Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ فريق الموحّدين وفريق المشركين أيهما أحق بالأمن من العذاب إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وإنما قال فأي الفريقين ولم يقل فأينا احترازا من تزكية نفسه ثم أجاب هو بنفسه عن السؤال
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ.
أي: ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، فالظلم هنا الشرك أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ هذا تتمة كلام إبراهيم ﵇
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ المراد بها جميع ما احتج به إبراهيم ﵇ على قومه من قوله فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ إلى وَهُمْ مُهْتَدُونَ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ. أي: في العلم والحكمة إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في رفعه من يشاء عَلِيمٌ بمن يستأهل ذلك.
فصول:
في قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ سمّى الله أبا إبراهيم (آزر) وعند هذه التسمية وفي هذه الآية تدور معارك كلامية بين المسلمين، وبين غيرهم، وبين المذاهب الإسلامية نفسها. وسبب هذه المعارك يعود إلى شيئين:
الشئ الأول: أن كتب العهد القديم تسمّي أبا إبراهيم (تارح).
والشئ الثاني: أن بعض المذاهب الإسلامية تعتبر أن آباء الرسول ﷺ وأجداده ليس فيهم كافر، وبناء عليه فقد حملوا كلمة الأب في الآية على أنّ المراد بها العمّ، وأكثر المفسرين على أنّ صرف الحقيقة في الآية إلى المجاز لا داعي له، وأما كتب العهد القديم فقد اعتدنا فيها- كما أثبت ذلك رحمة الله بن خليل الهندي في كتابه القيم (إظهار الحق) - أن تترجم الاسم من لغة إلى لغة، فمن لا يعرف هذه الحالة عنهم يقع في اللبس، وبناء عليه فلا يبعد أن يكون الاسم (تارح) هو الترجمة لاسم (آزر) غير أن العقاد في كتابه (إبراهيم أبي الأنبياء) يرى أن كلمة (تارح) نفسها يمكن أن يكون لفظها الأصلي (آزر).
وكما دارت معركة حول هذه الآية، فقد دارت معركة حول قول إبراهيم عن الشمس والقمر والنجم هذا رَبِّي هل هذا نظر أو مناظرة كما رأينا؟. والذين ذهبوا إلى أنه مناظرة، ذهبوا إلى ذلك فرارا من أن يثبتوا أن إبراهيم كان على غير التوحيد في بداية أمره، وفي أخبار التلمود من كتب اليهود إشارة إلى هذه الحادثة التي سجّلها القرآن. وأنها حصلت لإبراهيم وهو ابن ثلاث سنين، ومع أن هذه الروايات لا يثبت
стр. 1647
بها شئ ولكن آثرنا نقلها ومن ثمّ فقد عقدنا ثلاثة فصول:
فصل: في اتجاهات المفسرين في شأن (آزر) وفصل في تحليل العقاد حول كلمة (آزر) وفصل في الأخبار التلمودية.
فصل في اتجاهات المفسرين حول آزر:
قال الألوسي: آزر بزنة آدم علم أعجمي لأبي إبراهيم ﵇ وكان من قرية من سواد الكوفة، وقال الزجاج: ليس بين النسابين اختلاف في أن اسم أبي إبراهيم ﵇ تارح بتاء مثناة فوقية وألف بعدها مهملة مفتوحة، وحاء مهملة. ويروى بالخاء المعجمة. وأخرج ابن المنذر بسند صحيح عن ابن جريج أن اسمه تيرح أو تارح.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن اسم أبي إبراهيم ﵊ يازر، واسم أمه مثلى. وإلى كون آزر ليس اسما له ذهب مجاهد وسعيد بن المسيب وغيرهما. واختلف الذاهبون إلى ذلك. فمنهم من قال: إن آزر لقب لأبيه ﵇. ومنهم من قال: اسم جده. ومنهم من قال: اسم عمه- والعم والجد يسميان أبا مجازا-. ومنهم من قال: هو اسم صنم: وروي ذلك عن ابن عباس.
والسدي. ومجاهد رضي الله تعالى عنهم. ومنهم من قال: هو وصف في لغتهم ومعناه المخطئ. وعن سلمان التيمي قال: بلغني أن معناه الأعوج. وعن بعضهم أنه الشيخ الهرم بالخوارزمية. وعلى القول بالوصفية يكون منع صرفه للحمل على موازنه وهو فاعل المفتوح العين فإنه يغلب منع صرفه لكثرته في الأعلام الأعجمية. وقيل: الأولى أن يقال: إنه غلب عليه فألحق بالعلم. وبعضهم يجعله نعتا مشتقا من الأزر بمعنى القوة.
أو الوزر بمعنى الإثم. ومنع صرفه حينئذ للوصفية، ووزن الفعل؛ لأنه على وزن أفعل.
وعلى القول بأنه بمعنى الصنم يكون الكلام على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي عابد آزر .... والذي عوّل عليه الجم الغفير من أهل السنة أن آزر لم يكن والد إبراهيم ﵇ وادّعوا أنه ليس في آباء النبي ﷺ كافر أصلا لقوله ﵊: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، والمشركون نجس» وتخصيص الطهارة بالطهارة من السفاح لا دليل له يعوّل عليه. والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وقد ألّفوا في هذا المطلب الرسائل واستدلوا له بما استدلوا، والقول بأن ذلك قول الشيعة- كما ادعاه الإمام الرازي- ناشئ من قلة التتبع، وأكثر هؤلاء على أن آزر اسم لعم إبراهيم ﵇».
стр. 1648
أقول: إنّ كثيرين من المفسرين لم يعرّجوا على هذا الموضوع لرؤيتهم أنّ الأمر أوضح من أن يعرّج عليه، ولذلك فقد اكتفوا بتقرير أن آزر هو أبو إبراهيم، والملاحظ أن الألوسي يميل إلى ترجيح القول بأن آزر عمّ وليس أبا.
فصل في تحليل العقاد في الجمع بين اسم آزر وتارح:
قال «فإن إبراهيم قد انحدر إلى أرض كنعان من أرض أشور، واعتقد شراح الكتب الإسرائيلية في غير موضع أن الآباء الأوّلين ينسبون إلى بلادهم أو أممهم كما يقال: ابن مصر، وابن أوربة، وأبناء الشرق، وأبناء الغرب، وأبناء النيل.
فإذا نسب إبراهيم إلى آشور فمن الجائز جدا أن يكون تارح وآزر لفظين مختلفين لاسم واحد، كما انتسب القوم إلى اسم جد قديم كما يقال في النسبة إلى عدنان وقحطان. ونظرة واحدة في اسم آشور ونطقها إلى اليوم في العراق وسورية تقرّب لنا هذا الاحتمال الذي يبدو بعيدا لأول وهلة.
فقد كتبت آشور تارة آزور، وتارة أثور، وتارة أتور بالتاء، وتارة أسور بالسين ..
ولا يخفى كذلك أن كلمة تارح تنطق تيرح على لسان الكثيرين من الناطقين باللغات السامية، وتنطق تيرا وتيره عند الذين لا يستطيعون النطق بالحاء ..
فإذا لاحظنا ذلك كله فليس أقرب من تحويل أتور وأتير إلى تيره وتيرح، وقد وردت في تاريخ يوسيفوس بغير الحاء، ووردت في تاريخ يوسيبوس أثور، وهو مكتوب باليونانية، وقد ورد في التوراة اسمان بمعنى الأميرة أحدهما بالحاء وهو سارح (٤٦ تكوين) والآخر بغير الحاء وهو سار أو ساره ..
ومؤدى هذا أن (آزر) هي النطق الصحيح الذي عرف به اسم أسور القديم، وأن تيره وتيرح هي نطق الذين يكتبونها أتيره أو تيرح، وينطقون بكلمة أتور بين الواو والياء. روى صاحب (المزهر) عن الأصمعي أن رجلين «اختلفا في الصقر فقال أحدهما بالصاد وقال الآخر بالسين، فتراضيا بأول وارد عليهما فحكيا له ما فيه، فقال: لا أقول كما قلتما إنما هو الزقر، وعلى هذا يتخرج جميع ما ورد من التداخل نحو قلى يقلي وسلى يسلي».
وإذا اختلفت الحروف في اللهجة العربية الواحدة هذا الاختلاف فلا محل للجزم
стр. 1649
بالتخطئة حين تختلف السين والزاي، أو التاء والثاء في لغات تباعدت بينها الآماد ..
وأيا كان القول في نسبة إبراهيم إلى آزر بمعنى أسور، فهو أقرب من القول بأن أباه سمي تارحا من الحزن أو من الكسل، وليس عليه دليل من وقائع التاريخ والجغرافية ولا من الاشتقاق. وتفيد هذه الملاحظة فائدة جلى في معرض آخر من معارض سيرة الخليل، فلم يكن تاريخ إبراهيم في الإسلام مستمدا من المصادر اليهودية- كما زعم بعض المتسرعين من رواة الأخبار الدينية غير الإسلامية-، وإلا لما كان أيسر من تسمية أبيه تارحا وتيرحا وأتيرة وما شابه هذه التصحيفات، ولما كان هناك سبب قط لتسميته بآزر على أي توجيه وإنما هذا بيّنة من بيّنات شتى على أن دعوة إبراهيم لم تصل إلى الحجاز من مصادر اليهود .. ».
أقول: بل عن طريق القرآن وحي رب العالمين.
فصل في بعض الأخبار التلمودية عن إبراهيم ﵇:
في معرض الكلام عن إبراهيم أبي الأنبياء نقل العقّاد بعض ما ورد من أخبار في كتب اليهود الأخرى- أي غير ما يسمى بالعهد القديم حول إبراهيم ﵇، ومن كلامه في هذا الموضوع:
«يطلق اسم خليل الله وحبيب الله في الكتب الإسرائيلية على أنبياء غير إبراهيم، أشهرهم موسى، ويعقوب، وسليمان، ويغلب على الكتب المتأخرة وصفه بالحبيب، ويعتقدون أنه هو المقصود بقول أرميا في الإصحاح الحادي عشر «حبيبي في بيتي».
وفي كثير من كتب المدراش والتعليم يقال إن الدنيا خلقت من أجله، وأن أبناء نوح ضلوا عن سواء السبيل، وعبدوا الأصنام، وكان جد إبراهيم يدعى (رو) فسمى ابنه (سيروج) أي ذهبوا بعيدا، وصدق في هذه التسمية، لأن سيروج حين كبر وولد له ابن سماه ناحور، وعلمه السحر والتنجيم وعبادة الأصنام، وكان الشيطان (مسطمبا) يرسل أعوانه لكيد البشر، ويطلقهم على البذور وهي على وجه الأرض كأنهم الغربان لتلتقطها وتفسدها. لهذا سمى ناحور ابنه تيرح أو تارح، ويقول شراح كتاب «اليوبيل» أحد هذه الكتب التعليمية إن الاسم بهذا المعنى غامض ولكنه قد يرجع إلى كلمة آرامية بمعنى المحو والشحوب.
стр. 1650
وتزوّج تارح إيمتالي بنت كرناب، فرزقا إبراهيم. وكان مولده مرصودا في الكوكب فاطلع عليه النمروذ، واستشار الملأ من قومه فأشاروا عليه بقتل كل طفل، ذكر، واستحياء البنات، وإغداق العطايا والجوائز على أهليهن، ليفرحوا بمولد البنات.
وأحس تارح أن امرأته حامل، فلما أراد أن يتحقق من ذلك صعد الجنين إلى صدر أمّه فخوى بطنها ولم يظهر فيه حمل، وهربت أمه حين جاءها المخاض فأوت إلى كهف ولدته فيه، وتركته ثمة وهي تدعو له، فبقي ثلاث عشرة سنة لا يرى الشمس- على رواية بعض الكتب-، ومكث في الكهف أقل من ذلك على روايات أخرى، وأرسل الله جبريل يرعاه فجعل الطفل يمتص أصابعه فيرضع منها ويكبر قبل الأوان.
وخرج من الكهف ليلا وهو في الثالثة فرأى النجوم فقال: هذه هي الأرباب. فلما أشرقت الشمس قال: كلا. بل هذه هي الرب. فلما أفلت وظهر القمر قال: بل هو هذا .. فلما أفل قال: ما هذه بأرباب. إنما الرب المعبود هو الذي يديرها ويسيرها ويبديها ويخفيها. وفي بعض الكتب أن أمه خرجت تتفقده بعد عشرين يوما حيث تركته فوجدت في طريقها صبيا ناميا فسألها:-ماذا جاء بك إلى الصحراء؟ ..
فأنبأته بقصتها، وعرّفها بنفسه فدهشت وعجبت لطفل يكبر ولم يمض على مولده شهر واحد .. قال لها: إنها قدرة الله الذي يرى ولا يرى ..
ويظن جامعوا الأساطير اليهودية أن وصف الله بهذه الصفة منقول من أصل عربي اطلع عليه يهود الأندلس، ثم اختلفت تفصيلاته عند نقلها إلى العبرية .. قالت أمه وقد ازداد عجبها: أإله غير النمروذ؟ .. قال: نعم يا أماه .. رب السموات والأرض، ورب النمروذ بن كنعان. فاذهبي وبلغي النمروذ ما سمعت.
وأنبأت زوجها تارح وكان أميرا من أمراء الملك، فذهب إليه يطلب لقاءه، فأذن له باللقاء فسجد بين يديه، ولم يكن من عادتهم إذا سجد أحدهم بين يدي الملك أن يرفع رأسه بغير أمره، فلما أمره الملك أن ينهض ويتكلم روى له القصة ففزع أعوانه ووزراؤه، ثم ملكوا جأشهم وقالوا له: علام هذا الفزع من صبي لا حول له ولا قوة، ومن أمثاله في المملكة ألوف وألوف. قال لهم النمروذ: وهل رأيتم صبيا في العشرين يتكلم وينطق بمثل هذا البيان؟ ..
وخشي الشيطان أن يسبق الإيمان إلى قلب الملك فبرز لهم وأزال ما بهم من الروع،
стр. 1651
وحرّض الملك على قتل الصبي، فحشد له جندا من القادة والفرسان، وخرجوا إلى الكهف الذي قيل لهم إن الصبي مختبئ فيه، فإذا بينه وبينهم سحب لا ينفذ النظر إلى ما وراءها، وإذا بهم مجفلون لا يقدرون على الثبات.
فلما عادوا إلى النمروذ وشرحوا له ما عاينوه قال لهم: لا مقام لنا بهذه الديار! وخرج من بلده إلى أرض بابل فلحق به إبراهيم على جناح جبريل، ولقي هناك أبويه، ثم بدأنا بالدعوة إلى الله: الإله الأحد الذي لا إله غيره، رب السموات، ورب الأرباب ورب النمروذ. وأنذرهم أن يتركوا عبادة الصنم الذي صنعوه على مثال النمروذ. فإن له فما ولكنه لا ينطق، وعينا ولكنه لا يبصر، وأذنا ولكنه لا يسمع، وقدما ولكنه لا يسعى، ولا ينفع نفسه، ولا يغني عن غيره شيئا. وأسرع أبوه إلى الملك يبلغه أن ابنه إبراهيم طوى مسيرة أربعين يوما في أقل من يوم، ثم لحق به إبراهيم إلى قصر الملك فهز عرشه بيديه وصاح به: «أيها الشقي! إنك تنكر الحق، وتنكر الله الحي الصمد.
وتنكر عبده إبراهيم خادم بيته الأمين».
ويخاف النمروذ فيأمر تارح أن يعود بابنه إلى موطنه، ثم تتكاثر الروايات في عشرات من كتب المدارس والتفسيرات حول ما حدث بعد ذلك بين إبراهيم وقومه، وبينه وبين الملأ والملك وكهنة الأرباب، مما تغني هذه الأمثلة عن تفصيله واستقصائه، وبعضه كما تقدم معوّل عليه عند اليهود، وبعضه من قبيل ضرب الأمثال بالنوادر والأعاجيب ..
وليس من المطلوب أن نتتبع هذه القصص والنوادر لأنها تستوعب ألوف الصفحات، ولكننا نأخذ منها ما ينتظم في أغراض هذا الكتاب، ومنها ما يدل على تفكير واضعيه، أو يفيد عند المقابلة بين المصادر، أو يلاحظ فيه الوضع لطرافته الأدبية والفنية، أو يتمم صورة أخرى ناقصة في خبر من الأخبار.
فمما ورد في «مدراش رباه» أن أباه حنق عليه حين كسر الأصنام فخاصمه إلى النمروذ، فسأله النمروذ: إن كنت لا تعبد الصور والمشبهات فلماذا لا تعبد النار؟
قال إبراهيم: أولى من عبادة النار أن أعبد الذي يطفئها.
قال النمروذ: فاعبد الماء إذن؟
قال إبراهيم: بل أولى من عبادة الماء أن أعبد السحاب الذي يحمله.
قال النمروذ: إذن تعبد السحاب ..
стр. 1652
قال إبراهيم: وأولى بالعبادة من السحاب ريح تبدده وتسير به من فضاء إلى فضاء ..
قال النمروذ: فما لك لا تعبد الريح؟
قال إبراهيم: إن الإنسان يحتويها بأنفاسه فهو إذن أحق منها بالعبادة. ومغزى الحوار أن عقل الإنسان قادر بالنظر في خلق الله أن يصل إلى معرفة الخالق، وينكر عبادة الأوثان، فلما أعيا النمروذ أن يخضعه، سجنه ومنع عنه الطعام والماء، ومضى عليه عام في غيابته؛ فأيقن الحارس أنه قد مات، ولكنه ناداه: إبراهيم: أأنت بقيد الحياة؟ فسمع جوابه: نعم أنا بقيد الحياة. فأمر الملك بضرب عنقه، فلم يعمل فيه السيف .. فأوقد له نارا ودفع به إلى أحد أعوانه ليقذف به فيها، فلما قاربها خرج من الأتون لسان من النار والتهم الجلاد ولم يقترب من إبراهيم، فتشاور الملأ عند الملك في أمره، فاتفقوا على إحراقه وإلقائه في النار من منجنيق بعيد، مخافة من ألسنة النار. وضرع الملائكة إلى الله أن ينجيه، فأذن لهم أن يعملوا لنجاته ما يستطيعون، ولكنه أبي أن يعتمد في نجاته على أحد غير الله، وإذا بالجمر من حوله كأنه فراش من الورد والريحان».
أقول: إننا لا نستطيع إثبات شئ في أمر النبوات السابقة إلا إذا أقره الوحي الذي جاءنا عن رسولنا ﵊، فإذا أقره فعندئذ يكون داخلا في الوحي الذي أمرنا أن نؤمن به، وما عدا ذلك فالأمر يحتمل، ونحن لم ننقل ما نقله العقاد إلا لأن فيه اتجاها جديدا فأحببنا ذكره لنفتح النظر في موضوع اختلفت فيه عبارات المفسرين.
فوائد: [حول الآيات (٧٤ - ٧٦) والآية (٨٢)]
١ - اختلف المفسرون في اسم أبي إبراهيم، وهل آزر هو اسم له، أو لقب، أو نسب، أو اسم صنم سمي به لتعلقه به فقال ابن جرير: والصواب أن اسم أبيه آزر، ثم أورد على نفسه قول النسابين أن اسمه تارح، ثم أجاب بأنه قد يكون له اسمان، كالكثير من الناس، أو يكون أحدهما لقبا.
قال ابن كثير: وهذا الذي قاله جيد قوي.
٢ - ثبت في صحيح البخاري أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة فيقول له أبوه:
يا بنيّ اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: أي ربّ ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال: يا إبراهيم انظر ما وراءك، فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار.
стр. 1653
٣ - أخرج ابن جرير عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال أي مجاهد: فرجت له السموات، فنظر إلى ما فيهن، حتى انتهى
إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع، فنظر إلى ما فيهن. وزاد غيره: فجعل ينظر إلى العباد على المعاصي ويدعو عليهم، فقال الله إني أرحم بعبادي منك لعلّهم أن يتوبوا أو يرجعوا.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في تفسيرها قال: فإنه تعالى جلا له الأمر سرّه وعلانيّته، فلم يخف عليه من أعمال الخلائق، فلمّا جعل يلعن أصحاب الذنوب، قال الله: إنك لا تستطيع هذا، فردّه كما كان قبل ذلك. قال ابن كثير: فيحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عيانا، ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهد بفؤاده وتحقّقه وعرفه، وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدّلالات القاطعة، كما روى الإمام أحمد والترمذي وصحّحه عن معاذ بن جبل في حديث المنام: «أتاني ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب، فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين ثدييّ فتجلى لي كلّ شئ وعرفت ذلك».
وذكر الحديث.
٤ - رأينا في قول إبراهيم هذا رَبِّي من يذهب إلى أن هذا المقام مقام نظر وتدبّر، ومن يذهب إلى أنه مقام مناظرة. وقد جادل ابن كثير جدالا عنيفا وطويلا ضد القول الأول مستشهدا بالآيات الكثيرة التي تثبت رفض إبراهيم للأصنام ابتداء وسلامة فطرته، وبالأحاديث التي تثبت أن كل مولود يولد على الفطرة إلى أن قال: فإذا ما كان هذا في حق سائر الخليقة فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمّة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ناظرا في هذا المقام؟! بل هو أولى النّاس بالفطرة السليمة والمستقيمة بعد رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب». ورجّح النسفي: أنّ كلام إبراهيم هذا للمناظرة بدليل قوله تعالى: يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ أقول: ولا شك أن من لاحظ ابتداء الكلام في قصة إبراهيم وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ ولاحظ نهاية الكلام، ثم مجئ قوله تعالى بعد ذلك وَحاجَّهُ قَوْمُهُ ... يشعر أنّ المقام مقام مناظرة. وإن كان الظاهر غيره والله أعلم.
٥ - وبمناسبة قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ يذكر ابن كثير مجموعة أحاديث نذكرها بدون إسنادها مع حذف المكرّر:
стр. 1654
- روى البخاري ... عن عبد الله قال: لما نزلت وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ قال أصحابه: وأيّنا لم يظلم؟ فنزلت: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.
روى الإمام أحمد عن عبد الله قال: لما نزلت الآية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال: إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ إنما هو الشرك».
- روى ابن مردويه ... عن عبد الله قال: لمّا نزلت الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ قال رسول الله ﷺ : «قيل لي أنت منهم».
- روى الإمام أحمد ... عن جرير بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فلمّا برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا، فقال رسول الله ﷺ : «كأن هذا الراكب إياكم يريد» فانتهى إلينا فسلّم فرددنا عليه فقال له النبي ﷺ : «من أين أقبلت؟» قال: من أهلي وولدي وعشيرتي قال: «فأين تريد؟» قال: أريد رسول الله ﷺ ، قال: «فقد أصبته». قال: يا رسول الله علّمني ما الإيمان؟. قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت». قال: قد أقررت. قال: ثم إن بعيره دخلت يده في شبكة جرذان فهوى بعيره وهوى الرجل فوقع على هامته فمات، فقال رسول الله ﷺ :
«عليّ بالرجل» فوثب إليه عمّار بن ياسر وحذيفة بن اليمان فأقعداه، فقالا: يا رسول الله قبض الرجل!، قال: فأعرض عنهما رسول الله ﷺ ثم قال لهما رسول الله ﷺ :
«أما رأيتما إعراضي عن الرجل فإني رأيت ملكين يدسّان في فيه من ثمار الجنة فعلمت أنّه مات جائعا». ثم قال رسول الله ﷺ : «هذا والله من الذين قال الله- فيهم الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ الآية، ثم قال: «دونكم أخاكم» فاحتملناه إلى الماء فغسّلناه وكفّنّاه، وحملناه إلى القبر، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس على شفير القبر فقال: «الحدوا ولا تشقوا، فإن اللحد لنا والشق لغيرنا».
- روى ابن مردويه ... عن عبد الله بن سخبرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعطي فشكر، ومنع فصبر، وظلم فاستغفر، وظلم فغفر» وسكت قال: فقالوا: يا رسول الله ما له؟ قال: أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ.
стр. 1655
ومن أجل أن يتحرر الإنسان من كل مظهر من مظاهر الشرك لا بد له من علم وذكر، ولا بد له من معرفة بالله عقلية وقلبية، ومعرفة بشريعته والتزام بها.
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ. أي: لإبراهيم كُلًّا هَدَيْنا. أي:
هديناهم كلهم وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ. أي: وهدينا نوحا من قبل إبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ يحتمل أن يكون ومن ذريّة نوح، ويحتمل أن يكون ومن ذريّة إبراهيم. قال النسفي: والأول أظهر لأن يونس ولوطا لم يكونا من ذرية إبراهيم.
أقول: الملاحظ أن كتب العهد القديم تعتبر يونس من ذرية إبراهيم قال الألوسي: ومن الناس من ادّعى أن يونس من ذرية إبراهيم وصرّح في جامع الأصول أنه كان من الأسباط زمن شعيا، وأما لوط فهو ابن أخي إبراهيم فإما أن نقول: دخل في الذرية تغليبا، وإما أن نقول دخل في الذرية لأنه من المستجيبين لإبراهيم فأخذ حكم الذرية وهذا كله على القول الثاني داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ.
أي: وهدينا من ذريته هؤلاء وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. أي: ومثل ذلك الجزاء نجزي المحسنين، ويحتمل أن يكون المراد باسم الإشارة هداية الذرية، أو الهداية، فيكون
المعنى أن من أحسن نهدي له من ذريته، وذلك من جزائه، أو أن من أحسن يستحق الهداية كالمذكورين
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ.
أي: كلهم من الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأنّه لا صلاح إلا بهذا
وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ. أي: بالنّبوة والرّسالة
وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ. أي: كذلك فضّلناهم على العالمين وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. أي: إلى الإسلام الذي هو دين الله الواحد في كل العصور
ذلِكَ هُدَى اللَّهِ. أي: ما دان به هؤلاء المذكورون هو دين الله وهديه يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فضلا ويضل من يشاء عدلا وَلَوْ أَشْرَكُوا.
أي: مع فضلهم وتقدمهم وما رفع لهم من الدرجات العلى لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. أي: لبطلت أعمالهم
أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ. أي: جنس الكتاب ممّا ينزله الله من وحي وَالْحُكْمَ. أي: الحكمة أو المراد به فهم الكتاب لما يترتب عليه من قدرة على الحكم السديد وَالنُّبُوَّةَ وهي أعلى مراتب البشر، وأرقى مقامات العبودية لله فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ. أي: فإن يكفر بالكتاب والحكم والنبوة هؤلاء من قريش، وغيرهم من سائر أهل الأرض فَقَدْ وَكَّلْنا بِها
стр. 1656
قَوْماً كالمهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ. أي: لا يجحدون منها شيئا، ولا يردّون منها حرفا واحدا
أُولئِكَ. أي: الأنبياء المذكورون، مع من أضيف إليهم من الآباء والذرّيّة والإخوان، وهم الأشباه الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ. أي: هم أهل الهدى لا غيرهم فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ. أي: اقتد واتّبع، وإذا كان هذا أمرا للرسول ﷺ فأمته تبع له فيما يشرعه ويأمرهم به. والمعنى: فاختص هداهم بالاقتداء ولا تقتد إلا بهم. والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله، وتوحيده والاستسلام له، وفي أصول الدين دون الشرائع فإنّها مختلفة إلّا ما أقرّه الله منها، ممّا ذكره ولم ينصّ على نسخه قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً. أي: على الوحي، أو على تبليغ الرّسالة والدّعاء إلى التوحيد.
قال الحنفية مستدلين به على أصل مذهبهم: وفيه دليل على أنّ أخذ الأجر على تعليم القرآن ورواية الحديث لا يجوز» وهي قضية خلافية، وقد استقرّت الفتوى في فقه الحنفية على الجواز بسبب تغيّر الحال، والذي يبدو لي أن هناك فارقا بين أخذ الأجر على مجرّد الدعوة وأخذ الأجر على التعليم إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ. أي: ما القرآن إلا عظة للجنّ والإنس.
فوائد:
١ - قال ابن كثير: وفي ذكر عيسى ﵇ في ذرية «إبراهيم» أو «نوح» على القول الآخر دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجال، لأن «عيسى» ﵇ إنما ينسب إلى «إبراهيم» ﵇ بأمّه «مريم» ﵍ فإنّه لا أب له.
روى ابن أبي حاتم ... عن أبي حرب بن أبي الأسود قال: أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي ﷺ ، تجده في كتاب الله، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده؟ قال: أليس تقرأ سورة الأنعام وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ حتى بلغ وَيَحْيى وَعِيسى قال: بلى، قال أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال: صدقت».
فلهذا إذا أوصى الرجل لذريّته، أو وقف على ذريته أو وهبهم، دخل أولاد البنات فيهم، فأما إذا أعطى الرجل بنيه أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر العربي:
стр. 1657
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأجانب
وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم أيضا لما ثبت في صحيح البخاري: أن رسول الله ﷺ قال للحسن بن علي: «إن ابني هذا سيّد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». فسماه ابنا، فدلّ على دخوله في الأبناء. وقال آخرون: هذا تجوّز.
٢ - وبمناسبة قوله تعالى: فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ قالوا:
ومعنى توكيلهم بها أنهم وفّقوا للإيمان بها، والقيام بحقوقها، كما يوكّل الرجل بالشئ ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه. أقول: ومن الموكّلين من أشار إليهم الرسول ﷺ بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله».
٣ - روى البخاري عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: أفي (ص) سجدة؟ فقال نعم. ثم تلا وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ... إلى قوله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ. ثم قال: هو منهم» وهذا فهم دقيق لابن عباس فما من موقف كريم من مواقف الرسل إلا وكان رسولنا إذا وجد في مثل ظرفه يفعل مثله، أو أحسن منه، وقد أشرنا إلى مثل هذا في كتابنا «الرسول» من سلسلة الأصول الثلاثة.
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ. أي: وما عرفوه حق معرفته في الرحمة على عباده، حين أنكروا بعثة الرسل ﷺ والوحي إليهم، وذلك من أعظم رحمته وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ أو وما عظموا الله حق تعظيمه إذ كذّبوا رسله إليهم قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً
لِلنَّاسِ
الكتاب هنا التوراة، أنزلها الله نورا ليستضاء بها في كشف المشكلات، وهدى ليهتدى بها في ظلم الشبهات تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً القرطاس الورقة، والمعنى: بعّضتموه وجعلتموه قراطيس مقطّعة ورقات ليتمكّنوا مما راموا من الإبداء والإخفاء أو: تجعلون جملتها قراطيس أي: قطعا تكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديكم، وتحرّفون منها ما تحرّفون، وتبدّلون وتتأوّلون، وتقولون هذا من عند الله أي في كتابه وما هو من عند الله وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ هناك اتجاهان في فهم هذا النصّ: الاتجاه الذي يجعله في أهل الكتاب كتتمة للخطاب السابق، والاتجاه الذي يجعله خطابا لهذه الأمة، فعلى الأوّل يكون المعني: وعلمتم يا
стр. 1658
أهل الكتاب بالكتاب ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم من أمور دينكم ودنياكم، وعلى الاتجاه الثاني يكون المعنى: ومن أنزل القرآن الذي علّمكم الله فيه من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تعلمون ذلك لا أنتم ولا آباؤكم قُلِ اللَّهُ. أي: قل الله أنزله ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ. أي: ثم دعهم في جهلهم وضلالهم وباطلهم الذي يخوضون فيه لاعبين حتى يأتيهم من الله اليقين، فسوف يعلمون ألهم العاقبة أم لعباد الله المتقين
وَهذا. أي: القرآن كِتابٌ أَنْزَلْناهُ على محمد ﵊ مُبارَكٌ. أي: كثير المنافع والفوائد مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
أي: من الكتب وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى. أي: مكة، وسميت أم القرى لأنها سرة الأرض، وقبلة أهل التقوى، وأعظمها شأنا، ولأن الناس يؤمّونها وَمَنْ حَوْلَها.
أي: من أحياء العرب، ومن سائر طوائف بني آدم، ومن عرب وعجم، والمعنى:
وهذا القرآن أنزلناه للبركات، وتصديق ما تقدّم من الكتب، ولإنذار أمّ القرى وما حولها من العالم وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ. أي: يصدّقون بالعاقبة ويخافونها يُؤْمِنُونَ بِهِ. أي: بالكتاب فأصل الدّين خوف العاقبة، فمن خافها لم يزل به الخوف حتى يؤمن بالحق وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ خصّت الصلاة بالذّكر لأنها علم الإيمان وعماد الدين، فمن حافظ عليها يحافظ على أخواتها.
نقول:
نحب أن ننقل بمناسبة هذه الآيات ما قاله صاحب الظلال والألوسي في قوله تعالى واصفا كتابه بالبركة «مبارك» ثمّ ما قاله صاحب الظلال في قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ونقدم النقلين الأوّلين لأنهما كالدليل بالنسبة للنقل الثالث:
قال صاحب الظلال في شرحه لكون القرآن مباركا كما وصفه الله في الآية:
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ.
«إنها سنة من سنن الله أن يرسل الرسل، وأن ينزل الله عليهم الكتب. وهذا الكتاب الجديد، الذي ينكرون تنزيله، هو كتاب مبارك .. وصدق الله .. فإنه والله مبارك .. مبارك بكل معاني البركة .. إنه مبارك في أصله. باركه الله وهو ينزله من
стр. 1659
عنده. ومبارك في محله الذي علم الله أنه له أهل .. قلب محمد الطاهر الكريم الكبير ..
ومبارك في حجمه ومحتواه. فإن هو إلا صفحات قلائل بالنسبة لضخام الكتب التي يكتبها البشر، ولكنه يحوي من المدلولات والإيحاءات والمؤثرات والتوجيهات في كل فقرة منه ما لا تحتويه عشرات من هذه الكتب الضخام، في أضعاف حيزه وحجمه! وإن الذي مارس فن القول عند نفسه وعند غيره من بني البشر؛ وعالج قضية التعبير، بالألفاظ عن المدلولات، ليدرك أكثر مما يدرك الذين يزاولون فنّ القول ولا يعالجون قضايا التعبير، أنّ هذا النّسق القرآني مبارك من هذه الناحية. وأن هنالك استحالة في أن يعبر البشر في مثل هذا الحيّز- ولا في أضعاف أضعافه- عن كل ما يحمله التعبير القرآني من مدلولات ومفهومات وموحيات ومؤثرات! وأن الآية الواحدة تؤدي من المعاني وتقرّر من الحقائق ما يجعل الاستشهاد بها على فنون شتى من أوجه التقرير والتوجيه شيئا متفردا لا نظير له في كلام البشر .. وإنه لمبارك في أثره. وهو يخاطب الفطرة والكينونة البشرية بجملتها خطابا مباشرا عجيبا لطيف المدخل، ويواجهها من كل منفذ وكل درب وكل ركن، فيفعل ما لا يفعله قول قائل ذلك أن به من الله سلطانا. وليس في قول القائلين من سلطان!
ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا في تصوير بركة هذا الكتاب .. وما نحن ببالغين لو مضينا شيئا أكثر من شهادة الله له بأنه «مبارك» ففيها فصل الخطاب «وقال الألوسي في تفسير كلمة «مبارك» التي وصف الله بها القرآن: وقوله سبحانه مُبارَكٌ أي:
كثير الفائدة والنفع لاشتماله على منافع الدارين وعلوم الأولين والآخرين صفة بعد صفة قال الإمام: جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عن هذا الكتاب المتمسك به يحصل به عز الدنيا وسعادة الآخرة».
وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى:
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ.
وهذا القول الذي كان يقوله مشركوا مكة في جاهليّتهم، يقوله أمثالهم في كل زمان؛ ومنهم الذين يقولونه الآن؛ ممن يزعمون أن الأديان من صنع البشر، وأنها تطوّرت وترقت بتطور البشر وترقيهم .. لا يفرقون في هذا بين ديانات هي من تصورات البشر أنفسهم، كالوثنيات كلها قديما وحديثا، وترتقي بالزعم وتنحطّ بارتقاء أصحابها وانحطاطهم، ولكنها تظل خارج دين الله كله. وبين ديانات جاء بها الرسل من عند الله، وهي ثابتة على أصولها الأولى؛ جاء بها
стр. 1660
كل رسول، فتقبلتها فئة وعتت عنها فئة؛ ثمّ وقع الانحراف عنها والتحريف فيها، فعاد الناس إلى جاهليتهم في انتظار رسول جديد.
وهذا القول الذي ذكرته الآية يقوله- قديما أو حديثا- من لا يقدر الله حق قدره، ومن لا يعرف كرم الله وفضله، ورحمته وعدله .. إنهم يقولون: إن الله لا يرسل من البشر رسولا ولو شاء لأنزل ملائكة! كما كان العرب يقولون. أو يقولون: إن خالق هذا الكون الهائل لا يمكن أن يعنى بالإنسان «الضئيل» في هذه الذرة الفلكية التي اسمها الأرض بحيث يرسل له الرسل، وينزل على الرسل الكتب لهداية هذا المخلوق الصغير في هذا الكوكب الصغير! وذلك كما يقول بعض الفلاسفة في القديم والحديث. أو يقولون: إنه ليس هناك من إله ولا من وحي ولا من رسل .. إنما هي أوهام الناس أو خداع بعضهم لبعض باسم الدين. كما يقول الماديون الملحدون!
وكله جهل بقدر الله- سبحانه- فالله الكريم العظيم العادل الرحيم، العليم الحكيم .. لا يدع هذا الكائن الإنساني وحده، وهو يعلم سرّه وجهره، وطاقاته وقواه، ونقصه وحاجته إلى الموازين القسط التي يرجع إليها بتصوراته وأفكاره، واقواله وأعماله، وأوضاعه ونظامه، ليرى إن كانت صوابا وصلاحا، أو كانت خطأ وفسادا .. ويعلم- سبحانه- أن العقل الذي أعطاه له، يتعرض لضغوط كثيرة من شهواته ونزواته، ومطامعه ورغباته، فضلا عن أنّه موكّل بطاقات الأرض التي له عليها سلطان بسبب تسخيرها له من الله، وليس موكّلا بتصوّر الوجود تصورا مطلقا، ولا بصياغة الأسس الثابتة للحياة. فهذا مجال العقيدة التي تأتي له من الله، فتنشئ له تصورا سليما للوجود والحياة .. ومن ثم لا يكله إلى هذا العقل وحده، ولا يكله كذلك إلى ما أودع فطرته من معرفة بربها الحق، وشوق إليه، ولياذ به في الشدائد .. فهذه الفطرة قد تفسد كذلك بسبب ما يقع عليها من ضغوط داخلية وخارجية، وبسبب الإغواء والاستهواء الذي يقوم به شياطين الجن والإنس، بكل ما يملكون من أجهزه التوجيه والتأثير .. إنما يكل الله الناس إلى وحيه ورسله وهداه وكتبه، ليرد فطرتهم إلى استقامتها وصفائها، وليردّ عقولهم إلى صحتها وسلامتها، وليجلو عنهم غاشية من داخل أنفسهم ومن خارجها .. وهذا هو الذي يليق بكرم الله وفضله، ورحمته وعدله، وحكمته وعلمه ..
فما كان ليخلق البشر ثم يتركهم سدى .. ثم يحاسبهم يوم القيامة ولم يبعث فيهم رسولا: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا .. فتقدير الله قدره يقتضي الاعتقاد
стр. 1661
الأساس فى التفسير، ج ٣، ص: ١٧١٢
بأنه أرسل إلى عباده رسلا يستنقذون فطرتهم من الركام، ويساعدون عقولهم على الخلاص من الضغوط، والانطلاق للنظر الخالص والتدبر العميق. وأنه أوحى إلى هؤلاء منهج الدعوة إلى الله، وأنزل على بعضهم كتبا تبقى بعدهم في قومهم إلى حين- ككتب موسى وداود وعيسى- أو تبقى إلى آخر الزمان كهذا القرآن.
ولما كانت رسالة موسى معروفة بين العرب في الجزيرة العربية، وكان أهل الكتاب معروفين هناك، فقد أمر الله رسوله أن يواجه المشركين المنكرين لأصل الرسالة والوحي، بتلك الحقيقة: قُلْ: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ
فائدة: [سبب نزول آية وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... ]
للمفسرين في سبب نزول قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... اتجاهان:
اتجاه أنها نزلت في قريش واختاره ابن جرير، واتجاه أنها نزلت في طائفة من اليهود، أو في فنحاص رجل من اليهود، أو في مالك بن الصيف من اليهود أيضا والذين يرون أنها في مالك بن الصيف يروون هذه الحادثة: أن جماعة من اليهود منهم مالك بن الصيف كانوا يجادلون النّبي عليه الصلاة السلام فقال النبي ﵊ له: أليس في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟ قال نعم. قال: فأنت الحبر السمين. فغضب وقال: ما أنزل الله على بشر من شئ».
أقول: من الملاحظ في عصرنا أن بعض رجال الدّين من غير المسلمين إذا فشلوا في إقناع الإنسان بدينهم حاولوا تشكيكه في الأديان كلها، وقد روى لي واحد من النصارى الذين أسلموا أن واحدا من علماء النصارى عندما فشل في إقناعه في العودة إلى النصرانية حاول أن يشككه بأصل الأديان كلها ولكن مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ*.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً. أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله كهؤلاء الذين قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ. أي: كهؤلاء الذين يدّعون النبوة أمثال مسيلمة وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ. أي: ومن ادّعى أنه يعارض ما جاء من عند الله بما يفتريه من القول كالنّضر بن الحارث، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، أي لا أحد أظلم من هؤلاء الأنواع الثلاثة وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ من أمثال هؤلاء المذكورين فِي غَمَراتِ
стр. 1662
الْمَوْتِ. أي: في شدائده وسكراته وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ. أي:
يبسطون أيديهم بالعذاب يقولون: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ. أي: هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم وفي هذا تصوير للتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ المراد باليوم وقت الإماتة وما يعذّبون به من شدّة النّزع، والهون الهوان الشدّيد والمعنى: اليوم تهانون غاية الإهانة بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِ من أنّ له شريكا أو ولدا، أو أنه لا يرسل رسلا ولم ينزل كتبا، أو تزعمون أنّه أنزل عليكم ولم ينزل وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ فلا تؤمنون بها ولا تنقادون لها
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى هذا يقال لهم يوم القيامة. ومعنى فرادى منفردين بلا مال ولا معين كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ. أي: على الهيئات التي ولدتم عليها في الانفراد وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ. أي: ما ملّكناكم وَراءَ ظُهُورِكُمْ فلم تحملوا منه نقيرا وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ.
أي: في استعبادكم وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والشركاء؛ ظانّين أنّها تنفعهم في معاشهم ومعادهم على حسب نوع المشركين والشركاء لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ. أي: لقد وقع التّقطّع بينكم وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. أي: وضاع وبطل عنكم ما كنتم تزعمون أنّ ما عبدتموه شفيع لكم.
فائدة: [نقل كلام ابن كثير في قوله: وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ ... ]
بمناسبة قوله تعالى: وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ .. ينقل ابن كثير ما يلي: ثبت في الصحيح أنّ رسول الله ﷺ قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأبقيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس».
وقال الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج (أي ولد الضأن) فيقول الله- أين ما جمعت؟ فيقول: يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان.
فيقول له: يا ابن آدم أين ما قدّمت لنفسك؟! فلا يراه قدمّ شيئا، وتلا هذه الآية وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ الآية. رواه ابن أبي حاتم.
стр. 1663
كلمة في السياق:
هذا المقطع هو نهاية القسم الأول من السورة، وقد أعطانا نموذجا لأهل الإيمان وحجّة على الكفر وأهله. وكيف أن الكفر وأهله لا حجّة لهم، ثم عدّد لنا مجموعة من النماذج الإيمانية الراقية، وكيف أن هذه النماذج الراقية لا ينقطع المقتدون بها، وأن الإيمان مستمر، وأهله مستمرون، وذكر لنا أنّ الذين لا يؤمنون بوحي الله لا يعرفون الله، وذكر ما أعدّ الله للظالمين يوم القيامة، فالمقطع سائر على سنن السورة في سياقها الخاص، وفي تفصيلها لمحورها، وبهذا المقطع ينتهي القسم الأول من سورة الأنعام ليبدأ القسم الثاني.
إنّه بعد هذه الموجات والجولات، وبعد الحوار الشامل، يأتي الآن قسم جديد يبدأ بالكلام عن الله بما هو ألصق بمحور السورة، ثم يجول جولات مع الكافرين في مقطعه الأول، ثم يعود السياق لذكر ما هو ألصق بمحور السورة، ثمّ يجول جولات مع الكافرين لتنتهي السورة بذكر ما هو ألصق بمحور السورة، فلا تنتهي السّورة إلا وقد فصّلت في محورها، واستكملت سياقها في إقامة الحجة على الكفر وأهله.
стр. 1664
القسم الثاني من السورة [وهو الآيات (٩٥ - ١٦٥)]
يكاد يكون واضحا أن سورة الأنعام تنقسم إلى قسمين. القسم الأول: هو المقاطع الثلاثة السابقة التي بدأت بمقدمة السورة:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
والقسم الثاني هو ما تبقّى من السورة وهو مقطعان وبدايته قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ
لقد أقام الله- الحجة على الكافرين في القسم الأول. وعرّفنا على ذاته.
ويأتي بعد ذلك القسم الثاني وفيه تعريف على الله، وإقامة حجّة على الكافرين ومناقشتهم فيما ذهبوا إليه مما لا يقتضيه الإيمان بالله ومعرفته.
والقسم الثاني يتألف من مقطعين واضحي البدايات والنهايات فتحصل أن مجموع مقاطع السورة خمسة تأتي ضمن قسمين كبيرين.
بين يدي المقطع الأول من القسم الثاني: يتألف المقطع الأول من القسم الثاني من مقدمة وثلاث فقرات.
تتحدث المقدمة عن الله- وعمّا خلق، وعمّا فعل للإنسان، ثمّ تأتي ثلاث فقرات معطوف بعضها على بعض، وكلها مبدوءة بفعل ماض يتحدث عن مواقف للكافرين: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ... وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ..
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً .. فإذا انتهت الفقرة الأخيرة يعود السياق للحديث عمّا خلق الله للإنسان، وبذلك يبدأ المقطع الثاني من القسم الثاني وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ ....
***
стр. 1665
المقطع الأول من القسم الثاني من سورة الأنعام ويمتد من الآية (٩٥) إلى نهاية الآية (١٤٠) وهذا هو:
«المقدمة» ٦/ ٩٩ - ٩٥ الفقرة الأولى ٦/ ١٠١ - ١٠٠
стр. 1666
٦/ ١٠٨ - ١٠٢ الفقرة الثانية ٦/ ١١١ - ١٠٩
стр. 1667
٦/ ١٢١ - ١١٢
стр. 1668
٦/ ١٢٩ - ١٢٢
стр. 1669
٦/ ١٣٥ - ١٣٠ الفقرة الثالثة ٦/ ١٣٧ - ١٣٦
стр. 1670
٦/ ١٤٠ - ١٣٨
كلمة في المقطع:
إن في هذا المقطع والذي بعده دلالة واضحة على أن محور سورة الأنعام هو الآيتان اللتان ذكرناهما من سورة البقرة فلنلاحظ الصلات: جاء في آيتي المحور قوله تعالى:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ.
ويبدأ هذا المقطع بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ - كما يرد في الآيات الأولى منه وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ. وجاء في آيتي المحور قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.
ونجد في الآيات الأولى من المقطع قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
ويسير المقطع عارضا مواقف الكافرين، ومقيما الحجة عليهم حتى يصل إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، وذلك مرتبط بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فالله خلق لكم وحدّد لكم طريقة الانتفاع ببعض الأشياء. ولقد قلنا من قبل إن قوله تعالى في سورة البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وقوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ إنما
стр. 1671
هو امتداد للكلام عن خلق الأشياء لصالح الإنسان. وههنا يذكر الله- شرط حلّ الذبائح، ثم يسير المقطع مقيما الحجّة على الكافرين حتى ينتهي بذكر ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم، مما يتناقض مع إباحة الله الأشياء للإنسان وارتباط ذلك بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً واضح المعالم، وسنرى أن المقطع الثاني من القسم استمرار للكلام عما خلق الله من أجلنا وعن موضوع التحريم. ولنبدأ عرض المعاني العامّة للمقطع:
المعنى العام:
يبتدئ المقطع بالإخبار عن الله أنه فالق الحب والنوى، أي أنه سبحانه الذي يشقه في الثرى فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها، من الحبوب والثّمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها، ويخرج النبات الحي من الحب والنّوى اللذين هما كالجماد الميت، ويخرج الولد الصالح من الفاجر، والفاجر من الصالح، والحي من الأرض الميتة، والميت مما هو حي. هذا كله فعل الله، وفاعله هو الله وحده، فكيف يصرف الناس عن الحق ويعدلون عنه إلى الباطل؛ فيعبدون معه غيره، أو يكفرون به، ومن هذه البداية في هذا المقطع ندرك كيف أن المقطع يفصّل في محور السورة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً .... وسنرى ذلك واضحا في كل ما يأتي.
- ثم أخبر تعالى أنه خالق الضياء والظلام، فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرّة الصباح، فيضئ الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه، ويجئ النهار بضيائه وإشراقه، وذلك من آثار قدرته- على خلق الأشياء المتضادّة المختلفة، الدّالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه. وكما أنه فلق الإصباح، فقد جعل الليل ساجيا مظلما لتسكن فيه الأشياء، وجعل الشمس والقمر بحساب مقنّن مقدّر، لا يتغيّر ولا يضطرب، بل لكل منها منازل يسلكها ضمن النظام الدقيق للمجوعة الشمسية مع الأرض، مما يترتب عليه ما يترتّب، والجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف، العليم بكل شئ فلا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء.
- وكما فعل هذا كله فقد جعل النّجوم ليهتدي بها الإنسان في ظلمات البرّ والبحر،
стр. 1672
فلولاها لضاع الإنسان ولم يستطع أن يسلك طريقا بحريا، ولا أن يهتدي في الظلام إلى طريق- وهو موضوع سنراه- فما أوضح آياته- جل شأنه- في الكون، وكم فصّل آياته في كتابه، ولكن العالم وحده هو الذي يعرفها، ويعقلها ويؤمن بالله الذي خلق السموات والأرض، وأنزل القرآن.
- وكما فعل ما مر كله فهو الذي أنشأنا من نفس واحدة- هي نفس آدم- ثمّ جعلنا نستمرّ بالتزاوج والتوالد عن طريق الأرحام والأصلاب، ولا يدرك عظمة هذه الآية- آية نشأتنا الأولى واستمرارنا عن طريق التزاوج والحمل- إلا من كان عنده فقه قلب يعي به كلام الله ومعناه.
- وكما فعل الله- ما مر فهو الذي أنزل من السماء ماء بقدر، مباركا ورزقا للعباد وإحياء وغياثا للخلائق؛ رحمة من الله بخلقه، فأخرج بهذا الماء كل أصناف النبات ومنه الزرع والشّجر الأخضر، ومنه الذي يخلق الله فيه الحب الذي يركب بعضه بعضا كالسنابل، ومنه النخل الدانية العذوق القريبة المتناول، ويخرج بهذا الماء جنات من أعناب، ويخرج به الزيتون والرمّان المتشابه في الورق والشّكل والمتخالف في الثّمار شكلا وطعما وطبعا، كل ذلك يستأهل النظر، ولذلك أمر الله بالنظر إلى ثمره حين نضجه؛ ليتفكر الإنسان في قدرة خالقه من العدم إلى الوجود، فبعد أن كان حطبا صار رطبا، ولقد خلق من الألوان والأشكال والطعوم والروائح الكثير إن في هذا كله لآيات ودلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء ورحمته لقوم يصدّقون به، ويتّبعون رسله، وبعد هذه الآيات التي دلّلت على الله،
وسفّهت الكافرين به، وأقامت الحجة على أهل الكفر بظاهرة العناية هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً والتي رأينا بعضا من تفصيلاتها هنا تأتي الفقرة الأولى من المقطع فنجدنا أمام عرض لأنواع من الكفر ومناقشة لأهله: لقد ذكر الله أنّ المشركين أشركوا في عبادته الجنّ؛ فجعلوهم شركاء له في العبادة- تعالى الله عن شركهم وكفرهم- فإن قيل من يعبد الجن؟
فالجواب أنّ كل من أطاع الشيطان- وما أكثرهم- فقد عبد الجن. لقد عبد الإنسان الشيطان وترك عبادة الله وهو الذي خلقه! وكما عبد الجن فقد افترى على الله كذبا بأن جعل له بنين وبنات جهلا وسفها وضلالا، تقدّس الله وتنزّه وتعاظم عمّا يصفه هؤلاء الجهلة الضالّون من الأولاد والأنداد والنّظراء والشّركاء، وكيف لا ينزّه عن هذا وهو المنفرد
стр. 1673
بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا نظير! وهو مبدع السموات والأرض، وخالقهما ومنشئهما ومحدثهما على غير مثال سبق! ومن كان هذا شأنه فكيف يكون له ولد! والولد إنما يتولد بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شئ من خلقه؛ لأنّه خالق كل شئ فلا صاحبة له، وإذ لا صاحبة له فلا ولد له، وكيف يكون له صاحبة أو ولد وهو الذي خلق كل شئ! وهو الذي بكلّ شئ عليم، ومن كان كذلك فإنّه لا نظير له
- هذا الإله الذي خلق السموات والأرض وأبدعهما، وخلق كل شئ والذي هو بكل شئ عليم، هو ربنا، لا الجنّ ولا غيرهم، فهو الذي لا إله إلا هو وهو خالق كل شئ، وهو الذي يستحقّ العبادة وحده؛ فاعبدوه وحده؛ إذ هو الحفيظ والرقيب والمدبّر لكل من سواه، يرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار.
- هذا الإله العظيم لا تدركه الأبصار في الدنيا، ولا تحيط به لا في الدنيا ولا في الآخرة، فلا أحد يستطيع أن يحيط بكنه عظمته وجلاله على ما هو عليه، أما هو فإنه يدرك الأبصار، يراها ويحيط بها علما على ما هي عليه؛ لأنه خلقها، إذ هو اللطيف الذي يعلم دقائق الأمور ومشكلاتها، العليم بظواهر الأشياء وخفياتها.
وبعد أن قرّر المقطع شرك من أشرك وردّ عليهم الردّ البليغ العجيب المدهش الذي فيه وصف الذّات الإلهية مما يدّل على أنّ القرآن من عند الله، إذ من يستطيع أن يصف الله هذا الوصف المدهش إلا هو- ﷻ .
- ثمّ إنه بعد هذا الردّ المدهش والبلاغ العجيب يذكر الله- أنّه بإنزاله هذا القرآن قد أعطي البشر البصائر كلها أي: البينات والحجج التي يرى بها الإنسان الأشياء على ما هي عليه، فمن أبصر بها وعلى ضوئها فمصلحة ذلك عائدة عليه، ومن عمي عنها ولم ير بها فوبال ذلك عائد عليه، ومحمّد ﵊ مبلّغ وما هو بحافظ ولا رقيب. ثمّ بيّن تعالى أنّه بمثل هذا البيان الرائع، وهذا التقرير العظيم، وهذه الحجة الواضحة، يبيّن الآيات، ويوضّحها ويفسّرها، ويكرّرها، فأما الكافرون والمشركون والمنافقون، فإنّهم بدلا من أن يؤمنوا يتّهمون محمدا عليه الصلاة
стр. 1674
والسلام بأنّ هذا الكتاب أثر عن دراسته ومدراسته، لا أثر عن نبوته والوحي إليه، وأما العالمون فيؤمنون، ويتضح لهم بهذا الإيمان الحقّ كله في كل شئ نتيجة هذا التصريف للآيات بمثل هذا البيان والكمال.
وبعد هذا البيان يأتي الآن أمر ونهي لرسول الله ﷺ ولأمته من بعده.
أما الأمر فهو:
- أن عليه ﷺ أن يتّبع ما أنزل الله عليه بالاقتداء به واقتفاء أثره والعمل به، وأن عليه أن يعرض عن المشركين بالعفو والصفح، واحتمال الأذى حتى يفتح الله ثم بيّن الله تعالى:
- أن لله حكمة في إضلال الضالّين، فإنّه لو شاء لهدى الناس جميعا، ولو شاء لجمعهم على الهدى، فله المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وإذا كان الأمر كذلك فالله وحده هو الحفيظ على أقوالهم وأفعالهم، وهو الوكيل على أمورهم وأرزاقهم، وليس محمّد ﷺ بوكيل ولا بحفيظ بل هو مبلّغ فقط.
- ثمّ نهى الله رسوله ﷺ والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتّب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبّ إله المؤمنين، وهو لا إله إلا هو، يسبونه ظلما وجهلا، فمن أجل ألا يقع هذا فعلينا ألا نواجه المشركين بسبّ آلهتهم، ثمّ بيّن تعالى أنه كما زيّن لهؤلاء القوم حبّ أصنامهم والمحاماة لها والانتصار، كذلك زيّن لكل أمة ضالّة من الأمم الخالية عملهم الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره، وإليه المعاد، وسوف يحاسب الجميع على أعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وبهذا تنتهي الفقرة الأولى من المقطع.
وتأتي الآن فقرة أخرى على نفس السنن.
تلك مبدوءة ب: (وجعلوا) وهذه مبدوءة ب: (وأقسموا)
- يخبر الله تعالى عن المشركين والكافرين أنهم يحلفون الأيمان المؤكّدة لئن جاءتهم معجزة خارقة ليصدقنّها وهذا يفيد أنهّم يدّعون أنّ الآيات ليست كافية للإيمان، أو أنّها غير موجودة، وهذا كذب وافتراء وتعنّت منهم ولذلك فقد أمر الله رسوله أن يعلن
стр. 1675
أن أمر الآيات إلى الله، وأن الآيات عنده كثيرة، وما أنزل فيه كفاية ولكنّهم متعنّتون، ولذلك خاطب المؤمنين مبيّنا لهم أن الكافرين إذا جاءتهم الآيات التي يقترحونها فإنّهم لا يؤمنون- وذلك لأنّ سنّة الله أنّ من لم يؤمن أوّل مرّة بما أنزله الله مع قيام الحجة عليه فيه فإنّه لا يؤمن أبدا لأن الله يقلّب قلوب هؤلاء وأفئدتهم؛ جزاء لهم على
عدم الإيمان، ولذلك فإنهم لو جاءتهم الآيات المقترحة فإنهم يرفضونها ويبقون في كفرهم وضلالهم يلعبون ويتردّدون ويتحيّرون، ثمّ بيّن تعالى أنّه لو أجاب سؤال هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمننّ بها، فنزّل عليهم الملائكة تخبرهم بالرّسالة من الله بتصديق الرسل، ولو بعث لهم الموتى فكلّموهم وأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل، ولو أنّه حشر عليهم الأمم فعرضت عليهم أمة بعد أمة فأخبرهم الجميع بصدق الرسل فيما جاءوهم به، ولو حدث هذا كله فإنّه ما كان لهم أن يؤمنوا إلا إذا شاء الله هدايتهم، وهو إن هدى يهدي فضلا، وإن أضل يضل عدلا. يهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الضلال، وذلك من آثار علمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته، ولكنّ أكثر الخلق جاهلون بالله وبسننه، وفي ذلك أمر للمؤمنين ألا يكونوا من الجاهلين وإذ تقررت هذه المعاني يخبر الله- رسوله ﷺ والمؤمنين بسنة من سننه هي أنّه:
- كما جعل لمحمد ﷺ أعداء يخالفونه ويعاندونه فقد جعل لكل نبي من قبله أيضا أعداء من شياطين الإنس والجن يلقي بعض هؤلاء إلى الآخر القول المزيّن المزخرف، وهو المزوق الذي يغتر سامعه- من الجهلة- بأمره، وذلك كله بقدر الله وقضائه ومشيئته. فدع يا محمد ومن اتبعك هذا القول الكاذب المزخرف الغرور وأهله.
فإن الذين لا يؤمنون بالآخرة هم الذين تميل قلوبهم وعقولهم وأسماعهم إليه، فليرض هؤلاء هذا الزّخرف، وليتبنّوه وليكتسبوا ما هم مكتسبون، وليعملوا ما هم عاملون، فلهم طريق ولك ولأتباعك طريق. ومن هذا العرض عرفنا أن العلّة التي منها يبدأ الزّيغ هي الكفر بالآخرة، فهي التي يترتّب عليها كل شر، ومن الآيات عرفنا أنّ من يضل فلاستحقاقه الضلال بكفره وذنبه، وإذا استقرت هذه المعاني فإنّ الله يأمر رسوله ﷺ أن يردّ على كل ما مرّ من كلام الكافرين واتجاهاتهم بالإعلان:
- أنه لا يقبل غير الله حكما، وقد حكم الله له، وعليهم بكتابه البيّن المفصّل الكامل الحجّة، هذا الكتاب الذي يعلم المنصفون من أهل الكتاب أنّه منزّل من الله
стр. 1676
بالحق؛ وذلك ممّا عندهم من البشارات في كتبهم، ثمّ ينهى الله رسوله ﷺ أن يكون من الشاكّين، ولم يشكّ ﵊ وإنما هو الرب يأمر وينهى، والأمر لرسوله ﷺ أمر لأمّته.
- ثمّ بيّن- أنه قد جعل كتابه كاملا وتاما، صادقا فيما قال وفيما أخبر، عدلا فيما حكم وفيما أمر، فكلّ ما أخبر به فحقّ لا مرية فيه ولا شكّ، وكلّ ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكلّ ما نهى عنه فهو الباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، وليس لأحد أن يعقّب على حكمه، أو ينقضه، أو يبدّله، أو يغيّره، وأنّ الله هو السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، الذي يجازي كل عامل بعمله.
وبعد أن أمر الله- رسوله ﷺ أن يعلن أنه لا يرضى غير الله حكما بيّن له في هذا المقام أنّ أكثر أهل الأرض على ضلال، وأنّهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنّما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل، وأنّ الله وحده هو الأعلم بمن يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين، ولذلك فلا تبتغ غيره حكما لأنّ أكثرية أهل الأرض إن اتّبعتها تضلّك، فما أعظم هذا البيان في هذا المقام إذ كثير من الناس تغره الأكثرية وتضلّه، أما المسلم فالله هو وحده مصدر الهداية والإضلال عنده، ومنه تتلقى الهداية. ولو خالف الخلق كلهم أمره فإنهم ضالون.
وفي هذا السياق- سياق أن الحكم لله وحده وأنّه لا طاعة للخلق في معصية الله- يقرّر الله- إباحة الذبائح إن ذكر عليها اسم الله، وحرمتها إذا لم يذكر عليها اسم الله، مع حوار مع المشركين في هذا المقام، وكل ذلك منسجم مع سياق ما قبله وما بعده.
فلنر المعاني ثمّ لنر الارتباط:
يأمر الله- عباده المؤمنين- أمر إباحة- أن يأكلوا من الذّبائح ما ذكر عليه اسمه، ومفهومه أنّه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه مما يستبيحه الكفار قديما وحديثا من أكل أنواع الميتات، أو ما له حكمها، ثمّ ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، مبيّنا لهم أنّه لا داعي إلى التحرّج في ذلك بعد أن بين لنا ما حرّم علينا، ثمّ بيّن تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة من استحلالهم: الميتات، وما ذكر عليه غير
стр. 1677
اسم الله تعالى، وإضلالهم البشر بغير علم، وهدّدهم بأنّه هو الأعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم؛ وسيجازيهم عليه.
- ثمّ أمر الله تعالى عباده أن يتركوا معصيته في السرّ والعلانية، قليلها وكثيرها، مبيّنا أن الذين يعملون الآثام- سواء كانت ظاهرة أو خفية- سيجزيهم على أعمالهم، وفي ذكر هذه الآية في هذا السياق تهديد لمن يضلّون بأهوائهم، ولمن يخالفون أمر الله في أكل ما لم يذكر اسم الله عليه.
- ثمّ نهى الله- نهيا جازما عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح، وعن أكل ما لم يذبح أصلا من أنواع الميتات، مبيّنا أنّ ذلك فسوق عن أمر الله، ومخالفة لأمره، وإذ يكثر جدال الكافرين في هذا المقام؛ لأنهم لا يفرقون بين ما ذكر اسم الله عليه وما لم يذكر، ولا يفرّقون بين الميتة والذبيحة، متناسين أنّه لا فارق بين الإنسان وبين الحيوان من حيث إن لكل روحا، وأنّ الله الذي أباح للإنسان أن يزهق روح الحيوان أباح ذلك له بشرط ذكر اسمه عليه، فإذ يكثر جدال الكافرين في هذا المقام بيّن الله- أنّ الشياطين يوحون إلى من يطيعونهم بمختلف الحجج من أجل أن يجادلوا المسلمين، ثمّ هدّد الله المسلمين أنّهم إن أطاعوهم في ما يريدونهم عليه فإنهم مشركون حين يعدلون عن أمر الله إلى قول غيره، ويقدمونه عليه.
ولو أنّنا تأمّلنا قوله تعالى: شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وقوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ فإننا نجد الصلة بين مجموعة الآيات التي بين أيدينا وبين التي قبلها. كما نرى أن هذه المجموعة نموذج ومثال على مجموعة أمور لها علاقة
في السياق الجزئي. فهي نموذج على وساوس الشيطان وأوليائه فيما يخالف شرع الله والرضا بحكمه، وهي نموذج على ما تقتضيه العبودية لله الذي خلق لنا ما في الأرض جميعا، فاقتضى ذلك أن نلتزم أمره في الانتفاع بما خلق بالطريق الذي حدده.
ولنعد إلى السياق:
فبعد هذه الجولة في موضوع الهداية والضلال وبعض متعلقاتهما يضرب الله مثلا للمؤمن الذي كان ميتا- اي في الضلالة هالكا- فأحياه الله أي أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له، ووفّقه لاتّباع رسله، وجعل له نورا يمشي به في النّاس فيهتدي كيف يسلك وكيف
стр. 1678
يتصرف بين الناس على ضوء هذا القرآن، وللكافر الغارق في الظلمات والجهالات والأهواء والضّلالات المتفرقة لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص ممّا هو فيه هل يستوي هذا مع هذا؟ لا يستويان، ومع ذلك فإن الكافر يستحسن ما هو عليه، لأن الله زيّن له ما هو فيه قدرا من الله، وحكمة بالغة منه لا إله إلا هو ولا شريك له، ومن خلال العرض نعرف حكمة أخرى من حكم الإضلال: فقد بيّن الله- بعد أن ضرب المثل السابق للمهتدي والضال أنه كما جعل في مكة أكابر من المجرمين، ودعاة إلى الكفر والصدّ عن سبيل الله، وإلى مخالفة رسول الله ﷺ وعداوته كذلك جعل في كل قرية أكابر مجرميها ليدعوا إلى الضلالة بزخرف من القول والفعل، وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم، وهم لا يشعرون بذلك، وإذن فإجرامهم هو سبب ضلالهم، هؤلاء المجرمون الكبار إذا جاءتهم آية وبرهان وحجّة قاطعة رفضوا الإيمان حتى تأتيهم الملائكة من الله بالرّسالة كما تأتي إلى الرسل، وإذا فما أقسموا عليه في أول الفقرة من كونهم إذا جاءتهم آية يؤمنون بها محض كذب؛ فإنّ الدوافع الأصلية لكفرهم هو حسدهم أن يبعث الله رسولا غيرهم، وهنا يبيّن الله أنّه هو الأعلم حيث يضع رسالته، ومن يصلح لها من خلقه، ثمّ أوعد الله هؤلاء المجرمين بأنه ستصيبهم يوم القيامة ذلّة دائمة، لقد استكبروا في الدنيا فأعقبهم ذلك ذلا يوم القيامة، ومع الذلة عذاب أليم شديد بسبب مكرهم، ولما كان المكر في الغالب إنما يكون خفيا: وهو التلطف في التّحيّل والخديعة قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة؛ جزاء وفاقا، وبعد إذ تقرّر أنّ الهدى من الله، والضلال من الله، وأن الضلال له أسباب، ذكر الله- علامة من يريد هدايته، ومن يريد ضلاله، فأما علامة من يريد هدايته فهو شرح صدره للإسلام بأن ييسّره للإسلام، وينشّطه ويسهّله لذلك، وأمّا علامة من يريد إضلاله فهو جعل صدره ضيقا بلا إله إلا الله حتى لا يستطيع أن تدخل قلبه؛ حتى إنّه من شدة ضيقه بها ليصل إلى درجة الاختناق كشأن الذي يصعّد في السماء، فإنه يضيق صدره لدرجة الاختناق ثم يختنق، وكما جعل الله صدر من أراد إضلاله ضيّقا حرجا، كذلك يسلط الله الشيطان عليه فيغويه ويصدّه عن سبيل الله، ولما ذكر علامة من يريد إضلاله، بيّن أنّ هذا القرآن وهذا الدّين هو صراط الله المستقيم، وقد وضّح الله فيه الآيات وبيّنها وفسّرها لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله ﷺ ، وهؤلاء قد أعدّ الله لهم دار السلام وهي الجنة يوم القيامة، وإنّما وصف الله الجنة هاهنا بدار السلام إشعارا بأن سلوكهم الصراط المستقيم حقق لهم السلامة، فكما سلموا من آفات
стр. 1679
الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام، والله حافظهم وناصرهم ومؤيّدهم جزاء على أعمالهم الصالحة، ويجمع لهم مع الولاية الجنّة بمنّه وكرمه، وبعد إذ وصل السياق إلى هذا المعنى فإنّه يحدثنا عن حشر شياطين الجنّ والإنس، الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، الذين ذكروا في أوائل هذه الفقرة:
فيذكر يوم يحشر الجنّ وأولياؤهم من الإنس، الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ويعوذون بهم، ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، يومذاك يقال للجنّ إنّكم قد استكثرتم من إغواء الإنس وإضلالهم، ويعترف أولياؤهم من الإنس في هذا المقام بأنّ كلا من الجن والإنس قد استمتع بعضهم بالآخر حتى بلغوا الموت، فيكون الجواب أن النار مأواهم ومنزلهم جميعا أبدا بمشيئة الله وحكمه وعلمه، ثمّ بيّن الله سنته في خلقه بأنّه إنما يولي النّاس بعضهم بعضا بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان، فليس الإيمان بالتمنيّ، وفي ذلك تعليل لتولّي هؤلاء الكافرين لبعضهم بعضا، أن ذلك ما كان لولا كسبهم السيئ، والكسب السيئ هو أداة الوصول إلى النّار، ثمّ يذكر الله- شيئا آخر مما يقرع الله به كافري الجن والإنس يوم القيامة، حيث يسألهم- وهو أعلم-: هل بلّغتهم الرسل رسالاته؟ وهل قصّوا عليهم آياته؟ وهل أنذروهم لقاء اليوم الآخر؟ فيقرّون بأنّ هذا كله قد كان، ولكنّهم اغترّوا بالحياة الدنيا، وفرّطوا بها، وشهدوا على أنفسهم يوم القيامة أنهم كانوا كافرين، فالحجّة إذن قائمة عليهم في الدنيا والآخرة، لأنّ سنة الله أنه لا يعاجل النّاس بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولا ينبههم ويقيم حجج الله عليهم، وينذرهم عذاب الله يوم معادهم، ولم يكن الله ليأخذهم على غفلة فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، وأنّ سنته أنّ لكل عامل في طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله يبلّغه إياها ويجزيه بسببها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وما الله بغافل عن عمل عامل، ويحصي عليه وله أعماله ويثبتها عنده ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه، ثم يختم الله- هذه الفقرة الطويلة بتقرير أنه الغني عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، وهو مع ذلك رحيم بخلقه، وأنه إن شاء أن يذهبنا إن خالفنا أمره ويستخلف بدلنا قوما آخرين يعملون بطاعته، فإنّه قادر على ذلك، سهل عليه، يسير لديه، كما أذهب القرون الأولى، كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، وعلى كل حال فإن أمر القيامة آت، وما أحد بمعجز الله بل هو القادر على الإعادة وإن صرنا ترابا ورفاتا، وفي الختام يأمر الله رسوله ﷺ أن
стр. 1680
يقول لقومه استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنّون أنّكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، وسوف تعلمون لمن تكون عاقبة الدار، أتكون لي أو لكم، مع العلم أن الظالمين لا يفلحون وأنتم كذلك. وفي هذا الإعلان تهديد شديد، ووعيد لهم، وقد أنجز الله وعده لرسوله ﷺ في الدنيا وهو منجز له وعده في الآخرة، وبهذا تنتهي الفقرة الثانية في المقطع الأول من القسم الثاني.
في مقدمة المقطع كان الكلام عن الله وقدرته وعنايته بخلقه.
وفي الفقرة الأولى قصّ الله علينا كيف أنه مع كل هذا فقد جعلوا له شركاء.
وفي الفقرة الثانية بيّن لنا أنّ الكافرين أقسموا إن جاءتهم آية ليؤمننّ بها.
وتأتي الآن الفقرة الثالثة لتقصّ علينا من أفعال الكافرين وهي مبدوءة ب وَجَعَلُوا .... الفقرة الأولى مبدوءة بقوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ ....
والفقرة الثانية مبدوءة بقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ....
والفقرة الثالثة وهي الأخيرة في هذا المقطع مبدوءة بقوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً ....
لقد بيّن الله- في الفقرة الأخيرة كيف أنّ المشركين ابتدعوا بدعا وكفرا وشركا، وجعلوا لله شريكا من خلقه وهو خالق كل شئ. فجعلوا لله مما خلق وبرأ من الزروع والثمار والأنعام جزءا وقسما، وجعلوا لشركائهم قسما وحظا فما كان من حرث أو ثمرة أو شئ من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه- وما كان لله- في زعمهم- لم يحصوه ولم يحفظوه بل يجعلوه للوثن، فحقوق شركائهم محفوظة- وحق الله الذي ابتدعوه له ولم يشرعه لهم ضائع مع أنّهم هم الذين اخترعوه، فما أسوأ أحكامهم، وما أجهلهم بخالقهم وحقوقه! لم يعرفوا أنّ الله خالق كل شئ وهو مالكه، ولم يتصرفوا بملكه على الوجه الذي يرضيه، ولم يجعلوا له ما شرعه وأشركوا معه غيره، ثم حفظوا حق غيره وضيّعوا ما أعطوه من حقوق ابتدعوها، فأي جهل بالله أكبر، وكما زينت الشياطين لهؤلاء أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا على طريقتهم التي رأيناها، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق، وزينوا لهم وأد البنات خشية العار؛ ليهلكوهم بذلك؛ وليخلطوا عليهم دين الله الذي هو دين الفطرة،
стр. 1681
وكل هذا واقع بمشيئته تعالى وإرادته، وله الحكمة التامة في ذلك كله؛ إذ الأمر أمره، والقهر قهره، ولا يكون شئ في ملكه إلا بمشيئته، وإذ كان الأمر كذلك فدع يا محمد، ثم يا مسلم هؤلاء واجتنبهم وما هم عليه، واحمد الله على الهدى، فسيحكم الله بينك وبينهم، وكما أخطئوا في ما مرّ أخطئوا كذلك بأن شرعوا لأنفسهم فجعلوا أنعاما وحرثا محرّمة إلا على من شاءوا، وجعلوا أنعاما محرّمة على الرّكوب، وجعلوا أنعاما لا يذكر عليها اسم الله لا إن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا أن حملوا، ولا إن نتجوا، وكل ذلك افتراء على الله وكذب عليه منهم في إسنادهم ذلك إلى شرع الله ودينه، فإنّه لم يأذن لهم في ذلك ولا رضيه منهم، ولذلك هدّدهم بأنّه سيجزيهم بما كانوا يفترون عليه ويسندونه إليه فيعذبهم. وكما أخطئوا في هذا كله فقد أخطئوا في تشريعهم لأنفسهم تحريم اللبن على الإناث وتحليله للذكور، وجعل ولد الشاة إن كان ذكرا للذكور فقط، يذبحونه ويأكلونه، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء، وكل ذلك من عند أنفسهم، وسيجزيهم الله على هذا الكذب، ومجازاته لهم هي عين الحكمة وهو العليم بأعمال عباده، من خير وشر، وسيجزيهم عليها أتم الجزاء، وبهذا تمّ المقطع معرّفا على الله، مبيّنا عقائد وأفعالا للكافرين ورادّا عليها.
كلمة في السياق:
يتألف هذا المقطع من مقدمة وثلاث فقرات، كل فقرة مبدوءة بفعل ماض يتكلم عن الكافرين: وَجَعَلُوا، وَأَقْسَمُوا، وَجَعَلُوا.
المقدمة تحدثت عما فعله الله لهذا الإنسان، والفقرة الأولى تحدثت عن اتخاذ الإنسان شريكا لله، والفقرة الثانية تحدثت عن دعوى الكافرين أنهم يؤمنون لو جاءتهم آية، والفقرة الثالثة تحدثت عن بعض ما شرعه الكافرون لأنفسهم في اثنتين من أكبر نعم الله على الإنسان: الأنعام والحرث.
فالمقطع في سياقه شديد الصلة ببعضه، وهو شديد الصلة كذلك بمحوره من سورة البقرة- كما رأينا وكما سنرى- شديد الصلة فيما قبله وما بعده من سورة الأنعام.
المعنى الحرفي:
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى الفلق: الشّقّ، والمعنى: فلق الحب عن السنبلة، والنواة عن النخلة. فهو فالق الحب والنوى بالنّبات والشجر يُخْرِجُ الْحَيَ
стр. 1682
مِنَ الْمَيِّتِ. أي: يخرج النبات الغض النامي من الأرض الميتة وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ كما هو مشاهد، ويمكن أن نفهم النصّ على أنّه يخرج الكافر من المؤمن، والمؤمن من الكافر. وهذا لفت نظر إلى قدرته على بعثهم؛ فالذي خلق هذه الأشياء قادر على بعثهم ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. أي: ذلكم المحيي المميت القادر هو الذي تحقّ له الربوبيّة فكيف تصرفون عنه وعن الإيمان به وعن توليه بعد وضوح الأمر
فالِقُ الْإِصْباحِ. أي: شاقّ عمود الصبح عن سواد الليل، أو خالق نور النهار وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً. أي: مسكونا فيه، يسكن فيه الخلق عن كدّ المعيشة إلى نوم الغفلة، ويسكن فيه أحبابه عن وحشة الخلق إلى الأنس بالحق وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً. أي: وجعل الشمس والقمر علمي حسبان أي علمين على نوع من الحساب؛ لأن حساب الأوقات يعلم بحركتهما ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. أي:
ذلك التسيير بالحساب المعلوم تقدير العزيز الذي قهرهما وسخّرهما، العليم بتدبيرهما وتسييرهما وبكل شئ
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ. أي: خلقها لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. أي: في ظلمات الليل في البر والبحر، أو في مشتبهات طرق البر والبحر قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. أي: قد بيّنّا الآيات الدالّة على التوحيد لقوم يعلمون
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ. أي: نفس آدم فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ. أي: فلكم مستقر في الرّحم، ومستودع في ظهور الآباء، أو مستقر فوق الأرض، ومستودع تحتها،
أو فمنكم مستقر ومنكم مستودع قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ الفقه يفيد تدقيق النظر، فهو معنى أوسع من العلم، وإنما ذكر العلم في الآية السابقة، والفقه هنا لأن الدلالة هناك أظهر، وهنا أدقّ، لأنّ إنشاء الإنس من نفس واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة أدقّ، فكان ذكر الفقه هنا والعلم هناك أوفق
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً قال النسفي: من السحاب مطرا فَأَخْرَجْنا بِهِ. أي: بالماء نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ. أي: أنبت كل صنف من أصناف النبات، فالسبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف مختلفة فَأَخْرَجْنا مِنْهُ. أي: من النبات خَضِراً. أي: شيئا أخضر وهو ما تشعّب من أصل النّبات الخارج من الحبّة نُخْرِجُ مِنْهُ. أي: من الخضر حَبًّا مُتَراكِباً وهو السنبل الذي تراكب حبّه وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ القنوان جمع قنو:
وهو العذق، والدانية القريبة من المجتني إما لثقل حملها، أو لقصر ساقها، وذكره ذكر لما يقابله، وهو غير الدانية، والمعنى: وقنوان دانية حاصلة من النّخل من طلعها
стр. 1683
وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ. أي: وأخرجنا كذلك بالمطر جنات من أعناب وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ. أي: وأخرجنا بالمطر الزيتون والرّمّان مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ. أي: متشابها وغير متشابه يعني أنّ الزّيتون والرّمّان بعضه متشابه وبعضه غير متشابه في القدر واللّون والطّعم، انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ. أي: إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضعيفا لا ينتفع به وَيَنْعِهِ. أي: ونضجه. ومعنى الأمر:
انظروا إليه ساعة خروجه، وإلى حال نضجه نظر اعتبار واستدلال على قدرة مدبّرة ومقدّرة وناقلة من حال إلى حال إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي: لآيات دالة على وجود القادر الحكيم ووحدانيته فإن حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المفترقة من أصل واحد، لا يكون إلا بإحداث قادر يعلم تفاصيلها، ويرجّح ما تقتضيه حكمته، ولا يعوقه عن فعله ندّ يعارضه، أو ضد يعانده، وبهذا تنتهي مقدمة المقطع وتعليقا على هذه المقدمة يقول صاحب الظلال:
«وبعد، فنحن- في هذا الدرس- أمام كتاب الكون المفتوح، الذي يمر به الغافلون في كل لحظة، فلا يقفون أمام خوارقه وآياته، ويمر به المطموسون فلا تتفتح عيونهم على عجائبه وبدائعه .. وها هو ذا النّسق القرآني العجيب يرتاد بنا هذا الوجود، كأنما نهبط إليه اللحظة، فيقفنا أمام معالمه العجيبة، ويفتح أعيننا على مشاهده الباهرة، ويثير تطلعنا إلى بدائعه التي يمر عليها الغافلون غافلين!
ها هو ذا يقفنا أمام الخارقة المعجزة التي تقع في كل لحظة من الليل والنهار .. خارقة انبثاق الحياة النابضة من هذا الموت الهامد .. لا ندري كيف انبثقت، ولا ندري من أين جاءت- إلا أنها جاءت من عند الله وانبثقت بقدر من الله. لا يقدر بشر على إدراك كنهها بله ابتداعها!
وها هو ذا يقف بنا أمام دورة الفلك العجيبة .. الدورة الهائلة الدائبة الدقيقة .. وهي خارقة لا يعدلها شئ مما يطلبونه من الخوارق .. وهي تتم في كل يوم وليلة بل تتم في كل ثانية ولحظة ..
وها هو ذا يقف بنا أمام الحياة البشرية .. من نفس واحدة .. وأمام تكاثرها بتلك الطريقة
وها هو ذا يقف أمام نشأة الحياة في النبات .. وأمام مشاهد الأمطار الهائلة والزروع
стр. 1684
النامية، والثمار اليانعة. وهي حشد من الحيوانات والمشاهد، ومجال للتأمل والزيادة.
لو نشاهدها بالحس المتوفز والقلب المتفتّح.
وها هو ذا الوجود كله، جديدا كأنما نراه أول مرة. حيا يعاطفنا ونعاطفه، متحركا تدب الحركة في أوصاله، عجيبا يشده الحواس والمشاعر. ناطقا بذاته عن خالقه. دالا بآياته على تفرده وقدرته ..
وعندئذ يبدو الشرك بالله- والسياق يواجه الشرك والمشركين بهذا الاستعراض- غريبا غريبا على فطرة هذا الوجود وطبيعته. وشأنها في ضمير من يشاهد هذا الوجود الحافل بدلائل الهدى ويتأمله. وتسقط حجة الشرك والمشركين في مواجهة هذا الإيمان الغامر في مجال الوجود العجيب».
فوائد: [حول الآيتين (٩٦، ٩٧)]
١ - قال صهيب الرومي ﵁ لامرأته وقد عاتبته في كثرة سهره: إن الله جعل الليل سكنا إلا لصهيب، إن صهيبا إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طار نومه. رواه ابن أبي حاتم.
٢ - قال ابن كثير: قال بعض السلف: من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه: أنّ الله جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، ويهتدى بها في ظلمات البرّ والبحر.
٣ - إن هداية الإنسان بالنجوم لا يفقهها إلا عالم، فلولا النجوم لما أمكن للإنسان أن يهتدي في ظلمات البر والبحر، ويكفي أن نشير إلى أن خطوط الطول والعرض مبينة بشكل ما على وضع نجم القطب، وأن ذلك كله أساس في اهتداء الإنسان في طيارته أو باخرته في عصرنا.
كلمة في السياق:
١ - بدأ القسم الأول من سورة الأنعام بقوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ويبدأ القسم الثاني بمقدمة تتحدث عن مظاهر قدرة الله: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى ..
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ .. هُوَ
стр. 1685
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ... ثمّ تأتي بعد هذه المقدمة فقرة مبدوءة بقوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ ... لاحظ كلمة (يعدلون) في الآية الأولى من السورة، والكلام عن الشركاء في الفقرة الأولى من القسم الثاني، لترى كيف أنّ السورة ذات سياق واحد، ولترى صحة ما اتجهنا إليه في تقسيم السورة إلى قسمين رئيسيين.
٢ - رأينا أن محور سورة الأنعام هو قوله تعالى في سورة البقرة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ... أنكر عليهم كفرهم مع ظاهرة الإحياء والإماتة، وأقام عليهم الحجة بظاهرة العناية، وفي مقدمة هذا المقطع تفصيل لمظاهر من خلق كل شئ لصالح الإنسان، وتدليل على القدرة بمظاهر من آثارها، فليتأمل ذلك. ولننتقل إلى الفقرة الأولى في المقطع.
«الفقرة الأولى»
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ بأن أطاعوا الشياطين فيما سوّلت لهم من شركهم فجعلوهم شركاء لله بدلا من التوحيد والإخلاص والعبادة والشّكر التي تقتضيها عناية الله التي رأينا مظاهرها قبل هذه الآية وَخَلَقَهُمْ الضمير (هم) إما أن يعود على الجن، وإما أن يعود على الجاعلين لله شركاء. والمعنى على الأول: وقد خلق الجن فكيف يكون المخلوق شريكا. وعلى الثاني: والله هو الذي خلق هؤلاء المشركين فكيف يعبدون معه غيره وهو وحده الذي خلقهم وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ. أي:
واختلقوا له فنسبوا إليه بنين كالنّصارى، وبنات كقول بعض العرب في الملائكة إنهم بنات الله بِغَيْرِ عِلْمٍ. أي: جاهلين بما قالوا أي: من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوا من خطأ أو صواب. ولكن رميا بقول عن جهالة سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ. أي: تنزّه وتقدّس وتعاظم عما يصفونه به من الشريك والوالد
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. أي: مبدعهما على غير مثال سبق والمعنى: أن الولادة من صفات الأجسام، ومخترع الأجسام لا يكون جسما حتى يكون له ولد أو مثل أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وهذا دليل آخر على استحالة أن يكون له ولد، إذ الولد إنما يكون متولدا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شئ من خلقه؛ لأنّه خالق كل شئ، فلا صاحبة له ولا ولد وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِ
следующие страницы →