Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
العالمين». وبمناسبة قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ... يقول ابن كثير: «وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يقول: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» أقول: إن في أذكار رسول الله ﷺ ، وفي دعواته أعظم عرض للمعاني الإسلامية، وأعظم تطبيق لمعاني العبودية، والمعرفة لله، وأعظم تحقيق لأوامر الله كلها فليتأمل هذا وليفهم.
٣ - [كلام لصاحب الظلال حول آية قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ .. ]
عند قوله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يقول صاحب الظلال: «قضية واحدة محدّدة لا تقبل لينا ولا تميّعا .. إما إفراد الله سبحانه بالتوجّه والتلقي والطاعة والخضوع والعبادة والاستعانة؛ والإقرار له وحده بالحاكمية في كل أمر من هذه الأمور، ورفض إشراك غيره معه فيها؛ وولاء القلب والعمل، في الشعيرة والشريعة له وحده بلا شريك .. إما هذا كله فهو الإسلام .. وإما إشراك أحد من عباده معه في شئ من هذا كله فهو الشرك. الذي لا يجتمع في قلب واحد مع الإسلام».
كلمة في السياق:
رأينا أن محور سورة الأنعام من سورة البقرة هو قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وقد رأينا صلة المقطع الذي مرّ معنا بهذا المحور، فالمقطع عدا عن تعرضه لمعاني المحور، فإنّه قد ناقش الكافرين، ودلّهم على الطريق الصحيح للإيمان، وكل ذلك قد مرّت معنا تفصيلاته. وقد أشار محور السورة إلى قهر الله وحكمته وعلمه، فمن مظاهر قهر الله الموت والبعث، ومن مظاهر حكمة الله أن خلق الأرض وما فيها للإنسان، ومن مظاهر علم الله خلقه السموات والأرض على مثل هذا الإتقان، هذا كله قد أشارت إليه آيتا المحور، وبعد المقطع الأول من سورة الأنعام يأتي المقطع الثاني وبدايته: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ونهايته: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.
لاحظ الصلة بين بداية المقطع الثاني ونهايته، وبين المعاني الموجودة في البداية
стр. 1542
والنهاية، وبين محور السورة من البقرة.
إن الآية الأولى في المقطع الثاني يرد فيها قوله تعالى: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ كما يرد ذلك في الآية الأخيرة كذلك. ومعاني المقطع كلها تدور حول القهر الإلهي، والحكمة والعلم، فذلك مضمون المقطع الثاني ولذلك كله صلته بالمحور.
لاحظ الآن ما يلي: في محور السورة من سورة البقرة كلام عن القهر الإلهي وعن الحكمة، وعن العلم: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هذا من مظاهر قهره هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً هذا من مظاهر حكمته وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهذا حديث عن علمه. فإذا عرفنا أن مضمون المقطع الثاني من القسم الأول من سورة الأنعام يتلخص بأنه عرض لمظاهر من القهر الإلهي، ولمظاهر من علم الله وحكمته، أدركنا صلة المقطع في المحور. وسنرى صلة المقطع بما قبله وبما بعده.
تلخيص وتقديم:
جاء المقطع الأول وفيه مقدمة، هي مقدمة السورة كلها وتتألف من آيات ثلاث.
ثمّ عرض علينا المقطع موقف الكافرين من الآيات: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ وجاءت آيات بعد ذلك تعالج هذا الموقف. ثمّ عرض علينا المقطع اقتراحا من اقتراحات الكافرين: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وجاءت آيات تعالج وضع الكافرين جملة وانتهت بقوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ثم جاء المقطع الثاني وبدايته وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ فبعد أن أمر الله رسوله ﷺ أن يقول للكافرين ما يقول، ومن جملة ذلك:
قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ بعد ذلك يأتي المقطع الثاني وهو في سياقه الرئيسي. يتحدث كما سنرى عن القهر الإلهي، والحكمة، والعلم، ولكنّه يسير على النّسق الذي رأيناه في المقطع الأول، إذ نجد فيه عرضا لمواقف الكافرين، واقتراحاتهم، وعلاجا لها، ونكاد نجد في كل مجموعة منه عرضا لموقف من مواقف الكافرين، وعرضا لمشهد من مشاهد الآخرة.
فلننتقل للحديث عن المقطع الثاني:
стр. 1543
المقطع الثاني يمتدّ هذا المقطع من الآية (١٨) إلى نهاية الآية (٧٣):
بدايته قوله تعالى وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
ونهايته قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.
لاحظ انتهاء الآية الأولى في المقطع بقوله تعالى: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ. وانتهاء الآية الأخيرة بذلك، وفيما بين البداية والنهاية تفصيل لمظاهر من قهر الله وحكمته وعلمه، وإقامة حجة على النّاس بذلك. يتألف المقطع من جولتين الجولة الأولى تبدأ بقوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ وتستمر حتى تأتي آية مبدوءة بقوله تعالى: (وهو) وفيها تفصيل لمظهر من مظاهر القهر الإلهي. وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. ثم تأتي الجولة الثانية من هذا المقطع وتبدأ كذلك بقوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ.
إنهما جولتان في مقطع واحد، يفصّل في القهر الإلهي والحكمة والعلم، ومن خلال التأمّل في الجولتين نرى أنّ الجولة الأولى يغلب عليها التفصيل في القهر الإلهي، وأن الجولة الثانية يغلب عليها التفصيل في الحكمة والعلم، لاحظ بداية الجولة الأولى:
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. ولاحظ بداية الجولة الثانية: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً.
من هاتين البدايتين ندرك ما قلناه من أنّ الجولة الأولى يغلب عليها التفصيل في القهر الإلهي، وأن الجولة الثانية يغلب عليها التفصيل في الحكمة والعلم، وكلا الجولتين تفصلان في القهر الإلهي، والحكمة، والعلم، ومن خلال مظاهر حكمة الله وعلمه تقام الحجة على الكافرين، ومن خلال مظاهر القهر الإلهي يعجّب الإنسان من كفر
الكافرين، وصلة ذلك بمحور السورة واضحة؛ إذا المحور يقيم الحجة على الكافرين من خلال ظاهرتي الحياة والعناية، ومن خلال التذكير بالعلم والحساب، ويعجّب من كفر الكافرين، ولنا عودة على السياق فيما بعد، فلنبدأ عرض المقطع بعرض الجولة الأولى منه:
стр. 1544
الجولة الأولى من المقطع الثاني وتمتدّ من الآية (١٨) إلى نهاية الآية (٦٠) وهذه هي:
٦/ ٢٦ - ١٨
стр. 1545
٦/ ٣٤ - ٢٧
стр. 1546
٦/ ٤٥ - ٣٥
стр. 1547
٦/ ٥٤ - ٤٦
стр. 1548
٦/ ٦٠ - ٥٥
كلمة في هذه الجولة:
تبدأ الجولة بالحديث عن قهر الله وحكمته وعلمه، وتنتهي بالحديث عن مظاهر من علمه وحكمته وقهره: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ... وَهُوَ
стр. 1549
الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ .... وفيما بين ذلك حديث عن مظاهر العلم والقهر والحكمة:
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ....
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ... فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ ....
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ... وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
ومن خلال ذلك نرى وحدة الجولة.
والجولة تعرض مواقف للكافرين، وترد عليها، وتقصّ علينا اقتراحات الكافرين المتعنة، وتناقشهم فيها، وتأمر رسول الله ﷺ أن يقول كلاما محددا؛ ولذلك يتكرّر فيها الأمر «قل» ومن ثمّ فهي استمرار للمقطع الأول؛ ففيها منه شبه، وذلك مظهر من مظاهر وحدة سياق السّورة.
والجولة مع هذا كله تفصّل في محور السورة من سورة البقرة، ويكفي أن تقارن آخر آية فيها: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. يكفي أن تقارن هذه الآية بقوله تعالى في المحور: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
حتى تدرك الصلة بين الجولة وبين محور سورة الأنعام من سورة البقرة.
وإذ تقرّرت وحدة الجولة ومحلها في سياق السورة ومحلها بالنسبة للسياق القرآني العام فلننتقل إلى عرض معانيها العامة.
المعنى العام:
يقرّر الله تعالى في بداية هذه الجولة أنّه هو القاهر فوق عباده، فهو الذي خضعت له الرّقاب، وذلّت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شئ، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوّه وقدرته الأشياء؛ فاستكانت وتضاءلت بين يديه، وتحت قهره وحكمه، فلا تنفذ مشيئة إلا بمشيئته، ولا يكون إلا
стр. 1550
ما أراد، ثم يقرّر أنّه الحكيم في أفعاله، الخبير بمواضع الأشياء ومحالها؛ فلا يعطي إلا عن علم، ولا يمنع إلا عن علم، وبعد أن قرّر الله- قهره وحكمته وعلمه- وآثار هذه الصفات مرئية معلومة، فمن لم يشاهد من خلالها خالقها فإنّه يكون عديم الإدراك- بعد هذا التقرير يأمر الله رسوله ﵊ أن يسأل الكافرين عن أعظم الأشياء شهادة، ثم يأمره أن يجيب: أن الله هو أعظم الأشياء شهادة، وأن الله الأعظم شهادة هو يشهد على رسالة رسوله ﷺ وما يقال له وما يردّ عليه، وشهادة الله لرسوله قائمة في المعجزات التي أظهرها على يده، وأعظمها هذا القرآن الذي يدلّ دلالة لا تقبل شكا على أنه من عند الله؛ بما فيه من إعجاز؛ وبما فيه من معجزات؛ لذلك قال بعد ذلك وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. أي:
والقرآن نذير لكل من بلغه، وفيه الشهادة على أن محمدا رسول الله، بحكم كونه معجزة لا تكون إلا من عنده سبحانه، ثمّ أمر الله رسوله أن يسألهم وأن يجيب ملقّنا إياه الحجّة، أمره أن يسألهم عما إذا كانوا يشهدون أن مع الله آلهة أخرى، ثم أمره أن يقول بأنه لا يشهد شهادتهم بعد أن أفهمهم أن شهادة رسول الله ﷺ هي شهادة الله بكتابه، ثم أمره أن يعلن ويقرر وحدانية الله، وأن يعلن براءته من شركهم، وإذ أخبر تعالى عما نعرف به صدق رسالة رسوله ﷺ ذكر عن
أهل الكتاب أنهم يعرفون هذا الذي جاء به رسوله ﷺ ، كما يعرفون أبناءهم؛ بما عندهم من الأخبار، والأنباء عن المرسلين المتقدمين، والأنبياء؛ فإن الرسل بشروا بمجيء محمد ﷺ ، وصفته، وبلده، ومهاجره، وصفة أمته، فما أوضح استحقاق الكافرين لخسارة أنفسهم يوم القيامة بعدم إيمانهم بهذا الأمر الجليّ الظاهر الذي بشّرت به الأنبياء، ونوّهت به في قديم الزمان وحديثه، وفي هذا السياق قرّر تعالى أنّه لا أظلم ممّن تقوّل على الله؛ فادّعى أنّ الله أرسله، ولم يكن أرسله، ثمّ لا أظلم ممّن كذّب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته، وأن الظالمين من هؤلاء، وهؤلاء من المفترين والمكذبين لا يفلحون، وإذ كان رسوله ﷺ من المفلحين، ومن كذّبه لا يفلح، فذلك علامة من أعلام رسالته، وإذا عاقب الله من لم يؤمن برسوله ﷺ ، فذلك أثر من آثار قهره، الذي صدّرت بالكلام عنه هذه الجولة، وبهذه المعاني التي قرّرت قهر الله وحكمته وعلمه، وأنّه الأعظم شهادة، وأنّه منزل القرآن، وأنّ محمدا ﷺ رسوله، وأنّ رسالة محمد ﷺ لا يرقى إليها شك، من حيث أدلتها، أو من حيث شهرتها عند أهل الكتاب، والظلم الأكبر ظلم من لا يؤمن برسول الله ﷺ ، بعد تقرير هذه المعاني ينقلنا الله تعالى إلى
стр. 1551
مشهد من مشاهد يوم القيامة، إذ يحشر الكافرين والمشركين فيسألهم عن معبوداتهم الباطلة التي كانوا يعبدونها من دونه، ويعطونها صفات الألوهية وخصائصها وحقوقها، فما تكون حجتهم ومعذرتهم إلا أن يقسموا أنهم ما كانوا مشركين، كذبوا على الله في الدنيا، ويكذبون على الله في الآخرة، وفي كل من الحالين فإنهم لا يكذبون إلا على أنفسهم وإذ كان كذبهم كله- سواء في ذلك كذبهم على الله في الإشراك به في الدنيا، إلى كذبهم في الآخرة- لا قيمة له ولا نفع فيه فليلاقوا عاقبة هذا الكذب .. وهذا مظهر من مظاهر قهره الذي بدأ بذكره المقطع، أن يحشر الكافرين والمشركين إليه يوم القيامة ويجازيهم، ثمّ بيّن الله لرسوله ﷺ أنّ من المشركين من يجئ ليسمع قراءة رسول الله ﷺ ، ولا يستفيدون شيئا؛ لأن الله جعل على قلوبهم أغطية فلا يفقهون القرآن، وجعل في آذانهم صمما عن السماع النافع لهم، وذلك عقوبة لهم بما اجترحوه، وما اتصفوا به، وعقوبتهم أثر من آثار قهره كذلك، ثمّ إنّهم مهما رأوا من الآيات، والدّلالات، والحجج البينات، والبراهين، فإنهم لا يؤمنون بها؛ إذ لا فهم عندهم، ولا إنصاف، وعند المحاجّة والمناظرة يزعمون أنّ هذا القرآن مأخوذ من كتب الأوائل، ومنقول عنهم، يقولون هذا وهم لا يفهمون هذا القرآن ولا يعقلونه، ثم يزيدون في عتوّهم إذ ينهون الناس عن اتّباع الحق، وتصديق الرسول ﷺ ، والانقياد للقرآن، ويبتعدون هم عنه؛ فيجمعون بين الفعلين القبيحين، لا ينتفعون ولا يدعون أحدا ينتفع، وهم بهذا الصنيع لا يهلكون إلا أنفسهم، ولا يعود وبال ذلك إلا عليهم، وهم لا يشعرون، وبعد عرض حالهم هذا، يعرض الله مشهدا من مشاهد يوم القيامة، وموقفا لهؤلاء المشركين الكافرين هناك، في مقابل موقفهم هذا، ومن ثم يذكر الله حالهم إذا وقفوا يوم القيامة على النار، وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال، فعند ذلك يتمنّون أن يردّوا إلى الدار الدنيا؛ ليعملوا عملا صالحا، ولا يكذّبوا بآيات ربهم، ويكونوا من المؤمنين؛ عندئذ يظهر ما كانوا يخفون في أنفسهم من الكفر، والتكذيب، والمعاندة، وقد بيّن الله تعالى في هذا المقام أنهّم ما طلبوا العودة إلى الدنيا رغبة ومحبة في الإيمان، بل خوفا من العذاب الذي عاينوه؛ جزاء على ما كانوا عليه من الكفر، فسألوا الرجعة إلى الدنيا؛ ليتخلصوا مما شاهدوا من النار. ولو أن الله ردّهم إلى الدار الدنيا، لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والمخالفة. فهم كذبة في زعمهم أنهم لو عادوا إلى الدنيا لعملوا صالحا، بل لو أنهم أعيدوا لعادوا إلى كفرهم ولقولهم: أن لا حياة إلا الدنيا، وأنه لا معاد ولا بعث، وكما
стр. 1552
يوقفون على النار فإنهم يوقفون بين يدي الله ليسألهم أليس هذا المعاد بحق وليس بباطل كما كنتم تظنون، عندئذ يقرون مقسمين بالله إنّه حق، ولكن أنى ينفعهم ذلك؟ فليس لهم إلّا العذاب يذوقون مسّه؛ بكفرهم بربهم وبالبعث وبالرّسل، وفي هذا السياق يقرّر الله خسارة من كذّب بلقائه، وخيبته إذا جاءته الساعة بغتة، ندامته على ما فرّط من العمل، وما أسلف من قبيح الفعل، حيث يقودهم عملهم إلى النار، ثم قرّر الله- حقيقة الحياة الدنيا، وأنهّا ليست إلا لهوا ولعبا.
وأنّ الدار الآخرة هي الدار، وهي الأحسن لأهل التقوى والإيمان، وفي هذا المقام يسلي الله نبيّه ﷺ عن تكذيب قومه له، ومخالفتهم إياه، بتذكيره أن الله محيط علما بتكذيبهم، وبحزن رسول الله ﷺ ، وتأسفه عليهم، مبيّنا لرسوله ﷺ أنّ تصديقهم مستمر له في الحقيقة، فهم لا يتهمونه بالكذب في نفس الأمر؛ ولكن الظالمين يعاندون الحق، ويدفعونه بصدورهم. ثمّ بيّن الله لرسوله ﷺ أنّه إن يكذّب فقد كذّبت رسل من قبله، وكان منهم الصبر على التكذيب والأذى، وكان لهم النصر في العاقبة، وتلك سنة الله، وقد عرّف الله رسوله ﷺ بأخبارهم كيف نصروا، وأيدوا على من كذّبهم من قومهم، ليكون له فيهم أسوة، وبهم قدوة، ثمّ أدّب الله رسوله ﷺ ليزداد صبرا، بأنّه إن شقّ عليه الإعراض فليأتهم بآية، بدخوله سربا في الأرض، أو بصعوده سلّما في السّماء، وما هو بفاعل إلا بإذن الله. فليصبر، ثمّ بيّن الله لرسوله ﷺ أنه لو شاء أن يهدي الناس لهداهم ولكن له حكمة في ذلك، فلا يتصوّر معها هداية الخلق جميعا إلا جاهل، ثمّ بيّن الله لرسوله ﷺ أنّ الذي يستجيب لدعوته هو من يسمع الكلام ويعيه ويفهمه، أما موتى القلوب من الكفار، فلا سماع لهم، ولا استجابة منهم، وسيرون مغبّة أمرهم، إذ يبعثون ويرجعون إلى الله، وهكذا نرى من خلال ما مرّ عرضا لأحوال الكافرين، ومظاهر من قهر الله لهم في الآخرة، وهو المعنى الذي بدأ به المقطع. وكما قصّ الله علينا في المقطع الأول اقتراحا من اقتراحاتهم وردّ عليهم، ففي هذا المقطع يقصّ الله علينا كذلك اقتراحا من اقتراحاتهم المتعنّتة، إنّهم يطلبون آية أي: خارقا على مقتضى ما يريدون وما يتعنتون، وقد بيّن الله- أنه قادر على ذلك، ولكنّ حكمته تقتضي تأخير ذلك؛ لأنه لو أنزلها وفق ما طلبوا، ثم لم يؤمنوا لعاجلهم بالعقوبة، كما فعل بالأمم السابقة، ثمّ قرّر جهل الأكثرين من بني الإنسان، ثمّ بيّن تعالى أنّ كلّ نوع من أنواع الحيوان إنّما هو أمّة من الأمم أليس هذا آية تدل على الله! بدليل أنّه لا ينسى أحدا منها من تدبيره ورزقه، فمن لم ير مثل هذه الآيات فأي آية تجعله يؤمن؟!
стр. 1553
وفي هذا السياق يذكّر الله- أنّ مرجع الجميع إليه، ثمّ بين تعالى أنّ مثل المكذّبين بآيات الله في جهلهم، وقلة علمهم، وعدم فهمهم، كمثل أصمّ: وهو الذي لا يسمع، أبكم: وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في ظلمات لا يبصر، فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق أو يخرج مما هو فيه؟ ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن يوجه سؤالا للكافرين فيه تقرير أن الله المتصرّف في خلقه بما يشاء، الذي لا معقّب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه؛ بل هو وحده الإله لا شريك له، بدليل أنّه في حالة مجئ الساعة لا يدعون غيره؛ لعلمهم أنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه، فكيف يشركون به غيره؟! وفي هذا السياق يقرّر الله سنة من سننه، هي مظهر من مظاهر قهره، هذه السنّة هي أنّه كلّما أرسل إلى أمّة رسولا، فلم يستجيبوا له، يبتليهم بالفقر، وضيق العيش، والأمراض، والأسقام، والآلام، من أجل أن يرجعوا إلى الله، ويتضرعوا إليه ويخشعوا فإذا لم يتضرعوا ويرجعوا، وزادت قسوة قلوبهم، وأصرّوا على ما هم عليه من الشرك، والفساد، والمعاصي، وتمادوا بالإعراض، والغفلة، والتناسي، فعندئذ يفتح الله عليهم أبواب الجاه والرزق، وكل ما يختارون، وهذا استدراج منه وإملاء لهم- عياذا بالله من مكره- حتى إذا فرحوا بما أعطوا من الدنيا؛ عندئذ يأخذهم الله بغتة؛ فإذا هم آيسون من كل خير، وهذه السنّة مظهر من مظاهر قهر الله وحكمته وعلمه، ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن يسأل هؤلاء المكذّبين المعاندين أنّه لو سلبهم الله سمعهم، وأبصارهم، وختم على قلوبهم، فهل أحد غير الله يقدر على ردّ ذلك إليهم؟ لا شك أنّ الجواب: لا يقدر على ذلك أحد سواه، إلا إذا أراد إنسان أن يماحك، ثم لفت الله نظر رسوله ﷺ إلى ما يبيّنه ويوضّحه ويفسّره، ثمّ هؤلاء الكافرون مع هذا يعرضون عن الحق، ويصدّون الناس عن اتباعه، ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن يسألهم أنّه في حالة مجئ العذاب مباغتا لهم أو ظاهرا يعاينونه، هل يهلك الله إلا الظالمين؟ وذلك لأنّ الرسل ما أرسلوا إلّا للتبشير والإنذار، فمن آمن وأصلح فإنه يستحق الأمن من الله لا العذاب، والذين يستحقون العذاب هم الفاسقون، ومن ثمّ فإن عذاب الله إذا جاء يصيبهم وحدهم.
وفي هذا السياق نعرف سنة من سننه- أنّ عذابه لا يصيب به من يقوم بشرعه وحقّه، وإنّما يصيب به من كفر بما جاءت به الرّسل، وخرجوا عن أوامر الله وطاعته، وارتكبوا مناهيه ومحارمه وانتهاك حرماته.
стр. 1554
ثم أمر الله رسوله ﵊ أوامر: أن يعلن عن كونه لا يملك ولا يتصرف بخزائن الله، وأنه لا يعلم الغيب؛ لأن الله وحده هو الذي يعلم الغيب، وأنه ليس إلا بشرا من البشر، وليس ملكا، وأنه عبد لله مطيع، لا يخرج عما أوحى الله إليه قيد شبر، ولا أدنى منه، ثمّ أمره أن يسأل هل يستوي من اتّبع الحق وهدي إليه، ومن ضلّ عنه فلم ينقد له، ومجئ هذا السؤال في هذا السياق يفيد أن العبودية لله هي الإبصار الحقيقي، وهي الهداية الكاملة، ثمّ هيّجهم الله للتفكر، إذ التّفكّر في هذا المقام يدلّهم على أنّ محمدا عبد الله ورسوله حقا وصدقا، ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن ينذر بهذا القرآن من يخاف أن يحشر إلى الله يوم القيامة، حيث لا وليّ ولا شفيع لأحد من دون الله؛ إذ لا حاكم في ذلك اليوم إلا الله، فأمثال هؤلاء هم المرشحون للتقوى والعمل الصالح والإيمان، ثمّ نهى الله رسوله ﷺ أن يطرد الذين يعبدون الله ويسألونه، وأمر ألا يبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات، بل أن يجعلهم جلساءه وأخصّاءه وحسابهم على الله، وهدّده أنّه إن طرد أمثال هؤلاء فإنّه والحالة هذه يكون ظالما، ثمّ بيّن حكمة اتّباع الرسل من الضعفاء وهي الابتلاء، والاختبار، والامتحان، لأهل الكبر، هل يتخلّون عن كبرهم، أو إنهّم يتكبرون على الضعفاء، وعلى الحق، ويستبعدون أن يمنّ الله على أمثال هؤلاء الضعفاء، والله- هو الأعلم بالشاكرين له، بأقوالهم، وأفعالهم، وضمائرهم؛ فيوفّقهم ويهديهم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم، ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن يكرم المؤمنين بردّ السلام عليهم وتبشيرهم برحمة الله الواسعة الشاملة، التي أوجبها على نفسه الكريمة تفضلا منه وإحسانا وامتنانا، وأن من رحمته أنّه يعامل من عصى ثم رجع عما كان عليه من المعاصي، وأقلع وعزم على ألّا يعود- وأصلح العمل في المستقبل- بالمغفرة والرّحمة. ثمّ بيّن تعالى أنّ تبيانه للحجج والدلائل على طريق الهداية والرشاد، وذم المجادلة والعناد، وتفصيله لما يحتاجه المخاطبون من بيان للآيات، كل ذلك من أجل أن تقوم الحجة، ومن أجل أن تظهر طريق المجرمين المخالفين للرّسل، ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن يعلن أنه على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها الله إليه، بينما هم قد كذّبوا بالحق الذي جاءه من عند الله، وأن يعلن لهم أن ما يستعجلون به من العذاب لا يملكه رسول الله ﷺ ، وأنّ مرجع الأمر إلى الله، إن شاء عجّل لهم ما سألوه من العذاب، وإن شاء أنظرهم وأجّلهم، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة، وهو ﷻ خير من فصّل، وخير من يفصل في الحكم بين عباده، ثم أمر رسوله ﷺ أن يقول: لو كان
стр. 1555
مرجع ذلك إليه لأوقعت بكم ما تستحقونه من العذاب، ولكن الأمر لله، وهو الأعلم بالظالمين، ثمّ بيّن تعالى إحاطة علمه بالغيب كله، وبجميع الموجودات برّيّها وبحريّها، لا يخفى عليه من ذلك شئ، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ويعلم الحركات حتى من الجمادات، فما ظنك بالحيوانات ولا سيما المكلفون منهم من جنّهم وإنسهم؟
ثمّ بيّن تعالى أنّه يتوفى عباده في منامهم بالليل، وهذا هو التوفي الأصغر، ويعلم ما كسبوه من الأعمال بالنهار، مبيّنا بذلك إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم، في حال سكونهم وحركتهم، وأنّه إذ يتوفى عباده في منامهم، ويبعثهم من موتهم الأصغر هذا، فمن أجل أن ينال كل واحد أجله الذي كتبه له، ثم المرجع إلى الله، ثم يخبر الجميع بأعمالهم، ويجزيهم على ذلك. والنّوم والاستيقاظ أثر من آثار قهر الله لعباده؛ إذ لا يستطيعون الخروج عن سننه، فالجولة كلها عرض لآثار قهر الله وعلمه وحكمته، ومناقشة للكفرة بالله ورسله، وعرض لما أعدّ الله لهم من عذاب يوم القيامة وسنعرض الجولة على مجموعات لطولها.
المعنى الحرفي:
المجموعة الأولى
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ القهر: بلوغ المراد بمنع الغير من بلوغه والمعنى:
وهو الغالب المقتدر العالي على عباده وَهُوَ الْحَكِيمُ في تنفيذ مراده الْخَبِيرُ بمن يستحق القهر من عباده
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. أي: من أعظم الأشياء شهادة؟ الجواب: الله أكبر شهادة، والله الأكبر شهادة شهيد بين رسوله وبين الكافرين على أن محمدا رسول الله وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. أي: لأنذركم به يا أهل مكة، ولأنذر به من بلغه هذا القرآن إلى قيام الساعة، ومجئ هذا النص بعد ذكر شهادة الله يوحي أن من شهادة الله لرسوله إنزاله هذا القرآن المعجز عليه أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى في هذا الاستفهام معنى الإنكار والتبكيت قُلْ لا أَشْهَدُ. أي: بما تشهدون به وإنما أشهد على وحدانيته قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فليس هناك من إله معه؛ ومن ثمّ فإننا لا نعطي صفات الألوهية، أو خصائصها، أو حقوقها لأحد سواه وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ به
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ. أي: التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى يَعْرِفُونَهُ. أي: يعرفون رسول الله ﷺ بحليته ونعته الثابتين في الكتابين (كما فصلنا ذلك في الفصل الخامس من كتابنا «الرسول» من سلسلة الأصول
стр. 1556
الثلاثة) كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ من حيث الوضوح والجلاء الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ من المشركين والملحدين ومن أهل الكتاب الجاحدين ومن الكفار أجمعين فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. أي: برسول الله ﷺ ، وأي خسارة أعظم من خسارة الجنة ودخول النار؟
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ الظلم:
وضع الشئ في غير موضعه، وأشنعه اتخاذ المخلوق معبودا. وافترى بمعنى اختلق، والمعنى: لا أحد أظلم لنفسه من اثنين: من اختلق على الله الأكاذيب، فوصفه بما لا يليق به. ومن كذّب بآيات الله كالقرآن والمعجزات، فهؤلاء أظلم الظالمين؛ وهؤلاء لا يفلحون إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ. أي: إن الأمر والشأن عدم فلاح هؤلاء، وكيف يفلحون عند الله وقد جمعوا بين أمرين باطلين، فكذبوا على الله ما لا حجة عليه، وكذّبوا بما ثبت بالحجة.
نقول وتعليق:
[نقل عن الألوسي حول آية لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ .. وتعليق للمؤلف]
عند قوله تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ قال الألوسي:
«أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه القرآن، ووصل إليه من الأسود والأحمر، أو من الثقلين، أو لأنذركم به أيها الموجودون، ومن سيوجد إلى يوم القيامة.
قال ابن جرير: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا ﷺ .
وأخرج أبو نعيم وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «قال رسول الله ﷺ من بلغه القرآن فكأنما شافهته». واستدل بالآية على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله، ومن سيوجد بعد، إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
واختلف في ذلك هو بطريق العبارة في الكل أو بالإجماع في غير الموجودين وفي غير المكلفين. فذهب الحنابلة إلى الأول، والحنفية إلى الثاني، وتحقيقه في الأصول. وعلى أن من لم يبلغه القرآن غير مؤاخذ بترك الأحكام الشرعية، ويؤيده ما أخرجه أبو الشيخ عن أبيّ بن كعب قال: «أتي رسول الله ﷺ بأسارى فقال لهم: هل دعيتم إلى الإسلام؟ فقالوا: لا فخلى سبيلهم ثم قرأ وَأُوحِيَ إِلَيَّ الآية».
وعند النّص نفسه يقول صاحب الظلال:
فكل من بلغه هذا القرآن من الناس، بلغة يفهمها، ويحصل منها محتواه، فقد قامت عليه الحجة به، وبلغه الإنذار، وحق عليه العذاب، إن كذب بعد البلاغ .. (فأما من
стр. 1557
يحول عدم فهمه للغة القرآن دون فهمه لفحواه فلا تقوم عليه الحجة به؛ ويبقى إثمه على أهل الدين، الذين لم يبلغوه بلغته، التي يفهم بها مضمون هذه الشهادة .. هذا إذا كان مضمون القرآن لم يترجم إلى لغته».
أقول: كان بعض شيوخنا يرى أنّه متى سمع أحد باسم محمّد ﷺ فإنّ عليه أن يبحث، وإذا لم يبحث فإنّه آثم معذّب عند الله، وكان يأخذ ذلك من قوله علية الصلاة والسلام في الحديث الصحيح «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثمّ لم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» وعلى هذا الاتجاه فإنّ مجرد السّماع باسم رسول الله ﷺ وبرسالته يعتبر تبليغا للسامع، وبه تقوم الحجة عليه.
وكان بعض العلماء يفرّق بين من بلغته الدعوة عن طريق مسلم مشافهة أو سماعا أو كتابة، وبين من لم يبلغه عن هذا الطريق، فمن قرأ عن الإسلام بقلم مسلم، أو سمع عن الإسلام بالراديو، أو التلفزيون، أو بالخطاب المباشر من مسلم، فقد قامت عليه الحجة، ويدخل في ذلك بلا شك من وقعت بيده ترجمة مسلم للقرآن الكريم، وعلى رأي هؤلاء فإن من لم يسمع عن رسول الله ﷺ إلا من كافر فإنّ الحجة لم تقم عليه.
ويرى بعض العلماء أن مجرد السماع باسم محمد ﷺ ورسالته، مع وجود القدرة على التعرّف من خلال الكتاب أو عن طريق مسلم كاف لإقامة الحجة، وعلى هذا فمتى وجد المسلم في مكان أو وجد الكتاب الذي يشرح الإسلام بلغة يفهمها أهل مكان، وتسامع أهل ذلك المكان باسم رسول الله ﷺ ، فقد
قامت عليهم الحجة.
ولنا عودة على هذا الموضوع، ويكفي هنا أن نعرف أنّه حيث يستطيع المسلمون أن يبلغوا بالدعوة ثمّ لا يبلغون؛ فإنهم آثمون، والإثم يوجد حيث توجد الاستطاعة، واستطاعة كل إنسان بحسبه، وفي الحديث «بلّغوا عني ولو آية» ومن الحديث نفهم أنه يفترض على المسلمين التبليغ، وأنه بالآية تقوم الحجة، وفي الفوائد ما يؤكد هذا.
فوائد: حول الآيات (١٨ - ٢١)
١ - بدأ المقطع بإعطائنا تصورا عاما عن مضمون المقطع من خلال ذكر قهر الله، وعلمه وحكمته، وإذ ثبت القهر والعلم والحكمة لله- فقد أثبت الله أنه الأكبر شهادة، وشهد لرسوله ﷺ بالرسالة، وأقام الحجة على ذلك بالقرآن،
стр. 1558
وبالبشارات، وبيّن أنه لا أحد أظلم من الكافرين، وقد ختمت الآيات التي مرّت معنا بذكر أنّ أفظع الظلم ظلم الكافرين المفترين على الله، أو المكذبين بآياته؛ ومن ثم فإننا نفهم أن هناك تصورا خاصا للمسلمين حول مفهوم العدل والظلم، يفترق من الأساس مع أيّ تصور آخر في هذا العالم.
٢ - دلّ قوله تعالى: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً على أنّه يجوز إطلاق اسم الشئ على الله تعالى، فالشئ اسم للموجود، ولا يطلق على المعدوم، والله تعالى موجود ولذلك صح إطلاق لفظ الشئ عليه ﷻ وسبحانه.
٣ - أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب عند قوله تعالى: وَمَنْ بَلَغَ «من بلغه القرآن فكأنّما رأى النّبي وكلّمه» وأخرج ابن جرير عنه «من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد ﷺ » وأخرج عبد الرزاق عن قتادة أنّ رسول الله ﷺ قال: «بلّغوا عن الله فمن بلغته آية من كتاب فقد بلغه أمر الله» وقال الربيع بن أنس: «حق على من اتّبع رسول الله ﷺ أن يدعو كالذي دعا رسول الله ﷺ وأن ينذر بالذي أنذر» ولنعد للعرض.
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً. أي: واذكر يوم نحشرهم جميعا ثُمَّ نَقُولُ توبيخا لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا. أي: مع الله غيره أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. أي: أين آلهتكم التي جعلتموها وزعمتموها شركاء لله
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ. أي: كفرهم يعني: ثم لم تكن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم، وقاتلوا عليه، وجادلوا عنه إلا جحوده والتبرؤ منه، والحلف على الانتفاء من التديّن به، أو ثمّ لم يكن جوابهم إلا أن قالوا .... فسمّى جوابهم فتنة؛ لأنه كذب، أو المراد بفتنتهم حجتهم، وقال ابن جرير: والصواب ثم لم يكن قبلهم عند فتنتنا إياهم اعتذارا عما سلف منهم من الشرك بالله إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ هذا قولهم عند ما رأوا مغبة الشّرك، وقد ذكّر الله رسوله به،
ثمّ أمره أن يعتبر فقال: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ. أي: بقولهم ما كنّا مشركين وَضَلَّ عَنْهُمْ.
أي: غاب عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ إلهيته وشفاعته فهم كانوا يشركون بالله؛ زاعمين أن شركاءهم يشفعون لهم فأين مزاعمهم؟ لقد اتضحت لهم الأكاذيب عند ما رأوا بطلانها عيانا.
في الآية الثانية من هذا المقطع أمر الله رسوله ﷺ أن يقول: قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ
стр. 1559
واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ وفي هذه الآيات الثلاث يعرض الله علينا موقفهم يوم القيامة إذ يسألون عن شركائهم، وكيف أنّهم يتبرءون من هؤلاء الشركاء وفي ذلك دعوة للتبرؤ من الشرك في الحياة الدنيا، والشرك الذي ينبغي أن يتبرأ منه الإنسان في الحياة الدنيا أوسع مدلولا مما يفهمه الكثيرون، وفي توضيح هذا الجانب يقول صاحب الظلال: «إن الشرك ألوان، والشركاء ألوان، والمشركين ألوان .. وليست الصورة الساذجة التي تتراءى للناس اليوم حين يسمعون كلمة الشرك وكلمة الشركاء وكلمة المشركين: من أن هناك ناسا كانوا يعبدون أصناما أو أحجارا، أو أشجارا، أو نجوما، أو نارا .. الخ .. هي الصورة الوحيدة للشّرك!
إن الشرك في صميمه هو الاعتراف لغير الله- سبحانه- بإحدى خصائص الألوهية .. سواء كانت هي الاعتقاد بتسيير إرادته للأحداث ومقادير الكائنات. أو كانت هي التقدم لغير الله بالشعائر التعبدية والنذور وما إليها. أو كانت هي تلقي الشرائع من غير الله لتنظيم أوضاع الحياة .. كلها ألوان من الشرك، يزاولها ألوان من المشركين، يتخذون ألوانا من الشركاء.
والقرآن الكريم يعبّر عن هذا كله بالشرك؛ ويعرض مشاهد من يوم القيامة تمثل هذه الألوان من الشرك والمشركين والشركاء؛ ولا يقتصر على لون منها، ولا يقصر وصف الشرك على واحد منها؛ ولا يفرق في المصير والجزاء بين ألوان المشركين في الدنيا وفي الآخرة سواء .. ولقد كان العرب يزاولون هذه الألوان من الشرك جميعا:
كانوا يعتقدون أن هناك كائنات من خلق الله، لها مشاركة- عن طريق الشفاعة الملزمة عند الله- في تسيير الأحداث والأقدار. كالملائكة. أو عن طريق قدرتها على الأذى- كالجن بذواتهم أو باستخدام الكهان والسحرة لهم- أو عن طريق هذه وتلك- كأرواح الآباء والأجداد- وكل أولئك كانوا يرمزون له بالأصنام التي تعمرها أرواح هذه الكائنات؛ ويستنطقها الكهان؛ فتحل لهم ما تحل، وتحرم عليهم ما تحرم .. وإنما الكهان في الحقيقة .. هم الشركاء!
وكانوا يزاولون الشرك في تقديم الشعائر لهذه الأصنام، وتقديم القربات لها والنذور- وفي الحقيقة للكهان- كما أن بعضهم- نقلا عن الفرس- كانوا يعتقدون في الكواكب ومشاركتها في تسيير الأحداث- عن طريق المشاركة لله- ويتقدمون لها كذلك بالشعائر (ومن هنا علاقة الحلقة المذكورة في هذه السورة من قصة إبراهيم عليه
стр. 1560
السلام بموضوع السورة كما سيأتي) ..
وكذلك كانوا يزاولون اللون الثالث من الشرك بإقامتهم لأنفسهم- عن طريق الكهان والشيوخ- شرائع وقيما وتقاليد، لم يأذن بها الله .. وكانوا يدّعون ما يدّعيه بعض الناس اليوم من أن هذا هو شريعة الله!».
فوائد: [حول الآيات (٢٢ - ٢٤)]
١ - إن أمر الله لرسوله ﷺ أن يتذكر موقف المشركين يوم القيامة، وبراءتهم من كفرهم، وأمره بالاعتبار بذلك فيه تعزية لرسول الله ﷺ ، وتسلية عن موقف الكافرين منه، وفي ذلك أيضا عرض لنوع من أنواع القهر الإلهي، ولفت نظر إلى أن الدنيا وحدها ليست إلا وجها من أوجه التدبير الإلهي، ويظهر فيها بعض أنواع القهر، ولكن الآخرة هي الوجه الآخر.
٢ - يلاحظ أن هذه الجولة التي نحن فيها تتألف من آية هي مقدمتها ومجموعات، وقد رأينا أنّ المجموعة الأولى- وهي التي مرت معنا- فيها عرض لموقف من مواقف الكافرين في الدنيا، وبيان لموقف من مواقفهم في الآخرة حين يجزون جزاء مواقفهم في الدنيا، وفي المجموعة الثانية كذلك عرض لموقف من مواقفهم، ثمّ عرض لمواقف لهم يخزون فيها في الآخرة وهذه هي المجموعة الثانية
المجموعة الثانية في الجولة
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ. أي: حين تتلو القرآن، أي يجيئون ليستمعوا قراءتك وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أي: أغطية أَنْ يَفْقَهُوهُ. لئلا يفقهوه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً. أي: ثقلا يمنع السمع وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها لجحودهم وطبيعتهم الكافرة المتكبرة حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ الأساطير: هي الأكاذيب ومفردها أسطورة، والمعنى:
أنه بلغ تكذيبهم بالآيات إلى أنهم يجادلونك وينكرون، وفسر مجادلتهم بأنهم يقولون عن القرآن- الذي هو كلام الله- إنه أكاذيب
وَهُمْ. أي: المشركون يَنْهَوْنَ عَنْهُ. أي: ينهون الناس عن القرآن، أو عن الرسول ﷺ واتباعه والإيمان به وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ. أي: ويبعدون عنه بأنفسهم فيضلون ويضلون وَإِنْ يُهْلِكُونَ
стр. 1561
إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ أي: وما يهلكون إلا أنفسهم بمعنى أنّ الضرر لا يتعدّاهم إلى غيرهم، وإن كانوا يظنّون أنّهم يضرّون رسول الله ﷺ ولكنّهم لا يشعرون بهذا، هذا حالهم في الدنيا، فكيف يكون حالهم يوم القيامة؟
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ. أي: إذا أروها حتى يعاينوها، أو حبسوا على الصراط فوق النار، أي لو رأيت هذا المشهد لشاهدت أمرا عظيما فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ تمنّوا الرّدّ إلى الدّنيا ليؤمنوا وليتركوا التكذيب، والمعنى: يا ليتنا نردّ وإن رددنا لم نكذب بل نكون من المؤمنين، ولكن أنّى لهم الرجوع؟
بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ. أي: بل ظهر لهم ما كانوا يخفون من الناس في الدنيا من قبائحهم وفضائحهم في صحفهم، وإذ ظهر هذا فقد قامت الحجة عليهم وَلَوْ رُدُّوا. أي: إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. أي: فيما وعدوا من أنفسهم فإنهم لا يوفون به، فأيّ طبيعة هذه الطّبيعة؟ إذا عرفنا هذا أدركنا لم استحقوا الخلود في النار، لأنهم لو بقوا أبدا لكانوا كافرين أبدا.
وبهذا تكون المجموعة الثانية من هذه الجولة قد انتهت، وفيها كما في المجموعة الأولى موقف للكافرين في الدنيا، ومشهد من مشاهد يوم القيامة، ولننتقل إلى المجموعة الثالثة لنجد موقفا في الدنيا ومشهدا من مشاهد يوم القيامة.
المجموعة الثالثة
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا. أي: ما هي إلا هذه الحياة الدنيا ثم لا معاد بعدها ولا حشر ولا نشر، وأكدوا هذا المعنى بقولهم وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ وهذا أعظم الجهل؛ لأنّ من عرف الله وقدرته لم يستغرب خلقه لنا مرة ثانية، ومن عرف الله وعرف عدله أيقن بالحساب والجزاء في دار غير هذه الدار، وقد أخبر الله أنّه فاعل على لسان رسله ﵈، فأيّ جهل بعد ذلك أن لا يؤمن الإنسان بالبعث
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ. أي: أوقفوا بين يديه وهو تعبير عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاقبه فماذا يقول الله لهم في هذا الموقف قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ. أي: أليس البعث وهذا المعاد بحق وليس بباطل كما كنتم تزعمون، وقوله بالحق أي بالكائن الموجود، وهذا تعيير لهم على التكذيب بالبعث وقولهم
стр. 1562
لما كانوا يسمعون من حديث البعث: ما هو بحق قالُوا بَلى وَرَبِّنا أقروا وأكدوا الإقرار باليمين حيث لا ينفعهم إقرارهم قالَ. أي: الله فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. أي: بسبب كفركم، وفي معرض إنكارهم لليوم الآخر يأتي في السياق مجموعتان، مجموعة تقرر جزاء من لم يؤمن بالآخرة، ومجموعة فيها تعزية وتسلية وتوجيه لرسول
الله ﷺ ، وعلى هذا فإننا نستطيع أن نقول: إن هاتين المجموعتين استمرار للمجموعة السابقة وفي موضوعها، ولكنا سنعرضهما على أنهما المجموعة الرابعة والخامسة.
المجموعة الرابعة
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ. أي: ببلوغ الآخرة وما يتصل بها من لقاء الله حَتَّى هذه غاية لتكذيبهم لا لخسرانهم لأن خسرانهم لا غاية له إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ. أي: القيامة لأنّ مدة تأخرهم مع تأبّد ما بعدها كساعة واحدة بَغْتَةً. أي: فجأة، والبغتة: هي ورود الشئ على صاحبه من غير علمه بوقته قالُوا يا حَسْرَتَنا هذا نداء تفجّع معناه يا حسرة احضري فهذا أوانك عَلى ما فَرَّطْنا فِيها. أي: على ما قصّرنا في الحياة الدنيا أو في السّاعة، أي قصرنا في شأنها وفي الإيمان بها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ. أي: آثامهم عَلى ظُهُورِهِمْ خصّ الظّهر لأن المعهود حمل الأثقال على الظهور، كما عهد الكسب بالأيدي، وهو مجاز عن اللزوم على وجه لا يفارقهم أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ. أي: ألا بئس شيئا يحملونه، ومجئ (ألا) في هذا السياق يفيد تعظيم ما يذكر بعده
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا هذا جواب لقولهم إن هي إلا حياتنا الدنيا وتقييم لها إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ اللعب: ترك ما ينفع لما لا ينفع. واللهو: الميل عن الجدّ إلى الهزل، والمعنى: ما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو، أو ما أعمال الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، لأنّها لا تعقب منفعة كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ. أي: ولدار الساعة الآخرة خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ فيه دليل على أن ما سوى أعمال المتقين لعب ولهو أَفَلا تَعْقِلُونَ. قيمة الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة؛ فتعملون للآخرة، وأ فلا تعقلون عن الله فتسمعون وتطيعون وتؤمنون وتتقون؟ وهكذا يتكامل الردّ على دعوى الكافرين أنه لا
стр. 1563
معاد من خلال التذكير بحقيقة الحياة الدنيا، وستأتي المجموعة الخامسة لتكمّل الردّ، وقبل أن نعرض المجموعة الخامسة نحب أن ننقل هنا ما قاله صاحب الظلال في هذا المقام مذكّرا بأبعاد التصور الإسلامي لقضية الحياة: يقول صاحب الظلال:
«فالحياة- في التصور الإسلامي- ليست هي هذه الفترة القصيرة التي تمثل عمر الفرد؛ وليست هي هذه الفترة المحدودة التي تمثل عمر الأمة من الناس؛ كما أنها ليست هي هذه الفترة المشهودة التي تمثل عمر البشرية في هذه الحياة الدنيا.
إن الحياة- في التصور الإسلامي- تمتد طولا في الزمان، وتمتد عرضا في الآفاق، وتمتد عمقا في العوالم، وتمتد تنوعا في الحقيقة .. عن تلك الفترة التي يراها ويظنها ويتذوقها من يغفلون الحياة الآخرة من حسابهم ولا يؤمنون بها.
إن الحياة- في التصور الإسلامي- تمتد في الزمان، فتشمل هذه الفترة المشهودة- فترة الحياة الدنيا- وفترة الحياة الأخرى؛ والتي تعد فترة الحياة الدنيا بالقياس إليها ساعة من نهار!. وتمتد في المكان، فتضيف إلى هذه الأرض التي يعيش عليها البشر؛ دارا أخرى: جنة عرضها كعرض السماوات والأرض؛ ونارا تسع الكفرة من جميع الأجيال التي عمرت وجه الأرض ..
وتمتد في العوالم، فتشمل هذا الوجود المشهود إلى وجود مغيب لا يعلم حقيقته كلها إلا الله؛ ولا نعلم نحن عنه إلا ما أخبرنا به الله. وجود يبدأ من لحظة الموت، وينتهي في الدار الآخرة. وعالم الموت وعالم الآخرة كلاهما من غيب الله. وكلاهما يمتد فيه الوجود الإنساني في صور لا يعلمها إلا الله.
وتمتد الحياة في حقيقتها؛ فتشمل هذا المستوى المعهود في الحياة الدنيا، إلى تلك المستويات الجديدة في الحياة الأخرى .. في الجنة وفي النار سواء. وهي ألوان من الحياة ذات مذاقات ليست من مذاقات هذه الحياة الدنيا ... ولا تساوي الدنيا- بالقياس إليها- جناح بعوضة!. والشخصية الإنسانية- في التصور الإسلامي- يمتد وجودها في هذه الأبعاد من الزمان وفي هذه الآفاق من المكان، وفي هذه الأعمال والمستويات من العوالم والحيوات ... ويتسع تصورها للوجود كله؛ وتصورها للوجود الإنساني؛
стр. 1564
ويتعمق تذوقها للحياة؛ وتكبر اهتماماتها وتعلقاتها وقيمها؛ بقدر ذلك الامتداد في الأبعاد والآفاق والأعماق والمستويات .. بينما أولئك الذين لا يؤمنون بالآخرة، يتضاءل تصورهم للوجود الكوني، وتصورهم للوجود الإنساني؛ وهم يحشرون أنفسهم وتصوراتهم وقيمهم وصراعهم في ذلك الجحر الضيق الصغير الضئيل من هذه الحياة الدنيا!
ومن هذا الاختلاف في التصور يبدأ الاختلاف في القيم، ويبدأ الاختلاف في النظم ويتجلى كيف أن هذا الدين منهج للحياة متكامل متناسق؛ وتبين قيمة الحياة الآخرة في بنائه: تصورا واعتقادا، وخلقا وسلوكا، وشريعة ونظاما ..
إن إنسانا في هذا المدى المتطاول من الزمان والمكان والعوالم والمذاقات غير إنسان يعيش في ذلك الجحر الضيق، ويصارع الآخرين عليه، بلا انتظار لعوض عما يفوته ولا لجزاء عما يفعله وما يفعل به .. إلا في هذه الأرض ومن هؤلاء الناس!.
إن اتساع التصور وعمقه وتنوعه ينشئ سعة في النفس، وكبرا في الاهتمامات، ورفعة في المشاعر! ينشأ عنها هي خلق وسلوك، غير الذين يعيشون في الجحور وسلوكهم. فإذا أضيف إلى سعة التصور وعمقه وتنوعه، طبيعة هذا التصور، والاعتقاد في عدل الجزاء في الدار الآخرة، وفي ضخامة العوض عما يفوت ونفاسته، استعدت النفس للبذل في سبيل الحق والخير والصلاح الذي تعلم أنه من أمر الله، وأنه مناط العوض والجزاء؛ وصلح الفرد واستقام سلوكه- متى استيقن الآخرة كما هي في التصور الإسلامي- وصلحت الأوضاع والأنظمة، التي لا يتركها الأفراد تسوء وتنحرف وهم يعلمون أن سكوتهم على فسادها لا يحرمهم صلاح الحياة الدنيا وحدها وخيراتها؛ ولكنه يحرمهم كذلك العوض في الآخرة فيخسرون الدنيا والآخرة.
والذين يفترون على عقيدة الحياة الآخرة فيقولون: إنها تدعو الناس إلى السلبية في الحياة الدنيا؛ وإلى إهمال هذه الحياة؛ وتركها بلا جهد لتحسينها وإصلاحها؛ وإلى تركها للطغاة والمفسدين تطلعا إلى نعيم الآخرة .. الذين يفترون هذا الافتراء على عقيدة الآخرة يضيفون إلى الافتراء الجهالة! فهم يخلطون بين عقيدة الآخرة- كما هي في التصورات الكنسية المنحرفة- وعقيدة الآخرة كما هي في دين الله القويم ... فالدنيا- في التصور الإسلامي- هي مزرعة الآخرة. والجهاد في الحياة الدنيا لإصلاح هذه
стр. 1565
الحياة، ورفع الشر والفساد عنها، ورد الاعتداء عن سلطان الله فيها، ودفع الطواغيت وتحقيق العدل والخير للناس جميعا .. كل أولئك هو زاد الآخرة وهو الذي يفتح للمجاهدين أبواب الجنة، ويعوّضهم عما فقدوا في صراع الباطل، وما أصابهم من الأذى .. فكيف يتفق لعقيدة هذه تصوراتها أن يدع أهلها الحياة الدنيا تركد وتأسن، أو تفسد وتختل، أو يشيع فيها الظلم والطغيان، أو تتخلف في الصلاح والعمران ..
وهم يرجون الآخرة وينتظرون فيها الجزاء من الله؟.
إن الناس إذا كانوا في فترات من الزمان يعيشون سلبيين؛ ويدعون الفساد والشر والظلم والطغيان والتخلف والجهالة تغمر حياتهم الدنيا- مع ادعائهم الإسلام- فإنما هم يصنعون ذلك كله أو بعضه لأن تصورهم للإسلام قد فسد وانحرف؛ ولأن يقينهم في الآخرة قد تزعزع وضعف! لا لأنهم يدينون بحقيقة هذا الدين؛ ويستيقنون من لقاء الله في الآخرة. فما يستيقن أحد من لقاء الله في الآخرة. وهو يعي حقيقة هذا الدين ثم يعيش في هذه الحياة الدنيا سلبيا أو متخلفا، أو راضيا بالشر والفساد والطغيان. إنما يزاول المسلم هذه الحياة الدنيا، وهو يشعر أنه أكبر منها وأعلى. ويستمتع بطيباتها أو يزهد فيها وهو يعلم أنها حلال في الدنيا خالصة له يوم القيامة. ويجاهد لترقية هذه الحياة وتسخير طاقاتها وقوامها وهو يعرف أن هذا واجب الخلافة عن الله فيها. ويكافح الشر والفساد والظلم محتملا الأذى والتضحية حتى الشهادة، وهو إنما يقدم لأنه يعلم من دينه أن الدنيا مزرعة الآخرة وأن ليس هنالك طريق للآخرة لا يمر بالدنيا؛ وأن الدنيا صغيرة زهيدة ولكنها من نعمة الله التي يجتاز منها إلى نعمة الله الكبرى.
وكل جزئية في النظام الإسلامي منظور فيها إلى حقيقة الحياة الآخرة، وما تنشئه في التصور من سعة وجمال وارتفاع، وما تنشئه في الخلق من رفعة وتطهر وسماحة ومن تشدد في الحق وتحرج وتقوى؛ وما تنشئه في النشاط الإنساني من تسديد وثقة وتصميم، من أجل ذلك كله لا تستقيم الحياة الإسلامية بدون يقين في الآخرة. ومن أجل ذلك كان هذا التوكيد في القرآن الكريم على حقيقة الآخرة».
كلمة في السياق:
رأينا أن محور السّورة هو كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ لاحظ كلمة إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ثمّ تذكر أن المجموعات التي مرت معنا كلها فيها حديث عن هذه الرّجعة، وما يكون فيها، وتذكّر أن المجموعة
стр. 1566
الخامسة التي ستمرّ معنا إنما هي امتداد لما قبلها، فالجولة إذن تفصّل في محور السورة بشكل واضح، وهي مع تفصيلها للمحور لها سياقها الخاص بها، فهي ترينا نماذج على القهر الإلهي في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فلنتذكر ونحن نقرأ ما تبقّى من الجولة:
السياق الخاصّ لها وهو: عرض نماذج من القهر الإلهي، والحكمة والعلم الإلهيين.
ولننتقل إلى المجموعة الخامسة في الجولة.
المجموعة الخامسة
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ. أي: لا ينسبونك إلى الكذب ولكن يكذّبون ما جئت به وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ فيه دلالة على أنهم ظلموا بجحودهم، والمعنى أن تكذيبك تكذيب لله لأنّك رسوله المصدّق بالمعجزات، فهم لا يكذّبونك في الحقيقة، وإنّما يكذّبون الله، لأن تكذيب الرّسول تكذيب للمرسل
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فتلك طبيعة النفس البشرية الكافرة في كل عصر أنها تكذّب الرّسل فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا الصبر: حبس النفس على المكروه، والمعنى: أنّهم صبروا على تكذيب قومهم وإيذائهم حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا. أي: استمر صبرهم حتى جاءهم النّصر، فما بعد التكذيب والإيذاء إلا النصر، وما بعد الصبر، إلا النصر، تلك سنة الله في دعوته ورسله، قال صاحب الظلال:
«إن موكب الدعوة إلى الله موغل في القدم، ضارب في شعاب الزمن، ماض في الطريق اللاحب، ماض في الخط الواصب .. مستقيم الخطى، ثابت الأقدام. يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل، ويقاومه التابعون من الضالين والمتبوعون، ويصيب الأذى من يصيب من الدعاة. وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء .. والموكب في طريقه لا ينحني ولا ينثني، ولا ينكص ولا يحيد .. والعاقبة هي العاقبة، مهما طال الزمن ومهما طال الطريق .. إن نصر الله دائما في نهاية الطريق».
هذه سنة الله- ولذلك عقّب الله- على قوله: حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا بقوله: وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ. أي: لمواعيده في نصرة رسله وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ. أي: ولقد جاءك بعض أنبائهم وقصصهم، وما
стр. 1567
كابدوا من مصابرة المشركين وكيف كانت العاقبة لهم
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ. أي: وإن كان عظم وشق عليك كفرهم وعدم استجابتهم للإسلام فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ. أي: سربا ومنفذا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ. أي: أو تجعل لك سلما في السّماء فتصعد فيه فتأتيهم بآية منها، والمعنى إنك لا تستطيع ذلك، والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض، أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم، ولكنّ لله مرادا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى. أي: لجعلهم بحيث يختارون الهدى، ولكن لما علم أنهّم يختارون الكفر لم يشأ أن يجمعهم على ذلك فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ. أي: من الذين يجهلون ذلك، ويجهلون ما فيه من الحكم العظيمة
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ.
أي: إنما يجيب دعاءك الذين يسمعون دعاءك بقلوبهم، أمّا غيرهم وهم الكفار فهؤلاء لا يسمعون، ولا يستجيبون ولذلك قال وَالْمَوْتى. أي: الكفار لأنهم موتى القلوب، فشبّههم الله بأموات الأجساد يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ فحينئذ يسمعون وأما قبل ذلك فلا.
كلمة في السياق:
- تشكل المجموعات الثلاث الأخيرة كلا متكاملا، فهي كلها تعالج قول الكافرين وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا من خلال الحجة، والموعظة، والتذكير، والتسلية لرسول الله ﷺ ، وتبصيره بحكمة الله- ولقد رأينا أن من حكمة الله- أن لا يهدي كل المكلفين، فذلك من مظاهر قهره وحكمته وعلمه، فالله- لا يهدي من لا يستحق الهداية، وهو أعلم بهم، وذلك من حكمته، وذلك من آثار قهره، وتعذيبهم كذلك هو أثر من آثار قهره وعلمه وحكمته، وهذا يذكرنا بالسياق الخاص للجولة.
- يلاحظ أن آخر آية في المجموعة الأخيرة هي: وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ولنتذكر أن محور السورة من البقرة فيه: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ والخطاب هناك للكافرين كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ ... ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وهذا يؤكد ما ذكرناه من أن الجولة تفصل في محور السورة من البقرة. ولها سياقها الخاص، كما لها ارتباطها بالسياق القرآني العام.
стр. 1568
فوائد: [روايات عن قوله تعالى فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ .. ]
١ - بمناسبة قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ذكر ابن كثير الروايات التالية:
أ- روى سفيان الثوري ... عن علي قال: قال أبو جهل للنّبي ﷺ : إنا لا نكذبك ولكن نكذّب ما جئت به، فأنزل الله فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين.
ب- روى ابن أبي حاتم عن أبي يزيد المدني: أنّ النّبي ﷺ لقي أبا جهل فصافحه، فقال له رجل: ألا أراك تصافح هذا الصابئ! فقال: والله إني أعلم أنه لنبي ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعا؟ وتلا أبو يزيد فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. وقال أبو صالح وقتادة: يعلمون أنّك رسول الله ويجحدون.
ج- ذكر محمد بن إسحاق عن الزهري في قصة أبي جهل حين جاء يستمع قراءة النبي ﷺ من الليل هو وأبو سفيان صخر بن حرب والأخنس بن شريق، ولا يشعر أحد منهم بالآخر فاستمعوها إلى الصباح، فلمّا هجم الصبح تفرّقوا فجمعتهم الطريق فقال كل منهم للآخر: ما جاء بك؟ فذكر له ما جاء به، ثمّ تعاهدوا أن لا يعودوا لما يخافون من علم شباب قريش بهم لئلا يفتتنوا بمجيئهم، فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم ظنا أن صاحبيه لا يجيئان لما سبق من العهود، فلمّا أصبحوا جمعتهم الطريق فتلاوموا ثمّ تعاهدوا أن لا يعودوا، فلمّا كانت الليلة الثالثة جاءوا أيضا فلمّا أصبحوا تعاهدوا أن لا يعودوا لمثلها، ثمّ تفرّقوا فلمّا أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثمّ أتى أبا سفيان بن حرب في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد، قال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها وما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبيّ يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه، قال: فقام عنه الأخنس وتركه.
стр. 1569
د- روى ابن جرير عن السدي في قوله: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ لما كان يوم بدر قال الأخنس ابن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة، إن محمدا ابن أختكم، فأنتم أحق من ذبّ عن ابن أخته، فإنه إن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم، وإن كان كاذبا كنتم أحق من كفّ عن ابن أخته، قفوا هاهنا حتى ألقى أبا الحكم، فإن غلب محمد رجعتم سالمين، وإن غلب محمد فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئا- فيومئذ سمي الأخنس وكان اسمه أبيّ- فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل، فقال: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا؟ فقال أبو جهل: ويحك والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسّقاية والحجابة والنّبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله:
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ فآيات الله محمد ﷺ ».
بين يدي المجموعة السادسة: قلنا إن المجموعات الثلاث الأخيرة تشكل كلا متكاملا يبدأ بقوله تعالى: وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ولكنّا عرضناها على أنهّا ثلاث مجموعات لسهولة العرض، وإلا فإنها تكاد تكون فقرة واحدة تبدأ بقوله تعالى: (وقالوا) والآن تأتي مجموعة مبدوءة بقوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ فكأنها معطوفة على وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ولسهولة العرض فإننا سنعرض المجموعة اللاحقة على أنها المجموعة السادسة في الجولة، وإنما أشرنا إلى هذا ليعلم أن الجولة يمكن أن تقسم تقسيمات أخرى كأن نقسمها إلى فقرات، وكل فقرة إلى مجموعات. فلننتقل إلى المجموعة السادسة:
المجموعة السادسة:
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ. أي: هلّا أنزل عليه خارق على مقتضى ما كانوا يريدون ويتعنتون قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً كما اقترحوا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. أي: لا يعلمون أنّ الله قادر على أن يأتي بآية، ولا يعلمون ما يترتب على نزول الآية المقترحة من عذاب عاجل لمن كفر،
ثم لفت النظر إلى آياته في الكون وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ الدابّة: اسم لما يدبّ، وتقع على المذكر والمؤنّث وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ قيّد الطيران بالجناحين لنفي المجاز إِلَّا أُمَمٌ
стр. 1570
أَمْثالُكُمْ. أي: إلا خلق أمثالكم في الحياة والموت، والاحتياج إلى مدبّر يدبّر أمرها، وفي القوانين التي تخضع لها وتنتظمها ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ.
أي: ما تركنا في الكتاب من شئ، والكتاب يحتمل أن يكون المراد به اللوح المحفوظ، ويحتمل أن يكون المراد به القرآن. فإن أريد به اللوح المحفوظ كان المراد: ما تركنا من شئ لم نكتبه في اللوح المحفوظ، وإن كان المراد به القرآن كان المعنى: ما تركنا في القرآن من شئ يحتاج الخلق إلى بيانه إلا وقد اشتمل عليه القرآن، وقد جاء هذا التقرير في سياق الكلام عن كون كلّ نوع من دوابّ الأرض، وكل نوع من الطيور، أمة لها من الخصائص، والقوانين، واللغة، والعادات، ما به تسمّى أمة، وعلم دراسات الحيوانات أعطانا- حتى الآن- من هذا الكثير، فإشارة القرآن إلى ذلك هنا معجزة منفردة، وهو في الوقت نفسه دليل على أنه ما من شئ إلا وفي القرآن بيان عنه. ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ في تفسير الحشر هنا اتجاهان للمفسرين، الاتجاه الأول: اتجاه من يفسر حشر البهائم بأنه موتها، والاتجاه الثاني يفسّر حشرها ببعثها وإقامة العدل فيما بينها، ثم إفنائها، وفي الفوائد سنذكر مزيدا عن هذا الموضوع، ولما ذكر من خلائقه وآثار قدرته في هذه الآية ما يشهد لربوبيته، وينادي على عظمته،
قال: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ. أي: لا يسمعون كلام المنبّه وَبُكْمٌ. أي: لا ينطقون بالحق فِي الظُّلُماتِ. أي: خابطون فيها، وجمعت الظلمات لكثرة أنواعها، ظلمة الجهل، والحيرة، والكفر، والغفلة عن تأمل ذلك والتفكر فيه مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ. أي: من يشإ الله ضلاله يضلله، وفي هذا إيذان بأنّه فعّال لما يريد وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بأن يهديه للإسلام وفي هذا الكلام دليل على خلق الأفعال، وإرادة المعاصي، ونفي وجوب الأصلح عليه، وهي قضايا خالف بها المعتزلة، وإذ وصل السياق إلى هذا المعنى تأتي مجموعة أوامر بلفظ (قل) موجهة لرسول الله ﷺ تأمره أن يقول معاني محددة للكافرين، فيها ردود على اقتراحهم الآيات.
ولقد استخرج صاحب الظلال من هذا المقام- مقام اقتراح الآيات والموقف منها درسا سجّله وننقله بين يدي العلاج القرآني الذي ستعرضه المجموعات اللاحقة:
فصل في الموقف من الاقتراحات
يقول صاحب الظلال:
стр. 1571
«من هنا لا ينبغي لصاحب الدعوة إلى هذا الدين، أن يستجيب لاقتراحات المقترحين ممن يوجّه إليهم الدعوة، في تحوير منهج دعوته عن طبيعة الربانية؛ ولا أن يحاول تزيين هذا الدين لهم وفق رغباتهم وأهوائهم وشهواتهم .. ولقد كان المشركون يطلبون الخوارق- وفق مألوف زمانهم ومستوى مداركهم كما حكى عنهم القرآن في مواضع منه شتى، منها في هذه السورة وَقالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ! ... وفي السور الأخرى ما هو أشد إثارة للعجب من هذه الاقتراحات. ذلك كالذي حكاه عنهم في سورة الإسراء: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً* أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ- كَما زَعَمْتَ- عَلَيْنا كِسَفاً، أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا* أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ، أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ! .. وكالذي حكاه عنهم في سورة الفرقان: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ، لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً* أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها!.
والتوجيه القرآني المباشر في هذه الموجة من السورة نهى رسول الله ﷺ والمؤمنين أن يرغبوا في إتيانهم بآية- أية آية- مما يطلبون. وقيل للرسول ﷺ : وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ* إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ .. وقيل للمؤمنين الذين رغبت نفوسهم في الاستجابة للمشركين في طلبهم آية عند ما أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها! قيل لهم: إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ* وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ .. ليعلموا أولا: أن الذي ينقص المكذبين ليس هو الآية، والدليل على الحق، ولكن الذي ينقصهم أنهم لا يسمعون، وأنهم موتى وأن الله لم يقسم لهم الهدى- وفق سنة الله في الهدى والضلال كما أسلفنا- ثم ليعلموا كذلك: أن هذا الدين يجري وفق سنة لا تتبدل، وأنه أعز من أن يصبح تحت رغبات المقترحين وأهوائهم!
وهذا يقودنا إلى المجال الأشمل لهذا التوجيه القرآني .. إنه ليس خاصا بزمن، ولا
стр. 1572
محصورا في حادث ولا مقيدا باقتراح معين. فالزمن يتغير، وأهواء الناس تتمثل في اقتراحات أخرى، وأصحاب الدعوة إلى دين الله ينبغي ألا تستخفهم أهواء البشر.
وهناك من يضعون على الإسلام أقنعة أخرى، ويصفونه بصفات من التي تروج عند الناس في فترة من الفترات .. كالاشتراكية .. والديمقراطية .. وما إليها .. ظانين أنهم يخدمون الإسلام بهذه التقدمة الذليلة! .. إن «الاشتراكية» مذهب اجتماعي اقتصادي من صنع البشر؛ قابل للصواب والخطأ. وإن «الديمقراطية» نظام للحياة أو للحكم من صنع البشر كذلك، يحمل صنع البشر من القابلية للصواب والخطأ أيضا .. والإسلام منهج حياة يشمل التصور الاعتقادى، والنظام الاجتماعي الاقتصادى، والنظام التنفيذي والتشكيلي .. وهو من صنع الله المبرّأ من النقص والعيب .. فأين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لمنهج الله- سبحانه- عند البشر بوصفه بصفة من أعمال البشر؟ بل أين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لله- سبحانه- عند العبيد بقول من أقوال هؤلاء العبيد؟! ..
لقد كان كل شرك المشركين في الجاهلية العربية أنهم يستشفعون عند الله ببعض خلقه .. يتخذونهم أولياء: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى .... فهذا هو الشرك! فما الوصف الذي يطلق إذن على الذين لا يستشفعون لأنفسهم عند الله بأولياء من عبيده، ولكنهم- ويا للنكر والبشاعة! - يستشفعون لله- سبحانه- عند العبيد بمذهب أو منهج من مذاهب العبيد ومناهجهم؟! ..
إن الإسلام هو الإسلام. والاشتراكية هي الاشتراكية. والديمقراطية هي الديمقراطية .. ذلك منهج الله، ولا عنوان له ولا صفة إلا العنوان الذي جعله الله له، والصفة التي وصفه بها .. وهذه وتلك من مناهج البشر. ومن تجارب البشر. وإذا اختاروها فليختاروها على هذا الأساس .. ولا ينبغي لصاحب الدعوة إلى دين الله، أن يستجيب لإغراء الزي الرائج من أزياء الهوى البشري المتقلّب. وهو يحسب أنه يحسن إلى دين الله!
стр. 1573
على أننا نسأل هؤلاء الذين هان عليهم دينهم، ولم يقدّروا الله حق قدره .. إذا كنتم تقدمون الإسلام اليوم للناس باسم الاشتراكية، وباسم الديمقراطية، لأن هذين زيّان من أزياء الاتجاهات المعاصرة .. فلقد كانت الرأسمالية في فترة من الفترات هي الزي المحبوب عند الناس وهم يخرجون بها من النظام الإقطاعي! كما كان الحكم المطلق في فترة من الفترات هو الزي المطلوب في فترة التجميع القومي للولايات المتناثرة كما في ألمانيا وإيطاليا أيام بسمرك وما تزيني مثلا! وغدا من يدري ماذا يكون الزي الشائع من الأنظمة الاجتماعية الأرضية، وأنظمة الحكم التي يضعها العبيد للعبيد، فكيف يا ترى ستقولون غدا عن الإسلام؟ لتقدموه للناس في الثوب الذي يحبه الناس؟!
إن التوجيه القرآني في هذه الموجة التي نحن بصددها- وفي غيرها كذلك- يشمل هذا كله .. إنه يريد أن يستعلي صاحب الدعوة بدينه؛ فلا يستجيب لاقتراحات المقترحين، ولا يحاول تزيين هذا الدين بغير اسمه وعنوانه، ولا مخاطبة الناس به بغير منهجه ووسيلته .. إن الله غني عن العالمين. ومن لم يستجب لدينه عبودية له، وانسلاخا من العبودية لسواه، فلا حاجة لهذا الدين به، كما أنه لا حاجة لله- سبحانه- بأحد من الطائعين أو العصاة. ثم إنه إذا كان لهذا الدين أصالته من ناحية مقوماته وخصائصه، التي يريد الله أن تسود البشرية. فإن له كذلك أصالته في منهجه في العمل، وفي أسلوبه في خطاب الفطرة البشرية ... إن الذي نزّل هذا الدين بمقوماته وخصائصه، وبمنهجه الحركي وأسلوبه، هو- سبحانه- الذي خلق الإنسان، ويعلم ما توسوس به نفسه .. ».
***
стр. 1574
فوائد:
١ - [نقل بخصوص آية ... إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ]
بمناسبة قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ينقل ابن كثير ما أخرجه الحافظ أبو يعلى عن جابر بن عبد الله قال: قلّ الجراد في سنة من سني عمر ﵁ التي ولي فيها، فسأل عنه فلم يخبر بشيء فاغتمّ لذلك فأرسل راكبا إلى كذا، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق يسأل هل رؤي من الجراد شئ أم لا؟ قال: فأتاه الراكب الذي من قبل اليمين بقبضة جراد، فألقاها بين يديه، فلما رآها كبر ثلاثا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«خلق الله- ألف أمة، منها ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر، وأول شئ يهلك من هذه الأمم الجراد. فإذا هلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه». وفي حالة صحة هذا الحديث فالمراد بذكر العدد إما التكثير فلا يفهم منه الحصر، وإما أن يكون المراد الأمم الرئيسية التي خلقها الله، أو الأمم ذات الإدراك المرتفع.
٢ - [روايات بخصوص آية ... ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ]
بمناسبة قوله تعالى عن هذه الأمم: ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ نقل ابن كثير في معنى الحشر قولين، القول الأول أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس قال: موت البهائم حشرها وذكر أنه روي عن مجاهد والضحاك مثله، والقول الثاني إن حشرها هو بعثها يوم القيامة لقوله تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ثم ذكر مجموعة آثار تشهد لهذا القول وهذه هي مع حذف الأسانيد:
أ- روى الإمام أحمد ... عن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ رأى شاتين تنتطحان فقال: «يا أبا ذر هل تدري فيم تنتطحان؟» قال: لا، قال: «لكن الله يدري وسيقضي بينهما».
ب- روى ابن جرير. عن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذ انتطحت عنزان فقال رسول الله ﷺ : «أتدرون فيم انتطحتا؟» قالوا:
لا ندري، قال:
«لكن الله يدري وسيقضي بينهما». ورواه من طريق آخر عن أبي ذر فذكره وزاد:
قال أبو ذر: ولقد تركنا رسول الله ﷺ وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما.
ج- وروى عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه ... عن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة».
стр. 1575
د- وروى عبد الرزاق ... عن أبي هريرة في قوله إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ، ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ قال يحشر الخلق كلهم يوم القيامة. البهائم والدواب والطير وكل شئ فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجمّاء من القرناء، ثم يقول كوني ترابا، فلذلك يقول الكافر: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً.
هذان اتجاهان للمفسرين في هذا الموضوع، والذي نفهمه نحن أنّ ما نص الله ورسوله ﷺ على حشره يحشر، وما لم ينص على حشره فموته حشره حتى لا يقال إن الجراثيم وما أشبهها في الخلق تبعث وتحشر أو نقول: إن هناك حدّا معيّنا من الإدراك إذا وجد ترتب عليه حشر، وإذا لم يوجد لم يكن حشر، ويتحقق العدل الإلهي في الحيوانات التي لا تحشر بالشكل الذي يعلمه الله- ونرجو أن نكون بذلك قد جمعنا بين القولين بما لم نعطّل به نصا، ولم نشأ أن نتحدث عن هذا الموضوع بما يبعد هذا التفسير عن بساطته وسهولة الوصول إلى معانيه.
٣ - [كلام بخصوص آية ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ]
رأينا أن هناك اتجاهين للمفسرين في تفسير الكتاب في قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ قال الألوسي: ذاكرا أدلة من ذهب إلى أن المراد بذلك القرآن:
«والمراد من الكتاب القرآن، واختاره البلخي وجماعة. فإنه ذكر فيه جميع ما يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا، بل وغير ذلك، إما مفصّلا، وإما مجملا، فعن الشافعي عليه الرحمة: ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله تعالى الهدى فيها.
وروى البخاري عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «لعن الله تعالى الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلّجات للحسن، المغيرات خلق الله تعالى، فقالت له امرأة في ذلك. فقال: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله تعالى.
فقالت له: قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول. قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. قالت:
بلى. قال: فإنه ﵊ قد نهى عنه». وقال الشافعي رحمه الله تعالى مرة بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله تعالى. فقيل له؟ ما تقول في المحرم يقتل الزنبور: فأجاب بأنه يقتله واستدل عليه بنحو استدلال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وأخرج ابن جرير. وابن أبي حاتم عنه أنه قال: يقال: أنزل في هذا القرآن كل علم
стр. 1576
وبين لنا فيه كل شئ. ولكن علمنا يقصر عما بيّن لنا في القرآن» وأخرج أبو الشيخ في كتاب العظمة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لو أغفل شيئا لأغفل الذرّة والخردلة والبعوضة» وقال ابن عباس ﵄: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى، وقال المرسي: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين، بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم به، ثم رسول الله ﷺ خلا ما استأثر الله تعالى به».
كلمة في السياق:
ذكرت المجموعة السادسة اقتراحا للكافرين وردّت عليه، وبعد هذا الردّ تأتي الآن مجموعات تعالج المرض، وتقيم الحجة، وتشرح بعض سنن الله، وتأمر رسول الله ﷺ أن يوجه الحوار، وأن يناقش، وأن يعلن، وكل ذلك يجري على نسق واحد، نسق يحقق تكامل الجولة ضمن سياقها، ويكمّل تفصيل المحور، والملاحظ أن الأمر «قل» الموجه لرسول الله ﷺ يتكرّر في هذه المجموعات، وقد مرّت معنا من قبل ست مجموعات في هذه الجولة وها قد وصلنا إلى المجموعة السابعة وهي مصدرة بقوله تعالى:
قُلْ.
المجموعة السابعة
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ. أي: هل علمتم أنّ الأمر كما يقال لكم فأخبروني بما عندكم إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ معناه: أخبروني إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة من تدعون غير الله؟ وفي هذا تبكيت لهم أي أتخصون آلهتكم بالدعوة إذا أصابكم ضر، أم تدعون الله دونها؟ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّ غير الله إله فادعوه ليخلصكم ولكنّهم كاذبون
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ.
أي: بل تخصّونه بالدّعاء دون الآلهة المزعومة فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ.
أي: فيكشف ما تدعونه إلى كشفه إن أراد أن يتفضّل عليكم وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ. أي: وتتركون آلهتكم أو لا تذكرون آلهتكم في ذلك الوقت لأنّ أذهانكم وقتذاك مغمورة بذكر ربكم وحده إذ هو القادر على كشف الضرّ دون غيره.
إن رجوع الإنسان إلى الله ساعة الشّدّة وإقباله عليه بالدّعاء وإفراده بذلك، لدليل أيما دليل على استكنان الإيمان بالله وتوحيده في الفطرة البشرية، ولقد علّق صاحب
стр. 1577
الظلال على الآية الأخيرة بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ ... بقوله:
«بل تدعونه وحده؛ وتنسون شرككم كله! .. إن الهول يعرّي فطرتكم- حينئذ- فتتجه بطلب النجاة إلى الله وحده. وتنسى أنها أشركت به أحدا. بل تنسى هذا الشرك ذاته .. إن معرفتها بربها هي الحقيقة المستقرة فيها؛ فأما هذا الشرك فهو قشرة سطحية طارئة عليها، بفعل عوامل أخرى. قشرة سطحية في الركام الذي ران عليها. فإذا هزّها الهول تساقط هذا الركام، وتطايرت هذه القشرة، وتكشّفت الحقيقة الأصلية، وتحركت الفطرة حركتها الفطرية نحو بارئها، ترجوه أن يكشف عنها الهول الذي لا يد لها به، ولا حيلة لها فيه ..
هذا شأن الفطرة في مواجهة الهول، يواجه السياق القرآني به المشركين .. فأما شأن الله- سبحانه- فيقرره في ثنايا المواجهة. فهو يكشف ما يدعونه إليه- إن شاء- فمشيئته طليقة، لا يرد عليها قيد. فإذا شاء استجاب لهم فكشف عنهم ما يدعون كله أو بعضه؛ وإن شاء لم يستجب، وفق تقديره وحكمته وعلمه.
هذا هو موقف الفطرة من الشرك الذي تزاوله أحيانا، بسبب ما يطرأ عليها من الانحراف، نتيجة عوامل شتى، تغطي على نصاعة الحقيقة الكامنة فيها .. حقيقة اتجاهها إلى ربها ومعرفتها بوحدانيته .. فما هو موقفها من الإلحاد وإنكار وجود الله أصلا؟ نحن نشك شكا عميقا- كما قلنا من قبل- في أن أولئك الذين يمارسون الإلحاد في صورته هذه صادقون فيما يزعمون أنهم يعتقدونه. نحن نشك في أن هناك خلقا أنشأته يد الله، ثم يبلغ به الأمر حقيقة أن ينطمس فيه تماما طابع اليد التي أنشأته، وفي صميم كينونته هذا الطابع، مختلطا بتكوينه، متمثلا في كل خلية وفي كل ذرة. إنما هو التاريخ الطويل من العذاب البشع، ومن الصراع الوحشي مع الكنيسة، ومن الكبت والقمع، ومن إنكار الكنيسة للدوافع الفطرية للناس مع استغراقها هي في اللذائذ المنحرفة .. إلى آخر هذا التاريخ النكد الذي عاشته أوربا قرونا طويلة .. هو الذي دفع الأوربيين في هذه الموجة من الإلحاد في النهاية .. فرارا في التيه، من الغول الكريه. ذلك إلى استغلال اليهود لهذا الواقع التاريخي؛ ودفع النصارى بعيدا عن دينهم؛ ليسلس لهم قيادهم، ويسهل عليهم إشاعة الانحلال والشقاء فيهم، وليتيسر لهم استخدامهم- كالحمير- على حد تعبير «التلمود» و «برتوكولات حكماء صهيون» .. وما كان اليهود ليبلغوا من هذا كله شيئا إلا باستغلال ذلك التاريخ الأوربي النكد، لدفع الناس إلى الإلحاد هربا
стр. 1578
من الكنيسة. ومع كل هذا الجهد الناصب، المتمثل في محاولة «الشيوعية» - وهي إحدى المنظمات اليهودية- لنشر الإلحاد، خلال أكثر من نصف قرن، بمعرفة كل أجهزة الدولة الساحقة، فإن الشعب الروسي نفسه لم يزل في أعماق فطرته الحنين إلى عقيدة في الله .. ولقد اضطر «ستالين» الوحشي- كما يصوره خلفه خروشوف! - أن يهادن الكنيسة، في أثناء الحرب العالمية الثانية، وأن يفرج عن كبير الأساقفة، لأن ضغط الحرب كان يلوي عنقه للاعتراف للعقيدة في الله بأصالتها في فطرة الناس مهما يكن رأيه ورأي القليلين من الملحدين من ذوي السلطان حوله.
ولقد حاول اليهود- بمساعدة «الحمير» الذين يستخدمونهم من الصليبيين- أن ينشروا موجة من الإلحاد في نفوس الأمم التي تعلن الإسلام عقيدة لها ودينا. ومع أن الإسلام كان قد بهت وذبل في هذه النفوس .. فإنّ الموجة التي أطلقوها عن طريق أتاتورك في تركيا .. انحسرت على الرغم من كل ما بذلوه لها- (وللبطل) - من التمجيد والمساعدة. وعلى كل ما ألّفوه من الكتب عن (البطل) والتجربة الرائدة التي قام بها .. ومن ثم استداروا في التجارب الجديدة يستفيدون من تجربة أتاتورك، ألّا يرفعوا على التجارب الرائدة راية الإلحاد. إنما يرفعون عليها راية الإسلام.، كيلا تصدم الفطرة، كما صدمتها تجربة أتاتورك. ثم يجعلون تحت هذه الراية ما يريدون من المستنقعات والقاذورات والانحلال الخلقي، ومن أجهزة التدمير للخامة البشرية بجملتها في الرقعة الإسلامية.
غير أن العبرة التي تبقى من وراء ذلك كله، هي أن الفطرة تعرف ربها جيدا، وتدين له بالوحدانية، فإذا غشّى عليها الرّكام فترة، فإنها إذا هزها الهول وتساقط عنها ذلك الركام كله وتعرّت منه جملة، عادت إلى بارئها كما خلقها أول مرة .. مؤمنة طائعة خاشعة .. أما ذلك الكيد كله فحسبه صيحة حق تزلزل قوائمه، وترد الفطرة إلى بارئها سبحانه. ولن يذهب الباطل ناجيا، وفي الأرض من يطلق هذه الصيحة. ولن يخلو وجه الأرض- مهما جهدوا- ممن يطلق هذه الصيحة».
وبعد أن أقام الله الحجة على المشركين من خلال واقعهم وإذ كان السياق في موضوع التهديد بالعذاب الرباني إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ فإن الآية التالية تبين لهم سنّة الله في معاملته للأمم حتى لا يستبطئوا عذاب الله مع تكذيبهم رسوله فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ. رسلا فكذبوهم فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ. أي: بالبؤس
стр. 1579
والضر، ويدخل في البؤس القحط، والجوع، وفي الضر المرض، ونقصان الأنفس، والأولاد لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ. أي: يتذللون، ويتخشّعون لربّهم، ويتوبون عن ذنوبهم إذ المفروض أن تتخشّع النّفوس عند نزول الشدائد
فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا. أي: هلّا تضرعوا بالتّوبة عند إنزال البأساء والضّراء بهم، وهذا يفيد نفي التضرع وإنما استعملت (لولا) في هذا المقام ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ فلم ينزجروا بما ابتلوا به بل زادوا عتوا بدلا من أن يتضرعوا وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فصاروا معجبين بأعمالهم على قبحها وسوئها كما نرى المنحرفين عن أمر الله- وما أكثرهم- يسمّون انحرافهم أسماء تدل على عجبهم وافتخارهم بما هم فيه من ضلال
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من الوحي والبأساء والضراء أي: تركوا الاتعاظ به؛ ولم يزجرهم؛ فأعرضوا عنه، وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من الصّحة، والسّعة، وصنوف النعمة، ورخاء الدنيا، ويسرها من جاه ورفاه ومجد، وهذا استدراج منه تعالى، وإملاء لهم عياذا بالله من مكره حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا.
أي: من الأموال والأولاد والأرزاق والجاه وتيسير الأمور أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً. أي:
على غفلة أي فجأة فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. أي: آيسون من كل خير ومتحسرون، وأصل الإبلاس: الإطراق حزنا لما أصاب الإنسان أو ندما على ما فاته
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا. أي: أهلكوا عن آخرهم، ولم يترك منهم أحد إذ عند ما يقطع دابرهم لا يبقى منهم أحد وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هذا إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة، وأنه من أجلّ النعم وأجزل القسم، أو احمدوا الله على إهلاك من لم يحمد الله.
ومن الآيات نعرف كما قال صاحب الظلال:
إن الرخاء ابتلاء آخر كابتلاء الشدة، وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة! والله يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة. يبتلي الطائعين والعصاة سواء. بهذه وبذاك سواء ..
والمؤمن يبتلى بالشدة فيصبر، ويبتلى بالرخاء فيشكر، ويكون أمره كله خيرا .. وفي الحديث: «عجبا للمؤمن إن أمره كله له خير- وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن- إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (رواه مسلم).
стр. 1580
كلمة في السّياق:
- إن صلة قوله تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا بسياق الجولة الذي عنوانه وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ واضحة، فقطع دابر الذين ظلموا مظهر من مظاهر القهر الإلهي، وذلك مظهر من مظاهر ارتباط المجموعة التي مرّت معنا بسياق الجولة الخاص الذي تحدثنا عنه كثيرا، وقد آن الأوان لنتذكر محلّ هذه الجولة بالنسبة لسياق السورة الخاص:
بدأت سورة الأنعام بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ لاحظ كلمتي (يعدلون) و (تمترون) إن الشرك والامتراء، أو الشرك والشك، مرضان من أمراض النفس البشرية، والجولة التي بين أيدينا تعالج الشرك، والشك، والامتراء منذ بدايتها، ففي المجموعة الأولى ورد قوله تعالى: قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. وفي المجموعة الثانية ورد قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وذكرت المجموعات الأربع اللاحقة مجادلة المشركين، ثم جاءت المجموعة السابعة وفيها عودة إلى التوحيد بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ وتأتي المجموعة الثامنة لتكمل الحوار مع الشرك وأهله، فالجولة إذن- مع أن لها سياقها الخاصّ بها- ترتبط بسياق السورة الخاص بروابط متعدّدة، وهي في هذا كله تفصّل في محور السورة من البقرة.
فوائد:
١ - [استدراج الله تعالى للظالمين]
روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج». ثم تلا رسول الله ﷺ فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. وروى ابن أبي حاتم أنّ الحسن البصري قال: من وسّع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له، ومن قتّر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له، ثم قرأ: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ قال: مكر بالقوم ورب الكعبة؛ أعطوا
следующие страницы →