← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

كلمة في سورة الأنعام: قلنا إن سورة النساء، والمائدة، والأنعام تفصل في المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة. وأن سورة الأنعام محل تفصيلها الآيتان الأخيرتان من هذا المقطع واللتان هما: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. ولو أنك نظرت في السورة نظرة تأمل لوجدتها تفصيلا لهاتين الآيتين: فالآية الثانية من سورة الأنعام هي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ لاحظ صلتها بقوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ والآية الأخيرة في السورة هي: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لاحظ صلة الآية الأخيرة من سورة الأنعام بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. والآية التي بعدها في سورة البقرة وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. إن الآية الثانية في المحور هي هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً والملاحظ أن كثيرا من آيات سورة الأنعام مبدوءة بقوله تعالى (وهو) وكثير من هذه الآيات تفصيل لكون الأرض بما فيها مخلوقة للإنسان. وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ٣ وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ١٨ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ .... ٦٠ وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ... ٦١ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ... ٧٣ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... ٩٧

стр. 1507

وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ٩٨ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ .... ٩٩ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ .... ١٤١ وآخر آية في السورة: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ .... ١٦٥ ولقد جاءت آيات المحور في حيّز قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً ... فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فالمحور جاء يناقش الكافرين بالله، ويقيم عليهم الحجة في سياق الأمر بعبادة الله وتوحيده، ومن ثمّ فإنّ سورة الأنعام التي هي تفصيل لذلك المحور، تبدأ بما يشير إلى ذلك: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ومنها أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ، قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ ٥٦ قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ ... ٧١ وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً .... وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ* بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ* لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ... قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً .... قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ* قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ .. ١٦٤ من هذه المقتطفات ندرك أن سورة الأنعام تفصّل في محورها من سورة البقرة الآتي في حيز قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... ومن ثم فهي تفصيل للمحور في سياقه من سورة البقرة.

стр. 1508

وقد رأينا منذ الكلام عن سورة آل عمران أن محاور السّور من سورة البقرة لها امتدادات معان في سورة البقرة نفسها، وأن السّور التي تفصّل في محاور من سورة البقرة، تفصّل في هذه المحاور وامتدادات معانيها، فتشد إلى المحور من سورة البقرة ما هو ألصق به، ثمّ تفصّل الجميع أو تبني على الجميع وأثناء عرضنا لسورة البقرة رأينا صلة قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. فالله الذي خلق ما في الأرض للإنسان، أباح له أن يأكل منها إلا ما حرّم عليه. وفي سورة الأنعام تأتي تفصيلات في هذه الشئون وغيرها مما يعتبر تفصيلا لامتدادات معاني المحور في سورة البقرة. فمثلا يوجد في سورة الأنعام تفصيل وحوار في ما أحلّ وحرّم من المطعومات وهذه نماذج: ٦/ ١٢٠ - ١١٨

стр. 1509

٦/ ١٢١ فسورة الأنعام تفصّل في محورها من سورة البقرة، وفي محلّ هذا المحور من مقطعه، وفي امتدادات معاني هذا المحور من سورة البقرة. تأتي سورة الأنعام كلا متكاملا، فهي تفصّل في ما ذكر، ولكن ضمن سياقها الخاصّ بها، ووحدتها الخاصة بها، فإذا لاحظت أن سورة الأنعام مكية، وأن سورة البقرة مدنية- أي متأخرة في النزول عنها- ثم رأيت كيف أن سورة الأنعام تفصّل فيما أجمل في سورة البقرة، أو تبني عليه، أدركت مظهرا من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن، وأنّ كل شئ فيه يدلّك على أنّه يستحيل أن يكون بشريّ المصدر، بل هو كلام الله- وسنرى أثناء عرض السورة مزيدا من بيان ارتباط سورة الأنعام بمحورها ومحله من سياقه، وامتدادات معانيه في سورة البقرة، ولكنّا أحببنا هنا أن نضع نقاط علّام كبرى.

стр. 1510

لقد فصّلت سورة النساء، والمائدة، والأنعام في مقطع الطريقين من سورة البقرة، المقطع الذي دلّ على طريق التقوى، وحدّد طريق الانحراف، وناقش أصل الانحراف، وهو الكفر، مدلّلا على وجوب التوحيد والعبادة، شكرا لله على ما أعطى الإنسان وسخره له. إن مقطع الطريقين بدأ بالدعوة إلى العبادة، معلّلا لوجوبها بخلق الله للإنسان، وخلقه الأشياء من أجله، وانتهى بمناقشة الكافرين بالله، وإقامة الحجة عليهم من خلال ظاهرتي الحياة والعناية، وجاءت السور الثلاث لتفصّل في هذا كله مع ملاحظة: أنّ كلا من السور الثلاث تفصّل في محورها الخاصّ بها، وتخدم في موضوع المقطع كله، فكل سورة من السور الثلاث تخدم في تفصيل محورها بشكل أوّلي، وتخدم بقية المقطع، فتمّ بالسور الثلاث التعريف على الله، وتقرير الرجوع إليه، وتفصيل ماهية التقوى وطريقها سلبا أو إيجابا أي: ما ينبغي أن يحذر، وما ينبغي أن يفعل، وسورة الأنعام كما ذكرنا تفصّل في محورها الذي هو كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ مع كونها تكمّل بناء معرفة الطريقين الذين دلّت عليهما سورة النساء وسورة المائدة. فصول ونقول فصل في نقل عن الألوسي في وجه مناسبة سورة الأنعام لسورة المائدة: قال الألوسي: «ووجه مناسبتها لآخر المائدة على- ما قال بعض الفضلاء- أنها افتتحت بالحمد وتلك اختتمت بفصل القضاء وهما متلازمان كما قال سبحانه: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال الجلال السيوطي في وجه المناسبة: أنه تعالى لمّا ذكر في آخر المائدة لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ على سبيل الإجمال افتتح جل شأنه هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله، فبدأ سبحانه بذكر خلق السموات والأرض، وضم تعالى إليه أنه جعل الظلمات والنور، وهو بعض ما تضمنه ما فيهن، ثم ذكر عز اسمه أنه خلق النوع الإنساني، وقضى له أجلا، وجعل له أجلا آخر للبعث، وأنه ﷻ منشئ القرون قرنا بعد قرن ثم قال تعالى: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ الخ .. فأثبت له ملك جميع المظروفات لظرف المكان. ثم قال عزّ من قائل: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ فأثبت أنه جل وعلا ملك جميع المظروفات لظرف الزمان. ثم ذكر سبحانه خلق سائر الحيوان من الدوّاب والطير، ثم

стр. 1511

خلق النوم واليقظة والموت. ثم أكثر في أثناء السورة من الإنشاء والخلق لما فيهن من النّيّرين والنجوم، وفلق الإصباح، وفلق الحب والنوى، وإنزال الماء وإخراج النبات والثمار بأنواعها، وإنشاء جنات معروشات وغير معروشات، إلى غير ذلك مما فيه تفصيل ما فيهن، وذكر عليه الرحمة وجها آخر في المناسبة أيضا وهو أنه سبحانه لما ذكر في سورة المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الخ .. وذكر جل شأنه بعده ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ الخ .. فأخبر عن الكفار أنهم حرّموا أشياء مما رزقهم الله تعالى افتراء على الله عزّ شأنه، وكان القصد بذلك تحذير المؤمنين أن يحرموا شيئا من ذلك؛ فيشابهوا الكفار في صنعهم وكان ذكر ذلك على سبيل الإيجاز، ساق ﷻ هذه السورة لبيان حال الكفار في صنعهم، فأتى به على الوجه الأبين، والنّمط الأكمل، ثم جادلهم فيه، وأقام الدلائل على بطلانه، وعارضهم وناقضهم إلى غير ذلك، مما اشتملت عليه السورة، فكانت هذه السورة شرحا لما تضمنته تلك السورة من ذلك على سبيل الإجمال، وتفصيلا وبسطا وإتماما وإطنابا، وافتتحت بذكر الخلق والملك، لأن الخالق المالك هو الذي له التصرف في ملكه ومخلوقاته، إباحة ومنعا، وتحريما وتحليلا، فيجب أن لا يعترض عليه سبحانه بالتصرف في ملكه، ولهذه السورة أيضا اعتلاق من وجه بالفاتحة لشرحها إجمال قوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ وبالبقرة لشرحها إجمال قوله سبحانه: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وقوله عزّ اسمه الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وبآل عمران من جهة تفصيلها لقوله تعالى جل وعلا وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ وقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ الخ .. وبالنساء من جهة ما فيها من بدء الخلق والتقبيح لما حرموه على أزواجهم وقتل البنات. وبالمائدة من حيث اشتمالها على الأطعمة بأنواعها. وقد يقال: إنه لما كان قطب هذه السورة دائرا على إثبات الصانع، ودلائل التوحيد حتى قال أبو إسحاق الأسفرايني: إن في سورة الأنعام كل قواعد التوحيد ناسبت تلك السورة من حيث إن فيها إبطال ألوهية عيسى ﵊، وتوبيخ الكفرة على اعتقادهم الفاسد، وافترائهم الباطل هذا، ثم أنه لما كانت نعمه ممّا تفوت الحصر، ولا يحيط بها نطاق العد، إلا أنها ترجع إجمالا إلى إيجاد وإبقاء في النشأة الأولى، وإيجاد وإبقاء في النشأة الآخرة، وأشير في الفاتحة- التي هي أم الكتاب- إلى الجميع، وفي الأنعام إلى الإيجاد الأول، وفي الكهف إلى الإبقاء الأول. وفي سبأ الإيجاد الثاني، وفي فاطر إلى الإبقاء الثاني ابتدئت هذه الخمس بالتحميد.

стр. 1512

نقول من الظلال تعرّف على السورة: يقول صاحب الظلال: هذه السورة مكيّة .. من القرآن المكي .. القرآن الذي ظل يتنزل على رسول الله ﷺ ثلاثة عشر عاما .. ، يحدثه فيها عن قضية واحدة. قضية واحدة لا تتغير، ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر. ذلك أن الأسلوب القرآني يدعها في كل عرض جديد حتى لكأنّما يطرقها للمرة الأولى؟ لقد كان يعالج القضية الأولى، والقضية الكبرى، والقضية الأساسية، في هذا الدين الجديد «قضية العقيدة» ممثلة في قاعدتها الرئيسية .. الألوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة. لقد كان يخاطب بهذه القضية «الإنسان». الإنسان بما أنه إنسان .. وفي هذا المجال يستوي الإنسان العربي في ذلك الزمان، والإنسان العربي في كل زمان. كما يستوي الإنسان العربي وكل إنسان في ذلك الزمان وفي كل زمان! إنها قضية «الإنسان» التي لا تتغير، لأنها قضية وجوده في هذا الكون، وقضية مصيره. قضية علاقته بهذا الكون وبهؤلاء الأحياء، وقضية علاقته بخالق هذا الكون وخالق هذه الأحياء .. وهي قضية لا تتغير، لأنها قضية الوجود والإنسان! لقد كان هذا القرآن المكي يفسر للإنسان سر وجوده، ووجود هذا الكون من حوله كان يقول له: من هو؟ ومن أين جاء؛ وكيف جاء، ولماذا جاء؟ وإلى أين يذهب في نهاية المطاف؟ من ذا الذي جاء به من العدم والمجهول؟ ومن ذا الذي يذهب به وما مصيره هنا؟ .. وكان يقول له: ما هذا الوجود الذي يحسه ويراه والذي يحس أن وراءه غيبا يستشرفه ولا يراه؟ من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار؟ من ذا يدبره ومن ذا يحوره؟ ومن ذا يجدد فيه ويغير على النحو الذي يراه؟ .. وكان يقول له كذلك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون، ومع الكون أيضا، وكيف يتعامل العباد مع خالق العباد. وكانت هذه القضية الكبرى التي يقوم عليها وجود الإنسان. وستظل هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجوده، على توالي الأزمان .. .... وهذه السورة- مع ذلك- تعالج موضوعها الأساسي بصورة فريدة .. إنها في كل لمحة منها وفي كل موقف، وفي كل مشهد، تمثل «الروعة الباهرة» .. الروعة التي تبده النفس، وتشده الحس، وتبهر النفس أيضا؛ وهو يلاحق مشاهدها وإيقاعها وموحياتها مبهورا. نعم! هذه حقيقة؟ حقيقة في نفسي وحسي وأنا أتابع سياق السورة ومشاهدها وإيقاعاتها .. وما أظن بشرا ذا قلب لا يجد منها لونا من هذا الذي أجد .. إن

стр. 1513

الروعة فيها تبلغ فعلا حد البهر. حتى لا يملك القلب أن يتابعها إلا مبهورا مبدوها! إنها- في جملتها- تعرض «حقيقة الألوهية» .. تعرضها في مجال الكون والحياة، كما تعرضها في مجال النفس والضمير، وتعرضها في مجاهيل هذا الكون المشهود، كما تعرضها في مجاهيل ذلك الغيب المكنون .. وتعرضها في مشاهد النشأة الكونية، والنشأة الحياتية، والنشأة الإنسانية، كما تعرضها في مصارع الغابرين، واستخلاف المستخلفين .. وتعرضها في مشاهد الفطرة وهي تواجه الكون، وتواجه الأحداث، وتواجه النّعماء والضّراء كما تعرضها في مظاهر القدرة الإلهية والهيمنة في حياة البشر الظاهرة والمستكنة، وفي أحوالهم الواقعة والمتوقعة .. وأخيرا تعرضها في مشاهد القيامة، ومواقف الخلائق وهي موقوفة على ربها الخالق .. إن موضوعها الذي تعالجه من مبدئها إلى منتهاها هو موضوع العقيدة، بكل مقوماتها وبكل مكوناتها. وهي تأخذ بمجامع النفس البشرية، وتطوّف بها في الوجود كله، وراء ينابيع العقيدة وموحياتها المستسرّة والظاهرة في هذا الوجود الكبير .. إنها تطوف بالنفس البشرية في ملكوت السموات والأرض، تلحظ فيها الظلمات والنّور، وترقب الشمس والقمر والنّجوم. وتسرح في الجنات المعروشات وغير المعروشات، والمياه الهاطلة عليها والجارية فيها؛ وتقف بها على مصارع الأمم الخالية. وآثارها البائدة والباقية. ثم تسبح بها في ظلمات البر والبحر، وأسرار الغيب والنفس، والحي يخرج من الميت، والميت يخرج من الحي، والحبة المستكنة في ظلمات الأرض، والنطفة المستكنة في ظلمات الرحم. ثم تموج بالجن والإنس، والطير والوحش، والأولين والآخرين، والموتى والأحياء، والحفظة على النفس بالليل والنهار .. إنه الحشد الكوني الذي يزحم أقطار النفس، وأقطار الحس .. ثم إنها اللمسات المبدعة المحيية، التي تنتفض بعدها المشاهد والمعاني أحياء في الحس والخيال .. وإذا كل مكرور مألوف من المشاهد والمشاعر، جديد نابض، كأنما تتلقاه النفس أول مرة، وكأنما لم يطلع عليه من قبل ضمير إنسان! وهي تشبه في سياقها المتدافع بهذه المشاهد والمواقف والموحيات والإيقاعات والصور والظلال مجرى النهر المتدافع بالأمواج المتلاحقة. ما تكاد الموجة تصل إلى قرارها حتى تبدو الموجة التالية ملاحقة لها، متشابكة معها؛ في المجرى المتصل المتدفق! ..... روى أبو بكر بن مردويه- بإسناده- عن أنس بن مالك قال: قال رسول

стр. 1514

الله ﷺ «نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سدّ ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح، والأرض بهم ترتج». ورسول الله يقول: «سبحان الله العظيم. سبحان الله العظيم». هذا الموكب، وهذا الارتجاج، واضح ظلهما في السورة، إنها هي ذاتها موكب. موكب ترتج له النفس، ويرتج له الكون! .. إنها زحمة من المواقف والمشاهد والموحيات والإيقاعات! .. وهي- كما قلنا من قبل- تشبه في سياقها المتدافع بهذه المشاهد والمواقف والموحيات والإيقاعات مجرى النهر المتدافع بالأمواج المتلاحقة. ما تكاد الموجة تصل إلى قرارها حتى تبدو الموجة التالية ملاحقة لها، ومتشابكة معها، في المجرى المتصل المتدفق.» فصل: بمناسبة أن سورة الأنعام تعمّق معاني العقيدة: الذين يتكلمون عن موضوع تعميق العقيدة يفطنون إلى الكثير ممّا يعمّقها، وقد يغيب عن بعضهم أشياء، وهذا التفسير يعتبر من مهمّاته الإشارة إلى مثل ذلك كلما جاءت مناسبة، وسيستكمل هذا الموضوع في القسم الثاني من هذه السلسلة (سلسلة الأساس في المنهج) ونحب هنا أن نشير إلى نقطة في هذا الموضوع فنقول: إن تعميق الإيمان يحتاج إلى جانبين: جانب نظري وجانب عملي. أما الجانب النظري فيتمثل في الأدلة والبراهين، وأما الجانب العملي فيتمثل في المذكّرات قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الرعد: ٢٨) والذكر والصلاة من أهم المذكّرات، ولذلك فإن رسول الله ﷺ والأصحاب كانوا مكلفين بأوائل سورة المزّمل التي أمرت بالقيام الطويل، والذكر الكثير لما في ذلك من آثار على القلب. وقد يجتمع الجانبان في بعض العبادات: كعبادة التفكر وكقراءة القرآن. فالقرآن يقدّم الدليل وهو في الوقت نفسه مذكّر، والتفكر نوع تذكّر. وهو الدليل على الدليل. فإذا ما اتضح ذلك فإننا نذكّر القارئ بالإكثار من التفكر في مخلوقات الله، وبالإكثار من قراءة القرآن، مع التفكر والتدبر، ونذكره بالإكثار من الصلاة ومن الذكر بأنواعه من استغفار، إلى صلاة على رسول الله ﷺ إلى تسبيح وتكبير وتهليل، إلى غير ذلك من الأذكار، إذا ما أراد أن ينمو إيمانه ويطمئن قلبه ببرد اليقين. آثار: أخرج الطبراني عن ابن عباس قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة، حولها

стр. 1515

وأما القسم الثاني في السورة فيمتدّ من الآية (٩٥) حتى نهاية السورة أي نهاية سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح، وروى الحاكم بإسناد قال عنه صحيح على شرط مسلم، عن جابر، قال لما نزلت سورة الأنعام سبّح رسول الله ﷺ ثم قال: لقد شيّع هذه السورة من الملائكة ما سدّ الأفق». وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سدّ ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح، والأرض بهم ترتجّ، ورسول الله ﷺ يقول: سبحان الله العظيم. سبحان الله العظيم». وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «نزلت عليّ سورة الأنعام جملة واحدة، وشيّعها سبعون ألفا من الملائكة، لهم زجل بالتسبيح والتحميد». وروى سفيان الثوري ... عن أسماء بنت يزيد قالت: نزلت سورة الأنعام على النّبي ﷺ جملة وأنا آخذة بزمام ناقة النبي ﷺ إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة». وفي رواية أخرى عن أسماء قالت: نزلت سورة الأنعام على رسول الله ﷺ وهو في مسير في زجل من الملائكة وقد نظموا ما بين السماء والأرض». أقول: وحول كون السّورة نزلت بمكة كلها دفعة واحدة، أو أن بعض آياتها نزلت في المدينة خلاف كبير، مرجعه إلى الاختلاف في قوة بعض الروايات. وقد رجّح صاحب الظلال، كما رجح غيره من قدماء المفسرين، أنها نزلت جملة واحدة في مكة، وناقش آخرون في ذلك، وسيمر معنا في عرض السورة شئ مما له صلة بذلك. كلمة في أقسام السورة ومقاطعها: تتألف سورة الأنعام من قسمين: القسم الأول ويمتدّ حتى نهاية الآية (٩٤) بدايته بداية السورة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ونهايته قوله تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. لاحظ أن الآية الأولى في القسم الأول تتحدث عن الشرك في الدنيا، وأن الآية الأخيرة تتحدث عن حال الشرك وأهله يوم القيامة.

стр. 1516

الآية (١٦٥): يبدأ بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ وينتهي بقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ. والصلة واضحة بين ما خلق الله للإنسان، وبين كون الإنسان خليفة على هذه الأرض. ومن تأمل مقدمتي القسمين ومضمونهما اتضح له بما لا يقبل الجدل صلة ذلك بمحور السّورة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يتألف القسم الأول من سورة الأنعام من ثلاثة مقاطع كما سنرى ويتألف القسم الثاني من مقطعين. كلمة في بعض العلامات التي تدلنا على المقاطع: من الملاحظ أنّ الآية الأولى في سورة الأنعام مبدوءة ب (الحمد لله) ثم تأتي الآية الثانية مبدوءة بقوله تعالى: (هو)، والآية الثالثة مبدوءة بقوله تعالى: (وهو) ثم تتكرر كلمة (وهو) في السورة كثيرا كما رأينا، فكأنها معطوفة على (هو) الأولى في السورة، وإنّ من العلامات التي تحدّد بدايات ونهايات بعض المقاطع في السورة أن نرى (وهو) فقد اعتدنا في السياق القرآني أن نرى مقطعا تشبه بدايته نهايته، ولذلك نرى أن آخر مقطع في السورة بدايته وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ. فأول آية فيه مبدوءة بقوله تعالى: (وهو) وآخر آية فيه مبدوءة بقوله تعالى: (وهو). وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ .. وقد نرى مقاطع ليست مبدوءة بمثل هذا ولا مختومة بمثله، وقد نرى مقاطع مبدوءة بذلك وليست مختومة به، ولقد جرينا على أن نعتمد مثل هذه العلامات حيث وجدت وساعد المعنى في تحديد بداية المقطع أو نهايته، ولكن الشئ الأكثر تحديدا والذي يجعلنا نحدّد به المقطع أو القسم بشكل دائم بداية ونهاية هو المعنى. وسنرى ذلك واضحا في هذه السورة. وكما قلنا فإن السورة تنقسم إلى قسمين كبيرين، وكل قسم يتألف من أكثر من مقطع، وسنرى كيف أنّ المعاني مع بعض العلامات تحدّد لنا الأقسام والمقاطع على صعوبة ذلك لقوة تلاحم معاني السّورة حتى قال صاحب الظلال: «فلا يمكن تجزئة

стр. 1517

السورة إلى مقاطع، كل منها يعالج جانبا من الموضوع إنّما هي موجات .. وكل موجة تتفق مع التي قبلها وتكمّلها» ولكن ومع كون السّورة موجات، فسنرى كيف أن نقاط علام واضحة تحدّد لنا أقسام السورة ومقاطع كل قسم. ***

стр. 1518

[القسم الأول من السّورة وهو الآيات (١ - ٩٤)] المقطع الأول من القسم الأول في السّورة: ويمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (١٧) وهذا هو: ٦/ ٩ - ١

стр. 1519

٦/ ١٧ - ١٠ كلمة في تحديد المقطع: سيأتي بعد الآية الأخيرة من هذا المقطع قوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ. وهي أوّل آية مبدوءة بقوله تعالى (وَهُوَ) بعد الآية الثالثة من السّورة، وهي علامة من جملة العلامات التي نستأنس بها لتحديد المقطع. فالذي دلّنا على نهاية المقطع المعنى من ناحية، وأن هناك أكثر من دليل نستأنس به لبداية المقطع اللاحق ونهايته، وتحديد بداية ونهاية المقطع اللاحق هو تحديد ضمني للمقطع السابق.

стр. 1520

كلمة في المقطع الأول: قلنا إن محور سورة الأنعام من سورة البقرة هو قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وفي المقطع الأول من سورة الأنعام تأتي الآيات الثلاث الأولى لتقرر هذه المعاني وتبني عليها، فتقرّر أنّ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وخلق الظلمات والنّور. وتقرّر أنّ الله خلق الإنسان من طين، وجعل له أجلا، ثم جعل أجلا أخيرا للبشر جميعا، وأن لله الألوهية في السموات والأرض، وأنه يعلم السرّ والجهر، ومع ذلك فالنّاس يشركون بربهم، ويشكّون بالله واليوم الآخر. إن الآيات الثلاث الأولى التي تشكّل مقدمة السورة، تتكلم عن كل معاني المحور، وتقرر ما قرّرته، وتبني على ذلك، وتتحدث عن كفر الإنسان وشكّه وافترائه، فالصلة واضحة جدا بين مقدّمة السورة في آياتها الثلاث، وبين محور سورة الأنعام من البقرة، وإذ كان محور السورة يعجّب من كفر الكافرين، فإن الآيات السبع التي تأتي بعد المقدمة تحدّثنا عن مواقف الكافرين إذا جاءتهم الآيات، وكيف أنّهم يكذّبون بالحق إن جاءهم، وأنه لو أنزل عليهم كتاب من السماء فلمسوه لزعموا أنه سحر، وكيف أنهم يقترحون أن ينزل على الرسول ملك، وخلال ذلك يلفت الله نظرهم إلى القرون الماضية ليعتبروا، وأما كون بعثة الرسول ﷺ من البشر فذلك مقتضى حكمة الله وابتلائه، وبيّن الله لرسوله ﷺ أن الاستهزاء بالرّسل صلوات الله وسلامه عليهم سنّة ماضية، وأن عقوبة الله لهؤلاء المستهزئين سنة ماضية، وهكذا نجد أن الفقرة التي تأتي بعد مقدمة سورة الأنعام كلها تصبّ في النقاش المباشر مع الكافرين. وصلة ذلك بمحور السورة من البقرة واضحة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ .... ثم يختم المقطع بأوامر توجّه إلى رسول الله ﷺ تأمره أن يعلن فيها مجموعة إعلانات وبأن يقول مجموعة أقوال، قول يأمرهم به أن يسيروا في الأرض ليكتشفوا عاقبة المكذّبين، وقول يوجّه لهم فيه سؤالا عن السموات والأرض لمن هي، ثمّ يقرّر أنها لله ، وقول يعلن فيه رسول الله ﷺ أنّه لا يتخذ وليا إلا الله، وقول يعلن فيه رسول الله ﷺ خوفه من الله وخشيته من عذابه يوم القيامة، وهكذا نجد أن المقطع

стр. 1521

الأول في السورة فصّل في مضمون محور السورة، وبنى عليه وناقش الكافرين. وبيّن الموقف الصّحيح لأهل الإيمان، وكل ذلك كان ضمن سياق السورة الخاص الذي يبدأ بالتعريف على الله ، وما تقتضيه هذه المعرفة من شكر لله ، ثم تبدأ السورة في مناقشة الكافرين، وتبيان الخطأ في مواقفهم، وتعلّم أهل الإيمان ماهيّة الموقف الحق. فإذا اتضح محل المقطع بالنسبة للسياق القرآني العام، وأن لسورة الأنعام سياقها الخاص بها. فلنبدأ بعرض المعاني العامة للمقطع الأول: المعنى العام: يبدأ الله السورة مادحا نفسه الكريمة، وحامدا لها على خلقه السموات والأرض لعباده، وجعله الظلمات والنور منفعة لعباده، وقد جمع لفظ الظلمات ووحّد لفظ النور لكونه أشرف، وبيّن أنّه مع هذا كله كفر به أكثر عباده، وجعلوا له شريكا وعدلا، واتخذوا له صاحبة وولدا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ثمّ بيّن تعالى أنّه خلق أبانا آدم- الذي هو أصلنا ومنه خرجنا من طين، فانتشرنا في المشارق والمغارب. وقد قضى لكل إنسان أجله الخاص، وقدّر وقضى لهذا العالم كله أجله وهو عمر الدنيا بكمالها، ثم انتهاؤها وقضاؤها وزوالها وانتقالها، والمصير إلى الدار الآخرة. وهذا أمر لا يعلمه إلا هو، ومع هذا فإنّ النّاس يشكّون في أمر الساعة، وقد بيّن استحقاقه للحمد، وكمال قدرته، ومظاهر هذه القدرة، ومظاهر إنعامه على خلقه، وكيف أنّه مع ذلك يشرك به من أشرك، ويشكّ باليوم الآخر من يشك، ومن هذه المقدمة ندرك أن المحور العام للسورة مناقشة الكفر وأهله، وتقرير قدرة الله، والتدليل على عنايته لاستخراج الشكر وإكمال المعرفة بالله، وهذه القضايا هي التي نجدها في آيتي سورة البقرة اللتين قلنا عنهما إنهما محور سورة الأنعام. ثمّ بدأ الكلام بعد المقدمة مقرّرا أنه تعالى هو المدعو والمسمى الله في السموات وفي الأرض، أي يعبده ويوحّده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه رغبا ورهبا، إلا من كفر من الجن والإنس، وأنه يعلم ما في السموات وما في الأرض من سرّ وجهر، فيعلم سرّنا وجهرنا، ويعلم كسبنا وجميع أعمالنا، خيرها وشرها، وبعد أن يخبر سبحانه عن ربوبيته للسماوات والأرض، وإحاطة علمه بما فيها، يخبر عن المشركين المكذّبين المعاندين أنهّم كلّما أتتهم آية أي: دلالة ومعجزة وحجّة ممّا يدلّ على وحدانية الله، وصدق رسله الكرام، فإنهم

стр. 1522

يعرضون عنها، فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها. وكمثال على ذلك تكذيبهم بالقرآن الذي هو أعظم آية وأكبرها إعجازا، ثمّ هدّدهم وتوعّدهم وعيدا شديدا على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بدّ أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب، وليجدنّ غبّه وليذوقنّ وباله، ثم قال تعالى واعظا ومحذّرا لهم أن يصيبهم من العذاب والنّكال الدنيوي ما حلّ بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة، الذين كانوا أشدّ منهم قوّة وأكثر جمعا، وأكثر أموالا وأولادا، واستعلاء في الأرض وعمارة لها، أعطاهم من الأموال والأولاد والأعمال والجاه العريض، والسّعة والجنود، وأكثر عليهم من أمطار السماء، وينابيع الأرض، استدراجا وإملاء لهم، ثم أهلكهم بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترحوها، وأنشأ من بعدهم جيلا آخر ليختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم فأهلكوا كإهلاكهم. إنّ الإنسان لو تأمّل هذا الموضوع، فتأمّل فعل الله في الأمم السالفة فإنّه يتّعظ ويؤمن، ويترك الكبر والكفر، ويعمل لله، ويعمل لآخرته، ويوقن أنّه كان واجب السابقين الشكر ولم يشكروا، وأنّ واجب اللاحقين الشكر فليشكروا، والمتأمل يرى كيف أن المقطع يسير على نسق المحور العام لسورة الأنعام في مناقشة الكافرين، بالتدليل على قدرة الله، واستخراج شكره، والتهييج على معرفته، وتقرير الرجوع إليه. ثمّ يستمرّ المقطع بالإخبار عن المشركين، وعنادهم ومكابرتهم للحق، ومباهتتهم ومنازعتهم فيه، حتى لو أنزل عليهم كتاب من السماء فعاينوه ورأوا إنزاله، وباشروا ذلك لقالوا: إنّ هذا سحر واضح، فالعلّة في كفر الكافرين إذن هي مرضهم لا قلّة الآيات ولا انعدامها، فالآيات موجودة وكثيرة، ولكن طبيعتهم الجاحدة هي التي تستكبر عن الرؤية والإيمان، وكأثر عن هذه الطبيعة الكافرة الجاحدة اقتراحهم الاقتراحات من أجل الإيمان- في زعمهم- وهم كذبة، ومن اقتراحاتهم ما قصّه الله علينا في هذا السياق أنّهم اقترحوا أن ينزل عليهم ملك من السماء ليكون مع رسول الله نذيرا. وقد ردّ الله عليهم أنّه لو نزّل الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من الله العذاب، فتلك سنّة الله، ثمّ بين لهم أنّه حتى لو أنزل مع الرسول البشري ملكا، أي: لو بعث إلى البشر رسولا ملكيا لكان على هيئة الرجل لتمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ منه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما هم يلبّسون على أنفسهم في قبول رسالة الرّسول البشريّ، فلو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل؛ لأنهم لا يستطيعون النّظر إلى الملائكة من النّور، وفي هذه الحالة يبقى الالتباس، والخلاصة أنهم اقترحوا نزول الملك وذلك يخالف السّنن؛ لأن الملك من عالم الغيب، وقد أمروا أن يؤمنوا بالغيب؛ ممتحنين في ذلك، وهم لا يقومون بواجبهم ويقترحون على الله تغيير سننه، ولو أنّه

стр. 1523

سبحانه غيّرها لما أفادهم ذلك شيئا، لأنّ العلّة في الأصل موجودة فيهم. فالعلّة هي الطبيعة الكافرة الجاحدة، ولا شكّ أنّ اقتراح الآيات والمقترحات الفاسدة وتعليق الإيمان عليها يجرح قلب رسول الله ﷺ المكلّف من الله بالدعوة إليه، ومن ثمّ اتجه السياق ليعزّي رسول الله ﷺ بأنّ رسلا من قبله قد استهزئ بهم، فأحاط بأقوامهم العذاب ونزل بهم في النهاية، وفي هذا تسلية للنّبي ﷺ في تكذيب من كذّبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة، ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن يقول للناس: أن يضربوا في الأرض معتبرين فينظروا ما أحلّ الله بالقرون الماضية- الذين كذبوا رسله وعاندوهم- من العذاب والنّكال والعقوبة في الدنيا مع ما ادّخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نجّى رسله وعباده المؤمنين، هذا هو المعنى الأوّل الذي أمر رسول الله ﷺ أن يقوله للناس، ثم أمره أن يوجّه لهم سؤالا، وأن يجيب على هذا السؤال، وأن يبني عليه، أمره أن يسألهم لمن ما في السموات والأرض، وأن يجيب هو على هذا السؤال بأن الله هو مالك السموات والأرض، وأن الله الذي هو مالك السموات والأرض قد كتب على ذاته المقدسة الرحمة، وأقسم بذاته المقدسة أنه سيجمع عباده يوم القيامة، وذلك من مظاهر رحمته، وأخبرنا عن هذا اليوم بأنّه هو اليوم الذي لا شك في وقوعه، ولا ريب عند عباد الله المؤمنين فيه، فأما الجاحدون المكذّبون فهم في ريبهم يترددون، وهم سيخسرون أنفسهم يوم القيامة؛ لعدم تصديقهم بالمعاد؛ وعدم خوفهم شرّ ذلك اليوم. والله الذي هو مالك ما في السموات وما في الأرض، مالك كل دابّة في السموات والأرض، الجميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرّفه وتدبيره لا إله إلا هو، وهو السّميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم، وبعد أن أمر الله رسوله ﷺ بالأمرين السابقين أمره أن يأمرهم بالاعتبار، وأن يبلّغهم مالكية الله لما في السموات والأرض ورجوع الخلق إليه، أمره أن يعلن، أنّه- أي رسول الله- لا يتخذ وليّا إلا الله الذي خلق السموات والأرض، الذي أبدعهما على غير مثال سبق، إذ هو الرّازق لعباده من غير احتياج إليهم، ثمّ أمر أن يعلن أنّه أمر أن يكون أول الناس إسلاما وألّا يكون مشركا، ثمّ أمره أن يعلن أنه يخاف عذاب الله العظيم إن عصاه، وهو العذاب الذي من صرفه الله عنه فقد رحمه، وذلك أعظم أنواع الفوز، وبعد أن أمر الله رسوله ﷺ أن يقول للكافرين ما رأينا، وأن يعلن لهم ما مرّ معنا، بيّن لرسوله أنّه هو الله مالك الضرّ والنّفع، وأنه المتصرّف في خلقه بما يشاء، لا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه، وأنّه لا يكشف الضّرّ إلا هو، ولا يصيب بالخير إلا هو، وإذا أراد أن يصيب أحدا بضرّ فلا يكشفه أحد، وإذا أراد أن

стр. 1524

يصيب أحدا بخير فإنّه القادر على كل شئ. ومجئ الآية الأخيرة في سياق الأمر بالتّبليغ والأمر بالإعلان واضح الحكمة؛ إذ قد يترتب على البيان أو الإعلان ضرر، فوضّح أنّ النّفع والضر بيد الله وحده، فليطمئن رسول الله ﷺ ومن بعده المؤمنون. ومن خلال هذه المعاني ندرك كيف أنّ المقطع عرّفنا على الله، وناقش الكفرة ولفت نظر الكافرين ليعتبروا، وردّ على اقتراح من مقترحاتهم، وأمر رسوله أن يبلغهم معاني، وأن يعلن لهم مواقف، وطمأنه على النتيجة. فائدة: إنّ الجحود والإنكار واقتراح الآيات علاجه ما ذكر في هذا المقطع، ومن ثمّ فإنّ على دارس المقطع أن ينتبه إلى ما لفت إليه النظر، وأن ينتبه إلى الأوامر المصدرة بكلمة (قل) فإنّها تمثّل الموقف المداوي والمكافئ لمواقف الكافرين. المعنى الحرفي: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ هذا تعليم بأن من خلق يستحق الحمد، وإن لم يحمده الجاحدون. وفي كتابنا «الله ﷻ » من سلسلة الأصول الثلاثة تحدثنا عن ظاهرة حدوث الكون، وعن ظاهرة الحكمة فيه، وكيف أنّهما يدلّان على الله بما لا يقبل الجدل، فليراجع. وفي قوله تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ إشارة إلى ظاهرة الحدوث وفي قوله: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ إشارة إلى ظاهرة الحكمة، وأن الواجب لله الشكر على ما خلق وجعل، ومعنى جعل هنا: أحدث وأنشأ والمجوس يقولون: بقدم الظلمة والنور. والماديون يقولون: بقدم العالم. وفي النّص ردّ على الجميع وفي كتابنا المذكور رد علمي وعقلي على فكرة قدم المادّة، وأفرد النّور لإرادة الجنس؛ ولأنّ ظلمة كل شئ تختلف باختلاف ذلك الشئ فظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة الموضع المظلم يخالف كل واحد منهما صاحبه، والنّور ضرب واحد لا يختلف كما تختلف الظلمات، وحتى في الظلمة القلبية فظلمة الكفر غير ظلمة النفاق، وظلمتهما غير ظلمة الفسوق، ونور الهداية واحد ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أي: ومع هذا كله فإن الكافرين يساوون به غيره. تقول: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به، واستعمال (ثمّ) في المقام يفيد استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته، فما أفظع فعلهم! إنّه بدلا من أن يحمدوه كفروا نعمته وعدلوا به سواه مما لا يقدر على شئ من الخلق.

стр. 1525

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ. أي ابتدأ خلق أصلكم أي آدم منه ثُمَّ قَضى أَجَلًا. أي: حكم بالموت وقدّره وقضاه وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ. أي: أجل القيامة، ويحتمل أن يكون المراد بالأجل الأول: ما بين أن يخلق الإنسان إلى أن يموت. وبالأجل الثاني البرزخ: وهو ما بين الموت والبعث، ويحتمل أن يكون المراد بالأجل الأول: النوم، وبالثاني: الموت. ويحتمل أن يكون المراد بالأجل الثاني هو الأول ويكون التقدير: ثمّ قضى أجلا مسمّى عنده أي معلوم ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ تحتمل أن تكون من المرية فيكون المعنى: ثم أنتم تشكون، ويحتمل أن يكون من المراء فيكون المعنى ثم أنتم تجادلون ويفيد مجئ (ثم) في هذا المقام استبعاد أن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنّه محييهم ومميتهم وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ. أي: وهو المعبود فيهما، أو هو المعروف بالإلهية فيهما، أو هو الذي يقال له الله فيهما يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ. أي من الخير والشرّ ويثيب عليه ويعاقب. كلمات ونقول في الآيات الثلاث: هذه الآيات الثلاث هي مقدمة السورة، كما أنّها مقدمة المقطع الأول، وبحكم أنهّا مقدمة السّورة فهي تشير إلى مضمونها، وإذ كان مضمون السورة مرتبطا بمحور السّورة من البقرة، فإن هذه الآيات الثلاث تكاد تعرض لمحور السورة بشكل واضح. ولنعقد مقارنة بين محور سورة الأنعام من سورة البقرة وهذه المقدمة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هذه هي الآية الأولى في المحور، لاحظ صلتها بالآية الثانية من مقدمة سورة الأنعام: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ. والآية الثانية في محور السورة هي: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. لاحظ صلة معانيها بالآية الأولى والثالثة من مقدمة سورة الأنعام الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ... وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ إن محور سورة الأنعام من سورة البقرة يعجّب من كفر الكافرين، وينكر عليهم، ومقدمة سورة الأنعام تدلّنا على الشكر بدل الكفر الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كما أنها تعرض علينا مواقف الكافرين ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا

стр. 1526

بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ. لقد أقامت الآيتان اللتان هما محور سورة الأنعام من سورة البقرة الحجة على الكافرين من خلال ظاهرتي الحياة والعناية، وكلاهما مرتبط بظاهرة الخلق، وهاهنا تتحدث الآيات الثلاث عن هذه الظواهر كلها، وفي هذه الآيات الثلاث يقول صاحب الظلال: «إن هذه الموجة العريضة الشاملة في مطلع السورة، إنّما تخاطب القلب البشري والعقل البشري بدليل «الخلق» ودليل «الحياة» ممثلين في الآفاق وفي الأنفس، ولكنها لا تخاطب بهما الإدراك البشري خطابا جدليا، لاهوتيا أو فلسفيا! ولكن خطابا موحيا موقظا للفطرة، حيث يواجهها بحركة الخلق والإحياء، وحركة التدبير والهيمنة؛ في صورة التقرير لا في صورة الجدل؛ وبسلطان اليقين المستمد من تقرير الله؛ ومن شهادة الفطرة الداخلية بصدق هذا التقرير فيما تراه. ووجود السماوات والأرض، وتدبيرهما وفق هذا النظام الواضح؛ ونشأة الحياة- وحياة الإنسان في قمتها- وسيرها في هذا الخط الذي سارت فيه، كلاهما يواجه الفطرة البشرية بالحق، ويوقع فيها اليقين بوحدانية الله، والوحدانية هي القضية التي تستهدفها السورة كلها- القرآن كله- وليست هي قضية (وجود) الله. فلقد كانت المشكلة دائما في تاريخ البشرية هي مشكلة عدم معرفة الإله الحق، بصفاته الحقة؛ ولم تكن هي مشكلة عدم الإيمان بوجود إله! ... ودليل الخلق ودليل الحياة كما أنهما صالحان لمواجهة المشركين لتقرير الوحدانية، ولتقرير الحاكمية، هما كذلك صالحان لمواجهة اللوثات الجاهلية الحديثة التافهة في إنكار الله. والحقيقة أن هناك شكا كثيرا فيما إذا كان هؤلاء الملحدون يصدقون أنفسهم! فأغلب الظن أنها بدأت مناورة في وجه الكنيسة؛ ثم استغلّها اليهود لرغبتهم في تدمير قاعدة الحياة البشرية الأساسية، كيلا يبقى على وجه الأرض من يقوم على هذه القاعدة غيرهم- كما يقولون في بروتوكولات حكماء صهيون- ومن ثم تنهار البشرية وتقع تحت سيطرتهم، بما أنهم هم وحدهم الذين سيحافظون على مصدر القوة الحقيقة الذي توفره العقيدة! .... إن وجود هذا الكون الذي ابتدأ بهذا النظام الخاص، يستلزم- بمنطق الفطرة البديهي وبمنطق العقل الواعي على السواء- أن يكون وراءه خالق مدبّر، فالمسافة بين الوجود والعدم مسافة لا يملك الإدراك البشري أن يعبرها، إلا بتصور إله ينشئ ويخلق ويوجد هذا الوجود .... كذلك نشأة هذه الحياة. والمسافة بينها وبين المادة- أيا كان مدلول المادة

стр. 1527

ولو كان هو الإشعاع- لا يمكن تعليلها إلا بتصور وجود إله خالق مدبّر. يخلق الكون بحالة تسمح بنشأة الحياة فيه؛ وتسمح بكفالة الحياة أيضا بعد وجودها. والحياة الإنسانية بخصائصها الباهرة درجة فوق مجرّد الحياة ... ولا بد من إرادة مدبّرة تمنح الإنسان الحياة، وتمنحه خصائص الإنسان. .... إن التعليل الإسلامي لانبثاق الحياة في درجاتها المتفاوتة هو الحل الوحيد لهذه الظاهرة التي لا تعللها المحاولات المادية البائسة!». *** ولنعد إلى عرض المعنى الحرفي، فبعد المقدمة تأتي مجموعتان في المقطع الأول: مجموعة تبين بعض مواقف الكافرين، وتناقشهم، وتحذرهم، ومجموعة تأمر رسول الله ﷺ أن يخاطبهم بمعان: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ أي: وما يظهر لهم دليل قط من الأدلّة التي يجب فيها النظر والاعتبار وتؤدي إلى الإيمان إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. أي: إلا كانوا تاركين للنظر فيها لا يلتفتون إليها لقلة خوفهم وتدبّرهم في العواقب وأعظم آية القرآن، وأعظم دليل على إعراضهم عن الآيات تكذيبهم له فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ. أي بالقرآن وهو أعظم آية وأكبرها، بدليل أنهم تحدّوا فعجزوا عنه لَمَّا جاءَهُمْ. أي حين جاءهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. أي فسوف يأتيهم أنباء الشئ الذي كانوا به يستهزءون وهو القرآن، أي أخباره وأحواله يعني: سيعلمون بأي شئ استهزءوا، وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا، أو يوم القيامة، أو عند ظهور الإسلام وعلوّ كلمته أَلَمْ يَرَوْا. أي: هؤلاء المكذّبون كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ القرن: هو مدة انقضاء أهل كل عصر مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ الخطاب هنا أول ما يتوجه لأهل مكة لأنّهم أوّل من خوطب بهذا القرآن، والتمكين في البلاد إعطاء المكنة، والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادا وثمود وغيرهم، من البسطة في الأجسام، والسّعة في الأموال، والاستظهار بأسباب الدنيا وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً. أي: وأرسلنا المطر عليهم كثيرا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ. أي: من تحت أشجارهم والمعنى: عاشوا في الخصب بين الأنهار والثمار وسقوا الغيث المدرار فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ولم يغن عنهم سلطانهم وما كانوا فيه شيئا وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ. أي: جيلا آخر بدلا منهم لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم، فأهلكوا كإهلاكهم، فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم فأنتم أولى بالعذاب

стр. 1528

ومعاجلة العقوبة منهم لولا لطفه وإحسانه. فوائد: ١ - [نقل عن صاحب الظلال بمناسبة قوله تعالى .. فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ .. ] بمناسبة قوله تعالى: فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ يقول صاحب الظلال: «وهي حقيقة ينساها البشر حين يمكّن الله لهم في الأرض. ينسون أن هذا التمكين إنما تمّ بمشيئة الله؛ ليبلوهم فيه: أيقومون عليه بعهد الله وشرطه من العبودية له وحده، والتلقي منه وحده- بما أنه صاحب الملك وهم مستخلفون فيه- أم يجعلون من أنفسهم طواغيت تدّعي حقوق الألوهية وخصائصها؛ ويتصرفون فيما استخلفوا فيه تصرّف المالك لا المستخلف .. إنها حقيقة ينساها البشر- إلا من عصمهم الله- وعندئذ ينحرفون عن عهد الله، وعن شرط الاستخلاف؛ ويمضون على غير سنة الله؛ ولا يتبيّن لهم في أوّل الطريق عواقب هذا الانحراف، ويقع الفساد رويدا رويدا وهم ينزلقون ولا يشعرون .. حتى يستوفي الكتاب أجله؛ ويحق وعد الله .. ثم تختلف أشكال النّهاية: مرّة يأخذهم الله بعذاب الاستئصال- بعذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم كما وقع لكثير من الأقوام- ومرة يأخذهم بالسنين، ونقص الأنفس والثمرات- كما حدث كذلك لأقوام- ومرّة يأخذهم بأن يذيق بعضهم بأس بعض؛ فيعذب بعضهم بعضا، ويدمّر بعضهم بعضا، ويؤذي بعضهم بعضا، ولا يعود بعضهم يأمن بعضا؛ فتضعف شوكتهم في النهاية؛ ويسلط الله عليهم عبادا له- أو عصاة- يخضدون شوكتهم، ويقتلعونهم ممّا مكّنوا فيه؛ ثمّ يستخلف الله العباد الجدد ليبتليهم بما مكنهم .. وهكذا تمضي دورة السّنّة .. السعيد من وعى أنها السنة، ومن وعى أنه الابتلاء؛ فعمل بعهد الله فيما استخلف فيه. والشقي من غفل عن هذه الحقيقة، وظنّ أنه أوتيها بعلمه، بحيلته، أوتيها جزافا بلا تدبير. وإنه لممّا يخدع الناس أن يروا الفاجر الطاغي، أو المستهتر الفاسد، أو الملحد الكافر، ممكّنا في الأرض، غير مأخوذ من الله .. ولكن النّاس إنما يستعجلون، إنهم يرون أوّل الطريق أو وسطه؛ ولا يرون نهاية الطريق .. ونهاية الطريق لا ترى إلا بعد أن تجئ! لا ترى إلا في مصارع الغابرين بعد أن يصبحوا أحاديث .. والقرآن الكريم يوجه إلى هذه المصارع ليتنبه المخدوعون الذين لا يرون- في حياتهم الفردية القصيرة- نهاية الطريق؛ فيخدعهم ما يرون في حياتهم ويحسبونه نهاية الطريق! إنّ هذا النّص في القرآن: فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ .. وما يماثله، وهو يتكرر كثيرا

стр. 1529

في القرآن الكريم .. إنما يقرّر حقيقة، ويقرّر سنّة، ويقرّر طرفا من التفسير الإسلامي لأحداث التاريخ .. إنه يقرر حقيقة الذنوب تهلك أصحابها، وأن الله هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم؛ وأن هذه سنة ماضية- ولو لم يرها فرد في عمره القصير، أو جيل في أجله المحدود- ولكنها سنة تصير إليها الأمم حين تفشو فيها الذنوب؛ وحين تقوم حياتها على الذنوب .. كذلك هي جانب من التفسير الإسلامي للتاريخ: فإنّ هلاك الأجيال واستخلاف الأجيال؛ من عوامله، فعل الذنوب في جسم الأمم؛ وتأثيرها في إنشاء حالة تنتهي إلى الدمار؛ إما بقارعة من الله عاجلة، وإما بالانحلال البطيء الفطري الطبيعي، الذي يسري في كيان الأمم- مع الزمن- وهي توغل في متاهة الذنوب! وأمامنا في التاريخ القريب- نسبيا- الشواهد الكافية على فعل الانحلال الأخلاقي، والدعارة الفاشية، واتخاذ المرأة فتنة وزينة، والترف والرخاوة، والتلهي بالنعيم .. أمامنا الشواهد الكافية من فعل هذا كله في انهيار الإغريق والرومان- وقد أصبحوا أحاديث- وفي الانهيار الذي تتجلى أوائله، وتلوح نهايته في الأفق في أمم معاصرة، كفرنسا وانجلترا- كذلك- على الرغم من القوة الظاهرة والثراء العريض. إن التفسير المادي للتاريخ يحذف هذا الجانب حذفا باتا من تفسيره لأطوار الأمم وأحداث التاريخ، ذلك أن وجهته ابتداء هي استبعاد العنصر الأخلاقي من الحياة، واستبعاد القاعدة الاعتقادية التي يقوم عليها .. ولكن هذا التفسير يضطر إلى مماحكات مضحكة في تفسير أحداث وأطوار في حياة البشرية لا سبيل إلى تفسيرها إلا على أساس القاعدة الاعتقادية. والتفسير الإسلامي- بشموله وجديّته وصدقه وواقعيّته- لا يغفل أثر العناصر المادية- التي يجعلها التفسير المادي هي كل شئ- ولكنه يعطيها مكانها الذي تستحقه في رقعة الحياة العريضة؛ ويبرز العناصر الفعالة الأخرى .. التي لا ينكرها إلا أصحاب العناد الصفيق لواقعيات الوجود .. يبرز قدر الله من وراء كل شئ؛ ويبرز التغيّر الداخلي في الضمائر والمشاعر، والعقائد والتصوّرات؛ ويبرز السلوك الواقعي والعنصر الأخلاقي .. ولا يغفل عاملا واحدا من العوامل التي تجري بها سنّة الله في الحياة». ٢ - [توجبه للآية (٦)] في قوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يمكن أن نحمل الآية على المخاطبين الأوّلين فيها وهم أهل مكة، وعندئذ يكون واضحا أن الأمم السابقة، والأقوام السابقين قد مكّن لهم ما لم يمكّن لأهل

стр. 1530

مكة وما لم يوسّع عليهم، وكل مكذّب يأخذ عبرة من هذا الخطاب، ويمكن أن نحمل الآية على أن المخاطبين بها العرب، وواضح أن ما أعطى الله الأمم الأخرى والأجيال السابقة، كبني إسرائيل، والرومان، واليونانيين، والصينيين، والمصريين، لم يعطه العرب، وكل قوم يستطيعون الاعتبار بهذا الخطاب، والسؤال: هل يمكن أن نجعل الخطاب للأجيال كلها بعد نزول القرآن؟ إننا إن حملنا الآية هذا الحمل فهذا يحتاج منا إلى إثبات أنه قد مرّت قرون قبل نزول القرآن مكّنت في الأرض ما لم تمكن به القرون اللاحقة على نزول القرآن حتى عصرنا، ونقول نحن نحتاج إلى إثبات بسبب أن النص القرآني يحتمل، والذي نقوله: إن من ينظر إلى مثل سدّ الصين العظيم، والأهرام، وآثار بعلبك، وشبكة المياه الجوفية الموجودة في بلاد الشام من عصر الرومان، وما يقال إن المناخ العالمي قد تغيّر، وأن الجفاف يزداد، وأن المناطق الصحراوية تمتد، وما يقال تاريخيا عن تمكين أقوام بأعيانهم في الأرض، أما التمكين الحالي ففي الغالب ليس تمكينا لأقوام بل لشعوب من مجموعة أقوام، أو لدول، أو لاتحادات، إن مثل هذه المعاني تجعلنا نقول باحتمال النص للفهم الأخير. والله أعلم. ولنرجع إلى عرض آيات المجموعة الأولى فبعد أن وضّح الله إعراضهم عن الآيات، وتكذيبهم للقرآن، ووعظهم بما أصاب الأمم السابقة، عاد إلى تبيان طبيعتهم الجاحدة، فقال: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ القرطاس الورق، والكتاب المكتوب فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ. أي: اجتمع لهم مع المعاينة اللمس لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ. أي: واضح وإنما يقولون ذلك تعنّتا، وعنادا للحق بعد ظهوره وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ. أي: وقالوا: هلا أنزل على النبي ﷺ ملك يعلمنا أنّه نبي وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ. أي لقضي أمر هلاكهم ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ. أي ثمّ لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين، لأنّهم إذا شاهدوا ملكا في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون، ومجئ (ثمّ) في هذا المقام يفيد أنّ عدم الإنظار أشدّ من قضاء الأمر، لأنّ مفاجأة الشّدة أشد من نفس الشّدة وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً. أي: ولو جعلنا الرسول ملكا كما اقترحوا (لأنّهم كانوا يقولون تارة لولا أنزل على محمد ملك، وتارة يقولون ما هذا إلا بشر مثلكم ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة) لَجَعَلْناهُ رَجُلًا. أي لأرسلناه في صورة رجل وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ. أي لخلّطنا وأشكلنا عليهم من أمره إذا كان، فيسلكون معه كسلوكهم معك يا محمد، فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة الإنسان هذا إنسان وليس بملك،

стр. 1531

يقال: لبّست الأمر على القوم وألبسته إذا أشبهته وأشكلته عليهم. كلمة في السياق: بدأت السورة بتعريفنا على الله، وعلى إحاطة علمه من خلال ظاهرتي الحياة والعناية، أو من خلال ظاهرة الخلق، ودلّتنا على أن مقتضى الخلق الحمد، وبينت لنا أن من مواقف الكافرين الشرك والشك. ثمّ ذكرت السورة موقف الكافرين من الآيات، ولفتت نظرهم إلى مصارع الكافرين. ثمّ بينت لنا أنّ سبب الكفر ليس مرتبطا بقلّة الآيات، بل بشيء آخر، حتى إن الكافرين لو أنزل عليهم كتاب من السماء فلمسوه بأيديهم لقالوا عن ذلك إنه سحر، فالعلّة فيهم إذ كفروا. ثمّ جاءت آية تذكر لنا نموذجا على اقتراحاتهم المتعنتة المستهزئة، ثم جاء الردّ عليهم بآية، وسيأتي تهديد لهم في آية لاحقة، ثمّ تأتي بعد ذلك المجموعة الثانية وفيها إيضاحات لما ينبغي أن يقال لهم. وهكذا نجد أن النقاش الذي بدأ في محور سورة الأنعام من سورة البقرة مع الكافرين تأتي تفصيلاته هنا. فوائد: ١ - [سبب نزول قوله تعالى وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ .. ] في سبب نزول قوله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ قال الألوسي: «وعن الكلبي: وغيره أنها نزلت في النضر بن الحارث. وعبد الله بن أبي أمية. ونوفل بن خويلد لما قالوا لرسول الله ﷺ يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله تعالى ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله تعالى وأنك رسوله. وفي سبب نزول قوله تعالى وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ قال الألوسي: أخرج ابن المنذر. وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال: «دعا رسول الله ﷺ قومه إلى الإسلام وكلمهم فأبلغ إليهم فيما بلغني فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب. والنضر ابن الحارث بن كلدة. وعبد بن عبد يغوث. وأبي بن خلف بن وهب. والعاص بن وائل بن هشام: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك فأنزل الله تعالى قوله سبحانه: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ الخ .. ٢ - [كلام الألوسي حول آية وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ قال الألوسي: وقد قيل: إن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام- وهم هم- إنما رأوا

стр. 1532

الملك في صورة البشر ولم يره منهم على صورته غير النبي ﷺ رآه كذلك مرتين مرة في الأرض بجياد ومرة في السماء، ولا يخفى أن هذا محتاج إلى نقل عن الأحاديث الصحيحة والذي صحّ من رواية الترمذي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇ مرتين كما ذكر على صورته الأصلية لكن ليس فيه أن أحدا من إخوانه الأنبياء غيره ﵊ لم يره كذلك، ولم يرد هذا- كما قال ابن حجر وناهيك به حافظا في شئ من كتب الآثار، وأما رؤية النبي ﷺ وكذا رؤية غيره من الأنبياء غير جبريل ﵇، على الصورة الأصلية فهي جائزة بلا ريب، وظاهر الأخبار وقوعها أيضا لنبينا ﵊، وأما وقوع رؤية سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلم أقف فيها على شئ لا نفيا ولا إثباتا، وعدم رؤية جبريل ﵇ لو صح لا يدل على عدم رؤية غيره، إذ ليست صور الملائكة كلهم كصورته ﵊ في العظم، وخبر الخصمين والأضياف لإبراهيم. ولوط. وداود ﵈ ليس فيه دلالة على أكثر من رؤية هؤلاء الأنبياء للملائكة بصورة الآدميين، وهي لا تستلزم أنهم لا يرونهم إلا كذلك وإلا لاستلزمت رؤية نبينا ﷺ جبريل ﵇ بصورة دحية بن خليفة الكلبي رضي الله تعالى عنه مثلا عدم رؤيته ﵊ إياهم إلا بالصورة الآدمية وهو خلاف ما تفهمه الأخبار». أقول: إن التركيب النفسي والروحي والقلبي للرّسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يختلف، فهم بشر ولكنهم يوحى إليهم، ومن ثمّ فسنّة الله فيهم غير سنّته في بقية خلقه، ثمّ إن الآية تفيد أنّه لو أنزل ملك بناء على اقتراحهم لقضي الأمر، وتلك سنّة من سنن الله أنّه لو استجاب لاقتراح قوم بإنزال ملك وهو اقتراح متعنت فإنّه يأتيهم العذاب، فلا نحتاج إذن لبحث إمكان رؤية الملائكة بسبب من الآية. ٣ - [عوالم المخلوقات تحكمها سنن وقوانين ربانية] فهمنا من الآيتين الأخيرتين أن لهذا العالم قوانين وسننا، وأن الملائكة في خلقتهم الكاملة لا يراهم البشر في قوانين هذا العالم إلا من خصّه الله بخصائص معيّنة كالرّسل، وهذا شئ واضح لأن الحواسّ البشرية محدودة بحسب القوانين الإلهية، فالأذن مثلا لا تستطيع أن تسمع الأصوات التي تقل ذبذباتها إلى ١٣ ذبذبة في الثانية، ولا تستطيع أن تسمع الأصوات إذا ارتفعت ذبذباتها فوق ٣٠٠٠٠ ذبذبة في الثانية، وكذلك العين لا ترى المادة إذا وصلت إلى حالة من الوجود لطيفة جدا، وكذلك إذا وصلت المادة إلى حالة من الكثافة مرتفعة جدا وقد حسب إينشتاين الحالة التي لا ترى فيها المادة إذا

стр. 1533

وصلت إلى ثقل نوعي معيّن (راجع إينشتاين من سلسلة اقرأ) وهذا كله ضمن عالم المادة، فكيف بعالم الغيب، فما أجهل من يكفر، وما أحمق من يرفض الإيمان بما يقوله رسول الله ﷺ بعد أن قامت الأدلة على صدق رسالته. ولنعد إلى السياق فبعد أن ردّ الله على هؤلاء المكذبين المتعنتين عزّى رسوله ﷺ بقوله: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. أي: فأحاط بهم الشئ الذي كانوا يستهزءون به وهو الحق، حيث أهلكوا من أجل استهزائهم. وبهذا انتهت المجموعة الأولى من المقطع الأول بعد أن بيّنت لنا طرفا من مواقف الكافرين وطبيعتهم واقتراحاتهم، وتأتي الآن المجموعة الثانية ويتوجه فيها الخطاب لرسول الله ﷺ بلفظة (قل) ليردّ ويعالج ويعلن وهذه هي المجموعة الثانية: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ يفيد قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبّه، على ذلك بثم؛ لتباعد ما بين الواجب والمباح، ونفهم من الآية أنّ النظر في مصارع المكذبين دواء، ويأتي الآن الدواء الثاني، فقد أمر الله رسوله ﷺ أن يسألهم قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ أمره أنّ يسألهم ويجيب، وفي ذلك إشارة فكأنه قال: لا خلاف بيني وبينكم على هذه الحقيقة، وأنكم لا تقدرون أن تنسبوا من المخلوقات شيئا إلى غيره، هذه هي الحقيقة الأولى، والحقيقة الثانية هي: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أصل معنى كتب: أوجب، ولا يجب للعبد على الله شئ في الأصل، وإنما المراد أنه وعد وعدا مؤكدا وهو منجزه لا محالة، وذكر النفس بهذه الصيغة يفيد الاختصاص ورفع الوسائط، ولمالكيته للسماوات والأرض ولكتابته على نفسه الرحمة فإنه أقسم لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ. أي لا شك فيه أي في هذا اليوم، أو في هذا الجمع، وقد فهمنا: أن إيجاد هذا اليوم هو أثر مالكيته ورحمته وهذا معنى سنراه كثيرا إذ أن من عرف أسماء الله وصفاته يدرك أنّ اليوم الآخر بديهي الوجود، كأثر عن هذا الجلال والكمال الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. أي: الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة باختيارهم الكفر، هم الذين لا يؤمنون بهذا اليوم، ولا يخافون شر ما يصيبهم فيه، قرّر مجئ اليوم الآخر وخسارة الكافرين فيه بعد تقرير مالكيته ورحمته، ثم يعود ليقرر مالكيته وسمعه وعلمه فقال:

стр. 1534

وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إن اعتبرنا سكن من السكنى فإنه يتناول في هذا المقام الساكن والمسافر، وإن اعتبرناه من السكون فمعناه: أنّ له ما سكن، وما تحرك فيهما، فاكتفى بأحد الضدّين عن الآخر، وذكر السكون لأنّه أكثر من الحركة، وفي الإشارة إلى الحركة والسكون في هذا المقام إقامة حجة على الكافرين إذ وجود الحركة والسكون تقتضي حدوث العالم، وحدوث العالم يدلّ على خالقه، وخالقه هو مالكه، وخالقه لا يغيب عنه شئ ولذلك ختمت الآية بقوله: وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يسمع كل موجود وكل مسموع، ويعلم كل معلوم فلا يخفى عليه شئ، وإذ كان الأمر كذلك فليحذر المكلفون يوم القيامة، فإن النّاقد بصير، والحساب عسير إلا من يسّره له الله، وفي مجموع ما ورد في هاتين الآيتين دواء آخر لمن أراد أن يعالج الكفر، وحجة لمن أراد أن يناقش أهله. فوائد: [نقل عن صاحب الظلال حول آية كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ] عند قوله تعالى: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قال صاحب الظلال: «ورحمة الله تفيض على عباده جميعا؛ وتسعهم جميعا؛ وبها يقوم وجودهم، وتقوم حياتهم. وهي تتجلى في كل لحظة من لحظات الوجود أو لحظات الحياة للكائنات. فأما في حياة البشر خاصة فلا نملك أن نتابعها في كل مواضعها ومظاهرها؛ ولكننا نذكر منها لمحات في مجاليها الكبيرة: إنها تتجلى ابتداء في وجود البشر ذاته. في نشأتهم من حيث لا يعلمون. وفي إعطائهم هذا الوجود الإنساني الكريم؛ بكل ما فيه من خصائص يفضّل بها الإنسان على كثير من العالمين. وتتجلى في تسخير ما قدّر الله أن يسخره للإنسان، من قوى الكون وطاقاته. وهذا هو الرزق في مضمونه الواسع الشامل. الذي يتقلب الإنسان في بحبوحة منه في كل لحظة من لحظات حياته. وتتجلى في تعليم الله للإنسان، وبإعطائه ابتداء الاستعداد للمعرفة؛ وتقدير التوافق بين استعداداته هذه وإيحاءات الكون ومعطياته .. هذا العلم الذي يتطاول به بعض المناكيد على الله، وهو الذي علمهم إياه! وهو من رزق الله بمعناه الواسع الشامل كذلك. وتتجلى في رعاية الله لهذا الخلق بعد استخلافه في الأرض، بموالاة إرسال الرسل إليه بالهدى، كلّما نسي وضل؛ وأخذه بالحلم كلما لجّ في الضلال؛ ولم يسمع صوت النذير؛ ولم يصغ للتحذير. وهو على الله هين. ولكنّ رحمة الله وحدها هي التي تمهله؛ وحلم الله وحده هو الذي يسعه. وتتجلى في تجاوز الله- سبحانه- عن سيئاته إذا عمل السوء بجهالة ثم تاب، وبكتابة

стр. 1535

الرحمة على نفسه ممثلة في المغفرة لمن أذنب ثم أناب. وتتجلى في مجازاته عن السيئة بمثلها، ومجازاته على الحسنة بعشر أمثالها. والمضاعفة بعد ذلك لمن يشاء. ومحو السيئة بالحسنة .. وكله من فضل الله. فلا يبلغ أحد أن يدخل الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته. حتى رسول الله ﷺ كما قال عن نفسه، في معرفة كاملة بعجز البشر وفضل الله. والإقصار منا عن متابعة رحمة الله في مظاهرها، وإعلان القصور والعيّ عنها، هو أجدر وأولى. وإلا فما نحن ببالغين من ذلك شيئا! وإن لحظة واحدة يفتح الله فيها أبواب رحمته لقلب العبد المؤمن؛ فيتصل به، ويعرفه؛ ويطمئن إليه- سبحانه- ويأمن في كنفه؛ ويستروح في ظله .. إن لحظة واحدة من هذه اللحظات لتعجز الطاقة البشرية عن تمليها واستجلائها، فضلا عن وصفها والتعبير عنها. فلننظر كيف مثّل رسول الله ﷺ لهذه الرحمة بما يقربها للقلوب شيئا ما: أخرج الشيخان بإسنادهما عن أبي هريرة ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ لما قضى الله الخلق- وعند مسلم: لما خلق الله الخلق- كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» .. وعند البخاري في رواية أخرى: «إنّ رحمتي غلبت غضبي» .. وأخرج الشيخان بإسنادهما عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جعل الله الرحمة مائة جزء. فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءا واحدا. فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابّة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه». وأخرج مسلم بإسناده عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله مائة رحمة. فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم، وتسعة وتسعون ليوم القيامة». وله في أخرى: «إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض. فجعل منها في الأرض رحمة واحدة: فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض. فإذا كان يوم القيامة أكملها الله تعالى بهذه الرحمة». وهذا التمثيل النبوي الموحي، يقرّب للإدراك البشري تصور رحمة الله تعالى .. ذلك

стр. 1536

إذ ينظر إلى رحمة الأمهات بأطفالها في الخلائق الحية ويتملاها ويعجب لها، وإلى رحمة القلوب البشرية بالطفولة والشيخوخة، والضعف والمرض؛ وبالأقرباء والأوداء والأصحاب؛ وبرحمة الطير والوحش بعضها على بعض- ومنها ما يدعو إلى الدهش والعجب- ثم يرى أن هذا كله من فيض رحمة واحدة من رحمات الله سبحانه .. فهذا مما يقرب إلى إدراكه تصور هذه الرحمة الكبرى شيئا ما! وكان رسول الله ﷺ لا يني يعلّم أصحابه ويذكرهم بهذه الرحمة الكبرى. عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قدم على رسول الله ﷺ بسبي. فإذا امرأة من السبي تسعى قد تحلّب ثديها، إذ وجدت صبيا في السبي، فأخذته فألزقته ببطنها فأرضعته. فقال ﷺ «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟». قلنا: لا والله وهي تقدر على ألا تطرحه. قال: «فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها» .. (أخرجه الشيخان). وكيف لا. وهذه المرأة إنما ترحم ولدها، من فيض رحمة واحدة من رحمات الله الواسعة؟ ومن تعليم رسول الله ﷺ لأصحابه هذه الحقيقة القرآنية بهذا الأسلوب الموحي، كان ينتقل بهم خطوة أخرى، ليتخلقوا بخلق الله هذا في رحمته، ليتراحموا فيما بينهم، وليرحموا الأحياء جميعا؛ ولتتذوق قلوبهم مذاق الرحمة وهم يتعاملون بها، كما تذوقتها في معاملة الله لهم بها من قبل. عن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الراحمون يرحمهم الله تعالى. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» .. (أخرجه أبو داود والترمذي). وعن جرير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» ... (أخرجه الشيخان والترمذي). وفي رواية لأبي داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال ﷺ : «لا تنزع الرحمة إلا من شقي». وعن أبي هريرة كذلك. قال: «قبّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي ﵄ وعنده الأقرع بن حابس. فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: «من لا يرحم لا يرحم» .. (أخرجه الشيخان). ولم يكن ﷺ يقف في تعليمه لأصحابه- رضوان الله عليهم- عند حدّ

стр. 1537

الرحمة بالنّاس. وقد علم أن رحمة ربه وسعت كل شئ. وأن المؤمنين مأمورون أن يتخلقوا بأخلاق الله؛ وأن الإنسان لا يبلغ تمام إنسانيته إلا حين يرحم كل حي؛ تخلقا بخلق الله سبحانه. وكان تعليمه لهم بالطريقة الموحية التي عهدناها: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما رجل يمشي بطريق اشتدّ عليه العطش، فوجد بئرا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج، وإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش. فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقى، فسقى الكلب؛ فشكر الله تعالى له فغفر له». قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرا قال: «في كل كبد رطبة أجر» ... (أخرجه مالك والشيخان). وفي أخرى: أن امرأة بغيّا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع (أي أخرج) لسانه من العطش فنزعت له موقها (أي خفها) فغفر لها به. وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبيه ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر. فرأينا حمرة (طائر) معها فرخان لها، فأخذناهما فجاءت الحمرة تعرّش (أو تفرش) - (أي ترخي جناحيها وتدنو من الأرض) فلما جاء رسول الله ﷺ قال: «من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها». ورأى قرية نمل قد أحرقناها فقال: من أحرق هذه؟ قلنا: نحن. قال: إنه لا ينبغي أن يعذّب بالنار إلا رب النار» .. أخرجه أبو داود. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قرصت نملة نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فحرقت. فأوحى الله تعالى إليه: أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح؟» ... (أخرجه الشيخان) وهكذا علّم رسول الله ﷺ أصحابه هدي القرآن. ليتذوقوا رحمة الله من خلال مزاولتهم للرحمة .. إنهم إنما يتراحمون برحمة واحدة من رحمات الله الكثيرة؟!». ولنعد إلى السياق والعرض: كعلاج وحوار وإقامة حجة تأتى المجموعة الثانية في المقطع، وقد جاء في آيتها الأولى أمر بالسير والاعتبار بمصارع الكافرين، وفي الآيتين الثانية والثالثة لفت نظر إلى مالكية الله

стр. 1538

ورحمته وما يترتب عليهما، وفي ذلك علاج وإقامة حجة، وبعد ذلك تأتي الآن آيتان تأمران رسول الله ﷺ أن يعلن معاني عن تحقّقات ذاته الشريفة، مما يفهم منه أنّه في الردّ على الكافرين نحتاج إلى إقامة حجة وإعلان موقف، ولذلك نرى أن الآيتين التاليتين فيهما إعلان موقف قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا. أي ناصرا ومعبودا، أي لا أتخذ، ثمّ وصف الله ذاته بقوله: فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. أي مخترعهما وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ. أي وهو يرزق ولا يرزق، أي المنافع كلها من عنده ولا يجوز عليه الانتفاع، والمعنى: كيف لا أتخذ الله نصيرا ومعبودا؛ وهو الخالق والرازق! وغيره لا يخلق ولا يرزق؛ فلا يصلح وليا ولا نصيرا، وبعد هذا الإنكار على اتخاذ غير الله وليا أمر الله رسوله أن يعلن قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ لأنه أسبق أمته إلى الإسلام فهو أوّل الملتزمين به وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. أي وقيل لي لا تكونن من المشركين، والمعنى أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك، دلّ هذا على أنّ الشّرك والإسلام لا يجتمعان، وأنّ الإسلام هو وحده الذي ينفي كلّ شرك، ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن يعلن قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. وهو يوم القيامة. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ. أي: من يصرف عنه العذاب يوم القيامة فقد ﵀ الرحمة العظمى وهي النّجاة وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ الفوز: حصول الربح ونفي الخسارة، والنّجاة يوم القيامة هي الفوز الكامل الواضح، وأيّ فوز أعظم من الجنة والزحزحة عن النار! وبعد أن أمر الله رسوله ﷺ أن يعلن هذا الإعلان، ذكّره، بما يساعده على إقامة حقيقة هذا الإعلان والبيان وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ من مرض أو فقر أو ذلّ أو إيذاء أو ابتلاء أو غير ذلك من البلاء فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ. أي: فلا قادر على كشفه إلا هو وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ من غنى أو صحّة أو نصر أو غير ذلك من نعمه فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. أي قادر على الإيصال والإدامة والإزالة. وتعليقا على هذه الآيات الثلاث الأخيرة والآية التي بعدها قال صاحب الظلال: «فما أحوج من يواجه الجاهلية بطاغوتها وجبروتها، وبإعراضها وعنادها، وبالتوائها وكيدها، وبفسادها وانحلالها .. ما أحوج من يواجه هذا الشر كله، أن يستصحب في قلبه هذه الحقائق وهذه المشاعر .. مخافة المعصية والولاء لغير الله. ومخافة العذاب الرعيب الذي يترقّب العصاة .. واليقين بأن الضار والنافع هو الله. وأن الله هو القاهر فوق عباده؛ فلا معقّب على حكمه، ولا رادّ لما قضاه .. إن قلبا لا يستصحب

стр. 1539

هذه الحقائق وهذه المشاعر لن يقوى على تكاليف «إنشاء» الإسلام من جديد في وجه الجاهلية الطاغية. وهي تكاليف هائلة تنوء بها الجبال! ثم ما أحوج العصبة المؤمنة- بعد أن تستيقن حقيقة مهمتها في الأرض اليوم؛ وبعد أن تستوضح حقيقة العقيدة التي تدعو إليها، ومقتضياتها من إفراد الله سبحانه بالولاء بكل مدلولاته، وبعد أن تستصحب معها في مهمتها الشاقة تلك الحقائق والمشاعر .. ما أحوجها بعد ذلك كله إلى موقف الإشهاد والقطع والمفاصلة والتبرؤ من الشرك الذي تزاوله الجاهلية البشرية اليوم، كما كانت تزاوله جاهلية البشرية الأولى. وأن تقول ما أمر رسول الله ﷺ أن يقوله؛ وأن تقذف في وجه الجاهلية؛ بما قذف به في وجهها الرسول الكريم، تنفيذا لأمر ربه العظيم: قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ: اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى؟ قُلْ: لا أَشْهَدُ. قُلْ: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ .. إنه لا بد أن تقف العصبة المسلمة في الأرض، من الجاهلية التي تغمر الأرض، هذا الموقف، لا بد أن تقذف في وجهها بكلمة الحق هذه عالية مدوية، قاطعة، مزلزلة رهيبة .. ثم تتجه إلى الله تعلم أنه على كل شئ قدير، وأنه هو القاهر فوق عباده. وأن هؤلاء العباد- بما فيهم الطواغيت المتجبرون- أضعف من الذباب، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه! وأنهم ليسوا بضارين من أحد إلا بإذن الله؛ وليسوا بنافعين أحدا إلا بإذن الله، وأن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ولا بد أن تستيقن العصبة المسلمة كذلك أنها لن تنصر ولن يتحقق لها وعد الله بالتمكين في الأرض، قبل أن تفاصل الجاهلية على الحق عند مفترق الطريق. وقبل أن تعلن كلمة الحق في وجه الطاغوت، وقبل أن تشهد على الجاهلية هذا الإشهاد، وتنذرها هذه النذارة، وتعلنها هذا الإعلان، وتفاصلها هذه المفاصلة. وتتبرأ منها هذه البراءة. إن هذا القرآن لم يأت لمواجهة موقف تاريخي؛ إنما جاء منهجا مطلقا خارجا عن قيود الزمان والمكان. منهجا تتخذه الجماعة المسلمة حيثما كانت في مثل الموقف الذي تنزّل فيه هذا القرآن. وهي اليوم في مثل هذا الموقف تماما؛ وقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا القرآن لينشئ الإسلام في الأرض إنشاء .. فليكن اليقين الجازم بحقيقة هذا الدين. والشعور الواضح بحقيقة قدرة الله وقهره. والمفاصلة الحاسمة مع

стр. 1540

الباطل وأهله .. لتكن هذه عدة الجماعة المسلمة .. والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين ... ». أقول: إن إعلان المسلم مثل هذه الإعلانات هو جزء من الدعوة، وجزء من الحجة، وجزء من العلاج للنفس الكافرة، كما أنّه تقوية لذات المسلم، وارتقاء بمشاعره وهكذا تنتهي المجموعة الثانية في المقطع وبها ينتهي المقطع الأول. فوائد: ١ - [معان على الداعية أن يركز عليها] بعد أن ذكر الله في المقطع إعراض الكافرين عن الآيات، وأنّه لو أنزل عليهم كتابا من السماء فلمسوه بأيديهم ما آمنوا، وبعد أن ذكر الله اقتراح الكافرين أن ينزّل عليهم ملك، وبعد أن بيّن أن هذا الاقتراح أثر من آثار الاستهزاء، فإنّه أمر رسوله ﷺ أن يقول أربعة أقوال، ولذلك جاءت أربعة أوامر بلفظة «قل» إن مجموع هذه الأقوال تدلّ على الدّواء، فمن أراد من أهل الكفر أن يؤمن فهذا هو الطريق: ١ - السير في الأرض والاعتبار بعاقبة المكذبين ٢ - معرفة مالكية الله لكل شئ ورؤية رحمة الله في كل شئ ٣ - رؤية خلق الله للكون كله وأن يرتب على ذلك إسلام الوجه لله ٤ - إعلان المسلم خوفه من عذاب الله وبناء على ذلك نقول: إن الداعية إلى الله عليه أن يركّز على هذه المعاني كلها، ومن المعنى الأخير نعرف أنّ وجود الخائفين من الله هو تذكير عملي للكافرين، وإنّ ختم الآيات بقوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ... يشير إلى أن المسلم عليه أن يقول للكافرين ما أمر به من أوامر في هذا المقام، معتمدا على الله، متوكلا عليه، عارفا أن النّفع والضرّ بيده وحده. ٢ - [أدعية مأثورة عن النبي ﷺ بمناسبة الآيات] بمناسبة قوله تعالى: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قال ابن كثير: وفي حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ﷺ على طعام، فانطلقا معه، فلما طعم النبي ﷺ وغسل يديه قال: «الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم، ومنّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودع ولا مكفي ولا مكفور ولا مستغنى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وهدانا من الضّلال، وبصّرنا من العمى، وفضّلنا على كثير ممّن خلق تفضيلا، الحمد لله رب

стр. 1541

العالمين». وبمناسبة قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ... يقول ابن كثير: «وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يقول: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» أقول: إن في أذكار رسول الله ﷺ ، وفي دعواته أعظم عرض للمعاني الإسلامية، وأعظم تطبيق لمعاني العبودية، والمعرفة لله، وأعظم تحقيق لأوامر الله كلها فليتأمل هذا وليفهم. ٣ - [كلام لصاحب الظلال حول آية قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ .. ] عند قوله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يقول صاحب الظلال: «قضية واحدة محدّدة لا تقبل لينا ولا تميّعا .. إما إفراد الله سبحانه بالتوجّه والتلقي والطاعة والخضوع والعبادة والاستعانة؛ والإقرار له وحده بالحاكمية في كل أمر من هذه الأمور، ورفض إشراك غيره معه فيها؛ وولاء القلب والعمل، في الشعيرة والشريعة له وحده بلا شريك .. إما هذا كله فهو الإسلام .. وإما إشراك أحد من عباده معه في شئ من هذا كله فهو الشرك. الذي لا يجتمع في قلب واحد مع الإسلام». كلمة في السياق: رأينا أن محور سورة الأنعام من سورة البقرة هو قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وقد رأينا صلة المقطع الذي مرّ معنا بهذا المحور، فالمقطع عدا عن تعرضه لمعاني المحور، فإنّه قد ناقش الكافرين، ودلّهم على الطريق الصحيح للإيمان، وكل ذلك قد مرّت معنا تفصيلاته. وقد أشار محور السورة إلى قهر الله وحكمته وعلمه، فمن مظاهر قهر الله الموت والبعث، ومن مظاهر حكمة الله أن خلق الأرض وما فيها للإنسان، ومن مظاهر علم الله خلقه السموات والأرض على مثل هذا الإتقان، هذا كله قد أشارت إليه آيتا المحور، وبعد المقطع الأول من سورة الأنعام يأتي المقطع الثاني وبدايته: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ونهايته: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ. لاحظ الصلة بين بداية المقطع الثاني ونهايته، وبين المعاني الموجودة في البداية

стр. 1542

والنهاية، وبين محور السورة من البقرة. إن الآية الأولى في المقطع الثاني يرد فيها قوله تعالى: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ كما يرد ذلك في الآية الأخيرة كذلك. ومعاني المقطع كلها تدور حول القهر الإلهي، والحكمة والعلم، فذلك مضمون المقطع الثاني ولذلك كله صلته بالمحور. لاحظ الآن ما يلي: في محور السورة من سورة البقرة كلام عن القهر الإلهي وعن الحكمة، وعن العلم: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هذا من مظاهر قهره هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً هذا من مظاهر حكمته وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهذا حديث عن علمه. فإذا عرفنا أن مضمون المقطع الثاني من القسم الأول من سورة الأنعام يتلخص بأنه عرض لمظاهر من القهر الإلهي، ولمظاهر من علم الله وحكمته، أدركنا صلة المقطع في المحور. وسنرى صلة المقطع بما قبله وبما بعده. تلخيص وتقديم: جاء المقطع الأول وفيه مقدمة، هي مقدمة السورة كلها وتتألف من آيات ثلاث. ثمّ عرض علينا المقطع موقف الكافرين من الآيات: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ وجاءت آيات بعد ذلك تعالج هذا الموقف. ثمّ عرض علينا المقطع اقتراحا من اقتراحات الكافرين: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وجاءت آيات تعالج وضع الكافرين جملة وانتهت بقوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ثم جاء المقطع الثاني وبدايته وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ فبعد أن أمر الله رسوله ﷺ أن يقول للكافرين ما يقول، ومن جملة ذلك: قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ بعد ذلك يأتي المقطع الثاني وهو في سياقه الرئيسي. يتحدث كما سنرى عن القهر الإلهي، والحكمة، والعلم، ولكنّه يسير على النّسق الذي رأيناه في المقطع الأول، إذ نجد فيه عرضا لمواقف الكافرين، واقتراحاتهم، وعلاجا لها، ونكاد نجد في كل مجموعة منه عرضا لموقف من مواقف الكافرين، وعرضا لمشهد من مشاهد الآخرة. فلننتقل للحديث عن المقطع الثاني:

стр. 1543

المقطع الثاني يمتدّ هذا المقطع من الآية (١٨) إلى نهاية الآية (٧٣): بدايته قوله تعالى وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ونهايته قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ. لاحظ انتهاء الآية الأولى في المقطع بقوله تعالى: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ. وانتهاء الآية الأخيرة بذلك، وفيما بين البداية والنهاية تفصيل لمظاهر من قهر الله وحكمته وعلمه، وإقامة حجة على النّاس بذلك. يتألف المقطع من جولتين الجولة الأولى تبدأ بقوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ وتستمر حتى تأتي آية مبدوءة بقوله تعالى: (وهو) وفيها تفصيل لمظهر من مظاهر القهر الإلهي. وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. ثم تأتي الجولة الثانية من هذا المقطع وتبدأ كذلك بقوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ. إنهما جولتان في مقطع واحد، يفصّل في القهر الإلهي والحكمة والعلم، ومن خلال التأمّل في الجولتين نرى أنّ الجولة الأولى يغلب عليها التفصيل في القهر الإلهي، وأن الجولة الثانية يغلب عليها التفصيل في الحكمة والعلم، لاحظ بداية الجولة الأولى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. ولاحظ بداية الجولة الثانية: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً. من هاتين البدايتين ندرك ما قلناه من أنّ الجولة الأولى يغلب عليها التفصيل في القهر الإلهي، وأن الجولة الثانية يغلب عليها التفصيل في الحكمة والعلم، وكلا الجولتين تفصلان في القهر الإلهي، والحكمة، والعلم، ومن خلال مظاهر حكمة الله وعلمه تقام الحجة على الكافرين، ومن خلال مظاهر القهر الإلهي يعجّب الإنسان من كفر الكافرين، وصلة ذلك بمحور السورة واضحة؛ إذا المحور يقيم الحجة على الكافرين من خلال ظاهرتي الحياة والعناية، ومن خلال التذكير بالعلم والحساب، ويعجّب من كفر الكافرين، ولنا عودة على السياق فيما بعد، فلنبدأ عرض المقطع بعرض الجولة الأولى منه:

стр. 1544

الجولة الأولى من المقطع الثاني وتمتدّ من الآية (١٨) إلى نهاية الآية (٦٠) وهذه هي: ٦/ ٢٦ - ١٨

стр. 1545

٦/ ٣٤ - ٢٧
следующие страницы →