← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

والأنثى. وَلَهُ أُخْتٌ سواء كانت لأب وأم، أو لأب فقط. فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ. أي: الميت وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ. أي: والأخ يرث الأخت جميع ما لها إن قدر الأمر على العكس من موتها، وبقائه بعدها. فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ. أي: فإن كانت الأختان اثنتين فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً. أي وإن كان من يرث بالأخوة ذكورا وإناثا، والمراد بالإخوة في النص الإخوة والأخوات، والتذكير للتغليب فَلِلذَّكَرِ منهم مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا. أي: لئلا تضلوا. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يعلم الأشياء بكنهها قبل كونها وبعده، فهو القادر على التبيان، وقد فعل، فما أعظم جرم من يترك بيانه إلى بيان غيره. فوائد: ١ - روى البخاري عن البراء قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت يستفتونك .. والمراد والله أعلم آخر آية نزلت في الميراث. وفي سبب نزولها قال جابر ابن عبد الله ﵁ دخل علي رسول الله ﷺ وأنا مريض لا أعقل، قال: «فتوضأ علي، أو قال: صبوا عليه فعقلت فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض» أخرجاه في الصحيحين، وفي بعض الألفاظ فنزلت آية الميراث: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ. ٢ - في موضوع الكلالة خلاف كثير، وكان عمر يقول كما ثبت في الصحيحين: «ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه، الجد، والكلالة، وباب من أبواب الربا» والذي قضى فيه أبو بكر أن الكلالة ما لا والد له ولا ولد، وهو الذي عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، وقول علماء الأمصار قاطبة، وهو الذي يدل عليه القرآن. ٣ - روى الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الكلالة فقال: يكفيك آية الصيف» وإسناده جيد. وآية الصيف آخر سورة النساء، ويبدو أنها نزلت في فصل الصيف. ٤ - في صحيح البخاري: «سئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت

стр. 1227

فقال للابنة النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فسيتابعني. فسأل ابن مسعود فأخبره بقول أبي موسى الأشعري فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ النصف للبنت، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الخبر فيكم». وتفصيلات هذه القضايا في الكتب الموسعة في علم الميراث. وبهذا ينتهي الكلام عن هذا المقطع، وهو المقطع الأخير في سورة النساء المؤلفة من ثلاثة عشر مقطعا. كلمة في المقاطع الثلاثة الأخيرة يلاحظ أن المقطع الحادي عشر بدأ بقوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وانتهى بقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فالبداية والنهاية كانت في شأن الوحي والإيمان بما أنزل على محمد ﷺ وما أنزل من قبل. ثم جاء المقطع الثاني عشر وخص أهل الكتاب بالدعوة إلى الحق، ثم جاء المقطع الثالث عشر وفيه نداء للناس جميعا يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ، بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فهي عودة على موضوع الإيمان بالله والوحي فالمقاطع الثلاثة مترابطة مع بعضها وهي آتية بعد مقطعين دعوا إلى تثبيت الإيمان والتحرر من الكفر والنفاق، فما بين المقطعين التاسع والعاشر. وما بين المقاطع الأخيرة صلات متشابكة، ومن قبل ذلك جاء مقطع يدعو إلى إقامة العدل والحكم بالقرآن وذلك كله مترابط متشابك، وهكذا نجد كيف أن كل مقطع شديد الصلة مع ما قبله وما بعده. كلمة في سورة النساء وصلتها بمحورها من سورة البقرة: قلنا من قبل: إن الآيات الخمس الآتية بعد مقدمة سورة البقرة هي محور سورة النساء ولو أننا أخذنا كل جزء من أجزاء الآيات الخمس ونظرنا إلى ما ورد تفصيلا له في سورة النساء لرأينا الكثير: ولنضرب أمثلة: بدأت الآيات الخمس بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ* وقد ورد النداء يا أَيُّهَا النَّاسُ* في سورة النساء ثلاث مرات: يا أَيُّهَا

стр. 1228

النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ*، يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ، يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ. وجاء في الآيات الخمس قوله تعالى: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً. وجاء في سورة النساء: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً. إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً. إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً. إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ. لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ. وفي الآيات الخمس جاء قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا .... وجاء في سورة النساء: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً. لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ. يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً. وفي الآيات الخمس جاء قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ. وجاء في سورة النساء: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ. وفي الآيات الخمس جاء قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ .... وجاء في سورة النساء: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ.

стр. 1229

وقد ذكرت الآيات الخمس الحكمة من الأمر بالعبادة وهي التقوى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.* والتقوى تنافي الكفر وتنافي النفاق. وقد وصفت التقوى في أول سورة البقرة: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وقد جاء مقطع كامل في سورة النساء حول طاعة الله والرسول ﷺ ، ثم جاء مقطع كامل آخر حول وجوب الحكم بما أنزل الله. كما وصف المتقون في سورة البقرة بقوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. وقد جاء أكثر من مقطع في سورة النساء يفصل في قضايا الإيمان وفي القضايا التي تنافي الإيمان فجاء أكثر من مقطع يفصل في الكفر والنفاق. هذه إشارات سريعة في موضوع صلة سورة النساء بمحورها من سورة البقرة ولو أننا أردنا أن نتوسع لطال المقام. كلمة في صلة سورة النساء بارتباطات محورها: جاء بعد مقدمة سورة البقرة المقطع الذي أسميناه مقطع الطريقين وهو تسع آيات: خمس منها هي محور سورة النساء، وثنتان منها هي محور سورة المائدة كما سنرى، وثنتان منها هي محور سورة الأنعام كما سنرى، وقد ختم مقطع الطريقين بقوله تعالى: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.* وقد ختمت سورة النساء بقوله تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. مما يوحي بأن لسورة النساء ارتباطات بتتمة مقطع الطريقين. وفي الآيتين التاليتين للآيات الخمس الأولى من مقطع الطريقين جاء قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ.* وقد تحدثت سورة النساء عمن ينقض الميثاق وعن بعض المواثيق: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً. وفي تلك الآيتين جاء قوله تعالى: وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ. وجاء في سورة النساء: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ.

стр. 1230

فسورة النساء تفصل في محورها وفي ارتباطاته كذلك. كلمة في سورة النساء وتفصيلها في امتدادات محورها: قلنا: إن لكل سورة في القرآن محورا من سورة البقرة، وأي سورة في القرآن تفصل في هذا المحور وامتداداته من سورة البقرة فكأنها تجذب إلى هذا المحور ما هو الألصق به من المعاني، ثم تفصل في الجميع وكل ذلك على نسق فريد عجيب. وقد رأينا كيف أن سورة آل عمران فصلت في معان في سورة البقرة هي امتدادات لمحورها: فمن مقطع آدم في سورة البقرة أخذت، ومن مقطع بني إسرائيل أخذت، ومن مقطع إبراهيم أخذت، ومن القسم الثاني من سورة البقرة أخذت، ومن القسم الثالث أخذت. أخذت ما هو الألصق بمحورها وفصلته، ولكن ضمن سياقها الخاص، وهكذا فصلت سورة النساء في محورها، وفي ارتباطات هذا المحور، وفي امتداداته بما أكملت به التفصيل الذي بدأته سورة آل عمران، ووضعت الأساس الذي ستكمله سورتا المائدة والأنعام. كلمة في نوعية تفصيل كل من سورة آل عمران والنساء: في مقدمة سورة البقرة جاء وصف للمتقين والكافرين والمنافقين، ومن تحقق بصفات المتقين تخلص بشكل تلقائي من صفات الكافرين والمنافقين، ولذلك فقد جاءت سورة آل عمران وكأنها تفصيل لصفات المتقين فبدأت ب: الم وختمت بقوله تعالى تُفْلِحُونَ كما بدأت الآيات التي وصفت المتقين في سورة البقرة ب: الم وختمت بقوله تعالى وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. إنها جاءت تفصيلا لمقدمة سورة البقرة بشكل ما فأدخلت فيها ما أدخلت. ومن ثم فقد أصبح لمقدمة سورة البقرة تفصيلها الواسع في سورة آل عمران. ضع هذه النقطة نصب عينيك وتابع: جاءت معان معينة في مقدمة سورة البقرة بشكل مجمل وجاء مقطع الطريقين بعد ذلك ليفصل بشكل مجمل الطريق إلى التقوى، والطريق إلى التحرر من الكفر والنفاق.

стр. 1231

ولكن بسورة آل عمران فصلت المقدمة فاقتضى أن يفصل في الطريقين فجاءت سورة النساء لتفصل في الطريق للتحقق بالتقوى والإيمان والعمل الصالح بالمفهوم الأوسع على ضوء تفصيل آل عمران. وستأتي سورتا المائدة وآل عمران لتفصلا بالمفهوم الأوسع للتحرر من الكفر والنفاق على ضوء ما سبق ذلك من تفصيل، ولذلك نلاحظ أن معاني قد طرقتها سورة آل عمران قد جاءت بعد ذلك في سورة النساء، والتفصيل الذي سيكون في سورتي الأنعام والمائدة سيكون تفصيلا على ضوء ما مر. كلمة في غسيل الدماغ وغسيل القلب: أصبح موضوع غسيل الدماغ علما برعت فيه كل دوائر المخابرات في العالم، حتى مخابرات الدول الديموقراطية أصبحت تستعمله بشكل خفي، وقد حاولت دوائر تبشيرية أن تستعمله، وإن اختلفت الوسائل. ومن الوسائل التي تستعملها بعض أجهزة المخابرات في موضوع غسيل المخ أن تضع الإنسان في ظروف نفسية وجسدية صعبة، ثم تحاول أن تسخر من مبادئه وعقائده، ثم تحاول أن تشككه فيها، ثم تحاول أن تغرس فكرة ما في دماغه من خلال التكرار مرات ومرات؛ حتى تصبح الفكرة وكأنها جزء منه، بحيث لو أراد أن يتحدث عما يخالفها لم يستطع ولدوائر المخابرات في هذا الموضوع أساليب وفنون وفي أكثر الأحيان- إن لم يكن في كلها- يجتمع في عملية غسيل الدماغ الوحشية مع الباطل مع الظلم، حتى تصبح المسألة ظلمات فوق بعض. هذا غسيل الدماغ أما غسيل القلب فذلك شئ آخر: عند ما تتراكم على فطرة الإنسان أنواع من الصدإ فكيف يتم الجلاء؟ الجواب: أن الجلاء في القرآن. لقد جاءت سورة البقرة فربت على التقوى من خلال سياق. وجاءت سورة آل عمران لتفصل في أساس التقوى ضمن سياق. وجاءت سورة النساء لتفصل في ماهية التقوى ضمن سياق. ثم تأتي سور القرآن وفي كل سورة يأتي جديد قديم فما إن يبدأ الإنسان يقرأ القرآن

стр. 1232

حتى يغسل القرآن قلبه مرة بعد مرة، وكل ذلك بالحق وللحق، إذا أدركت هذه النقطة تكون قد أدركت حكمة من حكم التكرار، والتفصيل في القرآن وتكون قد عرفت سببا من أسباب كون القرآن على مثل هذا الترتيب. فما أعظم كتاب الله، إذ يذكرنا في سورة على طريقة وبأسلوب وتسلسل، ثم يذكرنا في سورة أخرى على طريقة وبأسلوب وتسلسل، ثم وثم، فإذا وجد القلب الذي يحسن التلقي عن الله، فإنه لا ينتهي من تلاوة كتاب الله مرة إلا وقد تحقق وتعلق، ثم إذا كرر زاد التحقق والتعلق حتى يخلص الإنسان لله وكتابه وشرعه، فإذا رافق هذا عبادة وإقامة فرائض ونوافل، كان غسيل القلب كاملا، وشتان بين غسيل القلب هذا، وغسيل المخ عند الكافرين والظالمين، ففي عملية غسيل المخ يوضع المعذب والضحية كرها في شروط دقيقة معينة من الخوف والجوع، وتسلط عليه أنواع الهزء والسخرية فيما هو عليه، ثم تكرر عليه بعض المعاني بأساليب متعددة، وطرق متعددة، ليقلع عما هو فيه، ويسير فيما يريده جلادوه. أما غسيل القلب، فمنطلقه الاختيار، وهدفه الارتقاء، وظروفه الخوف والخشية، وأدواته العبادة والصوم والذكر، وزاده كتاب الله يصفي وينقي، وشتان بين العدل والظلم، والحرية والإكراه، والخوف من الله، والخوف من الجلادين، والعبادة والسوط، والمعاني السافلة الخسيسة، وكتاب الله. وشتان بين ما يوصل إلى الجنة، وما يوصل إلى النار، وشتان بين الجنة والنار. تذكير أخير بين يدي سورتي المائدة والأنعام: نستطيع أن نقول: إنه بعد مقدمة سورة البقرة جاء مقطع يتألف من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول منه فصلت فيه سورة النساء، والجزء الثاني منه فصلت فيه سورة المائدة، والجزء الثالث منه فصلت فيه سورة الأنعام، وهذا هو المقطع بأجزائه الثلاثة: [سورة النساء (٤): آية ٢١] وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١)

стр. 1233

[سورة النساء (٤): الآيات ٢٢ الى ٢٩] وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣) وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩)

стр. 1234

إن الجزء الأول من هذا المقطع وهو الآيات الخمس الأولى فصلت فيه سورة النساء ولكن قوله تعالى من هذه الآيات الخمس لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* هو الذي أخذ الحيز الأكبر من السورة. فالسورة وضحت التقوى وما يدخل فيها، في مقاطعها كلها. ولئن جاءت مقدمة سورة البقرة لتعرض صفات المتقين فههنا عرفنا التقوى من خلال الأمر والنهي، وتأتي سورتا المائدة والأنعام لتفصلا ما لم يفصل في سورة النساء، أو تقول: إن المقطع المشار إليه في سورة البقرة فيه ثلاثة موضوعات متداخلة مترابطة، فجاءت سورة النساء لتفصل موضوعا، ثم سورة المائدة لتبين ما بعده، ثم سورة الأنعام لتبين الموضوع الأخير. وللإشعار بالتداخل وبوحدة المقطع، اجتمع في سورة النساء ما له صلة ببدايته وخاتمته. وكما أن المقطع في سورة البقرة مرتبط بالمعاني الموجودة في مقدمتها لأنه يمثل الطريق إلى التحقق بصفات الفئة الأولى المذكورة فيها، والتحرر من صفات الفئتين الأخيرتين. فسورة النساء هكذا. فالمعاني القرآنية يكمل بعضها بعضا، ويبني بعضها على بعض، فالسورة تفصل في محور وفي روابط المحور وفي امتدادات المحور. ومن كان يتابع ما كتبنا حتى الآن أصبح باستطاعته أن يدرك الشئ الرئيسي الذي نلح عليه في هذا التفسير ويدرك أننا على بصيرة في سيرنا بفضل الله . ونحن لا نشك أن ما اتجهنا إليه في هذا التفسير في موضوع الوحدة القرآنية لا زال غامضا، ولا زالت أدلته غير واضحة، ولكنا كذلك لا نشك أن قارئ هذا التفسير من بدايته إلى نهايته سيتكامل معه صرح الأدلة حتى لا يشك أبدا في صحة ما اتجهنا إليه إن شاء الله. ونحب أن نستبق الأدلة فنقول: هل للصدفة محل في هذا الكون الذي هو صنع الله؟ حتما الجواب لا: هذا ما يقوله كل مؤمن، وعندئذ يأتي السؤال الثاني: هل هناك شئ في هذا الكون ينفك عن الحكمة؟ والجواب حتما: لا فإذا كان الأمر هكذا بالنسبة للكون المخلوق، فما بالك بالقرآن الذي هو كلام الله، لا شك أن كل حرف في محله، وأن كل كلمة في محلها وأن كل آية في محلها، وأن كل سورة في محلها، وأن كل شئ فيه في محله لفي غاية الحكمة، والله وصف كتابه بالحكمة فهذا الكتاب الحكيم بكل ما فيه لا تنتهي

стр. 1235

عجائبه. إن إدراكنا لهذه البدهية ينبغي أن يكون قاطعا للعجب في أن نحاول محاولتنا هذه التي يراها القارئ؛ لأنها محاولة للإجابة على كثير من الأسئلة المرتبطة بحكمة الله في أن يجعل كتابه على ما هو عليه. وسيرى القارئ كلما أوغلنا في هذا التفسير أن الأدلة ستتضافر لتأكد صحة ما اتجهنا إليه في موضوع الوحدة القرآنية وما عليه إلا أن يتابع وينصف. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

стр. 1236

المجلّد الثالث [مقدمة المجلد الثالث: كلام عن ضرورة تعلم القرآن والعمل به] أي أخي القارئ: هذا هو المجلد الثالث من هذا التفسير وفيه سورتا المائدة والأنعام، ولعلك ألفت السير في هذا التفسير الذي يحتاج إلى صبر ومعاناة، خاصة في موضوع السياق والتعرف على آفاق الوحدة القرآنية، وإنما يهوّن عليك السير أن تعلم أنّ عصرنا عصر فتن، والنجاة في القرآن، وهذا مما تضافرت عليه أحاديث عن رسولنا ﵊، وإني لم آل جهدا في أن أقدم لك في هذا التفسير كل ما يحتاجه الفهم الصحيح لكتاب الله في عصر كثرت تعقيداته وأهواء أهله. أخرج أبو داود وأصل الحديث في البخاري ومسلم: قال نصر بن عاصم الليثي: أتينا اليشكري في رهط من بني ليث، فقال: من القوم؟ فقلنا: بنو الليث، أتيناك نسألك عن حديث حذيفة، قال: أقبلنا مع أبي موسى قافلين، وغلت الدوابّ بالكوفة، فسألت أبا موسى أنا وصاحب لي، فأذن لنا، فقدمنا الكوفة، فقلت لصاحبي: أنا داخل المسجد، فإذا قامت السّوق خرجت إليك، قال: فدخلت المسجد، فإذا فيه حلقة، كأنما قطعت رءوسهم، يستمعون إلى حديث رجل، قال: فقمت عليهم، فجاء رجل، فقام إلى جنبي، فقلت: من هذا؟ قال: أبصريّ أنت؟ قلت: نعم، قال: قد عرفت، ولو كنت كوفيا، لم تسأل عن هذا، قال: فدنوت منه، فسمعت حذيفة يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، وعرفت أن الخير لن يسبقني، قلت: يا رسول الله، هل بعد هذا الشر خير؟ قال: يا حذيفة تعلّم كتاب الله، واتّبع ما فيه- ثلاث مرات- قلت: يا رسول الله [هل] بعد هذا الخير شر؟ قال: فتنة وشرّ، قال: قلت: يا رسول الله [هل] بعد هذا الشّرّ خير؟ قال: يا حذيفة، تعلّم كتاب الله، واتبع ما فيه- ثلاث مرات- قلت: يا رسول الله، [هل] بعد هذا الشّر خير؟ قال: هدنة على دخن، وجماعة على أقذاء فيها، أو فيهم، قلت: يا رسول الله، الهدنة على الدّخن ما هي؟ قال: لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه، قلت: يا رسول الله هل بعد هذا الخير شر؟ قال: يا حذيفة، تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه- ثلاث مرات- قلت: يا رسول الله، بعد هذا الخير شرّ؟ قال: نعم فتنة عمياء صمّاء، عليها دعاة على أبواب النار، فإن متّ يا حذيفة وأنت عاض على جذل شجرة خير لك من أن تتّبع أحدا منهم». فأنت ترى أيها المسلم أن دواء ما نحن فيه تعلّم كتاب الله واتّباع ما فيه وهاتان روايتان يعضد بعضهما بعضا تؤكدان هذا المضمون:

стр. 1237

- قال الحارث [بن عبد الله الهمداني] الأعور: «مررت في المسجد، فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على علي فأخبرته، فقال: أو قد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ألا إنّها ستكون فتنة، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذّكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرّد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته حتى قالوا: (إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ) [الجن: ١] من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، خذها إليك يا أعور» أخرجه الترمذي وأحمد والدارمي على مقال في أحد رواته لكنّ معناه صحيح. - قال عبد الله بن عمر ﵄:) «نزل جبريل ﵇ على عهد رسول الله ﷺ ، فأخبره: أنها ستكون فتّن، قال: فما المخرج منها يا جبريل؟ قال كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، ونبأ ما هو كائن بعدكم، وفيه الحكم بينكم، وهو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الصراط المستقيم، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسّك به، ونجاة لمن اتّبعه، لا يعوجّ فيقوّم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لا تلتبس به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، هو الذي لم تتناه الجنّ إذ سمعته أن قالوا: (إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ) من وليه من جبّار فحكم بغير ما فيه قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن اتّبعه هدي إلى صراط مستقيم» أخرجه رزين وذكر معناه ابن كثير بعد حديث الحارث من حديث عبد الله بن مسعود وقال: رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه فضائل القرآن، فالمعاني في الروايات الثلاث تصبّ في إناء واحد، أنّ المخرج حيث ادلهمّت الفتن تعلّم كتاب الله والعمل بما فيه، فاصبر أخي على تعلّم كتاب الله فطريق الجنة محفوف بالمكاره.

стр. 1238

في آفاق الوحدة القرآنية: [كلام عن مناسبة سورة المائدة لما قبلها وعن محاور سور قسم الطوال]

стр. 1239

يقول صاحب الظلال في تقديمه لسورة المائدة: «ومن ثم نجد في هذه السورة- كما وجدنا في السور الثلاث الطوال قبلها- موضوعات شتى، الرابط بينها جميعا هو هذا الهدف الذي جاء القرآن كله لتحقيقه: إنشاء أمة وإقامة دولة، وتنظيم مجتمع، على أساس من عقيدة خاصة، وتصور معين، وبناء جديد .. الأصل فيه إفراد الله- سبحانه- بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان؛ وتلقي منهج الحياة وشريعتها ونظامها وموازينها وقيمها منه بلا شريك .. ». ويقول الألوسي في تفسيره عن وجه مناسبة سورة المائدة لسورة النساء وما قبلها: «ووجه اعتلاقها بسورة النساء- على ما ذكره الجلال السيوطي- عليه الرحمة- أن سورة النساء قد اشتملت على عدة عقود صريحا وضمنا، فالصريح عقود الأنكحة. وعقد الصداق. وعقد الحلف. وعقد المعاهدة والأمان، والضمني عقد الوصية. والوديعة. والوكالة. والعارية. والإجارة، وغير ذلك الداخل في عموم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها فناسب أن تعقّب بسورة مفتتحة بالأمر بالوفاء بالعقود فكأنه قيل: يا أيها الناس أوفوا بالعقود التي فرغ من ذكرها في السورة التي تمّت، وإن كان في هذه السورة أيضا عقود، ووجّه أيضا تقديم النساء وتأخير المائدة بأن أول تلك يا أَيُّهَا النَّاسُ* وفيها الخطاب بذلك في مواضع، وهو أشبه بتنزيل المكي، وأوّل هذه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* وفيها الخطاب بذلك في مواضع وهو أشبه بخطاب المدني، وتقديم العام وشبه المكي أنسب، ثم إنّ هاتين السورتين في التلازم والاتحاد نظير البقرة، وآل عمران، فتانك اتحدا في تقرير الأصول من الوحدانية والنبوة ونحوهما، وهاتان في تقرير الفروع الحكمية. وقد ختمت المائدة في صفة القدرة، كما افتتحت النساء بذلك، وافتتحت النساء ببدء الخلق، وختمت المائدة بالمنتهى من البعث والجزاء، فكأنهما سورة واحدة اشتملت على الأحكام من المبدأ إلى المنتهى، ولهذه السورة أيضا اعتلاق بالفاتحة. والزهراوين كما لا يخفى على المتأمل». ونحن مع إثباتنا لما قاله صاحب الظلال والألوسي مما يدخل في الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم نضيف:

стр. 1240

إن في القرآن سرا آخر، وروابط أخرى أقوى، تربط سور هذا القرآن بعضها ببعض بروابط هي وحدها إعجاز، فكيف إذا كانت واحدة من مظاهر الإعجاز؟. لقد درجنا فيما مرّ من هذا التفسير، أن نعرض لوجهة نظرنا في موضوع الوحدة القرآنية، بشكل رفيق، وكلما جاءت مناسبة ذكرنا جزءا من وجهة النظر، بحيث يكمّل ما سبق ذكره، ويبقى الموضوع مفتوحا لكلام جديد. إن كل سورة في القرآن الكريم هي جزء من قسم، أو جزء من مجموعة في قسم، وكل مجموعة سور تشكل فيما بينها وحدة على ترتيب معيّن، وكل سورة في مجموعة لها محورها من سورة البقرة، والمجموعة مع بعضها تلقي أضواء التفصيل على محاور سورها في سورة البقرة، على ترتيب تفصّل فيه السورة اللاحقة في محور يأتي بعد محور السورة السابقة، بحيث تجد آية أو آيات في سورة البقرة، قد فصلتها سورة، ثم سورة، ثم سورة، وكل ذلك على طريقة عجيبة في التفصيل كما سيمر معنا بإذن الله تعالى. ولا يعني ما مرّ أنّ سورة البقرة كانت آياتها مجملة (١)، فالله- وصف القرآن كله بالإحكام والتفصيل: «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» (هود: ١) فسورة البقرة مفصّلة فيها المعاني ومن ثمّ فهي تلقي أضواء التفصيل على بقية السور، والسور كلها تلقي عليها أضواء التفصيل بما يتكامل معه التفصيل تكاملا عجيبا. ولعلّه لم يحن حتى الآن، أو ان الكلام في هذا الموضوع بأكثر مما ذكرنا فلنكتف هاهنا بهذا القدر الذي ستأتيك أمثلته وتفصيلاته مرّات ومرّات. لقد كانت سورة البقرة مقدمة، وأقساما ثلاثة، وخاتمة، ورأينا كيف أن المعاني تترابط فيها ترابطا مدهشا، وكيف أن كل الأقسام مرتبطة بالمقدمة، وكيف أن الخاتمة كذلك مرتبطة بالمقدمة. ثم جاءت سورة آل عمران ففصّلت في مقدمة سورة البقرة والمعاني التي هي أشد لصوقا بها، وقلنا من قبل: إن سورة النساء والمائدة والأنعام ستفصل في المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة، بشكل مباشر على الترتيب التالي:

стр. 1241

سورة النساء تفصّل في الآيات الخمس الأولى من هذا المقطع، فهي محورها الرئيسي. وسورة المائدة ستفصّل في الآيتين اللاحقتين للآيات الخمس، فهما محورها الرئيسي. وسورة الأنعام ستفصّل في الآيتين الأخيرتين للمقطع، فهما محورها الرئيسي. وسنرى أن سورة الأعراف ستفصّل في المقطع الثاني من القسم الأول من سورة البقرة، وأنّ سورتي الأنفال وبراءة ستفصلان في محور يأتي في القسم الثالث من سورة البقرة، وبهذا ينتهي القسم الأول من أقسام القرآن قسم الطوال، وبانتهائه نأخذ التفصيل الأول لمعاني سورة البقرة، بما يغطي مجموع معانيها، ليبدأ القسم الثاني وفيه التفصيل الثاني كما سنراه فيما بعد. لقد فصّلت مجموعة السور السبع التي جاءت بعد سورة البقرة معاني في هذه السورة مبتدئة بأول السورة، ثم جاءت المحاور بعد ذلك متلاحقة. كل محور لاحق يأتي بعد محور سابق ومجموعة السور السبع وهي تفصّل في محاورها لم تكن تفصّل في المحور فقط، وإنما كانت تفصّل في المحور وامتدادات معانيه الأكثر لصوقا به من سورة البقرة نفسها. وهكذا جاءت كل سورة من سور المجموعة وهي تجمع بين المحور وامتدادات معانيه على نسق جديد، مفصّلة ومبينة، بحيث لا ننتهي من قسم الطوال إلا وقد أخذنا تفصيلا شاملا لمعان في سورة البقرة، من خلال السياق الخاص لكل سورة من هذه السور. وستأتي الأمثلة والتفصيل شيئا فشيئا. فلنبدأ عرض سورة المائدة. ***

стр. 1242

سورة المائدة وهي السّورة الخامسة بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الرابعة من قسم الطّوال وآياتها مائة وعشرون وهي مدنيّة

стр. 1243

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 1244

كلمة في سورة المائدة: قلنا إن المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة والذي جاء بعد مقدمة سورة البقرة، هو مقطع الطريقين فبعد أن ذكرت مقدمة سورة البقرة أصناف الناس: متقين، وكافرين، ومنافقين، جاء المقطع الأول ليوضح الطريق إلى التقوى، والطريق إلى الكفر والنفاق، فجاءت الآيات الخمس الأولى منه لتوضح الطريق إلى التقوى، وهي التي كانت محور سورة النساء. وبعد هذه الآيات الخمس تأتي آيتان هما محور سورة المائدة، ثم آيتان هما محور سورة الأنعام. فالآيتان اللتان هما محور سورة المائدة، تتكلمان في الفسوق الذي هو الطريق إلى الكفر والنفاق، والآيتان اللتان هما محور سورة الأنعام تناقشان الكافرين بكفرهم، وتقيمان عليهم الحجة من خلال ظاهرتي الحياة والعناية. وإذا قلنا إن سورة النساء تكلمت في الطريق إلى التقوى، وسورة المائدة تكلمت في الطريق إلى الفسوق، فذلك في سياقهما الرئيسي، إن آيتي البقرة اللتين تشكلان محور سورة المائدة هما: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها* فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. فهذا هو الطريق إلى الكفر والنفاق، نقض للعهد، وقطع لما أمر الله به أن يوصل، وإفساد في الأرض، فهؤلاء هم الفاسقون، وهم الخاسرون، وهم الكافرون، وهم المنافقون بقسميهم. وتأتي سورة المائدة لتحرر المرء من هذه الأخلاق، وتفصّل فيها، وتدعو إلى ما يقابلها. فهي تبدأ بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ*. وفي سياق سورة المائدة يأتي قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وفي سياق السورة أيضا يأتي قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَ

стр. 1245

عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ. فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وفي سياق السورة يأتي قوله تعالى وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ وفي سياق السورة يأتي قوله تعالى لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ... وصلة ذلك كله بقوله تعالى من سورة البقرة: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ لا تخفى، ففي السورة نماذج لنقض العهد مع الله، وتذكير بالوفاء بالعهود والعقود. ثم إن في السورة تذكيرا بما أمر الله أن يوصل فتذكر الولاء لله والرسول والمؤمنين وصلة ذلك بقوله تعالى في سورة البقرة وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ... لا تخفى أيضا. وفي سورة المائدة يأتي قوله تعالى: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ .... كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ وصلة ذلك بقوله تعالى في سورة البقرة: وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ واضحة. فسورة المائدة تفصّل في موضوع نقض العهد، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، وفي موضوع الإفساد في الأرض، من خلال العرض، ومن خلال الأمر بما يحرّر من ذلك وهذا أول مظهر من مظاهر ارتباطها بمحورها. قلنا: إنّ محور سورة المائدة من سورة البقرة هو الآيتان: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.

стр. 1246

وقد رأينا فيما ذكرناه نماذج وردت في السورة على قضايا الميثاق، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض. ونلاحظ كذلك أن كلمة الفاسقين ترد في السورة كثيرا، وكذلك كلمة الخاسرين. مما يؤكد ما ذكرناه من أنّ محور سورة المائدة هو تلكما الآيتان من سورة البقرة. نلاحظ مثلا مجئ كلمة الخاسرين في قوله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ .. وفي قوله تعالى: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ... فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ .. وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ. وكما وردت كلمة الخاسرين في السورة كثيرا فكذلك كلمة الفاسقين: قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ* قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ. ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. إنه لمن الواضح أن هناك صلة بين سورة المائدة وبين قوله تعالى من سورة البقرة وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. إن سورة المائدة تفصّل فيما هو نقض للميثاق، وفيما هو قطع لما أمر الله به أن يوصل، وفيما هو إفساد في الأرض، فتدعونا لتركه وتطالبنا بما لو فعلناه لا نكون فاسقين ولا خاسرين، أي لا منافقين ولا كافرين، فهي تكمّل سورة النّساء، فإذا كانت سورة النساء قد فصّلت فيما هو من التقوى، فسورة المائدة تفصّل فيما ليس من التقوى لتعمّق عندنا قضية التقوى وتحققنا بها بتخليصنا من أضدادها.

стр. 1247

وإذا عرفنا محور السورة من سورة البقرة، وعرفنا مضامينها الرئيسية. فلنبدأ عرض السورة ملاحظين: أنّ بداية سورة المائدة هي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .... وأنّ بداية صفات الفاسقين في سورة البقرة هي الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ .. فالسورة تبدأ بذكر ما يحرّرنا من نقض العهد الذي يستحق به صاحبه الإضلال، وقد أغفلنا عمدا الإشارة في هذه المقدمة إلى كيفية تفصيل سورة المائدة في امتدادات معاني محورها من سورة البقرة، مؤثرين تأجيله لعرضه أثناء التفسير. تتألف السورة من ثلاثة أقسام وخاتمة: القسم الأول يبدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* والقسمان الآخران يبدأ كل منهما بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ* ويتألف القسم الأول من ثلاثة مقاطع والثاني من مقطعين والثالث من مقطعين ثم تأتي الخاتمة، وللتسهيل فسنعرض السورة على أنها مقاطع مشيدين إلى الأقسام. آثار ونصوص روى الحاكم عن جبير بن نفير قال: (حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم فقالت: أما إنّها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرّموه). وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: (أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها). وقال عبد الله بن عمرو: (آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح) رواه الترمذي وقال حسن غريب. فلنعط إذن لدراسة المائدة ما تستحقه من الأناة فإنها من الأهمّية بالمكان الكبير لمن يريد أن يفهم دين الله، ولمن يريد أن يتحرر من أسباب الضلال، وأن يستكمل قضية التقوى في نفسه.

стр. 1248

المقطع الأول ويبدأ من الآية (١) إلى نهاية الآية (١١) وهذا هو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ٥/ ٣ - ١

стр. 1249

٥/ ٦ - ٤

стр. 1250

٥/ ١١ - ٧ كلمة في المقطع: يبدأ المقطع بالأمر بالوفاء بالعقود، وينتهي بتذكيرنا بنعمة الله- علينا أن كفّ أيدي النّاس عنا بعد إذ همّوا باستئصالنا، وكأن ختم المقطع بهذه النّهاية يقول لنا: أيها المؤمنون: كونوا مسلمين ملتزمين، ولا يحملنكم خوف الناس على التخلي عن إسلامكم، ولذلك فقد ختمت الآية الأخيرة بالأمر بالتقوى والتوكل .. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. وفي الآية الثانية من المقطع يرد قوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا. وقبل نهاية المقطع بثلاث آيات يرد قوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى مما يشير إلى وحدة المقطع وارتباط نهاياته ببداياته.

стр. 1251

بدأت السورة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. وقبل نهاية المقطع بأربع آيات جاء قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا ممّا يؤكد تعانق الصّلات بين بداية المقطع ونهايته. يبدأ المقطع بالأمر بالوفاء بالعقود، ثمّ يعرض علينا صفحة من الحلال والحرام وما يحلّ لنا وما يحرم، وذلك جزء من عقود الله معنا. ثمّ يأتي كلام عن الوضوء والغسل للصلاة، وهذا من أهم العهود المأخوذة علينا بدليل قوله ﵊ «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر». ولذلك يأتي بعد آية الأمر بالطهارة مباشرة قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا. ثم يأتي بعد ذلك أمر بالقيام لله، وبالشهادة بالقسط وهما كذلك من العهود، وأخيرا يأتي تذكير بأن قوما قد همّوا باستئصالنا، فكفّ الله أيديهم عنا، وذلك لتكون إقامتنا لأمر الله كاملة، ولنقيم العدل كاملا، ولنفي لله بالعقود كاملة، فالله معنا إن كنّا متقين متوكلين. فالمقطع كله إذن له صلة بالعقود والعهود المأخوذة علينا ولذلك فإن المقطع الثاني يبدأ بقوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ مما يشير إلى أن الكلام عن المواثيق لا زال مستمرا. وفي معرض النّهي عن استحلال شعائر الله، والنهي عن استحلال قتال القاصدين للبيت الحرام يأتي قوله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ فالسياق يقول: لا تتعاونوا على مثل هذا، وتعاونوا على ما هو برّ وتقوى، وإذن فالتعاون على الإثم والعدوان يتنافى مع البر والتقوى، البرّ الذي حددته سورة البقرة وآل عمران، والتقوى التي فصّلت فيها سورة البقرة وآل عمران والنساء. ومجيء قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. بين ذكر المحرمات من المطعومات، وبين الترخيص للمضطر، وإباحة الطيبات والصيود المشروعة، وطعام أهل الكتاب، وإباحة الزواج من المؤمنات ومن الكتابيات، ما يشعر بأهمية قضايا التحريم والتحليل في دين الله- وأنها حلقة في منظومة هذا الدين. فإذا كان أساس الدين الأول (لا إله إلا الله محمد رسول

стр. 1252

الله) فإن موضوع الحلال والحرام هو الشئ المتمّم المكمّل في هذا البناء. وإذن فكل المعاني تؤكد وحدة المقطع فلنتأمل صلة المقطع بالسياق القرآني العام: - قلنا إن محور سورة المائدة هو قوله تعالى في سورة البقرة: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا .. وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. ولقد فصّل المقطع تفصيلا واضحا في قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ بأن طالبنا بالوفاء بالعقود وأرانا ما يدخل في العقود، وأمرنا أن نتذكر عهد الله علينا ومواثيقه، ليكون ذلك مقدمة للمقطع الثاني، الذي يبدأ بالكلام عن نقض بني إسرائيل للعهود، وعن نقض النصارى للعهود، فأنتم أيها الأمة المسلمة لا تنقضوا عهودكم. لقد ذكر في المقطع العقود والخسران يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ. لاحظ صلة ذلك بالمحور ... الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ إلى قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. قلنا: إن كل سورة جاءت بعد سورة البقرة تفصّل في محورها، وفي ارتباطات هذا المحور، وفي امتدادات معانيه التي هي أشد لصوقا به: ومن امتدادات المحور في سورة البقرة قوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا. وهاهنا في سورة المائدة عرفنا أنّ كلمة (سَمِعْنا وَأَطَعْنا) عهد وميثاق: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا. ولا يجوز نقضه، ومن نقضه ألا نتقيد بحلال ولا حرام، ومن نقضه ألا نلتزم بالحدود. فههنا عرّفتنا سورة المائدة على بعض امتدادات المحور في سورة البقرة وعلى خيط الربط. ومن ارتباطات المحور في سورة البقرة: أنّ المحور وهو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا

стр. 1253

يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ... جاء بعد قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ. وهاهنا يأتي قوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ. ومن ارتباطات المحور المشار إليه في سورة البقرة أنه جاء بعد الكلام عن المتقين الذين من صفاتهم إقامة الصلاة وهاهنا يأتي قوله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا .... ومن امتدادات المحور في سورة البقرة قضايا تحريم بعض المطعومات علينا وإباحة ذلك في حالة الاضطرار، وهاهنا يأتي تفصيل لذلك ضمن سياق السورة الخاص بها وبما يخدم محورها. ولعله من الواضح أن سورة المائدة تتّصل مواضيعها بمواضيع سورة النساء، وذلك لأن سورة النساء، وسورة المائدة، وكذلك سورة الأنعام، تفصّل في مقطع واحد هو مقطع الطريقين من سورة البقرة، فكذلك يوجد تلاحم وارتباطات في السور الثلاث، وكما أن المقطع متلاحم مع المقدمة التي فصّلتها سورة آل عمران ففيما بين السور الثلاث وآل عمران تلاحم، وهذا موضوع ستتضح لك آفاقه إن شاء الله تعالى. المعنى العام للمقطع الأول: يأمر الله- في هذا المقطع المؤمنين بالوفاء بالعهود، ويدخل في ذلك القيام بما ألزم الله- به عباده في أمر الحلّ والحرمة وما أخذه الله من الميثاق على من أقرّ بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم العهد فيه، من إقامة الفرائض، والأوامر، وترك النّواهي، ويدخل في ذلك العقود التي أباح الله إجراءها، مما يتعاقد به الناس، وألزم الله بالوفاء بها. ثم يبيّن الله أن مما أحل لنا: الأنعام من بقر وغنم وماعز وإبل، إلّا ما سيتلى علينا من تحريم بعضها في بعض الأحوال، كما سيأتي. ثم بيّن لنا أن الصيد في حال الإحرام حرام، والمراد به هنا صيد البر، ولله المشيئة المطلقة في الحكم بما يشاء إذ هو وحده الربّ، والتحليل والتحريم قضيّتان مهمّتان في الحياة البشرية، والوقوف عند حدّ الله فيهما أمر في غاية الخطورة، إذ بدونه لا تكون معرفة لله، ولا عبادة ولا تقوى، ثمّ نهى الله- أن تستحل حرماته أو يستهان

стр. 1254

بشعائره. وشعائره هي أعلام دينه في العبادات، من صلاة وحج، أو هي ما أحلّ وحرّم، وكما نهى عن استحلال حرمة شعائره فقد نهى أن تنتهك حرمة الأشهر الحرم بانتهاك محارم الله فيها وهي- أي المحارم- وإن كانت واجبة التّرك في غير الأشهر الحرم فإنها فيها آكد. وكما نهى عن هذا، وهذا. فقد نهى عن ترك الإهداء إلى البيت الحرام، لما في الإهداء من تعظيم شعائر الله، كما نهى عن ترك تقليد هذا الهدي في أعناقه ليتميّز عمّا عداه من الأنعام، وليعلم أنّه هدي إلى الكعبة، فيجتنبه من يريده بسوء، ويبعث من يراه على الإتيان بمثله فمن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شئ، ولقد جاء الأمر بالإهداء والتقليد من خلال النّهي عن استحلال الاعتداء على الهدي والقلائد. وواضح أنّ استحلال ذلك محرّم، بل هو كفر إذ استحلال الحرام القطعي كفر. كما نهى الله- عن استحلال قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام الذي من دخله كان آمنا، وعن استحلال قتال من قصده طالبا فضل الله، وراغبا في رضوانه، مثل هذا لا يجوز صدّه ولا منعه ولا تهييجه. ثم بيّن الله- أنّ المحرم إذا فرغ من إحرامه، وأحلّ منه، فقد أبيح له ما كان محرّما عليه في حال الإحرام من الصيد، ثم نهى الله- أن يحملنا بغض قوم كانوا قد صدّونا عن المسجد الحرام على أن نتجاوز حكم الله فيهم، بل علينا أن نحكم بما أمرنا الله به من العدل في حق كل أحد، ثم أمر الله- عباده المؤمنين بأن يعاون بعضهم بعضا على فعل الخيرات- وهو البرّ هنا- وترك المنكرات- وهو التقوى هنا- ونهاهم عن التناصر على الباطل، والتعاون على المآثم والمحارم. فلا يجوز التعاون على ترك ما أمر الله بفعله، وعلى مجاوزة الله في دينه، فهنا نهي عن الإثم وهو مجاوزة ما فرضه علينا في أنفسنا، ونهي عن العدوان وهو تجاوز ما حدّه الله في شأن الغير. ثم أخبر تعالى خبرا يتضمّن النّهي عن تعاطي محرّمات محدّدة: وهي ما مات من الحيوانات من غير ذكاة ولا اصطياد، ويستثنى من الميتة السمك فإنه حلال، سواء مات بتذكية أو غيرها، وهكذا الجراد، وكما حرمت الميتة حرّم الدم المسفوح، وكذلك لحم الخنزير إنسيّه ووحشيّه، واللّحم يعمّ جميع أجزائه حتى الشحم. وكذلك حرّم ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله. فإنه حرام لأن الله تعالى أوجب أن تذبح هذه الحيوانات على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك، وذكر عليها اسم غيره، من صنم، أو طاغوت، أو وثن، أو غير ذلك من سائر المخلوقات، فهي حرام بالإجماع، ومما

стр. 1255

حرّمه الله فى الآية المنخنقة: وهي التي تموت بالخنق، إما قصدا، وإما اتفاقا كأن تتخبّل في وثاقها فتموت به فهي حرام أيضا، وكذلك الموقوذة: وهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدّد (كالعصا) حتى تموت فلا تحلّ، وكذلك المتردّية: وهي التي تسقط من شاهق أو موضع عال، فتموت بذلك، فلا تحلّ. وكذلك النّطيحة: وهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها فهي حرام وإن جرحها القرن وخرج منها الدّم ولو من مذبحها. وكذلك ما عدا عليها أسد. أو فهد، أو أمثال ذلك أو ذئب، أو كلب، أو نمر فأكل بعضها فماتت بذلك فهي حرام، وإن كان قد سال منها الدّم، ولو من مذبحها فلا تحلّ بالإجماع. وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة، أو البعير، أو البقرة، أو نحو ذلك. فحرّم الله ذلك على المؤمنين. إلا ما يمكن ذكاته مما مرّ وذكي فإنه يحلّ، فما انعقد سبب موته فأمكن تداركه بذكاة، وفيه حياة مستقرة، من المنخنقة، أو الموقوذة، أو المتردية، أو النّطيحة، أو ما أكل السبع، فذبح وفيه روح جاز أكله. وجمهور الفقهاء على أن المذكّاة متى تحرّكت بحركة تدلّ على بقاء الحياة فيها بعد الذبح فهي حلال. والنّصب: حجارة حول الكعبة كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها، وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللّحم ويضعونه على النّصب، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرّم عليهم أكل هذه الذبائح التي ذبحت عند النّصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح، وذلك لأن الذبح عند النّصب من الشّرك الذي حرّمه الله ورسوله. وكانت العرب في جاهليتها تستقسم بالأزلام: وهي عبارة عن قداح ثلاثة مكتوب على أحدها: افعل، وعلى الآخر لا تفعل، والثالث فارغ ليس عليه شئ، توضع هذه القداح في كيس فمن أراد أمرا مهمّا مدّ يده إلى الكيس، فأجال القداح ثم أخرج أحدها من غير أن ينظر، فإذا طلع سهم الأمر فعله، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد. وقد حرّم الله ذلك لما في تعاطيه من الفسق، والغي، والضلالة، والجهالة، والشرك. وبدلا من ذلك فقد أمر الله المؤمنين إذا تردّدوا في أمورهم أن يستخيروه، بأن يتعبدوا له بصلاة الاستخارة ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه. وبعد أن بين الله- ما حرّم علينا، وبعد أن بيّن ما بيّن من معالم الإسلام فيما مضى، مما أصبح به الصف الإيماني متميّزا مستعصيا على الكفر وأهله، فقد أمر الله عباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار، وألا يخافوا أحدا إلّا الله. فإنهم إن لم

стр. 1256

يخافوا أحدا في مخالفتهم الكافرين ينصرهم الله عليهم، ويؤيّدهم ويشف صدورهم. وفي هذا السياق وفي هذا المقام ذكّر الله- هذه الأمة بأكبر نعمة عليها حيث أكمل لها دينها، فلا تحتاج إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير محمد ﷺ الذي جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجنّ، فلا حلال إلا ما أحلّه. ولا حرام إلا ما حرّمه. ولا دين إلا ما شرعه، وكل شئ أخبر به فهو حقّ وصدق لا كذب فيه ولا خلف. وكما أكمل الله- لهم الدين بما أنزله من وحي، فقد أتمّ عليهم النعمة بهذا الإسلام، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا، فإنه قد أتمّه الله فلا ينقصه أبدا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدا، فليرض المسلمون لأنفسهم ولأمتهم وللبشر ما رضيه الله لهم، فإنّه الدّين الذي أحبّه الله ورضيه، وبعث به أفضل الرّسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه. وبعد التذكير بهذه النّعمة يعود السّياق إلى موضوع المحرّمات، فيبيّن أن من احتاج إلى تناول شئ من هذه المحرّمات التي ذكرها الله تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك فله تناوله والله غفور رحيم، لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك فيتجاوز عنه، ويغفر له، وبعد أن بيّن تعالى ما حرّم علينا من الخبائث الضارّة للبدن، أو للدين، أو لهما فيما مرّ، فإن السياق يستمر في تبيان بعض ما أحلّ في معرض الجواب على سؤال عما أحلّ للمسلمين. فيذكر الله- أنّ ما أحلّه لنا هو الطيبات من الذبائح الحلال الطيبة التي ذكر اسم الله عليها، وكذلك الطيبات من الرزق الحلال، وأحل لنا ما صدناه بالجوارح وهي: الكلاب، والفهود، والصقور، وأشباهها، إذا كانت معلّمة، وأمسكت على صاحبها، وكان مرسلها قد ذكر اسم الله عليها وقت إرسالها، فإن صيدها حلال وإن قتله الجارح بالإجماع. وكما ذكّرنا الله بنعمته علينا بهذا الإسلام، في هذا السياق فإنه كذلك هنا يذكّرنا بنعمته علينا إذ أباح لنا الطيبات. وفي هذا السياق أيضا يقرر ويمنّ علينا بإباحة ذبائح أهل الكتاب لنا، وإباحة ذبائحنا لهم. وذكّرنا كذلك بأنه أحلّ لنا نكاح الحرائر العفيفات من النّساء المؤمنات. وتذكيره لنا بهذا توطئة للتقرير والامتنان علينا بإباحة زواج الكتابيّات لنا إذا أدّينا إليهنّ مهورهنّ، ونكحناهنّ بالطريق المشروع، من عقد وشهود، غير زانين بهنّ، أو متخذين إيّاهنّ عشيقات، ثم ذكر الله قاعدة: أنّ الذي يكفر بالإيمان، فإنه في الآخرة خاسر، حتى لا يتوهّم أنّ الزّواج من الكتابية يدخلها الجنّة مع بقائها على كفرها. وليتذكّر المؤمن رحم الإيمان فيفضّل المؤمنة على غيرها، وختم الآية بكلمة

стр. 1257

الخاسرين، دو دلالة على السياق القرآني العام سنذكرها في نهاية الحديث عن المقطع إن شاء الله. ثم أمر الله- المؤمنين بالوضوء للصلاة في حالة الجنابة، وبالتيمم بدلا عن الطهارة بالماء في بعض الأحوال. ووصف الوضوء ووصف التيمم والحالات التي تبيح التيمم. وبين الحكمة في هذا التيسير وهو استخراج الشّكر والتحقّق به. ثمّ ذكّر الله- عباده المؤمنين بنعمته عليهم في شرعه لهم هذا الدين العظيم، وإرساله إليهم هذا الرسول الكريم، وما أخذ عليهم من العهد والميثاق، في مبايعته على متابعته ومناصرته ومؤازرته، والقيام بدينه وإبلاغه عنه وقبوله منه. ذكّرهم أن يتذكروا الميثاق الذي أعطوه عند ما قالوا سمعنا وأطعنا. ثم أمرهم بالمواظبة على التقوى في كل حال، ثم أعلمهم أنه يعلم ما يختلج في الضمائر من الأسرار والخواطر. ثم أمر الله- المؤمنين أن يكونوا قوّامين بالحق لله- لا لأجل الناس والسمعة، وأن يكونوا شهداء بالعدل لا بالجور. ثم نهاهم أن يحملهم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل أمرهم أن يكونوا عادلين مع كلّ أحد، صديقا كان أو عدوا، مبينا أنّ فعل العدل أقرب إلى التقوى من تركه، آمرا إيّاهم بالتقوى، معلّما إيّاهم أنّه عليم بالظّواهر والخفيّات، ليعلموا أنه سيجزيهم على ما علم من أفعالهم التي عملوها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ثم وعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالمغفرة لذنوبهم، والجنّة التي هي من مظاهر رحمته، والتي لا ينالونها بأعمالهم بل برحمة منه وفضل، وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم التي شاء الله أن تكون أسبابا إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه. فالكل منه، وكما وعد المؤمنين بالمغفرة والجنة، فقد توعّد الكافرين بالنار. ثم ذكّر الله- المؤمنين بنعمة من نعمه أحسّها الجيل الأوّل ويكرّرها الله في كل حين، وهي كفّ أيدي من يهمّ أن يوقع بالمؤمنين، ثمّ كرّر الأمر لهم بالتقوى وأمرهم بالتوكل عليه بهذه المناسبة، ليفهمهم أنّ من توكّل على الله كفاه الله ما أهمّه، وحفظه من شرّ النّاس وعصمه. ولو أننا تأمّلنا في معاني المقطع لوجدناها نماذج على أنواع مما أخذه الله علينا من مواثيق، في العبادة، والسلوك، والقضايا القلبية، والقضايا الحياتية، فإذا ما تذكرنا أنّ سورة المائدة تقابل قوله تعالى في سورة البقرة الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.

стр. 1258

إذا تذكّرنا ذلك، عرفنا كيف أننا أخذنا تفصيلا في قضايا الميثاق، فقد لاحظنا تكرّر العهد والميثاق في ابتداء المقطع، وفي نهايته، وفي الوسط، كما لاحظنا قوله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ. إنّ ذكر الخسران في نهاية آيتي البقرة، وفي وسط هذا المقطع من هذه السورة، كل ذلك يذكّرنا بالمحور الذي تدور حوله معاني السورة ضمن السياق القرآني العام. المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ العقد: هو العهد الموثّق. وهي هنا عقود الله التي عقدها على عباده وألزمهم إياها، من مواجب التكليف، سواء ما عقده الله عليهم، أو ما تعاقدوا عليه فيما بينهم، على ضوء شريعته. والظاهر أنّ ما جاء بعد هذا الأمر هو التفصيل له. والأمر بالوفاء بالعقود نهي عن الغدر والنكث. فوائد: [حول معنى كلمة «العقود» وما يدخل فيها] ١ - قال زيد بن أسلم في تفسير العقود في الآية: هي ستة، عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين. أقول: العقود أكثر من ذلك. ٢ - قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أن المراد بالعقود في الآية العهود وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك. ٣ - استدل الحنفية على لزوم عقد البيع وثبوته، ونفي خيار المجلس، بهذه الآية، وأوّلوا الحديث الصحيح بأنّه في ما قبل العقد. وهو مذهب المالكية مع الحنفية، واعتمد الشافعية عدم لزوم عقد البيع إلا بعد التفرّق. للحديث الصحيح «البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا». قال ابن كثير الشافعي: وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقّب لعقد البيع، وليس هذا منافيا للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعا، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود. ٤ - روى ابن أبي حاتم أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود فقال: اعهد إليّ. فقال:

стр. 1259

«إذا سمعت الله يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فارعها سمعك خير يأمر به أو شرّ ينهى عنه». أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ البهيمة في الأصل: كلّ ذات أربع قوائم، ثم أطلقت على كل حيوان في البرّ والبحر. والتقدير في الآية: أحلت لكم البهيمة من الأنعام وهي الأزواج الثمانية البقر، والغنم، والماعز، والإبل، وفسّرها بعضهم بأنها: الظباء، وبقر الوحش، نظرا إلى ما بعدها. إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ إشارة إلى الآية التي ستأتي بعد قليل وهي حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ. فما حرّمته هذه الآية مستثنى من الحلّ العام لبهيمة الأنعام، فكان المعنى: أحلت لكم الأنعام إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال. غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ الحرم: جمع حرام وهو المحرم. والمعنى: أحلت لكم هذه الأشياء، لا محلّين الصيد وأنتم محرمون فكأنه أراد أنه أحل لكم الأنعام في حال امتناعكم عن الصيد وأنتم محرمون لئلا يضيّق عليكم. إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ من الأحكام. فيحلّ ما يشاء، ويحرّم ما يشاء. وله وحده حق الحكم، وحق التحليل والتحريم؛ إذ هو الربّ، وهو الأعلم بمصالح عباده. فائدة: [حول الخلاف في إباحة جنين البهيمة المذبوحة] استدلّ ابن عمر وابن عباس وغير واحد بقوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ ... على إباحة الجنين إذا وجد ميتا في بطن أمّه عند ذبحها. وقد ورد في ذلك حديث في السنن رواه أبو داود، والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد قال: قلنا يا رسول الله ننحر الناقة، ونذبح البقرة والشاة، في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: «كلوه إن شئتم فإنّ ذكاته ذكاة أمّه» وروى أبو داود عن رسول الله ﷺ قوله: «ذكاة الجنين ذكاة أمّه» وهي قضيّة خلافيّة لأنه يوجد من فهم الحديث على أنّ الجنين يحتاج إلى ذكاة كذكاة أمّه. والأمر فيه سعة. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ الشعائر: جمع شعيرة. وهو اسم ما أشعر. أي جعل شعارا. وهل المراد بها كل ما كان شعارا وعلما على دين الله من فرائضه ومحارمه؟ أو المراد بها هنا ما جعل شعارا، وعلما للنّسك، من مواقف الحج

стр. 1260

ومرامي الحجار، والمطاف، والسعي، والأفعال التي هي علامات للحج يعرف بها، من الطواف والإحرام، والسعي، والحلق، والنّحر؟. قولان للمفسّرين، فعلى الأوّل يكون المعنى: لا تحلّوا ما حرّم الله بترك فرائضه وارتكاب منهيّاته. وعلى الثاني يكون المعنى: لا ترتكبوا ما يخلّ بشعائر الحج ومناسكه بالتّهاون بحرمتها، والحيلولة بينها وبين المتنسّكين بها. وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ. أي: لا تحلوا الشهر الحرام. وما المراد بالشهر الحرام هنا؟ هل المراد به أشهر الحج؟ أو المراد به الأشهر الحرم كلها؟ ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب؟. قولان للمفسرين. وعلى القول الأول يكون المعنى: لا تفعلوا في أشهر الحج ما تصدون به الناس عن الحج. وعلى القول الثاني يكون المعنى: ولا تفعلوا في الأشهر الحرم ما ينافي حرمتها، فالمعصية فيها أشد حرمة، وأجمعوا على أنّ الله أحلّ قتال أهل الشرك، والكفر، والبغي، في الأشهر الحرم، وغيرها من شهور السّنة، فمن قال إنّ النّهي في الآية عن استحلال الشهر الحرام نهي عن القتال فيه كما هو عادة العرب في الجاهلية، اعتبر هذا منسوخا. وعلى ما ذكرنا من تفسير النّص فلسنا بحاجة إلى تقدير النّسخ ولا يترتب على الخلاف نتائج عملية وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ. أي: ولا تحلوا الهدي ولا القلائد. والهدي، هو ما أهدي إلى البيت، وتقرّب به إلى الله تعالى من النّسائك كالإبل والغنم والبقر والماعز. وهو جمع هدية. والقلائد جمع قلادة وهو ما قلّد به الهدي من نعل أو عروة مزادة، أو لحاء شجر، أو غيره. والمراد بالقلائد هنا الهدي المقلّد نفسه. والمعنى: لا تتعرضوا للهدي بالغصب، أو بالمنع من بلوغ محلّه. ولم عطف عليه القلائد مع أن القلائد من الهدي؟. قال النسفي: وتعطف على الهدي للاختصاص لأنها أشرف الهدي ... كأنه قيل والقلائد منها خصوصا، وجاز أن ينهى عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي أي: ولا تحلّوا قلائدها فضلا عن أن تحلّوها. وذهب ابن كثير إلى أن معنى ولا تحلّوا الهدي ولا القلائد: أي لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام، فإنّ فيه تعظيم شعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميّز به عمّا عداها من الأنعام، وليعلم أنّها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها .. وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً. آمّين أي: قاصدين. يبتغون أي: يطلبون والمراد بالفضل هنا: التّجارة أو

стр. 1261

الثّواب، والمراد بالرّضوان أي: أن يرضى الله عنهم. والمعنى: ولا تحلّوا قوما قاصدين المسجد الحرام، وهم الحجّاج، والعمّار، ممّن صفتهم أنّهم يطلبون فضل الله ورضوانه أي: لا تتعرضوا لهم، فأمّا من قصد المسجد الحرام ليلحد فيه، أو ليشرك عنده، أو ليكفر به، فهذا يمنع ويتعرض له. وقد حكى ابن جرير الإجماع على أنّ المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان وإن أمّ البيت الحرام، أو بيت المقدس وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا. أي: إذا فرغتم من إحرامكم، وخرجتم منه، وأحللتم، فقد أبحنا لكم ما كان محرّما عليكم في حال الإحرام من الصيد. وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ. أي: ولا يحملنّكم شَنَآنُ قَوْمٍ. أي: شدّة بغضهم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. أي: لكونهم منعوكم عن المسجد الحرام أَنْ تَعْتَدُوا. أي: أن تنتقموا منهم بإلحاق مكروه بهم لم يأذن به الله. قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى البر: كلمة شاملة فسرتها آية البر في سورة البقرة، وفسرها الحديث الشريف «والبر ما اطمأنت إليه النفس ... » والتقوى هي البرّ. وكلمات المفسّرين في تفسيرهما هنا متقاربة، فمنهم من قال: البرّ هنا: فعل الخير، والتقوى: ترك المنكرات. ومنهم من قال: البرّ: العفو. والتقوى والإغضاء. ومنهم من قال: البرّ: فعل المأمور. والتقوى: ترك المحظور. والمراد بهما- والله أعلم- ما يعم كل برّ، وكل تقوى، على أوسع مدلولاتهما، فيدخل فيهما تبعا ما له علاقة في السياق، من العفو، وترك الانتصار وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ فسّر عليه وآله الصلاة والسلام الإثم بأنه: ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس. قال ابن جرير: في تفسير الإثم والعدوان: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان: مجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم وفي غيركم. ويدخل في هذا النهي آلاف الصّور، إذ العلاقات الاجتماعية في الغالب إمّا تعاون على البرّ والتقوى، أو تعاون على الإثم والعدوان، على أي مستوى من مستويات التعامل. وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصى وما اتقى، وتعاون على غير البر والتقوى. فوائد: ١ - [تقلّد القلائد عند أهل الجاهلية للأمن] «كان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم قلّدوا

стр. 1262

أنفسهم بالشعر والوبر، وتقلد مشركو الحرم من لحاء شجره فيأمنون به». رواه ابن أبي حاتم. وأجمع علماء المسلمين على أن المشرك لو قلّد عنقه، أو ذراعيه، بلحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك أمانا من القتل، إذا لم يكن تقدّم له عقد من ذمّة المسلمين أو أمان. ٢ - [فائدة حول النسخ في سورة المائدة والخلاف فيه] يمر معنا أحيانا في سورة المائدة ما يشعر بأنّ شيئا ما منها منسوخ، وبعضهم يكثر، وبعضهم يقل، وبعضهم ينفي النسخ فيها أصلا، كالحسن البصري إذا سئل: نسخ من المائدة شئ؟ قال: لا. والسبب في ذكر النسخ أو عدمه هو فهم بعض النصوص فهما موسّعا يلزم عليه اعتماد النسخ. فمثلا قال ابن عباس. نسخ من هذه السورة آيتان: آية القلائد وقوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ. وكما رأينا في آية القلائد، سنرى في الآية الثانية أنّ قضيّة النّسخ هنا إنّما هي أثر عن فهم موسّع للنّص فقط. ولو أننا فهمنا النّص من الابتداء فهما مضيّقا فإننا لا نحتاج للقول بالنّسخ. ٣ - [سبب نزول آية وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ ... وكلام على النسخ فيها] ذكر عكرمة والسّدّي وابن جرير أنّ آية وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ نزلت في الحطيم بن هند البكري كان قد أغار على سرح المدينة فلمّا كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا عليه في طريقه إلى البيت فأنزل الله : وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً ... فإذا صح أن هذا هو سبب النزول فإنه يكون منسوخا. أو نقول: إن هذه الصورة من عموم اللفظ أصبحت منسوخة. ٤ - [حكم الأمر بعد الحظر] من التحقيقات الأصولية أن الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة كقوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا فالأمر هنا بعد الحظر فهو للإباحة المفهومة من قبل من مفهوم قوله تعالى: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ. ٥ - [الترغيب في الدلالة على الخير والترهيب من الإعانة على الشر] روى البزّار عن رسول الله ﷺ قوله: «الدالّ على الخير كفاعله» قال ابن كثير وله شاهد في الصحيح «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجر من اتّبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتّبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» وروى الطبراني عنه ﵊ «من مشى مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام».

стр. 1263

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ .... أي: البهيمة التي تموت حتف أنفها. ويستثنى من ذلك ميتتا السمك والجراد. وَالدَّمُ. أي: المسفوح. وهو السائل. أما الكبد والطحال وما يتبقى في العروق بعد الذبح فهذا مباح. وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ. الخنزير كله نجس وإنما خصّ اللّحم بالذكر، لأنه معظم المقصود والخنزير بكل أنواعه حرام إنسيّه ووحشيّه. وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. أي: وما رفع الصوت به لغير الله. وهو قولهم: باسم اللات والعزى، أو غير ذلك مما سوى الله عند ذبحه، فما ذبح على غير اسم الله فهو محرّم. واختلف العلماء في متروك التسمية عمدا أو سهوا كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام. وَالْمُنْخَنِقَةُ وهي: التى تموت بالخنق: إما قصدا، وإما اتفاقا كأن تتخبّل في وثاقها حتى تموت أو غير ذلك. وَالْمَوْقُوذَةُ. أي: التي أثخنوها ضربا بعصا أو حجر حتى ماتت وفي الصحيح أنّ عديّ بن حاتم قال: قلت يا رسول الله إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب قال: «إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله» ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمزراق ونحوه بحدّه فأحلّه، وما أصاب بعرضه فجعله وقيذا لم يحلّه، وهذا مجمع عليه عند الفقهاء. وَالْمُتَرَدِّيَةُ وهي التي تسقط من جبل أو في بئر فتموت. وَالنَّطِيحَةُ. أي: المنطوحة: وهي التي نطحتها أخرى فماتت بالنّطح وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها. وَما أَكَلَ السَّبُعُ. أي: ما أكل السبع بعضه ومات بجرحه، ويدخل في السبع الأسد والفهد والنّمر والكلب والذئب وغيره. إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ. أي: إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح والاستثناء يرجع إلى المنخنقة وما بعدها، فإنه إذا أدركها وبها حياة فذبحها وسمّى عليها حلّت. روى ابن أبي حاتم عن علي ﵁ قال: إن مصعت بذنبها، أو ركضت برجلها، أو طرفت بعينها فكل. وفي رواية ابن جرير عنه: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنّطيحة وهي تحرّك يدا أو رجلا فكلها. قال ابن كثير: وهكذا روي عن طاوس، والحسن وقتادة، وعبيد بن عمير، والضّحاك، وغير واحد أنّ المذكّاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذّبح فهي حلال وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد وخالف مالك في هذا الحد فلم يجز الذكاة إلا لما كان يعيش بعد ما أكل السبع منه وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ. أي: وما ذبح على الأوثان. كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها، يعظّمونها بذلك، ويتقرّبون إليها تسمّى الأنصاب. وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا

стр. 1264

بِالْأَزْلامِ. أي: وحرّم عليكم الاستقسام بالأزلام، وهي، القداح المعلّمة واحدها زلم أو زلم، كان أحدهم إذا أراد سفرا، أو غزوا، أو تجارة، أو نكاحا، أو غير ذلك يعمد إلى قداح ثلاثة على واحد منها مكتوب أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني، والثالث غفل، فإن خرج الآمر مضى لحاجته، وإن خرج النّاهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد. فمعنى الاستقسام بالأزلام: طلب معرفة ما قسم له، مما لم يقسم له بالأزلام وما أسخف ذلك. ذلِكُمْ فِسْقٌ. أي: الاستقسام بالأزلام خروج عن الطّاعة، أو مواقعة ما مرّ من المحرّمات خروج عن الطّاعة الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ. أي: الآن يئسوا منه أن يبطلوه أو يئسوا منه أن يغلبوه فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ. أي: أخلصوا لي الخشية، فلا تخافوا الكافرين في مخالفتكم إياهم، وخافوني وحدي. وأنا أتولّى شأنكم كله. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. أي: أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام، والتوقيف على شرائع الإسلام وقوانين القياس، وكما أكمل في البيان، فقد أكمل بالقدوة العليا بمحمد ﷺ وصحبه. وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بظهوركم أمّة مسلمة مستكملة كلّ كمال، مهمتها هدم كيان الجاهلية في كلّ مكان. وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. أي: واخترت الإسلام لكم من بين الأديان، وآذنتكم بأنه هو الدين المرضيّ وحده، وقد ذكر نعمة الإكمال للدين في سياق تحريم هذه المحرّمات، لأنّ تحريم هذه الخبائث. من جملة الدين الكامل، والنعمة التامّة، والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره. ولما كان بيان حالات الاضطرارات من كمال الدّين بيّن حالة الاضطرار فقال: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. أي: فمن اضطر إلى الميتة، وإلى غيرها في مخمصة أي: في مجاعة غير متجانف لإثم: أي غير مائل إلى إثم، أو غير متعاط معصية الله، فإنّ الله غفور رحيم. غفور. يغفر للمضطر. رحيم بإباحته المحظور للمعذور. قال ابن كثير: قال الفقهاء قد يكون تناول الميتة واجبا في بعض الأحيان وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها. وقد يكون مندوبا، وقد يكون مباحا بحسب الأحوال. واختلفوا، هل يتناول منها قدر ما يسدّ به الرّمق؟ أو له أن يشبع؟ أو يشبع ويتزوّد؟ على أقوال. واختلفوا فيما إذا وجد ميتة، وطعام الغير، أو صيدا وهو محرم، هل يتناول الميتة، أو ذلك الصيد، ويلزمه الجزاء، أو ذلك الطعام ويضمن بدله؟ على قولين قال

стр. 1265

ابن كثير: وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاما كما قد يتوهم كثير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إلى ذلك جاز له. فوائد: ١ - [حرمة شحوم الميتة] في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام». فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها النّاس؟ فقال: لا هو حرام. ٢ - [النهي عن طعام المتبارين] أخرج أبو داود ... «نهى رسول الله ﷺ عن طعام المتبارين أن يؤكل». ٣ - [مسألة خلافية في صيد الكلب المعلم] اختلفوا فيما إذا صدم الكلب الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه. على قولين هما للشافعي ﵀. أحدهما لا يحل. والثاني يحل. وإنما ذكرناه هنا مع أنّ محلّه بعد الآية التالية لأنه يشبه الموقوذة. [٤، ٥ - حول الاستقسام بالأزلام] ٤ - في الصحيحين أنّ النّبي ﷺ لما دخل الكعبة وجد إبراهيم وإسماعيل ﵉ مصوّرين فيها، وفي أيديهما الأزلام فقال: «قاتلهم الله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا». ٥ - أخرج ابن مردويه عن أبي الدّرداء قال: قال رسول الله ﷺ «لن يلج الدرجات من تكهّن، أو استقسم، أو رجع من سفر طائرا». أي متطيّرا. ٦ - [التحريش بين المؤمنين من عمل الشيطان] في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن بالتحريش بينهم». ٧ - [أثر حول قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ] روى الإمام أحمد عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب. فقال: يا أمير المؤمنين! إنكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا يا معشر اليهود نزلت لا تخذنا ذلك اليوم عيدا. قال وأيّ آية؟ قال قوله الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ ، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله ﷺ عشية عرفة في يوم جمعة. ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم بألفاظ متقاربة. وكون هذه الآية نزلت عشية يوم عرفة وكان يوم جمعة هو الصحيح المشهور الذي لا شك فيه ولا مرية. وقال ابن جرير وغير واحد: مات رسول الله ﷺ بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوما.
следующие страницы →