← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

المقطع بقوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ وها هي الآية (٦١) تقول: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ... ونلاحظ أن آخر شئ في سياق الجولة الثانية، هو قوله تعالى في الآية (٧٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ لاحظ أنه منته بقوله تعالى: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ. فذلك مع المعاني مما دلّنا على بداية المقطع ونهايته. وقد رأينا كيف أن الجولة الماضية لها سياقها الخاص كما أن لها محلها في السياق الخاص لسورة الأنعام مع كونها تفصل في محور السورة من البقرة لاحظ صلة آخر آية مرّت معنا في الجولة بمحور السورة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ وفي الآية الأخيرة وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى وفي محور السورة: ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وفي الآية الأخيرة: ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فالصلة واضحة بين هذه الآية ومحور السورة من البقرة، والصلات التي تربط بين المقطع وبين المحور كثيرة كما رأينا وسنرى. ولنا عودة على هذا الموضوع ولننتقل إلى عرض الجولة الثانية من المقطع الثاني: ***

стр. 1612

الجولة الثانية من المقطع الثاني وتمتدّ من الآية (٦١) إلى نهاية الآية (٧٣) وهذه هي: ٦/ ٦٧ - ٦١

стр. 1613

٦/ ٧٢ - ٦٨

стр. 1614

٦/ ٧٣ كلمة في هذه الجولة: قلنا إن هذه الجولة استمرار للمقطع الثاني فهي تذكّرنا بالقهر الإلهي، والعلم الإلهي، والحكمة الإلهية. فالجولة بعد أن تذكّرنا في آياتها الأولى بمظاهر علم الله، وحكمته، وقهره من خلال التذكير بالموت، والحساب، واستجابة الدعاء حال الكرب، والتعذيب في الدنيا، تذكّر رسول الله ﷺ أنّه مع هذا كله فإنّ قومه يكذّبون بالقرآن. وفي هذا السياق يذكّر الله رسوله ﷺ وهو تذكير لنا. ألا يجلس مع القوم الظالمين حال خوضهم في آيات الله، وأن يعرض عمّن اتخذ دينه لعبا ولهوا، وأن يقيم الحجة على الكافرين من خلال إعلان الاستمرار على دين الله، واستنكار العودة إلى الكفر بعد الهداية، ثمّ تذكرنا الجولة بالإسلام لله رب العالمين، وإقامة الصلاة، والتذكير بأن الله هو الخالق والقادر والمالك والعليم والحكيم والخبير. نطع في جولتيه يقيم الحجة على الكافرين، ويبيّن لهم فساد ما هم فيه، ويحدّد للمسلم بعض المواقف منهم، ويبيّن ما يقتضيه الإيمان بالله ومعرفته، وصلة ذلك بمحور السورة الذي ينكر على الكافرين كفرهم، والذي يعجّب من حالهم، والذي يقيم الحجة على الكافرين من خلال ظاهرتي الحياة والعناية، إن صلة هذا المقطع بمحور السورة واضحة. ولقد قلنا إن محور سورة الأنعام آت في سياق الأمر: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ من سورة البقرة، ولذلك آثاره في سورة الأنعام ومن ثم نرى المقطع ينتهي بقوله تعالى: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ* وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ* وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ*. وقد بدأ هذا المقطع بقوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ- لاحظ قوله تعالى وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ- وانتهى بآية مبدوءة بقوله

стр. 1615

تعالى «وَهُوَ» ومنتهية بقوله تعالى وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ فما بين بداية المقطع ونهايته صلة واضحة. المعنى العام: يكرّر الله- في بداية هذه الجولة ذكر قهره لعباده. فهو الذي قهر كل شئ، وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شئ. وأنّه يرسل من الملائكة من يحفظون بدن الإنسان ويحصون عمله، وأنه إذا حان أجل الإنسان واحتضر توفته الملائكة المكلفون بذلك، وأن هؤلاء الملائكة لا يفرّطون في حفظ روح المتوفى بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله- إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجّار ففي سجين. وأنّ مردّ الخلائق كلّهم إلى الله يوم القيامة، فيحكم فيهم بعدله وهو الذي له الحكم وحده وهو الأسرع حسابا، وبعد أن ذكر الله قهره، وبعض مظاهر قهره، امتنّ على عباده في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البرّ والبحر وهم الحائرون الواقعون في المهامة البريّة، وفي اللجج البحريّة إذا هاجت الرياح العاصفة فحينئذ يفردون الدعاء له وحده لا شريك له، جهرا وسرا، واعدين الله أنه إن أنجاهم من ضائقتهم هذه ليكوننّ من الشاكرين لله بالقيام بأمره. وهنا أمر الله رسوله ﷺ أن يقول ويعلن أن الله وحده هو الذي ينجي من هذه الظلمات، ومن كل كرب، ثم بعد هذا الإنجاء يوجد من يشركون بعبادته ودعائه آلهة أخرى. وبعد أن ذكر الله- مظهرا من مظاهر قهره، ورحمته، وكفر عباده، ذكر الله- مظاهر أخرى من مظاهر قهره، فذكّر بقدرته على أن يبعث عذابا من فوق رءوس عباده، وعلى أن يبعث عذابا من تحت أرجلهم، أو يجعلهم ملتبسين شيعا: فرقا متخالفين، ويسلّط بعضهم على بعض بالعذاب والقتل، ثمّ ذكر أنّه يوضح الآيات، ويبيّنها، ويفسّرها؛ من أجل أن يفهموا ويتدبّروا عن الله آياته وحججه وبراهينه. وبعد هذا البيان ذكر الله- تكذيب قوم محمّد ﷺ للقرآن، وهو الحق الذي ليس وراءه حق، ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن يعلن أنّه ليس عليهم بحفيظ، وأنّ لكل نبأ حقيقة، ولكل خبر وقوعا، ولو بعد حين. وأنهّم سيرون ويعلمون، وفي هذا تهديد ووعيد لهم على تكذيبهم ما لا يحتمل التكذيب، ثمّ أمر الله رسوله ﷺ وهو أمر لكل مؤمن- أنّه إذا رأى الذين يكذّبون بآيات الله أن يعرض عنهم حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب، وفي حالة الجلوس نسيانا، فقد

стр. 1616

أمر ألا يعود. والمراد بذلك كل فرد من آحاد الأمة أن لا يجلس مع المكذّبين الذين يحرّفون آيات الله، ويضعونها على غير مواضعها، فإن جلس أحد معهم ناسيا فلا يقعد بعد التذكير مع القوم الظالمين. ثمّ وعد الله المتقين أنهم إذا تجنّبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك فقد برءوا من عهدتهم، وتخلّصوا من إثمهم. ثمّ بيّن الله تعالى حكمة الأمر بالإعراض عن الذين يخوضون بآيات الله، أنه من أجل أن يتقوا ذلك ولا يعودوا إليه، ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن يترك، ويدع، ويعرض، ويمهل المتخذين دينهم لعبا ولهوا، والمغرورين بالحياة الدنيا، ثم أمره أن يذكّر الناس بهذا القرآن، وأن يحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة، من أجل أن تنجو الأنفس ولا تهلك يوم تحبس عن الخير ودرك المطلوب، إذ لا قريب ولا أحد يشفع لنفس كافرة ولو بذلت كل مبذول. ثمّ بيّن تعالى كيف أنّ هؤلاء الذين لا يقبلون التذكير يهلكون بكسبهم السيئ، وأن لهم شرابا من حميم وعذابا أليما بسبب كفرهم. ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن يعلن أنّه لا يدعو- هو ولا المسلمون- من دون الله أحدا، وكيف يفعلون وهم يعلمون أنّه لا يضرّ ولا ينفع إلا الله، وكيف يفعلون فيرتدّون بعد إذ هداهم الله، إنهم لن يفعلوا ذلك فيكونوا كالمستجيبين لدعوة الشياطين، الذين يزعمون للإنسان- في حالة حيرته وضلاله- أنهم يدعونه إلى الحق والهدى، وهم كاذبون، إذ لا هدى إلا هدى الله الذي استجاب له الرسول ﷺ والمؤمنون، وهو الذي أمرهم بالإسلام له- ﷻ كما أمرهم أن يقيموا الصلاة ويتقوه إذ هو الذي إليه المرجع. ثمّ ختم الله- هذا المقطع كله بتقرير أنّه هو الذي خلق السموات والأرض بالعدل، فهو مالكهما وخالقهما، والمدبّر لهما ولمن فيهما وكما ذكر بدء الخلق بقدرته، فقد ذكّر في هذا المقام أنه كذلك الخالق ليوم القيامة، ثم ذكر الله أن من صفاته- أن قوله الحق وله الملك، وأظهر ما يظهر هذا لخلقه يوم ينفخ في الصور. ثم وصف ذاته بأنه عالم الغيب والشهادة، وأنه الحكيم الخبير كلمة في السياق: إن السياق الخاص للمقطع كله بجولتيه يكاد يكون عرضا لمظاهر من قهر الله وحكمته وعلمه، وهي المعاني التي ذكرتها أول آية فيه، ولذلك رأينا في المقطع مظاهر من قهره في الدنيا وفي الآخرة، ورأينا استعراضا لمظاهر من علمه، ولمظاهر من

стр. 1617

حكمته، ولعل آخر آية في المقطع تدل على هذا كله: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ولقد رأينا أن سياق سورة الأنعام يكاد يكون عرضا لمظاهر خلق الله للأشياء والإنسان، وكيف ينحرف المنحرفون مع ذلك فيشركون ويمترون، ولقد رأينا كيف أن الجولة الأولى من هذا المقطع ركّزت على الشرك وحاورت أهله، وسنرى في هذه الجولة مثل ذلك قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ .. قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا ... وهكذا نجد أن المقطع في جولتيه يمضي على نسق واحد مع السياق الخاص للسورة، وهو مع هذا وهذا يفصّل في محور السورة من سورة البقرة، كما رأينا أدلة ذلك وكما سنرى. فلننتقل الآن إلى التفسير الحرفي للجولة الثانية: المعنى الحرفي: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً. أي: ملائكة حافظين لكم، وآخرين حافظين لأعمالكم وهم الكرام الكاتبون ليكون ذلك أزجر للعباد عن ارتكاب الفساد إذا تفكروا أن صحائفهم تقرأ على رءوس الأشهاد حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حتى هنا لغاية حفظ الأعمال أي: وذلك أدب الملائكة مع المكلف مدة الحياة إلى أن يأتيه الممات تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا. أي: استوفت روحه وهم ملك الموت وأعوانه وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ. أي: لا يتوانون ولا يؤخرون ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ. أي: إلى حكمه وجزائه أي المتوفون تردّهم الملائكة إلى الله مَوْلاهُمُ الْحَقِّ. أي: مالكهم الذي يلي أمورهم، العدل الذي لا يحكم إلا بالحق أَلا لَهُ الْحُكْمُ في الدنيا والآخرة، وإن نازعه في الدنيا في الظاهر من لا يعرفه فإنّه يوم القيامة لا حكم لغيره وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ إذ هو لا يشغله حساب عن حساب ويحاسب جميع الخلائق في الوقت القصير جدا. فائدة: نقل النسفي بمناسبة قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ ... هذه الحكمة المذكورة: الردّ إلى من ربّاك خير من البقاء مع من آذاك. وذكر ابن كثير بهذه المناسبة حديثا رواه الإمام أحمد وقال ابن كثير عنه: حديث غريب. وهذا هو الحديث: عن أبي هريرة

стр. 1618

رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح ريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها- وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغسّاق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء؛ فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل في الحديث الثاني». قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ذكر الظلمات هنا مجاز عن مخاوف البر والبحر، ويحتمل أن يكون المراد بظلمات البرّ الصواعق، وبظلمات البحر الأمواج تَدْعُونَهُ. أي: فحينئذ تفردونه بالدعاء وحده تَضَرُّعاً. أي: معلنين الضراعة وَخُفْيَةً. أي: ومسرّين الدعاء في أنفسكم كذلك لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ. أي: يقولون وهم في الخطر: لئن خلّصنا من هذه الظلمات لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. أي: لله وحده بالاعتراف له، والإخلاص له، والعمل له قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها. أي: من الظلمات وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ. أي: ومن كل غمّ وحزن ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ بعد ذلك ولا تشكرون، فما أكثر غفلة الإنسان، وما أكثر كفره قُلْ هُوَ الْقادِرُ. على كل شئ فلا يغرنّكم الأمن عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ كما أمطر على قوم لوط، وعلى أصحاب الفيل الحجارة أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ كما أغرق فرعون وخسف بقارون. واتجه ابن عباس في تفسير من فوقكم أو من تحت أرجلكم اتجاها آخر ففسّر مِنْ فَوْقِكُمْ «بالأئمة والأمراء السّوء. وفسّر مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ بخدم السوء، قال ابن جرير: وهذا القول وإن كان له وجه صحيح لكنّ الأوّل: أظهر وأقوى» ومن عرف ما كانت عليه روسيا في ظل القياصرة، وما آلت إليه في ظل الحكم الشيوعي، عرف فظاعة العذاب

стр. 1619

على حسب ما فسّره به ابن عباس، ويحتمل أن يكون المراد بالفوق والتحت حبس المطر والنبات أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً. أي: أو يخلطكم فرقا مختلفين على أهواء شتى كل فرقة منكم لها هدى ومصلحة تخالف الأخرى، ومعنى خلطهم هنا أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ بأن يقتل بعضكم بعضا، ومن عرف ما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية. إذ قتل فيهما عشرات الملايين، وجرح فيهما عشرات الملايين عرف معنى هذه الآية انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ. أي: نكرّرها بالوعد والوعيد لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ. أي: يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه. فائدة: هذه الآية عامّة، والخطاب فيها لكل أهل الأرض ولمّا نزلت أراد رسول الله ﷺ أن يأخذ الأمن من الله لأمّته في الحياة الدنيا ألّا تصيبهم هذه الثلاثة فأعطي أمانا في الأولى والثانية، ومنع الثالثة، ولا يعني الأمان من الأولى والثانية ألا يصيب بعض الأمة شئ من ذلك، بل ورد ما يدّل على الإصابة لبعض بقاع هذه الأمة، وأمّا الثالثة فما أكثر ما عذّب المسلمون بها ولا يزالون، وقد نقل ابن كثير عند هذه الآية روايات كثيرة حول ما ذكرناه. وأحاديث لها علاقة بالآية وبعضها يشبه الآخر، فلننقل منها، ما لا يؤدي إلى التكرار مع التعليق المناسب: أ- روى البخاري ... عن جابر بن عبد الله قال: لمّا نزلت هذه الآية قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ قال رسول الله ﷺ : «أعوذ بوجهك». أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قال: «أعوذ بوجهك». أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال رسول الله ﷺ : «هذا أهون- أو قال:- أيسر». ب- روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ... عن سعد بن أبي وقاص قال: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ فقال: «أما إنّها كائنة ولم يأت تأويلها بعد» وأخرجه الترمذي ثم قال: هذا حديث غريب. وقد جاء تأويلها في عصرنا وتأويل بعضها من قبل، ونحن ننتظر المزيد من تأويلها،

стр. 1620

ففي عصرنا حدث خسف في المغرب في أغادير من أرض الإسلام، وعذبت قرى في تركيا من فوقها، وفي كل يوم تقريبا نسمع غرقا وزلزالا وحرقا. ج- روى الإمام أحمد ... عن سعد بن أبي وقاص قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين، فصلينا معه، فناجى ربه- طويلا ثم قال: «سألت ربي ثلاثا: سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسّنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها». انفرد بإخراجه مسلم. ولا يعني هذا أنه لا يصيب الجوع والغرق أجزاء من هذه الأمة، فإنّ هذا حاصل، ولكن الاستئصال للعالم الذي هو أمة الدعوة، أو للمسلمين الذين هم أمة الإجابة لا يكون. د- روى الإمام أحمد ... عن خبّاب بن الأرتّ- مولى بني زهرة وكان قد شهد بدرا مع رسول الله ﷺ أنه قال: راقبت رسول الله ﷺ في ليلة صلاها رسول الله ﷺ ، حتى كان مع الفجر فسلم رسول الله ﷺ من صلاته، قلت: يا رسول الله، لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صلّيت نحوها. فقال رسول الله ﷺ : «أجل إنها صلاة رغب ورهب. سألت ربي- فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألت ربي- أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا، فأعطانيها، وسألت ربي- أن لا يظهر علينا عدوا من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي- أن لا يلبسنا شيعا فمنعنيها». ورواه النسائي وابن حبان والترمذي. وقال حسن صحيح. والملاحظ أنه وإن سلّط على جزء من أجزاء الأرض الإسلامية عدو فإن التسليط الكلي لا يكون فمثلا في الاجتياح المغولي والتتري للأمة الإسلامية بقيت أجزاء لم تحتل كمصر والمغرب، وفي الاجتياح الاستعماري الحديث بقيت أجزاء كثيرة مستقلة كالحجاز، ونجد، واليمن، وهكذا لم يمر عصر على الإطلاق بحيث يسلّط على هذه الأمة غيرها تسليطا كاملا. هـ- روى الإمام أحمد ... عن شدّاد بن أوس أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإني أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي- أن لا يهلك أمّتي بسنة بعامة

стр. 1621

وأن لا يسلط عليهم عدوا فيهلكهم بعامة، وأن لا يلبسهم شيعا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يردّ، وإني قد أعطيتك لأمّتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا ممن سواهم فيهلكهم بعامة، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، وبعضهم يقتل بعضا، وبعضهم يسبي بعضا». قال: وقال النبي ﷺ : «إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتى لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة». إسناده جيد قوي. وقد وقع الكثير مما تحدث عنه هذا الحديث، وما أكثر معجزاته عليه الصلاة السلام، وإن كل كلمة من كلماته لمعجزة لو عقل الناس وفهموا، فعليه الصلاة والسلام. و- روى الحافظ ابن مردويه ... عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: «دعوت ربي- أن يرفع عن أمتي أربعا، فرفع الله عنهم ثنتين، وأبى علي أن يرفع عنهم ثنتين: دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض. فرفع الله عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع اثنتين: القتل والهرج». وكما قلنا من قبل إن الذي رفع إنما هو الرجم الكلي، أو الغرق الكلي، أما التعذيب الجزئي فإنه واقع، وقد رأينا الحديث السابق قد وردت فيه كلمة «بعامة» مما يدل على أن المراد الإهلاك الكلي وهو الذي رفع. ز- روى أبو جعفر الرازي في أثر عن أبي بن كعب: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ. قال: فهي أربع خلال: منها اثنتان بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة، ألبسوا شيعا، وذاق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان لا بد منهما واقعتان الرّجم والخسف. وقد وقع شئ من ذلك كما ذكرنا في عصرنا في أغادير إذ خسف بها جميعا وهي بلدة مغربية غلب عليها الفسوق والجهل- وتحدثت الإذاعات عن الأعاصير التي اجتاحت البنغال في مرحلة من المراحل، ونادرا ما يمر عام إلا ونسمع الكثير من مثل ذلك. ح- روى ابن مردويه ... عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «سألت ربي لأمتي أربع خصال فأعطاني ثلاثا، ومنعني واحدة. سألته أن لا تكفر أمتي واحدة فأعطانيها، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم، فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم

стр. 1622

عدوا من غيرهم، فأعطانيها. وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها» في هذا الحديث إشارة إلى أن هذه الأمّة لا تكفر دفعة واحدة. وهذا ما حصل، فرغم قوة الردّة عن الإسلام في عصرنا فإن الإسلام على غاية من القوة عند أهله. وبعد: فإن هذه الآية خطاب للبشرية كلها، والبشرية كلها يصيبها ما هدّدها الله به من هذه الثلاثة بلا استئصال. فكل فترة نسمع بخسف أو زلزال أو غرق، أو حرق في مكان ما من الأرض، والحروب المستعرة، والحروب المحتملة مما تشيب له الرءوس، ولكون الأمة الإسلامية جزءا من البشرية؛ فقد دعا رسول الله ﷺ ربه ليرفع عن أمته ما هددت به الآية فأجيب إلى بعضها ومنع الآخر. وقد رأينا في التعليقات على ما ذكرناه ما فيه الكفاية، ونسأل الله أن يجعلنا دائما مع الحق، ومن أهله، ومع أهله. وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ. أي: وكذّب بالقرآن قومك وهو الصدق الذي ليس وراءه حق ويحتمل أن يكون المراد: وكذّب بالعذاب قومك وهو الحق الذي لا يتخلف- إذا أراد الله- وهل المراد بقومه قريش أو العرب عامّة؟ يحتمل هذا وهذا قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ. أي: بحفيظ أو كل إليه أمركم إنّما أنا منذر لِكُلِّ نَبَإٍ. أي: لكل شئ ينبئ به القرآن من أمر الدنيا والآخرة مُسْتَقَرٌّ. أي: وقت استقرار وحصول لا بد منه وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ هذا تهديد ووعيد أكيد بوقوع ما أخبر به القرآن وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا. أي القرآن، أي يخوضون في الاستهزاء به والطّعن فيه فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ. أي: لا تجالسهم وقم عنهم حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ. أي: غير القرآن مما يحلّ فحينئذ يجوز أن تجالسهم وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ. أي: ما نهيت عنه من عدم الجلوس معهم حال الخوض منهم فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى. أي: بعد أن تتذكر مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الكافرين الجاحدين، وأي ظلم أكبر من ظلم الله بالاستهزاء بآياته وتكذيبها وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ. أي: وما على المتقين مِنْ حِسابِهِمْ. أي: من حساب هؤلاء الذين يخوضون في القرآن تكذيبا واستهزاء مِنْ شَيْءٍ. أي: وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شئ مما يحاسبون عليه من ذنوبهم وَلكِنْ ذِكْرى. أي: ولكن عليهم أن يذكّروهم إذا سمعوهم يخوضون بالقيام عنهم، وإظهار الكراهة لهم، وموعظتهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. أي: لعل هؤلاء الخائضين يتقون الله فيؤمنون، ويتركون الكفر، ويجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمسائتهم، وفي زماننا هذا حيث كثر الخوض في آيات الله، كم ينبغي أن يكون المسلم على ذكر من هذه الآية وَذَرِ الَّذِينَ

стр. 1623

اتَّخَذُوا دِينَهُمْ الذي كلّفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لَعِباً وَلَهْواً. أي: سخروا به واستهزءوا، واللهو: ما يشغل الإنسان من هوى وطرب. فما أشدّ جهل هؤلاء إذ يلعبون بالإسلام، ويلهون به وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فظنّوها الهدف والغاية، وأنّها كل شئ؛ ففتنوا ببهجتها، وزينتها، ونسوا الآخرة، وكفروا بها، أو غفلوا عنها، ومعنى ذرهم أي: اتركهم، وأعرض عنهم، ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ. أي: وعظ بالقرآن؛ مخافة أن تسلم نفس إلى الهلكة، والعذاب، وترتهن بسوء كسبها، وأصل الإبسال المنع وأي عذاب أفظع من منع دخول الجنة! فكيف إذا رافقه دخول النار! لَيْسَ لَها. أي: لهذه النفس الهالكة مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ ينصرها بالقوة وَلا شَفِيعٌ يدفع عنها بالمسألة، والمعنى وذكّر بالقرآن كيلا تبسل نفس عادمة وليا وشفيعا بكسبها وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها العدل: الفدية لأن الفادي يعدل المفدى بمثله، والمعنى: وإن تفد كل فداء لا يؤخذ منها ولا يقبل أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ الحميم: هو الماء الحارّ، والمعنى: أولئك الهلكى لهم شراب من حميم وعذاب أليم بسبب كفرهم، والمبسلون: هم الهالكون المتّخذون دين الله لعبا ولهوا. قُلْ لهؤلاء الكافرين أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ. أي: أنعبد من دون الله الضار النافع ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا. أي: ما لا يقدر على نفعنا لو دعوناه، ولا على ضرنا إن تركناه وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا. أي: أو نرد راجعين إلى الشرك؟ بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ للإسلام وأنقذنا من كل مظهر من مظاهر الشرك! كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ. أي: أننكص مشبهين من استهوته الشياطين في الأرض؛ فأضلته وذهبت به كل مذهب حَيْرانَ. أي: تائها ضالا عن الجادّة لا يدري كيف يصنع لَهُ. أي: لهذا الحيران أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى. أي: يدعونه إلى أن يهدوه الطريق، سمّى الطريق المستقيم الهدى ائْتِنا. أي: يقولون له: ائتنا، وهو ضارب في التيه لا يجيبهم، ولا يأتيهم، وهذا تشبيه للضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إليه فلا يلتفت إليهم، وهذا وجه من وجوه فهم الآية، والوجه الآخر أن أصحابه هم أولياؤه في الشر يدعونه إلى ما يزعمون أنه هدى، وما هو بهدى؛ لأن الهدى هدى الله، فيستجيب لهم ويترك هدى الله فهو واقع بين تأثيرين، تأثير شياطين الإنس، وشياطين الجن، وعلى كل حال قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ وهو الإسلام هُوَ

стр. 1624

الْهُدى. أي: وحده وما وراءه ضلال وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ. أي: قل إن هدى الله هو الهدى، وقل أمرنا لنسلم أي: لأن نسلم لرب العالمين وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ. أي: وأمرنا لأن نقيم الصلاة فصار المعنى: وأمرنا للإسلام ولإقامة الصلاة وكذلك وَاتَّقُوهُ. أي: وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في كل الأحوال وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ . أي: يوم القيامة، أمر أولا بالإعلان عن أنه لا هدى إلا هدى الله، وأن يعلن عمّا أمر به من إسلام لله، وإقام صلاة، وتقوى، وأن يعلن أن مرجع الخلق إلى الله، وهذه أمهات الهدى، فمن لم يحقق هذه في نفسه فإن أصل الهداية لم يتحقق به، ومن هنا نعلم أن كل ما عليه الخلق من غير الإسلام ضلال وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ. أي: بالحكمة أو المعنى خلقها محقا وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ اليوم هنا بمعنى الحين والمعنى أنه خلق السموات والأرض بالحق والحكمة، وحين يقول لشئ من الأشياء كن فيكون ذلك الشئ قَوْلُهُ الْحَقُّ. أي: الحكمة. أي: لا يكون شيئا من السموات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ الصور: القرن بلغة اليمن، والمعنى: أن الملك له وحده يوم ينفخ في الصور، وله الملك في كل حين ولكنّه هناك لا ينازعه منازع عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ. أي: عالم السرّ والعلانية، عالم الظاهر والباطن، عالم ما غاب عن العباد وما هو مشهود لهم وَهُوَ الْحَكِيمُ في الإفناء والإحياء الْخَبِيرُ بالحساب والجزاء. وبهذا انتهى المقطع. فوائد: ١ - [تعليق صاحب الظلال حول الآية (٦٨)] بمناسبة قوله تعالى: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وما جاء قبلها من نهي عن مخالطة الذين يخوضون بآيات الله يقول صاحب الظلال: وقد جاء في قول القرطبي في كتابه «الجامع لأحكام القرآن» بصدد الآية: «وفي هذه الآية ردّ من كتاب الله- على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج وأتباعهم لهم أن يخالطوا الفاسقين، ويصوّبوا آراءهم تقية .. ». ونحن نقول: إن المخالطة بقصد الموعظة والتذكير وتصحيح الفاسد والمنحرف من آراء الفاسقين تبيحها الآية في الحدود التي بينتها. أما مخالطة الفاسقين والسكوت عما يبدونه من فاسد القول والفعل من باب التقية فهو المحظور. لأنه- في ظاهره- إقرار

стр. 1625

للباطل، وشهادة ضد الحق. وفيه تلبيس على الناس ومهانة لدين الله وللقائمين على دين الله. وفي هذه الحالة يكون النهي والمفارقة. كذلك روى القرطبي في كتابه هذه الأقوال: «قال ابن خويزمنداد: من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر- مؤمنا كان أو كافرا- قال: وكذلك منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو، ودخول كنائسهم والبيع، ومجالسة الكفار وأهل البدع، وألا تعتقد مودتهم، ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم. وقد قال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي: اسمع مني كلمة: فأعرض عنه، وقال: ولا نصف كلمة. ومثله عن أيوب السّختياني. وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها؛ ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له. وروى أبو عبد الله الحاكم عن عائشة ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : «من وقّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام» .. فهذا كله في صاحب البدعة وهو على دين الله .. وكله لا يبلغ مدى من يدعي خصائص الألوهية بمزاولته للحاكمية؛ ومن يقره على هذا الادعاء .. فليس هذا بدعة مبتدع؛ ولكنه كفر كافر، أو شرك مشرك، مما لم يكن في زمانهم. فمنذ أن قام الإسلام في الأرض لم يبلغ من أحد أن يدعي هذه الدعوى، وهو يزعم الإسلام. ولم يقع شئ من ذلك إلا بعد الحملة الفرنسية التي خرج بعدها الناس من إطار الإسلام- إلا من عصم الله- وكذلك لم يعد في قول هؤلاء السلف ما ينطبق على هذا الذي كان! فقد تجاوز كل ما تحدثوا عنه بمثل هذه الأحكام .. ». أقول: نص فقهاؤنا على أن خلطة الفاسق مكروهة، فكيف بخلطة الكافر، ولا بدّ أن نفرّق بين الخلطة التي يقتضيها عمل دنيوي مشترك فهذه ضرورة تقدّر بقدرها، ولا مانع شرعيا منها إذا كان العمل جائزا شرعا، لقد آجر بعض الصحابة نفسه ليهود، وتعامل الرسول ﷺ في أمور المعاملات مع غير المسلمين، فهذا ممّا لا حرج فيه، وقد يضطر الإنسان بحكم عمله- أن يجالس غير المسلمين، كالمدرس في مدرسة يدرّس فيها كافر ومسلم فهذا ممّا لا حرج فيه، إلا إذا خاض هؤلاء في آيات الله طعنا واستهزاء فعليه أن يوقفهم عند حدّهم وإذا لم يستطيع فعليه أن يقوم.

стр. 1626

٢ - [المراد بالصّور في الآية (٧٣)] قال بعضهم المراد بالصور في الآية- وفي هذا المقام- جمع صورة أي: يوم ينفخ فيها فتحيا. قال ابن جرير: والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇. قال ابن جرير: والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ» وقال الإمام أحمد .... عن عبد الله بن عمرو قال: قال أعرابي: يا رسول الله ما الصور؟ قال: قرن ينفخ فيه». ثم يذكر ابن جرير حديثا طويلا رواه أبو القاسم الطبراني في كتابه المطولات، وينقل ابن كثير طرفا منه ثم يقول: هذا حديث مشهور وهو غريب جدا ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة وفي بعض ألفاظه نكارة تفرّد به إسماعيل بن رافع، قاضي أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثّقه، ومنهم من ضعّفه. ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة، كأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه هو متروك. وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر، إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء. قلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة، قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جدا، ويقال جمعه من أحاديث كثيرة وجعله سياقا واحدا، فأنكر عليه بسبب ذلك، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفا قد جمعه كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث» والذي أقوله إن هذا الحديث بعد ما رأينا من الكلام فيه يمكن أن نعتبره محاولة لإعطاء صورة متسلسلة عما سيكون من خلال نصوص متعددة، منها الصحيح، ومنها المنكر، جمعها جامعها وجعلها حديثا واحدا، وحاسبه على فعله علماء المسلمين. وسننقل ما اجتزأه منه ابن كثير مع ملاحظة ما مرّ: عن أبي هريرة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو في طائفة من أصحابه فقال: «إنّ الله لمّا فرغ من خلق السموات والأرض، خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخصا بصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر». قلت: يا رسول الله وما الصور؟ قال: «القرن» قلت كيف هو؟ قال: «عظيم والذي بعثني بالحق إن أعظم دارة فيه كعرض السموات والأرض، ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ. فينفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر، وهي كقول الله وَما

стр. 1627

يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (ص: ١٥) فيسيّر الجبال، فتمرّ مرّ السحاب فتكون سرابا، ثم ترتج الأرض بأهلها رجّا، فتكون كالسفينة المرميّة في البحر تضربها الأمواج تكفّأ بأهلها كالقنديل المعلّق في العرش ترجرجه الرّياح، وهو الذي يقول: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ* تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ* قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (النازعات: ٦، ٧، ٨) فيميد الناس على ظهرها، وتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع، حتى تأتي الأقطار، فتأتيها الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين ما لهم من أمر الله من عاصم، ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله تعالى يَوْمَ التَّنادِ (غافر: ٣٢) فبينما هم على ذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إلى قطر، فرأوا أمرا لم يروا مثله، وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقت فانتثرت نجومها، وانخسفت شمسها وقمرها». قال رسول الله ﷺ : «الأموات لا يعلمون بشيء من ذلك». قال أبو هريرة: يا رسول الله من استثنى الله- حين يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ؟ (النمل: ٨٧) قال: «أولئك الشهداء». وإنّما يصل الفزع إلى الأحياء، وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم، وآمنهم منه، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه. قال: وهو الذي يقول الله- يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (الحج: ٢) فيكونون في ذلك العذاب ما شاء الله إلا أنّه يطول، ثمّ يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فينفخ نفخة الصعق، فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا، وجاء ملك الموت إلى الجبار- فيقول: يا رب، قد مات أهل السموات والأرض إلا من شئت، فيقول الله- وهو أعلم بمن بقي- فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل، وبقيت أنا، فيقول الله- ليمت جبريل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول: يا رب يموت جبريل وميكائيل؟ فيقول: اسكت، فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي، فيموتان، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب قد مات جبريل وميكائيل. فيقول الله- وهو أعلم بمن بقي- فمن بقي؟ فيقول بقيت أنت

стр. 1628

الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة عرشك، وبقيت أنا، فيقول الله ليمت حملة عرشي، فيموتوا، ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا رب قد مات حملة عرشك فيقول الله- وهو أعلم بمن بقي- فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت أنا فيقول الله: أنت خلق من خلقي، خلقتك لما رأيت، فمت فيموت، فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار، الأحد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، كان آخرا كما كان أولا طوى السموات والأرض طيّ السّجلّ للكتب، ثم دحاهما ثم يلقفهما ثلاث مرات، ثم يقول أنا الجبار أنا الجبار ثلاثا ثم هتف بصوته لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ثلاث مرات فلا يجيبه أحد ثم يقول لنفسه لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ يقول الله يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ فيبسطهما ويسطحهما ثم يمدّهما مدّ الأديم العكاظي لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ثم يزجر الله الخلق زجرة، فإذا هم في الأرض المبدلة مثل ما كانوا فيها من الأولى، من كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثمّ ينزل الله عليهم ماء من تحت العرش، ثم يأمر الله السماء أن تمطر، فتمطر أربعين يوما، حتى يكون الماء فوقهم اثنى عشر ذراعا، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت فتنبت كنبات الطراثيث- أو كنبات البقل- حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت قال الله- ليحيى حملة عرشي فيحيون، ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور، فيضعه على فيه ثمّ يقول: ليحيى جبريل وميكائيل فيحييان، ثم يدعو الله الأرواح فيؤتى بها تتوهج أرواح المسلمين نورا، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقبضها جميعا، ثمّ يلقيها في الصور، ثمّ يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنّها النحل، قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، فتدخل في الخياشيم، ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السّمّ في اللديغ، ثم تنشقّ الأرض عنهم، وأنا أول من تنشق الأرض عنه، فتخرجون سراعا إلى ربكم تنسلون مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (القمر: ٨) حفاة عراة غرلا فتقفون موقفا واحدا، مقداره سبعون عاما، لا ينظر إليكم، ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع ثم تدمعون دما، وتعرقون حتى يلجمكم العرق- أو يبلغ الأذقان- وتقولون من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فتقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلّمه قبلا، فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه فيأبى ويقول: ما أنا بصاحب ذلك

стр. 1629

فيستقرءون الأنبياء نبيا نبيا كلما جاءوا نبيا أبى عليهم- قال رسول الله ﷺ : «حتى تأتوني فأنطلق إلى الفحص فأخر ساجدا» قال أبو هريرة: يا رسول الله وما الفحص؟ قال: «قدام العرش حتى يبعث الله إليّ ملكا فيأخذ بعضدي ويرفعني فيقول لي: يا محمد فأقول: نعم يا رب. فيقول الله- : ما شأنك- وهو أعلم- فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم، قال الله: قد شفعتك، أنا آتيكم أقضي بينكم» قال رسول الله ﷺ : «فأرجع فاقف مع الناس، فبينما نحن وقوف إذ سمعنا من السماء حسّا شديدا، فهالنا فينزل أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافّهم، وقلنا لهم: أفيكم ربنا، قالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة، وبمثلي من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافّهم، وقلنا لهم أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، وهو آت، ثمّ ينزلون على قدر ذلك من التضعيف حتى ينزل الجبّار- في ظلل من الغمام والملائكة فيحمل عرشه يومئذ ثمانية- وهم اليوم أربعة- أقدامهم في تخوم الأرض السفلى، والأرض والسموات إلى حجزهم، والعرش على مناكبهم، لهم زجل في تسبيحهم، يقولون: سبحان ذي العرش والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبّوح قدوس قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى، رب الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى، الذي يميت الخلائق ولا يموت. فيضع الله كرسيه حيث يشاء من أرضه، ثم يهتف بصوته: يا معشر الجن والإنس إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع قولكم، وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليّ، فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه، ثمّ يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم، ثم يقول أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ* وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ* هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ أو- بها تكذبون- شك أبو عاصم وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ فيميز الله الناس، وتجثو الأمم يقول الله تعالى: وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

стр. 1630

(الجاثية: ٢٨) فيقضي الله- بين خلقه إلا الثقلين: الجن والإنس، فيقضي بين الوحوش، والبهائم، حتى إنه ليقضي للجماء من ذات القرن، فإذا فرغ من ذلك فلم تبق تبعة عند واحدة للأخرى، قال الله لها كوني ترابا، فعند ذلك يقول الكافر يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (النبأ: ٤٠) ثم يقضي الله بين العباد، فكان أول ما يقضي فيه الدماء، ويأتي كل قتيل في سبيل الله، ويأمر الله- كل قتيل فيحمل رأسه تشخب أوداجه فيقول: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول- وهو أعلم-: فيم قتلتهم؟ فيقول: قتلتهم لتكون العزة لك، فيقول الله له: صدقت. فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس، ثم تمر به الملائكة إلى الجنة. ثم يأتي كل من قتل على غير ذلك يحمل رأسه تشخب أوداجه فيقول: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول- وهو أعلم-: لم قتلتهم؟ فيقول يا رب قتلتهم لتكون العزة لى فيقول: تعست. ثم لا تبقي نفس قتلها إلا قتل بها، ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها، وكان في مشيئة الله إن شاء عذّبه، وإن شاء رحمه، ثمّ يقضي الله تعالى بين من بقي من خلقه حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله للمظلوم من الظالم، حتى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه إلى أن يخلص اللبن من الماء، فإذا فرغ الله من ذلك، نادى مناد يسمع الخلائق كلهم، ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله، فلا يبقى أحد عبد من دون الله إلا مثّلت له آلهته بين يديه، ويجعل يومئذ ملك من الملائكة على صورة عزير، ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى ابن مريم، ثم يتبع هذا اليهود، وهذا النصارى، ثم قادتهم آلهتهم إلى النار وهو الذي يقول: لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (الأنبياء: ٩٩) فإذا لم يبق إلا المؤمنون فيهم المنافقون، جاءهم الله فيما شاء من هيئته، فقال: يا أيها الناس، ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون والله ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبد غيره، فينصرف عنهم، وهو الله الذي يأتيهم فيمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يأتيهم فيقول: يا أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون والله ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبد غيره، فيكشف لهم عن ساقه، ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون أنه ربهم، فيخرّون للأذقان سجدا على وجوههم ويخرّ كل منافق على قفاه، ويجعل الله أصلابهم كصياصي البقر، ثم يأذن الله لهم فيرفعون ويضرب الله الصراط بين ظهراني جهنم كحد الشفرة- أو كحد السيف- عليه كلاليب، وخطاطيف، وحسك كحسك السعدان، دونه جسر دحض مزلّة، فيمرون كطرف العين، أو كلمح البرق، أو كمرّ

стр. 1631

الرّيح، أو كجياد الركاب، أو كجياد الرجال، فناج سالم، وناج مخدوش، ومكردس على وجهه في جهنم، فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة. قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون من أحقّ بذلك من أبيكم آدم ﵇، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلّمه قبلا، فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه، فيذكر ذنبا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بنوح فإنه أول رسل الله، فيؤتى نوح فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول عليكم بإبراهيم، فإن الله اتخذه خليلا، فيؤتى إبراهيم، فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك ويقول: عليكم بموسى فإن الله قرّبه نجيا، وكلّمه، وأنزل عليه التوراة، فيؤتى موسى، فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بروح الله وكلمته، عيسى ابن مريم، فيؤتى عيسى ابن مريم فيطلب ذلك إليه فيقول ما أنا بصاحبكم ولكن عليكم بمحمد». قال رسول الله ﷺ : «فيأتوني ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن، فأنطلق فآتي الجنة، فآخذ بحلقة الباب، فأستفتح، فيفتح لي، فأحيّا ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجدا، فيأذن الله لي من تحميده، وتمجيده، بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد، واشفع تشفّع، وسل تعطه، فإذا رفعت رأسي يقول الله- وهو أعلم- ما شأنك؟ أقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفّعني في أهل الجنة فيدخلون، فيقول الله شفّعتك وقد أذنت لهم في دخول الجنة» وكان رسول الله ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده، ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم، ومساكنكم، من أهل الجنة بأزواجهم، ومساكنهم، فيدخل كل رجل منهم على اثنين وسبعين زوجة، سبعين مما ينشئ الله- وثنتين آدميتين من ولد آدم، لهما فضل على من أنشأ الله، لعبادتهما الله في الدنيا، فيدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة، على سرير من ذهب، مكلل باللؤلؤ، عليها سبعون زوجا من سندس وإستبرق، ثم إنه يضع يده بين كتفيها، ثم ينظر إلى يده من صدرها، ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت، كبدها له مرآة وكبده لها مرآة. فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله، ما يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره وما تشتكي قبلها، فبينا هو كذلك، إذ نودي إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل- إلا أنه لا منيّ ولا منيّة- إلا أنّ لك أزواجا غيرها، فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة، كلما أتى واحدة

стр. 1632

قالت له: والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك، ولا في الجنة شئ أحبّ إليّ منك. وإذا وقع أهل النار في النار، وقع فيها خلق من خلق ربك، أوبقتهم أعمالهم، فمنهم من تأخذ النار قدميه لا تجاوز ذلك، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم من تأخذه جسده كله إلا وجهه حرّم الله صورته عليها» قال رسول الله ﷺ : «فأقول: يا رب شفّعني فيمن وقع في النار من أمّتي. فيقول: أخرجوا من عرفتم، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يأذن الله في الشفاعة، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع، فيقول الله: أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار إيمانا، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يشفع الله فيقول: أخرجوا من وجدتم في قلبه إيمانا ثلثي دينار. ثم يقول: ثلث دينار ثم يقول: ربع دينار. ثم يقول: قيراطا. ثم يقول حبة من خردل، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، وحتى لا يبقى في النار من عمل لله خيرا قطّ، ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع، حتى أن إبليس ليتطاول مما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له، ثم يقول: الله بقيت وأنا أرحم الراحمين. فيدخل يده في جهنم فيخرج منها ما لا يحصيه غيره، كأنهم حمّم فيلقون على نهر يقال له نهر الحيوان، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فما يلي الشمس منها أخيضر، وما يلي الظل منها أصيفر، فينبتون كنبات الطراثيث، حتى يكونوا أمثال الذر، مكتوب في رقابهم «الجهنميون عتقاء الرحمن، يعرفهم أهل الجنة بذلك الكتاب، ما عملوا خيرا لله قط، فيمكثون في الجنة ما شاء الله، وذلك الكتاب في رقابهم، ثم يقولون ربنا امح عنا هذا الكتاب فيمحوه الله- عنهم». كلمة في السياق: لقد رأينا هذا المقطع في جولتيه أنه ناقش الكافرين وهذا يقابل قوله تعالى في سورة البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وتحدث كثيرا عن الرجوع إلى الله، وناقش كفر الكافرين في ذلك وهذا يقابل ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وتحدث عن خلق السموات والأرض، وعن كثير من سننه في الأرض، وعن مظاهر علمه، وهذا فيه رشحة من قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فالمقطع كله إذن يخدم المحور، وكما انسجم المقطع مع السياق القرآني العام، فإنّ المقطع منسجم في تسلسله الخاص، إذ تحدّث عن

стр. 1633

مجموعة مظاهر من مظاهر قهر الله، وعلمه، وحكمته، وهي المعاني التي بدأ بها المقطع، والتي يدور المقطع في سياقه الخاص حولها، والكفر بدايته واحدة ولكن منحنياته ومنعرجاته كثيرة جدا، وقد ناقش المقطع كثيرا من هذه المنحنيات والمنعرجات، والإيمان بالله بدايته واحدة، ولكنه يبتنى عليه مواقف وسلوكيات، وقد حدّد المقطع كثيرا من مواقف وسلوكيات الإيمان بالله، والإيمان بالله يقتضي فهما لحوادث الكون على شكل معيّن، وقد حدّد المقطع كثيرا من الفهوم لأسرار هذا الكون على حقيقتها. وكنّا ذكرنا من قبل أنّ المقطع سائر على النسق المستمر للسياق الخاص للسورة في معالجة الشرك والامتراء، وتقرير خلق الله للأشياء، واستحقاق الله الحمد مما تعرضت له مقدمة السورة. والآن يأتي مقطع آخر هو المقطع الثالث في القسم الأول من سورة الأنعام. وهو يعرض لقضايا التوحيد، ولقضايا الشرك، من خلال قصة إبراهيم وعرضه لمسيرة موكب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على مرّ العصور. وبهذا يستكمل القسم الأول من أقسام سورة الأنعام مسيرته الطويلة في التقرير والعرض والمناقشة وتأكيد ما ينبغي أن يؤكّد. ***

стр. 1634

المقطع الثالث ويمتد من الآية (٧٤) إلى نهاية الآية (٩٤) وهذا هو: ٦/ ٨٣ - ٧٤

стр. 1635

٦/ ٩٢ - ٨٤

стр. 1636

٦/ ٩٤ - ٩٣ كلمة في المقطع: يبدأ المقطع بالكلام عن التوحيد من خلال الكلام عن إبراهيم ﵇، وينتهي بعرض مشهد من مشاهد يوم القيامة يؤنّب فيه المشركون: وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ وفي وسط المقطع نرى كلاما عن دعاة التوحيد وهم الرّسل عليهم الصلاة والسلام ومن والاهم. وفي البداية والنهاية والوسط نجد نقاشا وحوارا مع أهل الشّرك والكفر ممّا يؤكد وحدة المقطع، كما يؤكد صلته بالسياق الخاص لسورة الأنعام الذي حددته الآيات الأولى فيها: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ والمقطع يحدثنا عن كفر الكافرين بالله، وشرك المشركين به، كما يحدثنا عن حال هؤلاء الكافرين إذا رجعوا إلى الله، وذلك له صلة بمحور السورة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ لاحظ قوله تعالى في المقطع على لسان إبراهيم ﵇ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وقوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ إنّه من ملاحظة ذلك ندرك الصلة بين المقطع ومحور السورة من البقرة.

стр. 1637

وبعد هذا الذي قدّمناه عن وحدة المقطع، ومحله في السياق الخاص لسورة الأنعام، وصلته بمحور السّورة من البقرة، فلننقل ما قدّم به سيد قطب لهذا المقطع مبيّنا وحدته وتلاحمه قال ﵀: «هذا الدرس بطوله لحمة واحدة؛ يتناول موضوعا متصل الفقرات .. إنه يعالج الموضوع الأساسي في السورة- وهو بناء العقيدة على قاعدة من التعريف الشامل بحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية. وما بينهما من ارتباطات- ولكنه يعالجه في أسلوب آخر غير ما جرى به السياق منذ أول السورة .. يعالجه في أسلوب القصص والتعقيب عليه .. مع استصحاب المؤثرات الموحية التي تزخر بها السورة .. ومنها مشهد الاحتضار الكامل السمات؛ وذلك كله في نفس طويل رتيب يتوسط الموجات المتلاحقة التي تحدثنا عنها في تقديم السورة .. والدرس- في جملته- يعرض موكب الإيمان الموصول منذ نوح- ﵇ إلى محمد ﷺ ، وفي مطلع هذا الموكب يستعرض حقيقة الألوهية- كما تتجلى في فطرة عبد من عباد الله الصالحين، إبراهيم ﵇ ويرسم مشهدا رائعا حقا للفطرة السليمة، وهي تبحث عن إلهها الحق، الذي تجده في أعماقها، بينما هي تصطدم في الخارج بانحرافات الجاهلية وتصوراتها .. إلى أن يخلص لها تصور حق، يطابق ما ارتسم في أعماقها عن إلهها الحق. ويقوم على ما تجده في أطوائها من برهان داخلي هو أقوى وأثبت من المشهود المحسوس. ذلك حين يحكي السياق عن إبراهيم ﵇ بعد اهتدائه إلى ربه الحق، واطمئنانه إلى ما وجده في قلبه منه: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ. قالَ: أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ؟ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ. إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً، وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً، أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ؟ وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً؟ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟. ثم يمضي السياق مع موكب الإيمان الموصول؛ يقوده الرهط الكريم من رسل الله على توالي العصور؛ حيث يبدو شرك المشركين وتكذيب المكذبين لغوا لا وزن له. يتناثر على جانبي الموكب الجليل، الماضي في طريقه الموصول. وحيث يلتحم آخره مع أوله، فيؤلف الأمة الواحدة، يقتدي آخرها بالهدى الذي اهتدى به أولها، دون اعتبار لزمان أو مكان ودون اعتبار لجنس أو قوم، ودون اعتبار لنسب أو لون .. فالحبل الموصول

стр. 1638

بين الجميع هو هذا الدين الواحد الذي يحمله ذلك الرهط الكريم. إنه مشهد رائع كذلك؛ يبدو من خلال قول الله تعالى لرسوله الكريم بعد استعراض الموكب العظيم: ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ* أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ. قُلْ: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ. وبعد استعراض هذا الموكب الجليل يأتي التنديد بمن يزعمون أن الله لم يرسل رسلا، ولم ينزل على بشر كتابا .. إنهم لم يقدروا الله حق قدره. فما قدر الله حق قدره من يقول: إنه- سبحانه- تارك الناس لأنفسهم وعقولهم وما يتعاورها من الأهواء والشهوات والضعف والقصور. فما يليق هذا بألوهية الله وربوبيته، وعلمه وحكمته، وعدله ورحمته .. إنما اقتضت حكمة الله وعلمه ورحمته وعدله أن يرسل إلى عباده رسلا، وأن ينزل على بعض الرسل كتبا، ليحاولوا جميعا هداية البشر إلى بارئها، واستنقاذ فطرتها من الركام الذي يرين عليها، ويغلق منافذها، ويعطل أجهزة الالتقاط والاستجابة فيها .. ويضرب مثلا الكتاب الذي أنزل على موسى. وهذا الكتاب الذي يصدق ما بين يديه من الكتب جميعا .. وينتهي الدرس الطويل المتلاحم الفقرات باستنكار الافتراء ممن يفتري على الله، وادعاء من يزعم أنه يوحى إليه من الله، وادعاء القدرة على تنزيل مثل ما أنزل الله .. وهي الدعاوى التي كان يدّعيها بعض من يواجهون الدعوة الإسلامية، وفيهم من ادعى الوحي وفيهم من ادعى النبوة. وفي الختام يأتي مشهد الاحتضار المكروب للمشركين: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ، وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ* وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ! لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ، وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وهو مشهد كئيب مكروب رعيب، يجلله الهون، ويصاحبه التنديد والتأنيب جزاء

стр. 1639

الاستكبار والإعراض والافتراء والتكذيب». أقول: إنه في السورة التي تناقش الكافرين، وتقيم عليهم الحجة يأتي في وسطها- تقريبا- هذا المقطع الذي يذكر الله- فيه حوار إبراهيم لأبيه وقومه، وما منّ الله به على إبراهيم وذريّته- ومنهم محمّد ﷺ وكيف أنّه مع كثرة الوحي واستمراره وظهوره في التاريخ يوجد من ينكر أصل الوحي مع وجود التوراة وظهور هذا القرآن. وفي هذا السياق يبيّن الله- أنه لا أظلم من الكاذبين على الله، أو المدّعين أن الله أوحى إليهم ولم يوح، أو المتحدّين لله في وحيه. هؤلاء يذكّرنا الله- كيف تكون وفاتهم وكيف يكون قدومهم على الله. فالمقطع يبني في سياق السورة لبنات في صرح التعريف على الله- وسننه، ويقيم الحجة على الكافرين، ويدلّ على طريق الإيمان، وصلة ذلك بمحور السورة، ومحلّه من مقطعه، وامتدادات هذا المحور في سورة البقرة، تكاد لا تخفى على المتأمل. المعنى العام للمقطع: بعد إذ قامت الحجة على أهل الكفر، وأتتهم الموعظة، وعلم أهل الإيمان كيف ينبغي أن يقولوا وأن يفعلوا .. يأتي هذا المقطع مبتدئا بالكلام عن إبراهيم ﵇ إذ يناقش أباه، متعجبا من عبادته غير الله، مبينا له أنه هو والسالكين مسلكه تائهون، لا يهتدون أين يسلكون، بل هم في حيرة وجهل، وأمرهم في الجهالة والضلال بيّن واضح لكل ذي عقل سليم، إذ يعبدون الأصنام من دون الله، ومن بداية المقطع نعلم أن هذا المقطع سائر على النسق العام للسورة في التعجيب من الكفر ومناقشة أهله من خلال قصة أبي الأنبياء مع قومه. ثم قص الله- في هذا المقام كيف أنه أرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض، وهل هذه الرؤية بيان لوجه الدلالة على وحدانية الله، أو هذه الرؤية رؤية كشف قلبي روحي من باب انكشاف شئ من عالم الغيب؟ قال ابن كثير: فيحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عيانا، ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة، والدلالات القاطعة، من أجل أن يصل إلى اليقين الكامل، ثمّ قصّ الله- قصة قوله عن النجم، ثم عن القمر، ثم عن الشمس هذا رَبِّي ورفضه لربوبية

стр. 1640

النجم، ثم القمر، ثم الشمس، واختلف المفسرون في هذا المقام، هل هو مقام نظر أو مناظرة، أي هل فعلا كان ينتقل في التأمل حتى وصل إلى ربوبية الله؟ أو أنه كان يناظر قومه في هذا الكلام؟ وهل في قوله: هذا رَبِّي استفهام أو تقرير؟. رجّح ابن جرير أن المقام مقام نظر. ورجّح ابن كثير أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه، مبيّنا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام. قال ابن كثير: فبيّن في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام، التي هي على صور الملائكة السماوية، ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم، الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسّلون إليه بعبادة ملائكته، ليشفعوا لهم عنده في الرّزق والنّصر، وغير ذلك ممّا يحتاجون إليه، وبيّن في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيّزة، وهي القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشترى، وزحل، وأشدّهن إضاءة وأشرقهن عندهم الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة، فبيّن أولا صلوات الله وسلامه عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية؛ فإنها مسخّرة، مقدّرة بسير معيّن لا تزيغ عنه يمينا ولا شمالا، ولا تملك لنفسها تصرفا، بل هي جرم من الأجرام، خلقها الله منيرة؛ لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار، ثم تبدو في الليلة القابلة على- هذا المنوال- ومثل هذه لا تصلح للإلهية، ثم انتقل إلى القمر فبيّن فيه مثل ما بيّن في النّجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع، وأقام عليهم الحجة بأنه لا شئ من هذه المخلوقات مهما كبرت وعظمت يستحق الربوبية، أعلن براءته من عبادتهن، وموالاتهن، وأعلن أنه إنما يعبد خالق هذه الأشياء، ومخترعها، ومسخّرها، ومقدّرها، ومدبّرها، الذي بيده ملكوت كل شئ، وخالق كل شئ، وربه ومليكه وإلهه، ثم أخبر تعالى عن خليله حين جادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد، وناظروه بشبه من القول كيف أنكر عليهم أن يجادلوه في أمر الله، وأنه لا إله إلا هو، وقد بصّره الله وهداه إلى الحق، وأنّه على بيّنة من ربه، فكيف يلتفت إلى أقوالهم الفاسدة، وشبههم الباطلة، ومن ذلك تخويفهم إياه بآلهتهم، والدليل قائم على بطلان قولهم فيما ذهبوا إليه، وذلك أنّ هذه الآلهة التي يعبدونها لا تؤثّر شيئا؛ فهو لا يخافها، ولا يباليها؛ إذ لا يضر ولا ينفع إلا الله الذي أحاط علمه بجميع الأشياء، فلا تخفى عليه خافية، فكيف لا يعتبرون ولا يتعظون، ولا ينزجرون، ثم أقام عليهم الحجة

стр. 1641

بتبيان أنّ الأحقّ بالأمن هو من يعبد الله الذي يملك الضّرّ والنفع، وأن الأحق بالخوف هو الذي لا يعبده، وأن الذين اجتمع لهم الإيمان والإخلاص والتوحيد هم المستحقون للأمن في الدنيا وفي الآخرة. ثمّ ذكر الله- أنّ هذه الحجّة منّة من الله على إبراهيم، وبها تقوم الحجة على قومه، وليس مثل حجّة الله حجّة، وليس مثل علمه علم، ولكن الكفر يرفض الحجّة لا لقصور فيها بل لعمى وصمم عند أهله. ثمّ ذكر الله ما منّ به على إبراهيم من رزقه إسحاق، بعد أن طعن في السن، ومن بعده يعقوب بن إسحاق، وكان هذا مجازاة لإبراهيم ﵇ حين اعتزل قومه، وتركهم، ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهبا إلى عبادة الله في الأرض، فعوّضه الله عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه، وعلى دينه، كإسحاق ويعقوب، وكلّا منّ عليه بالهداية الكاملة، التي هي النّبوة والرّسالة، مثل ما منّ الله على نوح ﵇ من قبل بالهداية الكاملة، والذريّة الصالحة الباقية، فكلّ من في الأرض من الخلق ذريّته، وقد جعل الله من ذرية إبراهيم ﵇ الأنبياء والرّسل الكثيرين: داود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس. وكل هؤلاء قد ذكروا في هذا السياق، وذكر معهم لوط كذلك، وليس من ذرية إبراهيم الحسّية بل هو من أبنائه في المعنى، لأنّه قد استجاب لدعوته، وكما منّ الله على هؤلاء بالهداية، فقد منّ على كثير من آبائهم، وذريّاتهم، وإخوانهم بالهداية والاجتباء؛ وتلك سنة الله يهدي من يشاء ممّن استجاب لدعوته ولم يشرك به معه غيره. وفي هذا السياق ذكر الله أنّ هؤلاء جميعا لو أشركوا لأحبط الله أعمالهم، وفي ذلك تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته، وهكذا يتّضح لنا ما منّ الله به على إبراهيم، من التّوحيد والدّعوة إليه، ورفض الشرك، وإقامة الحجة على أهله، وأن ذلك لم يزل دأب المهتدين من قبله ومن بعده وإن الشرك لا يرافقه إلا حبوط العمل، ثمّ قرّر الله- أنّ هؤلاء المذكورين قد آتاهم الله الكتاب والحكم والنّبوة، أنعم عليهم بذلك رحمة للعباد؛ ولطفا منه بالخليقة، فإن يكفر من كفر بالكتاب والحكمة والنّبوة- كأهل مكة وغيرهم من سائر أهل الأرض من عرب وعجم ومجوس وكتابيين-، فقد وكّل الله بها من لا يكفر بها، ولا يجحد منها شيئا، ولا يردّ منها حرفا إلى يوم القيامة، بل يؤمنون بجميعها محكمها ومتشابهها. ثمّ قرر الله- أنّ هؤلاء الذين سبق ذكرهم هم أهل الهدى، فعلى رسول الله ﷺ أن يقتدي بهم وبهداهم، وهو أمر لأمّته جميعا؛ إذ إنّ أمّته تبع له فيما يشرّعه

стр. 1642

ويأمرهم به، وبعد أن أمر الله رسوله ﷺ أن يقتدي بهؤلاء، أمره أن يعلن أنّه لا يطلب من أحد أجرا على البلاغ والتبليغ لدعوة الله وكتابه، وأنّه ما يريد بهذا البلاغ وهذا القرآن إلا أن يذكّر الخلق جميعا من أجل أن يرشدوا من العمى إلى الهدى، ومن الغيّ إلى الرّشاد، ومن الكفر إلى الإيمان. وهكذا استقرّ السياق على الكلام على محمد ﷺ ودعوته ودينه ومهمته، وأنه استمرار لإبراهيم في ذريته ودعوته، وأنه على سنّة الرسل السابقين، غير مبتدع بل متّبع، وإذ استقر السياق على هذا فقد بدأ السياق يناقش من يكفر بدعوة محمد ﷺ ، ويناقش بعض أفكارهم وكلامهم، فبيّن أنّ الذين يزعمون أنّ الله لم ينزل على أحد من خلقه وحيا لم يعرفوا الله حق معرفته، ولم يعظّموه حقّ تعظيمه، وفي هذا دليل على أن السورة كلها تناقش الكفر بالله، وما يترتب على الكفر، كما تصف الإيمان، وما يترتب على هذا الإيمان، مع تذكيرها بنعم الله على الإنسان، وتذكيرها بصفات الله، وهذا كله ينسجم مع محور السورة العام، وهما آيتا البقرة اللتان أشرنا إليهما في أكثر من مكان. ولنرجع إلى السياق. فإذ كان قائلو هذا الكلام يوم نزول القرآن هم اليهود أمر الله رسوله ﷺ أن يقول لهؤلاء المنكرين لإنزال شئ من الكتب من عند الله أمره أن يذكر لهم قضية جزئية تقوم بها الحجة، جوابا على نفيهم العام وهي: من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى وهو التوراة التي قد علمتم- وكل أحد- أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران نورا وهدى للناس؛ ليستضاء بها في كشف المشكلات؛ ويهتدى بها من ظلم الشبهات. هذه التوراة التي تظهرون منها ما تظهرون، وتحرّفون منها ما تحرّفون، وتبدّلون وتتأولون منها ما تتأولون، وتكتمون منها ما تكتمون. ومن أنزل هذا القرآن الذي علّم الله فيه الخلق من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي مما لا يحيط به أحد. من أنزل هذا كله إلا الله؟ ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يقول جوابا على هذا السؤال غير منتظر جوابهم: الله، وأن يدعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون حتى يأتيهم من الله اليقين؛ فسوف يعلمون ألهم العاقبة أم لعباد الله المتقين. نفهم من هذا كله أن الإيمان بالله، والمعرفة له، يقتضيان إيمانا بأن الله يهدي عباده، وينزل عليهم وحيا وكتبا، فمن زعم أن الله لا يتدخل في هداية عباده، أو لا يرسل رسلا، أو لا يوحي وحيا، فإنه ما عرف الله ولم يهتد بهداه، ولم يعظّمه التعظيم اللائق به. وإذ يستقر هذا المعنى يقرّر الله أنّه هو الذي أنزل هذا القرآن، وجعله مباركا، وجعله يصدّق الكتب السابقة عليه، وأنّه أنزله من أجل أن ينذر به الخلق جميعا، مبتدئا

стр. 1643

بمكة العظيمة أمّ الدنيا جميعها. ثمّ بيّن أنّ من آمن بالله وباليوم الآخر فإنّه يؤمن بهذا القرآن ويقيم الصلاة ويحافظ عليها، ومن ثمّ نعلم أنّه ما من إنسان لا يؤمن بهذا القرآن إلا وهو كافر باليوم الآخر، أو أن إيمانه باليوم الآخر غير صحيح. وإذ تقرّر أنّ من أصل الإيمان بالله ومن أصل معرفته وتعظيمه: الإيمان بما أنزل؛ فإن الله يقرّر بعد ذلك أنّه لا أحد أظلم ممّن كذب على الله فجعل له شركاء أو ولدا، أو ادّعى أنّ الله أرسله إلى النّاس ولم يرسله، وكذلك من ادّعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي بما يفتريه من القول، ثمّ بيّن حال هؤلاء الظالمين إذ هم في سكرات الموت وغمراته وكرباته، والملائكة تضربهم وتعذبهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم، قائلين لهم: اليوم تهانون غاية الإهانة؛ كما كنتم تكذبون على الله، وتستكبرون عن اتّباع آياته، والانقياد لرسله، ويوم القيامة يقال لهم: كما بدأناكم أعدناكم، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه فها هو قد جاء، وكل ما أعطيناكم في الحياة الدنيا من النّعم والأموال والجاه وغير ذلك تركتموه وراء ظهوركم، فأين آلهتكم المزعومة التي أشركتموها مع الله في العبادة؟! لقد تقطعت ما بينكم وبينهم من الوشائج والصلات، وذهب عنكم، وضاع ما كنتم تزعمونه من رجاء في الأصنام والأنداد. وهكذا عرض الله علينا ما يناله هؤلاء الظالمون من تقريع وتوبيخ ساعة موتهم ويوم بعثهم، وما بعد ذلك من العذاب أشد؛ لأنّهم لم يؤمنوا بالله حقّ الإيمان، ولم يعظّموه حقّ التّعظيم، ولم يعرفوه حق المعرفة، بحيث يؤمنون به، وبصفاته التي تقتضي إيمانا باليوم الآخر، وإيمانا بالرّسل، وإيمانا بالوحي، وبعدا عن الكذب عليه أو تكذيب رسله. وبتقرير هذه المعاني ينتهي المقطع، بعد إذ تقرر فيه أن من مقتضيات الإيمان بالله توحيده وخوفه وحده. وأنّ من منن الله على من وحّده أن يهديه، وأنّ محمدا ﵊ مظهر من مظاهر استمرار التوحيد والهداية، وأنه لا يزال أهل التوحيد والهداية موجودين، وأن من تعظيم الله وكمال معرفته الإيمان بأنه ينزل وحيا ويرسل رسلا، وأن محمدا عليه الصلاة السلام هو الذي يعظم الله حق التعظيم، ويعرفه حق المعرفة، وأن قرآنه مما أنزل الله، وأن من لم يؤمن بالقرآن، أو ادّعى على الله ما لم يتصف به، أو ادّعى أن الله أنزل عليه ولم ينزل أظلم الخلق، وأن هؤلاء الظالمين سيرون مغبة ظلمهم توبيخ، وتقريع، يوم يموتون، ويوم يبعثون، وهذه المعاني كلها لها صلة

стр. 1644

ما بالمحور العام للسورة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .... كما أن لها صلة بالسياق الخاص لسورة الأنعام؛ ولذلك ذكر في أول المقطع وأوسطه الشرك، والمقطع بمجموعه يعمّق المعنى الصحيح للتوحيد. فائدة: [تكرار القصص في القرآن لخدمة السياق] نلاحظ هنا أنه قد ذكر إبراهيم في سورة الأنعام، ومن قبل ذكر في سورة البقرة وغيرها. ويذكر في سور كثيرة من القرآن. وكذلك غيره من الرّسل، كما تذكر قصص أقوام في أكثر من مكان. والشئ الذي ينبغي أن نلاحظه أنه في كل مكان تذكر قصة، أو تكرر، فإنها تذكر لتخدم غرضا يتفق مع السياق الخاص، ويتفق مع السياق القرآني العام، ومن ثم فإنها تؤدي حيث ذكرت غرضا خاصا في محلها، فقصة إبراهيم ﵇ في سورة البقرة تؤدي غرضا ينسجم مع السياق الخاص والعام في سورة البقرة؛ حيث تخدم موضوع القيام حق القيام بأمر الله، وقصة إبراهيم ﵇ هنا تخدم موضوع الإيمان بالله، والطريق إليه، وما يقتضيه هذا الإيمان من أمن، وما يكافئ الله- به أهل التوحيد. وهكذا، ومن تأمّل كيف أنّ القصّة الواحدة تؤدي كل مرة غرضا خاصا في سياقها الجزئي والكلي، إن من تأمل هذا الموضوع ظهر له شئ من إعجاز هذا القرآن وكيف أنّه لا تنقضي عجائبه. المعنى الحرفي للمقطع: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً هذا استفهام توبيخي أي أتتخذها آلهة وهي لا تستحق الإلهية إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. أي: في ضلال بيّن واضح، وأيّ ضلال أكبر من اتّخاذ غير الله إلها وَكَذلِكَ. أي: وكما أريناه قبح الشرك نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الملكوت من الملك لأن الواو والتاء تزادان للمبالغة والمعنى وكما أريناه قبح الشرك أرينا بصيرته لطائف خلق السموات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. أي: أريناه ذلك من أجل أن يكون من الموقنين، أو من أجل أن يستدل ويكون من الموقنين عيانا كما أيقن بيانا فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ. أي: أظلم وهو معطوف على وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ. رَأى كَوْكَباً قال النسفي: أي الزهرة أو المشتري، وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم وأن يرشدهم إلى

стр. 1645

طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أنّ النّظر الصحيح مؤد إلى أن شيئا منها ليس بإله، لقيام دليل الحدوث فيها، ولأن محدثا أحدثها، ومدبرا دبّر طلوعها وأفولها، وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها. وقد بدأ لمّا رأى الكوكب الذي كانوا يعبدونه .. قال لهم: قالَ هذا رَبِّي. أي: في زعمكم، أو المراد أهذا ربي؟ استهزاء بهم وإنكارا عليهم، والعرب تكتفي عن حرف الاستفهام بنغمة الصوت، والصحيح أن هذا قول من ينصف خصمه مع علمه أنه مبطل، فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه، لأنّه أدعى إلى الحق، وأنجى من الشغب عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة فَلَمَّا أَفَلَ. أي: غاب قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. أي: لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين من حال إلى حال. لأنّ ذلك من صفات المخلوقين لا الخالق فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً. أي: مبتدئا في الطلوع قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. أي: نبّه قومه بهذا على أن من اتخذ القمر فهو ضالّ، وإنّما احتج عليهم بالأفول دون البزوغ- وكلاهما انتقال من حال إلى حال- لأن الاحتجاج بالأفول على بطلان الإلهية أظهر؛ لأنّه انتقال مع خفاء واحتجاب. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ. أي: أعظم من القمر والنّجم فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ به من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ. أي: للذي دلّت عليه هذه المحدثات على أنّه منشئها حَنِيفاً. أي: مائلا عن الأديان كلها إلى الإسلام وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بالله شيئا من خلقه وَحاجَّهُ قَوْمُهُ. أي: في توحيد الله تعالى ونفي الشركاء عنه قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ. أي: في توحيده وَقَدْ هَدانِ. أي: إلى التوحيد وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً قال هذا لمّا خوّفوه: أن معبوداتهم تصيبه بسوء والمعنى: إني لا أخاف معبوداتكم في وقت قطّ لأنّها لا تقدر على منفعة ولا مضرّة، إلا إذا شاء ربي أن يصيبني منها بضرّ فهو قادر على أن يجعل فيما شاء نفعا، وفيما شاء ضرا لا الأصنام وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً. أي: فلا يصيب عبدا شئ من ضر أو نفع إلا بعلمه أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ فتميّزون بين القادر والعاجز وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ. أي: وكيف أخاف معبوداتكم وهي مأمونة الخوف وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ. أي: بإشراكه عَلَيْكُمْ سُلْطاناً. أي: حجة إذ الإشراك لا يصح أن يكون عليه الحجة، والمعنى: وما لكم لا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف

стр. 1646

فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ فريق الموحّدين وفريق المشركين أيهما أحق بالأمن من العذاب إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وإنما قال فأي الفريقين ولم يقل فأينا احترازا من تزكية نفسه ثم أجاب هو بنفسه عن السؤال الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ. أي: ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، فالظلم هنا الشرك أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ هذا تتمة كلام إبراهيم ﵇ وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ المراد بها جميع ما احتج به إبراهيم ﵇ على قومه من قوله فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ إلى وَهُمْ مُهْتَدُونَ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ. أي: في العلم والحكمة إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في رفعه من يشاء عَلِيمٌ بمن يستأهل ذلك. فصول: في قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ سمّى الله أبا إبراهيم (آزر) وعند هذه التسمية وفي هذه الآية تدور معارك كلامية بين المسلمين، وبين غيرهم، وبين المذاهب الإسلامية نفسها. وسبب هذه المعارك يعود إلى شيئين: الشئ الأول: أن كتب العهد القديم تسمّي أبا إبراهيم (تارح). والشئ الثاني: أن بعض المذاهب الإسلامية تعتبر أن آباء الرسول ﷺ وأجداده ليس فيهم كافر، وبناء عليه فقد حملوا كلمة الأب في الآية على أنّ المراد بها العمّ، وأكثر المفسرين على أنّ صرف الحقيقة في الآية إلى المجاز لا داعي له، وأما كتب العهد القديم فقد اعتدنا فيها- كما أثبت ذلك رحمة الله بن خليل الهندي في كتابه القيم (إظهار الحق) - أن تترجم الاسم من لغة إلى لغة، فمن لا يعرف هذه الحالة عنهم يقع في اللبس، وبناء عليه فلا يبعد أن يكون الاسم (تارح) هو الترجمة لاسم (آزر) غير أن العقاد في كتابه (إبراهيم أبي الأنبياء) يرى أن كلمة (تارح) نفسها يمكن أن يكون لفظها الأصلي (آزر). وكما دارت معركة حول هذه الآية، فقد دارت معركة حول قول إبراهيم عن الشمس والقمر والنجم هذا رَبِّي هل هذا نظر أو مناظرة كما رأينا؟. والذين ذهبوا إلى أنه مناظرة، ذهبوا إلى ذلك فرارا من أن يثبتوا أن إبراهيم كان على غير التوحيد في بداية أمره، وفي أخبار التلمود من كتب اليهود إشارة إلى هذه الحادثة التي سجّلها القرآن. وأنها حصلت لإبراهيم وهو ابن ثلاث سنين، ومع أن هذه الروايات لا يثبت

стр. 1647

بها شئ ولكن آثرنا نقلها ومن ثمّ فقد عقدنا ثلاثة فصول: فصل: في اتجاهات المفسرين في شأن (آزر) وفصل في تحليل العقاد حول كلمة (آزر) وفصل في الأخبار التلمودية. فصل في اتجاهات المفسرين حول آزر: قال الألوسي: آزر بزنة آدم علم أعجمي لأبي إبراهيم ﵇ وكان من قرية من سواد الكوفة، وقال الزجاج: ليس بين النسابين اختلاف في أن اسم أبي إبراهيم ﵇ تارح بتاء مثناة فوقية وألف بعدها مهملة مفتوحة، وحاء مهملة. ويروى بالخاء المعجمة. وأخرج ابن المنذر بسند صحيح عن ابن جريج أن اسمه تيرح أو تارح. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن اسم أبي إبراهيم ﵊ يازر، واسم أمه مثلى. وإلى كون آزر ليس اسما له ذهب مجاهد وسعيد بن المسيب وغيرهما. واختلف الذاهبون إلى ذلك. فمنهم من قال: إن آزر لقب لأبيه ﵇. ومنهم من قال: اسم جده. ومنهم من قال: اسم عمه- والعم والجد يسميان أبا مجازا-. ومنهم من قال: هو اسم صنم: وروي ذلك عن ابن عباس. والسدي. ومجاهد رضي الله تعالى عنهم. ومنهم من قال: هو وصف في لغتهم ومعناه المخطئ. وعن سلمان التيمي قال: بلغني أن معناه الأعوج. وعن بعضهم أنه الشيخ الهرم بالخوارزمية. وعلى القول بالوصفية يكون منع صرفه للحمل على موازنه وهو فاعل المفتوح العين فإنه يغلب منع صرفه لكثرته في الأعلام الأعجمية. وقيل: الأولى أن يقال: إنه غلب عليه فألحق بالعلم. وبعضهم يجعله نعتا مشتقا من الأزر بمعنى القوة. أو الوزر بمعنى الإثم. ومنع صرفه حينئذ للوصفية، ووزن الفعل؛ لأنه على وزن أفعل. وعلى القول بأنه بمعنى الصنم يكون الكلام على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي عابد آزر .... والذي عوّل عليه الجم الغفير من أهل السنة أن آزر لم يكن والد إبراهيم ﵇ وادّعوا أنه ليس في آباء النبي ﷺ كافر أصلا لقوله ﵊: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، والمشركون نجس» وتخصيص الطهارة بالطهارة من السفاح لا دليل له يعوّل عليه. والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وقد ألّفوا في هذا المطلب الرسائل واستدلوا له بما استدلوا، والقول بأن ذلك قول الشيعة- كما ادعاه الإمام الرازي- ناشئ من قلة التتبع، وأكثر هؤلاء على أن آزر اسم لعم إبراهيم ﵇».

стр. 1648

أقول: إنّ كثيرين من المفسرين لم يعرّجوا على هذا الموضوع لرؤيتهم أنّ الأمر أوضح من أن يعرّج عليه، ولذلك فقد اكتفوا بتقرير أن آزر هو أبو إبراهيم، والملاحظ أن الألوسي يميل إلى ترجيح القول بأن آزر عمّ وليس أبا. فصل في تحليل العقاد في الجمع بين اسم آزر وتارح: قال «فإن إبراهيم قد انحدر إلى أرض كنعان من أرض أشور، واعتقد شراح الكتب الإسرائيلية في غير موضع أن الآباء الأوّلين ينسبون إلى بلادهم أو أممهم كما يقال: ابن مصر، وابن أوربة، وأبناء الشرق، وأبناء الغرب، وأبناء النيل. فإذا نسب إبراهيم إلى آشور فمن الجائز جدا أن يكون تارح وآزر لفظين مختلفين لاسم واحد، كما انتسب القوم إلى اسم جد قديم كما يقال في النسبة إلى عدنان وقحطان. ونظرة واحدة في اسم آشور ونطقها إلى اليوم في العراق وسورية تقرّب لنا هذا الاحتمال الذي يبدو بعيدا لأول وهلة. فقد كتبت آشور تارة آزور، وتارة أثور، وتارة أتور بالتاء، وتارة أسور بالسين .. ولا يخفى كذلك أن كلمة تارح تنطق تيرح على لسان الكثيرين من الناطقين باللغات السامية، وتنطق تيرا وتيره عند الذين لا يستطيعون النطق بالحاء .. فإذا لاحظنا ذلك كله فليس أقرب من تحويل أتور وأتير إلى تيره وتيرح، وقد وردت في تاريخ يوسيفوس بغير الحاء، ووردت في تاريخ يوسيبوس أثور، وهو مكتوب باليونانية، وقد ورد في التوراة اسمان بمعنى الأميرة أحدهما بالحاء وهو سارح (٤٦ تكوين) والآخر بغير الحاء وهو سار أو ساره .. ومؤدى هذا أن (آزر) هي النطق الصحيح الذي عرف به اسم أسور القديم، وأن تيره وتيرح هي نطق الذين يكتبونها أتيره أو تيرح، وينطقون بكلمة أتور بين الواو والياء. روى صاحب (المزهر) عن الأصمعي أن رجلين «اختلفا في الصقر فقال أحدهما بالصاد وقال الآخر بالسين، فتراضيا بأول وارد عليهما فحكيا له ما فيه، فقال: لا أقول كما قلتما إنما هو الزقر، وعلى هذا يتخرج جميع ما ورد من التداخل نحو قلى يقلي وسلى يسلي». وإذا اختلفت الحروف في اللهجة العربية الواحدة هذا الاختلاف فلا محل للجزم

стр. 1649

بالتخطئة حين تختلف السين والزاي، أو التاء والثاء في لغات تباعدت بينها الآماد .. وأيا كان القول في نسبة إبراهيم إلى آزر بمعنى أسور، فهو أقرب من القول بأن أباه سمي تارحا من الحزن أو من الكسل، وليس عليه دليل من وقائع التاريخ والجغرافية ولا من الاشتقاق. وتفيد هذه الملاحظة فائدة جلى في معرض آخر من معارض سيرة الخليل، فلم يكن تاريخ إبراهيم في الإسلام مستمدا من المصادر اليهودية- كما زعم بعض المتسرعين من رواة الأخبار الدينية غير الإسلامية-، وإلا لما كان أيسر من تسمية أبيه تارحا وتيرحا وأتيرة وما شابه هذه التصحيفات، ولما كان هناك سبب قط لتسميته بآزر على أي توجيه وإنما هذا بيّنة من بيّنات شتى على أن دعوة إبراهيم لم تصل إلى الحجاز من مصادر اليهود .. ». أقول: بل عن طريق القرآن وحي رب العالمين. فصل في بعض الأخبار التلمودية عن إبراهيم ﵇: في معرض الكلام عن إبراهيم أبي الأنبياء نقل العقّاد بعض ما ورد من أخبار في كتب اليهود الأخرى- أي غير ما يسمى بالعهد القديم حول إبراهيم ﵇، ومن كلامه في هذا الموضوع: «يطلق اسم خليل الله وحبيب الله في الكتب الإسرائيلية على أنبياء غير إبراهيم، أشهرهم موسى، ويعقوب، وسليمان، ويغلب على الكتب المتأخرة وصفه بالحبيب، ويعتقدون أنه هو المقصود بقول أرميا في الإصحاح الحادي عشر «حبيبي في بيتي». وفي كثير من كتب المدراش والتعليم يقال إن الدنيا خلقت من أجله، وأن أبناء نوح ضلوا عن سواء السبيل، وعبدوا الأصنام، وكان جد إبراهيم يدعى (رو) فسمى ابنه (سيروج) أي ذهبوا بعيدا، وصدق في هذه التسمية، لأن سيروج حين كبر وولد له ابن سماه ناحور، وعلمه السحر والتنجيم وعبادة الأصنام، وكان الشيطان (مسطمبا) يرسل أعوانه لكيد البشر، ويطلقهم على البذور وهي على وجه الأرض كأنهم الغربان لتلتقطها وتفسدها. لهذا سمى ناحور ابنه تيرح أو تارح، ويقول شراح كتاب «اليوبيل» أحد هذه الكتب التعليمية إن الاسم بهذا المعنى غامض ولكنه قد يرجع إلى كلمة آرامية بمعنى المحو والشحوب.

стр. 1650

وتزوّج تارح إيمتالي بنت كرناب، فرزقا إبراهيم. وكان مولده مرصودا في الكوكب فاطلع عليه النمروذ، واستشار الملأ من قومه فأشاروا عليه بقتل كل طفل، ذكر، واستحياء البنات، وإغداق العطايا والجوائز على أهليهن، ليفرحوا بمولد البنات. وأحس تارح أن امرأته حامل، فلما أراد أن يتحقق من ذلك صعد الجنين إلى صدر أمّه فخوى بطنها ولم يظهر فيه حمل، وهربت أمه حين جاءها المخاض فأوت إلى كهف ولدته فيه، وتركته ثمة وهي تدعو له، فبقي ثلاث عشرة سنة لا يرى الشمس- على رواية بعض الكتب-، ومكث في الكهف أقل من ذلك على روايات أخرى، وأرسل الله جبريل يرعاه فجعل الطفل يمتص أصابعه فيرضع منها ويكبر قبل الأوان. وخرج من الكهف ليلا وهو في الثالثة فرأى النجوم فقال: هذه هي الأرباب. فلما أشرقت الشمس قال: كلا. بل هذه هي الرب. فلما أفلت وظهر القمر قال: بل هو هذا .. فلما أفل قال: ما هذه بأرباب. إنما الرب المعبود هو الذي يديرها ويسيرها ويبديها ويخفيها. وفي بعض الكتب أن أمه خرجت تتفقده بعد عشرين يوما حيث تركته فوجدت في طريقها صبيا ناميا فسألها:-ماذا جاء بك إلى الصحراء؟ .. فأنبأته بقصتها، وعرّفها بنفسه فدهشت وعجبت لطفل يكبر ولم يمض على مولده شهر واحد .. قال لها: إنها قدرة الله الذي يرى ولا يرى .. ويظن جامعوا الأساطير اليهودية أن وصف الله بهذه الصفة منقول من أصل عربي اطلع عليه يهود الأندلس، ثم اختلفت تفصيلاته عند نقلها إلى العبرية .. قالت أمه وقد ازداد عجبها: أإله غير النمروذ؟ .. قال: نعم يا أماه .. رب السموات والأرض، ورب النمروذ بن كنعان. فاذهبي وبلغي النمروذ ما سمعت. وأنبأت زوجها تارح وكان أميرا من أمراء الملك، فذهب إليه يطلب لقاءه، فأذن له باللقاء فسجد بين يديه، ولم يكن من عادتهم إذا سجد أحدهم بين يدي الملك أن يرفع رأسه بغير أمره، فلما أمره الملك أن ينهض ويتكلم روى له القصة ففزع أعوانه ووزراؤه، ثم ملكوا جأشهم وقالوا له: علام هذا الفزع من صبي لا حول له ولا قوة، ومن أمثاله في المملكة ألوف وألوف. قال لهم النمروذ: وهل رأيتم صبيا في العشرين يتكلم وينطق بمثل هذا البيان؟ .. وخشي الشيطان أن يسبق الإيمان إلى قلب الملك فبرز لهم وأزال ما بهم من الروع،
следующие страницы →