Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
على أنّه في صراع مع الشر لا يهدأ، وفي الحكم الذي ذكرناه، نلاحظ أن المسلم لا يتناقض مع نفسه، فهو لا يقتل ما حرّم عليه ثمّ يأكله، فيبني حلا على حرمة.
٨ - [فائدة عظيمة من قوله تعالى ... وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ .. ]
جاء في الحديث: «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» وروى البغوي في معجمه أنّ ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال النّبي ﷺ : قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه». نذكر هذا بمناسبة قوله تعالى: وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ.
٩ - [تعميق لقضية التقوى]
رأينا أنّ سورة المائدة امتداد لسورة النساء من حيث كونها طريقا وتعميقا لقضية التقوى، ولقد ختمت هذه الفقرة بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فلا فلاح إلا بتقوى، ولا تقوى إلا باتباع كتاب الله في كل حال.
كلمة في السياق:
بعد أن بيّن الله- أنه لا يصح لنا أن نحرّم طيبات ما أحل لنا، وبيّن لنا بعض الخبائث التي حرّمت علينا، وبعد أن ذكر أن صيد البر حال الإحرام لا يجوز- وهي حالة مستثناة من الحل العام- ينهانا في الفقرة اللاحقة أن نسأل؛ رغبة في التحريم، ويبين لنا أن ما حرّمه أهل الجاهلية على أنفسهم، من عند أنفسهم ليس حراما، بل إن ما حرّموه على أنفسهم من عند أنفسهم دليل على ضحالة العلم والعقل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ، إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ. أي: تغمّكم وتشق عليكم، إذ تؤمرون بتحمّلها فتعرّضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها، وفي هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء ممّا لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها؛ لأنّها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربّما ساءتهم، وشقّ عليهم سماعها وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ يحتمل معنيين. الأول: وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي- وهو ما دام الرسول ﷺ بين أظهركم- تبد لكم تلك التكاليف التي تسوؤكم، ويترتب على ذلك تفريط. والمعنى الثاني: أي: وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزّل الوحي على رسول الله ﷺ تبيّن لكم، وعلى هذا يكون المعنى: إن السؤال لتفهم الوحي جائز، وأما السؤال ابتداء فقد يترتب عليه ضرر عام، وهذا لا يجوز عَفَا اللَّهُ عَنْها. عفا الله عما سلف من
стр. 1472
مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ومن حلمه أنه لا يعاقبكم إلا بعد الإنذار
قَدْ سَأَلَها. أي: سأل مثل هذه المسائل قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأمم السابقة ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها. أي: بسببها كافِرِينَ كما حدث لبني إسرائيل، وعرف ذلك منهم
ما جَعَلَ اللَّهُ. أي: ما شرع ذلك، ولا أمر به، ثم بين هذا الذي لم يشرعه ولم يأمر به مِنْ بَحِيرَةٍ البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها، وامتنعوا من ركوبها، وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ولا مرعى وَلا سائِبَةٍ هي الناقة يسيبونها لآلهتهم، ويعاملونها كالبحيرة في عدم الانتفاع بها، كان الرجل منهم يقول: إذا قدمت من سفري، أو برأت من مرضي فناقتي سائبة وَلا وَصِيلَةٍ هي الشاة إذا ولدت سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكرا أكله الرجال، وإن كان أنثى أرسلت في الغنم، وكذا إن كان ذكرا وأنثى، وقالوا وصلت أخاها، فالوصيلة بمعنى الواصلة وَلا حامٍ وهو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا قد حمى ظهره فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بتحريمهم ما حرّموا ونسبتهم هذا التحريم إليه وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ فأفعالهم وتصوراتهم لا عقل فيها ولا فهم، ومن جهلهم وعدم عقلهم فإنهم كما قال الله بعد ذلك
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ. أي:
هلموا إلى حكم الله ورسوله بأن هذه الأشياء غير محرمة أو إلى حكم الله مطلقا قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا. أي: كافينا ذلك أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا
يَهْتَدُونَ
. أي: الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجّة. وآباء هؤلاء لا علم، ولا هداية، فكيف يكفيهم ما عليه آباؤهم وهم كذلك.
والسياق العام لهذه الفقرة على الشكل التالي:
نهاهم عن السؤال ابتداء، وسمح لهم بالسؤال لاستجلاء الوحي، ثمّ علّل سبب منع السؤال، ثم ابتدأ تبيان حكمه في موضوع تحريم الانتفاع في أنواع من الحيوان، ثم بيّن جهالة الجاهليين في رفضهم الاحتكام إلى الله ورسوله، واتباعهم آباءهم في القضايا غير المعقولة المعنى، والتي تدلّل على الجهل والضلال، كهذه القضية المذكورة في وسط الفقرة، وقد دلّت الآية على أن غير شرع الله لا يقوم على عقل، ولا علم، ولا هداية.
نقل وتعليق:
[نقل عن صاحب الظلال حول آية .. لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ .. ]
عند قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
стр. 1473
يقول صاحب الظلال: «إن المعرفة الغيبية في الإسلام إنما تطلب لمواجهة حاجة واقعة وفي حدود هذه الحاجة الواقعة .. فالغيب وما وراءه تصان الطاقة البشرية أن تنفق في استجلائه واستكناهه، لأن معرفته لا تواجه حاجة واقعية في حياة البشرية. وحسب القلب البشري أن يؤمن بهذا الغيب كما وصفه العليم به. فأما حين يتجاوز الإيمان به إلى البحث عن كنهه فإنه لا يصل إلى شئ أبدا، لأنه ليس مزودا بالمقدرة على استكناهه إلا في الحدود التي كشف الله عنها .. فهو جهد ضائع. فوق أنه ضرب في التيه بلا دليل، يؤدي إلى الضلال البعيد. وأما الأحكام الشرعية فتطلب ويسأل عنها عند وقوع الأقضية التي تتطلب هذه الأحكام .. وهذا هو منهج الإسلام ..
ففي طوال العهد المكي لم يتنزّل حكم شرعي تنفيذي- وإن تنزلت الأوامر والنواهي عن أشياء وأعمال- ولكن الأحكام التنفيذية كالحدود والتعازير والكفارات لم تتنزل إلا بعد قيام الدولة المسلمة التي تتولى تنفيذ هذه الأحكام.
ووعى الصدر الأول هذا المنهج واتجاهه، فلم يكونوا يفتون في مسألة إلا إذا كانت قد وقعت بالفعل، وفي حدود القضية المعروضة دون تفصيص للنصوص، ليكون للسؤال والفتوى جديّتهما وتمشيهما كذلك مع ذلك المنهج التربوي الرباني:
كان عمر بن الخطاب- ﵁ يلعن من سأل عما لم يكن .. ذكره الدارمي في مسنده .. وذكر عن الزهري قال: بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان، حدث فيه بالذي يعلم. وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون. وأسند عن عمار بن ياسر- وقد سئل عن مسألة- فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا. قال: دعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناها لكم. وقال الدارمي: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن فضيل عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوه عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، منهنّ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ .. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ..
وشبهه .. ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. وقال مالك: أدركت هذا البلد (يعني المدينة) وما عندهم علم غير الكتاب والسنة. فإذا نزلت نازلة، جمع الأمير من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه. وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله!
стр. 1474
وقال القرطبي في سياق تفسيره للآية: روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات.
وكره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» .. قال كثير من العلماء: المراد بقوله: «وكثرة السؤال»: التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطّعا، وتكلّفا فيما لم ينزل، والأغلوطات، وتشقيق المولدات. وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف. ويقولون: إذا نزلت النازلة وفّق المسئول لها ..
إنه منهج واقعي جاد. يواجه وقائع الحياة بالأحكام، المشتقة لها من أصول شريعة الله، مواجهة عملية واقعية .. مواجهة تقدر المشكلة بحجمها وشكلها وظروفها كاملة وملابساتها، ثم تقضي فيها بالحكم الذي يقابلها ويغطيها ويشملها وينطبق عليها انطباقا كاملا دقيقا .. فأما الاستفتاء عن مسائل لم تقع، فهو استفتاء عن فرض غير محدد.
وما دام غير واقع فإن تحديده غير مستطاع. والفتوى عليه حينئذ لا تطابقه لأنه فرض غير محدد. والسؤال والجواب عندئذ يحملان معنى الاستهتار بجدية الشريعة؛ كما يحملان مخالفة للمنهج الإسلامي القويم. ومثله الاستفتاء عن أحكام شريعة الله في أرض لا تقام فيها شريعة الله لغير التفقه، والفتوى على هذا الأساس لغير مريد العمل!! إن شريعة الله لا تستفتى إلا ليطبق حكمها وينفذ .. فإذا كان المستفتي والمفتي كلاهما يعلمان أنهما في أرض لا تقيم شريعة، ولا تعترف بسلطان الله في الأرض وفي نظام المجتمع وفي حياة الناس .. أي: لا تعترف بألوهية الله في هذه الأرض ولا تخضع لحكمه ولا تدين لسلطانه .. فما استفتاء المستفتي؟ وما فتوى المفتي؟ إنهما- كليهما- يرخصان شريعة الله، ويستهتران بها، شاعرين أو غير شاعرين سواء! ومثله تلك الدراسات النظرية المجردة لفقه الفروع وأحكامه في الجوانب غير المطبقة .. إنها دراسة للتلهية! لمجرد الإيهام بأن لهذا الفقه مكانا في هذه الأرض التي تدرسه في معاهدها ولا تطبقه في محاكمها! وهو إيهام يبوء بالإثم من يشارك فيه، ليخدّر مشاعر الناس بهذا الإيهام! إن هذا الدين جد. وقد جاء ليحكم الحياة. جاء ليعبّد الناس لله وحده، وينزع من المغتصبين لسلطان الله هذا السلطان فيرد الأمر كله إلى شريعة الله لا إلى شرع أحد سواه .. وجاءت هذه الشريعة لتحكم الحياة كلها، ولتواجه بأحكام الله حاجات الحياة الواقعية وقضاياها، ولتدلي بحكم الله في الواقعة حين
تقع بقدر حجمها وشكلها وملابساتها. ولم يجئ هذا الدين ليكون مجرد شارة أو شعار. ولا لتكون شريعته
стр. 1475
موضوع دراسة نظرية لا علاقة لها بواقع الحياة. ولا لتعيش مع الفروض التي لم تقع، وتضع لهذه الفروض الطائرة أحكاما فقهية في الهواء!.
هذا هو جدّ الإسلام. وهذا هو منهج الإسلام. فمن شاء من «علماء» هذا الدين أن يتبع منهجه بهذا الجد فليطلب تحكيم شريعة الله في واقع الحياة. أو على الأقل فليسكت عن الفتوى والقذف بالأحكام في الهواء!.
تعليق: [المؤلف على كلام صاحب الظلال وبيان أهمية دراسة الفقه]
أن تحاول الحركة الإسلامية تصوّر الفرعيّات التي يمكن أن تواجهها بعد خمسين عاما ثمّ تكرّس جهودها كلها من أجل ذلك فذلك استنفاد للطاقات في غير محلّها، وأن تشتغل الحركة الإسلامية أو المفتون بعمليّات التبرير للجاهلية والجاهليين فذلك عبث وهجوم على دين الله، ولكن أن يوجد المفتي القادر على أن يفتي المسلم في حياته المعاصرة فيما ينبغي فعله أو تركه في ظل الأنظمة الكافرة فذلك فرض لا بد منه، وأن تسير الحركة الإسلامية في الأوضاع المعاصرة على ضوء الفتوى المبصرة من أهلها، فذلك فرض الفروض، وأن يجيب فقهاء المسلمين خلال العصور على كل سؤال ولو كان سؤالا لا يقع إلا مرّة في العصر فذلك ليس عيبا.
ثمّ إن دراسة الفقه هي الطريقة الوحيدة لإيجاد الرّجل الفقيه، وإنّ التعرف على طرق استنباط الأحكام من خلال ما فعله علماء المسلمين خلال العصور هو الطريق العملي لإيجاد العقلية الفقهية القادرة على حلّ المشاكل اليومية.
إنّه لا بد من دراسة الفقه، ولا بد من وجود الفقيه، ولا بد من استيعاب العلوم التي يحتاجها وجود الفقيه، وكل ذلك من فروض الكفايات في الأمة، وأن يسأل المكلف عمّا يحلّ له وعمّا يحرم عليه في أي ظرف وفي أي مجتمع فهذا كذلك من الفرائض.
فما قاله صاحب الظلال ينبغي حمله على غير مثل هذه الحالات، لقد فهم الكثيرون عن صاحب الظلال ما لم يرده، فمثلا تجد بعضهم يحارب أصل دراسة الفقه اعتمادا على رأي (سيد ﵀ بينما (سيد ﵀ في أوسع ما قال «ومثله تلك الدراسات النظرية المجردة لفقه الفروع وأحكامه في الجوانب غير المطبقة» فهو يحمل على مثل هذا
стр. 1476
ونحن نعتبر حملته هذه نفسها خطا ففي الحديث «ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل خير من أن تصلي ألف ركعة» إن دراسة كل أبواب الفقه جزء من عملية إبقاء الإسلام كله حيا.
فوائد: [حول قوله تعالى ... لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ .. ]
١ - ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالأشياء التي نهوا عن السؤال عنها الآيات والمعجزات غير أن مجموع ما ورد من أسباب نزول يدلّ على المعنى الذي اتجهنا إليه واخترناه، وهو اختيار عامّة المفسرين ولنذكر هنا ما ورد من أسباب نزول لهذه الآية:
- روى البخاري ... عن أنس بن مالك قال: خطب النبي ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، وقال فيها: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» قال:
فغطّى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم خنين. فقال رجل: من أبي؟ قال:
«فلان». فنزلت هذه الآية: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ.
- روى ابن جرير ... عن قتادة في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ الآية، قال: فحدثنا أن أنس بن مالك حدّثه أنّ رسول الله ﷺ سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال: «لا تسألوني اليوم عن شئ إلا بيّنته لكم» فأشفق أصحاب رسول الله ﷺ أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يمينا ولا شمالا إلا وجدت كلّا لافّ رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحي فيدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبيّ الله من أبي؟ قال: «أبوك حذافة» قال: ثم قام عمر، أو قال فأنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا عائذا بالله-، أو قال: أعوذ بالله- من شر الفتن، قال: وقال رسول الله ﷺ «لم أر في الخير والشر كاليوم قط، صوّرت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط».
- روى البخاري ... عن ابن عباس ﵄ قال: كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟. ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟
فأنزل الله فيهم هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ
стр. 1477
تَسُؤْكُمْ حتى فرغ من الآية كلها. تفرد به البخاري.
- روى الإمام أحمد ... عن عليّ قال: لمّا نزلت هذه الآية وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت، قال: فقالوا: أفي كل عام؟ فقال: «لا، ولو قلت نعم لوجبت،». فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ الآية. وكذا رواه الترمذي وابن ماجه.
وممّا يعين على فهم معنى هذه الآية الأحاديث الثلاثة الآتية:
- روى البخاري ومسلم عن رسول الله ﷺ : «أعظم المسلمين جرما من سأل عن شئ لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته».
- وفي صحيح مسلم عن رسول الله أنّه ﷺ قال: «ذروني ما تركتكم، فإنّما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم».
- وفي الحديث الصحيح أيضا: «إنّ الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدودا فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تسألوا عنها». من النصوص المذكورة سابقا نستطيع أن نحصي عددا من الحالات التي نهي المسلمون أن يسألوا عنها:
- السؤال استهزاء، والسؤال عن غير ما هو ديني، والسؤال عن أمر ذي طابع خاص ويريد صاحبه أن يقحم رسول الله ﷺ فيه، والسؤال عمّا يسوء وليس من باب الديانات، والسؤال الذي يترتب عليه تضييق على المسلمين، أو يدلّ على غلو عند صاحبه، والسؤال عمّا سكت الله عنه، والسؤال الذي فيه طابع الجدل والمماحكة، وقد قررنا القاعدة من قبل وهي عدم ابتداء الرسول ﷺ بالسؤال عن شئ جديد، وجواز الاستيضاح عن شئ نزل من الوحي، أو تقرّر من الدين بقصد الفهم والعمل.
٢ - قد يتساءل متسائل عن بداية وجود ما ذكر الله من أمر البحيرة وغيرها وفي النصوص التالية بيان: روى البخاري ... أنّ عائشة ﵂ قالت: قال رسول
стр. 1478
الله ﷺ : «رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا، ورأيت عمرا يجر قصبه، وهو أوّل من سيّب السوائب». تفرّد به البخاري.
وروى ابن جرير عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون: «يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجرّ قصبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك»؟ فقال أكثم: تخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غيّر دين إبراهيم، وبحّر البحيرة، وسيّب السائبة، وحمى الحامي».
وروى الإمام أحمد ... عن عبد الله بن مسعود عن النّبي ﷺ قال: «إنّ أوّل من سيّب السوائب، وعبد الأصنام، أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإنّي رأيته، يجرّ أمعاءه في النّار» تفرّد به أحمد.
فعمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة، أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم، وكان أول من غيّر دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرّعاع من النّاس إلى عبادتها، والتقرّب بها. وشرع هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، ومن هذه النصوص، ومن الآية الواردة في هذا الموضوع، نعرف أنّ تحريم الحلال في الشريعة الإسلامية كتحليل الحرام كلاهما كفر وضلال، وكلامنا في الحرام القطعي، أو في الحلال القطعي، ومن هنا نفهم خطأ الذين يسارعون إلى التحليل والتحريم من عند أنفسهم دون علم. فما أجرأ هؤلاء على النار، وإنّا لنرى في عصرنا ناسا يهجمون على الفتوى في أمور من عند أنفسهم لو عرضت على مالك أو أحمد أو الشافعي لبقي الشهور يفكر فيها وهم يفتون فيها دون تفكير أصلا.
٣ - روى ابن أبي حاتم ... عن مالك بن نضلة قال: أتيت النبي ﷺ في خلقان من الثياب فقال لي: «هل لك من مال؟» قلت: نعم، قال: «من أي المال؟» قال: فقلت: من كلّ المال من الإبل والغنم والخيل والرقيق، قال: فإذا آتاك الله مالا فلير عليك». ثم قال: تنتج إبلك وافية آذانها؟ قال: قلت نعم، قال: وهل تنتج الإبل إلا كذلك؟ قال: «فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها، وتقول: هذه بحيرة. وتشق آذان طائفة منها، وتقول: هذه حرم». قلت: نعم، قال: «فلا
стр. 1479
تفعل. إن كل ما آتاك الله لك حل». ثم قال: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ. من هذا النّص ندرك جهل أهل الجاهلية حيث حاولوا شكر النّعمة عن غير طريق الشكر، كما ندرك أن طريق الشكر هو التزام أمر الله، وهو في هذا المقام أن يدفع الإنسان زكاة ماله للفقراء، أو يمنح شيئا منه للمحتاجين، أو يوسّع على نفسه وعلى الناس فيه.
٤ - قد يتساءل متسائل عن الصلة بين هذه الفقرة التي مرّت معنا وبين ما قبلها وما بعدها؟ والجواب: في هذا المقطع يقرر الله أحكاما متعددة، فإن يأتي خلال هذا المقطع ما يحجر السؤال عن المسكوت عنه، ويبيح السؤال عما نزل، فذلك شئ منسجم مع ما قبله وما بعده، وأن يقرّر خلال ذلك حكم ما حرمه الجاهليون على أنفسهم، وأن يسفه فعلهم في مقطع يبدأ بالنهي عن تحريم الطيبات، كل ذلك واضح الصّلات، وفي هذه الفقرة التي تمنع السؤال المتعنّت وتقرر الحكم النهائي في تسفيه عادة جاهلية، أن يسفّه المقلدون للآباء تقليدا أعمى، كل ذلك ينسجم مع جو المقطع، وفي مقطع هو جزء من سورة المائدة التي تعمّق معنى التسليم لله والإيمان به والاهتداء بكتابه أن تأتي فقرة تمنع السؤال، وتقرّر الأحكام، وتسفّه تقليد الضلّال والجهال، كل ذلك سائر على نسق يكمّل بعضه بعضا.
كلمة في السياق:
لنتذكّر أن محور سورة المائدة من سورة البقرة هما الآيتان المبدوءتان بقوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ... ولنتذكر أن في هاتين الآيتين يرد قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ... وقد رأينا أن سورة المائدة وضّحت الكثير من معالم طريق الهدى، وحدّدت الكثير من صفات المهتدين وبيّنت طريق الضلال، وحدّدت صفات الذين يستحقون الضلال، وقد سارت السورة موضحة هذا وذاك، فإذا استقرت المعالم فقد آن الأوان ليبيّن لأهل الإسلام أنّ ضلال الضالين لا يضرّ المهتدين، وهذا هو مضمون الآية اللاحقة التي تشكّل فقرة برأسها، وهي الفقرة الخامسة في المقطع السابع الذي هو المقطع الثاني في القسم الثالث من السورة، وسنرى محلّ الفقرة في سياق المقطع والقسم وهي:
стр. 1480
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ الزموا إصلاح أنفسكم أي: عليكم أنفسكم وما كلّفتم من إصلاحها لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ. أي: لا يضرّكم الضلّال عن دينكم إذا كنتم مهتدين وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن تركهما مع القدرة عليهما لا يجوز إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. أي: المهتدون والضالون راجعون إلى الله، وهو سيخبر الجميع بأعمالهم، ويحاسبهم عليها، ثم يجزي الجميع على أعمالهم.
فائدة: [الفهم الصحيح لقوله تعالى ... عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ .. ]
من المهم جدا أن نعرف فهم السلف ﵃ لهذه الآية، فإنّ فهمهم لها عاصم من الغلو والخطأ: روى الإمام أحمد ﵀ ... أنّ أبا بكر الصدّيق ﵁ قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيّها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك الله- أن يعمّهم بعقابه»، وقال أبو بكر: يا أيها الناس إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب الإيمان. وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه. وروى أبو عيسى الترمذي ... عن أبي أمية الشعباني قال:
أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أيّة آية، قلت:
قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال:
«بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحّا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإنّ من ورائكم أياما، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رجلا يعملون كعملكم» وزاد بعضهم: قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: «بل أجر خمسين منكم». ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب صحيح.
وقال عبد الرزاق ... أن ابن مسعود ﵁ سأله رجل عن قول الله تعالى:
стр. 1481
عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فقال: إن هذا ليس بزمانها، إنّها اليوم مقبولة: ولكنّه قد يوشك أن يأتي زمانها، تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا، أو قال: فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ.
وروى أبو جعفر الرازي، ... عن ابن مسعود في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ الآية. قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسا، فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كلّ واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإن الله يقول: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ الآية. قال: فسمعهما ابن مسعود فقال: مه، لم يجئ تأويل هذه بعد، إنّ القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله ﷺ . ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي ﷺ بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن اليوم، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب ما ذكر من حساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء. وألبستم شيعا، أو ذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، وعند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية.
وروى ابن جرير ... عن سفيان بن عقال، قال: قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فإن الله قال: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي، لأنّ رسول الله ﷺ قال:
«ألا فليبلّغ الشاهد الغائب» فكنا نحن الشهود، وأنتم الغيّب، ولكنّ هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم.
وروى ابن جرير أيضا ... عن سوار بن شبيب قال: كنت عند ابن عمر إذ أتاه رجل جليد في العين، شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، نفر ستة، كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه، وكلهم مجتهد لا يألوا، وكلهم بغيض إليه أن يأتي دناءة إلّا الخير، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك، فقال رجل من القوم: وأي دناءة تريد أكثر من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك، فقال الرجل: إني لست إياك
стр. 1482
أسأل، وإنما أسأل الشيخ، فأعاد على عبد الله الحديث فقال عبد الله: لعلك ترى لا أبا لك أني سآمرك أن تذهب فتقتلهم، عظهم وانههم، وإن عصوك فعليك نفسك، فإنّ الله- يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ الآية.
وروى أيضا .. عن أبي مازن قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم من المسلمين جلوس. فقرأ أحدهم هذه الآية عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم. وروى أيضا ... عن جبير بن نفير قال:
كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله ﷺ وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ؟ فأقبلوا عليّ بلسان واحد وقالوا: تنزع آية من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها!! فتمنّيت أنّي لم أكن تكلّمت، وأقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حدث السن، وإنك نزعت آية ولا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان: إذا رأيت شحّا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك لا يضرّك من ضل إذا اهتديت. وروي أيضا ... أنّ الحسن تلا هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فقال الحسن: الحمد لله بها، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله.
وروي أيضا أن سعيد بن المسيّب قال: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فلا يضرّك من ضل إذا اهتديت. وكذا قال غير واحد من السلف. والذي نقوله تعليقا على هذا كله:
١ - أن الجماعة المسلمة متكاتفة متضامنة، ومن مظاهر تكاتفها: تواصيها بالحق والصبر، وأمرها لبعضها بالمعروف، وتناهيها عن المنكر، فإذا حققت هذا لا يضرها من ضلّ إذا اهتدت، ولكنها إذا تركت التواصي بالحق والصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تكون مهتدية.
٢ - إن من الهداية الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير، فمن لم يفعل هذا يكون قد ترك من الهدى، فالآية لا تفيد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الأمر بالمعروف جزء من الهداية.
ولكن قال الفقهاء إذا ترجح لديك عدم فائدة الأمر بالمعروف، فلا يجب عليك
стр. 1483
الأمر بالمعروف، وإذا لاحظنا السياق والآية التي قبل هذه الآية ندرك أن الكلام في حالة هي: عند ما يصرّ الكافرون على التقليد، وندعوهم فلا يستجيبون، فإنّ ضلالهم لا يضرّنا عند الله.
كلمة في السياق:
١ - جاءت هذه الآية في سياق القسم المبدوء بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وهذا يفيد أنّ من جملة المعاني التي أمر رسول الله ﷺ أن يبلغها المؤمنين هذا المعنى، وهو أن على أهل الإيمان أن يبذلوا جهدهم كاملا في إصلاح أنفسهم، وأخذها بأسباب الهداية، وأنهم إن فعلوا ذلك لن يضرّهم ضلال الضلّال.
٢ - جاء قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ... بعد فقرات النّهي عن تحريم الطيبات، وتبيان بعض المحرمات، وبعد النهي عن صيد البر للمحرم، وبعد النهي عن السؤال المتعنت، مما يشير إلى أن هذه المعاني من الهداية التي ينبغي أن يأخذ المسلم نفسه بها، وأنه إن فعلها لا يضرّه ضلال الضلّال في شأنها.
٣ - وفي سياق الآية الواعظة التي تذكّرنا بالرجوع إلى الله إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً تأتي الفقرة الخامسة والتي تحدثنا عن وصيّة المغترب إذا مات ليختم المقطع بموضوع متصل بالأيمان، التي جاء حديث عنها في بداية المقطع لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ....
٤ - لقد رأينا صلة المقطع الذي بأيدينا الآن بالمقطع الأول من السورة ومما ورد في المقطع الأول من السورة قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ والفقرة السادسة في هذا المقطع تبدأ بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ .... وقبل أن نعرض الفقرة الأخيرة في المقطع فلننقل ما قاله صاحب الظلال عن الآية التي مرّت معنا.
نقل عن آية لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
من كلام صاحب الظلال في آية عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
стр. 1484
«إن كون الأمة المسلمة مسئولة عن نفسها أمام الله لا يضيرها من ضل إذا اهتدت، لا يعني أنها غير محاسبة على التقصير بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينها أولا، ثم في الأرض جميعا. وأول المعروف الإسلام لله وتحكيم شريعته، وأول المنكر الجاهلية والاعتداء على سلطان الله وشريعته. وحكم الجاهلية هو حكم الطاغوت، والطاغوت: هو كل سلطان غير سلطان الله وحكمه .. والأمة المسلمة قوّامة على نفسها أولا، وعلى البشرية كلها أخيرا. وليس الغرض من بيان حدود التبعة في الآية كما فهم بعضهم قديما- وكما يمكن أن يفهم بعضهم حديثا- أن المؤمن الفرد غير مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- إذا اهتدى هو بذاته- ولا أن الأمة المسلمة غير مكلفة بإقامة شريعة الله في الأرض- إذا هي اهتدت بذاتها- وضل الناس من حولها. إن هذه الآية لا تسقط عن الفرد ولا عن الأمة التبعة في كفاح الشر، ومقاومة الضلال ومحاربة الطغيان- وأطغى الطغيان الاعتداء على ألوهية الله، واغتصاب سلطانه، وتعبيد الناس لشريعة غير شريعته.
«وكلا والله إن هذا الدين لا يقوم إلا بجهد وجهاد. ولا يصلح إلا بعمل وكفاح.
ولا بد لهذا الدين من أهل يبذلون جهدهم لرد الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ولتقرير ألوهية الله في الأرض، ولرد المغتصبين لسلطان الله عما اغتصبوه من هذا السلطان، ولإقامة شريعة الله في حياة الناس، وإقامة الناس عليها .. ولا بد من جهد. بالحسنى حين يكون الضالون أفرادا ضالين، يحتاجون إلى الإرشاد والإنارة، وبالقوة إن وجدت حين تكون القوة الباغية في طريق الناس هي التي تصدهم عن الهدى، وتعطل دين الله أن يوجد، وتعوق شريعة الله أن تقوم» اه
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ حضور الموت: مشارفته وظهور أماراته، والتقدير العام: شهادة بينكم حين حضور أحدكم الموت حين الوصية شهادة اثنين، وفي النّص دليل على وجوب الوصيّة ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هذه صفة للشاهدين، اشترط العدالة لهما، وأن يكونا منا، وهل المراد ب (منكم) من المسلمين، أو من أقارب الميت، ومن يلوذ به لأنهم هم الأعلم بحالات الميت، قولان للمفسرين، والجمهور على أن المراد هو الأول، أي من المسلمين أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ. أي: من غير المسلمين على القول الذي عليه الجمهور إِنْ أَنْتُمْ
стр. 1485
ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ. أي: سافرتم فيها فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ فهذان شرطان لجواز استشهاد غير المسلمين تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ أي: توقفونهما للحلف من بعد
الصلاة، لأنه وقت اجتماع الناس فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ أي:
فيحلفان بالله إن شككتم في أمانتهما، والتقدير إن ارتبتم في شأنهما فحلّفوهما لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً. أي: لا نشتري بالله، أو بالقسم عوضا من الدنيا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى. أي: ولو كان المقسم له قريبا منّا أي: لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له ذا قربى منّا وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ. أي: الشهادة التي أمر الله بحفظها وتعظيمها إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ. أي: إن كتمنا
فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً. أي: فإن اطّلع على أنّهما فعلا فعلا ما أوجب إثما واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين فَآخَرانِ. أي: فشاهدان آخران يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ. أي: من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته، والأوليان تثنية أولى، والمراد به الأحق بالشهادة لقرابة أو معرفة كأنه قيل ومن هما اللذان يشهدان الشهادة المعاكسة، فقيل الأوليان فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما. أي: ليميننا أحق بالقبول من يمين هذين الوصيّين الخائنين وَمَا اعْتَدَيْنا. أي: وما تجاوزنا الحقّ في يميننا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي: إن حلفنا كاذبين
ذلِكَ أي الحكم الذي مر ذكره أَدْنى أي أقرب أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أي: أن يأتي الشهداء على تلك الحادثة كما حملوها بلا خيانة فيها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ. أي: يتكرر أيمان شهود آخرين بعد أيمانهم فيفتضحوا بظهور كذبهم، فصار المعنى: ذلك أقرب أن تؤدوا الشهادة بالحق والصدق إما لله أو لخوف العار والافتضاح بردّ الأيمان وَاتَّقُوا اللَّهَ. أي: في الخيانة واليمين الكاذبة وَاسْمَعُوا. أي: سماع قبول وإجابة وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. أي: الخارجين عن الطاعة.
فوائد: [حول آيات الوصية وسبب نزولها]
١ - قال ابن كثير: اشتملت هذه الآية الكريمة على حكم عزيز قيل إنه منسوخ رواه العوفي عن ابن عباس. وقال حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم: إنها منسوخة، وقال آخرون وهم الأكثرون- وهو الذي رجّحه ابن جرير-: بل هو محكم ومن ادعى نسخه فعليه البيان.
стр. 1486
٢ - واختلفوا هل الاثنان شاهدان، أو وصيّان، على قولين، القول الأول:
أنهما شاهدان على الوصية، والقول الثاني أنهّما وصيّان، ومن قال إنّهما شاهدان قال:
فإن لم يكن معهما وصيّ ثالث معهما اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية والشهادة.
واختلفوا هل المراد بالصلاة المذكورة صلاة المسلمين في حالة كون الشاهدين غير المسلمين أو صلاتهما في دينهما.
٣ - وفي سبب نزول هذه الآيات يروي الترمذي وأبو داود عن ابن عباس بإسناد حسن غريب هذه الرواية، قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداريّ وعدي بن بدّاء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم. فلمّا قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ ووجدوا الجام بمكة فقيل اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما. وأن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ الآية.
وقد اجتزأنا بذكر هذه الرواية لحسن سندها، وأعرضنا عن ذكر غيرها في موضوعها مع أن فيه زيادة تفصيل لعدم الاطمئنان إلى السند مع ملاحظة اشتهار أصل القصة في الصّدر الأول، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين، وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر رواه ابن جرير، وكان تميم وصاحبه نصرانيين وقتها.
قال ابن كثير: وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري ﵁ كان سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرا يحتاج مدعي نسخه إلى فاصل في هذا المقام.
٤ - وقد روى ابن جرير بإسناد صحيح عن الشعبيّ قصة حدثت بعد رسول الله ﷺ تدلّ على أنّ هذا الحكم معمول به غير منسوخ، وهذه هي القصة:
أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا (اسم بلدة معروفة أيامها ولذلك أشار إليها بقوله) هذه، قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة فأتيا الأشعري، يعني أبا موسى الأشعري ﵁، فأخبراه، وقدما الكوفة بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، قال: فأحلفهما
стр. 1487
بعد العصر بالله ما خانا، ولا كذبا، ولا بدّلا، ولا كتما، ولا غيّرا، وإنها لوصية الرجل وتركته، قال: فأمضى شهادتهما». وقد دلّ عمل أبي موسى، وعدم إنكار الناس، ورواية الشعبي للحادثة دون نكير، على صحّة اتجاه من ذهب إلى أنّ الحكم غير منسوخ.
كلمة في السياق:
في هذا المقطع عدة فقرات كلها مبدوءة ب «يا أيها الذين آمنوا» الأولى: في النهي عن تحريم الطيبات. والثانية: في تقرير حرمة الخمر والميسر. والثالثة: في حرمة صيد المحرم. والرابعة: في النهي عن السؤال مع تقرير عدم حرمة أنواع من الأنعام. والخامسة: في التأكيد على أن هداية المهتدين لا تضر معها ضلالة الضالين. والسادسة: في طريق الوصول إلى حق وراث من مات في سفر، وما بين النهي عن تحريم الطيبات في الفقرة الأولى، وتحريم الاعتداء على ما لم يأذن به الله في الفقرة الثالثة، وتحريم السؤال المتعنت مع تبيان إباحة بعض الأنعام في الفقرة الرابعة، وتحريم أكل مال من مات في سفر في المجموعة الأخيرة، صلات واضحة، والصلة بين هذا كله وبين الإقبال على الأنفس في الهداية في الفقرة الخامسة لا تخفى. ولذلك كله صلاته بمحور السورة من البقرة فالسّورة بيّنت في قضية الهداية والضلال، وفي قضية الفسوق وأسبابه، وفي أنواع من نقض الميثاق، وفي أنواع من الإفساد في الأرض، وفي أنواع من قطع ما أمر الله به أن يوصل.
فإذا اتضح محل المقطع الأخير في السياق فلنذكر كلمة حول أقسام السورة تكون بمثابة المقدمة للكلام عن خاتمتها.
كلمة في أقسام السورة:
قلنا: إن السورة تتألف من ثلاثة أقسام وخاتمة، وقد عرضنا الأقسام الثلاثة ولم تبق إلا الخاتمة. وقد رأينا كيف أن الأقسام الثلاثة فصّلت في محور السورة، ورأينا صلاتها فيما بينها. وقد ركّز القسم الأول على الوفاء بالعقود، وترك الإفساد في الأرض، وإذ كان الناس في هذا الشأن قسمين: مهتدين، وكافرين، فقد جاء القسم الثاني لينهى رسول الله ﷺ عن الحزن على الذين يسارعون في الكفر، وركّز السياق على وصل ما
стр. 1488
أمر الله به أن يوصل. ثم جاء القسم الثالث ليطالب رسول الله ﷺ بالبلاغ بأمور عيّنها القسم، وهكذا تجد أن الأقسام تتكامل معانيها في السورة، وتتواصل، والمقاطع تتكامل معانيها وتتواصل، والفقرات تتكامل معانيها وتتواصل، وكلّ ذلك بما يكمّل معاني سورة النساء، فبين السورتين تكامل، كل ذلك والسورة مشدودة إلى محورها في سورة البقرة تفصّل فيه.
والملاحظ أن الآية الأولى في محور سورة المائدة ختمت بقوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ وأن آخر آية في القسم الثالث ختمت بقوله تعالى: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ وكما ترى فإن المعنى واحد، وسنرى كيف أن خاتمة السورة مرتبطة بما قبلها من القسم الثالث، وبما قبلها من مضمون السورة، وأنّها كذلك مرتبطة بمحور السورة من البقرة فلنر خاتمة السّورة:
خاتمة السورة تمتد خاتمة السورة من الآية (١٠٩) إلى نهاية الآية (١٢٠) وهذه هي:
٥/ ١١١ - ١٠٩
стр. 1489
٥/ ١٢٠ - ١١٢
стр. 1490
[كلمة في سياق خاتمة السورة]
- بدأ القسم الثالث بالأمر بالبلاغ، وحدّد في مقطعه الأول مضامين من البلاغ لغير المسلمين، ثم جاء المقطع الثاني في القسم فحدّد مضامين من البلاغ لأهل الإيمان، ثم جاءت خاتمة السورة لتطوي الزمن وتعرض علينا في آيتها الأولى كيف أن الله سيجمع الرّسل ﵈، ويسألهم عن جواب أقوامهم لهم، كأن هذه النّقلة تشير إلى أنّ رسول الله ﷺ قد بلّغ، وأن على الناس أن يستجيبوا، وأنّ الرسول ﷺ شهيد على الموقف، ومن بين الرّسل جميعا يخصّ المسيح ﵇ بكلام تتقرّر فيه صحة ما دعا رسول الله ﷺ إليه في شأنه مما يخدم معاني المقطع الأول في القسم الثالث ومعاني في القسمين الأول والثاني يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ؟ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ....
فالخاتمة مرتبطة بالقسم السابق عليها مباشرة، ومرتبطة بمحور السورة، وكلّ ذلك قد جاء من خلال عرض مشهد من مشاهد يوم القيامة، يعرض الله- علينا فيه حقيقة عيسى وأمّه، وحقيقة دعوته، وذلك بعد أن مر معنا أكثر من مرة كفر الذين غلوا في شأنه، فكأنّ السورة ذكرت في السياق ما يناسبه من شأن القائلين بألوهية المسيح ﵇، حتى إذا فرغت السورة من تقرير الأحكام، وبيان ما يقتضيه سياقها، خلصت إلى ذكر حقيقة المسيح وأمه ﵉، وحقيقة دعوته.
- لقد رأينا في السورة نقض اليهود والنصارى للمواثيق، ورأينا غلوّ النصارى في المسيح ﵇ وأمه في أكثر من مكان، وفي خاتمة السورة يأتي تقرير مسألة المسيح وأمه ﵉ على حقيقتها التي ينبغي أن يرجع النّاس إليها.
- قلنا عن سورة المائدة إنها استمرار لسورة النساء في كونها تفصّل هي وسورة النساء، وسورة الأنعام بعدهما، في مقطع الطريقين: الطريق إلى التقوى، والطريق إلى الكفر والنفاق. وفصّلت سورة النساء بشكل أخص في الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وفصلت سورة المائدة بشكل أخص في قوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
стр. 1491
وتأتي خاتمة سورة المائدة لتقرّر أن دعوة عيسى ﵇ هي الدعوة المحمدية نفسها: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ. فبعد أن تمّ التفصيل للطريقين في سورة النساء، وسورة المائدة، تأتي خاتمة سورة المائدة لتقرّر أن ما دعا إليه القرآن الناس جميعا، من عبادة الله وحده، هو لباب دعوة كل رسول، ومنهم عيسى ﵊.
وتأتي خاتمة سورة المائدة وفيها تقرير لحقيقة عيسى ﵇، ودعوته بين يدي سورة الأنعام التي تناقش الكافرين بكفرهم وتقيم عليهم الحجة. فكأنّ هذه الخاتمة هي الربط ما بين سورتي المائدة والنساء، وبين سورة الأنعام، وهي السور الثلاث التي تفصّل مقطعا كاملا من سورة البقرة.
- وفي الخاتمة نموذج على ناس نقضوا العهد في شأن عيسى، ونموذج على ناس وصلوا ما أمر الله به أن يوصل وهم الحواريون. وفي المقطع نموذج على صلاح المصلحين في الأرض، وفيها إعلام بما ينجي عند الله وهو الصدق، وإعلان أن المالكية لله- وهو الإعلان الذي رأيناه في أواخر سورة البقرة، وأواخر سورة
آل عمران، وهو الذي ينبغي أن يقرّ به الإنسان ليكون ممن يعبد الله وحده.
ولئن كان من خلال هذا المشهد من مشاهد يوم القيامة يتقرر: قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ فإن ذلك درس لمن يكتم شهادة الله في الدنيا، ويخون الأمانة. وصلة ذلك بالفقرة السابقة على الخاتمة واضحة، إذ هي في أداء الشهادة والأمانة.
وأن تختم السورة التي تربي على الوفاء بالعهود، ووصل ما أمر الله به أن يوصل، والإصلاح في الأرض بهذه الخاتمة التي ترينا هول المقام يوم القيامة، وشدة التدقيق حتى مع الرسل عليهم الصلاة والسلام، فذلك واضح الدلالة على أن ما طولبتم به أيها الناس، أنتم محاسبون عليه فخذوا الأمر بمنتهى القوة.
وهكذا نجد أنّ خاتمة السورة في محلّها، تؤدي أكثر من خدمة للسياق، فهي تربي على معانيها، وتكمّل معاني قسمها، وتضع الأمور في مواضعها بالنسبة لقضايا تعرّض
стр. 1492
لها سياق سورة المائدة، وهي إذ فنّدتها هناك في خطاب أهل الدنيا. فإنها هنا تعرضها والقيامة قد قامت، وهي مع ذلك ترتبط بمحور سورة المائدة من البقرة وكما أنها مقدمة لسورة الأنعام.
المعنى العام:
تبدأ خاتمة سورة المائدة بالإخبار عما يخاطب الله به المرسلين يوم القيامة، وعما أجيبوا به من أممهم الذين أرسلهم إليهم، ولهول ذلك اليوم، ولكونه موقفا تذهل فيه العقول، نفوا أن يكون لهم علم بما أجيبوا، وذلك من هول الموقف، وحسن الأدب مع الله، إذ لا علم لهم بالنسبة لعلم الله المحيط، إذ هو وحده العليم بالظواهر والبواطن. فعلم الرسل بالنسبة لعلم الله كأنه لا علم، لأن الله وحده علّام الغيوب كلها، ثمّ ذكر الله- ما منّ على عبده ورسوله عيسى ﵇ مما أجراه على يديه من المعجزات الباهرات وخوارق العادات، وأمره إياه أن يذكر نعمته عليه في خلقه إياه من أمّ بلا أب. وجعله إياه آية ودلالة قاطعة على كمال قدرته على الأشياء، وأمره أن يذكر نعمته على والدته مريم؛ حيث جعله لها برهانا على براءتها ممّا نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة، ومن أجلّ نعمه عليه التي أمره أن يتذكرها ما أيده به من جبريل ﵇، فجعله نبيا داعيا إلى الله في صغره وكبره، فأنطقه في المهد صغيرا شهد ببراءة أمّه من كل عيب، واعترف لله بالعبودية، وأخبر عن رسالته ودعوته إلى عبادته في صغره وكبره، ثمّ أمره أن يتذكر نعمة تعليمه الكتاب والتوراة، وما أكرمه به من الخوارق والمعجزات، من تصوير الطين وتشكيله على هيئة الطائر بإذن الله له في ذلك، فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله أي: فينفخ في تلك الصورة التي شكّلها بإذن الله له في ذلك فتكون طيرا ذا روح تطير بإذن الله وخلقه، ومن ذلك إبراء الأعمى والأبرص بإذن الله، ومن ذلك دعوته فيقومون أحياء بإذن الله وقدرته وإرادته ومشيئته. ثمّ أمر أن يذكر نعمته عليه في كفّه بني إسرائيل عنه حين جاءهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوته ورسالته من الله إليهم، فكذبوه واتّهموه بأنّه ساحر وسعوا في قتله وصلبه، فنجّاه منهم، ورفعه إليه، وطهّره من دنسهم، وكفاه من شرّهم، ثمّ أمره أن يذكر نعمته عليه بأن جعل له أصحابا وأنصارا، إذ ألهم حوارييه الإيمان به واتّباعه، فاستجابوا له وانقادوا وتابعوا. ثمّ ذكر الله- في هذا السياق قصة اقتراح المائدة على عيسى من قبل حوارييه وجوابه ودعاءه الله من أجلها، وردّ الله
стр. 1493
عليه، وبيان سنة الله في حالة اقتراح الآيات من قبل الناس، وكيف أنّه إن استجاب للاقتراح. ثمّ كفر أحد ممّن شاهد الآية يستحق عذابا شديدا. وهل أنزل الله المائدة، أو لم ينزلها؟ قولان للمفسرين: ففي الأسانيد الصحيحة إلى الحسن ومجاهد ما يفيد أن الحواريين بعد أن عرفوا ما يترتب على النّزول قالوا: لا حاجة لنا، فلم تنزل. وسيأتي تفصيل ذلك. وهل هذا التذكير لعيسى بنعم الله عليه بعد إصعاده إلى السماء، أو يوم القيامة. قولان للمفسرين، والسّياق يفيد الثاني:
وبعد إذ يأمر الله عيسى يوم القيامة أن يتذكّر نعمه عليه، ويعدّدها له، يخاطب عبده ورسوله عيسى قائلا له بحضرة من اتّخذه وأمّه إلهين من دون الله، هل كان ذلك بأمره؟
وفي هذا تهديد، وتوبيخ، وتقريع للنّصارى، في الدنيا والآخرة، فيجيب عيسى بكمال الأدب منزّها الله، معلنا أنه لم يكن له أن يقول مثل هذا الكلام قائلا لله- إن كان صدر مني هذا فقد علمته يا رب، فإنه لا يخفى عليك شئ مما قلته، لا أردته في نفسي، ولا أضمرته.
ثمّ ذكر أنّه ما دعاهم إلّا إلى الذي أرسله الله به، وأمره أن يبلّغه، وهو عبادة الله، وأنه كان يشهد على أعمالهم ما دام فيهم وبين أظهرهم، فلمّا رفعه الله- لم يعد إلا الله رقيبا عليهم، وهو وحده الشهيد على كل شئ، ثمّ ردّ المشيئة إلى الله في أمر تعذيبه إياهم، أو مغفرته لهم. وفي ردّه المشيئة لله في هذا المقام تبرّ من النّصارى الذين كذبوا على الله ورسوله عيسى، وجعلوا لله ندا وصاحبة وولدا. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وعندئذ يقول الله تعالى مجيبا لعبده ورسوله عيسى بن مريم فيما أنهاه إليه من التبري من النّصارى الملحدين الكاذبين على الله ورسوله، ومن ردّ المشيئة فيهم إلى ربه : مبيّنا ﷻ أن يوم القيامة هو اليوم الذي ينفع الموحدين توحيدهم، فهم وحدهم الذين يدخلهم جنته ماكثين فيها أبدا، لا يحولون ولا يزولون، ولهم من الله الرضى، وأي فوز أكبر وأعظم من هذا؟. ثم يختم الله- السورة بتبيان أن الله هو الخالق للأشياء، المالك لها، المتصرّف فيها، القادر عليها، فالجميع ملكه، وتحت قهره، وقدرته وفي مشيئته، فلا نظير، ولا وزير، ولا عديل، ولا والد، ولا ولد، ولا صاحبة، ولا إله غيره، ولا رب سواه.
وفي انتهاء سورة المائدة بهذه الخاتمة التي هي تسجيل لموقف من مواقف يوم القيامة
стр. 1494
مجموعة من الحكم العظيمة المرتبطة بسياق السورة العام، فهي من ناحية درس للنصارى الذين نقضوا عهد الله وميثاقه، ودرس للصادقين المهتدين، فإذا كان محور السورة يتحدث عما به يكون الضلال وعمّا به تكون الهداية، وإذا كانت السورة تحريرا من أسباب الضلال وتحقيقا بأسباب الهداية، فمن خلال هذا العرض لمشهد من
مشاهد يوم القيامة نعرف طريق الله، ونعرف ضلال الضالين، ونعرف طريق النجاة، وفيما سيأتي مزيد من البيان لهذه المعاني:
المعنى الحرفي:
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ الخطاب للمؤمنين أن يتذكروا أو يحذروا هذا اليوم الذي يجمع الله الرسل ويوجه لهم فيه الخطاب فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ. أي: ما الذي أجابتكم به أممكم حين دعوتموهم إلى الإيمان، وفي السؤال توبيخ لمن أنكرهم قالُوا لا عِلْمَ لَنا يحتمل أنهم قالوا ذلك تأدّبا: علمنا ساقط مع علمك سبحانك، ومغمور به فكأنه لا علم لنا، ويحتمل أن يكون المراد: لا علم لنا بإخلاص قومنا فأنت وحدك تعلم الظاهر والباطن، ويحتمل أن يكون المراد: لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا، ويحتمل أن يكون هول الموقف دعاهم إلى البراءة من علمهم، وهذا هو الذي يجمع فيه بين قولهم هذا وشهادتهم على أقوامهم. قال السدي: نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول، فلما سئلوا قالوا: لا علم لنا، ثم نزلوا منزلا آخر فشهدوا على قومهم، رواه ابن جرير إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ نفوا علمهم، ووصفوا الله بالعلم الكامل المحيط بكل شئ. ومن ذلك الغيوب كلها
إِذْ قالَ اللَّهُ. أي: في ذلك اليوم الذي يجمع فيه الرسل يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ حيث طهرتها واصطفيتها على نساء العالمين إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ. أي: إذ قوّيتك بجبريل ﵇، أيّد به لتثبت الحجة عليهم، ويحتمل أن يكون المراد بروح القدس الكلام الذي يحيا به الدّين وأضافه إلى القدس لأنه سبب الطهر من أوضار الآثام، فالقدس الطهر تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ. أي: تكلّم الناس طفلا إعجازا وَكَهْلًا. أي: وكبيرا تبلّغ النّاس دعوة الله وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ فسّرها بعضهم بالكتابة والخط، وتحتمل مطلق الكتاب أي جنسه، وتحتمل ما أطلعه الله عليه من غيوب اللوح المحفوظ وتحتمل ما افترضه الله على عباده وَالْحِكْمَةَ. أي: الكلام المحكم الصّواب، الموافق لمقتضى الحال، والمناسب للمقام وَالتَّوْراةَ كتاب موسى ﵇ وَالْإِنْجِيلَ كتابه
стр. 1495
الذي أوحاه الله إليه وَإِذْ تَخْلُقُ معطوف على ما أمر أن يتذكره من نعم الله، وتخلق بمعنى تقدّر مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ. أي: تصنع من الطين هيئة مثل هيئة الطير بِإِذْنِي. أي: بتسهيلي فَتَنْفُخُ فِيها. أي: في الهيئة التي كان يقدّرها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي. وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ. أي الذي خلق أعمى وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى. أي: من القبور أحياء بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ. أي: حين همّوا بقتله، أي اليهود إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ.
أي: المعجزات الواضحات فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وصفوا المعجزة بالسّحر، والرسول بالساحر
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ. أي:
وإذ ألهمت الحواريين. والحواريون: هم الخواص أو الأصفياء أَنْ آمِنُوا. أي:
آمنوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ. أي: اشهد بأننا مخلصون لله في إسلامنا وجوهنا إليه
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ. أي: هل يفعل أو هل يطيعك ربك إن سألته؟ والعرب تستعمل استطاع وأطاع بمعنى واحد أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ المائدة هي الخوان إذا كان عليه الطعام قالَ اتَّقُوا اللَّهَ. أي: في اقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إذ الإيمان يوجب التقوى
قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها. أي: تبركا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا. أي: وتزداد يقينا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا. أي: نعلم صدقك عيانا كما علمناه استدلالا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ. أي: نشهد بما عاينّا لمن بعدنا، ولمّا كان السؤال لزيادة العلم لا للتعنّت
قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا. أي: يكون يوم نزولها عيدا لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو للمتقدمين منا والأتباع وَآيَةً مِنْكَ. أي: على صحة نبوتي وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. أي:
وأعطنا ما سألناك وأنت خير المعطين
قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ وعدهم الإنزال، وشرط عليهم في حالة الإنزال شرطا، هذا الشرط هو أنّ من يكفر بعد إنزالها فإنّ الله يعذبه تعذيبا لا يعذبه أحدا من عالمي زمانهم، فهل قبلوا الشرط وأنزل الله المائدة، أو أنّهم تركوا السؤال بعد سماعهم هذا الشرط؟ قولان للمفسرين، وسيأتي في الفوائد
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ الجمهور على أنّ هذا السؤال يكون في يوم القيامة قالَ سُبْحانَكَ. أي: أنزهك من أن يكون لك
стр. 1496
شريك ما يَكُونُ لِي. أي: ما ينبغي لي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ. أي:
أن أقول قولا لا يحق لي أن أقوله إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ. أي: إن صح أني قلته فيما مضى فقد علمته والمعنى: أني لا أحتاج إلى الاعتذار لأنك تعلم أني لم أقله ولو قلته لعلمته لأنك تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي. أي: ما في ذاتي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ.
أي: ما في ذاتك إذ نفس الشئ ذاته وهويته، والمعنى: تعلم معلومي، ومعلومك إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ومن ذلك علم ما انطوت عليه النفوس ومن كان كذلك لا يصل إلى علمه علم أحد
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ. أي: ما أمرتهم إلا بما أمرتني به، ثمّ فسّر ما أمره به أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً.
أي: رقيبا ما دُمْتُ فِيهِمْ مدّة كوني فيهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ. أي: الحفيظ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. أي: من قولي وفعلي وقولهم وفعلهم
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ علم عيسى ﵇ أنّ منهم من آمن ومنهم من أقام على الكفر، فقال في جملتهم إن تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك الذين علمتهم جاحدين لآياتك، مكذّبين لأنبيائك، وأنت العادل، فإنهم كفروا بعد وجوب الحجة عليهم، وإن تغفر لمن أقلع منهم وآمن فذلك فضل منك، وأنت عزيز لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك، أو عزيز بمعنى قادر على الثواب، حكيم بمعنى لا يعاقب إلا عن حكمة وصواب
قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ. أي: قال الله لعيسى ﵇: هذا يوم ينفع الصادقين فيه صدقهم المستمر في دنياهم وآخرتهم وهو يوم القيامة لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ﵃ بالسعي المشكور وَرَضُوا عَنْهُ بالجزاء الموفور ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لأنه باق، بخلاف الفوز في الدنيا فهو غير باق
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ هذا تعظيم لله من أن يكون معه إله آخر وهو مالك كل شئ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من المنع والإعطاء والإيجاد والإفناء.
فوائد:
١ - [كلام صاحب الظلال عن حواريي عيسى]
بمناسبة قوله تعالى على لسان الحواريين إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قال صاحب الظلال:
«ويكشف لنا هذا الحوار عن طبيعة قوم عيسى .. المستخلصين منهم وهم
стр. 1497
الحواريون .. فإذا بينهم وبين أصحاب رسولنا ﷺ فرق بعيد ..
إنهم الحواريون الذين ألهمهم الله الإيمان به وبرسوله عيسى. فآمنوا. وأشهدوا عيسى على إسلامهم .. ومع هذا فهم بعد ما رأوا من معجزات عيسى ما رأوا، يطلبون خارقة جديدة تطمئن بها نفوسهم، ويعلمون منها أنه صدقهم. ويشهدون بها له لمن وراءهم.
فأما أصحاب محمد ﷺ فلم يطلبوا منه خارقة واحدة بعد إسلامهم .. لقد آمنت قلوبهم واطمأنت منذ أن خالطتها بشاشة الإيمان. ولقد صدّقوا فلم يعودوا يطلبون على صدقه بعد ذلك البرهان، ولقد شهدوا له بلا معجزة إلا هذا القرآن ..
هذا هو الفارق الكبير بين حواريي عيسى ﵇ وحواريي محمد ﷺ ذلك مستوى، وهذا مستوى .. وهؤلاء مسلمون، وأولئك مسلمون .. وهؤلاء مقبولون عند الله، وهؤلاء مقبولون .. ولكن تبقى المستويات متباعدة كما أرادها الله».
٢ - [ليس من الأدب مع الله الاقتراح بين يديه]
لاحظنا أن اقتراح الآيات على الرّسل ليس هو الأدب مع الله ورسله، وأنّ الاستجابة في هذه الحالة يرافقها شروط، ويشبه ما ورد هنا ما وقع لرسولنا ﵊ كما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قالت قريش للنّبي ﷺ : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك، قال: «وتفعلون؟» قالوا: نعم، قال فدعا، فأتاه جبريل فقال: إنّ ربك يقرأ عليك السّلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذّبته عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة، قال: «بل باب التوبة والرحمة».
٣ - [أثر آية ... إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ .. ]
يلاحظ أن ما قاله عيسى ﵇ في هذا الموقف إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ... يقوله رسولنا ﵊ في موقف من مواقف يوم القيامة، فقد روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال:
«يا أيها الناس. إنكم محشورون إلى الله- حفاة عراة غرلا كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وإنّ أوّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ* إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم
стр. 1498
منذ فارقتهم».
٤ - [شأن عظيم لآية .. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ .. ]
قال ابن كثير عن آية إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ... وهذه الآية لها شأن عظيم، ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث أنّ النّبي ﷺ قام بها ليلة حتى الصباح يرددها ثم ساق روايات منها:
أ- روى الإمام أحمد ... عن أبي ذر ﵁ قال: صلى النّبي ﷺ ذات ليلة، فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فلمّا أصبح قلت: يا رسول الله ما زلت تقرأ الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها، قال: «إنّي سألت ربي- الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا».
ب- روى ابن أبي حاتم .... عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّ النبي ﷺ تلا قول عيسى إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
فرفع يديه فقال: «اللهم أمّتي» وبكى، فقال الله يا جبريل، اذهب إلى محمد- وربك أعلم- فأسأله ما يبكيه، فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال- وهو أعلم- فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمّتك، ولا نسوءك.
٥ - [قول بأن سورة المائدة آخر ما نزل من القرآن]
أخرج ابن وهب عن عبد الله بن عمر قال: «آخر سورة أنزلت سورة المائدة». وهذا يجعل لهذه السورة أهمية خاصة إذ إنهّا نزلت بعد أن وصلت التربية الربانية لهذه الأمة إلى مرحلة عالية من النضج.
٦ - [ما ورد في الأناجيل عما يشبه قصة المائدة]
يلاحظ أنّ ما يسمّى بالأناجيل الأربعة المعتمدة عند النصارى حاليا ليس فيها إشارة إلى موضوع نزول مائدة من السماء، ونحن وإن كنا نجزم أن هذه الأناجيل ليست هي الإنجيل الذي أنزل على عيسى، وإن كانت قد تحوي فقرات منه، لأنها كما ذكرنا من قبل تمثل مدرسة بولس الذي ذكر في رسائله أنه لم يتلقه عن أحد، وأنه لم يتتلمذ على تلاميذ المسيح المباشرين، كما ذكر هو- إلا خمسة عشر يوما، ثم دخل في صراع معهم، ومن ثم لا نعتبر ما أثبتته هذه الأناجيل، أو رفضته إلا في الحدود التي أقرها وحي الله وحتى في هذه القضايا فإننا نستأنس استئناسا. وفي موضوع المائدة لا نجد كلاما عن رسولنا ﷺ حول نزولها أو عدمه، وعلماء المسلمين أكثرهم على نزولها، والثابت عن مجاهد والحسن أنهما كانا يقولان بعدم نزولها. قال ابن كثير تعليقا على ما
стр. 1499
ذهب إليه الحسن ومجاهد. وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النّصارى، وليس هو في كتابهم ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودا في كتابهم متواترا، ولا أقل من الآحاد والله أعلم، ولكنّ الذي عليه الجمهور أنّها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير» أقول: يلاحظ في الأناجيل المذكورة أن فيها كلاما عن مائدة من مثل ما ورد في الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا:
«فرفع يسوع عينيه ونظر أنّ جمعا كثيرا مقبلا إليه، فقال لفيلبس: من أين نبتاع خبزا ليأكل هؤلاء؟ وإنّما قال هذا ليمتحنه لأنّه هو علم، ما هو مزمع أن يفعل، أجابه فيلبس: لا يكفيهم خبز بمائتي دينار، ليأخذ كل واحد منهم شيئا يسيرا، قال له واحد من تلاميذه وهو أندراوس أخو سمعان بطرس: هنا غلام معه خمسة أرغفة شعير وسمكتان، ولكن ما هذا لمثل هؤلاء، فقال يسوع: اجعلوا الناس يتكئون، وكان في المكان عشب كثير. فاتكأ الرجال وعددهم نحو خمسة آلاف، وأخذ يسوع الأرغفة وشكر ووزع على التلاميذ والتلاميذ أعطوا المتكئين، وكذلك من السمكتين بقدر ما شاءوا فلما شبعوا قال لتلاميذه: اجمعوا الكسر الفاضلة لكي لا يضيع شئ، فجمعوا وملئوا اثنتي عشرة قفّة من الكسر من خمسة أرغفة الشعير التي فضلت عن الآكلين، فلمّا رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم» فهل مثل هذا الكلام أصله قصة المائدة ثم حرّفت وبدّلت كغيرها فأصبحت على هذه الشاكلة، وكان أصلها ما ورد في القرآن، أو أن ما ذكره القرآن كان حادثا آخر.
يلاحظ أن إنجيل مرقص ذكر القصة السابقة التي ذكرها إنجيل يوحنا، وذكر قصة أخرى في الإصحاح الثامن هي: «في تلك الأيام إذ كان الجمع كثيرا جدا ولم يكن لهم ما يأكلون، دعا يسوع تلاميذه وقال لهم: إني أشفق على الجمع لأن الآن لهم ثلاثة أيام يمكثون معي. وليس لهم ما يأكلون، وإن صرفتهم إلى بيوتهم صائمين يخورون في الطريق، لأن قوما منهم جاءوا من بعيد، فأجابه تلاميذه: من أين يستطيع أحد أن يشبع هؤلاء خبزا هنا في البرّية؟ فسألهم: كم عندكم من الخبز؟ فقالوا: سبعة. فأمر الجمع أن يتكئوا على الأرض وأخذ السبع خبزات، وشكر وكسر وأعطى تلاميذه ليقدّموا، فقدّموا إلى الجمع وكان معهم قليل من صغار السمك، فبارك وقال أن يقدموا هذه أيضا، فأكلوا وشبعوا، ثمّ رفعوا فضلات الكسر سبعة سلال. وكان الآكلون نحو أربعة آلاف، ثم صرفهم، وللوقت دخل السفينة مع تلاميذه وجاء إلى نواحي دلمانوثة». وبعدها .. «فخرج الفريسيون وابتدءوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء
стр. 1500
لكي يجربوه فتنهد بروحه وقال لماذا يطلب هذا الجيل آية الحق أقول لكم لن يعطى هذا الجيل آية».
فهل في هذا النص الأخير إشارة إلى موضوع طلب المائدة ثم حرّف وصيغ هذه الصياغة المحرفة؟ كل ذلك ممكن ولا يترتب على كون المائدة نزلت أو لم تنزل شئ عملي، فنحن مؤمنون بنزولها إن كانت قد نزلت، وبعدمه إن لم تكن نزلت، ونؤمن بأنّ القرآن هو الحق الخالص.
كلمة في السياق:
بهذه الخاتمة تنتهي سورة المائدة وفيها يعرض الله مشهدا من مشاهد يوم القيامة حيث يخاطب الله الرسل عامّة، ويسألهم عما أجيبوا ويذكّر عيسى بنعمه، ومن ذلك إظهاره لاستجابته له عند ما طلب الحواريّون منه المائدة واشتراطه، ثمّ سؤاله عما إذا كان أمر الخلق بعبادته، وجواب عيسى بأنه لم يدع إلا لعبادة الله، وجواب الله له عمّا أعدّ للصادقين، وفي هذا ربط لنهاية السورة بما ذكر فيها من قصة النّصارى، وفي ذلك وضع للأمور في نصابها من أنّ النّجاة الحقيقيّة هي في عبادة الله، والصدق معه، والتسليم بربوبيته، وفي هذا المقام نتذكّر أنّ سورة المائدة امتداد لسورة النّساء، فهي تفصل في حيّز المحور العام لسورة النساء الذي هو اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... * مع كونها تختص بمحور خاص بها وهو وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ .. وهاهنا موضوع سيبرز معنا في ما بعد بشكل أوضح، كيف تفصّل سورة في محورها، وتخدم محل ذلك المحور في سياقه من سورة البقرة، وهو موضوع نؤثر هنا أن نمسه مسا رفيقا لأنه ستأتي أمثلة واضحة عليه، وعندئذ نقف عنده وقفات أطول ونكتفي هنا أن نقول:
إن سورة النساء، والمائدة، والأنعام، تفصّل في المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة، فسورة النساء تفصّل في الخمس آيات الأولى فيه. وسورة المائدة تفصّل
في الآيتين التاليتين، وسورة الأنعام تفصّل في الآيتين الأخيرتين من المقطع، وسورة المائدة تفصّل في محورها، ومحورها مرتبط بما قبله، ومن ثم يظهر فيها ما له صلة بما قبل المحور من معان، فهي امتداد لسورة النساء من ناحية، وهي تفصل في محورها من ناحية أخرى، ومع هذا وهذا فلها سياقها الخاص بها، وعلى ضوء ما ذكرناه ندرك كيف أنّ
стр. 1501
سورة المائدة فصّلت في موضوع العبادة، والتقوى، وبشّرت أهل الإيمان والعمل الصالح، وعرّفت على الله، وعمّا يقرّب إليه، وما يبعد عنه، مع أنها قررت القضايا التي بها يكون الإنسان من الفاسقين، فحذّرت منها، وضربت الأمثلة على أنواع من نقض الميثاق، أو قطع ما أمر الله به أن يوصل، أو على أنواع من الإفساد في الأرض، وطالبت بما يقابل ذلك من أخلاق الإيمان.
ولنذكّر بشيء كنّا ذكرناه من قبل: بدأ المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ... وانتهى بقوله تعالى: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وبدأت سورة النساء بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ وانتهت بقوله تعالى:
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وهذا يشعرنا أن محور سورة النساء هو المقطع كله، ولكن من خلال المعاني رأينا وسنرى أن الآيات الأربع الأخيرة في المقطع فصلتها سورتا المائدة والأنعام.
فصل في عالمية القرآن:
لم يحدّثنا القرآن الكريم إلا عن خمسة وعشرين رسولا، ولكنه أخبرنا أنه أرسل إلى كل أمّة لها لسانها الخاص رسولا وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا. (النحل: ٣٦) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (إبراهيم: ٤٠) إن اختيار خمسة وعشرين رسولا من مجموع الرسل عليهم الصلاة والسلام هو الذي تحتاجه البشرية لاستيعاب كل ما يلزمها في قضية العبرة والقدوة، وبما يغطي الحياة كلها فمن خلال هذه القصص الحق لا يجد الإنسان حالة إلا ويرى العبرة والقدوة التي تلائم الحال التي هو عليها، ومن ثم كانت قصص القرآن- على محدودية عددها- مغطية للحياة البشرية في كل الأزمان والأماكن.
وقد أخذت قصص أقوام الأنبياء وخاصة بني إسرائيل والنصارى حيزا كبيرا، وما ذلك إلا لأن ما وقعوا به يشبه ما وقعت به الأمم الأخرى، وما يمكن أن تقع فيه أمتنا، ولذلك فإنه وإن لم يذكر في القرآن كل الأمم وانحرافاتها، وكل الأديان وانحرافاتها، فإنّه ما من حادثة ولا انحراف إلا وقد قصّ علينا فيه ما نعرف أنّه انحراف، ومن خلال ما ذكر نعرف حكم ما لم يذكر. فمثلا في هذا العالم ديانات كبرى، كالديانة البوذية والمجوسية، والبرهمية، والكونفوشيوسية، لم تذكر صراحة في القرآن، ولكن من التتبع
стр. 1502
نعرف أن فيما ذكر في القرآن ما نعرف به حكم كل جزئية في هذه الديانات، بحيث يعرف الإنسان حكم الله فيها، إنّ كثيرا ممّا قاله النصارى في شأن المسيح ﵇، قاله البوذيون في شأن بوذا، فمن عرف الحكم في هؤلاء، عرفه في هؤلاء، ومن عرف بم أقيمت به الحجة على هؤلاء، عرف كيف يقيم الحجة على هؤلاء.
ولعل التركيز الأكبر الذي نراه على الديانتين اليهودية والنصرانية يعود إلى أنّ ما عند هؤلاء أكثر إيهاما للإنسان، ومن ثمّ فإنّه يمكن أن يكون أشد إضلالا، فإذ تقوم الحجة عليهما فإنّها على غيرهما أكثر إلزاما، وسنرى أمثلة ذلك فيما بعد ممّا يؤكد ما ذكرناه من أن ما ذكر في القرآن كاف في الرّد على ما لم يذكر، ومن هذا وغيره تتأكد عالمية القرآن، وهذا وحده كاف للدلالة على أن القرآن ليس وليد بيئة، بل هو كتاب الله .
كلمة أخيرة في سورة المائدة:
بدأنا بعرض سورة المائدة على أنّها مقاطع، وانتهينا على أنهّا أقسام، كل قسم يضمّ أكثر من مقطع، وقد رأينا أدلّة ذلك، ورأينا أنّ سورة المائدة تتألّف من ثلاثة أقسام وخاتمة: القسم الأول: ويتألف من ثلاثة مقاطع، كان التركيز فيها بشكل مباشر أو ضمني على الوفاء بالعهود، وعلى وصل ما أمر الله به أن يوصل، وعلى النهي عن الإفساد في الأرض، وفيها تحدّد طريق الهداية، وطريق الضلال ثم جاء القسم الثاني:
وقد ابتدأ بالنهي عن الحزن على الذين يسارعون في الكفر، وفيه تعمّقت معرفة طرق الضلال، وعمّق موضوع الالتزام بالكتاب، وموضوع وصل ما أمر الله به أن يوصل، وقطع ما أمر الله به أن يقطع، وقد شمل القسم الثاني مقطعين، ثمّ جاء القسم الثالث:
آمرا بالبلاغ، معتمدا على ما ورد في القسمين الأولين، وقد جاء القسم الثالث على مقطعين: المقطع الأول في بلاغ أهل الكتاب، والمقطع الثاني في بلاغ أهل الإيمان، ثمّ جاءت الخاتمة فنقلتنا مباشرة إلى نتيجة البلاغ من خلال عرض مشهد من مشاهد يوم القيامة إذ يسأل الله- الرّسل عن موقف أقوامهم من البلاغ، ويخص عيسى ﵇ بالحوار ليخدم الحوار موضوع البلاغ في القسم الثالث وما سبقه مما له علاقة في موضوعه، وبهذا تكون سورة المائدة قد عرّفتنا على الفسوق، والخسران، وعلى ما يقابل ذلك، وعرّفتنا على ما به يستحق أحد الهداية أو الضلال، وعرّفتنا على المواثيق التي لا ينبغي أن تنقض، وعلى ما به تنقض وعلى ما أمر الله به أن يوصل، وعلى
стр. 1503
ما به يقطع، وعلى الإفساد في الأرض، وعلى ما به يستأصل، وارتباط ذلك بمحور السورة واضح، وقد فصّلنا في ذلك كله، وهذا أوان الانتقال إلى تفسير سورة الأنعام.
стр. 1504
وهي السّورة السّادسة بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الخامسة من قسم الطّوال وآياتها مائة وخمس وستون وهي مكيّة
стр. 1505
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 1506
كلمة في سورة الأنعام:
قلنا إن سورة النساء، والمائدة، والأنعام تفصل في المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة. وأن سورة الأنعام محل تفصيلها الآيتان الأخيرتان من هذا المقطع واللتان هما: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
ولو أنك نظرت في السورة نظرة تأمل لوجدتها تفصيلا لهاتين الآيتين: فالآية الثانية من سورة الأنعام هي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ لاحظ صلتها بقوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
والآية الأخيرة في السورة هي: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لاحظ صلة الآية الأخيرة من سورة الأنعام بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. والآية التي بعدها في سورة البقرة وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
إن الآية الثانية في المحور هي هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً والملاحظ أن كثيرا من آيات سورة الأنعام مبدوءة بقوله تعالى (وهو) وكثير من هذه الآيات تفصيل لكون الأرض بما فيها مخلوقة للإنسان.
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ٣
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ١٨
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ .... ٦٠
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ... ٦١
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ... ٧٣
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... ٩٧
стр. 1507
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ٩٨
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ .... ٩٩
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ .... ١٤١
وآخر آية في السورة: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ .... ١٦٥
ولقد جاءت آيات المحور في حيّز قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً ... فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فالمحور جاء يناقش الكافرين بالله، ويقيم عليهم الحجة في سياق الأمر بعبادة الله وتوحيده، ومن ثمّ فإنّ سورة الأنعام التي هي تفصيل لذلك المحور، تبدأ بما يشير إلى ذلك: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ومنها أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ، قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ ٥٦ قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ ... ٧١ وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً ....
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ* بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ* لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ... قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ....
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ* قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ .. ١٦٤
من هذه المقتطفات ندرك أن سورة الأنعام تفصّل في محورها من سورة البقرة الآتي في حيز قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... ومن ثم فهي تفصيل للمحور في سياقه من سورة البقرة.
стр. 1508
وقد رأينا منذ الكلام عن سورة آل عمران أن محاور السّور من سورة البقرة لها امتدادات معان في سورة البقرة نفسها، وأن السّور التي تفصّل في محاور من سورة البقرة، تفصّل في هذه المحاور وامتدادات معانيها، فتشد إلى المحور من سورة البقرة ما هو ألصق به، ثمّ تفصّل الجميع أو تبني على الجميع
وأثناء عرضنا لسورة البقرة رأينا صلة قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ بقوله تعالى:
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. فالله الذي خلق ما في الأرض للإنسان، أباح له أن يأكل منها إلا ما حرّم عليه. وفي سورة الأنعام تأتي تفصيلات في هذه الشئون وغيرها مما يعتبر تفصيلا لامتدادات معاني المحور في سورة البقرة.
فمثلا يوجد في سورة الأنعام تفصيل وحوار في ما أحلّ وحرّم من المطعومات وهذه نماذج:
٦/ ١٢٠ - ١١٨
стр. 1509
٦/ ١٢١ فسورة الأنعام تفصّل في محورها من سورة البقرة، وفي محلّ هذا المحور من مقطعه، وفي امتدادات معاني هذا المحور من سورة البقرة.
تأتي سورة الأنعام كلا متكاملا، فهي تفصّل في ما ذكر، ولكن ضمن سياقها الخاصّ بها، ووحدتها الخاصة بها، فإذا لاحظت أن سورة الأنعام مكية، وأن سورة البقرة مدنية- أي متأخرة في النزول عنها- ثم رأيت كيف أن سورة الأنعام تفصّل فيما أجمل في سورة البقرة، أو تبني عليه، أدركت مظهرا من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن، وأنّ كل شئ فيه يدلّك على أنّه يستحيل أن يكون بشريّ المصدر، بل هو كلام الله- وسنرى أثناء عرض السورة مزيدا من بيان ارتباط سورة الأنعام بمحورها ومحله من سياقه، وامتدادات معانيه في سورة البقرة، ولكنّا أحببنا هنا أن نضع نقاط علّام كبرى.
стр. 1510
لقد فصّلت سورة النساء، والمائدة، والأنعام في مقطع الطريقين من سورة البقرة، المقطع الذي دلّ على طريق التقوى، وحدّد طريق الانحراف، وناقش أصل الانحراف، وهو الكفر، مدلّلا على وجوب التوحيد والعبادة، شكرا لله على ما أعطى الإنسان وسخره له. إن مقطع الطريقين بدأ بالدعوة إلى العبادة، معلّلا لوجوبها بخلق الله للإنسان، وخلقه الأشياء من أجله، وانتهى بمناقشة الكافرين بالله، وإقامة الحجة عليهم من خلال ظاهرتي الحياة والعناية، وجاءت السور الثلاث لتفصّل في هذا كله مع ملاحظة: أنّ كلا من السور الثلاث تفصّل في محورها الخاصّ بها، وتخدم في موضوع المقطع كله، فكل سورة من السور الثلاث تخدم في تفصيل محورها بشكل أوّلي، وتخدم بقية المقطع، فتمّ بالسور الثلاث التعريف على الله، وتقرير الرجوع إليه، وتفصيل ماهية التقوى وطريقها سلبا أو إيجابا أي: ما ينبغي أن يحذر، وما ينبغي أن يفعل، وسورة الأنعام كما ذكرنا تفصّل في محورها الذي هو كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ مع كونها تكمّل بناء معرفة الطريقين الذين دلّت عليهما سورة النساء وسورة المائدة.
فصول ونقول
فصل في نقل عن الألوسي في وجه مناسبة سورة الأنعام لسورة المائدة:
قال الألوسي: «ووجه مناسبتها لآخر المائدة على- ما قال بعض الفضلاء- أنها افتتحت بالحمد وتلك اختتمت بفصل القضاء وهما متلازمان كما قال سبحانه:
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال الجلال السيوطي في وجه المناسبة: أنه تعالى لمّا ذكر في آخر المائدة لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ على سبيل الإجمال افتتح جل شأنه هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله، فبدأ سبحانه بذكر خلق السموات والأرض، وضم تعالى إليه أنه جعل الظلمات والنور، وهو بعض ما تضمنه ما فيهن، ثم ذكر عز اسمه أنه خلق النوع الإنساني، وقضى له أجلا، وجعل له أجلا آخر للبعث، وأنه ﷻ منشئ القرون قرنا بعد قرن ثم قال تعالى: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ الخ .. فأثبت له ملك جميع المظروفات لظرف المكان. ثم قال عزّ من قائل: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ فأثبت أنه جل وعلا ملك جميع المظروفات لظرف الزمان. ثم ذكر سبحانه خلق سائر الحيوان من الدوّاب والطير، ثم
следующие страницы →