← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وبين لنا فيه كل شئ. ولكن علمنا يقصر عما بيّن لنا في القرآن» وأخرج أبو الشيخ في كتاب العظمة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لو أغفل شيئا لأغفل الذرّة والخردلة والبعوضة» وقال ابن عباس ﵄: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى، وقال المرسي: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين، بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم به، ثم رسول الله ﷺ خلا ما استأثر الله تعالى به». كلمة في السياق: ذكرت المجموعة السادسة اقتراحا للكافرين وردّت عليه، وبعد هذا الردّ تأتي الآن مجموعات تعالج المرض، وتقيم الحجة، وتشرح بعض سنن الله، وتأمر رسول الله ﷺ أن يوجه الحوار، وأن يناقش، وأن يعلن، وكل ذلك يجري على نسق واحد، نسق يحقق تكامل الجولة ضمن سياقها، ويكمّل تفصيل المحور، والملاحظ أن الأمر «قل» الموجه لرسول الله ﷺ يتكرّر في هذه المجموعات، وقد مرّت معنا من قبل ست مجموعات في هذه الجولة وها قد وصلنا إلى المجموعة السابعة وهي مصدرة بقوله تعالى: قُلْ. المجموعة السابعة قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ. أي: هل علمتم أنّ الأمر كما يقال لكم فأخبروني بما عندكم إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ معناه: أخبروني إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة من تدعون غير الله؟ وفي هذا تبكيت لهم أي أتخصون آلهتكم بالدعوة إذا أصابكم ضر، أم تدعون الله دونها؟ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّ غير الله إله فادعوه ليخلصكم ولكنّهم كاذبون بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ. أي: بل تخصّونه بالدّعاء دون الآلهة المزعومة فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ. أي: فيكشف ما تدعونه إلى كشفه إن أراد أن يتفضّل عليكم وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ. أي: وتتركون آلهتكم أو لا تذكرون آلهتكم في ذلك الوقت لأنّ أذهانكم وقتذاك مغمورة بذكر ربكم وحده إذ هو القادر على كشف الضرّ دون غيره. إن رجوع الإنسان إلى الله ساعة الشّدّة وإقباله عليه بالدّعاء وإفراده بذلك، لدليل أيما دليل على استكنان الإيمان بالله وتوحيده في الفطرة البشرية، ولقد علّق صاحب

стр. 1577

الظلال على الآية الأخيرة بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ ... بقوله: «بل تدعونه وحده؛ وتنسون شرككم كله! .. إن الهول يعرّي فطرتكم- حينئذ- فتتجه بطلب النجاة إلى الله وحده. وتنسى أنها أشركت به أحدا. بل تنسى هذا الشرك ذاته .. إن معرفتها بربها هي الحقيقة المستقرة فيها؛ فأما هذا الشرك فهو قشرة سطحية طارئة عليها، بفعل عوامل أخرى. قشرة سطحية في الركام الذي ران عليها. فإذا هزّها الهول تساقط هذا الركام، وتطايرت هذه القشرة، وتكشّفت الحقيقة الأصلية، وتحركت الفطرة حركتها الفطرية نحو بارئها، ترجوه أن يكشف عنها الهول الذي لا يد لها به، ولا حيلة لها فيه .. هذا شأن الفطرة في مواجهة الهول، يواجه السياق القرآني به المشركين .. فأما شأن الله- سبحانه- فيقرره في ثنايا المواجهة. فهو يكشف ما يدعونه إليه- إن شاء- فمشيئته طليقة، لا يرد عليها قيد. فإذا شاء استجاب لهم فكشف عنهم ما يدعون كله أو بعضه؛ وإن شاء لم يستجب، وفق تقديره وحكمته وعلمه. هذا هو موقف الفطرة من الشرك الذي تزاوله أحيانا، بسبب ما يطرأ عليها من الانحراف، نتيجة عوامل شتى، تغطي على نصاعة الحقيقة الكامنة فيها .. حقيقة اتجاهها إلى ربها ومعرفتها بوحدانيته .. فما هو موقفها من الإلحاد وإنكار وجود الله أصلا؟ نحن نشك شكا عميقا- كما قلنا من قبل- في أن أولئك الذين يمارسون الإلحاد في صورته هذه صادقون فيما يزعمون أنهم يعتقدونه. نحن نشك في أن هناك خلقا أنشأته يد الله، ثم يبلغ به الأمر حقيقة أن ينطمس فيه تماما طابع اليد التي أنشأته، وفي صميم كينونته هذا الطابع، مختلطا بتكوينه، متمثلا في كل خلية وفي كل ذرة. إنما هو التاريخ الطويل من العذاب البشع، ومن الصراع الوحشي مع الكنيسة، ومن الكبت والقمع، ومن إنكار الكنيسة للدوافع الفطرية للناس مع استغراقها هي في اللذائذ المنحرفة .. إلى آخر هذا التاريخ النكد الذي عاشته أوربا قرونا طويلة .. هو الذي دفع الأوربيين في هذه الموجة من الإلحاد في النهاية .. فرارا في التيه، من الغول الكريه. ذلك إلى استغلال اليهود لهذا الواقع التاريخي؛ ودفع النصارى بعيدا عن دينهم؛ ليسلس لهم قيادهم، ويسهل عليهم إشاعة الانحلال والشقاء فيهم، وليتيسر لهم استخدامهم- كالحمير- على حد تعبير «التلمود» و «برتوكولات حكماء صهيون» .. وما كان اليهود ليبلغوا من هذا كله شيئا إلا باستغلال ذلك التاريخ الأوربي النكد، لدفع الناس إلى الإلحاد هربا

стр. 1578

من الكنيسة. ومع كل هذا الجهد الناصب، المتمثل في محاولة «الشيوعية» - وهي إحدى المنظمات اليهودية- لنشر الإلحاد، خلال أكثر من نصف قرن، بمعرفة كل أجهزة الدولة الساحقة، فإن الشعب الروسي نفسه لم يزل في أعماق فطرته الحنين إلى عقيدة في الله .. ولقد اضطر «ستالين» الوحشي- كما يصوره خلفه خروشوف! - أن يهادن الكنيسة، في أثناء الحرب العالمية الثانية، وأن يفرج عن كبير الأساقفة، لأن ضغط الحرب كان يلوي عنقه للاعتراف للعقيدة في الله بأصالتها في فطرة الناس مهما يكن رأيه ورأي القليلين من الملحدين من ذوي السلطان حوله. ولقد حاول اليهود- بمساعدة «الحمير» الذين يستخدمونهم من الصليبيين- أن ينشروا موجة من الإلحاد في نفوس الأمم التي تعلن الإسلام عقيدة لها ودينا. ومع أن الإسلام كان قد بهت وذبل في هذه النفوس .. فإنّ الموجة التي أطلقوها عن طريق أتاتورك في تركيا .. انحسرت على الرغم من كل ما بذلوه لها- (وللبطل) - من التمجيد والمساعدة. وعلى كل ما ألّفوه من الكتب عن (البطل) والتجربة الرائدة التي قام بها .. ومن ثم استداروا في التجارب الجديدة يستفيدون من تجربة أتاتورك، ألّا يرفعوا على التجارب الرائدة راية الإلحاد. إنما يرفعون عليها راية الإسلام.، كيلا تصدم الفطرة، كما صدمتها تجربة أتاتورك. ثم يجعلون تحت هذه الراية ما يريدون من المستنقعات والقاذورات والانحلال الخلقي، ومن أجهزة التدمير للخامة البشرية بجملتها في الرقعة الإسلامية. غير أن العبرة التي تبقى من وراء ذلك كله، هي أن الفطرة تعرف ربها جيدا، وتدين له بالوحدانية، فإذا غشّى عليها الرّكام فترة، فإنها إذا هزها الهول وتساقط عنها ذلك الركام كله وتعرّت منه جملة، عادت إلى بارئها كما خلقها أول مرة .. مؤمنة طائعة خاشعة .. أما ذلك الكيد كله فحسبه صيحة حق تزلزل قوائمه، وترد الفطرة إلى بارئها سبحانه. ولن يذهب الباطل ناجيا، وفي الأرض من يطلق هذه الصيحة. ولن يخلو وجه الأرض- مهما جهدوا- ممن يطلق هذه الصيحة». وبعد أن أقام الله الحجة على المشركين من خلال واقعهم وإذ كان السياق في موضوع التهديد بالعذاب الرباني إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ فإن الآية التالية تبين لهم سنّة الله في معاملته للأمم حتى لا يستبطئوا عذاب الله مع تكذيبهم رسوله فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ. رسلا فكذبوهم فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ. أي: بالبؤس

стр. 1579

والضر، ويدخل في البؤس القحط، والجوع، وفي الضر المرض، ونقصان الأنفس، والأولاد لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ. أي: يتذللون، ويتخشّعون لربّهم، ويتوبون عن ذنوبهم إذ المفروض أن تتخشّع النّفوس عند نزول الشدائد فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا. أي: هلّا تضرعوا بالتّوبة عند إنزال البأساء والضّراء بهم، وهذا يفيد نفي التضرع وإنما استعملت (لولا) في هذا المقام ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ فلم ينزجروا بما ابتلوا به بل زادوا عتوا بدلا من أن يتضرعوا وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فصاروا معجبين بأعمالهم على قبحها وسوئها كما نرى المنحرفين عن أمر الله- وما أكثرهم- يسمّون انحرافهم أسماء تدل على عجبهم وافتخارهم بما هم فيه من ضلال فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من الوحي والبأساء والضراء أي: تركوا الاتعاظ به؛ ولم يزجرهم؛ فأعرضوا عنه، وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من الصّحة، والسّعة، وصنوف النعمة، ورخاء الدنيا، ويسرها من جاه ورفاه ومجد، وهذا استدراج منه تعالى، وإملاء لهم عياذا بالله من مكره حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا. أي: من الأموال والأولاد والأرزاق والجاه وتيسير الأمور أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً. أي: على غفلة أي فجأة فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. أي: آيسون من كل خير ومتحسرون، وأصل الإبلاس: الإطراق حزنا لما أصاب الإنسان أو ندما على ما فاته فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا. أي: أهلكوا عن آخرهم، ولم يترك منهم أحد إذ عند ما يقطع دابرهم لا يبقى منهم أحد وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هذا إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة، وأنه من أجلّ النعم وأجزل القسم، أو احمدوا الله على إهلاك من لم يحمد الله. ومن الآيات نعرف كما قال صاحب الظلال: إن الرخاء ابتلاء آخر كابتلاء الشدة، وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة! والله يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة. يبتلي الطائعين والعصاة سواء. بهذه وبذاك سواء .. والمؤمن يبتلى بالشدة فيصبر، ويبتلى بالرخاء فيشكر، ويكون أمره كله خيرا .. وفي الحديث: «عجبا للمؤمن إن أمره كله له خير- وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن- إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (رواه مسلم).

стр. 1580

كلمة في السّياق: - إن صلة قوله تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا بسياق الجولة الذي عنوانه وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ واضحة، فقطع دابر الذين ظلموا مظهر من مظاهر القهر الإلهي، وذلك مظهر من مظاهر ارتباط المجموعة التي مرّت معنا بسياق الجولة الخاص الذي تحدثنا عنه كثيرا، وقد آن الأوان لنتذكر محلّ هذه الجولة بالنسبة لسياق السورة الخاص: بدأت سورة الأنعام بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ لاحظ كلمتي (يعدلون) و (تمترون) إن الشرك والامتراء، أو الشرك والشك، مرضان من أمراض النفس البشرية، والجولة التي بين أيدينا تعالج الشرك، والشك، والامتراء منذ بدايتها، ففي المجموعة الأولى ورد قوله تعالى: قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. وفي المجموعة الثانية ورد قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وذكرت المجموعات الأربع اللاحقة مجادلة المشركين، ثم جاءت المجموعة السابعة وفيها عودة إلى التوحيد بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ وتأتي المجموعة الثامنة لتكمل الحوار مع الشرك وأهله، فالجولة إذن- مع أن لها سياقها الخاصّ بها- ترتبط بسياق السورة الخاص بروابط متعدّدة، وهي في هذا كله تفصّل في محور السورة من البقرة. فوائد: ١ - [استدراج الله تعالى للظالمين] روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج». ثم تلا رسول الله ﷺ فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. وروى ابن أبي حاتم أنّ الحسن البصري قال: من وسّع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له، ومن قتّر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له، ثم قرأ: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ قال: مكر بالقوم ورب الكعبة؛ أعطوا

стр. 1581

حاجتهم ثم أخذوا. وروى ابن أبي حاتم أيضا أن قتادة قال: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم، وغرتهم، ونعمتهم؛ فلا تغتروا بالله فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون. وروى ابن أبي حاتم أيضا ... عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ كان يقول: «إذا أراد الله بقوم بقاء- أو نماء- رزقهم القصد والعفاف، وإذا أراد الله بقوم اقتطاعا فتح لهم- أو فتح عليهم- باب خيانة حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ كما قال: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. وهذا الموضوع مما ينبغي أن يعرفه كل إنسان، فإن أكثر الناس غافلون عن هذا المقام إذا أصابهم النعماء جعلوها علامة على الرضى، وإذا أصابهم غير ذلك جعلوها علامة السخط، ولم يرافق ذلك عندهم تضرع وإنابة وتوبة، وكثيرون من الناس يغترون بما عليه الناس من نعمة، أو يحكمون على مقاماتهم عند الله بما يرون من صعوبات تعترضهم، وكل هؤلاء معرفتهم بالله قاصرة، وإدراكهم لقهر الله وفعله محدود. وعلينا أن ندرك في هذا المقام أن الاستدراج والإملاء قد يكون لفرد، وقد يكون لأمة، وقد يكون لقوم، وقد يكون لدولة. فليحذر الإنسان سخط الله، وليحاسب نفسه. ٢ - [كلام صاحب الظلال عن تاريخ الأمم السابقة] بمناسبة الكلام عن الأمم التي أرسل الله لها رسلا وسنّة الله فيها قال صاحب الظلال: «ولقد عرف الواقع البشري كثيرا من هذه الأمم، التي قصّ القرآن الكريم على الإنسانية خبر الكثير منها، قبل أن يولد «التاريخ» الذي صنعه الإنسان! فالتاريخ الذي سجّله بنو الإنسان حديث المولد، صغير السن، لا يكاد يعي إلا القليل من التاريخ الحقيقي للبشر على ظهر الأرض! وهذا التاريخ الذي صنعه البشر حافل- على قصره- بالأكاذيب والأغاليط، وبالعجز والقصور عن الإحاطة بجميع العوامل المنشئة، والمحرّكة للتاريخ البشري، والتي يكمن بعضها في أغوار النفس، ويتوارى بعضها وراء ستر الغيب، ولا يبدو منها إلا بعضها. وهذا البعض يخطئ البشر في جمعه، ويخطئون في تفسيره، ويخطئون أيضا في تمييز صحيحه من زائفه- إلا قليلا- ودعوى أي بشر أنه أحاط بالتاريخ البشري علما، وأنه يملك تفسيره تفسيرا «علميا» وأنه يجزم بحتمياته المقبلة أيضا .. هي أكبر أكذوبة يمكن أن يدّعيها بشر! ومن عجب أن بعضهم يدعيها! والأشد إثارة للعجب أن بعضهم يصدقها! ولو قال ذلك المدعي: إنه يتحدث عن (توقعات) لا عن (حتميات) لكان ذلك مستساغا .. ولكن إذا

стр. 1582

وجد المفتري من المغفلين من يصدقه فلماذا لا يفتري؟!. والله يقول الحق، ويعلم ماذا كان ولماذا كان. ويقص على عبيده- رحمة منه وفضلا- جانبا من أسرار سننه وقدره؛ ليأخذوا حذرهم ويتعظوا؛ وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخي من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة؛ يفسرون بها هذا الواقع التاريخي تفسيرا كاملا صحيحا. ومن وراء هذه المعرفة يمكن أن يتوقعوا ما سيكون، واستنادا إلى سنة الله التي لا تتبدّل .. هذه السنة التي يكشف الله لهم عنها .. ». «ولقد كان لهذه الأمم من الحضارة؛ وكان لها من التمكين في الأرض؛ وكان لها من الرخاء والمتاع؛ ما لا يقل- إن لم يزد في بعض نواحيه- عما تتمتع به اليوم أمم مستغرقة في السلطان والرخاء والمتاع؛ مخدوعة بما هي فيه؛ خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة الله في الشدة والرخاء .. هذه الأمم لا تدرك أن هناك سنة، ولا تشعر أن الله يستدرجها وفق هذه السنة. والذين يدورون في فلكها يبهرهم اللألاء الخاطف، ويتعاظمهم الرخاء والسلطان، ويخدعهم إملاء الله لهذه الأمم، وهي لا تعبد الله أو لا تعرفه، وهي تتمرّد على سلطانه، وهي تدعي لأنفسها خصائص ألوهيته، وهي تعيث في الأرض فسادا، وهي تظلم الناس بعد اعتدائها على سلطان الله .. ولقد كنت- في أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية- أرى رأى العين مصداق قول الله سبحانه: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ .. فإن المشهد الذي ترسمه هذه الآية .. مشهد تدفّق كل شئ من الخيرات والأرزاق بلا حساب! .. لا يكاد يتمثل في الأرض كلها كما يتمثل هناك! وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه، وشعورهم بأنه وقف على «الرجل الأبيض» وطريقة تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة، وفي وحشية- كذلك بشعة! وفي صلف على أهل الأرض كلهم لا يصل إليه صلف النازية الذي شهر به اليهود في الأرض كلها، حتى صار علما على الصلف العنصري. بينما الأمريكي الأبيض يزاوله تجاه الملونين في صورة أشد وأقسى! وبخاصة إذا كان هؤلاء الملونون من المسلمين .. كنت أرى هذا كله فأذكر هذه الآية، وأتوقع سنة الله، وأكاد أرى خطواتها وهي تدب إلى الغافلين. حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ*

стр. 1583

فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ .. وإذا كان الله قد رفع عذاب الاستئصال بعد بعثة رسول الله ﷺ فهناك ألوان من العذاب باقية. والبشرية- وبخاصة الأمم التي فتحت عليها أبواب كل شئ- تذوق منها الكثير. على الرغم من هذا النتاج الوفير، ومن هذا الرزق الغزير! إن العذاب النفسي، والشقاء الروحي، والشذوذ الجنسي، والانحلال الخلقي .. الذي تقاسي منه هذه الأمم اليوم، ليكاد يغطي على الإنتاج والرخاء والمتاع؛ وليكاد يصبغ الحياة كلها بالنكد والقلق والشقاء! ذلك إلى جانب الطلائع التي تشير إليها القضايا الأخلاقية السياسية، التي تباع فيها أسرار الدولة، وتقع فيها الخيانة للأمة، في مقابل شهوة أو شذوذ .. وهي طلائع لا تخطئ على نهاية المطاف! وليس هذا كله إلا بداية الطريق .. وصدق رسول الله ﷺ حين قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا- على معاصيه- ما يحب فإنما هو استدراج» .. ثم تلا: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ. حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ... (رواه ابن جرير وابن أبي حاتم). غير أنه ينبغي، مع ذلك، التنبيه إلى سنة الله في تدمير (الباطل) أن يقوم في الأرض (حق) يتمثل في (أمة) .. ثم يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق .. فلا يقعدنّ أهل الحق كسالى يرتقبون أن تجرى سنة الله بلا عمل منهم ولا كد. فإنهم حينئذ لا يمثلون الحق، ولا يكونون أهله .. وهم كسالى قاعدون ... ». ثم تأتي المجموعة الثامنة في الجولة الأولى من المقطع الثاني من سورة الأنعام وفيها حوار وعرض سنن، وإقامة حجة، وهي مبدوءة بكلمة «قل» ويتكرّر فيها هذا الأمر أكثر من مرّة فلنر المجموعة: المجموعة الثامنة قُلْ. أي: يا محمد لهؤلاء المكذّبين المعاندين أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ بأن أصمّكم وأعمالكم أي سلبكم إياها كما أعطاكموها وهذا تدليل على قدرة الله، كما هو تذكير بطرق النظر المؤدية إلى الإيمان لأنّه وارد في سياق اقتراحهم الآيات وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ فسلب العقول والتمييز، ثمّ سألهم: مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ. أي: هل أحد غير الله يقدر على رد ذلك إليكم إذا سلبه الله منكم؟ بل

стр. 1584

لا يقدر على ذلك أحد سواه انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ. أي: نكرّرها ونبيّنها ونوضّحها ونفسّرها، دالة على أنه لا إله إلا الله، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال، وبدلا من رؤية الآيات والوصول من خلالها إلى الإيمان يقترحون الآيات والمعجزات تعنتا وعنادا، ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ. أي: ثم هم يعرضون عن الآيات بعد ظهورها، والصدوف: الإعراض عن الشئ. ثمّ يأتي أمر آخر لرسول الله ﷺ بصيغة (قل): قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً. أي: فجأة بأن لم نظهر أماراته أَوْ جَهْرَةً. أي: ظهرت أماراته هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ. أي: ما يهلك هلاك تعذيب وسخط إلا الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بربهم وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ مبشّرين بالجنان لأهل الإيمان، ومنذرين بالنيران لأهل الكفران، قال النسفي: ولم نرسلهم ليقترح عليهم الآيات بعد وضوح أمرهم بالبراهين القاطعة والأدلة الساطعة. وقال ابن كثير: مبشّرين عباد الله المؤمنين بالخيرات ومنذرين من كفر بالله النقمات والعقوبات فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ. أي: فمن آمن من قلبه بما جاءوا به، وأصلح عمله باتباعه إياهم فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ. أي: بالنسبة لما يستقبلونه وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. أي: بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا فالله وليهم فيما خلّفوه، وحافظهم فيما تركوه وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. أي: ينالهم العذاب بما كفروا بما جاءت به الرسل، وبما خرجوا عن أوامر الله وطاعته، وارتكبوا من مناهيه ومحارمه وانتهاك حرماته، جعل العذاب ماسّا كأنه حي يفعل بهم ما يريد من الآلام، وقوله تعالى: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني أن ذلك بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله تعالى بالكفر وفي هذه المجموعة بيان أن العذاب لا يصيب إلا الظالمين الفاسقين، وأن المؤمنين الصالحين في أمان في دنياهم وأخراهم، والآن يأتي أمر آخر بصيغة (قل): قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ. أي: قسمه للخلق وأرزاقه، أو لست أملك خزائنه ولا أتصرف فيها وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ. أي: ولا أقول لكم إني أعلم الغيب إنما ذاك من علم الله- ولا أطّلع منه إلا على ما أطلعني عليه وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ. أي: ولا أدعي أنّي ملك، إنّما أنا بشر من البشر يوحى إليّ من الله- شرّفني بذلك وأنعم عليّ به، والمعنى: لا أدعي هذا ولا هذا أي: لا أدعي ما يستبعد في العقول أن يكون لبشر، من ملك خزائن الله، وعلم الغيب، ودعوى الملكية، فلماذا تكذبون دعوتي ورسالتي! إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا

стр. 1585

ما يُوحى إِلَيَّ. أي: لست أخرج عنه قيد شبر، ولا أدنى منه، وما أخبركم إلا بما أنزل الله عليّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ هذا مثل للضال والمهتدي، أو لمن اتّبع ما يوحى إليه ومن لم يتبع، أو لمن يدّعي المستقيم وهو النبوة مع الدليل والبرهان، والمحال وهو الإلهية أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ من أجل ألا تكونوا ضالين، أو من أجل أن تعلموا أني ما ادعيت ما لا يليق بالبشر، أو من أجل أن تعلموا أن اتّباع ما يوحى إليّ ممّا لا بدّ لي منه. وتعليقا على هذه الآية، وتبيانا لكون العقل بدون الوحي أعمى، وتوضيحا لمحل العقل بالنسبة للإنسان يقول صاحب الظلال: «ثم .. إنّ اتباع الوحي وحده هداية وبصر، والمتروك بغير هذا الهادي متروك أعمى .. هذا ما تقرره هذه الآية في وضوح وصرامة .. فما شأن العقل البشري في هذا المجال؟ سؤال جوابه في التصور الإسلامي واضح بسيط .. إن هذا العقل الذي وهبه الله للإنسان قادر على تلقي ذلك الوحي، وإدراك مدلولاته .. وهذه وظيفته .. ثم هذه هي فرصته في النور والهداية، وفي الانضباط بهذا الضابط الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فأما حين يستقل هذا العقل البشري بنفسه بعيدا عن الوحي، فإنه يتعرض حينئذ للضلال والانحراف، وسوء الرؤية، ونقص الرؤية، وسوء التقدير، وسوء التدبير. يتعرض لهذا كله بسبب طبيعة تركيبه ذاتها في رؤية الوجود أجزاء لا كلا واحدا. تجربة بعد تجربة، وحادثة بعد حادثة، وصورة بعد صورة .. حيث يتعذر عليه أن يرى الوجود جملة ليقيم على أساس هذه الرؤية الكاملة أحكاما، ويضع على أساسها نظاما، ملحوظا فيه الشمول والتوازن .. ومن ثم يظل- حين ينعزل عن منهج الله وهداه- يرتاد التجارب، ويغيّر الأحكام، ويبدّل النّظام، ويضطرب بين الفعل وردود الفعل، ويتخبط من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال .. وهو في ذلك يحطم كائنات بشرية عزيزة، وأجهزة إنسانية كريمة .. ولو اتبع الوحي لكفى البشر هذا الشر كله؛ وجعل التجارب والتقلبات في «الأشياء» وفي «المادة» وفي «الأجهزة» وفي «الآلات» .. وهي مجاله الطبيعي الذي يمكن أن يستقل فيه. والخسارة في النهاية مواد وأشياء. لا أنفس وأرواح. ويتعرض لهذا كله- بعد طبيعة تركيبه- بسبب ما ركب في الكيان البشري من

стр. 1586

شهوات وأهواء ونزعات، لا بد لها من ضابط يضمن أن تؤدي وظائفها في استمرار حياة البشرية وارتقائها، ولا تتعدى هذا الحد المأمون، فتؤدي إلى تدمير الحياة وانتكاسها، وهذا الضابط لا يمكن أن يكون هو العقل البشري وحده، فلا بد لهذا العقل الذي يضطرب تحت ضغط الأهواء والشهوات والنزعات- وهي شتى- من ضابط آخر يضبطه هو ذاته؛ ويحرسه بعد أن يضبطه من الخلل أيضا، ويرجع إليه هذا العقل بكل تجربة، وكل حكم في مجال الحياة البشرية؛ ليقوّم به تجربته وحكمه وليضبط به اتجاهه وحركته. والذين يزعمون للعقل البشري درجة من الأصالة في الصّواب كدرجة الوحي، باعتبار أن كليهما- العقل والوحي- من صنع الله فلا بد أن يتطابقا .. هؤلاء إنما يستندون إلى تقريرات عن قيمة العقل قال بها بعض الفلاسفة من البشر، ولم يقل بها الله سبحانه. والذين يرون أن هذا العقل يغني عن الوحي- حتى عند فرد واحد من البشر مهما بلغ عقله من الكبر- إنما يقولون في هذه القضية غير ما يقول الله .. فالله قد جعل حجته على الناس هي الوحي والرسالة، ولم يجعل هذه الحجّة هي عقلهم البشري، ولا حتى فطرتهم التي فطرهم الله عليها من معرفة ربها الواحد والإيمان به. لأن الله- سبحانه- يعلم أن العقل وحده يضل، وأن الفطرة وحدها تنحرف. وأنه لا عاصم لعقل ولا لفطرة، إلا أن يكون الوحي هو الرائد الهادي، وهو النور والبصيرة. والذين يزعمون أن الفلسفة تغني العقل عن الدين؛ أو أن العلم- وهو من منتجات العقل- يغني البشرية عن هدى الله؛ إنما يقولون قولا لا سند له من الحقيقة ولا من الواقع كذلك .. فالواقع يشهد أن الحياة البشرية التي قامت أنظمتها على المذاهب الفلسفية أو على العلم، هي أبأس حياة يشقى فيها «الإنسان» مهما فتحت عليه أبواب كل شئ؛ ومهما تضاعف الإنتاج والإيراد؛ ومهما تيسرت أسباب الحياة ووسائل الراحة فيها على أوسع نطاق، وليس مقابل هذا أن تقوم الحياة على الجهل والتلقائية! فالذين يضعون المسألة هكذا مغرضون فإن الإسلام منهج حياة يكفل للعقل البشري الضمانات التي تقيه عيوب تركيبه الذاتي، وعيوب الضغوط التي تقع عليه من الأهواء والشهوات والنزعات. ثم يقيم له الأسس، ويضع له القواعد تكفل له انطلاقه للعلم والمعرفة والتجربة، كما تكفل له استقامة الحياة الواقعية التي يعيش في ظلها- وفق

стр. 1587

شريعة الله- فلا يضغط عليه الواقع لينحرف بتصوراته ومناهجه كذلك. والعقل بمصاحبة وحي الله وهداه بصير، وبترك وحي الله وهداه أعمى». فائدة: [كلام صاحب الظلال عن آية ... وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ .. ] بمناسبة قوله تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يقول: وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ يقول صاحب الظلال: «ولقد شاعت في الجاهليات المتنوعة صور من «النبوءات» الزائفة، يدّعيها «متنبئون» ويصدقها مخدوعون .. ومن بينها نبوءات السحر والكهانة والتنجيم والجنون! حيث يدعي المتنبئون قدرتهم على العلم بالغيب، والاتصال بالجن والأرواح، وتسخير نواميس الطبيعة بالرقى، والتعاويذ، أو بالدعوات والصلوات، أو بغيرها من الوسائل والأساليب. وتتفق كلها في الوهم والضلالة، وتختلف بعد ذلك في النوع والشكل والمراسم والأساليب. «فنبوءة السحر يغلب عليها أنها موكلة بالأرواح الخبيثة تسخرها للاطلاع على المجهول أو السيطرة على الحوادث والأشياء. ونبوءة الكهانة يغلب عليها أنها موكلة «بالأرباب!». لا تطيع الكاهن، ولكنها تلبي دعوته وصلواته وتفتح لها مغالق المجهول في يقظته أو منامه وترشده بالعلامات والأحلام، ولا تلبي سائر الدعوات والصلوات! ولكنهما- نبوءة السحر ونبوءة الكهانة- تخالفان نبوة الجذب والجنون المقدس. لأن الساحر والكاهن يدريان بما يطلبان، ويريدان قصدا ما يطلبانه بالعزائم والصلوات، ولكن المصاب بالجذب أو الجنون المقدس مغلوب على أمره، ينطق لسانه بالعبارات المبهمة وهو لا يعنيها، ولعله لا يعيها. ويكثر بين الأمم التي تشيع فيها نبوة الجذب أن يكون مع المجذوب مفسر يدعي العلم بمغزى كلامه، ولحن رموزه وإشاراته. وقد كانوا في اليونان يسمون المجذوب «مانتي manti «ويسمون المفسر «بروفيت prophet «أي المتكلم بالنيابة عن غيره. ومن هذه الكلمة نقل الأوربيون كلمة النبوة بجميع معانيها. وقلما يتفق الكهنة والمجذوبون، إلا أن يكون الكاهن متوليا للتفسير والتعبير عن مقاصد المجذوب، ومضامين رموزه وإشارته. ويحدث في أكثر الأحيان أن يختلفا ويتنازعا لأنهما مختلفان بوظيفتهما الاجتماعية، مختلفان بطبيعة النشأة والبيئة. فالمجذوب ثائر لا يتقيد بالمراسم والأوضاع المصطلح عليها، والكاهن محافظ يتلقى علمه الموروث- في أكثر الأحيان- من آبائه وأجداده. وتتوقف الكهانة على البيئة التي تنشأ فيها الهياكل والصوامع المقصودة في الأرجاء القريبة والبعيدة؛ ولا يتوقف

стр. 1588

الجذب على هذه البيئة، لأنه قد يعتري صاحبه في البرية، كما يعتريه في الحاضر المقصود من أطراف البلاد». وهكذا حفلت الجاهليات- ومنها الجاهليات التي انحرفت عن التصور الصحيح الذي جاءت به الرسالات السماوية- بمثل هذه التصورات الباطلة عن طبيعة النبوة وطبيعة النبي. وكان الناس ينتظرون ممن يدعي النبوة مثل هذه الأمور؛ ويطالبونه بالتنبؤ بالغيب تارة، وبالتأثير في النواميس الكونية عن طريق الكهانة أو طريق السحر تارة .. ومن هذا المعين كانت اقتراحات المشركين على رسول الله ﷺ ولتصحيح هذه الأوهام كلها جاءت التقريرات المكررة في القرآن الكريم عن طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول ومنها هذا التقرير: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَلا أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مَلَكٌ. إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ. قُلْ: هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ؟ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ؟ .. أقول: لقد أكرم الله رسوله ﷺ بأن أطلعه على بعض الغيوب، وقد يكرم الله- مسلما بأن يلهمه حقا، أو يجري على لسانه كلمة حق، أو يريه رؤيا حق، وبعض ذلك قد يكون له صلة بأمر غيبي. وقد يكرم الله المسلمين باستجابة دعاء فيسخر لهم ما يسخر ولكنّ ذلك ليس هو الأساس الذي يبني عليه المسلم مواقفه. إن كثيرين من مسلمي عصرنا بسبب من رؤية كرامة لولي، أو بسبب من إلهام حق لصالح يتابعون صاحب ذلك في كل شئ وينسون تكليف الله لهم في القيام بأمره ونصرة شريعته، ووجوب التعاون مع المسلمين على الخير، ووجوب كون المسلمين صفا واحدا. إن هذه الآية تصحح مفاهيم خاطئة كثيرة في أمر النبوة وفي أمر الدخول في الإسلام، وفي أمر المتابعة عليه. فليس رسول الله ملكا ومن ثمّ يتابع، وليس رسول الله عالما بالغيب ومن ثمّ يتابع، وليس بيد رسول الله ﷺ خزائن الله ومن ثمّ يتابع، إنه يتابع لأنه رسول الله ﷺ ، وقد يعطيه الله ويعطي من تابعه، وقد يكرمه الله بشيء من علم الغيب، ثم هو أكرم على الله من ملائكته ولكنّ صفته هي أنّه رسول الله ﷺ . ولا زالت القضايا التي صححتها الآية محل غلط عند كثير من المسلمين: فالرّفاه عند بعضهم هو الهدف من حمل الإسلام والمطالبة بإقامته، إن الرفاه سيتحقق بإذن الله،

стр. 1589

ولكن الدخول في الإسلام والمطالبة بإقامته مطلوب من الإنسان في كل حال وجد رفاه أو لم يوجد. والصف الإسلامي يقدّم قيادته الراشدة، وهذه القيادة واجبة الطاعة على تفصيلات. وقد يكرم الله- هذه القيادة بإلهام، ولكن وجود القيادة ووجوب طاعتها ليس متعلقا بذلك. كلمة في السياق: في المجموعات الثمان التي مرت معنا في هذه الجولة- بل فيها وفيما قبلها- جرى حوار شامل مع الكافرين والمشركين- بصرف النظر عن استعداداتهم- مما يشير إلى أنه لا بد من إقامة الحجة على كل كافر سواء آنسنا منه خيرا أو لم يؤنس منه أي خير. وبعد، فقد يستجيب لدعوة الله من تغلبه نفسه في بعض الأحوال، وقد يستجيب لدعوة الله فقراء وضعفاء وعجزة، وقد يستجيب لدعوة الله ناس هم في موازين الناس أغبياء إلى آخر ما يمكن أن يقال في هذا الشأن، فما أدب الداعية في ذلك؟ إن المجموعة التاسعة في هذه الجولة تتحدث عن هذا كله: تتحدث عمن هم محلّ الرجاء في الدعوة وتتحدث عن أدب الداعية مع المستجيبين!. *** المجموعة التاسعة بعد أن أمر الله رسوله ﷺ بمجموعة أوامر بصيغة «قل» ليجابه بها الكافرين، ويحذّرهم ويردّ عليهم في مقابل اقتراحاتهم، وجّه الله رسوله توجيهين في أمر ونهي، الأمر هو وَأَنْذِرْ بِهِ أي: وأنذر بالوحي، أي: بالقرآن. الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ أي: المسلمون المقرّون بالبعث إلا أنهم مفرّطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه، أو أهل الكتاب لأنهم مقرّون بالبعث، ومن هنا نفهم أن الإنذار بالقرآن إنما

стр. 1590

يستفيد منه المؤمنون بيوم القيامة، ولا يؤمن أحد بالقيامة إلا بعد إيمان بالله والرسول، ومن ثمّ فإنّ الداعية يركز أول ما يركّز على موضوع الإيمان بالله، والرسول، واليوم الآخر، وإقامة الحجة على الناس بذلك، وهذا الذي نفهمه من كلام ابن عمر «كنا نؤتى الإيمان قبل القرآن» ومن أجل هذا المعنى كتبنا سلسلة الأصول الثلاثة، ومن هنا نفهم أهمية هذا التوجيه في قضية الدعوة لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ. أي: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعا لهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. أي: لعلهم بهذا الإنذار يدخلون في زمرة أهل التقوى، نفهم من ذلك أن الإنذار بالقرآن والوحي من أهله طريق من طرق التحقق بالتقوى، وبعد الأمر السابق يأتي نهي، فبعد أن أمر النبي ﷺ بالإنذار من أجل التقوى، أمر بعد ذلك بتقريب المتقين ونهي عن طردهم، وأثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم- أي عبادته- ويواظبون عليها ووسمهم بالإخلاص وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. أي: لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، والمراد بدعاء ربهم عبادته، والمراد بالغداة والعشيّ دوامهم ومواظبتهم على العبادة، والمراد بإرادتهم وجهه إخلاصهم له إذ يعبّر بالوجه عن ذات الشئ وحقيقته، وقد يراد بالغداة والعشي الإشارة إلى صلاة الصبح والعصر، أو الصلوات المكتوبة كلها ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ. أي: ليس عليك من ذنوبهم من شئ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ. أي: كما أنك لا تحاسب عنهم فهم لا يحاسبون عنك فَتَطْرُدَهُمْ أي حسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك كما أن حسابك عليك لا يتعداك إليهم وإذ كان الأمر كذلك فكيف تطردهم فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ. أي: إن طردتهم والحالة هذه فإنّك تكون من الظالمين، والظلم يكون في حالة الطّرد المباشر، أو في حالة التسبّب، وهذا التوجيه من أهمّ التوجيهات في قضية الدعوة إلى الله، فإنّه لا يجوز طرد ولا إبعاد الذين يعبدون الله حتى ولو أخطئوا، أو قصّروا، أو أذنبوا، لا يجوز طردهم لا صراحة، ولا تسببا ما داموا متّصفين بهذه الصفة وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ. أي: ومثل تلك الفتنة العظيمة، ابتلينا الأغنياء بالفقراء، والعظماء بالعامة، إذ كان أول المستجيبين لدعوة الله هم الفقراء، والضعفاء، والمساكين، وفي ذلك ابتلاء واختبار وامتحان للطرفين للكبار والضعفاء، للضعفاء، فلا تميل أعينهم عن أهل الحق، وللأغنياء والكبراء لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا. أي: أهؤلاء أنعم الله عليهم بالإيمان ونحن المقدّمون والرؤساء، وهم

стр. 1591

الفقراء، إنكارا لأن يكون أمثالهم على الحق، وممنونا عليهم من بينهم بالخير، وقد قال الله في جواب ذلك أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ. أي: أليس هو أعلم بالشاكرين له، بأقوالهم، وأفعالهم، وضمائرهم، فيوفقهم ويهديهم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه إلى صراط مستقيم، وبعد النّهي عن طرد أهل التقوى أمره بتطييب قلوبهم وتبشيرهم وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ. أي: فأكرمهم بردّ السلام عليهم، وبشّرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم، وفي أمره تعالى لرسوله ﷺ أن يقول: «سلام عليكم» إما أن يكون أمرا بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمرا بأن يبدأهم بالسلام إكراما وتطييبا لقلوبهم كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أمره أن يقول لهم هذا فيبشرهم بسعة رحمة الله، وقبوله التوبة منهم، ومعنى النص: وعدكم بالرحمة وعدا مؤكّدا، وأوجبها على نفسه الكريمة تفضّلا منه وامتنانا وإحسانا. ومن رحمته أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً. أي: ذنبا بِجَهالَةٍ. أي: بسبب من الجهل، ولا يعصي أحد ربه إلا بجهل، إما بنسيانه بما يتعلق بالمعصية من المضرّة، أو لأن مجرد إيثار المعصية على الطاعة جهل ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ. أي: من بعد السوء أو العمل وَأَصْلَحَ. أي: وأخلص توبته فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. أي: فشأنه أنه غفور رحيم، يغفر لأهل الإيمان ويرحمهم، فمن رجع عما كان عليه من المعاصي وأقلع وعزم على ألا يعود، وأصلح العمل في المستقبل، فقد وعده الله بالمغفرة والرّحمة، ثمّ ختم الله هذا التوجيه بقوله وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ. أي: ومثل ذلك التفصيل البيّن نفصل آيات القرآن ونوضّحها في صفة أحوال النّاس، ممن هو مطبوع على قلبه، أو من يرجى إسلامه وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ. أي: ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل بهذا البيان. الفوائد: ١ - [سبب نزول الآية وَأَنْذِرْ بِهِ ... وما بعدها] يذكر ابن كثير سبب نزول الآيات: وَأَنْذِرْ بِهِ ... وما بعدها فلننقل رواياته مع حذف الأسانيد: أ- روى الإمام أحمد ... عن ابن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ وعنده خبّاب، وصهيب، وبلال، وعمّار فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء؟ فنزل فيهم القرآن وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ إلى قوله أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ.

стр. 1592

ب- روى الإمام ابن جرير ... عن ابن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش برسول الله ﷺ وعنده صهيب، وبلال، وعمّار، وخبّاب، وغيرهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمّد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ ونحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عنك فلعلّك إن طردتهم أن نتّبعك، فنزلت هذه الآية: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ إلى آخر الآية. ج- روى الحاكم في مستدركه .. أن سعدا قال: نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النّبي ﷺ منهم ابن مسعود، قال: كنّا نستبق إلى رسول الله ﷺ ، وندنو منه ونسمع منه فقالت قريش: يدني هؤلاء دوننا فنزلت: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ. قال الحاكم عن هذه الرواية: على شرط الشيخين. وأخرجها ابن حبّان في صحيحه. د- روى ابن جرير ... عن عكرمة في قوله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ الآية. قال: جاء عتبة بن ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل، في أشراف من بني عبد مناف من أهل الكفر، إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب: لو أنّ ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا، فإنّما هم عبيدنا وعسفاؤنا، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتّباعنا إياه، وتصديقنا له، قال: فأتى أبو طالب النّبي ﷺ فحدّثه بالذي كلموه فقال عمر ابن الخطاب ﵁: لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلى ما يصيرون من قولهم؟ فأنزل الله- هذه الآية وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ إلى قوله أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ قال: وكانوا بلالا، وعمار بن ياسر، وسالما مولى أبي حذيفة، وصبيحا مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، ومسعود بن القاري، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمرو، وذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، وأشباههم من الحلفاء. ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا الآية. فلما نزلت أقبل عمر ﵁ فاعتذر من مقالته فأنزل الله- : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا الآية.

стр. 1593

[تعليق صاحب الظلال على أسباب نزول الآيات السابقة] ومن أسباب النزول هذه ندرك معنى إسلاميا عظيما يغيب عن كثير من النّاس إذ يبيعون المستضعفين بالأغنياء، والعاديين بالأذكياء، والمغمورين بأصحاب الجاه وفي هذا المقام يقول صاحب الظلال: «نحن في حاجة إلى وقفة طويلة أمام هذه النصوص .. والبشرية بجملتها في حاجة إلى هذه الوقفة كذلك إن هذه النصوص لا تمثل مجرد مبادئ وقيم ونظريات في «حقوق الإنسان»! .. إنها أكبر من ذلك بكثير .. إنها تمثل شيئا هائلا تحقق في حياة البشرية فعلا .. تمثل نقلة واسعة نقلها هذا الدين للبشرية بجملتها .. تمثل خطا وضيئا على الأفق بلغته هذه البشرية ذات يوم في حياتها الحقيقية .. ومهما يكن من تراجع البشرية عن هذا الخط الوضيء الذي صعدت إليه في خطو ثابت على حداء هذا الدين، فإن هذا لا يقلل من عظمة تلك النقلة؛ ومن ضخامة هذا الشئ الذي تحقق يوما؛ ومن أهمية هذا الخط الذى ارتسم بالفعل في حياة البشر الواقعية .. إن قيمة ارتسام هذا الخط وبلوغه ذات يوم؛ أن تحاول البشرية مرة ومرة ومرة الارتفاع إليه، ما دام أنها قد بلغته، فهو في طوقها إذن وفي وسعها .. والخط هناك على الأفق، والبشرية هي البشرية، وهذا الدين هو هذا الدين .. فلا يبقى إلا العزم والثقة واليقين .. وقيمة هذه النصوص أنها ترسم للبشرية اليوم ذلك الخط الصاعد بكل نقطه ومراحله .. من سفح الجاهلية الذي التقط الإسلام منه العرب، إلى القمة السامقة التي بلغ بهم إليها، وأطلقتهم في الأرض يأخذون بيد البشرية من ذلك السفح نفسه إلى تلك القمة التي بلغوها! فأما ذلك السفح الهابط الذي كان فيه العرب في جاهليتهم- وكانت فيه البشرية كلها- فهو يتمثل واضحا في قولة «الملأ» من قريش: «يا محمد، رضيت بهؤلاء من قومك؟ أ هؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عنك! فلعلك إن طردتهم أن نتبعك!» .. أو في احتقار الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، للسابقين من أصحاب رسول الله ﷺ بلال، وصهيب، وعمار، وخباب، وأمثالهم من الضعفاء؛ وقولهما للنبي ﷺ : إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا فإن وفود العرب تأتيك، فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد!». .. هنا تتبدى الجاهلية بوجهها الكالح وقيمها الهزيلة، واعتباراتها الصغيرة .. عصبية

стр. 1594

النسب والجنس واعتبارات المال والطبقة .. وما إلى ذلك من اعتبارات. هؤلاء بعضهم ليسوا من العرب! وبعضهم ليسوا من طبقة الأشراف! وبعضهم ليسوا من ذوي الثراء! .. ذات القيم التي تروج في كل جاهلية؛ والتي لا ترتفع عليها جاهليات الأرض اليوم في نعراتها القومية والجنسية والطبقية! هذا هو سفح الجاهلية .. وعلى القمة السامقة الإسلام! الذي لا يقيم وزنا لهذه القيم الهزيلة ولهذه الاعتبارات الصغيرة، ولهذه النعرات السخيفة! .. الإسلام الذي نزل من السماء ولم ينبت من الأرض. فالأرض كانت هي هذا السفح .. هذا السفح الذي لا يمكن أن ينبت هذه النبتة الغريبة الجديدة الكريمة .. الإسلام الذي يأتمر به- أول من يأتمر- محمد ﷺ محمد رسول الله الذي يأتيه الوحي من السماء، والذي هو من قبل في الذؤابة من بني هاشم في الذروة من قريش .. والذي يأتمر به أبو بكر صاحب رسول الله ﷺ في شأن «هؤلاء الأعبد» .. نعم هؤلاء الأعبد الذين خلعوا عبودية كل أحد؛ وصاروا أعبد الله وحده فكان من أمرهم ما كان! وكما أن سفح الجاهلية الهابط يرتسم في كلمات الملأ من قريش، وفي مشاعر الأقرع وعيينة، فإن قمة الإسلام السامقة ترتسم في أمر الله العلي الكبير، لرسوله ﷺ : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ* وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا؟ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ؟ * وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ، ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ، فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ .. ويتمثل في سلوك رسول الله ﷺ مع «هؤلاء الأعبد» .. الذين أمره ربهم أن يبدأهم بالسلام وأن يصبر معهم فلا يقوم حتى يقوموا، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم- وهو بعد ذلك- رسول الله وخير خلق الله، وأعظم من شرفت بهم الحياة! ثم يتمثل في نظرة «هؤلاء الأعبد» لمكانهم عند الله؛ ونظرتهم لسيوفهم واعتبارها «سيوف الله» ونظرتهم لأبي سفيان «شيخ قريش وسيدهم» بعد أن أخّره في الصف المسلم كونه من الطلقاء الذين أسلموا عام الفتح وذهبوا طلقاء عفو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

стр. 1595

وقدّمهم هم في الصف كونهم من السابقين إلى الإسلام، وهو في شدة الابتلاء .. فلما أن عاتبهم أبو بكر ﵁ في أمر أبي سفيان، حذره صاحبه رسول الله ﷺ أن يكون قد أغضب «هؤلاء الأعبد»! فيكون قد أغضب الله- يا الله! فما يملك أي تعليق يبلغ هذا المدى وما نملك اليوم إلا أن نتملاه! - ويذهب أبو بكر ﵁ يترضّى «الأعبد» ليرضى الله: «يا إخوتاه أغضبتكم»؟ فيقولون: «لا يا أخي. يغفر الله لك»! أي شئ هائل هذا الذي تحقق في حياة البشرية؟ أية نقلة واسعة هذه التي قد تمت في واقع الناس؟ أي تبديل في القيم والأوضاع، وفي المشاعر والتصورات، في آن؟ والأرض هي الأرض، والبيئة هي البيئة، والناس هم الناس، والاقتصاد هو الاقتصاد .. وكل شئ على ما كان، إلا وحيا نزل من السماء على رجل من البشر، فيه من الله سلطان .. يخاطب فطرة البشر من وراء الركام، ويحدو للهابطين هنالك عند السفح، فيستجيشهم الحداء- على طول الطريق- إلى القمة السامقة .. فوق .. هنالك عند الإسلام! ثم تتراجع البشرية عن القمة السامقة؛ وتنحدر مرة أخرى إلى السفح. وتقوم- مرة أخرى- في نيويورك، وواشنطن، وشيكاغو .. وفي جوهانسبرج .. وفي غيرها من أرض «الحضارة!» تلك العصبيات النتنة، عصبيات الجنس واللون، وتقوم هنا وهناك عصبيات «وطنية» و «طبقية» لا تقل نتنا عن تلك العصبيات .. ويبقى الإسلام هناك على القمة .. حيث ارتسم الخط الوضيء الذي بلغته البشرية .. يبقى الإسلام هناك- رحمة من الله بالبشرية- لعلها أن ترفع أقدامها من الوحل، وترفع عينيها عن الحمأة وتتطلع مرة أخرى إلى الخط الوضيء، وتسمع مرة أخرى حداء هذا الدين وتعرج مرة أخرى إلى القمة السامقة على حداء الإسلام .. ونحن لا نملك- في حدود منهجا في هذه الظلال- أن نستطرد إلى أبعد من هذه الإشارة .. لا نملك أن نقف هنا تلك «الوقفة الطويلة» التي ندعو البشرية كلها أن تقفها أمام هذه النصوص ودلالتها. لتحاول أن تستشرف المدى الهائل الذي يرتسم من خلالها في تاريخ البشرية؛ وهي تصعد على حداء الإسلام من سفح الجاهلية الهابط، إلى القمة السامقة البعيدة .. ثم تهبط مرة أخرى على عواء «الحضارة المادية» الخاوية من الروح والعقيدة! ولتحاول كذلك أن تدرك إلى أين يملك الإسلام اليوم أن يقود خطاها مرة أخرى، بعد أن فشلت جميع التجارب، وجميع المذاهب، وجميع الأوضاع،

стр. 1596

وجميع الأنظمة، وجميع الأفكار، وجميع التصورات التي ابتدعتها البشر لأنفسهم بعيدا عن منهج الله وهداه .. فشلت في أن ترتفع بالبشرية مرة أخرى إلى تلك القمة وأن تضمن للإنسان حقوقه الكريمة في هذه الصورة الوضيئة، وأن تفيض على القلوب الطمأنينة- مع هذه النقلة الهائلة- وهي تنقل البشرية إليها بلا مذابح، وبلا اضطهادات؛ وبلا إجراءات استثنائية تقضي على الحريات الأساسية، وبلا رعب، وبلا تعذيب، وبلا جوع، وبلا فقر، وبلا عرض واحد من أعراض النقلات التي يحاولها البشر في ظل الأنظمة البائسة التي يصنعها البشر، ويتعبد فيها بعضهم بعضا من دون الله .. فحسبنا هذا القدر هنا .. وحسبنا الإيحاءات القوية العميقة التي تفيض بها النصوص ذاتها، وتكسبها في القلوب المستنيرة». ٢ - [روايات حول قوله تعالى كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ] وبمناسبة قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ينقل ابن كثير ما يلي: أ- روى الإمام أحمد ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لمّا قضى الله الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش، إنّ رحمتي غلبت غضبي» أخرجاه في الصحيحين. ب- روى ابن مردويه ... عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق، أخرج كتابا من تحت العرش: إنّ رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة أو قبضتين، فيخرج من النار خلقا لم يعملوا خيرا، مكتوب بين أعينهم عتقاء الله». ج- ومما يناسب هذه الآية من الأحاديث أيضا قوله ﷺ لمعاذ بن جبل: «أتدري ما حقّ الله على العباد؟ أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا». ثم قال: «أتدري ما حقّ العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم» وقد رواه الإمام أحمد .. عن أبي هريرة ﵁. فما أعظم رحمة الله وما أقبح من لم ينل من هذه الرحمة يوم القيامة، وما أعقل من عمل للوصول إلى استحقاق رحمة الله الكاملة بسلوك طريق ذلك، والتّحقّق بالصفات التي يعطي الله أصحابها رحمته، وهي مذكورة بقوله تعالى في سورة التوبة: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ وهذا

стр. 1597

موضوع سيأتي. ٣ - [قراءة بالنصب لقوله تعالى .. سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ] هناك قراءة صحيحة بنصب قوله تعالى: سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ومعناها: ولتستبين يا محمد سبيل المجرمين فتعامل كلا منهم بما يجب أن يعامل به. فالآية إذن في قراءتيها تبيّن أن سبيل المجرمين قد بيّنت بهذا القرآن، وأن المقصود الأول بهذا البيان هو رسول الله ﷺ ثمّ ورثته والمسلمون، إن إحدى الحكم الكبيرة لتصريف الآيات في هذا القرآن هي هذه. وتعليقا على هذا المعنى يقول صاحب الظلال: «إنه يكشف عن خطة المنهج القرآني في العقيدة والحركة بهذه العقيدة! إن هذا المنهج لا يعنى بيان الحق وإظهاره حتى تستبين سبيل المؤمنين الصالحين فحسب. إنما يعنى كذلك بيان الباطل وكشفه حتى تستبين سبيل الضالين المجرمين أيضا .. إن استبانة سبيل المجرمين ضرورية لاستبانة سبيل المؤمنين. وذلك كالخط الفاصل يرسم عند مفرق الطريق! إن هذا المنهج هو الذي قرره الله- سبحانه- ليتعامل مع النفوس البشرية. ذلك أن الله- سبحانه- يعلم أن إنشاء اليقين الاعتقادي بالحق والخير يقتضي رؤية الجانب المضاد من الباطل والشر؛ والتأكد من أن هذا باطل ممحض وشر خالص؛ وأن ذلك حق ممحض وخير خالص .. كما أن قوة الاندفاع بالحق لا تنشأ فقط من شعور صاحب الحق أنه على الحق؛ ولكن كذلك من شعوره بأن الذي يحادّه ويحاربه إنما هو على الباطل .. وأنه يسلك سبيل المجرمين؛ الذين يذكر الله في آية أخرى أنّه جعل لكل نبي عدوا منهم وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ .. ليستقر في نفس النبي ونفوس المؤمنين أن الذين يعادونهم إنما هم المجرمون؛ عن ثقة، وفي وضوح، وعن يقين. إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح. واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات. ذلك أن أي غبش أو شبهة في موقف المجرمين وفي سبيلهم ترتد غبشا وشبهة في موقف المؤمنين وفي سبيلهم. فهما صفحتان متقابلتان، وطريقان مفترقتان .. ولا بد من وضوح الألوان والخطوط. ومن هنا يجب أن تبدأ كل حركة إسلامية بتحديد سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين. ويجب أن تبدأ من تعريف سبيل المؤمنين وتعريف سبيل المجرمين، ووضوع العنوان المميز للمؤمنين، والعنوان المميز للمجرمين، في عالم الواقع لا في عالم النظريات. فيعرف

стр. 1598

أصحاب الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية من هم المؤمنون ممن حولهم ومن هم المجرمون. وبعد تحديد سبيل المؤمنين ومنهجهم وعلامتهم، وتحديد سبيل المجرمين ومنهجهم وعلامتهم. بحيث لا يختلط السبيلان ولا يتشابه العنوانان، ولا تلتبس الملامح والسمات بين المؤمنين والمجرمين .. وهذا التحديد كان قائما، وهذا الوضوح كان كاملا، يوم كان الإسلام يواجه المشركين في الجزيرة العربية. فكانت سبيل المسلمين الصالحين هي سبيل الرسول ﷺ ومن معه. وكانت سبيل المجرمين هي سبيل من لم يدخل معهم في هذا الدين .. ومع هذا التحديد وهذا الوضوح كان القرآن يتنزل، وكان الله- سبحانه- يفصّل الآيات على ذلك النحو الذي سبقت منه نماذج في السورة- ومنها ذلك النموذج الأخير- لتستبين سبيل المجرمين! وحيثما واجه الإسلام الشرك والوثنية والإلحاد والديانات المنحرفة المتخلفة من الديانات ذات الأصل السماوي بعد ما بدّلتها وأفسدتها التحريفات البشرية. حيثما واجه الإسلام هذه الطوائف والملل كانت سبيل المؤمنين الصالحين واضحة، وسبيل المشركين الكافرين المجرمين واضحة كذلك .. لا يجدي معها التلبيس. ولكن المشقة الكبرى التي تواجه حركات الإسلام الحقيقية اليوم ليست في شئ من هذا. إنها تتمثل في وجود أقوام من الناس من سلالات المسلمين، في أوطان كانت في يوم من الأيام للإسلام، يسيطر عليها دين الله، وتحكم بشريعته .. ثم إذا هذه الأرض، وإذا هذه الأقوام، تهجر الإسلام حقيقة، وتعلنه اسما. وإذا هي تتنكر لمقومات الإسلام اعتقادا وواقعا. وإن ظنت أنها تدين بالإسلام اعتقادا! فالإسلام شهادة أن لا إله إلا الله. وشهادة أن لا إله إلا الله تتمثل في الاعتقاد بأن الله- وحده- هو خالق هذا الكون المتصرّف فيه. وأن الله- وحده- هو الذي يتقدم إليه العباد بالشعائر التعبدية ونشاط الحياة كله. وأن الله- وحده- هو الذي يتلقى منه العباد الشرائع ويخضعون لحكمه في شأن حياتهم كله .. وهذا أشق ما تواجهه حركات الإسلام الحقيقية في هذه الأوطان مع هؤلاء الأقوام. أشق ما تعانيه هذه الحركات هو الغبش والغموض واللبس الذي أحاط بمدلول لا إله إلا الله. ومدلول الإسلام في جانب؛ وبمدلول الشرك وبمدلول الجاهلية في الجانب الآخر. هذه هي المشقة الكبرى .. وهذه كذلك هي العقبة الأولى التي لا بد أن يجتازها أصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.

стр. 1599

أجل يجب أن يجتاز أصحاب الدعوة إلى الله هذه العقبة؛ وأن تتم في نفوسهم هذه الاستبانة كي تنطلق طاقتهم كلها في سبيل الله لا تصدها شبهة، ولا يعوّقها غبش ولا يميعها لبس. فإن طاقاتهم لا تنطلق إلا إذا اعتقدوا في يقين أنهم هم «المسلمون» وأن الذين يقفون في طريقهم ويصدونهم ويصدون الناس عن سبيل الله هم «المجرمون». أقول: إن شهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ لها مضمونها ولها نواقضها فمن أتى بالمضمون ولم يأت ناقضا من نواقض الشهادتين فهو المسلم، وقد يكون فاسقا أو تقيا، ولكن إذا لم يدرك الإنسان مضمون الشهادتين، أو أتى بناقض من نواقضهما، فإنه لا يكون مسلما، فمثلا من مضمون الشهادتين أن يعرف الإنسان الإسلام ويؤمن به ويسلم لله فيه، فإذا جهل الإسلام ولم يعرف أن يصفه كما هو ولو وصفا إجماليا فإنه لا يكون مسلما حتى قال فقهاء الحنفية: لو أن صغيرة تزوجت ثمّ بلغت عند زوجها وسألها عن الإسلام فلم تعرف أن تصفه فإن عقدها ينفسخ، عند ما كانت صغيرة كانت مسلمة تبعا لأبويها، فلمّا بلغت أصبحت مكلفة بالإسلام، وعليها أن تعرفه، فإذا لم تعرفه لا تكون مسلمة، ولكن ليس شرطا أن تحسن وصفه، بل يكفي في حقّها أنّها لو سئلت عن شئ معلوم من الدين بالضرورة أن تعرفه، وفقهاء الشافعية لا يعتبرون منكر ذلك كافرا إلا بعد البيان. فلا بد إذن من معرفة مضمون الشهادتين، ولا بد من ترك النواقض، وقد مرّ معنا في سورة المائدة أن كفر نظام ما لا يعني بالضرورة كفر كل فرد فيه ابتداء. تلخيص وتذكير: إن مما ينبغي أن يبقى على ذكر منا: أن الإنذار بالقرآن طريق من طرق التقوى، ولذلك فإن على الدّعاة إلى الله أن يحيوا مجالس الوعظ، وأن يكثروا منها، من أجل أن يتابعوا قضية الإيمان، كما أن على الدعاة أن يعطوا المستجيبين لدعوة الله حقوقهم، فلا تتطلع أعينهم إلى غيرهم زهدا بهم، ورغبة بأهل الدنيا. وإن مما تفهمنا إياه آيات المجموعة التاسعة أن من سبيل المجرمين الترفّع على أهل الإيمان، مما يفهم منه ضمنا أن التواضع لأهل الإيمان من سبيل المؤمنين. ثمّ تأتي المجموعة العاشرة في الجولة وفيها أوامر لرسول الله ﷺ تأمره أن يعلن عدّة إعلانات تكاد تكون الردّ الأخير في هذه الجولة على اقتراحات الكافرين.

стр. 1600

المجموعة العاشرة وإذ وصل السياق إلى ما مرّ فإنّ الله يأمر رسوله ﷺ أن يعلن ثلاثة إعلانات: الإعلان الأول: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. أي: قل إنّي صرفت وزجرت بأدلة العقل والسمع عن عبادة ما تعبدون من دون الله قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ. أي: لا أجري في طريقتكم التي سلكتموها في دينكم من اتّباع الهوى دون اتّباع الدليل، وفي النّص بيان للسبب الذي به وقعوا في الضلال وهو اتّباع الهوى قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً. أي: إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ في شئ، وهذا يعني أنكم لستم مهتدين أبدا، والإعلان الثاني: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي لمّا نفى أن يكون الهوى متّبعا، نبّه على ما يجب اتّباعه وهو شريعة الله، والمعنى: إني من معرفة ربي وأنّه لا معبود سواه على حجة واضحة، أو إني على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها إليّ وَكَذَّبْتُمْ بِهِ. أي: بالله حيث أشركتم به غيره ويمكن أن يكون المراد: وكذبتم بالبيّنة أي بالقرآن، فيكون المعنى: إنّي على حجّة من جهة ربي وهو القرآن، وكذّبتم بهذه البيّنة، ثمّ عقّبه بما دلّ على أنهّم أحقّاء بأن يعاقبوا بالعذاب لذلك فقال: ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ. أي: من العذاب إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ. أي: إنما أمر ذلك إلى الله إن شاء عجّل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجّلكم لما له من الحكمة العظيمة يَقُصُّ الْحَقَّ. أي: لا يفعل إلا حقا ولا يأمر إلا بحق فيما يحكم به، ويقدّره، وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ. أي: خير الفاصلين بالقضاء الحق إذ الفصل: هو القضاء، ثم يأتي الإعلان الثالث قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي. أي: في قدرتي وإمكاني ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ. أي: من العذاب لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. أي: لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ومن ثم فهو ينزل العذاب على مقتضى علمه وحكمته في الوقت المناسب. فائدة: [في الجمع بين الآية (٥٨) وبعض ما ورد في السنة] بمناسبة هذه الآية الأخيرة يقول ابن كثير: فإن قيل فما الجمع بين هذه الآية، وبين ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما

стр. 1601

أردّت. فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثّعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇ فناداني فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال: فناداني ملك الجبال وسلّم عليّ ثمّ قال: يا محمد إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال رسول الله ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا». وهذا لفظ مسلم. فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم فاستأنى بهم وسأل لهم التأخير لعلّ الله يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئا. فما الجمع بين هذا وبين قوله في هذه الآية الكريمة قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ فالجواب- والله أعلم- أنّ هذه الآية دلت على أنّه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم، وأمّا الحديث فليس فيه أنّهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال أنّه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكّة اللذان يكتنفانها جنوبا وشمالا، فلهذا استأنى بهم وسأل الرّفق لهم» وبهذه المناسبة نقول: إنّ ما أنزله الله على رسوله ﷺ من وحي سواء كان قرآنا أو سنة يكمل بعضه بعضا، ولا ينقض بعضه بعضا وكيف لا يكون كذلك وهو من علم الله، وعلم الله محيط، وذلك من أعظم الأدلة على كون هذا الإسلام دين الله، ولكن الجاهلين وحدهم هم الذين يظنون غير ذلك أو يتوهمون. وبعد هذا الحوار الطويل يعود السياق إلى صيغة التقرير في موضوع المعرفة الربانية فيقول: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ ... ولو أنّك تأمّلت لوجدت أن هناك صلة ظاهرة بين بداية المقطع وهذه الآية وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ... وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ .... وما بين ذلك حوار لمن ينكر ذلك، وما بين ذلك تقرير لمقتضى ذلك، وما بين ذلك هداية لما ينبغي أن يترتب على الإيمان بذلك. فما أعظم هذا القرآن إذ يجول بك السياق ثم يردك إلى محور السورة، وتبقى جولاته كلها في الإطار الذي يعمّق محور السورة، وبما أنّ خاتمة الجولة الأولى من المقطع الثاني تبدأ بقوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ فلنقدم للآية بنقل عن الظلال حول الفارق بين العقلية المسلمة وغيرها: «إن القرآن- وهو المصدر الأساسي للعقيدة الإسلامية التي تنشئ التصور

стр. 1602

الإسلامي والعقلية الإسلامية- يقرر أن هناك عالما للغيب وعالما للشهادة فليس كل ما يحيط بالإنسان غيبا، وليس كل ما يتعامل معه من قوى الكون مجهولا. إن هنالك سننا ثابتة لهذا الكون؛ يملك «الإنسان» أن يعرف منها القدر اللازم له، حسب طاقته وحسب حاجته، للقيام بالخلافة في هذه الأرض. وقد أودعه الله القدرة على معرفة هذا القدر من السنن الكونية؛ وعلى تسخير قوى الكون وفق هذه السنن للنهوض بالخلافة، وتعمير الأرض، وترقية الحياة، والانتفاع بأقواتها وأرزاقها وطاقاتها. وإلى جانب هذه السنن الثابتة- في عمومها- مشيئة الله الطليقة، لا تقيدها هذه السنن وإن كانت من عملها. وهناك قدر الله الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها. فهي ليست آلية بحتة، فالقدر هو المسيطر على كل حركة فيها؛ وإن جرت وفق السنة التي أودعها الله إياها. وهذا القدر الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها «غيب» لا يعلمه البشر علم يقين؛ وأقصى ما يصل إليه الناس هو الظنون و «الاحتمالات» .. وهذا ما يعترف به العلم البشري أيضا. وإن ملايين الملايين من العمليات لتتم في كيان الإنسان في اللحظة الواحدة؛ وكلها «غيب» بالقياس إليه هي تجري في كيانه، ومثلها ملايين ملايين العمليات التي تتم في الكون من حوله؛ وهو لا يعلمها! وإن الغيب ليحيط بماضيه وماضي الكون. وحاضره وحاضر الكون. ومستقبله ومستقبل الكون .. وذلك مع وجود السنن الثابتة التي يعرف بعضها، وينتفع بها انتفاعا علميا منظما في النهوض بعبء الخلافة. وإن «الإنسان» ليجيء إلى هذا العالم على غير رغبة منه ولا علم بموعد قدومه، وإنه ليذهب عن هذا العالم على غير رغبة منه ولا علم بموعد رحيله .. وكذلك كل شئ حي .. ومهما تعلّم ومهما عرف، فإن هذا لن يغيّر من هذا الواقع شيئا. إن العقلية الإسلامية عقلية «غيبية علمية» لأن «الغيبية» هي «العلمية» بشهادة «العلم» والواقع .. أما التنكر للغيب فهو «الجهلية» التي يتعالم أصحابها وهم بهذه الجهالة! وإن العقلية الإسلامية لتجمع بين الاعتقاد بالغيب المكنون الذي لا يعلم مفاتحه إلا الله؛ وبين الاعتقاد بالسنن التي لا تتبدل، والتي تمكن معرفة الجوانب اللازمة منها لحياة الإنسان في الأرض، والتعامل معها على قواعد ثابتة .. فلا يفوت المسلم «العلم»

стр. 1603

البشري في مجاله، ولا يفوته إدراك الحقيقة الواقعية؛ وهي أن هنالك غيبا لا يطلع الله عليه أحدا، إلا من شاء، بالقدر الذي يشاء. والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها «الفرد» فيتجاوز مرتبة «الحيوان»، إلى مرتبة «الإنسان» وهي نقلة بعيدة الأثر في تصوّر الإنسان لحقيقة الوجود كله ولحقيقة وجوده الذاتي، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود؛ وفي إحساسه بالكون، وما وراء الكون من قدرة وتدبير. كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض. فليس من يعيش في الحيّز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته؛ ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود، وأن وراء الكون .. ظاهره وخافيه .. حقيقة أكبر من الكون، هي التي صدر عنها، واستمد من وجودها وجوده. حقيقة الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار، ولا تحيط بها العقول. ... «لقد كان الإيمان بالغيب هو مفترق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم المادة ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان- كجماعة الماديين في كل زمان- يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى .. إلى عالم المادة، الذي لا وجود فيه لغير المحسوس، ويسمون هذا «تقدمية». وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها. فجعل صفتهم المميّزة هي صفة: «الذين يؤمنون بالغيب» .. والحمد لله على نعمائه؛ والنكسة للمنتكسين والمرتكسين». والذين يتحدثون عن «الغيبية» و «العلمية» يتحدثون عن «الحتمية التاريخية» كأن كل المستقبل مستبين، و «العلم» في هذا الزمان يقول: إن هناك «احتمالات» وليست هنالك «حتميات»! ولقد كان ماركس من المتنبئين «بالحتميات»! ولكن أين نبوءات ماركس اليوم؟ لقد تنبأ بحتمية قيام الشيوعية في انجلتر، نتيجة بلوغها قمة الرقي الصناعي ومن ثم قمة الرأسمالية في جانب والفقر العمالي في جانب آخر .. فإذا الشيوعية تقوم في أكثر الشعوب تخلفا صناعيا .. في روسيا والصين وما إليها .. ولا تقوم قط في البلاد الصناعية الراقية!

стр. 1604

ولقد تنبأ لينين وبعده ستالين بحتمية الحرب بين العالم الرأسمالي والعالم الشيوعي وها هو ذا خليفتهما «خروشوف» يحتمل راية «التعايش السلمي». ولا نمضي طويلا مع هذه «الحتميات» التنبئية. فهي لا تستحق جدية المناقشة! إن هنالك حقيقة واحدة مستيقنة هي الغيب، وكل ما عداها احتمالات. وإن هنالك حتمية واحدة هي وقوع ما يقضي به الله ويجري به قدره. وقدر الله غيب لا يعلمه إلا هو. وإن هنالك- مع هذا- سننا للكون ثابتة، يملك الإنسان أن يتعرف إليها، ويستعين بها في خلافة الأرض، مع ترك الباب مفتوحا لقدر الله النافذ؛ وغيب الله المجهول .. وهذا قوام الأمر كله .. ». المجموعة الحادية عشرة وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ المفاتح جمع مفتح وهو المفتاح، جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة لأن المفاتح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلال والأقفال، ومن علّمه الله مفاتحها وكيفيّة فتحها توصّل إليها فأراد أنّه هو المتوصّل إلى المغيّبات وحده لا يتوصّل إليها غيره كمن عنده مفاتح أقفال المخازن، ويعلم فتحها فهو المتوصّل إلى ما في الخزائن، ويدخل في ذلك العذاب والرّزق، وما غاب عن العباد من الثّواب والعقاب والآجال والأحوال وخصّ الرسول ﷺ من مفاتح الغيب خمسا بالذكر سنراها في الفوائد وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ. أي: من النّبات والدّوابّ وغير ذلك وَالْبَحْرِ من الحيوان، والجواهر، والعناصر وغير ذلك وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها. أي: ما من ورقة تسقط إلا ويعلم عددها وأحوالها قبل السقوط وبعده وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ إلّا يعلمها وَلا رَطْبٍ. أي: ذي رطوبة وَلا يابِسٍ إلا يعلمه كذلك، والجميع في كتاب مبين إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ واحد وهو هنا إما علم الله، أو اللوح المحفوظ قال صاحب الظلال وهو يعرض هذه الآية: «إنها صورة لعلم الله الشامل المحيط؛ الذي لا يندّ عنه شئ في الزمان ولا في المكان، في الأرض ولا في السماء، في البر ولا في البحر، في جوف الأرض ولا في طباق الجو، من حي وميت ويابس ورطب ... ولكن أين هذا الذي نقوله نحن- بأسلوبنا البشري المعهود- من ذلك النسق

стр. 1605

القرآني العجيب؟ وأين هذا التعبير الإحصائي المجرد، من ذلك التصوير العميق الموحي؟ إن الخيال البشري لينطلق وراء النص القصير يرتاد آفاق المعلوم والمجهول، وعالم الغيب وعالم الشهود، وهو يتبع ظلال علم الله في أرجاء الكون الفسيح، ووراء حدود هذا الكون المشهود .. وإن الوجدان ليرتعش وهو يستقبل التصور والمشاهد من كل فج وواد. وهو- إذ يحاول أن يرتاد- أستار الغيوب المختومة في الماضي والحاضر والمستقبل؛ البعيدة الآماد والآفاق والأغوار .. مفاتحها كلها عند الله، لا يعلمها إلا هو .. ويجول في مجاهل البر وفي غيابات البحر، المكشوفة كلها لعلم الله. ويتبع الأوراق الساقطة من أشجار الأرض، لا يحصيها عد، وعين الله على كل ورقة تسقط، هنا وهنا وهناك. ويلحظ كل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض لا تغيب عن عين الله. ويرقب كل رطب وكل يابس في هذا الكون العريض، لا يند شئ عن علم الله المحيط .. إنها جولة تدير الرءوس، وتذهل العقول .. جولة في آماد الزمان، وآفاق المكان، وأغوار من المنظور والمحجوب، والمعلوم والمجهول .. جولة بعيدة موغلة مترامية الأطراف، يعيا بتصور آمادها الخيال .. وهي ترسم هكذا دقيقة كاملة شاملة في بضع كلمات .. ألا إنه الإعجاز! وننظر في هذه الآية القصيرة من أي جانب فنرى هذا الإعجاز، الناطق بمصدر هذا القرآن. ننظر إليها من ناحية موضوعها، فنجزم للوهلة الأولى بأن هذا كلام لا يقوله بشر فليس عليه طابع البشر .. إن الفكر البشري حين يتحدث عن مثل هذا الموضوع- موضوع شمول العلم وإحاطته- لا يرتاد هذه الآفاق. إن مطارح الفكر البشري وانطلاقاته في هذا المجال لها طابع آخر ولها حدود. إنه ينتزع تصوراته التي يعبر عنها من اهتماماته .. فما اهتمام الفكر البشري بتقصّي وإحصاء الورق الساقط من الشجر، في كل أنحاء الأرض؟ إن المسألة لا تخطر على بال الفكر البشري ابتداء. لا يخطر على باله أن يتتبّع ويحصي ذلك الورق الساقط في أنحاء الأرض. ومن ثم لا يخطر له أن يتجه هذا الاتجاه، ولا أن يعبر هذا التعبير عن العلم الشامل! إنما الورق الساقط شأن يحصيه الخالق، ويعبر عنه الخالق! وما اهتمام الفكر البشري بكل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض؟ إن أقصى ما يحفل به بنو البشر هو الحب الذي يخبئونه هم في جوف الأرض

стр. 1606

ويرتقبون إنباته .. فأما تتبع كل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض فمما لا يخطر للبشر على بال أن يهتموا به، ولا أن يلحظوا وجوده، ولا أن يعبر به عن العلم الشامل! إنما الحب المخبوء في ظلمات الأرض شأن يحصيه الخالق، ويعبر عنه الخالق، وما اهتمام الفكر البشري بهذا الإطلاق: «ولا رطب ولا يابس» .. إن أقصى ما يتجه إليه تفكير البشر هو الانتفاع بالرطب واليابس مما بين أيديهم .. فأما التحدث عنه كدليل للعلم الشامل. فهذا ليس من المعهود في اتجاه البشر وتعبيراتهم كذلك! إنما كل رطب وكل يابس شأن يحصيه الخالق ويعبر عنه الخالق! ولا يفكر البشر أن تكون كل ورقة ساقطة، وكل حبة مخبوءة، وكل رطب وكل يابس في كتاب مبين، وفي سجل محفوظ .. فما شأنهم بهذا، وما فائدته لهم؟ وما احتفالهم بتسجيله؟ إنما الذي يحصيه ويسجله هو صاحب الملك، الذي لا يندّ عنه شئ في ملكه، الصغير كالكبير، الحقير كالجليل، والمخبوء كالظاهر، والمجهول كالمعلوم، والبعيد كالقريب .. إن هذا المشهد الشامل الواسع العميق الرائع .. مشهد الورق الساقط من شجر الأرض جميعا، والحب المخبوء في أطواء الأرض جميعا، والرطب واليابس في أرجاء الأرض جميعا .. إن هذا المشهد كما أنه لا يتجه إليه الفكر البشري والاهتمام البشري؛ كذلك لا تلحظه العين البشرية، ولا تلمّ به النظرة البشرية .. إنه المشهد الذي يتكشف هكذا بجملته لعلم الله وحده؛ المشرف على كل شئ، المحيط بكل شئ .. الحافظ لكل شئ، الذي تتعلق مشيئته وقدره بكل شئ .. الصغير كالكبير، والحقير كالجليل، والمخبوء كالظاهر، والمجهول كالمعلوم، والبعيد كالقريب .. والذين يزاولون الشعور ويزاولون التعبير من بني البشر يدركون جيّدا حدود التصور البشري وحدود التعبير البشري أيضا. ويعلمون- من تجربتهم البشرية- أن مثل هذا المشهد، لا يخطر على القلب البشري، كما أن مثل هذا التعبير لا يتأتى له أيضا .. والذين يمارون في هذا عليهم أن يراجعوا قول البشر كله، ليروا إن كانوا قد اتجهوا مثل هذا الاتجاه أصلا! وهذه الآية وأمثالها في القرآن الكريم تكفي وحدها لمعرفة مصدر هذا الكتاب الكريم .. كذلك ننظر إليها من ناحية الإبداع في التعبير ذاته، فنرى آفاقا من الجمال والتناسق لا تعرفها أعمال البشر، على هذا المستوى السامق: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ .. آماد وآفاق وأغوار في «المجهول» المطلق، في الزمان والمكان، وفي الماضي والحاضر والمستقبل، وفي أحداث الحياة وتصورات الوجدان.

стр. 1607

وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ .. آماد وآفاق وأغوار في «المنظور»، على استواء وسعة وشمول .. تناسب في عالم الشهود والمشهود تلك الآماد والآفاق والأغوار في عالم الغيب المحجوب. وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها .. حركة الموت والفناء، وحركة السقوط والانحدار، من علو إلى سفل، ومن حياة إلى اندثار. وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ .. حركة البزوغ والنّماء. المنبثقة من الغور إلى السطح، ومن كمون وسكون إلى اندفاع وانطلاق. وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ .. التعميم الشامل، الذي يشمل الحياة والموت والازدهار والذبول، في كل حي على الإطلاق .. فمن ذا الذي يبدع ذلك الاتجاه والانطلاق؟ ومن ذا الذي يبدع هذا التناسق والجمال؟ .. من ذا الذي يبدع هذا كله وذلك، في مثل هذا النص القصير .. من؟ إلا الله! ثم نقف عند قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ .. نقف لنقول كلمة عن «الغيب» و «مفاتحه» واختصاص الله- سبحانه- «بالعلم» بها .. ذلك أن حقيقة الغيب من «مقومات التصور الإسلامي» الأساسية؛ لأنها من مقومات العقيدة الإسلامية، ومن قواعد «الإيمان» الرئيسية .. وذلك أن كلمات «الغيب» و «والغيبية» تلاك في هذه الأيام كثيرا- بعد ظهور المذهب المادي- وتوضع في مقابل «العلم» و «العلمية» .. والقرآن الكريم يقرر أن هناك «غيبا» لا يعلم «مفاتحه» إلا الله. ويقرر أن ما أوتيه الإنسان من العلم قليل .. وهذا القليل إنما آتاه الله له بقدر ما يعلم هو- سبحانه- من طاقته ومن حاجته، وأن الناس لا يعلمون- فيما وراء العلم الذي أعطاهم الله إياه- إلا ظنا، وأن الظن لا يغني عن الحق شيئا .. كما يقرر- سبحانه- أن الله قد خلق هذا الكون، وجعل له سننا لا تتبدّل وأنّه علّم الإنسان أن يبحث عن هذه السنن ويدرك بعضها، ويتعامل معها- في حدود طاقته وحاجته- وأنّه سيكشف له من هذه السنن في الأنفس والآفاق ما يزيده يقينا وتأكدا أن الذي جاءه من عند ربه هو الحق .. دون أن يخل هذا الكشف عن سنن الله التي لا تبديل لها بحقيقة «الغيب» المجهول للإنسان، والذي سيظل كذلك مجهولا، ولا بحقيقة طلاقة مشيئة الله وحدوث كل شئ بقدر غيبي خاص من الله،

стр. 1608

ينشئ هذا الحدث ويبرزه للوجود .. في تناسق تامّ في العقيدة الإسلامية، وفي تصوّر المسلم النّاشئ من حقائق العقيدة .. ». كلمة في السياق: تتألف المجموعة الحادية عشرة التي هي خاتمة الجولة الأولى من المقطع الثاني من سورة الأنعام تتألف هذه المجموعة من آيتين: آية وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ ... والآية التالية وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ .... وهاتان الآيتان تعودان بنا إلى بداية المقطع كله لتكونا بمثابة إعادة النهر إلى مجراه الرئيسي، فهما تأتيان نهاية لجولة ومقدمة لجولة أخرى في مقطعهما. بدأ المقطع بقوله تعالى وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ثم جرى حوار شامل، ثم عاد المقطع إلى الكلام عن الله بصيغة التقرير: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ ... وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ... وتأتي الآية الأولى في الجولة الثانية على نفس الوتيرة: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً وهكذا يعود السياق إلى مجراه الرئيسي فلنر الآية الثانية في المجموعة الحادية عشرة: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ. أي: يقبض أنفسكم عن التصرف بالتّمام في المنام، وفي هذا إخبار عن أنّه يتوفى عباده في منامهم بالليل. وهذا هو التوفي الأصغر وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ. أي: ما كسبتم فيه من الآثام، وهذه جملة معترضة دلّت على إحاطة علمه تعالى بخلقه، في ليلهم ونهارهم، في حال سكونهم وحال حركتهم ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ. أي: ثمّ يوقظكم في النّهار، أو التقدير ثمّ يبعثكم في النهار ويعلم ما جرحتم فيه، فقدّم الكسب لأنّه أهم ولا يعني هذا أنه لا يعلم ما جرحنا بالليل ولا أنه لا يتوفانا بالنهار. فتخصيص الشئ بالذكر لا يدّل على نفي ما عداه لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى. أي: لتوفى الآجال على الاستكمال ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ. أي: ثمّ إلى الله رجوعكم بالبعث بعد الموت ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. أي: في ليلكم ونهاركم ويستدل بالنوم والاستيقاظ بعده على البعث وتفهم من خلال النوم كثير من قضايا عالم البرزخ.

стр. 1609

فوائد: [حول الآيتين (٥٩، ٦٠)] ١ - بمناسبة قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ نذكر هذه الرواية. روى البخاري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنّ رسول الله ﷺ قال: «مفاتح الغيب خمس إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. وفي حديث عمر أن جبريل حين تبدّى له في صورة أعرابي فسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان فقال له النبي ﷺ فيما قال له: «خمس لا يعلمهن إلا الله» ثم قرأ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية. ٢ - يقول النسفي بمناسبة قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ: وعندك أيها الإنسان مفاتح العيب فمن آمن بغيبه أسبل الله السّتر على عيبه. ٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ .... يروي ابن كثير ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس عن النّبي ﷺ قال: «مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ويردّ إليه، فإن أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا ردّ إليه». فذلك قوله: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ. أقول إنّ الله- أسند الوفاة في الآية إلى ذاته الكريمة، وفي هذا الحديث أسندت الوفاة إلى عالم الأسباب، وإسناد ما لعالم الأسباب دخل فيه إلى الله لأنه هو الفاعل على الحقيقة وهو الخالق: «الله خالق كل شئ». ٤ - سمّى الله- في الآية الأخيرة النّوم وفاة، وسمّاه في مكان آخر الموت وهو الموت الأصغر فمن النّوم نعلم شيئا عن عالم الموت وعن عالم البرزخ- وهو العالم الذي نكون فيه بعد الموت فقد أعطانا الله بهذا النّوم صورة مصغّرة عن الموت، وعن عالم البرزخ، وعن عذاب القبر، أو نعيمه، فنحن نرى النائم ساكنا هادئا لا نرى على جسمه أثرا، ومع ذلك فقد يكون في عذاب أو نعيم، كأن يرى نفسه يتلذّذ أو يتعذّب وهو ساكن هادئ لا نرى عليه أثرا في كثير من الأحيان، ولا يعني هذا أنّ حال الميت والنائم واحد بل يعني هذا أنّ النّوم صورة مصغّرة عن الموت، بل إنّ ما يكون للإنسان بعد الموت أكثر وضوحا مما يكون للإنسان في عالم اليقظة، فلذلك العالم قوانينه، والنوم هو المثال المقرب، وفي كتاب إحياء علوم الدين للغزالي في المجلد الرابع كلام نفيس عن هذا الموضوع فليراجع، ولقد قال رسول الله ﷺ في حديث صحيح «النّوم أخو الموت».

стр. 1610

ملاحظة حول السياق: يلاحظ أن المقطع الأول من سورة الأنعام وردت فيه كلمة (قل) كثيرا، وكذلك هذا المقطع في جولتيه، مما يشير إلى أن الحوار مع الكافرين شئ رئيسي في سياق هذه السورة وصلة ذلك بمحور السورة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ لا تخفى، فالمحور فيه إقامة حجة على الكافرين، وفي هذه السّورة تقام الحجة على الكافرين مرة بعد مرة: كانت الآية الثانية من الجولة التي مرّت معنا: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ... ثم بعد آيات جاء قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ .... ثمّ بعد آيات جاء قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ ثم تأتي بعدها مباشرة قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً. ثم جاء بعد آيتين قوله تعالى: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ... ثم جاءت بعد خمس آيات ثلاث آيات كلّ منها مبدوء بقوله تعالى (قل). قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ .. قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ... قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ... وسنرى في الجولة الثانية من المقطع كيف يتكرّر الأمر (قل) كذلك إن السّورة حوار شامل مع الكافرين في كل الاتجاهات الرئيسية للكفر، سواء كانت نظرية، أو كانت عملية، ولذلك فإن على الداعية إلى الله أن يتملّى حججها ويعرف كيف يقرع بها. كلمة في السياق: انتهت معنا الجولة الأولى من المقطع الثاني بعد أن ختمت بالتذكير بالموت الأصغر والموت الأكبر، وكلاهما مظهر من مظاهر قهر الله- وذلك يشير إلى صلة خاتمة الجولة ببدايتها وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ. والمقطع نفسه لا يزال مستمرا وذلك أننا نعلم في علم البلاغة أنه إذا طال الفصل حسن التكرار، وقد بدأ

стр. 1611

المقطع بقوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ وها هي الآية (٦١) تقول: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ... ونلاحظ أن آخر شئ في سياق الجولة الثانية، هو قوله تعالى في الآية (٧٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ لاحظ أنه منته بقوله تعالى: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ. فذلك مع المعاني مما دلّنا على بداية المقطع ونهايته. وقد رأينا كيف أن الجولة الماضية لها سياقها الخاص كما أن لها محلها في السياق الخاص لسورة الأنعام مع كونها تفصل في محور السورة من البقرة لاحظ صلة آخر آية مرّت معنا في الجولة بمحور السورة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ وفي الآية الأخيرة وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى وفي محور السورة: ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وفي الآية الأخيرة: ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فالصلة واضحة بين هذه الآية ومحور السورة من البقرة، والصلات التي تربط بين المقطع وبين المحور كثيرة كما رأينا وسنرى. ولنا عودة على هذا الموضوع ولننتقل إلى عرض الجولة الثانية من المقطع الثاني: ***

стр. 1612

الجولة الثانية من المقطع الثاني وتمتدّ من الآية (٦١) إلى نهاية الآية (٧٣) وهذه هي: ٦/ ٦٧ - ٦١

стр. 1613

٦/ ٧٢ - ٦٨

стр. 1614

٦/ ٧٣ كلمة في هذه الجولة: قلنا إن هذه الجولة استمرار للمقطع الثاني فهي تذكّرنا بالقهر الإلهي، والعلم الإلهي، والحكمة الإلهية. فالجولة بعد أن تذكّرنا في آياتها الأولى بمظاهر علم الله، وحكمته، وقهره من خلال التذكير بالموت، والحساب، واستجابة الدعاء حال الكرب، والتعذيب في الدنيا، تذكّر رسول الله ﷺ أنّه مع هذا كله فإنّ قومه يكذّبون بالقرآن. وفي هذا السياق يذكّر الله رسوله ﷺ وهو تذكير لنا. ألا يجلس مع القوم الظالمين حال خوضهم في آيات الله، وأن يعرض عمّن اتخذ دينه لعبا ولهوا، وأن يقيم الحجة على الكافرين من خلال إعلان الاستمرار على دين الله، واستنكار العودة إلى الكفر بعد الهداية، ثمّ تذكرنا الجولة بالإسلام لله رب العالمين، وإقامة الصلاة، والتذكير بأن الله هو الخالق والقادر والمالك والعليم والحكيم والخبير. نطع في جولتيه يقيم الحجة على الكافرين، ويبيّن لهم فساد ما هم فيه، ويحدّد للمسلم بعض المواقف منهم، ويبيّن ما يقتضيه الإيمان بالله ومعرفته، وصلة ذلك بمحور السورة الذي ينكر على الكافرين كفرهم، والذي يعجّب من حالهم، والذي يقيم الحجة على الكافرين من خلال ظاهرتي الحياة والعناية، إن صلة هذا المقطع بمحور السورة واضحة. ولقد قلنا إن محور سورة الأنعام آت في سياق الأمر: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ من سورة البقرة، ولذلك آثاره في سورة الأنعام ومن ثم نرى المقطع ينتهي بقوله تعالى: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ* وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ* وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ*. وقد بدأ هذا المقطع بقوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ- لاحظ قوله تعالى وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ- وانتهى بآية مبدوءة بقوله

стр. 1615

تعالى «وَهُوَ» ومنتهية بقوله تعالى وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ فما بين بداية المقطع ونهايته صلة واضحة. المعنى العام: يكرّر الله- في بداية هذه الجولة ذكر قهره لعباده. فهو الذي قهر كل شئ، وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شئ. وأنّه يرسل من الملائكة من يحفظون بدن الإنسان ويحصون عمله، وأنه إذا حان أجل الإنسان واحتضر توفته الملائكة المكلفون بذلك، وأن هؤلاء الملائكة لا يفرّطون في حفظ روح المتوفى بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله- إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجّار ففي سجين. وأنّ مردّ الخلائق كلّهم إلى الله يوم القيامة، فيحكم فيهم بعدله وهو الذي له الحكم وحده وهو الأسرع حسابا، وبعد أن ذكر الله قهره، وبعض مظاهر قهره، امتنّ على عباده في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البرّ والبحر وهم الحائرون الواقعون في المهامة البريّة، وفي اللجج البحريّة إذا هاجت الرياح العاصفة فحينئذ يفردون الدعاء له وحده لا شريك له، جهرا وسرا، واعدين الله أنه إن أنجاهم من ضائقتهم هذه ليكوننّ من الشاكرين لله بالقيام بأمره. وهنا أمر الله رسوله ﷺ أن يقول ويعلن أن الله وحده هو الذي ينجي من هذه الظلمات، ومن كل كرب، ثم بعد هذا الإنجاء يوجد من يشركون بعبادته ودعائه آلهة أخرى. وبعد أن ذكر الله- مظهرا من مظاهر قهره، ورحمته، وكفر عباده، ذكر الله- مظاهر أخرى من مظاهر قهره، فذكّر بقدرته على أن يبعث عذابا من فوق رءوس عباده، وعلى أن يبعث عذابا من تحت أرجلهم، أو يجعلهم ملتبسين شيعا: فرقا متخالفين، ويسلّط بعضهم على بعض بالعذاب والقتل، ثمّ ذكر أنّه يوضح الآيات، ويبيّنها، ويفسّرها؛ من أجل أن يفهموا ويتدبّروا عن الله آياته وحججه وبراهينه. وبعد هذا البيان ذكر الله- تكذيب قوم محمّد ﷺ للقرآن، وهو الحق الذي ليس وراءه حق، ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن يعلن أنّه ليس عليهم بحفيظ، وأنّ لكل نبأ حقيقة، ولكل خبر وقوعا، ولو بعد حين. وأنهّم سيرون ويعلمون، وفي هذا تهديد ووعيد لهم على تكذيبهم ما لا يحتمل التكذيب، ثمّ أمر الله رسوله ﷺ وهو أمر لكل مؤمن- أنّه إذا رأى الذين يكذّبون بآيات الله أن يعرض عنهم حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب، وفي حالة الجلوس نسيانا، فقد
следующие страницы →