخطاب إلى الناس جميعا بالإيمان بالله والاعتصام بالقرآن. المقطع الثالث عشر وهو المقطع الأخير يمتد هذا المقطع من الآية (١٧٤) إلى نهاية الآية (١٧٦) أي إلى نهاية السورة وهذا هو: [سورة النساء (٤): آية ١٧٤] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤)

стр. 1224

[سورة النساء (٤): الآيات ١٧٥ الى ١٧٦] فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) كلمة في هذا المقطع: بدأت السورة بمقطع مبدوء ب (يا أيها الناس) وانتهت بمقطع مبدوء ب (يا أيها الناس)، ولقد رأينا أن محور سورة النساء هو الآيات الخمس الآتية بعد مقدمة سورة البقرة من تلك السورة والتي منها: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا وهاهنا يأتي المقطع ليقرر أن هذا القرآن برهان من الله، وأنه نور مبين. وفي هذا السياق يبين لنا الله- الحكم في موضوع الكلالة، وهو موضوع مرتبط بقضايا الميراث التي تعرض لها المقطع الأول من سورة النساء فكما بدأ المقطع الأول ب (يا أيها الناس) وتحدث عن قضايا الميراث فكذلك هذا المقطع يبدأ ب (يا أيها الناس) وفيه جواب على استفتاء في شأن صورة من صور الإرث. المعنى العام للمقطع: يقول الله تعالى مخاطبا جميع الناس، ومخبرا بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر، والحجة المزيلة للشبهة، وهو القرآن الذي هو الضياء الواضح على الحق كله في كل شئون الحياة، فهو حق، وفيه برهانه ودليله، ثم بين تعالى أن الذين يجمعون بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم على ضوء كتاب الله هم الذين سيرحمهم الله، ويدخلهم الجنة، ويزيدهم ثوابا ومضاعفة، ورفعا في درجاتهم من فضله عليهم، وإحسانه إليهم، ويهديهم إليه طريقا واضحا قواما لا اعوجاج فيه ولا انحراف. هذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة،

стр. 1225

وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات، وفي الحديث: «القرآن صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين». وبمناسبة كون هذا القرآن نورا وضياء فقد ختمت السورة بجواب استفتاء في قضية من قضايا الإرث، ليعلم أن التقوى هي في طاعة الله في كل شأن، والاستسلام لحكمه في كل قضية، أما الاستفتاء فهو سؤال عن إرث من لا والد له ولا ولد، وهو الكلالة، فبين الله- أنه إن مات امرؤ وليس له والد ولا ولد، وله أخت فلها نصف التركة، فإن كان لمن يموت أختان، فلهما الثلثان فريضة، وكذا ما زاد على الأختين في حكمهما. أما إذا كان الورثة للكلالة إخوة ذكورا ونساء، فيعطى الذكر مثل حظ الأنثيين. ثم بين الله حكمة هذا البيان فقال: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا. أي: يوضح لكم فرائضه، ويحد لكم حدوده، ويبين لكم شرائعه لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان. ثم يختم الله الآية والسورة بقوله وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. أي: هو عالم بعواقب الأمور، ومصالحها، وما فيها من الخير لعباده. المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ البرهان: هو الدليل القاطع للعذر والحجة المزيلة للشبهة. وهل هو هنا الرسول محمد ﷺ الذي هو بصورته ومعناه، وصفاته، وخصائصه، ومعجزاته برهان قاطع على أنه رسول الله؟ أو المراد بالبرهان هنا القرآن الذي هو في خصائصه وصفاته وإعجازه وما فيه من المعجزات برهان على أنه من عند الله، وبرهان على وجود الله، وبرهان على رسالة محمد ﷺ ، قولان للمفسرين. وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً. أي: ضياء واضحا يضئ لكم، ويبين لكم كل قضية، فلا تبقى أمام عقولكم، ولا أمام قلوبكم ظلمة إلا أزالها، وهو القرآن الذي يستضاء به في ظلمات الحيرة. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ. أي: بالله أو بالقرآن فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ. أي: في جنته وَفَضْلٍ. أي: زيادة النعمة. وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ. أي: يرشدهم إلى الله أو إلى الفضل صِراطاً مُسْتَقِيماً. أي: طريقا لا عوج فيه، والهداية إلى الصراط المستقيم جزاء الإيمان بالله، والاعتصام بكتابه. يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ الكلالة: من لا والد له ولا ولد إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ الولد لفظ مشترك يقع على الذكر

стр. 1226

والأنثى. وَلَهُ أُخْتٌ سواء كانت لأب وأم، أو لأب فقط. فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ. أي: الميت وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ. أي: والأخ يرث الأخت جميع ما لها إن قدر الأمر على العكس من موتها، وبقائه بعدها. فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ. أي: فإن كانت الأختان اثنتين فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً. أي وإن كان من يرث بالأخوة ذكورا وإناثا، والمراد بالإخوة في النص الإخوة والأخوات، والتذكير للتغليب فَلِلذَّكَرِ منهم مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا. أي: لئلا تضلوا. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يعلم الأشياء بكنهها قبل كونها وبعده، فهو القادر على التبيان، وقد فعل، فما أعظم جرم من يترك بيانه إلى بيان غيره. فوائد: ١ - روى البخاري عن البراء قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت يستفتونك .. والمراد والله أعلم آخر آية نزلت في الميراث. وفي سبب نزولها قال جابر ابن عبد الله ﵁ دخل علي رسول الله ﷺ وأنا مريض لا أعقل، قال: «فتوضأ علي، أو قال: صبوا عليه فعقلت فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض» أخرجاه في الصحيحين، وفي بعض الألفاظ فنزلت آية الميراث: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ. ٢ - في موضوع الكلالة خلاف كثير، وكان عمر يقول كما ثبت في الصحيحين: «ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه، الجد، والكلالة، وباب من أبواب الربا» والذي قضى فيه أبو بكر أن الكلالة ما لا والد له ولا ولد، وهو الذي عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، وقول علماء الأمصار قاطبة، وهو الذي يدل عليه القرآن. ٣ - روى الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الكلالة فقال: يكفيك آية الصيف» وإسناده جيد. وآية الصيف آخر سورة النساء، ويبدو أنها نزلت في فصل الصيف. ٤ - في صحيح البخاري: «سئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت

стр. 1227

فقال للابنة النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فسيتابعني. فسأل ابن مسعود فأخبره بقول أبي موسى الأشعري فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ النصف للبنت، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الخبر فيكم». وتفصيلات هذه القضايا في الكتب الموسعة في علم الميراث. وبهذا ينتهي الكلام عن هذا المقطع، وهو المقطع الأخير في سورة النساء المؤلفة من ثلاثة عشر مقطعا. كلمة في المقاطع الثلاثة الأخيرة يلاحظ أن المقطع الحادي عشر بدأ بقوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وانتهى بقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فالبداية والنهاية كانت في شأن الوحي والإيمان بما أنزل على محمد ﷺ وما أنزل من قبل. ثم جاء المقطع الثاني عشر وخص أهل الكتاب بالدعوة إلى الحق، ثم جاء المقطع الثالث عشر وفيه نداء للناس جميعا يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ، بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فهي عودة على موضوع الإيمان بالله والوحي فالمقاطع الثلاثة مترابطة مع بعضها وهي آتية بعد مقطعين دعوا إلى تثبيت الإيمان والتحرر من الكفر والنفاق، فما بين المقطعين التاسع والعاشر. وما بين المقاطع الأخيرة صلات متشابكة، ومن قبل ذلك جاء مقطع يدعو إلى إقامة العدل والحكم بالقرآن وذلك كله مترابط متشابك، وهكذا نجد كيف أن كل مقطع شديد الصلة مع ما قبله وما بعده. كلمة في سورة النساء وصلتها بمحورها من سورة البقرة: قلنا من قبل: إن الآيات الخمس الآتية بعد مقدمة سورة البقرة هي محور سورة النساء ولو أننا أخذنا كل جزء من أجزاء الآيات الخمس ونظرنا إلى ما ورد تفصيلا له في سورة النساء لرأينا الكثير: ولنضرب أمثلة: بدأت الآيات الخمس بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ* وقد ورد النداء يا أَيُّهَا النَّاسُ* في سورة النساء ثلاث مرات: يا أَيُّهَا

стр. 1228

النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ*، يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ، يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ. وجاء في الآيات الخمس قوله تعالى: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً. وجاء في سورة النساء: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً. إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً. إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً. إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ. لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ. وفي الآيات الخمس جاء قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا .... وجاء في سورة النساء: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً. لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ. يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً. وفي الآيات الخمس جاء قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ. وجاء في سورة النساء: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ. وفي الآيات الخمس جاء قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ .... وجاء في سورة النساء: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ.

стр. 1229

وقد ذكرت الآيات الخمس الحكمة من الأمر بالعبادة وهي التقوى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.* والتقوى تنافي الكفر وتنافي النفاق. وقد وصفت التقوى في أول سورة البقرة: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وقد جاء مقطع كامل في سورة النساء حول طاعة الله والرسول ﷺ ، ثم جاء مقطع كامل آخر حول وجوب الحكم بما أنزل الله. كما وصف المتقون في سورة البقرة بقوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. وقد جاء أكثر من مقطع في سورة النساء يفصل في قضايا الإيمان وفي القضايا التي تنافي الإيمان فجاء أكثر من مقطع يفصل في الكفر والنفاق. هذه إشارات سريعة في موضوع صلة سورة النساء بمحورها من سورة البقرة ولو أننا أردنا أن نتوسع لطال المقام. كلمة في صلة سورة النساء بارتباطات محورها: جاء بعد مقدمة سورة البقرة المقطع الذي أسميناه مقطع الطريقين وهو تسع آيات: خمس منها هي محور سورة النساء، وثنتان منها هي محور سورة المائدة كما سنرى، وثنتان منها هي محور سورة الأنعام كما سنرى، وقد ختم مقطع الطريقين بقوله تعالى: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.* وقد ختمت سورة النساء بقوله تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. مما يوحي بأن لسورة النساء ارتباطات بتتمة مقطع الطريقين. وفي الآيتين التاليتين للآيات الخمس الأولى من مقطع الطريقين جاء قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ.* وقد تحدثت سورة النساء عمن ينقض الميثاق وعن بعض المواثيق: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً. وفي تلك الآيتين جاء قوله تعالى: وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ. وجاء في سورة النساء: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ.

стр. 1230

فسورة النساء تفصل في محورها وفي ارتباطاته كذلك. كلمة في سورة النساء وتفصيلها في امتدادات محورها: قلنا: إن لكل سورة في القرآن محورا من سورة البقرة، وأي سورة في القرآن تفصل في هذا المحور وامتداداته من سورة البقرة فكأنها تجذب إلى هذا المحور ما هو الألصق به من المعاني، ثم تفصل في الجميع وكل ذلك على نسق فريد عجيب. وقد رأينا كيف أن سورة آل عمران فصلت في معان في سورة البقرة هي امتدادات لمحورها: فمن مقطع آدم في سورة البقرة أخذت، ومن مقطع بني إسرائيل أخذت، ومن مقطع إبراهيم أخذت، ومن القسم الثاني من سورة البقرة أخذت، ومن القسم الثالث أخذت. أخذت ما هو الألصق بمحورها وفصلته، ولكن ضمن سياقها الخاص، وهكذا فصلت سورة النساء في محورها، وفي ارتباطات هذا المحور، وفي امتداداته بما أكملت به التفصيل الذي بدأته سورة آل عمران، ووضعت الأساس الذي ستكمله سورتا المائدة والأنعام. كلمة في نوعية تفصيل كل من سورة آل عمران والنساء: في مقدمة سورة البقرة جاء وصف للمتقين والكافرين والمنافقين، ومن تحقق بصفات المتقين تخلص بشكل تلقائي من صفات الكافرين والمنافقين، ولذلك فقد جاءت سورة آل عمران وكأنها تفصيل لصفات المتقين فبدأت ب: الم وختمت بقوله تعالى تُفْلِحُونَ كما بدأت الآيات التي وصفت المتقين في سورة البقرة ب: الم وختمت بقوله تعالى وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. إنها جاءت تفصيلا لمقدمة سورة البقرة بشكل ما فأدخلت فيها ما أدخلت. ومن ثم فقد أصبح لمقدمة سورة البقرة تفصيلها الواسع في سورة آل عمران. ضع هذه النقطة نصب عينيك وتابع: جاءت معان معينة في مقدمة سورة البقرة بشكل مجمل وجاء مقطع الطريقين بعد ذلك ليفصل بشكل مجمل الطريق إلى التقوى، والطريق إلى التحرر من الكفر والنفاق.
следующие страницы →