← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ويعاندونه. وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ أي مذل، إذ لما كان كفرهم سببه البغي، والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة، والصغار. أخرج الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شئ من الصغار، حتى يدخلوا سجنا في جهنم يقال له بولس تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال، عصارة أهل النار». وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي إذا قيل لليهود صدقوا بالقرآن واتبعوه قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا أي يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة، ولا نقر إلا بذلك وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ يعني بما بعده وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ أي غير مخالف له، وفيه رد لمقالتهم، وتسفيه لهم، وإقامة حجة عليهم، لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها فمن عرف الله وعرف كتابه؛ آمن بكل رسول له، وآمن بكل كتاب له أنزل أو ينزل وهذا رسول الله ﷺ خاتم الرسل بشرت به التوراة، والكتاب المنزل عليه يصدق ما في التوراة، فكيف يكفرون به! ولكنها ليست أول مواقفهم السيئة قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم والحكم بها وعدم نسخها وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغيا، وعنادا، واستكبارا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي، وهكذا أهل الباطل في كل زمن يفرون من الحق ويحتجون بما ليس حجة، بل بما به الحجة عليهم، فهم متناقضون وليس كمواقفهم وأفعالهم دليل على ما في قلوبهم، فهؤلاء ناس يدعون أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم وبسبب ذلك يرفضون الإيمان بالوحي الجديد، فأقام الله عليهم الحجة بأنهم ليسوا مؤمنين بما أنزل عليهم، بدليل أنهم كانوا يقتلون أنبياءهم، وبدليل أنهم عبدوا العجل في زمن موسى مع كل الآيات التي رأوها. قال تعالى مقيما عليهم تتمة الحجة: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ البينات هي الآيات الواضحات، والدلائل القاطعات، كالطوفان، والجراد، والقمل، والدم، والعصا، واليد، وفرق البحر، لقد جاءكم موسى بالآيات الواضحات، ثم اتخذتم العجل معبودا من دون الله، من بعد ما ذهب موسى إلى الطور لمناجاة الله ، وأنتم ظالمون في هذا الصنيع الذي صنعتموه، من عبادتكم العجل، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله، أو أنتم قوم من عادتكم الظلم، فإذا كان هذا شأنكم، وموسى موجود بين أظهركم، أتدعون الآن أن إيمانكم بالتوراة هو الذي يجعلكم لا

стр. 177

تؤمنون بمحمد ﷺ وبالقرآن! إنها الطبيعة الكافرة في مواقفها وأفعالها وأقوالها. وبهذا انتهت المجموعة الأولى من الفقرة. كلمة في هذه المجموعة وسياقها: ١ - بدأت المجموعة بآية مبدوءة ب وَلَقَدْ وانتهت بآية مبدوءة ب وَلَقَدْ وتأتي مجموعة بعدها مبدوءة ب وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ مما يوحي بأننا أمام مجموعة جديدة، وفي الآية الأولى من هذه المجموعة ورد قوله تعالى وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ وجاءت خاتمة المجموعة لتقول فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ. ٢ - في هذه المجموعة حوار مباشر مع اليهود في قضية الإيمان بالقرآن، ومناقشة الصوارف التي يطرحونها، وإقامة حجة عليهم فيها من خلال مجموعة الأمور التي تدل على أن هذا الموقف الظالم هو استمرار لمواقف ظالمة أخرى. ٣ - وقد سبقت هذه المجموعة بخاتمة الفقرة السابقة: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فكانت هذه المجموعة بمثابة استمرار لنقاش يفضح دعواهم الإيمان سابقا ولا حقا، واستكمالا للحجة عليهم، كما جاءت هذه المجموعة في سياق الفصل المبدوء بقوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ فقدمت لنا مجموعة معان سابقة تجعل إيمان هؤلاء ميئوسا منه. ٤ - ونكرر أن هذه المجموعة جزء من جولة من النقاش المباشر مع بني إسرائيل في أجواء قوله تعالى وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وذلك بعد فقرات سابقة كان الكلام في الغالب يأتي بشكل غير مباشر في هذا الموضوع بالذات. فلننتقل إلى عرض المجموعة الثانية من هذه الفقرة: المجموعة الثانية: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ كرر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأولى، ولأنها في المرة الأولى ذكرت في معرض، وهاهنا تذكر في معرض آخر خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا أي خذوا التوراة أخذا قويا واسمعوا ما أمرتكم به فيها، سماع قبول وعمل قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا أي سمعنا قولك، وعصينا أمرك،

стр. 178

أمروا أن يكون سماعهم سماع طاعة، فكان سماعهم سماع عصيان، وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أي أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم، فداخلهم حبه، والحرص على عبادته، كما يتداخل الصبغ الثوب، وقوله فِي قُلُوبِهِمُ بيان لمكان الإشراب بِكُفْرِهِمْ أي بسبب كفرهم، واعتقادهم التشبيه. قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه من كفر ومخالفة، فكيف تدعون لأنفسكم الإيمان وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة من نقضكم المواثيق وكفركم بآيات الله وعبادتكم العجل من دون الله؟؟. هم يدعون الإيمان، والإيمان يقتضي طاعة، وهم يعصون، هم يدعون الإيمان بالتوراة وليس في التوراة عبادة عجل، فأي إيمان هذا الذي يأمرهم بعبادة العجل وبمحبته؟ فإذا كان هذا هو إيمانهم الذي سول لهم مثل هذه القبائح فإنه هو هو نفس الإيمان الذي يسول لهم أفظع قبيح، وهو عدم الإيمان بالقرآن. وقوله تعالى بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ من باب الأسلوب التهكمي، لأن الأصل في الإيمان ألا يأمر صاحبه بمثل هذا وفي قوله تعالى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم. هذه أول حجة عليهم في هذه المجموعة تكمل حجج المجموعة السابقة عليهم في رفضهم الإيمان بحجة إيمانهم بالتوراة. ثم تأتي الحجة الثانية. ويتجه السياق إلى التحدي، ليضع اليهود على المحك في قضية الإيمان، ليثبت لهم بما لا يقبل الجدل أنهم غير مؤمنين، وأنهم كفرة، وذلك أنهم إذا كانوا صادقين في دعواهم من أنهم أهل الحق، وأنهم عباد الله المصطفون، وأنهم غير مكلفين بالاستجابة لرسول الله ﷺ فهذا يقتضي أن يكونوا هم المستحقين ثواب الله الذي أعده لأوليائه في الآخرة التي يؤمنون بها، والإنسان الذي يثق بهذا الثواب، ويعرف أن الآخرة خير من الدنيا، يتمنى هذه الآخرة، ويفضلها على الدنيا، وبالتالي فإن الموت أحب إليه من الحياة فهل هم كذلك؟ لا؛ إذن فهم كاذبون .. أو يقال: من كان مطمئنا إلى أنه على الحق، وإلى أن غيره ليس كذلك، فهو على استعداد لأن يدعو الله أن يميت من كان على الباطل هو أو خصمه، وهو يفعل هذا وهو مطمئن إلى النتيجة، فإذا كان اليهود يرفضون هذا، فذلك علامة على أنهم يعلمون حق العلم أنهم على الباطل.

стр. 179

هذه هي الحجة الثانية التي يأمر الله رسوله ﷺ أن يقولها لهم، وهذه الحجة يمكن أن تكون صياغتها إما على الشكل الأول، أو على الشكل الثاني، على حسب اتجاهات المفسرين في التفسير فلنر الآيات: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ معنى خالِصَةً أي سالمة لكم فالمعنى: إن كنتم تعتقدون أن الدار الآخرة لكم دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين فيما تقولون، لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها تخلصا من الدار ذات الشوائب، كما نقل عن العشرة المبشرين بالجنة أن كل واحد منهم كان يحب الموت ويحن إليه. هذا هو المعنى العام المتبادر إلى الذهن عند تلاوة الآية، وهو الذي يرجحه ابن جرير، ولكن هناك اتجاها آخر لابن عباس في الآية يرجحه ابن كثير ونحن هنا ننقل عبارة ابن جرير، وكلام ابن كثير مع شئ من الحذف. قال ابن جرير: فهذه الآية مما احتج الله سبحانه لنبيه ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم، وذلك أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يدعوهم إلى قضية عادلة فيما كان بينه وبينهم من الخلاف .. فقال لفريق اليهود إن كنتم محقين فتمنوا الموت، فإن ذلك غير ضاركم إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان، وقرب المنزلة من الله لكم، بل إن أعطيتم أمنيتكم من الموت إذ تمنيتم فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا، ونصبها، وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته إن كان الأمر كما تزعمون من أن الدار الآخرة لكم خاصة دوننا، وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون، ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم، فامتنعت اليهود من ذلك لعلمها أنها إن تمنت الموت هلكت فذهبت دنياها؛ وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها .. ». وقال ابن كثير: فأما على تفسير ابن عباس أي في تفسير قوله تعالى فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ أي ادعوا على أي الفريقين أكذب فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ : بل قيل لهم كلام نصف: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من أهل الجنة، ومن عداكم من أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة، فلما تيقنوا ذلك وعرفوا صدقه نكلوا عن المباهلة؛ لما يعلمون من كذبهم وافترائهم، وكتمانهم الحق من صفة الرسول ﷺ ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ويتحققونه. فعلم كل أحد باطلهم وخزيهم وضلالهم وعنادهم، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وسميت هذه المباهلة تمنيا لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل بالموت

стр. 180

لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت ... ». وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أي الموت أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي لن يتمنوه ما عاشوا بسبب ما أسلفوه من الكفر بمحمد ﷺ ، وتحريف كتاب الله وغير ذلك، وهو من المعجزات لأنه إخبار بالغيب، وكانوا يستطيعون أن يكذبوا القرآن بإعلانهم أنهم يتمنون الموت ولكنهم لم يفعلوا. قال ابن عباس: «ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات». وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ومن علمه ﷻ أنه تحداهم، ومن علمه أنه أخبر أنهم لن يتمنوه، وكان كما أخبر، وفي النص تهديد لهم. وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ هذه تتمة الحجة عليهم في أنهم أهل باطل. ظهور هذا الحرص العظيم عندهم على الحياة، فهم كالمشركين في هذا الحرص، أو أشد حرصا من المشركين، فلو كان إيمانهم بالله واليوم الآخر سليما، واستقامتهم موجودة لما كانوا كذلك، والتنكير في لفظ حَياةٍ يدل على أنهم يرغبون بالحياة المتطاولة مهما كان نوع هذه الحياة، فهم أحرص الناس على طول العمر؛ لما يعلمون من مآلهم السيئ، وعاقبتهم الخاسرة عند الله لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ. هل الضمير أَحَدُهُمْ يعود على المشركين أو على اليهود؟ قولان للمفسرين فعلى القول أنه يعود على اليهود يكون المعنى: أن اليهود أحرص الناس على الحياة وهم أحرص من المشركين عليها، حتى أن أحدهم يتمنى لو عمر ألف عام، وعلى القول بأن الضمير يعود على المشركين يكون المعنى: أن المشرك يود لو عمر ألف عام فهو حريص على الحياة ومع ذلك فاليهود أحرص منه على الحياة، وفيه توبيخ عظيم لليهود لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة، ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم، فإذا زاد في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقا بأعظم التوبيخ، وإنما زاد حرصهم على الذين أشركوا لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار، والمشركون لا يعلمون ذلك. قال مجاهد: «حببت إليهم الخطيئة طول العمر». وقد دلت الآية على أن المؤمن الحق يحب الآخرة أكثر من الدنيا، ويحب الموت أكثر من الحياة، وقد أدبنا رسولنا ﵊ ألا نتمنى الموت لضر أصابنا، بل نقول: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وأمتني ما كان الموت خيرا لي، واجعل لحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر، وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون». ثم قال تعالى:

стр. 181

وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ أي وما تعميره بمغيثه من العذاب ولا منجيه منه وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ من خير وشر وسيجازي عليه. ثم تأتي الحجة الثالثة عليهم في هذه المجموعة: إن دين الله واحد، ومن أحب الله أحب ملائكته كلهم، وأحب رسله كلهم؛ فوالى الجميع ولم يعاد أحدا منهم، واليهود ليسوا كذلك، فهم يوالون في زعمهم رسولا ويعادون رسولا، ويوالون ملكا ويعادون ملكا، فها هم يعادون جبريل ويزعمون أنهم يوالون ميكائيل فأي طبيعة طبيعتهم؟ وأي تناقض عندهم؟ وإذ كانوا كذلك فذلك دليل على أنهم ناس منحرفون عن الحق وعن الربانية الخالصة فما هم بأهل الله وليسوا على دينه. قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ* مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ. معنى كلمة جبريل عبد الله، وكذلك كلمة ميكائيل، وقيل بأن جبريل معناها خادم الله، وذكر جبريل وميكال بعد الملائكة والرسل من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة وفي عموم الرسل، ثم خصصا بالذكر لأن السياق في الانتصار لجبريل وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ لأن اليهود زعموا أن جبرائيل عدوهم وميكائيل وليهم، فأعلمهم الله تعالى أن من عادى واحدا منهما فقد عادى الآخر وعادى الله أيضا، ولأنه أيضا ينزل على أنبياء الله بعض الأحيان، كما قرن برسول الله ﷺ في ابتداء الأمر ولكن جبرائيل أكثر وهي وظيفته الرئيسية. وميكائيل موكل بالنبات والقطر، ذاك بالهدى وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكل بالنفخ في الصور للبعث يوم القيامة، ولهذا جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». وإنما قال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ولم يقل فإن الله عدو له؛ لإظهار أن من عادى رسولا فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدو له. فالمجئ بالاسم الظاهر بدل الضمير ليدل على أن الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر كعداوة الأنبياء، ومن عاداهم عاداه الله. وفي قوله تعالى في وصف جبريل فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى

стр. 182

قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أكثر من رد عليهم: ١ - أنه لا وجه لمعاداة جبريل حيث نزل كتابا مصدقا للكتب بين يديه فلو أنصفوا لأحبوه، وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم. ٢ - وفي الآية رد عليهم من حيث إنهم حاربوا جبريل لأنه ينزل بالحرب والشدة فقيل: فإنه ينزل بالهدى والبشرى أيضا ولكن للمؤمنين، فالمؤمنون يحبونه. إنه من عادى جبريل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلب محمد ﷺ مصدقا لما بين يديه من الكتب المتقدمة، وهدى لقلوب المؤمنين، وبشرى للمؤمنين بالجنة، فهو رسول ملكي من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، ومن عادى رسولا فقد عادى جميع الرسل، ومن كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، ومن عادى الله وملائكته ورسله من الملائكة والبشر فإنه يكون كافرا ويعاديه الله. وقد ذكر ابن كثير روايات كثيرة لها علاقة بالآية، إما في سبب نزولها، أو في شاهد على مضمونها حول ما كان يصرح به اليهود من عداوة لجبريل. منها ما رواه الإمام أحمد من جملة محاورة طويلة لليهود مع رسول الله ﷺ «قالوا: إنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل ﵇. قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا. لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات لكان، فأنزل الله: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ... وفي قصة إسلام عبد الله بن سلام كما رواها البخاري أنه ﵊ عند ما ذكر جبريل قال عبد الله ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ ﵇ هذه الآية، ونكتفي بهاتين الروايتين عما سواهما. وإذ قامت عليهم الحجة على أنهم على باطل من خلال ما رأينا تأتي الآية الأخيرة في المجموعة جازمة بأن هذا الرسول قد أنزلت عليه المعجزات الواضحات، وأن الفاسقين عن أمر الله وحدهم هم الذين يكفرون بهذه المعجزات، وبالتالي فهم لا يؤمنون بالرسول ﷺ ولا يتابعونه قال تعالى: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ أي معجزات واضحات وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك، وتلك الآيات هي هذا القرآن المعجز، وما حواه من معجزات، ونبوءات صادقات، ودقائق وخفايا لا يعلمها إلا الله، ومن ذلك ما حواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود ومكنونات سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والإخبار عما تضمنته

стр. 183

كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم، وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة. فأطلع الله رسوله ﷺ في كتابه على ذلك، فكان في ذلك دليل على أن هذا القرآن من عند الله، وهو شاهد صدق على أن محمدا رسول الله لمن أنصف من نفسه، ولم يسر في هلاكها بأن سار في طريق الحسد والبغي، إذ كان في فطرة كل ذي فطرة سليمة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد ﷺ من الآيات البينات من غير تعلم تعلمه من بشر، ولا أخذ شيئا منه من آدمي، بل هو أمي لم يقرأ كتابا ومع ذلك فهو يخبرهم بما في أيديهم على وجهه، فلهم في ذلك عبرة وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون، وهذا بعض الأمر من شأن هذا القرآن، فلا يكفر بعد ذلك بهذه الآيات وهذا القرآن العظيم إلا الفاسقون أي المتمردون من الكفرة، وفي ذلك إشارة إلى أن من لم يؤمن من أهل الكتاب فإنه فاسق عن أمر الله متمرد عليه. عن ابن عباس قال: قال ابن صوريا القطويني لرسول الله ﷺ يا محمد: ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك، فأنزل الله في ذلك قوله وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ، دلت الآية من خلال سبب نزولها ومن خلال لفظها على أن القرآن العظيم هو المعجزات القاطعات الدلالة، الواضحات البينات على رسالة رسولنا ﵊. فهو وحده كاف، ولا زال الخلق يكتشفون كل يوم جديدا من معجزاته، ومع ذلك فالله قد أكرم رسوله ﷺ بأنواع من المعجزات أخرى. وبهذه الآية تنتهي المجموعة الثانية: كلمة في المجموعة الثانية وسياقها: ١ - استقرت هذه المجموعة على قوله تعالى وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ كما استقرت المجموعة السابقة على قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ لاحظ التشابه بين الآيتين الخاتمتين: موسى جاء بالبينات فظلموا بها، ومحمد جاء بالبينات فكفروا بها ولقد استقرت كل من المجموعتين على آية فيها تقرير أن ما جاءهم كاف لإيمانهم، وكل من هاتين الآيتين قد جاء بعد حجج عليهم في شأن قضية الإيمان. وقد رأينا ذلك أثناء عرض المجموعتين. ٢ - لقد جاءت هذه المجموعة لتكمل الرد على اليهود الذين يرفضون الإيمان بالقرآن

стр. 184

بسبب من إيمانهم بالتوراة، فأبطلت دعاواهم الكاذبة من خلال ثلاث قضايا، ولذلك تجد أن أمر الله لرسوله ﷺ (قل) قد تكرر ثلاث مرات في المجموعة، وفي كل مرة ورد فيها الأمر: (قل) كانت هناك حجة ضدهم، ومن هنا ندرك الصلة المباشرة بين المجموعة الثانية والمجموعة الأولى، ومحل ذلك في سياق الفصل المبدوء بقوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ .. لا يخفى فلننتقل إلى المجموعة الثالثة. المجموعة الثالثة والأخيرة في الفقرة: تتألف هذه المجموعة من أربع آيات فلننقلها ليتضح لنا سياقها ومحلها مع فقرتها: [سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٠ الى ١٠٣] أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)

стр. 185

كلمة في هذه المجموعة وسياقها: ١ - يلاحظ أن هذه الفقرة كلها بدأت بآية فيها: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ. وأن هذه المجموعة بدأت بقوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فكأن هذه المجموعة تكمل ما بدأته المجموعة الأولى، وحرف الواو في (أو كلما) كأنه يعطف الآية الأولى في هذه المجموعة على ما ورد في الآية الأولى من المجموعة الأولى. ٢ - وفي المجموعة الأولى ورد قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ... والآية الثانية من هذه المجموعة هي قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ. فالتكامل في الفقرة في مجموعاتها الثلاث واضح، خاصة وقد رأينا كيف أن وحدة المجموعتين الأولى والثانية واضحة، وتكاملهما واضح، وتأتي هذه المجموعة لترينا بوضوح وحدتها، وأنها في نفس الوقت جزء من كل ما تحتويه فقرتها. ٣ - يأتي بعد هذه المجموعة خطاب مباشر لأول مرة في سورة البقرة بصيغة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا .... وهذا يدلنا على أننا أمام فقرة جديدة، ولكنه في الوقت نفسه ندرك أن هذه المجموعة قد أكملت الحجة على بني إسرائيل، إن في دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم، أو في رفضهم الإيمان بالقرآن وبمحمد ﵊، إنه لم يتوجه الخطاب لأهل الإيمان بصيغة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بعد هذه المجموعة إلا بعد أن قامت الحجة على اليهود، وعرفت هذه الأمة واقعهم، عندئذ آن الأوان أن يتوجه الخطاب لأهل الإيمان أن يتحرروا من كل مظهر من مظاهر التبعية لليهود، بل ليناقشوا ويحذروا ويتحدوا ويعلموا ويتميزوا ويعملوا ويعتبروا .. ٤ - في المجموعة الثانية وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ .. وفي هذه المجموعة بيان لطبيعتهم الغادرة، وفضح لهم كيف أنهم يرفضون رسالة الرسول

стр. 186

المصدق لما معهم، وكيف أنهم في الوقت نفسه يتبعون الشياطين والسحر، بينما هم يزعمون كما عرضته علينا المجموعة الأولى أنهم لا يتبعون القرآن؛ لأنهم يؤمنون بما أنزل عليهم. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا. وبذلك كملت المجموعات الثلاث بعضها بعضا، فكانت فقرة واحدة إذ بمجموعها بينت كيف أنهم يتركون ما أمروا به، ويقتلون أو يكذبون من أمروا بمتابعته، ويتابعون من أمروا بمحاربته، ويعملون ما أمروا بتركه. ولنبدأ عرض الآيات: العرض والتفسير: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ نبذه أي نقضه ورفضه وقوله فَرِيقٌ مِنْهُمْ يدل على أن الذي يتولى النقض هم البعض، قال الحسن البصري: «نعم ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم وينقضون غدا». أقول: فعلينا أن نلاحظ دائما في التعامل معهم هذا المعنى، فمن لم يضع هذا المعنى في حسابه يكون من الغافلين، صحيح أن الذي ينقض العهد فريق، ولكن الآخرين يؤيدون النقض، ويقبلونه ويرضون به، إن لم يكن علنا فسرا أو ضمنا، هذا ما نأخذه من الآية بشكل دائم، ولكن إذا ربطنا هذه الآية بقوله تعالى: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فإنه يخرج معنا معنى مرتبط بموقفهم من الرسل، وقد سجل هذا المعنى ابن كثير: حين قال: «وقال مالك بن الصيف (من اليهود) حين بعث رسول الله ﷺ وذكرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد ﷺ : والله ما عهد إلينا في محمد وما أخذ علينا ميثاقا» فأنزل الله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ... فكأن الفريق على هذا التفسير هو الجيل من أجيالهم. قال ابن كثير: «قلت: فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها، ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعته وصفته وأخباره، وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ونصرته». بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إذا نظرنا إلى هذه الجملة من خلال التفسير الأول كان معناها: بل أكثرهم لا تظهر عليه ثمرات الإيمان من تمسك بالعهود ووفاء لها، وإذا نظرنا إلى الآية من خلال التفسير الثاني كان المعنى: بل أكثرهم لا يؤمنون بمن أخذ عليهم

стр. 187

العهد أن يؤمنوا به، ومن ثم قال السدي فيها: «(أي) لا يؤمنون بما جاء به محمد ﷺ »، وقال النسفي: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بالتوراة وليسوا من الدين في شئ، فلا يعدون نقض المواثيق ذنبا ولا يبالون، وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ. أي: ولما جاءهم محمد ﷺ مصدق لما معهم من التوراة نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ. أي: طرح طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم وهو التوراة بما فيه البشارة بمحمد ﷺ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، أو كأنهم ليسوا أهل كتاب سابق يعلمهم، والذين أوتوا الكتاب في الآية هم اليهود، ونبذ الكتاب وراء الظهور مثل لتركهم له وإعراضهم عنه، مثل بما يرمى به وراء الظهور استغناء عنه وقلة التفات إليه، ويلاحظ أن كلمة (فريق) تكررت في هذه الآية والتي قبلها، هناك في معرض نقض الميثاق، وهنا في معرض ترك اتباع التوراة في موضوع الإيمان برسول الله ﷺ ، فبين الآيتين ارتباط لا يخفى على اللبيب، ثم تأتي الآية الثالثة وارتباطها بما قبلها واضح لوجود حرف العطف إذ تبتدئ الآية بقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ فصار التقدير نبذ اليهود كتاب الله، واتبعوا إملاءات الشياطين، وكتب السحر، والشعوذة هذه طبيعتهم: إعراض عما كلفوا به مما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، واتباع لما حظر عليهم مما يظنون أنه ينفعهم في دنياهم. وقبل أن نبدأ شرح الآية نحب أن نلفت النظر إلى قضيتين: الأولى السحر، والقضية الثانية حول هاروت وماروت، فالآية في سياقها تعرضت لهاتين القضيتين. وقد جرى خلاف كثير بين العلماء في تفسير الآية بسبب هاتين القضيتين ونحن سنعقد فصلين حولهما بعد أن ننهي عرض المقطع حتى يبقى عرض السياق مستمرا وسنقتصر على أدنى ما يلزم من كلام للعرض فليلاحظ ذلك. وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ هذه الآية معطوفة على ما قبلها فبنو إسرائيل نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا .. قال ابن كثير: أي واتبعت اليهود- الذين أوتوا الكتاب من بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم ومخالفتهم لرسول الله محمد ﷺ ما تتلوه الشياطين أي ما ترويه وتخبر به، وتتحدث به الشياطين على ملك سليمان، وعداه ب (على) لأنه ضمن (تتلو) تكذب ومعنى عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ. أي: على عهد ملكه وفي زمانه وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا هذه تبرئة لسليمان من الكفر والسحر، وحكم على الشياطين بالكفر باستعمال السحر وتعليمه يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ. أي: يعلم الشياطين الناس

стр. 188

السحر، ومن ثم صدر الحكم عليهم بالكفر بهذا السبب مع أنهم كفار في الأصل، يفهم من ذلك أن السحر الذي هو سحر يلازمه الكفر. وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ للمفسرين في (ما) من قوله تعالى: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ مذهبان: الأول أنها نافية، والثاني على أنها اسم موصول، وعلى أنها نافية يفهم النص مجموعة فهوم، وعلى أنها اسم موصول يفهم النص مجموعة فهوم، وسنعقد لذلك فصلا أما الآن فنقول: إن إحدى الاتجاهات الرئيسية في النص: أن هذين ملكان أنزلهما الله- ليعلما الناس السحر ليستطيعوا أن يفرقوا بين السحر والمعجزة، ومن ثم فإنهما كانا يقولان لمن يتعلم إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ بأن تعمل بالسحر وتسحر فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ. أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به فيما يتصرفون من الأفاعيل المذمومة ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف، وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر سوء منظر، أو خلق أو بغضة أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة، والمرء هو الرجل وتأنيثه امرأة ويثنى كل منهما ولا يجمعان وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. أي: وما هم بضارين بالسحر أحدا إلا بعلم الله ومشيئته وقضائه وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ. أي: يضرهم في دينهم وأخراهم وليس له نفع يوازي ضرره أصلا. دل ذلك على أن تعلم السحر ضرر محض قال النسفي: وفيه دليل على أنه واجب الاجتناب كتعلم الفلسفة التي تجر إلى الغواية. أقول: المطالعة في كتب الفلسفة حرام على من ليس عنده مناعة ضدها، وهذا بحث يقتضي فصلا وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا السحر عن متابعة الرسول ﷺ لمن فعل فعلهم ذلك أنه ما له في الآخرة من نصيب، فالخلاق هو النصيب وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. أي: ولبئس البديل ما استبدلوا به من السحر عوضا عن الإيمان ومتابعة الرسول ﷺ ، لو كان لهم علم بما وعظوا به، ولكنهم لا علم عندهم، إنما نفى العلم عنهم مع إثباته لهم بقوله وَلَقَدْ عَلِمُوا لأن معناه لو كان عندهم علم يعملون به، جعلهم حين لم يعلموا بعلمهم كأنهم لا يعلمون وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله والقرآن، واتقوا الله باجتناب المحارم وترك ما هم عليه من نبذ كتاب الله، واتباع كتب الشياطين، لكان ثواب الله خيرا لهم مما هم فيه، فالمثوبة الثواب، وقد حكم عليهم بالجهل بقوله لَوْ

стр. 189

كانُوا يَعْلَمُونَ لتركهم العمل بالعلم. كلمة في الفقرة وسياقها: هذه الفقرة هي إحدى فقرتين تواجهان بشكل مباشر بني إسرائيل في أقوالهم وأفعالهم في قضية الإيمان، والملاحظ أن هذه الفقرة انتهت بقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ولو أننا رجعنا إلى مدخل هذا المقطع لوجدنا قوله تعالى هناك: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فالشئ الذي طالبتهم به الآيتان هناك، جاء النقاش على أشده معهم في شأنه في هذه الفقرة. وهكذا رأينا أن ذلك المدخل الذي طالبهم بأوامر ونواه، قد جاء الفصل الأول، وفقرتان من الفصل الثاني، كتعليل وتفصيل للمطالبة بتلك الأوامر والنواهي. ثم تأتي فقرتان في الفصل الثاني لتواجها اليهود مواجهة في قضية الإيمان بالقرآن، ولتحددا لهذه الأمة طريقها في العلاقة مع بني إسرائيل، وليعطي المقطع كله دروسا لهذه الأمة في كيفية التعامل مع الأوامر والنواهي، ولننتقل إلى الفقرة الثانية في هذه المواجهة أي إلى الجولة الثانية وهي الفقرة الرابعة في الفصل الثاني من المقطع والذي بدايته أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ... والذي ينصب الكلام فيه على قضية الإيمان: الفقرة الرابعة من الفصل الثاني من المقطع الثالث: تمتد هذه الفقرة من الآية (١٠٤) إلى نهاية الآية (١٢١) ثم تأتي بعد ذلك آيتان هما خاتمة المقطع فينتهي المقطع بنهاية الآية (١٢٣) وهذه هي الفقرة مع خاتمة المقطع: [سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٤ الى ١٢٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥) ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)

стр. 190

كلمة في هذه الفقرة وسياقها: لأول مرة تتصدر كلمة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب المؤمنين في سورة البقرة وذلك بعد الدروس الكثيرة التي أخذها المؤمنون، وبعد الجولة المباشرة مع بني إسرائيل في قضية الإيمان، وجاء الخطاب مطالبا أهل الإيمان بالتحرر من أسر متابعة اليهود حتى في التعابير، ومحذرا من الوقوع فيما وقعوا فيه من سوء الأدب مع الله. وجاء السياق معرفا أهل الإيمان على العواطف الحقيقة للكافرين تجاه المسلمين، وعارضا لكثير من الأقوال والأفعال الخاطئة والموقف الصحيح منها. ومن ثم فإن الفقرة تناقش مجموعة

стр. 191

الأوهام والتصورات الأساسية عند اليهود والنصارى من كون الشرائع السابقة لا يجوز نسخها، ومن كون الجنة حكرا على هؤلاء مع انحرافهم عن الدين الحق! ومن كون أهل كل باطل لا يرون غيرهم على شئ!، ومن ادعاء الولد لله، ومن طلب سماع كلام الله واقتراح الآيات، ومن كون بقايا أهل الكتاب كلهم على هوى ورغبة في أن يحملوا الناس على أهوائهم. وفي الفقرة توجيهات لهذه الأمة تساعدها على تحمل عبء الصراع مع الكفر وأهله، وفيها موازين تعرف بها حقائق وكليات، ويتضح في هذه الفقرة تماما أن هذا المقطع وإن كان في سياقه العام يدعو بني إسرائيل للصلاح والإصلاح، ولكن الهدف الأول هو هذه الأمة، وإصلاحها، وتربيتها، وتعليمها، والارتقاء بها. إن هذه الفقرة مبدوءة ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وهو الخطاب الأول بهذه الصيغة في القرآن، فكأن ما قبله إنما كان من أجل وجود الشخصية المؤمنة، حتى إذا وجدت الشخصية المؤمنة من خلال كل المعاني السابقة أصبحت مؤهلة للخطاب الخاص بها. ومن هنا فإننا نستنتج أن ما قبل هذا الخطاب ضروري في قضية الإيمان، فالإيمان العملي الكامل غير الإيمان النظري الذي لا يواجه به صاحبه كل شئ حوله بعقلية المؤمن. ونتيجة لذلك فإننا نقول: إن هذه الفقرة من الأهمية في المكان الكبير على اعتبار أنها أول خطاب مباشر للمؤمنين بلفظ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فالمعاني الموجودة فيها والتوجيهات ذات أهمية خاصة: ففيها وجهت الأمة المسلمة نحو الاحتراس الكامل من متابعة غيرها، أو الوقوع في أسر مصطلحاته، وفيها عرفت الأمة أن عدوها لا يريد بها خيرا، ولا يريد لها خيرا بل ينفس عليها أي خير يصيبها من ربها، وفيها وجهت الأمة نحو التسليم المطلق لله في أحكامه وشرائعه، ينسخ ما شاء ويثبت ما شاء؛ فهو ذو القدرة المطلقة والعلم المحيط، وفيها وجهت الأمة نحو الاحتراس من السير على طريق بني إسرائيل في تعنتهم وسؤال رسولهم ما لا ينبغي، وفيها وجهت الأمة نحو الحرص على الإيمان وعدم استبداله بالكفر، وفيها عرفت الأمة على الرغبة الملحة عند أهل الكتاب عامة من أجل صرف هذه الأمة عن دينها، وفيها وجهت الأمة نحو الصلاة والزكاة كمرتكزين رئيسيين للبقاء في هذا الدين، وفيها تمت الدلالة على الطريق للإيمان بالكتاب وهو تلاوته حق التلاوة. إن كل قضية من القضايا التي تعرضت لها الفقرة ذات أهمية بالغة جدا. فأية غفلة عنها، أو جهل بها، أو انحراف عن الأخذ بها؛ يترتب عليه شر كبير وبلاء مستطير.

стр. 192

إن دروس ما مر من قبل في هذا المقطع تأتينا هنا بشكل مكثف فلنعرف ذلك. التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا ذكر لي بعض الدارسين للغة العبرية أن كلمة (راعينو) ومشتقاتها لا زالت تستعمل في اللغة العبرية الحالية كلمة سباب. هذه الكلمة يشبهها في اللغة العربية من حيث اللفظ مع اختلاف المعنى كلمة (راعنا). فكان اليهود يستعملون هذه الكلمة في خطاب رسول الله ﷺ متسترين بمعناها العربي، وهم يريدون الإساءة. وكان المسلمون يظنون باليهود خيرا فتابعوهم على ذلك؛ فأنزل الله الآية. وبعض المفسرين ظنوا أن سبب النهي عن استعمال كلمة (راعنا) أن اليهود كانوا يستعملونها ويريدون (الرعونة) ولا يبعد أن يكون هناك صلة بين اللغة العبرية وهذا المعنى في الاشتقاق. قال السدي: «كان رجل من اليهود من بني قينقاع يدعى رفاعة بن زيد يأتي النبي ﷺ فإذا لقيه فكلمه قال: ارعني سمعك، واسمع عير مسمع، وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء تفخم بهذا؛ فكان ناس منهم يقولون اسمع غير مسمع (غير سامع)، وهي كالتي في سورة النساء فتقدم الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا راعنا». وقال الحسن: الراعن من القول السخري منه، نهاهم الله أن يسخروا من قول محمد ﷺ وما يدعوهم إليه من الإسلام. قال ابن كثير: نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعنون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص، عليهم لعائن الله، فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا، يقولون: راعنا ويورون بالرعونة ... والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ ... أخرج الإمام أحمد .. عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم». وأخرج أبو داود عن رسول الله ﷺ «من تشبه بقوم فهو منهم».

стр. 193

قال ابن كثير: ففيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد والوعيد، على التشبه بالكفار، في أقوالهم، وأفعالهم ولباسهم، وأعيادهم، وعياداتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نقر عليها. وقال النسفي في الآية: كان المسلمون يقولون لرسول الله ﷺ إذا ألقى عليهم شيئا من العلم: راعنا يا رسول الله، أي راقبنا وانتظرنا حتى نفهمه ونحفظه، وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهي (راعينا) فلما سمعوا بقول المؤمنين (راعنا) افترصوه وخاطبوا به الرسول ﷺ وهم يعنون تلك المسبة، فنهي المؤمنون عنها، وأمروا بما هو في معناها وهو انظرنا، من نظره إذا انتظره. يقول صاحب الظلال: «فقد كانوا يخشون أن يشتموا النبي ﷺ مواجهة، فيحتالون على سبه- صلوات الله وسلامه عليه- عن هذا الطريق الملتوي الذي لا يسلكه إلا صغار السفهاء، ومن ثم جاء النهي للمؤمنين عن اللفظ الذي يتخذه اليهود ذريعة، وأمروا أن يستبدلوا به مرادفه في المعنى، الذي لا يملك السفهاء تحريفه وإمالته؛ كي يفوتوا على اليهود غرضهم الصغير السفيه، واستخدام مثل هذه الوسيلة من اليهود يشي بمدى غيظهم وحقدهم، كما يشي بسوء الأدب وخسة الوسيلة وانحطاط السلوك، والنهي الوارد بهذه المناسبة يوحي برعاية الله لنبيه، وللجماعة المسلمة، ودفاعه سبحانه عن أوليائه، بإزاء كل كيد وكل قصد شرير من أعدائهم الماكرين». أقول: إن هذه الحادثة تدل على أن اليهود لا يتركون فرصة يسيئون إلينا بها إلا اهتبلوها مهما كانت هذه الفرصة صغيرة أو خسيسة، وإن أمثالهم كثيرون، وعلينا أن نكون يقظين بحيث لا نعطي عدوا فرصة. وأول درس يستفاد من الحادثة والآية: أن يحذر المسلم من خداع الألفاظ التي يطلقها الكافرون ومن متابعتهم عليها، ولعل غياب هذه الحقيقة عن أذهان المسلمين كان من أعظم أسباب كوارثهم، فقد تابعوا أعداء الله والإسلام في شعاراتهم وألبستهم وعاداتهم وأفكارهم وتقويمهم للأشياء، وإذا بآلاف الألوية الكافرة ترتفع في أرض الإسلام، ويلتف حولها أبناء المسلمين، واللواء الحقيقي للمسلم لواء الله ورسوله لم يعد يحمله إلا القليل، ولو أن المسلم عقل الانحراف النفسي والعقلي للكافرين عامة لأدرك خطر المتابعة، ولو أن المسلم عقل الوضع النفسي والعقلي للكافرين عامة لعرف أن هؤلاء

стр. 194

الكافرين جميعا أعداؤه، وأنهم لا يريدون به خيرا، ولا يريدون له خيرا كما سنرى في الآية اللاحقة للآية التي نحن بصددها. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا أي وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله ﷺ ، ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة، وليكن سماعكم سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم كسماع اليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا. وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ أي ولليهود وأشباههم من الكافرين جميعا ممن يسبون رسول الله ﷺ ، ويسيئون الأدب معه، ويرفضون السماع له عذاب مؤلم. أخرج ابن أبي حاتم: «أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود فقال: اعهد إلي فقال: إذا سمعت الله يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فارعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه». ثم تأتي الآية التالية للآية الأولى لتؤكد أن الكافرين- سواء كانوا كتابيين أو مشركين- يكرهون أن يصيب المسلمين أي خير من ربهم. فهي تكمل الآية السابقة فكأنها تقول للمسلم: كيف تتابع أعداء الله وتقلدهم وتترك طاعة الله ورسوله ﷺ ؟ وأعداء الله يعادونك، ويحاربونك، ويكرهون لك الخير: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ الخير هنا الوحي، وبين الله في هذه الآية شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين الذين حذر الله تعالى من تقليدهم ومحاكاتهم؛ ليقطع المودة بيننا وبينهم. ونبه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل الذي شرعه لنبيهم محمد ﷺ حيث يقول تعالى وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ المراد بالرحمة هنا النبوة والوحي والشريعة وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وفي هذا إشعار بأن إيتاء النبوة من الفضل العظيم على الرسول وعلى المستجيبين له. بين سياق المقطع الانحراف الخطير الذي وقع فيه أهل الكتاب، فكان مقتضى هذه المعرفة أن يكون المسلم في علاقته بأهل الكتاب- فضلا عن غيرهم- على حذر، وخاصة في المتابعة والطاعة، وكيف لا وقد خصت هذه الأمة بالخير وبالفضل، أفتترك هذه الأمة هذا الخير وهذا الفضل وتتابع أعداءها ممن لا خير عندهم ولا فضل ولا يريدون بهذه الأمة خيرا. ثم يأتي بعد ذلك قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ

стр. 195

قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ لم تظهر حكمة مجئ هاتين الآيتين في هذا السياق وفي هذا المكان كما ظهرت في عصرنا. إذ في العصور المتأخرة صاغ أهل الكتاب في زعمهم نظريات النقد الرئيسية الكاذبة لإسلامنا، وكان منها نقد الإسلام من خلال موضوع النسخ، فكان عملهم استمرارا لعمل أسلافهم في زمن النبوة. فأسلافهم في زمن النبوة نقدوا الإسلام من خلال ما ينسخ من حكم ويوضع من حكم جديد، وأتم هؤلاء النظرية فرفضوا أن يكون الإسلام ناسخا لما قبله؛ بحجة أن دين الله واحد والله واحد، فلماذا ينسخ الله شرعه؟ فكون النسخ موجودا في الشريعة الإسلامية، وكون الشريعة الإسلامية تعتبر نفسها ناسخة لما قبلها؛ فذلك علامة على أن هذه الشريعة ليست من عند الله. ومن أعظم من تولى الرد عليهم في هذا الموضوع وفي غيره رحمة الله بن خليل الهندي في كتابه «إظهار الحق» الذي لم يؤلف في الإسلام مثله في موضوعه، إذ أقام عليهم الحجة من كلامهم، ومن نصوص ديانتهم التي يعتمدونها في مجموع المسائل التي أثاروها. فبرهن في موضوع النسخ من خلال ما يعتمدونه على أن التوراة نسخت أحكاما كانت قبلها في بني إسرائيل، وأن الإنجيل قد نسخ أحكاما في التوراة، بل إن رسل المسيح- في زعمهم- قد نسخوا أحكاما في الإنجيل، وأن التوراة قد نسخت أحكام فيها بأحكام أخرى. بعد هذه المقدمة أصبح بإمكاننا أن ندرك محل هاتين الآيتين في سياق الفقرة: خص الله هذه الأمة بالفضل والخير؛ بإنزاله عليها شريعته الأخيرة الناسخة لسواها. والكافرون الذين لا يريدون لهذه الأمة خيرا ينكرون أن تنسخ شريعة لاحقة شريعة سابقة. وبالتالي فإنهم يعتبرون الإسلام باطلا. وهم إذ يزعمون هذا الزعم فكأنهم يعتبرون الله عاجزا، وهم بذلك لا يعرفون إحاطة علم الله، فتأتي الآيتان لترد هذا كله وتبطله. ففي الآيتين تأكيد لفضل الله على هذه الأمة وتوضيح، وهذا يستدعي من هذه الأمة أن تعرف فضل الله عليها، فلا تستجر إلى متابعة أهل الضلال، بل أن تشكر الله على نعمه بالسماع والمتابعة، وبهذا نعرف صلة هاتين الآيتين بسياق الفقرة التي بدايتها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا ولنبدأ عرض الآيتين: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها طعن اليهود في النسخ فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا فنزلت هذه الآية. والنسخ لغة: التبديل. وشريعة: بيان انتهاء الحكم الشرعي المطلق الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي فكان تبديلا في حقنا، بيانا محضا في

стр. 196

حق صاحب الشرع. والإنساء: أن يذهب بحفظها من القلوب نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أي نأت بخير من الذي نسخناه أو مثل الذي تركناه، أي في الحكم بالنسبة لمصلحة المكلفين إما أنفع وإما أرفق وإما أكثر ثوابا. قال قتادة: فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي قادر فهو يقدر على الخير وعلى مثله وعلى أفضل منه أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فهو يملك أموركم ويدبرها، وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ أو منسوخ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يلي أموركم وَلا نَصِيرٍ أي ناصر ينصركم من العذاب. قال ابن كثير: «يرشد عباده تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء؛ يسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ؛ فيأمر بالشئ لما فيه من المصلحة التي يعلمها ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى. فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله، في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود، وتزييف شبهتهم- لعنهم الله- في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا، وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا. قال الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀: فتأويل الآية ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السموات والأرض وسلطانهما دون غيرى؛ أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي بما أشاء إذ أشاء، وأقر فيهما ما أشاء ثم قال: وهذا الخبر وإن كان خطابا من الله تعالى لنبيه ﷺ على وجه الخبر عن عظمته. فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته؛ وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره ونهيه، قلت (القائل ابن كثير) الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ إنما هو الكفر والعناد. فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى؛ لأنه يحكم ما يشاء كما أنه يفعل ما

стр. 197

يريد مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات ثم نسخ حل بعضها، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها، أمر إبراهيم بذبح ولده ثم نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم ثم رفع عنهم القتل؛ كيلا يستأصلهم القتل، وأشياء كثيرة يطول ذكرها وهم يعترفون بذلك ويصدقونه». وفي الصلة بين قوله تعالى ما نَنْسَخْ وبين ما قبلها زيادة على ما ذكرنا، ما قاله الألوسي: «ومناسبة الآية لما قبلها أن فيه ما هو من قبيل النسخ؛ حيث أقر الصحابة ﵃ مدة على قول (راعنا) وإقراره ﷺ على الشئ منزل منزلة الأمر به والإذن فيه ثم إنهم نهوا عن ذلك، فكان مظنة لما يحاكي ما حكي في سبب النزول، أو لأنه تعالى لما ذكر أنه ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ كاد ترفع الطغام رءوسها وتقول: «إن من الفضل عدم النسخ .. فأتى سبحانه بما ينكس رءوسهم ويكسر ناموسهم ويشير إلى أن النسخ من جملة فضله العظيم، وجوده العميم، أو لأنه تعالى لما أشار إلى حقيقة الوحي ورد كلام الكارهين له رأسا، عقبه بما يبين سر النسخ الذي هو فرد من أفراد تنزيل الوحي وإبطال مقالة الطاعنين فيه فليتدبر» اه. وفي حكمة النسخ يقول صاحب الظلال: «فالتعديل الجزئي وفق مقتضيات الأحوال في فترة الرسالة هو لصالح البشرية ولتحقيق خير أكبر تقتضيه أطوار حياتها» اه. وسنعقد للنسخ فصلا بعد أن ننهي عرض المقطع ولننتقل إلى آية أخرى في الفقرة وهي: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ. (أم) في اللغة العربية تأتي متصلة، وتأتي منفصلة، تأتي متصلة إذا سبقت بهمزة استفهام وجاءت حرفا معادلا له تقول (أجاز زيد أم خالد) وتأتي منفصلة إذا لم تسبق بشيء من هذا لفظا أو تقديرا، وتكون في هذه الحالة حرف إضراب تقديره (بل) قال الألوسي: جوز في (أم) هذه أن تكون متصلة وأن تكون منقطعة، ثم أخذ يوجه الاتصال والانقطاع، وذكر كيف أن بعضهم جزم بالانقطاع، والألوسي احتمل الاتصال لسبق (أم) بقوله تعالى أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. ورده بعضهم لأن الخطاب في الآية لرسول الله ﷺ ، بينما الخطاب في الآية الثانية.

стр. 198

للمؤمنين. والذي أرتاح إليه أن (أم) متصلة ولكن همزتها هي التي مرت معنا في ابتداء الفصل في قوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ .. أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ. في الفصل الأول من هذا المقطع: سئل موسى من قبل بني إسرائيل أن يريهم الله جهرة، وسألوا موسى أن يخرج الله لهم من بقول الأرض، وفي الفصل الأول تبينت معالم الطبيعة اليهودية، ثم جاء الفصل الثاني مصدرا بقوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ .. وسار السياق موئسا المسلمين من إيمان هؤلاء ثم جاء قوله تعالى أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ .. ناهيا المسلمين أن يسألوا كما سأل بنو إسرائيل ولكن بعد أن اتضحت النفسية اليهودية بشكل أجلى. فالفصل في سياقه الرئيسي يقول للمسلمين: لا تطمعوا أن يؤمنوا لكم، ولا تسألوا رسولكم كما سألوه، هذا على القول بأن (أم) متصلة. أما على القول بأنها منفصلة فإن المعنى يكون: بل أتريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل. وفي حالة اتصال (أم) أو انفصالها فالإنكار هو المقدر ولنا عودة على السياق: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قال ابن كثير: «أي بل تريدون أو هي على بابها في الاستفهام وهو إنكاري» وقال: والمراد أن الله ذم من سأل الرسول ﷺ عن شئ على وجه التعنت والاقتراح كما سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ تعنتا وتكذيبا وعنادا وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ أي ومن يشتر الكفر بالإيمان فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال، وهذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم، والانقياد لهم، إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم، بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر ولنا عند هذه الآية وقفتان: الوقفة الأولى حول أهمية هذا التوجيه: إن بني إسرائيل عند ما بعث لهم موسى ﵇ كانوا أمة مستعبدة، ثم تخلصوا من العبودية وبقوا حدثاء عهد بها، وكانوا حدثاء عهد بالكتاب، ومن ثم كانوا يسألون ما لا يسأل، ويتعنتون ويخالفون، وقد أعطى الله هذه الأمة دروسا عن

стр. 199

هؤلاء. ولقد كونت هذه الأمة في قلب الجزيرة العربية حيث لا عبودية سابقة، فانتفت الظروف وأخذنا الدروس، فالمفروض أن تكون أمتنا بمنأى عن الأسئلة الساذجة أو المتعنتة أو التي لا تليق بالأمة الربانية. وأهم الأسئلة التي وجهها بنو إسرائيل لموسى ﵇ في هذا السياق تعليقهم الإيمان به برؤية الله جهرة، وهو طلب متعنت ظالم، وطلبهم طعام الرخاء، وهو طلب أمة مسترخية، والأمة المسترخية لا تستطيع تحمل أعباء جهاد طويل المدى. إن هذا التوجيه يراد به من الأمة أن تبتعد عن مثل هذا النوع من السير الخاطئ الذي سارت به بنو إسرائيل، واقرأ هذه النصوص لترى كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ نماذج صدق في كل حق: في الصحيحين عن المغيرة «أن رسول الله ﷺ كان ينهى عن قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال» ... وتنفيذا لمثل هذا ولمثل ما ورد في الآية: يقول البراء بن عازب: «إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن الشئ فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب» أي نتمنى أن يأتي الأعرابي فيسأله فنتعلم. وقال ابن عباس: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد ﷺ ما سألوه ﷺ إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ... يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ .. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ... اه. يعنى هذا وأشباهه فما أعظم هذا الجيل! فهم لم يكتفوا ألا يسألوا طلب تعنت بل لم يسألوا حتى على شاكلة أخرى إلا حيث الضرورة القصوى. الوقفة الثانية في سياق هذه الآية: - إذا اعتبرنا (أم) في الآية منقطعة فإن محل الآية مع ما قبلها وما بعدها على الشكل التالي: نهى الله المؤمنين أن يحاكوا اليهود في أدنى شئ، وأمرهم أن يسمعوا وبين لهم أن الكافرين جميعا لا يرغبون لهذه الأمة أدنى خير من الله، بينما خص الله هذه الأمة بمزيد فضله؛ بأن أنزل عليهم رسالته وخاتمة شرائعه، وبذلك نسخت هذه الشريعة الشرائع السابقة، ومن ثم جاءت آية النسخ وما بعدها لتعلل للنسخ كله رادة

стр. 200

على أهل الكتاب. وفي هذا السياق تأتي هذه الآية أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا .. ناهية المسلمين عن السؤال المتعنت، مبينة لهم أن بداية السير في الضلال هو السؤال المتعنت، فالآية تأتي بعد أن بين الله لهذه الأمة فضله عليها؛ لتدلهم على ما لا ينبغي فعله، قياما بشكر الله، ولتبين لهم أن مما تسلب به هذه النعمة العظيمة عنهم هو السؤال المتعنت كسؤال قوم موسى لموسى. إذا تقرر هذا فلنلاحظ: بدأت هذه الفقرة بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا ثم بعد آيات جاء قوله تعالى أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ إن السياق كأنه يقول لنا: إنكم إن واتيتم اليهود بمثل (راعنا) فستصلون في النهاية إلى أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى؛ لأنهم لا يريدون بكم خيرا، ويثيرون الشبهات والشكوك ضد إسلامكم ودينكم من مثل شبهة النسخ وغيرها. ولو أننا تتبعنا واقع أبناء المسلمين الذين لا يكتفون بالسؤال كما سئل موسى من قبل بل يقولون ما هو أفظع، لو أنك تتبعت: ما الذي أوصل المسلمين إلى مثل هذا لوجدته تلك البدايات من المواتاة لأعداء الله في أشياء ظاهرها صغير، ومن ثم تأتي الآية اللاحقة لتبين كيف أن أهل الكتاب يودون لو أنهم أرجعونا كفارا، فأمام هذه الرغبة فإنه لا ينبغي أن نواتيهم في بدايات توصلنا إلى نهايات خطيرة نضل بها عن سواء السبيل. هذا ما نراه في محل هذه الآية ضمن السياق إذا اعتبرنا أن (أم) منقطعة. قال الألوسي: والمراد على التقديرين (اتصال «أم» أو انفصالها) توصيته المسلمين بالثقة برسول الله ﷺ ، وترك الاقتراح بعد رد طعن المشركين أو اليهود في النسخ، فكأنه قيل لا تكونوا فيما أنزل إليكم من القرآن مثل اليهود في ترك الثقة بالآيات البينة واقتراح غيرها؛ فتضلوا وتكفروا بعد الإيمان، وفي هذه التوصية كمال المبالغة والبلاغة حتى كأنهم بصدد الإرادة فنهوا عنها فضلا عن السؤال. يعني من شأن العاقل أن لا يتصدى لإرادة ذلك ولم يقل سبحانه كما سأل أمة موسى أو اليهود للإشارة إلى أن من سأل ذلك يستحق أن يصان اللسان عن ذكره- وإذا اعتبرنا أن (أم) متصلة على الوجه الذي ذكرناه من أنها متصلة بالهمزة في قوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ فإن السياق يكون على الشكل التالي:

стр. 201

يبدأ الفصل بقوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ثم يسير الفصل مبينا فساد قلوب هؤلاء ليستقر على الأمر بعدم محاكاة هؤلاء في شئ مبينا كراهيتهم لإنزال الله على هذه الأمة وحيا واصلا إلى سنة الله في النسخ، فشريعة نسخت وشريعة وجدت، فإذا استقر السياق على هذا جاء قوله تعالى: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ ... فصار السياق الرئيسي: لا تطمعوا أن يؤمنوا لكم، ولا تسألوا كما سألوا رسولهم، وكأن الطمع بإيمانهم مع ما هم فيه قد يؤدي إلى سؤال رسولنا أسئلة في غير محلها. ثم تأتي بقية الفصل وفيها تعليل لكلا القضيتين لعدم الطمع بالإيمان ولعدم السؤال فيأتي بعد ذلك. وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً ... وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ... وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ ... وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ... وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ ... وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ... فناس هذه مواقفهم وهذه أقوالهم كيف يتابعون؟ وكيف يطمع بإيمانهم؟ وكيف يكونون محل قدوة للمسلمين؟

стр. 202

إنه على القول بأن (أم) حرف معادل للهمزة في قوله تعالى: «أفتطمعون .. » نرى وحدة الفصل الثاني في هذا المقطع بشكل واضح، ولكنه اتجاه لم نره في كتب التفسير التي اطلعنا عليها، ولذلك فنحن نسجله مع ذكر انفرادنا به ولننتقل إلى ما بعد ذلك في الفقرة: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ في هاتين الآيتين شرح حال من أحوال أهل الكتاب بالنسبة لنا، والموقف المكافئ لذلك، ومحل هاتين الآيتين في السياق أنهما بمثابة البيان والتفصيل لحكمة النهي عن المتابعة الوارد في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا والوارد في قوله تعالى أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ ... كما أنهما تعليل لعدم الطمع في الإيمان الوارد في قوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ... إذ السياق واحد. قال ابن كثير في تفسير الآيتين: يحذر تعالى عباده المؤمنين من سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم، ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو أو الاحتمال حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح، ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه. أقول: إن الآيتين فيهما شرح حال، وإلزام بموقف .. - أما شرح الحال فهو: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ أي أن يردوكم، وهل المراد بالكثير هنا العلماء منهم أو العلماء والعامة، وبالتالي فلا يخرج منهم إلا من آمن سرا. قولان للمفسرين. مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ هذه علة الرغبة في أن يردونا مرتدين. والحسد هو: الأسف على الخير عند الغير، والحسد من عند النفس هو الحسد النابع عن شهوة النفس لا من قبل التدين والميل مع الحق، فحسدهم متبالغ منبعث من أصل أنفسهم مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ أي من بعد علمهم بأنكم على الحق، كانوا يعلمون أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 203

يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدا وبغيا إذ كان من غير بني إسرائيل. قال الألوسي: «فإن من شاهد هاتيك المعجزات الباهرة والآيات الزاهرة يبعد عنه كيفما كان عدم تبين الحق ومعرفة مطالع الصدق، إلا أن الحظوظ النفسانية، والشهوات الدنية، والتسويلات الشيطانية؛ حجبت من حجبت عن الإيمان، وقيدت من قيدت في قيد الخذلان» اه هذا هو شرح حال الكثيرين من أهل الكتاب. فما هو الموقف الذي ألزمنا به؟ - وأما الموقف الذي ألزمنا به فهو: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا أي فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة. حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ الأمر هنا إما مفرد الأوامر وإما مفرد الأمور. فإن كان مفرد الأوامر فالمراد بالآية حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أي بالقتل والقتال. وفي إسناد صحيح عن أسامة بن زيد قال: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى قال الله فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وكان رسول الله ﷺ يتأول من العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم بالقتل فقتل الله به من قتل من صناديد قريش. أما إذا كان الأمر في الآية مفرد الأمور فالمراد به القيامة، أو المجازاة يومها، أو قوة الرسالة وكثرة الأمة، أو المراد به نصر الله وفتحه، وعلى القول الأول فالآية منسوخة بآيات القتال، وعلى القول الثاني فالآية محكمة غير منسوخة، وعلى القول بأنها محكمة فنحن مأمورون بالصفح والعفو حتى يأتي النصر والفتح والغلبة، وعندئذ فإن حكم الله ينفذ فيهم، ومحاكمنا تحاكم شططهم، وسلطتنا تمنع تجاوزاتهم، وتحول دون مكرهم، وتحظر مؤسساتهم التي يقيمونها لفتنة المسلمين وخديعتهم. وعلى القول بأنها محكمة فهي واحدة من آيات محكمات في شأن التعامل مع أهل الكتاب، وقوتنا وضعفنا هي التي تحكم موقفنا وخطتنا، وضرورات حركتنا هي التي تحدد الموقف المختار ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو يقدر على الانتقام منهم، ويقدر على الإتيان بما

стр. 204

شاء من أمر. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ قال الألوسي: أمرهم بالمخالقة والالتجاء إليه تعالى بالعبادة البدنية والمالية؛ لأنها تدفع عنهم ما يكرهون وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ أي من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ أي تجدوا ثوابه عنده إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فلا يضيع عنده عمل عامل، أمرهم بالعفو والصفح، ثم حثهم على الاشتغال بما ينفعهم وتعود عليهم عاقبته يوم القيامة من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة حتى يأتي الله بالنصر. وأخبرهم تعالى أنه لا يغفل عن عمل عامل ولا يضيع لديه سواء كان خيرا أو شرا، فإنه سيجازي كل عامل بعمله. قال ابن جرير في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: وهذا الكلام وإن كان خرج مخرج الخبر فإن فيه وعدا وأمرا وزجرا، وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ليجدوا في طاعته إذ كان ذلك مذخورا لهم عنده حتى يثيبهم عليه. وفي سبب نزول هاتين الآيتين يروي ابن إسحاق عن ابن عباس أنه قال: كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد اليهود للعرب حسدا؛ إذ خصهم الله برسوله ﷺ وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ... أقول: والقاعدة عند المفسرين أن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ. فالآية عامة وإن كان سبب نزولها ما ذكر. فائدة: تظهر فائدة الخلاف في كون قوله تعالى فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا منسوخا بآيات القتال من مثل قوله تعالى في سورة التوبة فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ومن مثل قوله تعالى أيضا في سورة التوبة قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ. أو أنها غير منسوخة على تفسير الأمر في قوله تعالى حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ بأنه مفرد (الأمور) تظهر فائدة الخلاف في عصرنا بشكل واضح؛ حيث فقد الإسلام والمسلمون السلطان السياسي، فهل هم في هذه الحالة مأمورون بالصفح والعفو أو لا؟ ذهب أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي بأن الآية منسوخة، وعلى هذا فالصيغة الوحيدة للتعامل بيننا وبين أهل الكتاب هي القتال حتى يعطوا الجزية. لكن يلاحظ أن ابن كثير عند ما ذكر المعنى العام للآية قال: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ من النصر والفتح وعلى هذا فالمراد بأمر الله هو الأمر

стр. 205

القدري وهذا يعني أنه إذا كان للمسلمين النصر والفتح فللمسألة وجهة أخرى غير الصفح والعفو، إذ في تلك الحالة يحال هؤلاء إذا كانوا من مواطني الدولة المسلمة إلى القضاء الإسلامي، أما إذا لم يكن للمسلمين السلطان والدولة فإن الصفح والعفو يسعانهم في معاملتهم لأهل الكتاب، على أنه في هذه الحالة يكون العفو والصفح مباحين للمسلمين، ويجوز لهما غير ذلك كالقتال أخذا من وجهة النظر الأخرى. فخلال السير للوصول إلى أن تكون كلمة الله هي العليا يخير المسلمون بين عدة مواقف على حسب ما تقتضيه عملية السير، والآية تشعرنا بأن الموقف الأصلح في التعامل مع أهل الكتاب هو العفو والصفح حتى يتم النصر، ولكن هذا كله يكون إذا لم يكن الصراع مباشرا مع أهل الكتاب. ومن سبب النزول ندرك أن هذه الآية صورتها فيما إذا كان أهل الكتاب على الأرض الإسلامية نفسها، ولعل الصفح والعفو هو الموقف المناسب لمسلم يعيش بين أهل الكتاب على الأرض الكافرة. إنني أرى أنه ما دام أهل الكتاب على الأرض الإسلامية مواقفهم منا في حدود الرغبات والأقوال، أن نعاملهم بالصفح والعفو، وأن يكون هذا جزءا من خطتنا ونحن نسعى لاسترداد السلطان السياسي للمسلمين. أما إذا تجاوزت مواقفهم ذلك بأن حملوا السلاح وقرروا أن يستعملوه ضدنا، أو أنهم بدءوا يستعملونه ضدنا، فالأمر وقتذاك يختلف .. أما الموقف من دولة اليهود فسنراه إذا جاءت مناسبته في هذه السلسة. كلمة في السياق: قلنا عن سياق الآيتين بأنهما بمثابة البيان والتعليل للنهي الذي جاء من قبل عن متابعة أهل الكتاب، وبعد هاتين الآيتين يذكر الله مجموعة من الأقوال والمواقف لأهل الكتاب، فمثلا يأتي بعد هاتين الآيتين قوله تعالى وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى والمفسرون يقولون بأن الواو من (وقالوا) حرف عطف يعطف (قالوا) في هذه الآية على قوله تعالى (ود) من الآية وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً.

стр. 206

وإذن فسيعرض الله علينا مجموعة من الأقوال والمواقف هي بمثابة البيان والتعليل للنهي عن متابعة أهل الكتاب فضلا عن غيرهم. وإذا تذكرنا أننا في نهاية الفصل الذي بدئ بقوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ .. فإن هذه المواقف والأقوال تكمل الصورة الداعية إلى ترك الطمع بإيمان أهل الكتاب مع دعوتهم وإقامة الحجة عليهم. وإذا تذكرنا أن هذه الفقرة هي نهاية المقطع الذي بدأ بدعوة بني إسرائيل للدخول في الإسلام فإن ذلك كذلك يفسر لنا عرض مجموعة من أقوالهم وأفعالهم ومناقشتهم فيها وتعليمنا الرد عليها أو الموقف الحكيم منها لأننا دعاة وهم مدعوون فلا بد أن نعرف كيف نناقشهم. إن عرض هذه الأقوال والمواقف في هذه الفقرة وفي نهاية الفصل الثاني وفي نهاية المقطع كله مرتبط بما سبقه جميعا فهو يخدم قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا ... ويخدم قوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ... ويخدم قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ* وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ. وسنرى عند استعراض كل موقف وقول محله في السياق وخدمته لما سبق. ١ - وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ فكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، إن دخول الجنة متعلق بالإخلاص لله والاتباع لرسوله ﷺ فمن كان كذلك نال رضوان الله.

стр. 207

وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى أي وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا، فلف بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله وأمنا من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما صاحبه وبين ذلك في آية لاحقة وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ التي تمنوها على الله بغير حق. أشير بالآية هنا إلى الأماني المذكورة في الآية وفي الفقرة وهي أمنيتهم ألا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفارا، وأمنيتهم ألا يدخل الجنة غيرهم، أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم، والأمنية على وزن أفعولة من التمني مثل الأضحوكة، قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي هلموا حجتكم وبينتكم على اختصاصكم بدخول الجنة. وهات: بمنزلة هاء بمعنى أحضر إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم أنكم أهل الجنة. بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ في قوله بَلى إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة ومعنى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ أي من أخلص نفسه لله لا يشرك به غيره. ومعنى وَهُوَ مُحْسِنٌ أي مصدق بالقرآن ومتبع لرسول الله ﷺ . قال ابن كثير: «فإن للعمل المتقبل شرطين أحدهما أن يكون خالصا لله وحده، والآخر أن يكون صوابا موافقا للشريعة، فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يتقبل، وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضا مردود على فاعله، وهذا حال المرائين والمنافقين» فلا بد من أن يسلم المؤمن لله وجهه قال صاحب الظلال: والوجه رمز على الكل ولفظ (أسلم) يعني الاستسلام والتسليم الاستسلام المعنوي والتسليم العملي، ومع هذا فلا بد من الدليل الظاهر على هذا الاستسلام وَهُوَ مُحْسِنٌ فسمة الإسلام هي الوحدة بين الشعور والسلوك، بين العقيدة والعمل بين الإيمان القلبي والإحسان العملي، بذلك تستحيل العقيدة منهجا للحياة كلها، وبذلك تتوحد الشخصية الإنسانية بكل نشاطها واتجاهاتها، وبذلك يستحق المؤمن هذا العطاء كله: فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور، وأمنهم مما يخافونه من المحذور، فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما مضى مما يتركونه، قال سعيد بن جبير: «فلا خوف عليهم يعني في الآخرة، ولا هم يحزنون يعني لا يحزنون للموت»، وهكذا رأينا

стр. 208

المقولة الأولى لليهود والنصارى في هذه الفقرة والرد عليها، فالله ذو العدل الكامل والكمال المطلق، يدخل جنته بالإسلام له والإخلاص له والعمل بشرعه، وليس دخول الجنة بالأماني والتمنيات. كلمة في السياق: - مر معنا في الفقرة الثانية من الفصل الثاني قوله تعالى وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ وقد جاء في هاتين الآيتين تفصيل لنوع أمانيهم الباطلة وهي اعتقادهم أنهم سيد خلون الجنة بلا إحسان ولا إسلام. ومن كان يعتقد أن الجنة خالصة له فكيف ينتقل مما هو فيه إلى شئ آخر! إن صلة ذلك بقوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ... لا تخفى. - إن الآيتين تبينان ضمنا أن من اجتمع له الإسلام والإحسان في العمل هو الذي يدخل الجنة، وأن اليهود والنصارى ليسوا كذلك مع اعتقاد كل منهم أن له الجنة، فهل يليق والأمر كذلك أن يتابع أهل الإسلام أمثال هؤلاء: ومن هنا نجد الآيتين مرتبطتين بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا .. فههنا مزيد بيان في شأن ترك متابعة أهل الكتاب. وبعد هذه المقولة لأهل الكتاب والرد عليها تأتي المقولة الثانية: ٢ - وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. تبين هذه الآية أن كل فئة من الناس تدعي أنها على الحق وأن غيرها على باطل، اليهود يدعون هذا والنصارى يدعون هذا، والذين لا يؤمنون بكتاب أصلا يدعون هذا كذلك، والله وحده هو الحكم فيما اختلف فيه الناس، واليوم الذي سيحكم فيه هو يوم القيامة. وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ أي على شئ يصح ويعتد به، وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ أي يصح ويعتد به. بين الله تعالى بهذا تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم. وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ أي والحال أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة والإنجيل وآمن به ألا يكفر بالباقي، لأن كل واحد من الكتابين مصدق للآخر، فشريعة التوراة والإنجيل كل منهما قد كانت

стр. 209

مشروعة في وقت ولكنهم تجاحدوا فيما بينهم عنادا وكفرا ومقابلة للفاسد بالفاسد. كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ الذين لا يعلمون هم الجهلة الذين لا علم عندهم بما وراء هذه المادة، ولا كتاب من الله كعبدة الأصنام والملحدين فهؤلاء يقولون لأهل كل دين ليسوا على شئ ومن عرف كلام ملحدي عصرنا من مثل: الدين أفيون الشعوب أدرك كيف أن القرآن يسع الزمان والمكان فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي يجمع بينهم يوم المعاد ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة. روى محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ أتتهم أحبار اليهود فتنازعوا عند رسول الله ﷺ فقال رافع بن حرملة (من اليهود): ما أنتم على شئ وكفر بعيسى وبالإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود ما أنتم على شئ وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة، فأنزل في ذلك من قولهما: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ ... الآية. قال قتادة وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ. قال: بلى. قد كانت أوائل النصارى على شئ ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ قال: بلى. قد كانت أوائل اليهود على شئ ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا» اه قول قتادة. قال ابن كثير: وهذا القول يقتضي أن كلا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى، أقول: قد وصف الله غير اليهود والنصارى بأنهم لا يعلمون، وإذن فمن لم يؤمن بالله ويتبع الوحي الذي أنزله فهو جاهل، وأي جهل أكبر من الجهل بالله، وأي جهل أكبر من الضرب في هذه الحياة بلا هدى من الله، والعجيب أن هؤلاء يصفون أنفسهم أنهم علميون وقد انخدع كثير من أبناء المسلمين بهذه الدعاوى فضلوا. كلمة في السياق: - قص الله علينا هذه المقولة لليهود والنصارى وغيرهم من الكافرين في سياق قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا ... وفي ذلك ما يعمق مفهوم عدم المتابعة وتحسين الظن في الطوائف الكافرة خاصة. ومع أن كلا منها على باطل فهو لا يرى أن غيره على شئ. ثم إن هذه المقولة جاءت في سياق الفصل المبدوء بقوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ... ومن ثم فهي تعمق فكرة عدم الطمع بإيمان هؤلاء ما داموا على هذه النفسية، وقد أشعرنا الله بذلك في قوله فَاللَّهُ

стр. 210

يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فكون الحكم سيكون بينهم يوم القيامة، فذلك يشعر أنه لا أمل في تزحزحهم عن مواقفهم. وهكذا يقص الله علينا. في نهاية هذا الفصل، وفي الفقرة الأخيرة منه، وفي خاتمة مقطع بني إسرائيل. المقولات الكبرى عند الناس لنحدد بذلك مواقفنا منهم ولنعرف دقائق تركيبهم النفسي واتجاهاتهم الخطيرة، ثم يأتي بعد المقولتين السابقتين موقف. ٣ - وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ* وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ. كلمة في السياق: تأتي هذه الآيات بعد الآية التي تعرض دعاوى أهل الباطل واتهاماتهم لبعضهم، وكأنها تعطينا ميزانا نتعرف به على كذبهم جميعا. فأظلم الظالمين هو الذي يعطل المساجد فلا يذكر فيها اسم الله ويسعى في خرابها. وهذه المجموعات الثلاث تخرب مساجد الله ولا تتوجه له بخالص العبادة فإذن دعاواها باطلة. إلا أن السياق لم يأت بنقض دعاوى القوم بشكل مباشر بل يقرر حقائق مطلقة وجد من يدعي أو لم يوجد. ولكن الصلة بين هذه الآيات والمقولة السابقة موجودة وهذا الواقع يؤيد ذلك، إن من يتذكر محاكم التفتيش وما ترتب عليها من تعطيل لذكر الله في المساجد، ومن يعلم أن أربعة عشر ألفا من المساجد في سمرقند عطل الشيوعيون فيها ذكر الله، ومن علم أن اليهود وراء كل تخريب أخلاقي وديني في هذا العالم، وأن المسلمين وحدهم هم الذين حموا للنصارى كنائسهم، ولليهود كنائسهم، وللمجوس معابدهم، على كفر هؤلاء جميعا يعلم أن المسلمين وحدهم هم أصحاب الحق في هذا العالم ولنا عودة على السياق فلنكتف الآن بهذا القدر. التفسير: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ أي لا أحد أظلم من الذي يمنع المساجد من أن يذكر فيها اسم الله وَسَعى فِي خَرابِها بأن قطع من يعمرها بذكره أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ قال ابن كثير: «هذا خبر معناه الطلب أي لا تمكنوا هؤلاء إذا قدرتم عليهم من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية». وهذا يفهم منه أن الله أعطى الوصاية للمسلمين على هذا العالم وكلفهم أن

стр. 211

يفرضوا سلطانه ويعلوا كلمته بحيث يخاف غيرهم من سلطان الله بخوفهم منهم فإذا أراد أن يدخل مساجد الله لا يدخلها إلا وهو خاضع خائف. فكيف يصح أن يكون له السلطان عليها. قال النسفي: «أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا عن أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين عنها». لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ أي للمانعين قتل، وسبي للحربي، وذلة بضرب الجزية للذمي وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ أي النار هذا التفسير النسفي لهذه الآية وهو يؤكد أن المانعين لمساجد الله يدخل فيهم اليهود والنصارى والمشركون وغيرهم، أي من غير المسلمين. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه ابتداء من الربط الكامل في المعنى ما بين هذه الآيات والآية قبلها. فآية وَمَنْ أَظْلَمُ ... رد على اليهود والنصارى والذين لا يعلمون أنهم على شئ لأنهم جميعا ظالمون، وتأكيد أن المسلمين وحدهم على شئ لأنهم لا يمنعون أحدا أن يذكر اسم الله في مسجد أو معبد. وهذه الآية آية وَمَنْ أَظْلَمُ .. من غوامض الآيات وخاصة في خاتمتها ولذلك فللمفسرين كلام كثير فيها واختلاف كثير: اختلفوا في المراد بالمانعين فقال قوم اليهود، وقال قوم النصارى، وقال قوم المشركون وكل استدل بشيء. والذي أراه- ويظهر ذلك من خلال التاريخ والواقع- أن الجميع كذلك إذا كان لهم السلطان ولذلك فعلى المسلمين أن يكون لهم السلطان السياسي في هذا العالم، لأنه ليس غير المسلمين مؤتمنين على حفظ حرمة أماكن العبادة لله في العالم. واختلفوا في قوله تعالى أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ هل هو إخبار عن حال، أو هو خبر بمعنى النهي، أو هو وصف لما ينبغي أن يكون، أو هو بشارة للمسلمين أن الحال سيكون كذلك، وقد بسط ابن كثير هذه الأقوال وقدم القول بأنه خبر بمعنى النهي. وقدم النسفي القول بأنه وصف لما ينبغي أن يكون، وجمعنا نحن بين القولين كما مر. ولمجرد توضيح القول الرابع ننقل عبارة ابن كثير فيه «وقيل إن هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد إلا خائفا يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول المسجد الحرام».

стр. 212

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي بلاد المشرق والمغرب كلها لله وهو مالكها ومتوليها. فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، أي ففي أي مكان فعلتم التولية فثم وجه الله. والمعنى إنكم إذا منعتم من مسجد فقد جعلت لكم الأرض مسجدا وطهورا فصلوا في أية بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان. إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ أي هو واسع الرحمة يريد التوسعة على عباده عَلِيمٌ بمصالح عباده. وهناك مسائل تثار عند هذه الآية منها المسائل الفقيهة ومنها ما له علاقة بمعرفة الذات الإلهية وسنعقد بعد عرض المقطع من أجل ذلك كله فصلا. كلمة في السياق: جاءت هذه الآيات بين مقولتين بين قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ ... وبين قوله تعالى وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً .... فهي بلا شك تعرض موقفا للكافرين وهو منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. وتبين للمسلمين الموقف المكافئ لهذا الظلم العريض وفي الوقت نفسه تبين للمسلمين أنه إذا حيل بينكم وبين المسجد فالأرض كلها لكم مسجد. وكما أن الآيات في سياقها العام أعطتنا هذا وأعطتنا ردا ضمنيا على مقولة اليهود والنصارى والجاهلين، فإنها في سياق فقرتها تعمق المعاني التي من أجلها نهينا عن المتابعة لكافر، وهي في سياق فصلها تعلل لعدم الطمع في إيمان اليهود وأمثالهم، وهي في سياق مقطعها ترينا إحدى الانحرافات الخطيرة التي وقع فيها اليهود وغيرهم، وتعطينا دروسا فيما ينبغي أن نفعله لمواجهة الانحراف والمنحرفين. ٤ - وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ* بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ اشتملت هاتان الآيتان على الرد على النصارى ومن أشبههم من اليهود الذين قالوا عزير ابن الله، ومن المشركين ممن جعل الملائكة بنات الله وغيرهم من أصحاب هذه المقولة فأكذب الله جميعهم في دعواهم، وقولهم إن لله ولدا وكان الرد عليهم في هاتين الآيتين في خمسة مواطن: ١ - في قوله تعالى سُبْحانَهُ أي تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا فمن

стр. 213

عرف الله وجلاله وعظمته نزهه عن ذلك. ٢ - في قوله تعالى بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ليس الأمر كما افتروا وإنما له ملك السموات والأرض ومن فيهن، وهو المتصرف فيهم وهو خالقهم ورازقهم ومقدرهم ومسخرهم ومسيرهم ومصرفهم كما يشاء، والجميع عبيد له وملك له، فكيف يكون له ولد منهم، والولد إنما يكون من شيئين متناسبين، وهو ﵎ ليس له نظير ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له فكيف يكون له ولد؟ وهو العظيم الذي لا نظير له ولا شبيه له وجميع الأشياء له مخلوقة مربوبة. ٣ - في قوله تعالى كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ فالجميع مقرون له بالعبودية فلا يشذ أحد عن ذلك فمن كان هذا شأنه لا يكون أحد إلا عبد له سبحانه. ٤ - في قوله تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فمن ابتدع السموات والأرض على غير مثال سبق هو أجل من أن يكون له ولد. ٥ - في قوله تعالى وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه وأنه إذا قدر أمرا وأراد كونه فإنما يقول له (كن) أي مرة واحدة فيكون أي فيوجد على وفق ما أراد بين بذلك أيضا على أن خلق عيسى أو عزير أو الملائكة أو غير ذلك مما زعم الزاعمون أنه ابن لله بكلمة كن فكان، كما أمر الله ومن كان كذلك لا يكون إلا عبدا قال ابن جرير: فمعنى الكلام: سبحان الله أن يكون له ولد وهو مالك ما في السموات والأرض تشهد له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية وتقر له بالطاعة وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه. وهذا إعلام من الله لعباده أن ممن يشهد له بذلك المسيح الذي أضافوا إلى الله بنوته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال هو الذي ابتدع المسيح عيسى من غير والد بقدرته .. المعنى الحرفي: وَقالُوا أشهر القائلين بهذه الفكرة الضالة هم النصارى ولكنها فكرة شائعة عند كل الأمم تقريبا إما بشكل أو بآخر كما سنحقق ذلك في سورة براءة، اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً قال النصارى: المسيح ابن الله وقال اليهود: عزير ابن الله وقال مشركوا العرب: الملائكة بنات الله سُبْحانَهُ أي تنزيه له بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ

стр. 214

وَالْأَرْضِ أي هو خالقه ومالكه ومن جملة ذلك المسيح وعزير والولادة تنافي الملك كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أي منقادون لا يمتنع شئ منهم على تكوينه وتقديره فهم مطيعون عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا إليهم بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مخترعهما لا على مثال سبق وَإِذا قَضى أَمْراً أي حكم أو قدر فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي احدث فيحدث وهو من كان التامة وهذا مجاز عن سرعة التكوين. فالمعنى أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه إباء وأكد بهذا استبعاد الولادة. لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت صفاته مباينة لصفات الأجسام فأنى يتصور التوالد ثم، وإنما قالوا بأن (كن) أمر مجازي لأنه لا فرق بين أن يقال وإذا قضى أمرا فإنما يكونه فيكون وبين أن يقال فإنما يقول له كن فيكون. ولأنه لو كان أمرا على الحقيقة فإما أن يخاطب به الموجود والموجود لا يخاطب بكن أو المعدوم والمعدوم لا يخاطب. أقول: إنما يضطر العالم للخوض في مثل هذا إذا وجد من يجادل أما إذا وجد ذو القلب فإنه يتلقى مثل هذا بالتسليم ويترك الخطاب في قلبه من الأثر ما لا تتركه كلمة أخرى وسنعقد لهذا الموضوع فصلا. أخرج البخاري في تفسير قوله تعالى وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ... عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال «قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي: فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: إن لي ولدا، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا» وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم». كلمة في السياق: جاءت هذه المقولة في سياق عرض أمهات من القضايا الرئيسية عند أهل الكتاب، أو الكافرين عامة؛ لتعميق فكرة عدم التلقي عنهم، والاقتداء بهم كيف وهذا شأنهم في الضلال والكفر وإيذاء الله تعالى. والملاحظ أنه في سياق المقطع الذي هو خطاب لبني إسرائيل تذكر مقولات لهم، أو لغيرهم، أو لهم ولغيرهم، مما يشير إلى أن السياق يريد أن يوصل في قلوب هذه الأمة موقفا من الكفر عامة. فالمقطع في الأصل آت في سياق عرض نموذج على موقف من هدى أنزل على أمة من قبل. ثم تأتي بعد ذلك مقولة أخرى.

стр. 215

٥ - وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. يرجح ابن كثير أن القائلين هم كفار العرب. ويرجح هذا الاتجاه ذكر الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فيما مضى على أنهم غير اليهود والنصارى ممن لا وحي سماويا عندهم. ونحن نرجح أنه يدخل في كلمة الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ هنا كل من يسأل هذه الأسئلة، سواء كان ملحدا، أو مشركا، أو كتابيا في الأصل، فإنه بسؤاله مثل هذه الأسئلة دخل في سلك الذين لا يعلمون. إن هذه الطبقة الجاهلة من الناس تعلق الإيمان على تكليم الله إياها، أو على مجئ الآيات هذا مع أن الآيات الكافية للإيمان موجودة ولكنه التعنت. إن هذا النوع من المطالب المتعنتة ليس جديدا على منطق الكفر بل هو طريق الكفار في كل عصر. لذلك قال تعالى: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ. وقد ناقشنا هذا الموضوع في أول كتابنا (الله ﷻ وبينا في ذلك الكتاب أن هذا الطلب غير علمي وغير عقلي. وقد رد الله على هؤلاء هنا بقوله: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ فالآيات موجودة وهي كافية لأهل اليقين بوجود الله. وذكر كلمة يُوقِنُونَ هنا يشعر بأن طلاب هذه المطالب طالبوا بها من أجل الإيمان برسول الله، فكأنهم قالوا فليكلمنا الله شاهدا أنك رسوله، أو فلتأتنا آية تدلنا على ذلك. فكان الجواب أن الآيات قد جاءت واضحة لمن كان عنده يقين بالله. قال القرطبي في لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أي يخاطبنا بنبوتك قال ابن كثير: وهو ظاهر السياق. المعنى الحرفي: وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ من المشركين والملحدين وأهل الكتاب الذين بتركهم العمل بما يعلمون أصبحوا لا يعلمون لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أي هلا يكلمنا الله كما يكلم الملائكة، أو هلا يكلمنا الله بنبوتك أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ أي معجزة تشهد على نبوتك ورسالتك يا محمد ﷺ وإنما قالوا هذا جحودا واستهانة لأن يكون ما آتى الله محمدا ﷺ من الآيات كافيا للإيمان كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ إنها عقلية واحدة، عقلية الجحود والشك في كل عصر ومصر تتكلم بلغة واحدة تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ أي تشابهت قلوب هؤلاء ومن قبلهم، في العمي، والجحود، والشك؛
следующие страницы →