٥/ ١٠٨ - ١٠٦
محلّ هذا المقطع في السورة:
تتألف سورة المائدة من ثلاثة أقسام وخاتمة وهذا المقطع هو المقطع الثاني من القسم الثالث الذي ابتدئ بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فهو استمرار للمقطع السابق ومن ثمّ فإن له صلة كبيرة في قضية البلاغ، لقد انصبّ الكلام في المقطع الأول من القسم الثالث على بلاغ الكافرين، وانصبّ الكلام هنا على بلاغ المؤمنين، ولذلك كان في هذا المقطع تفصيل لكثير مما أجمل في أوّل سورة المائدة كما سنرى.
كلمة في المقطع:
آخر آية في المقطع ختمت بقوله تعالى: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ لاحظ صلة ذلك بمحور السورة: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ بدأ المقطع بالنهي عن تحريم الطيبات، وعن أكل الحلال الطيب لينتقل إلى الأيمان، إذ جرت العادة أنّ النّاس إذا أرادوا أن يحرّموا على أنفسهم شيئا أقسموا، فذكرت الفقرة الأيمان المنعقدة وكفارتها، وارتباط ذلك بمحور السورة واضح، فهل مما يدخل في نقض العهد الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ هذه الصورة التي ذكرتها الفقرة؟
أجاب المقطع على ذلك. ومن النهي عن تحريم الطيبات ينتقل السياق إلى فقرة جديدة
стр. 1438
تذكر فيها الخبائث يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ففي هذه الفقرة تبيان لبعض ما أخذ علينا العهد باجتنابه، وحكمة ذلك، وما أبيح لنا بعد ذلك، ومن الكلام عما أحل لنا وحرم، وعن أكل الطيبات يأتي الكلام عن الصيد للمحرم، وعما يجوز له من صيد البحر.
وعن حكمة بعض الأمور في الحج. ومن ذلك ينتقل السياق إلى كراهية السؤال عمّا لم يرد فيه تحريم ابتداء، ليصل إلى بعض ما حرّم أهل الجاهلية على أنفسهم مما لم ينزل به الله سلطانا. فالسياق لا زال في قضايا التحريم والتحليل مما له صلة بقضايا الطعام، وإذ قرّرت السورة طريق الهداية والضلال، فإنّ آية تأتي لتبيّن أن ضلال الضالّين لا يضرّنا إن كنّا مهتدين. ثم تأتي فقرة أخيرة في المقطع حول الوصيّة في بعض الأحوال والشهادة والأيمان. والملاحظ أن الفقرة الأولى في هذا المقطع ذكرت فيها الأيمان، وأن الفقرة الأخيرة ذكرت فيها الأيمان ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ فكأن المقطع كله في قضايا ينبغي أن تراعى، مما هو نوع نقض لميثاق مع الله، أو هو شرح لبعض الحالات التي يتمّ فيها توثيق أمام الله، وما هي المخارج في ذلك إن المقطع يحدّثنا عن أمور لو فعلها الإنسان يفسق عن أمر الله- وعن أمور هي من نوع نقض الميثاق، أو من قطع ما أمر الله به أن يوصل.
إنّ ابتداء المقطع بذكر الأيمان، وانتهائه بذكر الأيمان، يدّل على أنّه مقطع واحد، وانتهاء المقطع بقوله تعالى: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ وصلة ذلك بقوله تعالى في المحور وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ لدليل على أنّ المقطع يفصّل في المحور.
رأينا فيما مرّ قضيتين: صلة آيات المقطع ببعضها، وصلة المقطع بمحور السورة من البقرة. ولنلاحظ الآن ما يلي: لم يبق معنا بعد هذا المقطع إلا خاتمة السورة فكأنّ هذا المقطع هو المقطع الأخير. فلنلاحظ صلة هذا المقطع بأول مقطع في سورة المائدة.
بدأت سورة المائدة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وفي هذا المقطع ترى حكم الأيمان المنعقدة، وفي المقطع الأول في الآية الأولى منه جاء قوله تعالى: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وهاهنا يأتي تفصيل لموضوع صيد المحرم.
وفي المقطع الأول تأتي الآية الثانية منه وفيها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ ويأتي في هذا المقطع قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ وفي المقطع
стр. 1439
الأول يذكر الله- ما حرم علينا: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ .. ويأتي في هذا المقطع ذكر ما حرّمه الناس ولم يحرمه الله. ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ. وفي المقطع الأول يأتي قوله تعالى: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ويأتي في هذا المقطع قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ. وفي المقطع الأول يأتي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا. ويختم هذا المقطع بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ .. فههنا فقرة عن إقامة الشهادة في حالة من الحالات.
فما بين المقطع الأول، والمقطع الأخير صلات واضحة، وما بين المقاطع التي ذكرت في الوسط، والمقطع الأول والأخير صلات واضحة كذلك، فالسورة لها سياقها الخاص، ومع ذلك فإنها تفصّل في محورها من سورة البقرة لتأخذ محلها في بناء صرح المعاني القرآنية على تسلسل معيّن، ونسق معيّن.
ولعل في الكلمة الأخيرة عن السورة ما يزيد هذا الأمر بيانا، فلنبدأ عرض معاني المقطع:
المعنى العام للمقطع:
يبدأ هذا المقطع بالنهي عن تحريم ما أحل الله بالسير في غير سنة المسلمين في أمر النّساء، أو الطعام، أو الشّراب، أو اللباس، أو العادات، أو غير ذلك. وكما نهى عن تحريم الحلال، فقد نهى عن الاعتداء، لأن الله لا يحب أهله. والاعتداء في هذا المقام يحتمل التضييق على الأنفس بتحريم المباحات، أو تعذيب الجسد. ويحتمل الإسراف في تناول الحلال، فيكون طلبا بالأخذ من الحلال بقدر الكفاية والحاجة، إذ دين الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط. ثم أمر الله- بالأكل من الحلال الطيّب، كما أمر بالتقوى في جميع الأمور باتّباع طاعته ورضوانه، وترك مخالفته وعصيانه. إذ مقتضى الإيمان بالله أن يتّقى. رأينا أنّ سورة المائدة امتداد لسورة النساء، وهي من هذه الحيثيّة تكمّل بناء التقوى، وتدلّ على طريقها، وهي في الوقت نفسه تحرير للإنسان من كل الصفّات التي يضل بسببها أصحابها، فهي تخلية وتحلية.
стр. 1440
ولذلك فإننا نجد في هذا المقطع عملية البناء وإزالة الأنقاض تتعاضدان، وعملية التحلية بالتقوى والتخلية عن الفسوق تتكاتفان، ومن ثمّ نجد في هذا المقطع النهي عن تحريم ما أحل الله، وذكر بعض ما حرّم أبدا، وذكر بعض ما حرّم في بعض الأحوال، والنهي عن السؤال ومؤاخذة من يحرّم ما أحل الله، كفعل الجاهليين في بعض الشئون.
وبيان لحكم الله في جانب من موضوع الوصايا، وكل ذلك ينتظمه المحور الذي تدور حوله سورة المائدة فلنرجع إلى المعنى العام في المقطع.
إنه قد يرافق تحريم الحلال- أو معنى من معاني الاعتداء يمين، ومن ثمّ فقد بيّن الله- حكم الأيمان المنعقدة في هذا المقام بعد أن بين حكم يمين اللغو في سورة البقرة، فبيّن هنا أنّ الله يؤاخذ باليمين التي يرافقها تصميم وقصد، وأن مثل هذه اليمين كفارتها لمن يجب عليه أن يحنث فيها، أو يجوز- إذا أراد الحنث- واحد من ثلاثة، إما إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة، فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفّر بصيام ثلاثة أيام، ثم بيّن الله- أن هذه هي كفّارة اليمين الشرعية، وأمر بحفظ الأيمان، إما بالبر بها، أو بالتكفير عنها، وأنّ هذا البيان لأحكامه يقتضي منّا شكرا.
وبعد أن بيّن الله- لنا عدم جواز تحريم ما أحلّ، طالبنا بالالتزام بما حرّم، وبيّن لنا أنّ تعاطي الخمر والقمار مما حرّم، وأنّ مما حرّم الأنصاب: وهي
الحجارة التي كانوا يذبحون قرابينهم عندها، وأنّ مما حرم الأزلام: وهي قداح أي:
أقلام كانوا يستقسمون بها، ويستفتحون بها، ويلتزمون بتوجيهها الأعمى. ثمّ بيّن الله- أن هذه الأشياء كلها شر وسخط من فعل الشيطان وعمله ودعوته ووسوسته، آمرا إيانا بتركها لنكون من حزب الله، ومن عباده المفلحين. ثم بيّن تعالى ما هو مراد الشيطان من دعوته لنا إلى الخمر والميسر؟ ألا وهو إيقاع العداوة والبغضاء بيننا بذلك، وتحصيل الغفلة عن الله. فحيثما وجد الخمر كان العداء والشر، وحيثما وجد القمار- جدا أو هزلا- وجدت الشحناء. وإنّما يريد الله لحزبه أن يكونوا متحابّين، ومن ثمّ حرّمهما عليهم، وحيثما وجدت الخمرة والقمار كانت الغفلة عن الله، والله يريد منا أن نكون ذاكرين، ولذلك حرم علينا الخمرة والقمار، وحضّنا على الانتهاء عنهما بعد أن أظهر لنا الحكمة في التحريم، ثمّ بيّن الله- أنّ من آمن، وعمل صالحا، واتّقى وأحسن فليس عليه جناح فيما طعم من أنواع المباحات وما أكثرها، وأنه تعالى يحب المحسنين.
стр. 1441
في بداية المقطع بيّن أنه لا يحب المعتدين، وهاهنا بيّن أنه يحب المحسنين، وهذا يؤكد فهمنا أنّ المقطع فيه تحرير وبناء، وتخلية وتحلية، وكذلك السورة كلها.
ثمّ بين الله- هنا- بعد أن بيّن في أوّل السورة حرمة الصيد على المحرم أنّ الله- قد يبتلينا في حالة إحرامنا بضعيف الصيد وصغيره حتى لو شئنا أن نناله بأيدينا لنلناه، وقد يبتلينا بالكبار منه حتى لو شئنا أن نناله بأسلحتنا لنلناه، وذلك كله اختبار لنا لتظهر طاعة من يطيع منّا في سرّه وجهره فيما نهانا عنه وحرّمه علينا. إنّه قد يختبرنا بالصّيد يغشانا في رحالنا نتمكن من أخذه بالأيدي والسّلاح في حالة إحرامنا، ليظهر من يخاف الله بالغيب ممّن لا يخافه، ثمّ بين تعالى أنّ من يعتدي بعد هذا الإعلام والإنذار والتقدّم فإنّ له عذابا أليما لمخالفته أمر الله وشرعه، ثمّ نهى الله- عن قتل الصيد في حال الإحرام، وهذا تحريم منه تعالى للصيد في تلك الحالة ونهي عن تعاطيه، وما يدخل في هذا وما يستثنى منه سنراه، ثمّ بيّن تعالى أنّ من أصاب صيدا عمدا أو خطأ فعليه الجزاء، مع ملاحظة أنّ المتعمّد مأثوم، والمخطئ غير ملوم. وأن هذا الجزاء ينبغي أن يكون من مثل ما قتله المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي، وهل تصح القيمة أو لا تصح؟ قولان للفقهاء، وأما إذا لم يكن الصيد مثليا فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إلى مكة كما رواه البيهقي.
وتفصيل هذا سنراه. هذا الجزء يجب أن يكون الحكم فيه في المثلي، أو بالقيمة في غير المثلي، لرجلين عدلين من المسلمين، واختلف العلماء في القاتل هل يجوز أن يكون أحد الحكمين أولا؟ على قولين سنراهما، هذا الجزاء يجب أن يصل إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك، ويوزّع لحمه على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة، وإذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم، أو لم يكن الصيد من ذوات الأمثال فإنه يقوّم مثله من النعم لو كان موجودا، ثم يشترى به طعام فيتصدق به لكل مسكين مدّ على رأي، ومدّان على رأي آخر، فإن لم يجد صام عن إطعام كل مسكين يوما، وبعضهم قال: هو في الأصل مخيّر بين الجزاء والإطعام، فإن لم يجد فالصيام. واختلفوا هل لا يجوز الإطعام إلا في الحرم على قولين، وتفصيل ذلك كله سيأتي، وإنما فرض الله الجزاء والكفّارة تأديبا، ثمّ بين الله- أنّ هذا الحكم لا يطالب به أحد قبل نزوله، فإنّ ما كان من قبل ذلك فهو عفو، ثمّ هدّد الله من يجترئ على الصيد وهو محرم بحيث يتكرر منه الاجتراء بالانتقام منه، فالله- عزيز منتقم بمعنى: أنّه منيع في سلطانه لا يقهره قاهر، ولا يمنعه من الانتقام
стр. 1442
أحد ممّن يريد أن ينتقم منه، ولا يمنعه من عقوبة من أراد عقوبته مانع؛ لأنّ الخلق خلقه، والأمر أمره، له العزّة والمنعة، وهو ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه، ثمّ بيّن تعالى أنّ الصيد المحرّم على المحرم هو صيد البر، وأمّا صيد البحر وطعامه مما اصطدناه وما لفظه فهو مباح لنا في كل حال، منفعة لنا وقوتا، ثمّ أمرنا بتقواه، كيف لا وإليه سنحشر ونحاسب. ثمّ بيّن الله- في هذا المقام ماهيّة الحكمة من جعله الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد من شعائره، فبيّن أنّ الحكمة في ذلك شيئان.
الأوّل: انتعاش الناس في أمر دينهم ونهوضهم إلى أغراضهم في معاشهم. والثاني: هو أن نزداد علما بالله، علما بمالكيته لما في السموات والأرض من خلال ممارسة شعائر الحج، وعلما بأنه بكل شئ عليم من خلال ذلك كذلك.
ثمّ أمرنا الله- في هذا السياق أن نعلم أنّه شديد العقاب، كما أنه غفور رحيم حتى لا تنسينا رؤية الجلال عن مشاهدة الجمال، ولا تجرّئنا رؤية الرحمة على المعصية، كما لا تقنطنا رؤية العقوبة من الرحمة. ثمّ بيّن أنّ على الرسول ﷺ البلاغ والله هو الذي يعلم كل شئ فيحاسب، وفي هذا المقام- مقام البيان أن على الرسول البلاغ فقط- يأمر الله رسوله أن يبيّن أنّ القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار، ثمّ نادى أصحاب العقول الصحيحة المستقيمة أن يتقوه باجتناب الحرام وتركه، والقناعة بالحلال والاكتفاء به للوصول إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، ثمّ أدّب الله- عباده فنهاهم عن السؤال عن أشياء لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها، لأنّها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربّما ساءتهم، وشقّ عليهم سماعها، مبيّنا لهم أنّهم إن سألوا عن هذه الأشياء التي نهوا عن السؤال عنها حين ينزل الوحي على رسول الله ﷺ تبيّن لهم، وعندئذ يكون سؤالهم من أجل فهم الوحي، وأما قبل ذلك فيكون من باب التكلّف، ثمّ طمأنهم الله تعالى عن عفوه عمّا كان منهم قبل ذلك؛ إذ أنّه الغفور الحليم الذي لا يعاقب قبل البيان. ثمّ بيّن تعالى الحكمة في النهي عن الأسئلة وما ذاك إلا لعلمه تعالى بالطبيعة البشرية، فلقد سأل المسائل قوم من قبلنا فأجيبوا عنها، ثمّ لم يؤمنوا بها، فأصبحوا كافرين أي بسببها. أي: فلم ينتفعوا بها لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، بل على وجه الاستهزاء والعناد، يفهم من ذلك أن طاقة البشر في موضوع الإيمان محدودة والله- إنّما ينزّل على عباده بما يتناسب وهذه الطاقة، وعند ما يسأل الناس قد لا يوفقون في سؤالهم، فإذا ما أجيبوا ترتب على ذلك حرج ومشقّة، فنهوا أن يبتدءوا سؤالا، وسمح لهم أن يستفهموا. وأن يتفقّهوا. ثمّ بيّن
стр. 1443
الله- حكمه في قضية من قضايا الجاهليين، فقد كان الجاهليون يتركون بعض الأنعام لا يجيزون حلبها لأحد من الناس، وهذه هي البحيرة، ويتركون بعض الأنعام يسيّبونها لآلهتهم فلا يحملون عليها شيئا، وهذه هي السائبة. وكانت الناقة البكر إذا بكّرت في أول نتاج بأنثى ثم ثنّت بأنثى يسيّبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر، وهذه هي الوصيلة، وسنرى تفسيرا آخر للوصيلة، وكان الفحل من الإبل إذا لقح عددا من الإناث دعوه للطواغيت وأعفوه عن الحمل فلم يحمل عليه شئ وسمّوه الحامي.
بين الله- أن هذا كله ليس من دينه ولا شرعه، وليست هذه الأشياء عنده قربة، ولكن المشركين افتروا ذلك وجعلوه شرعا لهم وقربة يتقربون بها إليه، وليس ذلك بحاصل لهم بل هو وبال عليهم، وهم في هذا كله كاذبون على الله وجهلة لا عقل لهم إذ يضيّعون المال بلا مقابل، والجنون في هؤلاء أنّهم إذ دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه، وإلى ترك ما حرّمه مما فيه مصلحتهم في دنياهم وأخراهم قالوا:
يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد، من الطرائق والمسالك مع ما عليه الآباء من الجهل والضلال، فلا علم ولا هداية، ولا فهم ولا معرفة، فكيف يتّبعونهم والحالة هذه، ألا إنه لا يتّبعهم في هذه الحالة إلا من هو منهم وأضلّ سبيلا. ثمّ أمر الله- عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم، ويفعلوا الخير بجدهم وطاقتهم، مخبرا لهم أنّه من أصلح أمره لا يضرّه فساد من فسد من النّاس، سواء كان قريبا منه أو بعيدا.
وأن لله المرجع، وهو الذي سيحاسب ويجزي كلّا بعمله، ثم بيّن الله- أنه في حالة كون الواحد منا مسافرا وأدركته الوفاة فإنّ عليه في هذه الحالة أن يوصي، وأن يشهد على وصيته اثنين من عدول المسلمين، فإذا لم يتوافر له ذلك فليشهد اثنين من غير المسلمين، وإنّما جاز استشهاد غير المسلمين في هذه الحالة للضرورة عند فقد المسلمين. قال شريح: لا تجوز شهادة اليهود والنصارى إلّا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في الوصيّة. فإذا شكّ ورثة الميّت بأنّهما خانا أو غلّا أو غير ذلك، حبسا بعد صلاة يجتمع فيها الناس، فيحلفان بالله أنّهما لا يشتريان بأيمانهما أي: لا يعتاضان بها عوضا من الدنيا الفانية الزائلة، ولو كان المشهود عليهم قريبا فإنّهما لا يحابيان، وإنهّما لا يكتمان الشهادة، وأنّهما إن فعلا ذلك من تحريف الشهادة، أو تبديلها، أو تغييرها، أو كتمانها بالكلية، يكونان من الآثمين، فإن اشتهر وظهر وتحقّق من الشاهدين الوصيّين أنهّما خانا أو غلّا شيئا من المال الموصى به إليهما، وظهر عليهما بذلك، وتحقق ذلك
стр. 1444
بالخبر الصحيح على خيانتهما، فليقم اثنان من الورثة المستحقّين للتركة- وليكونا من أول من يرث ذلك المال- فيقسمان بالله: إن قولنا: إنهما خانا أحق وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة، وما اعتدينا فيما قلنا فيهما من الخيانة، وإن كنا قد كذبنا عليهما فإنّا إذا لمن الظالمين. ثمّ بيّن الله- حكمة هذا الحكم الأخير وهي أنّ ذلك أقرب أن يقيم الشاهدان الأصليّان الشهادة على الوجه الأصلي؛ فيحملهما على الإتيان بها على وجهها تعظيم الحلف بالله، ومراعاة جانبه، وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين الناس، إن ردّت اليمين على الورثة فيحلفون ويستحقون ما يدّعون، ثمّ ختم الله هذا بالأمر بتقواه، والأمر بالسمع والطاعة له، مبيّنا أنه لا يهدي القوم الفاسقين أي:
الخارجين عن طاعته والمتابعة لشريعته. وختم هذا المقطع كله بقوله تعالى وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ يذكّر بقوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ من آيتي سورة البقرة اللتين قلنا عنهما: إنهما محور سورة المائدة ضمن السّياق القرآني العام، ولا شك أن هذا المقطع قد بين جوانب من الفساد في الأرض، كتحريم الحلال، والاعتداء، وكالخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، والصيد حالة الإحرام، والسؤال في غير محله، وتحريف الشهادة، كما بيّن جوانب من الفسوق عن أمره لا يهدى معها أصحابها.
ملاحظات حول السياق:
رأينا أن هذا المقطع ابتدأ بالكلام عن الأيمان، وانتهى بكلام عن نوع من الأيمان وهذا يشير إلى وحدة المقطع، وقد رأينا في هذا المقطع قوله تعالى: ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وكنّا رأينا من قبل أن المقطع السابق على هذا المقطع قد ابتدأ بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فذكر البلاغ في هذا المقطع يشير إلى أن هذا المقطع استمرار للمقطع السابق، وهذا يؤكد ما قلناه من قبل إن القسم الثالث من سورة المائدة يتألف من مقطعين، وأن القسم الثالث كله هو في أمور تدخل في باب البلاغ، ومن هنا ندرك سرّ تعرّض السورة في أوائلها لبعض المعاني مجملة، ثمّ تفصيلها في قسمها الأخير، هناك جاءت في سياق، وهاهنا تأتي في سياق، هناك تأتي في سياق الأمر بالوفاء بالعقود، وهاهنا تأتي في سياق الأمر بالبلاغ، ونكرّر هنا ما قلناه من قبل من أنّ على الدّعاة إلى الله أن يلاحظوا إذن أهمية التركيز على تبليغ معاني القسم الثالث في مقطعيه، مع ملاحظة أن المقطع الأوّل في جملته تركيز على معان يتوجّه فيها الخطاب لغير
стр. 1445
المؤمنين، وأن المقطع الثاني هو في جملته تركيز على معان يتوجه فيها الخطاب للمؤمنين، نقول هذا كله بين يدي المعنى الحرفي للمقطع الثاني من القسم الثالث والذي هو المقطع السابع.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الطيبات: ما طاب ولذّ من الحلال، ومعنى لا تحرّموا أي: لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم، أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا منكم وتقشفا وَلا تَعْتَدُوا. أي: ولا تجاوزوا الحدّ الذي حدّ لكم في تحريم أو تحليل، أو لا تتعدّوا حدود ما أحل لكم إلى
ما حرّم عليكم، أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. أي: المتجاوزين حدوده
وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً نهى عن تحريم الطيبات ثمّ أمر بالأكل منها وَاتَّقُوا اللَّهَ في الوقوف عند ما أحلّ وحرّم الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ دلّ هذا على أن الإيمان بالله يوجب تقواه فيما أمر به ونهى عنه، وإذ يقترن تحريم الطيبات باليمين عادة، كان مناسبا هنا أن يذكر حكم الأيمان.
ولذلك قال: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ مرّ معنا في سورة البقرة موضوع اليمين اللغو، والخلاف فيه فلغو اليمين: هو الساقط الذي لا يتعلق فيه حكم، وتعريفه عند الحنفية: أن يحلف على شئ يرى أنه كذلك وليس كما ظن. وعند الشافعي ﵀: هو ما يجري على اللسان بغير قصد وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ تعقيد الأيمان توثيقها، والمعنى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم، أو ولكن يؤاخذكم بنكث ما عقدتم فَكَفَّارَتُهُ. أي: فكفّارة نكثه، أو فكفّارة معقود الأيمان ما سيأتي، والكفّارة هي التي من شأنها أن تكفّر الخطيئة أي تسترها إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ هو أن يغذيهم ويعشيهم، ويجوز أن يعطيهم بطريق التمليك لكل واحد نصف صاع من برّ، أو صاع من شعير، أو صاع من تمر، وعند الشافعي ﵀ مدّ لكل مسكين والمدّ ربع صاع مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ قال الحنفية أي:
غداء وعشاء من برّ إذ الأوسع ثلاث مرات مع الإدام، والأدنى مرّة من تمر أو شعير والأوسط غداء وعشاء أَوْ كِسْوَتُهُمْ قال الحنفية: وأدنى الكسوة ثوب يغطي العورة، والعورة عندهم من السرّة إلى ما تحت الركبة أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ. أي: عتقها واشترط الشافعي أن تكون مؤمنة، ولم يشترط الحنفية ذلك؛ لإطلاق النص فيجوز عندهم
стр. 1446
أن تكون كافرة أو مؤمنة، والحانث مخيّر بين واحدة من هذه الثلاث المذكورات. قال ابن كثير: فهذه خصال ثلاث في كفّارة اليمين أيها فعل الحانث أجزأ عنه بالإجماع، وقد بدأ بالأسهل. فالإطعام أسهل وأيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق فترقّى فيها من الأدنى إلى الأعلى، فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفّر بصوم ثلاثة أيّام: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وعدم الوجود في اختيار ابن جرير هو أن لا يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه ذلك ما يخرج به كفّارة اليمين، واختلف العلماء هل يجب في صيام الثلاثة أيام التتابع، أو يستحب ولا يجب ويجزئ التفريق؟ قولان للعلماء، أوجب الحنفية والحنابلة وهو قول للشافعي التتابع، ولم يوجب ذلك مالك ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ. أي: وحنثتم فترك ذكر الحنث لوقوع العلم بأنّ الكفّارة لا تجب بنفس الحلف. قال الحنفية: ولذا لم يجز التكفير قبل الحنث وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ بأن لا تحلفوا أصلا، أو بالبرّ بها إن لم يكن الحنث خيرا، أو بالتكفير عنها إن كان في الحنث خير كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ. أي: بمثل هذا البيان يوضّح الله لكم أعلام شريعته وأحكامه وذلك من تمام نعمته أن يكون البيان واضحا لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. أي: من أجل أن تتحققوا بمقام الشكر على نعمته فيما يعلّمكم، ويسهّل عليكم المخرج من كل ما يمكن أن يكون فيه حرج.
نقل: [عن صاحب الظلال حول قوله تعالى لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ .. ]
بمناسبة قوله تعالى لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ يقول صاحب الظلال:
«ما أحله الله فهو الطيب، وما حرمه فهو الخبيث. وأن ليس للإنسان أن يختار لنفسه غير ما اختاره الله له. من وجهين: الوجه الأول أن التحريم والتحليل من خصائص الله الرازق بما يجري فيه التحليل والتحريم من الرزق، وإلا فهو الاعتداء الذي لا يحبه الله، ولا يستقيم معه إيمان .. والوجه الثاني أن الله يحل الطيبات، فلا يحرم أحد على نفسه تلك الطيبات التي بها صلاحه وصلاح الحياة، فإن بصره بنفسه وبالحياة لن يبلغ علم الحكيم الخبير الذي أحل هذه الطيبات. ولو كان الله يعلم فيها شرا أو أذى لوقاه عباده.
ولو كان يعلم في الحرمان منها خيرا ما جعلها حلالا .. ولقد جاء هذا الدين ليحقق الخير والصلاح، والتوازن المطلق، والتناسق الكامل، بين طاقات الحياة البشرية جميعا، فهو لا يغفل حاجة من حاجات الفطرة البشرية؛ ولا يكبت كذلك طاقة بناءة من طاقات الإنسان، تعمل عملا سويا، ولا تخرج عن الجادة. ومن ثم حارب الرهبانية، لأنها
стр. 1447
كبت للفطرة، وتعطيل للطاقة وتعويق للطاقة عن إنماء الحياة التي أراد الله لها النماء، كما نهى عن تحريم الطيبات كلها لأنها من عوامل بناء الحياة ونموها وتجددها. لقد خلق الله هذه الحياة لتنمو وتتجدد، وترتقي عن طريق النمو والتجدد المحكومين بمنهج الله.
والرهبانية وتحريم الطيبات الأخرى تصطدم مع منهج الله للحياة. لأنها تقف بها عند نقطة معيّنة بحجة التسامي والارتفاع. والتسامي والارتفاع داخلان في منهج الله للحياة، وفق المنهج الميسر المطابق للفطرة كما يعلمها الله.
فوائد:
١ - [مقدار الصاع والمد من أوزاننا في العصر الحديث]
الصاع في زمن رسول الله ﷺ على رأي فقهاء الحنفية وآخرين يعدل حوالي أربعة كيلو غرامات في عصرنا إلا قليلا، والمد ربع صاع فهو يعدل أقل من كيلو غرام من الأوزان العالمية المتعارف عليها في عصرنا. والصاع والمدّ على النصف من ذلك على رأي الشافعية وآخرين.
[٢، ٣ - مسائل في كفارات اليمين]
٢ - استدل الحنفية بوجوب التتابع في كفّارة اليمين بقراءة شاذّة هي «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» قال الأعمش: وهذه إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترا فلا أقل أن يكون خبرا واحدا، أو تفسيرا من الصّحابة وهو في حكم المرفوع.
٣ - هناك خلاف كثير بين العلماء حول الكسوة المجزأة في الكفارة وقد رأينا أدنى ما يجوز عند الحنفية ووافقهم على ذلك مالك وأحمد، وقال الشافعي: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من قميص، أو سراويل، أو إزار، أو عمامة أو مقنعة أجزأه ذلك. واختلف أصحابه في القلنسوة والخف والصحيح عدم الإجزاء.
٤ - [روايات في أسباب نزول الآيات (٨٧ - ٨٩)]
وفي سبب نزول هذه الآيات نذكر الروايات التالية:
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: «نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النبي ﷺ ، قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك، فقالوا: نعم، فقال النبي ﷺ : «لكنيّ أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني رواه ابن أبي حاتم، وروى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس نحو ذلك- وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁: أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في
стр. 1448
السر، فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، أن رجلا أتى النّبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء، وإنّي حرّمت عليّ اللحم، فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ. وكذا رواه الترمذي وقال: حسن غريب. وروى ابن جرير ... عن مجاهد قال: أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتّلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية إلى قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ. قال ابن جريج عن عكرمة: أنّ عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالما مولى أبي حذيفة في أصحاب تبتّلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرّموا طيّبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهمّوا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرّموا من النّساء والطعام واللّباس، وما أجمعوا من قيام الليل وصيام النّهار، وما همّوا به من الاختصاء، فلمّا نزلت فيهم بعث إليهم رسول الله ﷺ فقال:
إن لأنفسكم حقا، وإن لأعينكم حقا، صوموا وأفطروا، وصلّوا وناموا، فليس منّا من ترك سنتنا: فقالوا: اللهم سلّمنا واتّبعنا ما أنزلت، وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين مرسلة ولها شاهد في الصحيحين من رواية أنس بن مالك ﵁ كما تقدم. وقال أسباط: عن السدي في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وذلك أن رسول الله ﷺ جلس يوما فذكّر النّاس، ثمّ قام ولم يزدهم على التخويف، فقال ناس من أصحاب النبي ﷺ كانوا عشرة منهم: على بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون: ما حقنا إن لم نحدث عملا، فإنّ النصارى قد حرّموا على أنفسهم فنحن نحرّم، فحرّم بعضهم أن يأكل اللحم والودك وأن يأكل بنهار، وحرّم بعضهم النّوم، وحرّم بعضهم النّساء، فكان عثمان بن مظعون ممّن حرم النساء، وكان لا يدنو من أهله ولا تدنو منه، فأتت امرأته عائشة ﵂ وكان يقال لها الحولاء، فقالت لها عائشة ومن
стр. 1449
عندها من أزواج النبي ﷺ : ما بالك يا حولاء متغيرة اللون لا تمتشطين ولا تتطيبين؟
فقالت: وكيف أمتشط وأتطيب وما وقع عليّ زوجي وما رفع عني ثوبا، منذ كذا وكذا، قال: فجعلن يضحكن من كلامها. فدخل رسول الله ﷺ وهن يضحكن، فقال: «ما يضحككن؟» قالت: يا رسول الله إن الحولاء سألتها عن أمرها فقالت:
ما رفع عني زوجي ثوبا منذ كذا وكذا، فأرسل إليه فدعاه فقال: «ما لك يا عثمان؟» قال: إني تركته لله لكي أتخلى للعبادة، وقصّ عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يجبّ نفسه، فقال رسول الله ﷺ : «أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك»، فقال:
يا رسول الله إني صائم، فقال: «أفطر» فأفطر وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة وقد امتشطت واكتحلت وتطيبت، فضحكت عائشة وقالت: ما لك يا حولاء؟
فقالت: إنه أتاها أمس، وقال رسول الله ﷺ : «ما بال أقوام حرّموا النساء والطعام والنّوم؟ ألا إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رغب عني فليس مني». فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا يقول لعثمان: لا تجبّ نفسك فإنّ هذا هو الاعتداء، وأمرهم أن يكفروا عن أيمانهم فقال: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ رواه ابن جرير.
[٥، ٦ - آثار حول قوله تعالى .. لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ .. ]
٥ - روى الأعمش .. عن عمرو بن شرحبيل قال: جاء معقل بن مقرّن إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني حرّمت فراشي فتلا هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الآية. وروى الثوري ... عن مسروق قال: كنّا عند عبد الله بن مسعود فجئ بضرع فتنحّى رجل فقال له عبد الله: ادن، فقال: إنّي حرمت أن آكله، فقال عبد الله: ادن فاطعم وكفّر عن يمينك، وتلا هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الآية. رواه ابن أبي حاتم.
٦ - روى ابن أبي حاتم أن زيد بن أسلم قال: إن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف من أهله، وهو عند النبي ﷺ ثمّ رجع إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم
انتظارا له، فقال لامرأته: حبست ضيفي من أجلي، هو عليّ حرام، فقالت امرأته: هو عليّ حرام. وقال الضيف: هو عليّ حرام، فلما رأى ذلك وضع يده، وقال: كلوا باسم الله، ثم ذهب إلى النبي ﷺ فذكر الذي كان منهم، ثمّ أنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ. وهذا أثر منقطع. وفي البخاري في قصة
стр. 1450
الصدّيق مع أضيافه شبيه بهذا، وفيه، وفي هذه القصة دلالة لمن ذهب من العلماء- كالشافعي وغيره- إلى أنّ من حرّم مأكلا أو ملبسا أو شيئا ما عدا النساء أنّه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضا، لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ولأن الذي حرّم اللحم على نفسه كما في الحديث المتقدّم لم يأمره النبي ﷺ بكفارة، وذهب آخرون منهم الإمام أحمد بن حنبل إلى أن من حرم مأكلا، أو مشربا، أو ملبسا، أو شيئا من الأشياء فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين، كما إذا التزم تركه باليمين فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزاما له بما التزمه، كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثم قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ الآية (التحريم: ١، ٢). وكذلك هاهنا لما ذكر هذا الحكم عقّبه بالآية المبيّنة لتكفير اليمين، فدلّ على أنّ هذا منزّل منزلة اليمين في اقتضاء التكفير، والله أعلم.
كلمة في السياق:
قلنا إن محور سورة المائدة من سورة البقرة هو قوله تعالى: ... وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. وإنّ الفقرة التي مرّت معنا لها صلة بنقض العهد، سواء في ذلك ما ورد فيها من تحريم الحلال، أو الاعتداء، أو ما كان فيها من كلام عن الأيمان، وسنرى أن الفقرة الثانية التي ستأتي لها صلة بقطع ما أمر الله به أن يوصل ففيها قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وسيذكر في الفقرة الثالثة من المقطع مظهر من مظاهر الإفساد في الأرض في قتل المحرم الصيد، وهكذا تتضح معنا شيئا فشيئا صلة سورة المائدة بمحورها من سورة البقرة.
ولنلاحظ أن أول آية تأتي في الفقرة اللاحقة تعلل للأمر باجتناب الخمر والميسر بالفلاح لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ والفلاح ضد الخسران ولذلك ارتباطه كذلك بمحور السورة.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ. أي: القمار وَالْأَنْصابُ. أي:
الأصنام لأنها تنصب فتعبد وَالْأَزْلامُ. أي: القداح التي يستقسم بها وقد مرت معنا في أول السورة رِجْسٌ. أي: نجس أو خبيثة مستقذرة مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ لأنه من
стр. 1451
آثار دعوته فكأنه عمله فَاجْتَنِبُوهُ أي: الرجس أو عمل الشيطان، والمعنى واحد لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. أي: لعلكم تحصّلون صفة الفلاح، وقد تأكّد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية من وجوه، حيث صدّرت الجملة بإنّما التي تفيد الحصر، وقرنهما بعبادة الأصنام، وجعلهما رجسا من عمل الشيطان، ولا يأتي منه إلا الشر البحت، وأمر بالاجتناب، وهو أبلغ في النهي من الترك، لأن الترك يشعر بإمكانية الأخذ، والاجتناب فيه معنى النهي عن الاقتراب والملامسة أصلا، وجعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب خسارا
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ بعد أن بيّن في الآية السابقة تحريمهما ذكر في هذه الآية حكمة التّحريم، وهي ما يتولد عن الخمر والميسر من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمار، وما يؤدّيان إليه من الصدّ عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلاة.
وخصّت الصلاة من بين الذكر لزيادة درجتها كأنه قال: وعن الصلاة خصوصا، وإنّما جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولا، ثمّ أفردهما آخرا، لأنّ الخطاب للمؤمنين، وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر، وذكر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر، وإظهار أن ذلك جميعا من أعمال أهل الشرك، فكأنه لا مباينة بين عابد الصّنم وشارب الخمر والمقامر. ثمّ أفردهما بالذكر ليعلم أنّهما المقصودان بالذكر فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ أي فانتهوا. وهذه الصيغة فيها أبلغ أنواع النّهي كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والزواجر فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون؟ أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا ولم تزجروا؟
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا. أي: وكونوا حذرين مع طاعة الله ورسوله ﵊ أي: اجمعوا مع الطاعة الخشية والحذر لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيّئة، وعمل كل حسنة فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ. أي: فإن أعرضتم عن الطاعة والحذر فاعلموا أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول، لأنه ما كلّف إلا البلاغ المبين بالآيات، وإنما أضررتم أنفسكم حين أعرضتم عمّا كلفتموه
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ. أي: إثم فِيما طَعِمُوا قبل نزول تحريم الخمر والميسر إِذا مَا اتَّقَوْا الشرك وَآمَنُوا بالله وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بعد الإيمان ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا بأن تركوا الخمر والميسر بعد التحريم إيمانا واحتسابا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا بترك المحرمات كلها مع مراقبة الله، وفعل ما أمر به من خير في حقّ الله والناس، ويحتمل أن يكون المراد بالأمر الأول في التقوى النّهي عن الشّرك، وفي الأمر الثاني النهي عن المحرمات. وفي الأمر الثالث النهي عن الشبهات
стр. 1452
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الذين اجتمع لهم فعل الحسن مع الإخلاص لله ومراقبته:
كلمة في السياق:
١ - نلاحظ أنّه قد ورد في هذه الفقرة قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ وسنرى أنّه سيرد في الفقرة الثالثة من هذا المقطع قوله تعالى:
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ وهذا يدلّ على أن هذا المقطع استمرار للمقطع السابق عليه والذي بدايته: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وهذا يؤكد: أن هذين المقطعين يشكلان قسما واحدا، يحدّد معاني رئيسية في قضية البلاغ لأهل الكفر ولأهل الإيمان.
٢ - يلاحظ أن الآية الأخيرة في الفقرة التي مرّت معنا ذكرت الإيمان والعمل الصالح، وذكرت التقوى والإيمان والعمل الصالح، وذكرت التقوى والإيمان، وذكرت التقوى والإحسان، وهي مجمل المعاني المطلوبة التي ذكرت في سورة البقرة قبل محور السورة.
فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ... وقبل محور السورة من سورة البقرة ورد الأمر بالعبادة، وقد ذكر قبل محور السورة مباشرة الإيمان والعمل الصالح، وقبل الأمر بالعبادة ذكرت صفات المتقين والكافرين، وهاهنا ربطت قضية تحريم الخمر والميسر وغير ذلك بذلك كله.
نقل: [عن صاحب الظلال حول حكمة تحريم الخمر]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ قال صاحب الظلال: «إن غيبوبة السكر- بأي مسكر- تنافي اليقظة الدائمة التي يفرضها الإسلام على قلب المسلم ليكون موصولا بالله في كل لحظة، مراقبا لله في كل خطرة، ثم ليكون بهذه اليقظة عاملا إيجابيا في نماء الحياة وتجددها، وفي صيانتها من الضعف والفساد، وفي حماية نفسه وماله وعرضه، وحماية أمن الجماعة المسلمة وشريعتها ونظامها من كل اعتداء. والفرد المسلم ليس متروكا لذاته وللذاته؛ فعليه في كل لحظة تكاليف تستوجب اليقظة الدائمة. تكاليف لربه، وتكاليف لنفسه، وتكاليف لأهله، وتكاليف للجماعة المسلمة التي يعيش فيها،
стр. 1453
وتكاليف للإنسانية كلها ليدعوها ويهديها. وهو مطالب باليقظة الدائمة لينهض بهذه التكاليف. وحتى حين يستمتع بالطيبات فإن الإسلام يحتّم عليه أن يكون يقظا لهذا المتاع، فلا يصبح عبدا لشهوة أو لذة. وإنما يسيطر دائما على رغباته فيلبيها تلبية المالك لأمره .. وغيبوبة السكر لا تتفق في شئ مع هذا الاتجاه.
ثم إن هذه الغيبوبة في حقيقتها إن هي إلا هروب من واقع الحياة في فترة من الفترات؛ وجنوح إلى التصورات التي تثيرها النشوة أو الخمار. والإسلام ينكر على الإنسان هذا الطريق ويريد من الناس أن يروا الحقائق، وأن يواجهوها، ويعيشوا فيها، ويصرفوا حياتهم وفقها، ولا يقيموا هذه الحياة على تصورات وأوهام .. إن مواجهة الحقائق هي محك العزيمة والإرادة؛ أما الهروب منها إلى تصورات وأوهام فهو طريق التحلل، ووهن العزيمة، وتذاؤب الإرادة. والإسلام يجعل في حسابه دائما تربية الإرادة، وإطلاقها من قيود العادة القاهرة .. والإدمان .. وهذا الاعتبار كاف وحده من وجهة النظر الإسلامية لتحريم الخمر وسائر المخدرات .. وهي رجس من عمل الشيطان .. مفسد لحياة الإنسان.
وقد اختلف الفقهاء في اعتبار ذات الخمر نجسة كبقية النجاسات الحسيّة، أو في اعتبار شربها هو المحرم. والأول قول الجمهور. والثاني قول ربيعة بن سعد والمزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين ..
فوائد:
١ - [آثار حول مراحل تحريم الخمر وأحكام تتعلق بها]
مرّ معنا في سورتي البقرة والنساء شئ عن موضوع السّير التدريجي في الأمة حتّى حرّمت الخمر حرمتها النهائية، ولذلك فسنكتفي هنا بنقل بعض النصوص:
أ- روى الإمام أحمد ... عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّه قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فكان منادي رسول الله ﷺ إذا قال: حي على الصلاة نادى: لا يقربنّ الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت
стр. 1454
الآية التي في المائدة. فدعي عمر فقرئت عليه، فلمّا بلغ قول الله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ. قال عمر: انتهينا، انتهينا، وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنّسائي.
ب- ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال في خطبته على منبر رسول الله ﷺ : «أيها الناس إنّه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر: ما خامر العقل» هذا ما كان في زمانهم، أما اليوم فالخمرة عشرات الأنواع وتستخرج من عشرات المواد الأولية، كلها حرام.
ج- روى الإمام أحمد .. عن عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر، فقال: كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف أو من دوس فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال رسول الله ﷺ : «يا فلان، أما علمت أن الله حرّمها؟
فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها، فقال رسول الله ﷺ : «يا فلان بماذا أمرته؟». فقال: أمرته أن يبيعها قال: «إنّ الذي حرّم شربها حرّم بيعها» فأمر بها فأفرغت في البطحاء .. ورواه مسلم والنسائي.
د- روى الإمام أحمد .. عن عبد الرحمن بن غنم: أنّ الدّاري كان يهدي لرسول الله ﷺ كل عام راوية من خمر، فلمّا كان عام حرمت، جاء براوية فلمّا نظر إليه ضحك فقال: «أشعرت أنّها قد حرّمت بعدك؟» فقال: يا رسول الله ألا أبيعها وأنتفع بثمنها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لعن الله اليهود، انطلقوا إلى ما حرّم عليهم من شحم البقر والغنم فأذابوه فباعوه إنه ما يأكلون، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام».
هـ- وروى الإمام أحمد .. عن نافع بن كيسان أن أباه أخبره: أنّه كان يتّجر في الخمر في زمن رسول الله ﷺ ، وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق، يريد بها التجارة، فأتى بها رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني جئتك بشراب طيّب، فقال رسول الله ﷺ : «يا كيسان إنها قد حرّمت بعدك»، قال: فأبيعها يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنها حرّمت وحرم ثمنها» فانطلق كيسان إلى الزقاق فأخذ بأرجلها ثم هراقها.
و- وروى الإمام أحمد .. عن أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبي
стр. 1455
بن كعب، وسهيل بن بيضاء، ونفرا من أصحابه عند أبي طلحة وأنا أسقيهم حتى كاد الشراب يأخذ منهم، فأتى آت من المسلمين فقال: أما شعرتم أنّ الخمر قد حرّمت؟
فما قالوا حتى ننظر ونسأل، فقالوا: يا أنس اكف ما بقي في إنائك، فو الله ما عادوا فيها وما هي إلا التمر والبسر، وهي خمرهم يومئذ. وأخرجاه في الصحيحين أيضا.
ز- روى أحمد .. عن قيس بن سعد بن عبادة: أن رسول الله ﷺ قال: «إن ربي ﵎ حرّم عليّ الخمر والكوبة (١) والقنين (٢)، وإياكم والغبيراء (٣)، فإنّها ثلث خمر العالم».
ح- روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله حرّم على أمتي الخمر، والميسر، والمزر، والكوبة، والقنين، وزادني صلاة الوتر».
قال يزيد: القنين: البرابط، تفرد به أحمد.
ط- روى الإمام أحمد .. عن عبد الله بن عمرو أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قال عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من جهنم» قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إنّ الله حرّم الخمر، والميسر، والكوبة، والغبيراء، وكل مسكر حرام».
ي- روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المربد، فخرجت معه فكنت عن يمينه، وأقبل أبو بكر فتأخّرت له، فكان عن يمينه وكنت عن يساره، ثم أقبل عمر فتنحيت له فكان عن يساره فأتى رسول الله ﷺ المربد فإذا بزقاق على المربد فيها خمر، قال ابن عمر: فدعاني رسول الله ﷺ بالمدية، قال ابن عمر:
وما عرفت المدية إلا يومئذ، فأمر بالزقاق فشقت، ثم قال: «لعنت الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها، ومعتصرها، وآكل ثمنها».
ك- روى الحافظ أبو بكر البيهقي ... عن مصعب بن سعد عن سعد قال: أنزلت في الخمر أربع آيات فذكر الحديث، قال: وصنع رجل من الأنصار طعاما، فدعانا فشربنا الخمر قبل أن تحرّم حتى انتشينا، فتفاخرنا، فقالت الأنصار: نحن أفضل وقالت قريش: نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور فضرب به أنف سعد ففزره وكان
стр. 1456
أنف سعد مفزورا فنزلت: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ أخرجه مسلم. من حديث شعبة.
ل- روى الحافظ البيهقي .. عن ابن عباس قال: إنّما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا فلمّا أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلمّا أن صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته، فيقول: صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن: والله، لو كان رءوفا رحيما ما صنع هذا بي، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إلى قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فقال ناس من المتكلفين: هي رجس وهي في بطن فلان، وقد قتل يوم أحد، فأنزل الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إلى آخر الآية. ورواه النسائي.
م- روى ابن جرير ... عن أبي بريدة عن أبيه قال: بينا نحن قعود على شراب لنا، ونحن على رملة، ونحن ثلاثة- أو أربعة- وعندنا باطية لنا، ونحن نشرب الخمر حلا، إذ قمت حتى آتي رسول الله ﷺ فأسلّم عليه، إذ نزل تحريم الخمر: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ إلى آخر الآيتين فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، قال:
وبعض القوم شربته في يده، قد شرب بعضها وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبّوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربنا».
س- روى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن جابر بن عبد الله قال: كان رجل يحمل الخمر من خيبر إلى المدينة فيبيعها من المسلمين، فحمل منها بمال، فقدم بها المدينة، فلقيه رجل من المسلمين فقال: يا فلان إنّ الخمر قد حرّمت فوضعها حيث انتهى على تل، وسجّى عليها بأكسية، ثم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله بلغني أنّ
الخمر قد حرّمت، قال: «أجل» قال: لي أن أردها على من ابتعتها منه؟ قال: «لا يصلح ردّها»، قال: لي أن أهديها إلى من يكافئني منها؟ قال لا. قال: فإن فيها مالا ليتامى في حجري، قال: «إذا أتانا مال البحرين فإننا نعوّض أيتامك من مالهم». ثمّ نادى بالمدينة، فقال رجل: يا رسول الله، الأوعية ننتفع بها قال: «فحلوا أوكيتها» فانصبت حتى استقرت في بطن الوادي» هذا حديث غريب.
стр. 1457
ع- روى الإمام أحمد .. عن أنس بن مالك: أن أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام في حجره ورثوا خمرا، فقال: «أهرقها». قال: «أفلا نجعلها خلا؟ قال:
«لا». ورواه مسلم وأبو داود والترمذي.
ف- روى أحمد .. عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ قال:
«من ترك الصلاة سكرا مرة واحدة، فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها، ومن ترك الصلاة سكرا أربع مرات كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال». قيل: وما طينة الخبال؟ قال: «عصارة أهل جهنم».
ص- روى أحمد وأبو داود ... عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «كل مخمّر خمر، وكلّ مسكر حرام. ومن شرب مسكرا بخست صلاته أربعين صباحا، فإن تاب، تاب الله عليه- فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينه الخبال قيل وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: صديد أهل النار، ومن سقاه صغيرا لا يعرف حلاله من حرامه كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال». تفرّد به أبو داود.
ق- روى الشافعي ﵀ .. عن ابن عمر: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب حرمها في الآخرة». أخرجه البخاريّ ومسلم.
ر- روى مسلم ... عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة».
ش- روى أحمد ... عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة منّان ولا عاقّ ولا مدمن خمر».
ت- روى البيهقي ... عن عثمان بن عفان قال: اجتنبوا الخمر فإنّها أمّ الخبائث، إنّه كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبّد ويعتزل الناس، فعلقته امرأة غويّة، فأرسلت إليه جاريتها فقالت ندعوك لشهادة، فدخل معها، فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطيّة خمر، فقالت. إني والله ما دعوتك لشهادة، ولكني دعوتك لتقع عليّ أو تقتل هذا الغلام، أو تشرب هذا الخمر، فسقته كأسا فقال: زيدوني، فلم يرم حتى وقع عليها، وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر، فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبدا إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه. وهذا إسناد صحيح.
стр. 1458
ث- في الصحيحين: عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق سرقة حين يسرقها وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن».
خ- روى الإمام أحمد .. عن أسماء بنت يزيد أنّها سمعت النبي ﷺ يقول: «من شرب الخمر لم يرض عنه الله أربعين ليلة، إن مات، مات كافرا، وإن تاب تاب الله عليه؛ وإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال» قالت، قلت: يا رسول الله وما طينة الخبال؟. قال: «صديد أهل النار».
٢ - [تعريف الميسر وحكمة تحريمه]
الميسر: هو القمار، ويدخل فيه أصناف كثيرة، ونوادي القمار في العالم تفنّنت في ابتداع أنواع منه، كما أنّ كثيرا من المؤسسات تقوم على القمار من اليانصيب، إلى سباق الخيل. وللأئمة كلام كثير في الميسر وما يدخل فيه، ومن كلامهم: كل شئ من القمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز، حتى الكعاب، والجوز، والبيض التي تلعب بها الصبيان، ومن كلام الأعرج الميسر الضرب بالقداح على الأموال والثمار. وقال القاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ذكر الله، وعن الصلاة فهو من الميسر، ويدخل في الميسر المحرّم أنواع من اللعب ولو لم تكن على مال ومن ذلك اللعب بالنّرد. ففي صحيح مسلم «قال رسول الله ﷺ : من لعب النّردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه». وفي موطأ مالك ومسند أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه قال: قال رسول الله ﷺ : «من لعب بالنّرد فقد عصى الله ورسوله». وروى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قوله: «مثل الذي يلعب بالنّرد ثمّ يقوم فيصلي مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثمّ يقوم فيصلّي». وروى عبد الله عن الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قوله: «إياكم وهاتان الكعبتان الموسومتان (أي فصا النرد) اللتان تزجران زجرا فإنهّما ميسر العجم». وأما الشّطرنج. فقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنّه قال: الشطرنج من الميسر رواه ابن أبي حاتم. وقال عبد الله بن عمر إنه شرّ من النّرد ونصّ على تحريمه مالك وأبو حنيفة وأحمد، وكرهه الشافعي ﵀ كراهة تنزيهية إذا لم يله عن واجب ولم يكثر حتى يلهي عن ذكر الله، وإذا كان الهدف منه مران التفكير، قال الحنفية: وكره تحريما اللعب بالنرد- الطاولة- والشطرنج والمنقلة الصينية والدحل والكعب والورق المنقش الذي يسميه العامة (شدّة) ونحو ذلك وإن لم يقامر. وأباح أبو يوسف الشطرنج إذا لم يقامر به ولم يداوم، ولم يخل
стр. 1459
بواجب كتأخير صلاة، ولم يكثر الحلف عليه.
والحكمة في تحريم الميسر هي ما ذكره الله من كونه يثير البغضاء، ويصدّ عن ذكر الله، وهو يحطم الأعصاب، ويذهب المال، وينقل الملكية نقلا غير معقول، ويقلل
الإنتاج العام للأمة.
٣ - [سبب نزول لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ .. الآية (٩٣)]
في سبب نزول الآية الأخيرة يروي الإمام أحمد عن ابن عباس قال: لما حرّمت الخمر قال ناس: يا رسول الله أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها فأنزل الله لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا .... إلى آخر الآية، ولمّا حولت القبلة قال ناس يا رسول الله: إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس فأنزل الله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ .... وروى الإمام مسلم والترمذي والنسائي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: لما نزلت لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا إلى قوله تعالى وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فقال النبي ﷺ : «قيل لي أنت منهم». ومن أحقّ برسول الله ﷺ أن يكون منهم؟
٤ - [المقطع يعمق معاني الهداية والضلال]
في الفقرة الأولى من هذا المقطع نهينا عن تحريم ما أحل الله، وعن الاعتداء، وفي هذه الفقرة نهينا عن الخمر والميسر، وفي كل نهينا عن نوع من أنواع الفساد في الأرض. وفي الانتهاء موافقة الميثاق الذي أخذ علينا. وفي مقام الشكر والإحسان ما يرشحنا للاهتداء بهدي الله. وفي الاعتداء ما يرشحنا للضلال. ومن ثم نجد هذا المقطع يعمّق ما به نستحق الهداية، ويحرّرنا مما به نستحق الضلال.
كلمة في السياق
بدأ المقطع بالنهي عن تحريم ما أحل الله لنا من الطيبات، وثنى في فقرته الثانية بتبيان أنواع من الخبائث، وتنتهي الفقرة الثانية بآية تبين نفي الجناح عن المؤمنين فيما طعموا، وذلك مقدمة للكلام عن تحريم أكل صيد البر للمحرم، وعن تحليل صيد البحر له، وذلك مضمون الفقرة الثالثة، ولأن هناك ناسا تميل طبيعتهم إلى التشدّد والرغبة في الحظر فقد جاءت الفقرة الرابعة في المقطع تقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ... وهكذا تتعانق المعاني في فقرات المقطع، وتتكامل،
стр. 1460
آخذة محلها في السياق القريب والسياق العام ...
فصل في محاولة للفهم:
عند قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ قال صاحب الظلال:
«ولم أجد في أقوال المفسرين ما تستريح إليه النفس في صياغة العبارة القرآنية على هذا النحو وتكرار التقوى مرة مع الإيمان والعمل الصالح، ومرة مع الإيمان، ومرة مع الإحسان .. كذلك لم أجد في تفسيري لهذا التكرار في الطبعة الأولى من هذه الظلال ما تستريح إليه نفسي الآن .. وأحسن ما قرأت- وإن كان لا يبلغ من حسي مبلغ الارتياح- هو ما قاله ابن جرير الطبرى: «الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق والدينونة به والعمل. والاتقاء الثاني الاتقاء بالثبات على التصديق، والثالث الاتقاء بالإحسان والتقرب بالنوافل». وكان الذي ذكرته في الطبعة الأولى في هذا الموضع هو: «إنه توكيد عن طريق التفصيل بعد الإجمال فقد أجمل التقوى والإيمان والعمل الصالح في الأولى. ثم جعل التقوى مرة مع الإيمان في الثانية، ومرة مع الإحسان- وهو العمل الصالح- في الثالثة .. ذلك التوكيد مقصود هنا للاتكاء على هذا المعنى. ولإبراز ذلك القانون الثابت في تقدير الأعمال بما يصاحبها من شعور باطني. فالتقوى .. تلك الحساسية المرهفة برقابة الله، والاتصال به في كل لحظة.
والإيمان بالله والتصديق بأوامره ونواهيه. والعمل الصالح الذي هو الترجمة الظاهرة للعقيدة المستكنة. والترابط بين العقيدة الباطنة والعمل المعبر عنها .. هذه هي مناط الحكم، لا الظواهر والأشكال .. وهذه القاعدة تحتاج إلى التوكيد والتكرار والبيان».
وأنا اللحظة لا أجد في هذا القول ما يريح أيضا .. ولكنه لم يفتح عليّ بشيء آخر ..
والله المستعان».
أقول: الذي أفهمه من الآية: أنه لا جناح على من طعم الحلال إذا اجتمع له التقوى، والإيمان، والعمل الصالح، وأداه ذلك إلى الارتقاء إلى حقيقة التقوى والإيمان، ثم أداه ذلك إلى الارتقاء إلى مقام التقوى والإحسان، مما يشير إلى أن التحقق بالتقوى والإحسان هو أرقى المقامات، يليه التحقق بالتقوى والإيمان، يليه الحد الأدنى
стр. 1461
من التقوى والإيمان والعمل الصالح، فإذا كان الإنسان تقيا مؤمنا عاملا وأكل حلالا حتى ارتقى إلى حقيقة الإيمان والتقوى ثم إلى حقيقة التقوى والإحسان، فهذا لا جناح عليه فيما طعم حالا أو مآلا، أما إذا كان أكل الحلال لا يرافقه ارتقاء بل يرافقه انحدار فذلك الذي تحذّر منه الآية، فأكل الحلال يحتاج إلى شكر، وشكره الارتقاء إلى المقامات العالية من التقوى والإيمان، ثم إلى التقوى والإحسان، وعلى هذا الفهم فإن الآية تحضّ المؤمنين العاملين أن يؤدوا شكر الإطعام المباح بالارتقاء إلى المقامات العليا وتحذّر من النزول.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ معنى يبلو: يختبر وهو من الله لإظهار ما علم من العبد على ما علم، لا لعلم ما لم يعلم بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ أفاد التعبير: التقليل ليفيد أنه ليس من الفتن العظام تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ. أي: تنالونه أخذا بأيديكم يعني: صغار الصيد، وفراخه، وضعافه، وطعنا برماحكم وذلك كبار الصيد لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ
بِالْغَيْبِ
. أي: ليعلم الله خوف الخائف منه بالامتناع عن الاصطياد موجودا، كما كان يعلم قبل وجوده أنه يوجد، ليثيبه على عمله لا على علمه فيه فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ. أي: فمن صاد بعد هذا الإعلام والإنذار فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ. أي: لمخالفته أمر الله وشرعه، وقد ظهر الابتلاء هذا على أشده يوم الحديبية قال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون والابتلاء مستمر إلى يوم القيامة
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ. أي:
المصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ. أي: في حال إحرامكم أي وأنتم محرمون للحج أو للعمرة أو لهما معا وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً. أي: ذاكرا لإحرامه، أو عالما أن ما يقتله مما يحرم قتله عليه. قال النسفي: فإن قتله ناسيا لإحرامه، أو رمى صيدا وهو يظن أنه ليس بصيد فهو مخطئ، وإنما شرط التعمد في الآية مع أن محظورات الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ، لأن مورد الآية فيمن تعمّد ... ولأن الأصل فعل المتعمّد، والخطأ ملحق به للتغليظ. فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ. أي: فعليه جزاء يماثل ما قتل من الصيد. قال النسفي: وهو قيمة الصيد يقوّم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي خيّر بين أن يهدي من النّعم ما قيمته قيمة الصيد، وبين أن يشتري بقيمته طعاما فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من غيره، وإن شاء صام عن طعام كلّ مسكين يوما. وعند محمد والشافعي: مثله: نظيره من النّعم، فإن لم يوجد له نظير من
стр. 1462
النعم فكما مرّ يَحْكُمُ بِهِ. أي: بمثل ما قتل ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ. أي:
حكمان عادلان من المسلمين هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ معنى بلوغه الكعبة أن يذبح بالحرم إن كان هديا من النّعم، وأما في حالة القيمة فعند الشافعي كذلك أنّ التصدّق ينبغي أن يكون في الحرم، وعند الحنفية فحيث شاء الإنسان أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ التقدير فجزاء، أو كفارة من طعام مساكين أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً العدل ما عادل الشئ من غير جنسه، كالصوم والإطعام، والإشارة في ذلك إلى الطعام، يصوم عن إطعام كل مسكين يوما. ومذهب الحنفية قائم على التخيير بين الهدي والإطعام والصيام، والخيار في ذلك إلى القاتل عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد ﵀ إلى الحكمين لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ. أي: فعليه الجزاء بأن يكفّر أو يصوم ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام، والوبال المكروه، والضّرر الذي ينال في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ. أي: عمّا كان منكم من الصيد قبل التحريم وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ. أي: ومن عاد إلى قتل الصيد بعد التحريم، أو في ذلك الإحرام فإنّ الله هو ينتقم منه وَاللَّهُ عَزِيزٌ يلزم من شاء ما شاء ذُو انْتِقامٍ ممن جاوز حدود الإسلام
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ. أي: كل مصيدات البحر، أي كل دوابه، والحنفية لا يحلون للأكل من دواب البحر إلا السمك كبيرا أو صغيرا. ومع ذلك فقد أحلوا للمحرم صيد البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل وَطَعامُهُ قال النسفي: وما يطعم من صيده والمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكولات منه وهو السمك هذا مذهب الحنفية وأما غيرهم فقد فسر الآية بأن صيده ما أخذ منه حيا. وطعامه: ما لفظه ميتا مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ.
أي: منفعة لكم وقوتا أيها المخاطبون ولكل مسافر، أو أحل لكم تمتيعا لمقيمكم يأكله طريا ولمسافركم يتزوده قديدا وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً. أي: ما دمتم محرمين، وصيد البر أي ما صيد فيه: وهو ما يفرخ فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات كالبط فإنه بري لأنه يتولد في البر، والبحر له مرعى كما للناس متجر وَاتَّقُوا اللَّهَ أن تصطادوا في الحرم أو في الإحرام الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. أي:
تبعثون فيجزيكم على أعمالكم
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ. أي:
صيّر أو خلق الله الكعبة والبيت الحرام انتعاشا للناس في أمر دينهم، ونهوضا إلى أغراضهم في معاشهم ومعادهم، لما يتمّ من أمر حجهم وعمرتهم وأنواع منافعهم، فاقتضى ذلك أحكاما خاصة من أمثال ما مر، وكذلك وَالشَّهْرَ الْحَرامَ. أي:
стр. 1463
الشهر الذي يؤدى فيه الحج، وهو ذو الحجة لأنه مختص من بين الأشهر بإقامة موسم الحج، فاقتضى ذلك اختصاصه بأحكام خاصة منفعة ومصلحة للناس، ويحتمل أن يكون المراد بالشهر الحرام جنس الأشهر الحرم فيكون المراد رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وَالْهَدْيَ. أي: ما يهدى إلى مكة وَالْقَلائِدَ وهي البدن التي تقلّد كرمز على أنها هدي إلى الحرم، وخصّت بالذكر وهي من الهدي لأنّ الثواب فيها أكثر وبهاء الحج معها أظهر ذلِكَ إشارة إلى جعل الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد قياما للناس وما خصت به لذلك من أحكام لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. أي: لتعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السموات وما في الأرض ويملك كل ما فيهما، فيحكم ويشرع ويأمر ويحظر بعلم وحكمة، وكيف لا وهو بكل شئ عليم
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. أي: لمن استخفّ بأحكامه، ولمن استخف بالحرم والإحرام وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ومن مغفرته ورحمته أن يغفر آثام من عظّم المشاعر الحرام
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ هذا تشديد في إيجاب القيام بما أمر به، وأنّ الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ، وقامت عليكم الحجة، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ فلا يخفى عليه نفاقكم أو وفاقكم
قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ لمّا أخبر أنه يعلم ما يبدون وما يكتمون ذكر أنه لا يستوي عنده خبيثهم وطيبهم، بل يميّز بينهما فيعاقب الخبيث أي الكافر، ويثيب الطّيب أي المسلم، ولا يستوي عنده الحلال والحرام، ولا صالح العمل وطالحه، ولا جيّد النّاس ورديئهم وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ سواء كان رجالا أو مالا أو أعمالا
فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ
بإيثار الطيّب وإن قلّ، على الخبيث وإن كثر لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ دلّ هذا على أن الفلاح مقرون بإيثار ما يحبه الله.
ملاحظات حول السياق:
١ - بدأت سورة المائدة بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ.
وقد جاءت الفقرة الأولى من هذا المقطع تنهى عن تحريم ما أحل الله، وجاءت الفقرة
стр. 1464
الثانية مبينة بعض ما حرّم الله، وجاءت الفقرة الثالثة في النهي عن الصيد للمحرم، وستأتي الفقرة الرابعة وفيها تبيان ضلال أهل الجاهلية في تحريمهم بعض بهيمة الأنعام.
وهكذا نجد أن المقطع تتسلسل معانيه، وأنّها مرتبطة بالمقطع الأول من السورة مما يشعر بوحدة السورة، وارتباط أوائلها بأواخرها، فضلا عن الصّلات المتعدّدة بين كل جزء في السورة وما قبله وما بعده.
٢ - لاحظنا أن التعليل للنهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام كان لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ونلاحظ أنّ الفقرة التي نهت عن قتل الصيد للمحرم تنتهي بقوله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فالآيات تدلنا على طريق الفلاح الذي هو ضدّ الخسران فمن خالف خسر، وارتباط ذلك بمحور السورة بقوله تعالى أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ لا يخفى.
٣ - إن صيد المحرم، وشرب الخمر، ولعب الميسر، واتخاذ الأنصاب والأزلام، وتحريم ما أحل الله، له صلة بنقض العهد، ولبعضه صلة بقطع ما أمر الله به أن يوصل، ولبعضه صلة بالإفساد في الأرض، وكل ذلك لا يخفى على المتأمل.
نقول: [عن صاحب الظلال حول قوله تعالى جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ .. ]
عند قوله تعالى جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ قال صاحب الظلال:
«لقد جعل الله هذه المحرمات تشمل الإنسان والطير والحيوان والحشرات بالأمن في البيت الحرام. وفي فترة الإحرام بالنسبة للمحرم حتى وهو لم يبلغ الحرم. كما جعل الأشهر الحرم الأربعة التي لا يجوز فيها القتل ولا القتال وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثم رجب .. أقول: لقد نسخ تحريم القتل والقتال فجاز في شريعتنا القتل والقتال العادلان في الأشهر الحرم وقد ألقى الله في قلوب العرب- حتى في جاهليتهم- حرمة هذه الأشهر. فكانوا لا يروّعون فيها نفسا، ولا يطلبون فيها دما، ولا يتوقعون فيها ثأرا، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه، فكانت مجالا آمنا للسياحة والضرب في الأرض وابتغاء الرزق .. جعلها الله كذلك لأنه أراد للكعبة- بيت الله الحرام- أن تكون مثابة أمن وسلام. تقيم الناس وتقيهم الخوف والفزع.
كذلك جعل الأشهر الحرم لتكون منطقة أمن في الزمان كالكعبة منطقة أمن في المكان.
стр. 1465
ثم مد رواق الأمن خارج منطقة الزمان والمكان، فجعله حقا للهدي- وهو النعم- الذي يطلق ليبلغ الكعبة في الحج والعمرة، فلا يمسه أحد في الطريق بسوء. كما جعله لما يقلّد من الهدي معلنا احتماءه بالبيت العتيق.
«وبعد فإنها ليست منطقة الأمان في الزمان والمكان وحدهما. وليس رواق الأمن الذي يشمل الحيوان والإنسان وحدهما .. وإنما هي كذلك منطقة الأمان في الضمير البشري .. ذلك المصطرع المترامي الأطراف في أغوار النفس البشرية .. هذا المصطرع الذي يثور ويغور فيطغى بشواظه وبدخانه على المكان والزمان، وعلى الإنسان والحيوان! .. إنها منطقة السلام والسماحة في ذلك المصطرع، حتى ليتحرج المحرم أن يمدّ يده إلى الطير والحيوان .. وهما- في غير هذه المنطقة- حل للإنسان. ولكنهما هنا في المثابة الآمنة في الفترة الآمنة في النفس الآمنة .. إنها منطقة المران والتدريب للنفس البشرية لتصفو وترق وترف فتتصل بالملإ الأعلى، وتتهيأ للتعامل مع الملأ الأعلى.
ألا ما أحوج البشرية المفزعة الوجلة، المتطاحنة المتصارعة .. إلى منطقة المران التي جعلها الله للناس في هذا الدين، وبينها للناس في هذا القرآن».
ولقد بيّن- ﷻ الحكمة في جعله الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد قياما للناس بأنها ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وفي هذا المقام يقول صاحب الظلال:
«تعقيب عجيب في هذا الموضع، ولكنه مفهوم أن الله يشرع هذه الشريعة، ويقيم هذه المثابة، ليعلم الناس أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله بكل شئ عليم .. ليعلموا أنه يعلم طبائع البشر وحاجاتهم ومكنونات نفوسهم، وهتاف أرواحهم. أنه يقرر شرائعه لتلبية الطبائع والحاجات، والاستجابة للأشواق والمكنونات، فإذا أحست قلوب الناس رحمة الله في شريعته، وتذوّقت جمال هذا التطابق بينها وبين فطرتهم العميقة علموا أن الله يعلم ما في السماوات والأرض وأن الله بكل شئ عليم».
فوائد
١ - [الخلاف فيما يحرم صيده وقتله على المحرم]
فيما يحرم صيده وقتله على المحرم خلاف بين العلماء، فالشافعي يرى أنّ المحرّم هو المأكول، وما تولّد منه دون غيره، ويجوز عنده للمحرم قتل كل ما لا يؤكل لحمه
стр. 1466
ولا فرق بين صغاره وكباره، فالعلّة الجامعة كونها لا تؤكل. والجمهور على حرمة صيد ما يؤكل وما لا يؤكل ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنّ رسول الله ﷺ قال: «خمس فواسق يقتلن في الحلّ والحرم:
الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور». وقال مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «خمس من الدوابّ ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور». ورواه أيوب عن نافع عن ابن عمر مثله، قال أيوب: قلت لنافع: فالحية؟ قال: الحية لا شك فيها، ولا يختلف في قتلها، ومن العلماء كمالك وأحمد من ألحق بالكلب العقور الذئب، والسبع، والنّمر، والفهد؛ لأنها أشدّ ضررا منه. وقالوا: فإن قتل المحرم ما عداهن فداه كالضبع والثعلب والوبر (هرّ البرّ) ونحو ذلك. قال مالك: وكذا يستثنى من ذلك صغار هذه الخمس المنصوص عليها، وصغار الملحق بها من السباع العوادي.
وقال أبو حنيفة: يقتل المحرم الكلب العقور والذئب لأنه كلب برّي، فإن قتل غيرهما فداه، إلا أن يصول عليه سبع غيرهما فيقتله فلا فداء عليه، وهذا قول الأوزاعي، والحسن بن صالح: وقال زفر بن الهذيل: يفدي ما سوى ذلك، وإن صال عليه، وقال بعض الناس: المراد بالغراب هاهنا: الأبقع وهو الذي في بطنه وظهره بياض دون الأدرع وهو الأسود، والأعصم وهو الأبيض، لما رواه النسائي ... عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «خمس يقتلهن المحرم: الحية، والفأرة، والحدأة، والغراب الأبقع، والكلب العقور». والجمهور على أن المراد به أعمّ من ذلك لما ثبت في الصحيحين من إطلاق لفظه، وقال مالك ﵀: لا يقتل المحرم الغراب إلا إذا صال عليه وآذاه. وقال مجاهد بن جبر وطائفة: لا يقتله بل يرميه، ويروى مثله عن علي. وقد روى هشيم- .. عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ أنه سئل عما يقتل المحرم، فقال: «الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي». ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي:
هذا حديث حسن.
وعند ما تكون المسألة فيها أخذ ورد بين الأئمة فينبغي أن يلاحظ الإنسان ألا يقرب ما أجمعوا عليه، ثم يحتاط لدينه بمطالبته نفسه بالعزيمة، ويعذر الناس إذا أخذوا بالرّخصة أي: بالقول الأخفّ من أقوال الأئمة.
стр. 1467
٢ - [حكم العمد والنسيان في صيد المحرم]
الجمهور على أن العامد والنّاسي سواء في وجوب الجزاء على من صاد وهو محرم. وقال الزهري: دل الكتاب على العامد، وجرت السنّة على النّاسي، ومعنى هذا أنّ القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمّد وعلى تأثيمه بقوله: لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ، وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وجاءت السنة من أحكام النبي ﷺ ، وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء على الخطأ، كما دلّ الكتاب عليه في العمد. وأيضا فإنّ قتل الصيد إتلاف، والإتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمّد مأثوم، والمخطئ غير ملوم: وكثيرا ما يكون الفارق بين الخطأ والعمد لا من حيث الجزاء الدنيوي بل في الإثم والعقوبة الأخرويين.
[٣، ٤ - حكم الصحابة في جزاء صيد بعض الحيوانات]
٣ - حكم الصحابة في النّعامة ببدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الغزال بعنز.
ومن قصصهم في هذا الباب ما يلي: أخرج ابن أبي حاتم .. عن ميمون بن مهران: أنّ أعرابيا أتى أبا بكر فقال: قتلت صيدا وأنا محرم، فما ترى عليّ من الجزاء؟ فقال أبو بكر ﵁ لأبيّ بن كعب وهو جالس عنده: ما ترى فيما قال؟ فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله ﷺ أسألك. فإذا أنت تسأل غيرك؟ فقال أبو بكر: وما تنكر؟ يقول الله تعالى: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فشاورت صاحبي، حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به. وهذا إسناد جيّد لكنه منقطع. أفترى أنّ الصّديق قد بيّن له الحكم برفق وتؤدة لمّا رآه أعرابيا جاهلا، وإنما دواء الجهل التعليم، فأمّا إذا كان المعترض منسوبا إلى العلم فقد روى ابن جرير ... عن قبيصة بن جابر قال: خرجنا حجاجا فكنّا إذا صلينا الغداة اقتدنا رواحلنا فنتماشى نتحدث، قال: فبينما نحن ذات غداة إذ سنح (مرّ من اليمين إلى اليسار وعكسه: برح) لناظبي أو برح فرماه رجل كان معنا بحجر فما أخطأ حشاه، فركب وودعه ميتا، قال: فعظمنا عليه، فلما قدمنا مكة خرجت معه حتى أتينا عمر بن الخطاب ﵁، فقصّ عليه القصّة فقال: وإذا إلى جنبه رجل كأنّ وجهه قلب فضة- يعني عبد الرحمن بن عوف فالتفت عمر إلى صاحبه فكلّمه، قال: ثم أقبل على الرجل فقال: أعمدا قتلته أم خطأ؟ فقال الرجل: لقد تعمدت رميه، وما أردت قتله، فقال عمر: ما أراك إلا شركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها واستبق إهابها، قال: فقمنا من عنده، فقلت لصاحبي: أيها الرجل عظّم شعائر الله، فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها فلعل ذلك يعني أن يجزئ عنك. قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فبلغ عمر مقالتي، فلم يفجأنا منه إلا ومعه الدّرّة، قال: فعلا صاحبي
стр. 1468
ضربا بالدرة، وجعل يقول أقتلت في الحرم وسفّهت الحكم؟ قال: ثم أقبل عليّ فقلت:
يا أمير المؤمنين لا أحل لك اليوم شيئا يحرم عليك مني، فقال: يا قبيصة بن جابر إني أراك شابّ السن، فسيح الصدر، بيّن اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيئ، فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب. وروى ابن جرير ...
عن ابن جرير البجلي قال: أصبت ظبيا وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر، فقال: ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن وسعدا، فحكما عليّ بتيس أعفر. وروى ابن جرير أيضا: أن أريد (وهو ابن عبد الله البجلي) أوطأ ظبيا فقتله وهو محرم. فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي، فحكما فيه جديا قد جمع الماء والشجر (أي: رعى الماء والشجر) ثم قال عمر يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ.
٤ - لو أن الصحابة حكموا في صيد ما بمقابل، كما رأينا في حكمهم في مقابل بقرة الوحش ببقرة. هل يكتفى فيه بحكمهم، أو يحتاج القاتل إلى تحكيم مستأنف؟ قال الشافعي وأحمد: يتبع في ذلك ما حكمت به الصحابة، وجعلاه شرعا مقرّرا لا يعدل عنه، وما لم يحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى عدلين، وقال مالك وأبو حنيفة: بل يجب الحكم في كل فرد فرد، سواء وجد للصحابة في مثله حكم أم لا، لقوله تعالى:
يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ونحن لا نرغب أن نرجّح لمعرفتنا بقصورنا، ولكنّا هنا نلفت النظر إلى أنّ اشتراط التحكيم المستأنف فيه مصلحة متجدّدة، فمثلا قيمة النعامة قديما غير قيمتها حديثا.
٥ - [التخيير بين كفارات صيد المحرم]
في قوله تعالى: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ... أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً جعل مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد في المشهور عنه أن «أو» هنا للتخيير، فالقاتل مخيّر بين هذا، أو هذا، ومن الفقهاء من ذهب إلى أنّها للترتيب، فلا تصح القيمة، أو الصيام إلا في حالة كون المصيد غير مثلي، أو في حالة عدم الوجود والقدرة، والأمر فيه سعة، والمهم أن نعرف أن ذبح الهدي محله في الحرم لمن اختاره جزاء، وما سواه فيه خلاف.
٦ - [حل ميتة البحر]
روى ابن جرير أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر فقال: «إنّ البحر قد قذف حيتانا كثيرة ميتة أفنأكلها؟ فقال: لا تأكلوها. فلمّا رجع عبد الله إلى أهله أحد المصحف فقرأ سورة المائدة فأتى هذه الآية وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ فقال
стр. 1469
اذهب فقل له فليأكله، فإنّه طعامه». وقد استدلّ الجمهور على حلّ ميتة البحر بآية المائدة هذه، وبما رواه الإمام مالك بن أنس، عن جابر بن عبد الله قال: بعث رسول الله ﷺ بعثا، قبل الساحل، فأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلاثمائة وأنا فيهم، قال: فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمر، قال: فكان يقوّتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقلت: فما تغني تمرة؟ فقال: فقد وجدنا فقدها حين فنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظّرب فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت، ومرت تحتهما فلم تصبهما. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين. وفي صحيح مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر: فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا بدابّة يقال لها العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا.
نحن رسل رسول الله ﷺ ، وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنّا، لقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن، ويقتطع منه القدر كالثور، أو: كقدر الثور، قال: ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا، فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها، وتزودنا من لحمه وشائق، فلمّا قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، هل معكم من لحمه شئ فتطعمونا؟» قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله. وفي بعض روايات مسلم:
أنهم كانوا مع النّبي ﷺ حين وجدوا هذه السمكة، فقال بعضهم: هي واقعة أخرى، وقال بعضهم: بل هي قضية واحدة. ولكن كانوا أولا مع النّبي ﷺ ثمّ بعثهم سريّة مع أبي عبيدة فوجدوا هذه في سريّتهم تلك مع أبي عبيدة، والله أعلم.
وروى مالك عن أبي هريرة قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟
فقال رسول الله ﷺ هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». وقد روى هذا الحديث الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل وأهل السنن الأربعة، وصححه البخاري، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهم. وقد روي عن جماعة من الصحابة عن النّبي ﷺ بنحوه، والأدلة في أكل ميتة البحر واضحة كالشمس. ولا شك أن ما أنتن من الميتة إذا ترتب على أكله ضرر قطعي لا يجوز إلا في حالة الضرورة، وأما موضوع ما يجوز أكله
стр. 1470
من حيوان البحر وما لا يجوز. فقد رأينا أن الخلاف قائم بين من لا يجيز إلا أكل السمك وما أشبهه، ومن يجيز أكل كل دابة في البحر والأمر فيه سعة.
٧ - [حكم أكل صيد المحرم]
إذا صاد المحرم صيدا متعمدا أو مخطئا حرم عليه أكله لأنه في حقه كالميتة.
وهل هو في حق غيره من المحلين والمحرمين كذلك؟ قال مالك والشافعي في أحد قوليه ذلك، وقال آخرون بإباحته لغير القاتل سواء المحرمون والمحلون، فإن أكل الصائد المحرم الصيد أو شيئا منه هل يلزمه جزاء ثان؟ قولان للعلماء، وقال أبو حنيفة: عليه قيمة ما أكل، وأما إذا صاد حلال (غير محرم) صيدا فهل يجوز للمحرم أكله؟ ذهب ذاهبون إلى إباحة ذلك مطلقا منهم عمر بن الخطاب، والزبير، وسعيد بن جبير، والكوفيون، وذهب ذاهبون إلى كراهته، منهم علي، وابن عمر، وفصل مالك،
والشافعي، وأحمد، بين ما إذا كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد أو لا، فإن قصده لا يحلّ له، وإلا حلّ له، واستدلوا لمذهبهم بحديث الصعب بن جثامة: أنه أهدى للنبي ﷺ حمارا وحشيا، وهو بالأبواء أو بودّان، فردّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: «إنّا لم نردّه عليك إلا أنّا حرم». وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وله ألفاظ كثيرة، قالوا: فوجهه أنّ النبي ﷺ ظنّ أن هذا إنما صاده من أجله، فردّه لذلك، فأما إذا لم يقصده بالاصطياد فإنّه يجوز له الأكل منه، ويشهد لذلك حديث أبي قتادة حين صاد حمار وحش وكان حلالا لم يحرم، وكان أصحابه محرمين، فتوقفوا في أكله، ثم سألوا رسول الله ﷺ فقال: «هل كان منكم أحد أشار إليها أو أعان في قتلها؟». قالوا:
لا قال: «فكلوا». وأكل منها رسول الله ﷺ ؛ وهذه القصة ثابتة أيضا في الصحيحين بألفاظ كثيرة. وروى الإمام أحمد ... عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «صيد البر لكم حلال» قال سعيد- وأنتم حرم- ما لم تصيدوه أو يصد لكم». وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي. ورواه الشافعي ﵁ عن جابر ثم قال: وهذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس. وروى مالك ﵁ .. عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عثمان بن عفان بالعرج، وهو محرم في يوم صائف، قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان، ثم أتي بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا، فقالوا: أولا تأكل أنت؟ فقال إني لست كهيئتكم، وإنما صيد من أجلي. وبهذه المناسبة نحبّ أن نذكّر أنّ فترة الحج فترة مران على السلام الحق، ويمارس المحرم هذا السلام مع الأحياء كلها، ولكنه يقتل الفواسق حتى في حالة إحرامه كرمز
стр. 1471
على أنّه في صراع مع الشر لا يهدأ، وفي الحكم الذي ذكرناه، نلاحظ أن المسلم لا يتناقض مع نفسه، فهو لا يقتل ما حرّم عليه ثمّ يأكله، فيبني حلا على حرمة.
٨ - [فائدة عظيمة من قوله تعالى ... وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ .. ]
جاء في الحديث: «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» وروى البغوي في معجمه أنّ ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال النّبي ﷺ : قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه». نذكر هذا بمناسبة قوله تعالى: وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ.
٩ - [تعميق لقضية التقوى]
رأينا أنّ سورة المائدة امتداد لسورة النساء من حيث كونها طريقا وتعميقا لقضية التقوى، ولقد ختمت هذه الفقرة بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فلا فلاح إلا بتقوى، ولا تقوى إلا باتباع كتاب الله في كل حال.
كلمة في السياق:
بعد أن بيّن الله- أنه لا يصح لنا أن نحرّم طيبات ما أحل لنا، وبيّن لنا بعض الخبائث التي حرّمت علينا، وبعد أن ذكر أن صيد البر حال الإحرام لا يجوز- وهي حالة مستثناة من الحل العام- ينهانا في الفقرة اللاحقة أن نسأل؛ رغبة في التحريم، ويبين لنا أن ما حرّمه أهل الجاهلية على أنفسهم، من عند أنفسهم ليس حراما، بل إن ما حرّموه على أنفسهم من عند أنفسهم دليل على ضحالة العلم والعقل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ، إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ. أي: تغمّكم وتشق عليكم، إذ تؤمرون بتحمّلها فتعرّضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها، وفي هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء ممّا لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها؛ لأنّها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربّما ساءتهم، وشقّ عليهم سماعها وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ يحتمل معنيين. الأول: وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي- وهو ما دام الرسول ﷺ بين أظهركم- تبد لكم تلك التكاليف التي تسوؤكم، ويترتب على ذلك تفريط. والمعنى الثاني: أي: وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزّل الوحي على رسول الله ﷺ تبيّن لكم، وعلى هذا يكون المعنى: إن السؤال لتفهم الوحي جائز، وأما السؤال ابتداء فقد يترتب عليه ضرر عام، وهذا لا يجوز عَفَا اللَّهُ عَنْها. عفا الله عما سلف من
стр. 1472
مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ومن حلمه أنه لا يعاقبكم إلا بعد الإنذار
قَدْ سَأَلَها. أي: سأل مثل هذه المسائل قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأمم السابقة ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها. أي: بسببها كافِرِينَ كما حدث لبني إسرائيل، وعرف ذلك منهم
ما جَعَلَ اللَّهُ. أي: ما شرع ذلك، ولا أمر به، ثم بين هذا الذي لم يشرعه ولم يأمر به مِنْ بَحِيرَةٍ البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها، وامتنعوا من ركوبها، وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ولا مرعى وَلا سائِبَةٍ هي الناقة يسيبونها لآلهتهم، ويعاملونها كالبحيرة في عدم الانتفاع بها، كان الرجل منهم يقول: إذا قدمت من سفري، أو برأت من مرضي فناقتي سائبة وَلا وَصِيلَةٍ هي الشاة إذا ولدت سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكرا أكله الرجال، وإن كان أنثى أرسلت في الغنم، وكذا إن كان ذكرا وأنثى، وقالوا وصلت أخاها، فالوصيلة بمعنى الواصلة وَلا حامٍ وهو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا قد حمى ظهره فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بتحريمهم ما حرّموا ونسبتهم هذا التحريم إليه وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ فأفعالهم وتصوراتهم لا عقل فيها ولا فهم، ومن جهلهم وعدم عقلهم فإنهم كما قال الله بعد ذلك
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ. أي:
هلموا إلى حكم الله ورسوله بأن هذه الأشياء غير محرمة أو إلى حكم الله مطلقا قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا. أي: كافينا ذلك أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا
يَهْتَدُونَ
. أي: الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجّة. وآباء هؤلاء لا علم، ولا هداية، فكيف يكفيهم ما عليه آباؤهم وهم كذلك.
والسياق العام لهذه الفقرة على الشكل التالي:
نهاهم عن السؤال ابتداء، وسمح لهم بالسؤال لاستجلاء الوحي، ثمّ علّل سبب منع السؤال، ثم ابتدأ تبيان حكمه في موضوع تحريم الانتفاع في أنواع من الحيوان، ثم بيّن جهالة الجاهليين في رفضهم الاحتكام إلى الله ورسوله، واتباعهم آباءهم في القضايا غير المعقولة المعنى، والتي تدلّل على الجهل والضلال، كهذه القضية المذكورة في وسط الفقرة، وقد دلّت الآية على أن غير شرع الله لا يقوم على عقل، ولا علم، ولا هداية.
نقل وتعليق:
[نقل عن صاحب الظلال حول آية .. لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ .. ]
عند قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
стр. 1473
يقول صاحب الظلال: «إن المعرفة الغيبية في الإسلام إنما تطلب لمواجهة حاجة واقعة وفي حدود هذه الحاجة الواقعة .. فالغيب وما وراءه تصان الطاقة البشرية أن تنفق في استجلائه واستكناهه، لأن معرفته لا تواجه حاجة واقعية في حياة البشرية. وحسب القلب البشري أن يؤمن بهذا الغيب كما وصفه العليم به. فأما حين يتجاوز الإيمان به إلى البحث عن كنهه فإنه لا يصل إلى شئ أبدا، لأنه ليس مزودا بالمقدرة على استكناهه إلا في الحدود التي كشف الله عنها .. فهو جهد ضائع. فوق أنه ضرب في التيه بلا دليل، يؤدي إلى الضلال البعيد. وأما الأحكام الشرعية فتطلب ويسأل عنها عند وقوع الأقضية التي تتطلب هذه الأحكام .. وهذا هو منهج الإسلام ..
ففي طوال العهد المكي لم يتنزّل حكم شرعي تنفيذي- وإن تنزلت الأوامر والنواهي عن أشياء وأعمال- ولكن الأحكام التنفيذية كالحدود والتعازير والكفارات لم تتنزل إلا بعد قيام الدولة المسلمة التي تتولى تنفيذ هذه الأحكام.
ووعى الصدر الأول هذا المنهج واتجاهه، فلم يكونوا يفتون في مسألة إلا إذا كانت قد وقعت بالفعل، وفي حدود القضية المعروضة دون تفصيص للنصوص، ليكون للسؤال والفتوى جديّتهما وتمشيهما كذلك مع ذلك المنهج التربوي الرباني:
كان عمر بن الخطاب- ﵁ يلعن من سأل عما لم يكن .. ذكره الدارمي في مسنده .. وذكر عن الزهري قال: بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان، حدث فيه بالذي يعلم. وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون. وأسند عن عمار بن ياسر- وقد سئل عن مسألة- فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا. قال: دعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناها لكم. وقال الدارمي: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن فضيل عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوه عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، منهنّ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ .. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ..
وشبهه .. ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. وقال مالك: أدركت هذا البلد (يعني المدينة) وما عندهم علم غير الكتاب والسنة. فإذا نزلت نازلة، جمع الأمير من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه. وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله!
стр. 1474
وقال القرطبي في سياق تفسيره للآية: روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات.
وكره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» .. قال كثير من العلماء: المراد بقوله: «وكثرة السؤال»: التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطّعا، وتكلّفا فيما لم ينزل، والأغلوطات، وتشقيق المولدات. وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف. ويقولون: إذا نزلت النازلة وفّق المسئول لها ..
إنه منهج واقعي جاد. يواجه وقائع الحياة بالأحكام، المشتقة لها من أصول شريعة الله، مواجهة عملية واقعية .. مواجهة تقدر المشكلة بحجمها وشكلها وظروفها كاملة وملابساتها، ثم تقضي فيها بالحكم الذي يقابلها ويغطيها ويشملها وينطبق عليها انطباقا كاملا دقيقا .. فأما الاستفتاء عن مسائل لم تقع، فهو استفتاء عن فرض غير محدد.
وما دام غير واقع فإن تحديده غير مستطاع. والفتوى عليه حينئذ لا تطابقه لأنه فرض غير محدد. والسؤال والجواب عندئذ يحملان معنى الاستهتار بجدية الشريعة؛ كما يحملان مخالفة للمنهج الإسلامي القويم. ومثله الاستفتاء عن أحكام شريعة الله في أرض لا تقام فيها شريعة الله لغير التفقه، والفتوى على هذا الأساس لغير مريد العمل!! إن شريعة الله لا تستفتى إلا ليطبق حكمها وينفذ .. فإذا كان المستفتي والمفتي كلاهما يعلمان أنهما في أرض لا تقيم شريعة، ولا تعترف بسلطان الله في الأرض وفي نظام المجتمع وفي حياة الناس .. أي: لا تعترف بألوهية الله في هذه الأرض ولا تخضع لحكمه ولا تدين لسلطانه .. فما استفتاء المستفتي؟ وما فتوى المفتي؟ إنهما- كليهما- يرخصان شريعة الله، ويستهتران بها، شاعرين أو غير شاعرين سواء! ومثله تلك الدراسات النظرية المجردة لفقه الفروع وأحكامه في الجوانب غير المطبقة .. إنها دراسة للتلهية! لمجرد الإيهام بأن لهذا الفقه مكانا في هذه الأرض التي تدرسه في معاهدها ولا تطبقه في محاكمها! وهو إيهام يبوء بالإثم من يشارك فيه، ليخدّر مشاعر الناس بهذا الإيهام! إن هذا الدين جد. وقد جاء ليحكم الحياة. جاء ليعبّد الناس لله وحده، وينزع من المغتصبين لسلطان الله هذا السلطان فيرد الأمر كله إلى شريعة الله لا إلى شرع أحد سواه .. وجاءت هذه الشريعة لتحكم الحياة كلها، ولتواجه بأحكام الله حاجات الحياة الواقعية وقضاياها، ولتدلي بحكم الله في الواقعة حين
تقع بقدر حجمها وشكلها وملابساتها. ولم يجئ هذا الدين ليكون مجرد شارة أو شعار. ولا لتكون شريعته
стр. 1475
موضوع دراسة نظرية لا علاقة لها بواقع الحياة. ولا لتعيش مع الفروض التي لم تقع، وتضع لهذه الفروض الطائرة أحكاما فقهية في الهواء!.
هذا هو جدّ الإسلام. وهذا هو منهج الإسلام. فمن شاء من «علماء» هذا الدين أن يتبع منهجه بهذا الجد فليطلب تحكيم شريعة الله في واقع الحياة. أو على الأقل فليسكت عن الفتوى والقذف بالأحكام في الهواء!.
تعليق: [المؤلف على كلام صاحب الظلال وبيان أهمية دراسة الفقه]
أن تحاول الحركة الإسلامية تصوّر الفرعيّات التي يمكن أن تواجهها بعد خمسين عاما ثمّ تكرّس جهودها كلها من أجل ذلك فذلك استنفاد للطاقات في غير محلّها، وأن تشتغل الحركة الإسلامية أو المفتون بعمليّات التبرير للجاهلية والجاهليين فذلك عبث وهجوم على دين الله، ولكن أن يوجد المفتي القادر على أن يفتي المسلم في حياته المعاصرة فيما ينبغي فعله أو تركه في ظل الأنظمة الكافرة فذلك فرض لا بد منه، وأن تسير الحركة الإسلامية في الأوضاع المعاصرة على ضوء الفتوى المبصرة من أهلها، فذلك فرض الفروض، وأن يجيب فقهاء المسلمين خلال العصور على كل سؤال ولو كان سؤالا لا يقع إلا مرّة في العصر فذلك ليس عيبا.
ثمّ إن دراسة الفقه هي الطريقة الوحيدة لإيجاد الرّجل الفقيه، وإنّ التعرف على طرق استنباط الأحكام من خلال ما فعله علماء المسلمين خلال العصور هو الطريق العملي لإيجاد العقلية الفقهية القادرة على حلّ المشاكل اليومية.
إنّه لا بد من دراسة الفقه، ولا بد من وجود الفقيه، ولا بد من استيعاب العلوم التي يحتاجها وجود الفقيه، وكل ذلك من فروض الكفايات في الأمة، وأن يسأل المكلف عمّا يحلّ له وعمّا يحرم عليه في أي ظرف وفي أي مجتمع فهذا كذلك من الفرائض.
فما قاله صاحب الظلال ينبغي حمله على غير مثل هذه الحالات، لقد فهم الكثيرون عن صاحب الظلال ما لم يرده، فمثلا تجد بعضهم يحارب أصل دراسة الفقه اعتمادا على رأي (سيد ﵀ بينما (سيد ﵀ في أوسع ما قال «ومثله تلك الدراسات النظرية المجردة لفقه الفروع وأحكامه في الجوانب غير المطبقة» فهو يحمل على مثل هذا