← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وكل هذا واقع بمشيئته تعالى وإرادته، وله الحكمة التامة في ذلك كله؛ إذ الأمر أمره، والقهر قهره، ولا يكون شئ في ملكه إلا بمشيئته، وإذ كان الأمر كذلك فدع يا محمد، ثم يا مسلم هؤلاء واجتنبهم وما هم عليه، واحمد الله على الهدى، فسيحكم الله بينك وبينهم، وكما أخطئوا في ما مرّ أخطئوا كذلك بأن شرعوا لأنفسهم فجعلوا أنعاما وحرثا محرّمة إلا على من شاءوا، وجعلوا أنعاما محرّمة على الرّكوب، وجعلوا أنعاما لا يذكر عليها اسم الله لا إن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا أن حملوا، ولا إن نتجوا، وكل ذلك افتراء على الله وكذب عليه منهم في إسنادهم ذلك إلى شرع الله ودينه، فإنّه لم يأذن لهم في ذلك ولا رضيه منهم، ولذلك هدّدهم بأنّه سيجزيهم بما كانوا يفترون عليه ويسندونه إليه فيعذبهم. وكما أخطئوا في هذا كله فقد أخطئوا في تشريعهم لأنفسهم تحريم اللبن على الإناث وتحليله للذكور، وجعل ولد الشاة إن كان ذكرا للذكور فقط، يذبحونه ويأكلونه، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء، وكل ذلك من عند أنفسهم، وسيجزيهم الله على هذا الكذب، ومجازاته لهم هي عين الحكمة وهو العليم بأعمال عباده، من خير وشر، وسيجزيهم عليها أتم الجزاء، وبهذا تمّ المقطع معرّفا على الله، مبيّنا عقائد وأفعالا للكافرين ورادّا عليها. كلمة في السياق: يتألف هذا المقطع من مقدمة وثلاث فقرات، كل فقرة مبدوءة بفعل ماض يتكلم عن الكافرين: وَجَعَلُوا، وَأَقْسَمُوا، وَجَعَلُوا. المقدمة تحدثت عما فعله الله لهذا الإنسان، والفقرة الأولى تحدثت عن اتخاذ الإنسان شريكا لله، والفقرة الثانية تحدثت عن دعوى الكافرين أنهم يؤمنون لو جاءتهم آية، والفقرة الثالثة تحدثت عن بعض ما شرعه الكافرون لأنفسهم في اثنتين من أكبر نعم الله على الإنسان: الأنعام والحرث. فالمقطع في سياقه شديد الصلة ببعضه، وهو شديد الصلة كذلك بمحوره من سورة البقرة- كما رأينا وكما سنرى- شديد الصلة فيما قبله وما بعده من سورة الأنعام. المعنى الحرفي: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى الفلق: الشّقّ، والمعنى: فلق الحب عن السنبلة، والنواة عن النخلة. فهو فالق الحب والنوى بالنّبات والشجر يُخْرِجُ الْحَيَ

стр. 1682

مِنَ الْمَيِّتِ. أي: يخرج النبات الغض النامي من الأرض الميتة وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ كما هو مشاهد، ويمكن أن نفهم النصّ على أنّه يخرج الكافر من المؤمن، والمؤمن من الكافر. وهذا لفت نظر إلى قدرته على بعثهم؛ فالذي خلق هذه الأشياء قادر على بعثهم ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. أي: ذلكم المحيي المميت القادر هو الذي تحقّ له الربوبيّة فكيف تصرفون عنه وعن الإيمان به وعن توليه بعد وضوح الأمر فالِقُ الْإِصْباحِ. أي: شاقّ عمود الصبح عن سواد الليل، أو خالق نور النهار وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً. أي: مسكونا فيه، يسكن فيه الخلق عن كدّ المعيشة إلى نوم الغفلة، ويسكن فيه أحبابه عن وحشة الخلق إلى الأنس بالحق وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً. أي: وجعل الشمس والقمر علمي حسبان أي علمين على نوع من الحساب؛ لأن حساب الأوقات يعلم بحركتهما ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. أي: ذلك التسيير بالحساب المعلوم تقدير العزيز الذي قهرهما وسخّرهما، العليم بتدبيرهما وتسييرهما وبكل شئ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ. أي: خلقها لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. أي: في ظلمات الليل في البر والبحر، أو في مشتبهات طرق البر والبحر قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. أي: قد بيّنّا الآيات الدالّة على التوحيد لقوم يعلمون وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ. أي: نفس آدم فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ. أي: فلكم مستقر في الرّحم، ومستودع في ظهور الآباء، أو مستقر فوق الأرض، ومستودع تحتها، أو فمنكم مستقر ومنكم مستودع قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ الفقه يفيد تدقيق النظر، فهو معنى أوسع من العلم، وإنما ذكر العلم في الآية السابقة، والفقه هنا لأن الدلالة هناك أظهر، وهنا أدقّ، لأنّ إنشاء الإنس من نفس واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة أدقّ، فكان ذكر الفقه هنا والعلم هناك أوفق وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً قال النسفي: من السحاب مطرا فَأَخْرَجْنا بِهِ. أي: بالماء نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ. أي: أنبت كل صنف من أصناف النبات، فالسبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف مختلفة فَأَخْرَجْنا مِنْهُ. أي: من النبات خَضِراً. أي: شيئا أخضر وهو ما تشعّب من أصل النّبات الخارج من الحبّة نُخْرِجُ مِنْهُ. أي: من الخضر حَبًّا مُتَراكِباً وهو السنبل الذي تراكب حبّه وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ القنوان جمع قنو: وهو العذق، والدانية القريبة من المجتني إما لثقل حملها، أو لقصر ساقها، وذكره ذكر لما يقابله، وهو غير الدانية، والمعنى: وقنوان دانية حاصلة من النّخل من طلعها

стр. 1683

وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ. أي: وأخرجنا كذلك بالمطر جنات من أعناب وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ. أي: وأخرجنا بالمطر الزيتون والرّمّان مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ. أي: متشابها وغير متشابه يعني أنّ الزّيتون والرّمّان بعضه متشابه وبعضه غير متشابه في القدر واللّون والطّعم، انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ. أي: إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضعيفا لا ينتفع به وَيَنْعِهِ. أي: ونضجه. ومعنى الأمر: انظروا إليه ساعة خروجه، وإلى حال نضجه نظر اعتبار واستدلال على قدرة مدبّرة ومقدّرة وناقلة من حال إلى حال إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي: لآيات دالة على وجود القادر الحكيم ووحدانيته فإن حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المفترقة من أصل واحد، لا يكون إلا بإحداث قادر يعلم تفاصيلها، ويرجّح ما تقتضيه حكمته، ولا يعوقه عن فعله ندّ يعارضه، أو ضد يعانده، وبهذا تنتهي مقدمة المقطع وتعليقا على هذه المقدمة يقول صاحب الظلال: «وبعد، فنحن- في هذا الدرس- أمام كتاب الكون المفتوح، الذي يمر به الغافلون في كل لحظة، فلا يقفون أمام خوارقه وآياته، ويمر به المطموسون فلا تتفتح عيونهم على عجائبه وبدائعه .. وها هو ذا النّسق القرآني العجيب يرتاد بنا هذا الوجود، كأنما نهبط إليه اللحظة، فيقفنا أمام معالمه العجيبة، ويفتح أعيننا على مشاهده الباهرة، ويثير تطلعنا إلى بدائعه التي يمر عليها الغافلون غافلين! ها هو ذا يقفنا أمام الخارقة المعجزة التي تقع في كل لحظة من الليل والنهار .. خارقة انبثاق الحياة النابضة من هذا الموت الهامد .. لا ندري كيف انبثقت، ولا ندري من أين جاءت- إلا أنها جاءت من عند الله وانبثقت بقدر من الله. لا يقدر بشر على إدراك كنهها بله ابتداعها! وها هو ذا يقف بنا أمام دورة الفلك العجيبة .. الدورة الهائلة الدائبة الدقيقة .. وهي خارقة لا يعدلها شئ مما يطلبونه من الخوارق .. وهي تتم في كل يوم وليلة بل تتم في كل ثانية ولحظة .. وها هو ذا يقف بنا أمام الحياة البشرية .. من نفس واحدة .. وأمام تكاثرها بتلك الطريقة وها هو ذا يقف أمام نشأة الحياة في النبات .. وأمام مشاهد الأمطار الهائلة والزروع

стр. 1684

النامية، والثمار اليانعة. وهي حشد من الحيوانات والمشاهد، ومجال للتأمل والزيادة. لو نشاهدها بالحس المتوفز والقلب المتفتّح. وها هو ذا الوجود كله، جديدا كأنما نراه أول مرة. حيا يعاطفنا ونعاطفه، متحركا تدب الحركة في أوصاله، عجيبا يشده الحواس والمشاعر. ناطقا بذاته عن خالقه. دالا بآياته على تفرده وقدرته .. وعندئذ يبدو الشرك بالله- والسياق يواجه الشرك والمشركين بهذا الاستعراض- غريبا غريبا على فطرة هذا الوجود وطبيعته. وشأنها في ضمير من يشاهد هذا الوجود الحافل بدلائل الهدى ويتأمله. وتسقط حجة الشرك والمشركين في مواجهة هذا الإيمان الغامر في مجال الوجود العجيب». فوائد: [حول الآيتين (٩٦، ٩٧)] ١ - قال صهيب الرومي ﵁ لامرأته وقد عاتبته في كثرة سهره: إن الله جعل الليل سكنا إلا لصهيب، إن صهيبا إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طار نومه. رواه ابن أبي حاتم. ٢ - قال ابن كثير: قال بعض السلف: من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه: أنّ الله جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، ويهتدى بها في ظلمات البرّ والبحر. ٣ - إن هداية الإنسان بالنجوم لا يفقهها إلا عالم، فلولا النجوم لما أمكن للإنسان أن يهتدي في ظلمات البر والبحر، ويكفي أن نشير إلى أن خطوط الطول والعرض مبينة بشكل ما على وضع نجم القطب، وأن ذلك كله أساس في اهتداء الإنسان في طيارته أو باخرته في عصرنا. كلمة في السياق: ١ - بدأ القسم الأول من سورة الأنعام بقوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ويبدأ القسم الثاني بمقدمة تتحدث عن مظاهر قدرة الله: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى .. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ .. هُوَ

стр. 1685

الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ... ثمّ تأتي بعد هذه المقدمة فقرة مبدوءة بقوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ ... لاحظ كلمة (يعدلون) في الآية الأولى من السورة، والكلام عن الشركاء في الفقرة الأولى من القسم الثاني، لترى كيف أنّ السورة ذات سياق واحد، ولترى صحة ما اتجهنا إليه في تقسيم السورة إلى قسمين رئيسيين. ٢ - رأينا أن محور سورة الأنعام هو قوله تعالى في سورة البقرة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ... أنكر عليهم كفرهم مع ظاهرة الإحياء والإماتة، وأقام عليهم الحجة بظاهرة العناية، وفي مقدمة هذا المقطع تفصيل لمظاهر من خلق كل شئ لصالح الإنسان، وتدليل على القدرة بمظاهر من آثارها، فليتأمل ذلك. ولننتقل إلى الفقرة الأولى في المقطع. «الفقرة الأولى» وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ بأن أطاعوا الشياطين فيما سوّلت لهم من شركهم فجعلوهم شركاء لله بدلا من التوحيد والإخلاص والعبادة والشّكر التي تقتضيها عناية الله التي رأينا مظاهرها قبل هذه الآية وَخَلَقَهُمْ الضمير (هم) إما أن يعود على الجن، وإما أن يعود على الجاعلين لله شركاء. والمعنى على الأول: وقد خلق الجن فكيف يكون المخلوق شريكا. وعلى الثاني: والله هو الذي خلق هؤلاء المشركين فكيف يعبدون معه غيره وهو وحده الذي خلقهم وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ. أي: واختلقوا له فنسبوا إليه بنين كالنّصارى، وبنات كقول بعض العرب في الملائكة إنهم بنات الله بِغَيْرِ عِلْمٍ. أي: جاهلين بما قالوا أي: من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوا من خطأ أو صواب. ولكن رميا بقول عن جهالة سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ. أي: تنزّه وتقدّس وتعاظم عما يصفونه به من الشريك والوالد بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. أي: مبدعهما على غير مثال سبق والمعنى: أن الولادة من صفات الأجسام، ومخترع الأجسام لا يكون جسما حتى يكون له ولد أو مثل أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وهذا دليل آخر على استحالة أن يكون له ولد، إذ الولد إنما يكون متولدا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شئ من خلقه؛ لأنّه خالق كل شئ، فلا صاحبة له ولا ولد وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِ

стр. 1686

شَيْءٍ عَلِيمٌ. أي: ما من شئ إلا وهو خالقه والعليم به، ومن كان كذلك كان غنيا عن كل شئ، والولد إنما يطلبه المحتاج ذلِكُمُ. أي: المستجمع للصفات السابقة اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ. أي: من اجتمعت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه خلقه وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. أي: وهو مع تلك الصفات مالك لكل شئ من الأرزاق والآجال، رقيب على الأعمال لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ. أي: لا تحيط به وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ. أي: يحيط بها وَهُوَ اللَّطِيفُ. أي: العالم بدقائق الأمور ومشكلاتها الْخَبِيرُ. أي: العليم بظواهر الأشياء وخفياتها قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ البصيرة نور القلب الذي به يستبصر القلب، كما أن البصر أثر جهاز العين الذي به تبصر، والمعنى: قد جاءكم من الوحي والتنبيه بهذا القرآن ما هو للقلوب كالبصائر من الله- فَمَنْ أَبْصَرَ فعرف الحق وآمن به وعمل فَلِنَفْسِهِ أبصر وإياها نفع وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها. أي: ومن عمي عن الحق وضلّ فعلى نفسه عمي، وإياها ضرّ بالعمى وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ. أي: بحافظ يحفظ أعمالكم، ويجازيكم عليها، إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ. أي: نصرّف الآيات تصريفا مثل ما تلونا عليك فنكرّرها ونؤكّدها ونوضّحها ونبيّنها وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ. أي: وليقولوا درست نصرّفها، ومعنى درست: قرأت كتب أهل الكتاب وَلِنُبَيِّنَهُ. أي: القرآن أو الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ الحق من الباطل اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وهو القرآن ولا تتبع أهواءهم لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ولهذا فلا يجوز اتّباع غير وحيه وأمره وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ بالعفو والصفح واحتمال الأذى والهجران الجميل حتى يفتح الله وينصر بقتال أو بغيره، فتقيم فيهم حكم الله وقتذاك بما يناسب ذلك الحال وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا هذا بيان أنهم لا يشركون على خلاف مشيئة الله، ولو علم منهم اختيار الإيمان لهداهم إليه، ولكن علم منهم اختيار الشرك فشاء شركهم فأشركوا بمشيئته وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً. أي: مراعيا لأعمالهم مأخوذا بجرائمهم وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ. أي: بموكل على أرزاقهم وأمورهم إن عليك إلا البلاغ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من آلهة المشركين وإن كان فيه مصلحة لئلا يكون سبّهم سببا لسبّ الله فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً. أي: ظلما وعدوانا بِغَيْرِ عِلْمٍ. أي: على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ

стр. 1687

عَمَلَهُمْ. أي: مثل ذلك التزيين الواضح البطلان، زينّا لكل أمة من أمم الكفار ما هم عليه من العمل ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ. أي: مصيرهم فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. أي: فيخبرهم بما عملوا، ويجزيهم عليه. قال الألوسي بمناسبة هذه الآية: «واستدل بالآية على أن الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها، فإن ما يؤدي إلى الشر شر، وهذا بخلاف الطاعة في موضع فيه معصية لا يمكن دفعها، وكثيرا ما يشتبهان، ولذا لم يحضر ابن سيرين جنازة اجتمع فيها الرجال والنساء، وخالفه الحسن قائلا: لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك في ديننا» للفرق بينهما. ونقل الشهاب عن المقدسي أن الصحيح عند فقهائنا أنه لا يترك ما يطلب لمقارنة بدعة، كترك إجابة دعوة لما فيها من الملاهي، وصلاة جنازة لنائحة فإن قدر على المنع منع، وإلا صبر، وهذا إذا لم يقتد به وإلا يقعد لأن فيه شين الدين. وما روي عن أبي حنيفة ﵁ أنه ابتلي به- كان قبل صيرورته إماما يقتدى به. ونقل عن أبي منصور أنه قال: كيف نهانا الله تعالى عن سب من يستحق السب لئلا يسب من لا يستحقه، وقد أمرنا بقتالهم وإذا قاتلناهم قتلونا، وقتل المؤمن بغير حق منكر، وكذا أمر النبي ﷺ بالتبليغ والتلاوة عليهم وإن كانوا يكذبونه. وأنه أجاب بأن سب الآلهة مباح غير مفروض، وقتالهم فرض، وكذا التبليغ وما كان مباحا ينهى عما يتولد منه ويحدث، وما كان فرضا لا ينهى عما يتولد منه. وعلى هذا يقع الفرق لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه فيمن قطع يد قاطع قصاصا فمات منه فإنه يضمن الدية لأن استيفاء حقه مباح فأخذ بالمتولد منه، والإمام إذا قطع يد السارق فمات لا يضمن لأنه فرض عليه فلم يؤخذ بالمتولد منه. ومن هنا لا تحمل الطاعة فيما تقدم على إطلاقها». أقول: يفهم من كلام الألوسي وبعض الأقوال التي نقلها أن الطاعة إذ كانت مفروضة أو واجبة أو سنة أو مندوبة فإننا نفعلها ولا نبالي بما يترتب على ذلك، أما إذا كان أمر من الأمور مباحا ولو فعل ترتّب على ذلك مفسدة أو مصلحة فإنّه عندئذ يتردّد في هذا الأمر فإن وجدت المصلحة أقدم وهو مأجور، وإن وجدت المفسدة أحجم وهو مأجور، وإن كثيرا من الأمور تحتاج إلى موازنات كثيرة قبل الإقدام على شئ منها.

стр. 1688

فوائد: ١ - [كلام صاحب الظلال بمناسبة قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ] بمناسبة قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ يقول صاحب الظلال: إن الذين يطلبون في سذاجة أن يروا الله، كالذين يطلبون في سماجة دليلا ماديّا على الله! هؤلاء لا يدركون ماذا يقولون! إن أبصار البشر وحواسّهم وإدراكهم الذهني كذلك .. كلها إنما خلقت لهم ليزاولوا بها التعامل مع هذا الكون، والقيام بالخلافة في الأرض .. وإدراك آثار الوجود الإلهي في صفحات هذا الوجود المخلوق .. فأما ذات الله- سبحانه- فهم لم يوهبوا القدرة على إدراكها. لأنه لا طاقة للحادث أن يرى الأزلي الأبدي. فضلا عن أن هذه الرؤية لا تلزم لهم في خلافة الأرض. وهي الوظيفة التي هم معانون عليها وموهوبون ما يلزم لها .. وقد يفهم الإنسان سذاجة الأولين. ولكنه لا يملك أن يفهم سماجة الآخرين! إن هؤلاء يتحدثون عن «الذرة» وعن «الكهرب» وعن «البروتون» وعن «النيوترون» .. وواحد منهم لم ير ذرة ولا كهربا ولا بروتونا في حياته قط. فلم يوجد بعد الجهاز المكبر الذي يضبط هذه الكائنات .. ولكنها مسلّمة من هؤلاء، كفرض، ومصداق هذا الفرض أن يقدروا آثارا معينة تقع لوجود هذه الكائنات، فإذا وقعت هذه الآثار (جزموا) بوجود الكائنات التي أحدثتها! بينما قصارى ما تصل إليه هذه التجربة هو «احتمال» وجود هذه الكائنات على الصفة التي ارتضوها! .. ولكنهم حين يقال لهم عن وجود الله- سبحانه- عن طريق آثار هذا الوجود التي تفرض نفسها فرضا على العقول! يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ويطلبون دليلا ماديا تراه الأعين .. كأن هذا الوجود بجملته، وكأن هذه الحياة بأعاجيبها لا تكفي لتكون هذا الدليل». ٢ - [قضية كلامية حول قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ] وحول قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ تدور معركة كلامية كبيرة بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة. فالمعتزلة يحتجون بهذه الآية على نفي رؤية الله في الدنيا وفي الآخرة، وأهل السنة يرفضون هذا الفهم ويعتبرونه ضلالا؛ لما تواترت به الأخبار عن النبي ﷺ أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات وفي روضات الجنات، كما تدور المعركة بين أهل السنة أنفسهم حول رؤية رسول الله ﷺ ربه يوم المعراج.

стр. 1689

فعائشة ﵂ تستدل بهذه الآية على نفي الرؤية، وابن عباس يثبتها روى الترمذي والحاكم وغيرهما عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه ﵎، فقلت: أليس الله يقول لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ الآية، فقال لي: لا أمّ لك ذلك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شئ، وفي رواية: لا يقوم له شئ. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وفي معنى هذا الأثر ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ مرفوعا: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام. يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار حجابه النور- أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». وإن للمؤمنين لأشواقا إلى ربهم ومحبة له، وما أوجد الله الشوق للقائه وما افترض محبته على خلقه، وما جعل لذلك طريقه إلا وله مراد- في أن يذيقهم لذة النّظر إلى وجهه. وقد ردّ النسفي على المعتزلة قولهم بنفي الرؤية في الآخرة بقوله: وتشبث المعتزلة بهذه الآية لا يستتب، لأن المنفي هو الإدراك لا الرؤية، والإدراك هو الوقوف على جوانب المرئي وحدوده، وما يستحيل عليه الحدود والجهات يستحيل إدراكه لا رؤيته، فنزل الإدراك من الرؤية منزلة الإحاطة من العلم. ونفي الإحاطة التي تقتضي الوقوف على الجوانب والحدود لا يقتضي نفي العلم به، فهكذا هذا، على أن مورد الآية وهو التمدّح يوجب ثبوت الرؤية، إذ نفي إدراك ما تستحيل رؤيته لا تمدّح فيه، لأن كل ما لا يرى لا يدرك. وإنما التمدّح بنفي الإدراك مع تحقّق الرؤية، إذ انتفاؤه مع تحقّق الرؤية دليل ارتفاع نقيصة التناهي والحدود عن الذات، فكانت الآية حجة لنا عليهم.» اه. أقول: والدّخول إلى عالم الإيمانيات بجدل الفلسفات مفسد للعقل وللقلب وللفطرة. فعالم الإيمان عالم تسليم بعد أن تقوم الحجة على صحة النقل وصحة الفهم وفي ذلك راحة العقل والقلب. ٣ - [قراءات ثلاث متواترة لقوله تعالى وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ] في قوله تعالى: وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ثلاث قراءات متواترة: درست، ودارست، ودرست، وكل واحدة تعطي معنى يقوله الكافرون. أما الأولى:

стр. 1690

فواضحة. وأما الثانية: فهي من المدارسة وهي واضحة. وأما الثالثة فمعناها: أي مضت هذه الآيات، وانتهت، وانمحت، وتقادمت، وهي من باب الأساطير، وكل من الأقوال الثلاثة تسمعه من الكافرين في عصرنا، الأول والثاني يقوله أهل الكتاب، والثالث يقوله الملاحدة: أن الدين كله مرحلة من مراحل الحياة البشرية انتهت وانقضت. وفي هذا مظهر من مظاهر الإعجاز في القرآن، إن في عرضه لاتجاهات النّاس بأخصر الأقوال أو لاختياره الكلمة التي لا يحل غيرها محلها، وممّا ذكرناه نفهم الحكمة في تعدّد القراءات المتواترة عن رسول الله ﷺ إذ في ذلك توسعة على الأمّة بما يسع لهجات العرب، وفي ذلك معان جديدة، وإنّما اقتصرنا في هذا التفسير على رواية حفص ذكرا وشرحا لأنّها القراءة الأكثر انتشارا في العالم الإسلامي. ٤ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ .. ] قال ابن كثير بمناسبة قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السّدّي أنّه قال في تفسير هذه الآية: لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحيي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعهم، فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأميّة، وأبيّ ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري، وبعثوا رجلا منهم يقال له «المطّلب» قالوا: استأذن لنا على أبي طالب، فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك، فأذن لهم عليه، فدخلوا عليه فقالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، وإنّ محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه، فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعه وإلهه. فدعاه فجاء النّبي ﷺ . فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، قال رسول الله ﷺ : «ما تريدون؟» قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا ولندعك وإلهك، فقال النبي ﷺ : « .... ، هل أنتم معطيّ كلمة، إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم، وأدّت لكم الخراج؟» قال أبو جهل: وأبيك لنعطيكها وعشرة أمثالها. قالوا: فما هي؟ قال «قولوا لا إله إلا الله» فأبوا واشمأزوا، قال أبو طالب: يا ابن أخي قل غيرها، فإن قومك فزعوا منها، قال: «يا عم: ما أنا بالذي يقول غيرها حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوا بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها» إرادة أن يؤيسهم، فغضبوا وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو

стр. 1691

لنشتمنّك ونشتمنّ من يأمرك، فذلك قوله: فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ. ومن هذا القبيل، وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها. ما جاء في الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: «ملعون من سب والديه». قالوا: يا رسول الله، وكيف يسبّ الرجل والديه؟ قال: «يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه فيسبّ أمّه». أو كما قال ﷺ ». ومن ثم فإن الداعية إلى الله عليه أن يكون دقيقا جدا في طرق الخطاب وفي مواقفه وفي مناقشاته. ففي كثير من الأحيان لا يؤدي التجريح المباشر والمواجهة به إلى خير في نقل الإنسان من حالة إلى حالة أطيب وأكرم، ووضع الأمور في مواضعها هو الحكمة، والحكمة معنى زائد على العلم، ومعرفة الحكم الشرعي. كلمة في الفقرة الأولى: ١ - مرّت معنا مقدمة المقطع الأول، وفيها عرض لمظاهر قدرة الله، وعرض لبعض ما سخّره الله للإنسان، ثمّ جاءت الفقرة الأولى تحدثنا عن شرك المشركين، فكأن السياق يقول: إنه مع كل مظاهر القدرة ومظاهر العناية يوجد مشركون، وهذا يذكّرنا بالآية الأولى من سورة الأنعام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ فالسورة إذن سائرة على نسق واحد وسياق واحد. ٢ - رأينا أن محور سورة الأنعام هو قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ وقد رأينا كيف أن الفقرة ناقشت الكافرين بظاهرة الخلق: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ فالفقرة إذن تفصّل في محور السورة من البقرة. ٣ - ووحدة الفقرة واضحة في كونها تقيم الحجة على الكافرين، وتثبّت أهل الإيمان على اليقين، وتأمرهم باتباع وحي الله والإعراض عن الجاهلين وتنهاهم أن يتسببوا بإيذاء الله ولو بسبّ آلهة المشركين، وإذا عرفنا أن الفقرة بدأت بالحديث عن الشرك وهو إيذاء لله- وانتهت بالنهي عن سب آلهة المشركين إذا تسبّب عن ذلك سبّ لله وإيذاء له، أدركنا الصلة بين بداية الفقرة ونهايتها. ٤ - يلاحظ أن الفقرة أقامت الحجة على الكافرين والمشركين بصور متعدّدة من خلال ظاهرة الخلق، ومن خلال الحديث المدهش عن الكمال والجلال والجمال للذات

стр. 1692

الإلهية، ومن خلال التذكير بالوحي، وكماله وإحاطته، وبهذا كله تقوم الحجة على الكافرين مرة بعد مرّة، وصلة ذلك بمحور السورة لا تخفى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ؟!. ٥ - وبعد أن قامت على الكافرين الحجة بعد الحجة، ولم يبق أمامهم ما يواجهون به، نجدهم يفرون إلى طلب الخوارق، ولذلك فإن الفقرة الثانية في المقطع أولها وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها. فلننتقل إذن إلى الفقرة الثانية في المقطع: ولنبدأ بكلمة بين يديها. بين يدي الفقرة الثانية: ١ - بدأت الفقرة الأولى بقوله تعالى: وَجَعَلُوا وتبدأ الفقرة الثانية بقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا وتستمر هذه الفقرة حتى تأتي الفقرة الثالثة وهي مبدوءة بقوله تعالى: وَجَعَلُوا وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً. ومن الكلمة الأولى في الفقرات الثلاث ندرك أن الكلام ينصبّ على مواقف للكافرين ومناقشتها، وسنرى أن النقاش له صلة بقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وبقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ... لقد رأينا ذلك من قبل وسنراه فيما يأتي. ٢ - تبدأ الفقرة بذكر دعوى الكافرين أنهم إذا جاءتهم آية يؤمنون، فكأنهم يدّعون أن سبب كفرهم هو عدم وجود الآية، ومن هاهنا يبدأ الحوار، فليست العلّة في عدم الآية بل العلّة فيهم: فقد قامت عليهم الحجة ابتداء فلم يؤمنوا، إن العلّة في آثامهم وضعف يقينهم بالآخرة وإصغائهم لإيحاءات الشياطين ولزخرف أقوالهم. هذا ما تقرره الفقرة في أولها ونجد في وسطها قوله تعالى: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ونجد في أواخرها قوله تعالى: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها

стр. 1693

غافِلُونَ مما يدّل على أن السياق الرئيسي للفقرة مناقشة الكافرين في دعواهم أن عدم وجود الآيات هو سبب عدم إيمانهم. ٣ - والملاحظ أن الفقرة تبدأ بثلاث آيات: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ* وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ* وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ. فهذه الآيات الثلاث تعرض علينا طلبهم الآية وتردّ وتعلّل، ثمّ بعد ذلك تأتي آية تقول: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ ثمّ بعد آيات كثيرة تأتي آية تقول: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها ثمّ بعد آيات تأتي آية تقول: وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً ... من هذه الآيات الثلاث ندرك أن الفقرة لا تعرض علينا موقفا واحدا للكافرين، هو تعنتهم في طلب الآيات، وادّعاؤهم أنهّم يؤمنون لو جاءتهم، بل تعرض علينا مواقف أخرى لهم وتعالجها: عداوة الأنبياء ... المكر بالدعوة ... موالاة الظالمين لبعضهم بعضا فالفقرة في سياقها الرئيسي تعرض وتردّ، وتعالج قضية بعينها، وهي مع علاجها لهذه القضية تعالج مواقف للكافرين لها صلة بالقضية الرئيسية، ولذلك فإننا سنعرض الفقرة على أنّها مقدمة ومجموعات ثلاث، المقدمة هي الآيات الثلاث الأولى، والمجموعات الثلاث كلّ منها مبدوء بقوله تعالى: وَكَذلِكَ*. «الفقرة الثانية» مقدمة الفقرة وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ. أي: حلفوا بالله جاهدين بأن أتوا بأوكد الأيمان لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ. أي: خارق من مقترحاتهم التي اقترحوا مجيئها أو يقترحون لَيُؤْمِنُنَّ بِها. أي: بالآية أو ليؤمننّ بالله ورسوله بسببها، علّقوا الإيمان على مجئ الآيات المقترحة كأنّ الآيات التي أنزلت لا تكفيهم قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ. أي: وهو قادر عليها أي ليست عندي فكيف آتيكم بها وَما يُشْعِرُكُمْ.

стр. 1694

أي: وما يدريكم أيها المؤمنون أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. أي: أن الآية المقترحة إذا جاءت لا يؤمنون بها، والمعنى: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون وأنتم لا تعلمون ذلك، وكان المؤمنون يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية، ويتمنون مجيئها، فقال الله تعالى وما يدريكم أنهم لا يؤمنون، على معنى إنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ عن قبول الحق وَأَبْصارَهُمْ عن رؤية الحق عند نزول الآية التي اقترحوها فلا يؤمنون بها، ويمكن أن يكون المعنى: وما يشعركم أنهم لا يؤمنون، وما يشعركم أنّا نقلّب أفئدتهم وأبصارهم، فلا يفقهون، ولا يبصرون الحق كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. أي: كما كانوا عند نزول آياتنا أولا لا يؤمنون بها فكذلك إذا جاءتهم الآيات كما اقترحوا وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ. أي: وندعهم في ظلمهم وما هم عليه يتحيّرون ويمكن أن يكون المعنى: وما يشعركم أنّا نذرهم في طغيانهم يعمهون وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ حسب اقتراحهم بقولهم لولا أنزل علينا الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى حسب اقتراح آخر قالوا: فأتوا بآبائنا وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ أي: وجمعنا عليهم كل شئ قُبُلًا. أي: كفلاء بصحة ما بشّرنا به وأنذرنا، وهي جمع قبيل والقبيل الكفيل وفسر الألوسي (قبلا) بقوله: أي مقابلة ومعاينة حتى يواجهوهم كما روى عن ابن عباس وقتادة ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إيمانهم فيؤمنوا وهذا جواب لقول المؤمنين لعلهم يؤمنون بنزول الآية وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ أنّ هؤلاء لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية المقترحة. فائدة: [حول سبب نزول آية وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ... ] - يروي ابن جرير سبب نزول قوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ .. عن محمد بن كعب القرظيّ قال: كلّم رسول الله ﷺ قريش فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا. وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدّقك، فقال رسول الله ﷺ : «أيّ شئ تحبون أن آتيكم به؟» قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا، فقال لهم: «فإن فعلت تصدقوني؟» قالوا: نعم، والله لئن فعلت لنتبعنّك أجمعون، فقام رسول الله ﷺ يدعو، فجاء جبريل ﵇ فقال له: ما شئت، إن شئت أصبح الصفا ذهبا، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ليعذّبهم، وإن شئت

стр. 1695

فاتركهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول الله ﷺ : «بل يتوب تائبهم» فأنزل الله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إلى قوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ. كلمة في مقدمة الفقرة: قلنا إن هذه الآيات الثلاث هي مقدمة الفقرة الثانية في المقطع الأول من القسم الثاني من سورة الأنعام، وقد عرضت علينا الآيات دعوى الكافرين أنهم إذا جاءتهم آية يؤمنون، وبينت أن الأمر ليس كذلك، فقد تأتي الآية ولا يؤمنون إذا لم يشإ الله إيمانهم، ومشيئة الله لا تنفك عن الحكمة؛ فلله سنن ولله حكم، ومن سنن الله أن يقلب أفئدة وأبصار الكافرين فلا يؤمنون، ولو كثرت عليهم الآيات؛ عقوبة لهم؛ لأن قلوبهم رفضت الإيمان مع قيام الحجة ابتداء، فهم وقفوا موقفا يستحقون به عقوبة استمرارهم على الكفر، فليبكوا على أنفسهم إذن بدلا من أن يقترحوا ويتعنّتوا، إنّهم محكومون بالمشيئة الإلهية، والمشيئة الإلهية مطلقة فليراجعوا أنفسهم. ولننتقل إلى المجموعة الأولي في الفقرة. «المجموعة الأولى» وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا. أي وكما جعلنا لك أعداء من المشركين جعلنا لمن تقدّمك من الأنبياء أعداء؛ لما فيه من الابتلاء الذي هو سبب ظهور الثّبات والصبر وكثرة الثّواب والأجر شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً زخرف القول أي: المزوّق من القول وهو ما زيّنوه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي، والغرور هو ما يغتر به صاحبه، أو هو القول الخادع الذي يأخذ على غرّة والمعنى: يوسوس به شياطين الجن إلى شياطين الإنس وكذلك بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض الكلام المزخرف الخادع وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ. أي: هذا الإيحاء، يعني: ولو شاء الله لمنع الشياطين من الوسوسة ولكنه امتحن بما يعلم أنّه أجزل في الثواب للمؤمنين فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ. أي: فدعهم وما يفترونه عليك وعلى الله فإنّ الله يجازيهم وينصرك ويخزيهم وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ. أي: ولتميل إلى زخرف القول قلوب الكفار، والمعنى إن الشياطين يوحون زخرف القول ليغروا ولتميل إليه قلوب الكافرين بالآخرة

стр. 1696

وَلِيَرْضَوْهُ. أي: الكافرون بالآخرة لأنفسهم وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ. أي: وليكتسبوا ما هم مكتسبون من الآثام. يقول صاحب الظلال بمناسبة الكلام عن شياطين الإنس والجن في الآية: وشياطين الإنس أمرهم معروف ومشهود لنا في هذه الأرض، ونماذجهم ونماذج عدائهم لكل نبي، وللحق الذي معه، وللمؤمنين به، معروفة يملك أن يراها الناس في كل زمان فأما شياطين الجن- والجن كله- فهم غيب من غيب الله، لا نعرف عنه إلا ما يخبرنا به من عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو .. ومن ناحية مبدأ وجود خلائق أخرى في هذا الكون غير الإنسان، وغير الأنواع والأجناس المعروفة في الأرض من الأحياء .. نقول من ناحية المبدأ نحن نؤمن بقول الله عنها، ونصدق بخبره في الحدود التي قررها. فأما أولئك الذين يتترسون «العلم» لينكروا ما يقرره الله في هذا الشأن؛ فلا ندري علام يرتكنون؟ إن علمهم البشري لا يزعم أنه أحاط بكل أجناس الأحياء، في هذا الكوكب الأرضي، كما أن علمهم هذا لا «يعلم» ماذا في الأجرام الأخرى، وكل ما يمكن أن «يفترضه» أن نوع الحياة الموجودة في الأرض يمكن أو لا يمكن في بعض الكواكب والنجوم .. وهذا لا يمكن أن ينفي- حتى لو تأكدت الفروض- أن أنواعا أخرى من الحياة وأجناسا أخرى من الأحياء يمكن أن تعمر جوانب أخرى في الكون لا يعلم هذا «العلم» عنها شيئا. فمن التحكم والتبجح أن ينفي أحد باسم «العلم» وجود هذه العوالم الحية الأخرى. وأما من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمى بالجن؛ والذي يتشيطن بعضه ويتمحض للشر والغواية- كإبليس وذريته- كما يتشيطن بعض الإنس .. من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمى بالجن، نحن لا نعلم إلا ما جاءنا الخبر الصادق به عن الله- سبحانه- وعن رسول الله ﷺ . ونحن نعرف أن هذا الخلق مخلوق من مارج من نار. وأنه مزوّد بالقدرة على الحياة في الأرض وفي باطن وفي خارج الأرض أيضا. وأنه يملك الحركة في هذه المجالات بأسرع مما يملك البشر. وأن منه الصالحين المؤمنين، ومنه الشياطين المتمردين. وأنه يرى بني آدم وبنو آدم لا يرونه- في هيئته الأصلية- وكم من خلائق ترى الإنسان ولا يراها الإنسان. وأن الشياطين منه مسلّطون على بني الإنسان يغوونهم ويضلونهم وهم قادرون على الوسوسة لهم، والإيحاء بطريقة لا نعلمها. وأن هؤلاء

стр. 1697

الشياطين لا سلطان لهم على المؤمنين الذاكرين. وأن الشيطان مع المؤمن إذا ذكر الله خنس وتوارى، وإذ غفل برز فوسوس له، وأن المؤمن أقوى بالذكر من كيد الشيطان الضعيف. وأن عالم الجن يحشر مع عالم الإنس؛ ويحاسب؛ ويجازى بالجنة وبالنار، كالجنس الإنساني. وأن الجن حين يقاسون إلى الملائكة يبدون خلقا ضعيفا لا حول لهم ولا قوة». كلمة في الآيتين: الآيتان اللتان مرّتا معناهما الآيتان الأوليان في مجموعتهما وهما ترتبطان بما قبلهما بروابط شتى: ١ - فهما تكمّلان ذكر سنن الله في الصوارف عن الهداية: ففي مقدمة الفقرة عرفنا أن من سنن الله أن يقلّب قلوب وأبصار الذين تقوم عليهم الحجة ابتداء ويرفضونها، وفي هاتين الآيتين يبين الله- أن من الصوارف عن الإيمان إيحاءات الإنس والجن، وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة والذين يقترفون المعاصي يسمعون لهذه الإيحاءات، وإذن فليست قلة الآيات سبب عدم الإيمان، وإنما هي المعاصي والكفر بالآخرة والتمرّد على الله ورفض الحجة. ٢ - يرى بعضهم أن كلمة (وكذلك) في الآية الأولى من المجموعة معطوفة على قوله تعالى: كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ في الآية السابقة على الفقرة، ذكر ذلك الألوسي، فالآية على هذا ترتبط بما قبلها من حيث إنّها تعرض بعض سنن الله- كما عرضت آية سابقة والألوسي يرجح أن (وكذلك) في الآية كلام مبتدأ مسوق لتسلية رسول الله ﷺ عمّا يشاهد» فهي تعزية له على طلب الآيات من الكافرين وتعليقهم الإيمان عليها فوائد: [حول آية وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ .. ] ١ - وصف الله- ما يوحي به شياطين الجن والإنس ب (زخرف القول غرورا) ولو أنك تأملت ما تقذف به المطابع في العالم وما يقوله الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر من فلسفات وآراء، لوجدته كلاما مزخرفا فارغا، ظاهره غرور وباطنه فراغ، فليحذر المسلم أن يصغي بقلبه لكلام الذين لا يؤمنون بالآخرة. ٢ - بمناسبة قوله تعالى: شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ... يذكر ابن كثير حديثا

стр. 1698

عن أبي ذرّ حول هذا الموضوع ويذكر روايات كثيرة له ثم يقول: فهذه طرق لهذا الحديث ومجموعها يفيد قوته وصحته، ونحن نجتزئ بذكر رواية منه: روى ابن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر تعوّذت من شياطين الجنّ والإنس»؟ قال: يا رسول الله، وهل للإنس شياطين؟ قال: «نعم شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً». أقول: وبعد كلام كثير قال ابن كثير: وعلى كل حال فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذر للإنس شياطين منهم. وشيطان كل شئ ما رده، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال «الكلب الأسود شيطان». ومعناه- والله أعلم- شيطان في الكلاب. وقال ابن جريج: قال مجاهد في تفسير هذه الآية: كفّار الجنّ شياطين يوحون إلى شياطين الإنس- كفار الإنس- زخرف القول غرورا. وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار (أي ابن أبي عبيد الثقفي) فأكرمني وأنزلني حتى كاد يتعاهد مبيتي بالليل. قال لي: اخرج إلى الناس فحدثهم، قال: فخرجت، فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان: قال الله تعالى: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ، وقال تعالى: شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً قال: فهمّوا بي أن يأخذوني، فقلت لهم: ما لكم ذاك، إني مفتيكم وضيفكم، فتركوني، وإنّما عرّض عكرمة بالمختار وهو ابن أبي عبيد- قبّحه الله-، وكان يزعم أنّه يأتيه الوحي، وقد كانت أخته صفيّة تحت عبد الله بن عمر، وكانت من الصالحات، ولمّا أخبر عبد الله بن عمر أن المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: صدق، قال الله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ». ولنعد إلى سياق المجموعة وسياق الفقرة: الكافرون يطلبون آيات، وشياطين الجن والإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، وأنت أيها المسلم أين محلك؟ وما هو موقفك؟ وهل صحيح أنّه لم تنزل آيات؟ وما دام للشياطين إيحاءات فليحذر المسلم منها؟ إن الآيات اللاحقة في المجموعة تبيّن هذا كله:

стр. 1699

فالمسلم لا يقبل حكما إلا الله، والقرآن كلام الله صدق وعدل، والمسلم يعلم أن أكثر أهل الأرض ضالون، ولذلك فإنّه لا يطيع أحدا في معصية الله: ولنر الآيات: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً أي: قل يا محمد أفغير الله أطلب حاكما يحكم بيني وبينكم ويفصل المحقّ منّا من المبطل وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ. أي: القرآن المعجز مُفَصَّلًا. أي: مبيّنا فيه الفصل بين الحق والباطل والشهادة لرسول الله ﷺ بالصدق وعلى الكافر بالافتراء وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ. أي: كعبد الله بن سلام وأمثاله يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ عضّد الدّلالة على أنّ القرآن حق بعلم أهل الكتاب أنّه حقّ لتصديقه ما عندهم وموافقته له فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. أي: من الشاكّين فيه أيها السامع، أو فلا تكوننّ من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل بالحق، ولا يشكّك جحود أكثرهم وكفرهم به وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ. أي: ما تكلم به، أي تمّ كل ما أخبر به وأمر ونهى ووعد وأوعد صِدْقاً وَعَدْلًا صدقا في وعده ووعيده وإخباره، وعدلا في أمره ونهيه وتشريعه لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ. لا أحد يبدّل شيئا من ذلك وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. أي: السّميع لإقرار من أقرّ، العليم بإصرار من أصرّ، أو السميع لما يقولون، العليم بما يضمرون وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ. أي: الكفار لأنهم الأكثرون يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. أي: عن دينه إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ فيما هم فيه فليسوا على علم ولا عقل وإن ادّعوا ذلك وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ. أي: يكذبون على الله فيما يدّعونه من ادّعاءات يمدحون بها أنفسهم فيما هم عليه إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. أي: هو يعلم الكفار والمؤمنين، وهو أعلم بالمهتدي والضال، فلا تفيد عنده الدعاوى. كلمة في السياق: حدّدت هذه الآيات موقف المسلم من اقتراحات الكافرين ومن وساوس الشياطين، وبينت أنه إن أطاع أكثر أهل الأرض فإنّه يضل، وأن الكفر لا يقوم على شئ يقيني أبدا بل مبناه على الظنون والأوهام وفي هذا السياق يأتي كلام عن أكل ما ذكر اسم الله عليه فما محلّ ذلك في السياق: إن الآيات السابقة على هذه الآيات ذكرت: شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي

стр. 1700

بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وتأتي الآن آيات فيها: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ. فالآيات اللاحقة إذن تقدم لنا نماذج على وساوس الشياطين التي لا يصح لمسلم أن يصغي إليها أو يطيعها. هذه واحدة: والآيات السابقة تبين أن الله- قد أنزل إلينا الكتاب مفصلا، وأن هذا الكتاب عدل وصدق، وفي هذا السياق يأتي نموذج على ما يأمر به هذا الكتاب من صدق وعدل وعلى ما فيه من تفصيل ولذلك نجد في الآيات قوله تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ. ثمّ إن سورة الأنعام محورها من سورة البقرة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ... هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ... فالآيات هنا تأتي لتحدّد لنا الكيفية المشروعة لنوع من أنواع الاستفادة من بعض ما خلقه الله لنا. إن السّورة التي تناقش الكافرين بالله في كفرهم تبين في الوقت نفسه مقتضيات الإيمان الحق بالله، ومن ذلك أن يذكر اسم الله على الذبائح، ولذلك نجد أن الآية الأولى فيما يأتي تقول فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ فلنر الآيات: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ. أي: إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه خاصة، أي على ذبحه، دون ما ذكر عليه اسم غيره من آلهتهم المزعومة، أو مات حتف أنفه، أو لم يذكر اسم الله عليه، دلّ ذلك على أن مقتضى الإيمان بالله الالتزام بشرعه في موضوع الذبائح وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. أي: وأي غرض لكم في ألّا تأكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ. أي: بيّن لكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ مما لم يحرّم إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ. أي: إلا ما اضطررتم إلى أكله مما حرّم عليكم، فإنه حلال لكم في حال الضرورة، والاضطرار شدّة الحاجة إلى الأكل وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ. أي: يضلّون فيحرّمون ويحلّلون بأهوائهم وشهواتهم من غير تعلّق بشريعة، وعن غير علم أيّ علم إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ. أي: المتجاوزين الحق إلى الباطل وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ. أي: علانيته وسرّه، ومن علانيته الزّنا بالمحلّات العمومية، ومن سرّه الزنا السريّ في البيوت، أو المراد بالظاهر الشرك الجلي، وبالباطن الشرك الخفي، أو المعاصي الظاهرة كلها، والمعاصي الباطنة

стр. 1701

كلها كالحسد وغيره إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ. أي: يوم القيامة بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ. أي: بما كانوا يكتسبون في الدنيا وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. أي: عند الذبح وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ. أي: وإنّ أكله لفسق وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ. أي: ليوسوسون إلى أوليائهم من الكافرين والمشركين لِيُجادِلُوكُمْ. أي: ليناقشوكم وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ في استحلال ما حرّمه الله إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ لأنّ من اتبع غير الله في دينه فقد أشرك به. تعليق: [على قوله تعالى وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ .. ] إن هذه الآيات توضح كيف أن الإيمان بالله له مستلزماته وله مقتضياته، وأن الإيمان بالله يقتضي إيمانا بشريعته وتسليما لها، ورفضا لشرائع غيره لاحظ قوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ هذا النص كما سنرى في الفوائد نزل في مناقشة الكافرين للمسلمين في شأن شريعة الذبائح، فإذا كان هذا هو الشأن فأي غفلة غفلها المسلمون حتى استطاع أعداؤهم أن يخدعوهم عن شريعة الله تحت شعارات العلمانية، وفصل الدين عن الدولة، وإبعاد الدين عن السياسة؟ أي خديعة هذه الخديعة؟ حتى أصبحت الدساتير والقوانين والأعراف والقيم والتصورات وغير ذلك لا تنضبط بإسلام، ولا تحكم به، ولا تبالي. ألا ما أكثر الدوائر التي تسهر على هذا وتعمل له، وما أكثر الذين يساعدون هذه الأوضاع على الاستمرار، وما أكثر الذين يبررون لأنفسهم القعود عن العمل لتغيير هذه الأوضاع، بل ما أكثر الذين يبررون لأنفسهم مسايرة هذه الأوضاع والتعاون معها. وفي كثير من الأحيان تتظاهر الدوائر الماكرة- وهي تجهد لتعطيل الإسلام وإحلال غيره محله- أنها تحترم الدين ولا تحاربه، وهو أسلوب أثبت قدرته على إنهاء الدين وتجميده بحيث لم يفقه في ذلك إلا الأسلوب الشيوعي حديثا، وأسلوب محاكم التفتيش قديما. يقول صاحب الظلال: «وإن كان ينبغي أن ندرك دائما أسلوب الجاهلية التي تقيم نظاما أرضيا، الحاكمية فيه للبشر لا لله ثم تزعم أنها تحترم الدين وتستمد منه أوضاعها الجاهلية .. أن ندرك أن هذا الأسلوب من أخبث الأساليب وأمهرها على الإطلاق! ولقد عمدت الصليبية العالمية والصهيونية العالمية إلى هذا الأسلوب في المنطقة التي كانت يوما تحكم بشريعة الله بعد ما تبين لها فشل التجربة التركية التي قام بها البطل الذي صنعوه

стр. 1702

هناك! .. لقد أدت لهم هذه التجربة دورا هاما في تحطيم الخلافة كآخر مظهر للتجمع الإسلامي في الأرض، ولكنها بعلمانيتها السافرة قد عجزت عن أن تكون نموذجا يؤثر في بقية المنطقة. لقد انخلعت من الدين فأصبحت أجنبية عن الجميع، الذين ما يزال الدين عاطفة غامضة في قرارات نفوسهم .. ومن ثم غيّرت الصليبية والصهيونية في التجارب الكمالية التركية اللاحقة. فوضعت على هذه التجارب ستارا من الدين وتقيم له أجهزة دينية تضفي عليه الصفة، سواء بالدعاية المباشرة، أو باستنكار جزئيات هزيلة يوهم استنكارها أن ما عداها سليم وكان هذا من أخبث الكيد الذي تكيده الإنس والجن لهذا الدين .. على أن الأجهزة الصليبية والصهيونية التي تعمل بكل ثقلها في هذه الفترة، وبكل تضامنها وتجمعها، وبكل تجاربها وخبرتها، تحاول أن تستر الغلطة في التجربة التركية ذاتها، بأن تزعم أن هذه التجربة ذاتها كانت حركة من حركات البعث الإسلامي وأننا يجب ألا نصدقها فيما أعلنته عن نفسها من أنها (علمانية) تنبذ الدين وتعزله عن الحياة عزلا! ويجهد المستشرقون (وهم الأداة الفكرية للاستعمار الصليبي الصهيوني) في تطهير التجربة الكمالية من تهمة الإلحاد جهدا كبيرا .. ذلك أن انكشاف إلحادها جعلها تؤدي دورا محدودا .. وهو سحق آخر مظهر للتجمع الإسلامي في الأرض .. ولكنها عجزت بعد ذلك أن تؤدي الدور الآخر- الذي تحاول أن تؤديه التجارب التالية في المنطقة- من تفريغ المفهومات الدينية والحماسة الدينية في أوضاع وأشكال جاهلية! ومن تبديل الدين باسم الدين! ومن إفساد الخلق والمقومات الفطرية الأصلية باسم الدين أيضا! ومن إلباس الجاهلية ثوب الإسلام لتؤدي به دورها في كل البقاع التي ما يزال فيها عاطفة دينية غامضة، وقيادتها بهذا الخطام المزور الخادع إلى محاضن الصليبية والصهيونية .. الأمر الذي عجزت عنه الحملات الصليبية والصهيونية طوال ألف وثلاث مائة عام، من الكيد للإسلام!». فوائد: ١ - [بمناسبة قوله تعالى وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ] بمناسبة قوله تعالى: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ ذكر ابن كثير الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم، وغيره عن النّواس بن سمعان قال: سألت رسول الله ﷺ عن الإثم فقال: «الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطّلع الناس عليه».

стр. 1703

٢ - [أحكام تتعلق بالميتة وبالمذبوح] الميتة حرام إلا للمضطر، وما ذبحه المشركون حرام، وما ذبحه مسلم فذكر غير اسم الله عليه فهو حرام، وقد رأينا في سورة المائدة حلّ ذبيحة اليهودي والنصراني للمسلم، وهناك قضية خلافية هي ما الحكم في ذبيحة المسلم إذا نسي أن يذكر اسم الله عليها؟ أو ترك التسمية عمدا؟ في هذه القضية ثلاثة اتجاهات ذكرها ابن كثير: الاتجاه الأول: أن الذبيحة لا تحل سواء في ذلك متروك التسمية سهوا، أو عمدا، وعلى ذلك الكثير وهو اختيار أبي ثور وداود الظاهري، واختاره بعض متأخري الشافعية. الاتجاه الثاني: أنّ المسلم لا يشترط التسمية في حقه بل هي مستحبة لأن المسلم يذبح على اسم الله سمّى أو لم يسمّ، فإن تركت التسمية عمدا، أو نسيانا لا يضر وهو مذهب الشافعي وجميع أصحابه، ورواية عن الإمام مالك، وعن الإمام أحمد ... الاتجاه الثالث: إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانا لم يضرّ، وإن تركها عمدا لم تحلّ. هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك، وأحمد، وبه يقول أبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق بن راهويه وكثير من السلف. وكل من ذهب إلى اتجاه من هذه الاتجاهات وجّه النصوص إليها. قال النّسفي: ومن حق المتديّن أن لا يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه لما في الآية من التشديد العظيم. ٣ - [سبب نزول آية وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ .. ] وفي سبب نزول الآية: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ يذكر ابن كثير رواية ويردّها ثم ذكر اتجاها آخر، وآخر ما قاله في هذا الموضوع: وقال ابن جريج: قال عمرو بن دينار .. عن عكرمة: إن مشركي قريش كاتبوا فارس على الروم، وكاتبتهم فارس. وكتبت فارس إلى مشركي قريش: إن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتّبعون أمر الله، فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكلونه، وما ذبحوه هم يأكلونه. فكتب بذلك المشركون إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شئ، فأنزل الله وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ. وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ونزلت يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً. وقال السّدي: في تفسير هذه الآية: إن المشركين قالوا للمسلمين: كيف تزعمون أنكم تتّبعون مرضاة الله وما ذبح الله فلا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم تأكلونه؟ فقال الله تعالى وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ فأكلتم الميتة إِنَّكُمْ

стр. 1704

لَمُشْرِكُونَ وهكذا قال مجاهد والضحاك وغير واحد من علماء السلف ﵏. وقوله تعالى وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ أى: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدّمتم عليه غيره. فهذا هو الشرك كما قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية (التوبة: ٣١). وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله ما عبدوهم. فقال: «بلى، إنّهم أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فاتّبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم». اه كلام ابن كثير. فإذا كان اتّباع رجال الدين إذا أحلّوا الحرام أو حرّموا الحلال شركا فكيف بطاعة الزعماء والساسة والمجالس التشريعية وغير ذلك في تعطيل شريعة الله أو في إلغائها، أو في سنّ التشريعات المخالفة لها مع التأييد لهم والدّفاع عنهم واعتقاد أنّ ما فعلوه هو الحق. ٤ - اتضح من الآيات الأخيرة أن الإيمان بالله يقتضي إيمانا بشرعه وتسليما له، وأن عدم الإيمان والتسليم بشرعه، وطاعة الكافرين في الانحراف عنه ورفضه شرك كبقية أنواع الشرك، وهذا يؤكد لنا أن سورة الأنعام تفنّد الكفر، وما يقوم على الكفر، وتبني الإيمان بالله وما يقوم على هذا الإيمان. عودة إلى السياق: بعد أن عرفنا أنّه لا إيمان إلا بمشيئة الله، وعرفنا حكمة الله وسننه في إضلال من يضل، ورأينا نموذجا على الهداية والضلال في موضوع الذبائح، وعرفنا أن هذا القرآن حق وعدل، بعد أن عرفنا هذا كله؛ فاستقرّت في القلب قيمة الهداية الربانية، تأتي الآن آية تبيّن فضل الله على من هداه؛ وبذلك تنتهي المجموعة الأولى من الفقرة: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ. أي: أو من كان كافرا فهديناه لأن الإيمان حياة القلوب وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ. أي مستضيئا به والمراد به اليقين كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ. أي: كمن صفته في الظلمات يخبط فيها لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها. أي: لا يفارقها ولا يتخلّص منها. والآية عامّة في كلّ من هداه الله، وفي كل من أضلّه الله، فبيّن أن مثل المهتدي مثل الميت الذي أحيي وجعل مستضيئا يمشي في الناس بنور الحكمة والإيمان، ومثل الكافر مثل من هو في الظلمات لا يتخلص منها كَذلِكَ. أي: كما زين للمؤمن إيمانه زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ. أي: بتزيين الله ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي: أعمالهم.

стр. 1705

فائدة: - بمناسبة قوله تعالى: وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ يروي ابن كثير هذا الحديث يقول: وفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ». تعليق: [لصاحب الظلال حول آية وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ .. ] بمناسبة هذه الآية يقول صاحب الظلال: (إن هذه العقيدة تنشئ في القلب حياة بعد الموت، وتطلق فيه نورا بعد الظلمات. حياة يعود بها تذوق كل شئ، وتصور كل شئ تحت أشعته وفي مجاله جديدا كما لم يبد من قبل قط لذلك القلب الذي نوّره الإيمان. هذه التجربة لا تنقلها الألفاظ. يعرفها فقط من ذاقها .. والعبارة القرآنية هي أقوى عبارة تحمل حقيقة هذه التجربة؛ لأنها تصوّرها بألوان من جنسها ومن طبيعتها. إن هذا الكفر انقطاع عن الحياة الحقيقية الأزلية الأبدية، التي لا تفنى ولا تغيض ولا تغيب. فهو موت .. وانعزال عن القوة الفاعلة المؤثرة في الوجود كله .. فهو موت .. وانطماس في أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية .. فهو موت .. والإيمان اتصال، واستمداد، واستجابة .. فهو حياة .. إن الكفر حجاب للروح عن الاستشراف والاطلاع .. فهو ظلمة .. وختم على الجوارح والمشاعر .. فهو ظلمة .. وتيه في التيه وضلال .. فهو ظلمة .. وإن الإيمان تفتح ورؤية، وإدراك واستقامة .. فهو نور بكل مقومات النور. إن الكفر انكماش وتحجّر .. فهو ضيق .. وشرود عن الطريق الفطري الميسر .. فهو عسر .. وحرمان من الاطمئنان إلى الكنف الآمن .. فهو قلق .. وإن الإيمان انشراح ويسر وطمأنينة وظل ممدود .. وما الكافر؟ إن هو إلا نبتة ضالة لا وشائج لها في تربة هذا الوجود ولا جذور .. إن هو إلا فرد منقطع الصلة بخالق الوجود، فهو منقطع الصلة بالوجود. لا تربطه به إلا

стр. 1706

روابط هزيلة من وجوده الفردي المحدود. في أضيق الحدود. في الحدود التي تعيش فيها البهيمة. حدود الحس وما يدركه الحس من مظاهر هذا الوجود! إن الصلة بالله، والصلة في الله، لتصل الفرد الفاني بالأزل القديم والأبد الخالد. ثم تصله بالكون الحادث والحياة الظاهرة .. ثم تصله بموكب الإيمان، والأمة الواحدة الضاربة في جذور الزمان، الموصولة على مدار الزمان .. فهو في ثراء من الوشائج وفي ثراء من الروابط. وفي ثراء من «الوجود» الزاخر الممتد اللاحب الذي لا يقف عند عمره الفردي المحدود. ويجد الإنسان في قلبه هذا النور، فتتكشف له حقائق هذا الدين، ومنهجه في العمل والحركة، تكشفا عجيبا .. إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يجده الإنسان في قلبه حين يجد هذا النور .. مشهد التناسق الشامل العجيب في طبيعة هذا الدين وحقائقه. ومشهد التكامل الجميل الدقيق في منهجه للعمل وطريقته. إن هذا الدين لا يعود مجموعة معتقدات وعبادات وشرائع وتوجيهات .. إنما يبدو «تصميما» واحدا متداخلا متراكبا متناسقا .. متعاشقا يبدو حيا يتجاوب مع الفطرة وتتجاوب معه في ألفة عميقة وفي صداقة وثيقة، وفي حب ودود! ويجد الإنسان في قلبه هذا النور؛ فتتكشف له حقائق الوجود، وحقائق الحياة، وحقائق الناس، وحقائق الأحداث التي تجري في هذا الكون وتجري في عالم الناس .. تتكشف له في مشهد كذلك رائع باهر .. مشهد السنّة الدقيقة التي تتوالى مقدماتها ونتائجها في نظام محكم ولكنه فطري ميسر .. ومشهد المشيئة القادرة من وراء السنّة الجارية تدفع بالسنة لتعمل وهي من ورائها محيطة طليقة .. ومشهد الناس والأحداث وهم في نطاق النواميس وهي في هذا النطاق أيضا. ويجد الإنسان في قلبه هذا النور فيجد الوضوح في كل شأن وفي كل أمر وفي كل حدث يجد الوضوح في نفسه وفي نواياه وخواطره وخطته وحركته، ويجد الوضوح فيما يجري حوله سواء من سنة الله النافذة، أو من أعمال الناس ونواياهم وخططهم المستترة والظاهرة. ويجد تفسير الأحداث والتاريخ في نفسه وعقله وفي الواقع من حوله كأنه يقرأ من كتاب. ويجد الإنسان في قلبه هذا النور، فيجد الوضاءة في خواطره ومشاعره وملامحه.

стр. 1707

ويجد الراحة في باله وحاله ومآله. ويجد الرفق واليسر في إيراد الأمور وإصدارها، وفي استقبال الأحداث واستدبارها. ويجد الطمأنينة والثقة واليقين في كل حالة وفي كل حين). كلمة في السياق: ١ - بالآية التي مرّت معنا أخيرا تنتهي المجموعة الأولى من الفقرة الثانية من المقطع الأول من القسم الثاني من سورة الأنعام: بدأت المجموعة بآية مبدوءة بكلمة (وكذلك) وستأتي مجموعة أخرى مبدوءة بكلمة (وكذلك) فكأن (وكذلك) الثانية معطوفة على (وكذلك) الأولى فيكون السياق الخاص للفقرة على الشكل التالي: يقسم الكافرون أنّه لو جاءتهم آية ليؤمننّ بها، وليس هذا صحيحا بل هذا جزء من مكر وخداع، وصد عن سبيل الله بزخرف من القول، وهذا ليس مستغربا منهم، فإن كل نبي كان له عدو من شياطين الإنس والجن، وكل قرية فيها أكابر مجرميها ليمكروا فيها بهذا المعنى الأخير تبدأ المجموعة الثانية. والدّليل على أن السياق لا زال استمرارا لموضوع طلب الكافرين آية أن الآية الثانية من هذه المجموعة هي قوله تعالى: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ودليل آخر وهو أن الله- قال في مقدمة هذه الفقرة: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ* وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ وسيأتي في هذه المجموعة قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ .... ٢ - يلاحظ أن الآية الأخيرة من المجموعة السابقة ختمت بقوله تعالى: كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ثمّ جاءت الآية وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها مما يوحي بالصلة القوية بين بداية المجموعة اللاحقة ونهاية المجموعة السابقة ويجعل لاحتمال العطف القريب وجها قويا. ٣ - يلاحظ أن المجموعة اللاحقة تنتهي بقوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وهذا يذكرنا بالآية الأولى في المجموعة السابقة شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً. ٤ - وسنرى أن المجموعة اللاحقة تكمّل ذكر أسباب الضلال فلنرها:

стр. 1708

المجموعة الثانية وَكَذلِكَ أي: وكما جعلنا في مكة مجرمين كبارا ليمكروا فيها جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها. أي: ليتجبروا على الناس فيها ويعملوا بالمعاصي وخص الأكابر- وهم الرؤساء- لأن ما فيهم من الرئاسة والسّعة أدعى لهم إلى المكر والكفر من غيرهم وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ لأن مكرهم يحيق بهم وفي ذلك تسلية لرسول الله ﷺ وللمؤمنين ووعد لهم بالنّصرة وَما يَشْعُرُونَ أنّه يحيق بهم وبال مكرهم وَإِذا جاءَتْهُمْ. أي: هؤلاء الأكابر آيَةٌ. أي: معجزة أو آية من القرآن تأمرهم بالإيمان قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ. أي: مثل ما أعطوا من الوحي والرسالة والآيات اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ. أي: هو أعلم بمن يصلح للرّسالة والنّبوة سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ. أي: ذلّ وهوان يوم القيامة وَعَذابٌ شَدِيدٌ في الدارين من القتل والأسر وعذاب النّار بِما كانُوا يَمْكُرُونَ. أي: في الدنيا فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ. أي: يوسّعه وينور قلبه وَمَنْ يُرِدْ الله أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً. أي: بالغا في الضيق كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ. أي: كما يضيق صدر الذي يصّعّد في السماء حتى ليصل إلى درجة الاختناق كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ. أي: العذاب في الآخرة واللعنة في الدنيا عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. أي: على الكافرين وَهذا صِراطُ رَبِّكَ. أي: طريقه الذي اقتضته الحكمة وسنته في شرح صدر من أراد هدايته، وجعله ضيقا لمن أراد ضلاله أو: وهذا الدين أو وهذا القرآن طريق ربك مُسْتَقِيماً أي عادلا مطّردا لا عوج فيه قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ أي لقوم يتعظون لَهُمْ. أي: لهؤلاء الذين يذّكّرون دارُ السَّلامِ. أي: دار الله يعني الجنة أضافها إلى نفسه تعظيما لها أو دار السلامة من كل آفة وكدر أو المراد بالسلام التحية فهي دار السلام لأن التحية فيها السلام عِنْدَ رَبِّهِمْ. أي: فى ضمانه وَهُوَ وَلِيُّهُمْ. أي: محبهم أو ناصرهم على أعدائهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. أي: بأعمالهم أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون، أو هو وليّنا في الدنيا بتوفيق الأعمال، وفي العقبى بتحقيق الآمال وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ. أي: أضللتم منهم كثيرا وجعلتموهم أتباعكم وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ. أي: الذين أطاعوهم واستمعوا إلى وسوستهم رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ. أي: انتفع الجنّ

стр. 1709

بالإنس حيث دلّوهم على الشهوات وعلى أسباب التوصل إليها، وانتفع الجنّ بالإنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم في إغوائهم وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا يعنون يوم البعث وهذا الكلام اعتراف بما كان منهم من طاعة الشّياطين، واتّباع الهوى، والتكذيب بالبعث، وتحسّر على حالهم قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ. أي: منزلكم خالِدِينَ فِيها أي يخلدون في عذاب النار الأبد كله إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب السّعير إلى عذاب الزمهرير أو إلى الحميم يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ، إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ فيما يفعل بأوليائه وأعدائه عَلِيمٌ بأعمالهم فيجزي كلا على وفق عمله. كلمة في السياق: في مقدمة الفقرة التي نحن فيها، عرفنا من أسباب الضلال الرفض لدعوة الله ابتداء مع قيام الحجة، وعرفنا في المجموعة الأولى من أسباب الضلال إيحاءات شياطين الإنس والجن، والكفر بالآخرة، وارتكاب الآثام، واتباع الظنون، وعرفنا في هذه المجموعة أن من أسباب الضلال الكبر، ومنافسة الأنبياء، والمكر برسل الله وبالمؤمنين، وعدم التذكر والاتعاظ، وختمت المجموعة بذكر سبب آخر وهو استمتاع شياطين الإنس والجن ببعضهم بعضا، إنّ المتعة النفسية المحرّمة سبب من أسباب الضلال. وإذن فليست العلّة في ضلال الضالين هو قلة الآيات، بل العلّة في العقلية الكافرة، والنفسية الكافرة، والسلوك المجرم الكافر، فإذا ما استقر السياق على ذلك تأتي المجموعة الثالثة في الفقرة لتبين أن موالاة الشياطين لبعضهم بعضا سببها الكسب السيئ لهؤلاء وهؤلاء، فهناك صفة مشتركة تجمع بين الجميع ثمّ يسير السياق كما سنراه، وقبل أن ننتقل إلى المجموعة الثالثة في الفقرة الثانية من المقطع الأول من القسم الثاني من سورة الأنعام فلنر بعض ال فوائد المتعلقة بالمجموعة التي مرّت معنا. فوائد: ١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ] بمناسبة قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ يقول ابن كثير في شأن رسولنا ﵊: (هذا وهم يعترفون بفضله، وشرفه ونسبه، وطهارة بيته ومرباه ومنشئه- صلى الله وملائكته والمؤمنون عليه- حتى إنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه «الأمين»، وقد اعترف بذلك رئيس الكفار «أبو سفيان» حين سأله «هرقل» ملك الروم: وكيف نسبه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب، قال:

стр. 1710

هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، الحديث بطوله الذي استدلّ به ملك الروم بطهارة صفاته ﵊ على صدق نبوته وصحّة ما جاء به. وروى الإمام أحمد .. عن واثلة بن الأسقع ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم.». انفرد بإخراجه مسلم من حديث الأوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه». وروى الإمام أحمد عن المطّلب بن أبي وداعة قال: قال العبّاس: بلغه ﷺ بعض ما يقول النّاس، فصعد المنبر فقال: «من أنا؟» قالوا: أنت رسول الله، قال: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فريقين فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا» صدق صلوات الله وسلامه عليه. وفي الحديث أيضا المرويّ عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «قال لي جبريل: قلّبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم». رواه الحاكم والبيهقي. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثمّ نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيّه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيّئا فهو عند الله سيئ» وروى الإمام أحمد أيضا عن سلمان قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك» قلت: يا رسول كيف أبغضك وبك هدانا الله؟ قال: «تبغض العرب فتبغضني». وذكر ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية .. عن أبي حسين قال: أبصر رجل ابن عباس وهو داخل من باب المسجد، فلمّا نظر إليه راعه، فقال: من هذا؟ قالوا: ابن عباس ابن عم رسول الله ﷺ فقال: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) وفي مقدمة كتابنا (الرسول) شرحنا موضوع (التلقي عن الله) وكونه يحتاج إلى استعداد خاص ليس كل إنسان مرشحا له، وكيف أن الاتصال بعالم الغيب لا يتحمّله كلّ عقل وكلّ قلب، ومن ثم فإن الله

стр. 1711

اصطفى من البشر رسلا عنه إلى خلقه، وجعل لهم علامات تدلّ على صدقهم، وقد كان كتابنا (الرسول) كله نموذجا وشرحا وتطبيقا لهذه العلامات في رسالة رسولنا ﵊، الذي لم يجعل الله قلبا كقلبه، ولا روحا كروحه. [٢، ٣ - روايات وتعليق بمناسبة آية فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ .. ] ٢ - وبمناسبة قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ. يذكر ابن كثير روايات متعدّدة لحديث ثم يقول فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضا. ونحن نجتزئ منها برواية هي: روى عبد الرزاق عن أبي جعفر قال: سئل رسول الله ﷺ : أي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم ذكرا للموت، وأكثرهم لما بعده استعدادا» قال: وسئل النبي ﷺ عن هذه الآية فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: «نور يقذف فيه، فينشرح له وينفسح». قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت». فهذه علامة إسلام المرء وعلامة إرادة الله به خيرا، ومن تأمّل رأى ضعف هذا المعاني في عصرنا فلا حول ولا قوة إلا بالله. ٣ - وبمناسبة قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ نقول: اختلفت عبارات المفسرين القدماء في شرح هذه الآية، لعدم وضوح ما اتّضح في عصرنا من أمرها، وأحقّ الحقّ فيها ما قاله ابن كثير: (وقال ابن المبارك عن ابن جريج: ضيقا حرجا بلا إله إلا الله، حتى لا يستطيع أن تدخله، كأنما يصّعّد في السماء من شدة ذلك عليه .... وقال السّدي: كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ من ضيق صدره). أقول: وفي هذا النصّ معجزة من أبلغ المعجزات القرآنية، وذلك أنّه تبيّن في عصرنا أنّ الضغط الجوي يخف كلما ارتفع الإنسان في الجو حتى يتلاشى، وأن الإنسان كلما صعد في السماء ضاق صدره حتى يصل لدرجة الاختناق، فتشبيه الحالة المعنوية بهذه الحالة الحسية التي لم تكن معروفة يوم نزول القرآن، ولم تعرف إلا بعد ثلاثة عشر قرنا ونيف، إن هذا لمعجزة عظيمة تشهد على أن هذا القرآن أنزله الذي يعلم السرّ في السموات والأرض). وإن مجئ هذه المعجزة في سياق الفقرة التي بدأت بذكر طلب الكافرين آية، وفي سياق الفقرة التي وصفت القرآن بالتفصيل والعدل والصدق لقضية ذات دلالة.

стр. 1712

بين يدي المجموعة الثالثة: ختمت المجموعة الثانية بقوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ ... لقد كان بين شياطين الإنس والجن في الدنيا صلة ووئام فما الذي جمعهم؟ لقد جمعهم الكسب السيئ والغرور بالدنيا. بهذا المعنى تبدأ المجموعة الثالثة، وهي الأخيرة في فقرتها، ثمّ تسير المجموعة في تقرير بعض سنن الله، وفي التعريف على الله، وتنتهي المجموعة بأمر رسول الله ﷺ أن يعلن: قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وتختم المجموعة بذلك، لاحظ الصلة بين أول آية في المجموعة، وآخر آية، من خلال كلمة الظالمين: وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ فلنر المجموعة. المجموعة الثالثة وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً. أي: نجعل بعضهم أولياء بعض، أو نتبع بعضهم بعضا في النار، أو نسلّط بعضهم على بعض بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. أي: بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. أي: يقال لهم يوم القيامة هذا على جهة التوبيخ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي. أي: يقرءون كتبي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا. أي: يوم القيامة قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا. أي: بوجوب الحجة علينا، وتبليغ الرّسل إلينا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فشغلتهم عن اليوم الآخر، ومنعتهم عن الإيمان وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ. أي: بالله ورسله ذلِكَ إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل، وقراءة الآيات أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ أي: إن شأن الله أنّه لم يكن مهلك القرى بسبب ظلم أقدموا عليه، إلا بعد إقامة الحجة، أو إنه لم يكن ليهلك القرى ظالما بمعنى أنّه لو أهلكهم وهم غافلون لم ينبّهوا برسول وكتاب، لكان ظالما وهو متعال عن الظلم وَلِكُلٍّ. أي: من المكلفين دَرَجاتٌ. أي: منازل مِمَّا عَمِلُوا. أي: من جرّاء أعمالهم وبهذه الآية استدل أبو يوسف ومحمد- رحمها الله- على أنّ للجنّ الثواب بالطاعة فيدخلون الجنة لأنّه ذكر هذا النص عقيب ذكر الثقلين

стр. 1713

الإنس والجن وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. أي: بساه عن عملهم وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ عن عباده وعن عبادتهم ذُو الرَّحْمَةِ عليهم بالتكليف ليعرضهم للمنافع الدائمة إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أيها الظلمة وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ. أي: من الخلق المطيع كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ. أي: من أولاد قوم آخرين إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ. أي: إن الذي توعدونه من البعث والحساب والثّواب والعقاب لكائن وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ. أي: بفائتين لنا بل سنحشركم، وهذا ردّ لقولهم من مات فقد فات قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ. أي: اعملوا على تمكّنكم من أمركم، وأقصى استطاعتكم، وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها إِنِّي عامِلٌ. أي: على مكانتي التي أنا عليها أي: اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي، فإنّي ثابت على الإسلام، وعلى مصابرتكم، وهو أمر تهديد ووعيد، ودليل ذلك ما بعده فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ. أي: فسوف تعلمون أيّنا تكون له العاقبة المحمودة، وهذا طريق في الإنذار إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ. أي: الكافرون. وبهذا انتهت الفقرة الثانية من المقطع الأول من القسم الثاني من سورة الأنعام. فوائد: [حول الآيتين (١٣٠، ١٣٤)] ١ - عند قوله تعالى: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ .... تثور معركة كلامية حول هل أرسل الله رسلا للجن منهم أو أن الرسل جميعا من الإنس؟ قال ابن كثير: (والرسل من الإنس فقط، وليس من الجن رسل كما قد نص على ذلك مجاهد، وابن جريج، وغير واحد من الأئمة من السلف والخلف، وقال ابن عباس: الرسل من بني آدم، ومن الجن نذر. وحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم أنه زعم أن في الجن رسلا، واحتج بهذه الآية الكريمة وفيه نظر لأنها محتملة وليست بصريحة .... ). ٢ - وعند قوله تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين». كلمة في السّياق: قلنا: إن الفقرة الثانية في هذا المقطع تتألف من مقدمة، وثلاث مجموعات، ولقد رأينا

стр. 1714

تلاحم آياتها، ونحب هنا أن نشير إلى الصلة بين مقدمتها وبين المجموعة الأخيرة: بدأت الفقرة بقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها. ونلاحظ أنّه في المجموعة الأخيرة قد جاء قوله تعالى: وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ مما يفهم منه أن الله لا يعذّب حتى تقوم الحجة؛ وإذ كان هؤلاء الكافرون يستحقون العذاب، فإن الحجة عليهم قائمة، وبالتالي فإن اقتراحهم الآيات لا محلّ له، وقبل هذه الآية جاء قوله تعالى: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا .. ولذلك صلته بمقدمة الفقرة، فإذا تذكرنا ما مرّ معنا من قبل حول السياق أدركنا شدة التلاحم بين آيات الفقرة. تذكير ببعض معاني الفقرة: إن من جملة ما رأيناه في الفقرة أن علّة الضلال والكفر ليست قلة الآيات، بل سبب ذلك الطغيان، والافتراء على الله، والكفر بالآخرة، والعمل السيئ، وفي الفقرة بيان أن أكثرية أهل الأرض ضالة، وأن الحكم العادل والصادق هو حكم الله في كتابه، وفيها بيان أن الالتزام بشريعة الله هو مقتضى الإيمان، وأن الانحراف عن شريعته شرك، وأن الكفر موت، والإيمان حياة، وأن الله هو الأعلم حيث يضع رسالته، وأن أكابر المجرمين يقفون ضد الرسل، وفيها بيان علامة من يريد الله هدايته، ومن يريد إضلاله، وأن الهدى هداه وفيها بيان سنة الله في الإهلاك الدنيوي والأخروي، وفيها بيان لمظاهر من قدرة الله فيها تحد لمن لا يتّبعون شريعة الله، وكل ذلك يأتي ضمن نسق محاورة الكفر وأهله، والرد على أهله، وتبيان مقتضيات الإيمان بالله، وذلك محور سورة الأنعام كما رأينا، ولننتقل إلى الفقرة الثالثة والأخيرة في المقطع الأول، من القسم الثاني من سورة الأنعام: بين يدي الفقرة الثالثة: بدأ القسم الثاني بذكر مظاهر تدل على قدرة الله، وعلى عناية الله بالإنسان، ثمّ جاءت الفقرة الأولى تحدثنا عن شرك المشركين، وفي المقدمة والفقرة تعجيب من شرك المشركين أفبعد كل الآيات التي تدلّ على الله، أفبعد كلّ ما صنع الله للإنسان، يشرك به المشركون وسارت الفقرة الأولى في سياقها. ثمّ جاءت الفقرة الثانية ورأينا الصّلة بينها وبين ما قبلها، فما الصلة بينها وبين مقدمة المقطع؟ لقد جاء في مقدمة المقطع:

стр. 1715

قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لاحظ الصلة بين هذه الآيات وبين بداية الفقرة الثانية: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها لقد لفتت مقدمة المقطع النظر إلى الآيات قبل أن يعرض المقطع طلبهم للآيات وسار السياق حتى أوصلنا إلى الفقرة الثالثة: الفقرة الأولى بدأت بقوله تعالى وَجَعَلُوا والفقرة الثانية بدأت بقوله تعالى وَأَقْسَمُوا والفقرة الثالثة تبدأ بقوله تعالى: وَجَعَلُوا ثم لاحظ الصلة بين آخر آية في مقدمة المقطع. وأول آية في الفقرة الأخيرة: آخر آية في مقدمة المقطع هي: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً ... لقد خلق الله- هذا للإنسان فماذا فعل الإنسان: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً .... لاحظ أن الآية الأخيرة في مقدمة المقطع تتحدث عن الحرث، والآية الأولى في الفقرة الأخيرة تتحدث عن الحرث. فلنر الفقرة الثالثة في المقطع. «الفقرة الثالثة» وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً. أي: جعلوا لله نصيبا مما خلق ولأصنامهم نصيبا، دل على ذلك ما بعده فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ. أي: زعموا أنه لله، والله لم يأمرهم بذلك، ولا شرع لهم تلك القسمة وَهذا لِشُرَكائِنا. فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ. أي: لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان، والتصدق على المساكين وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ بإنفاقهم عليها، والإجراء على سنتها ساءَ ما يَحْكُمُونَ. أي: ساء حكما حكمهم، في إيثار آلهتهم على الله، وعملهم ما لم يشرع لهم. وفي قوله تعالى مِمَّا ذَرَأَ إشارة إلى أن الله كان أولى ألا يكون لغيره شئ، وأن يكون له الذرء كله؛ لأنه هو الذي ذرأه وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. أي: كما زين لهم تجزئة المال زين لهم وأد البنات قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ. أي: ليهلكوهم بالإغواء وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ. أي: وليخلطوا عليهم دينهم،

стр. 1716

ويشوهوه، ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل، حتى زلّوا عنه إلى الشرك وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ لأن شيئا ما لا يكون إلا بمشيئة الله، فالكائنات كلها بمشيئته فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ. أي: فدعهم وما يختلقونه من الإفك، أو فدعهم وافتراءهم، لأنّ ضرر ذلك الافتراء عليهم، لا عليك ولا علينا وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ. أي: للأصنام حِجْرٌ أي حرام لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ الزعم: قول بالظن يشوبه الكذب، وكانوا إذا عيّنوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: لا يطعمها إلا من نشاء، ثم لا يطعمونها إلا خدم الأوثان، والرجال دون النساء وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها هي البحائر، والسوائب، والحوامي وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا حالة الذبح، وفي حالات أخرى، وإنما يذكرون- إن ذكروا- أسماء الأصنام افْتِراءً عَلَيْهِ. أي: قسّموا أنعامهم فقسم حجر، وقسم لا يركب، وقسم لا يذكر اسم الله عليها، ونسبوا ذلك إلى الله افتراء عليه سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ هذا وعيد لهم وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب: ما ولد منها حيا فهو خالص للذكور لا يأكل منه الإناث، وما ولد ميتا اشترك فيه الذكور والإناث فهذا معنى قوله تعالى وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ. أي: سيجزيهم جزاء وصفهم الكذب على الله في التحليل والتحريم إِنَّهُ حَكِيمٌ في جزائهم عَلِيمٌ باعتقادهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ إشارة إلى الذين كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ لخفة أحلامهم وجهلهم بأن الله هو رازق أولادهم لا هم وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ من البحائر والسوائب وغيرها افْتِراءً عَلَى اللَّهِ إذ نسبوا ذلك إليه قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى الصواب في تحريمهم، وبهذا انتهت الفقرة الثالثة، وبها انتهى المقطع. فوائد: [حول آيات الفقرة الثالثة] ١ - روى ابن مردويه في تفسير الآية الأخيرة عن ابن عباس قال: إذا سرّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ. وهكذا رواه البخاري في صحيحه.

стр. 1717

٢ - من الأقوال التي تعين على فهم آيات هذه الفقرة ما ننقله فيما يلي: ا- روى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ ... إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثا، أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله منه جزءا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شئ من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، وإن سقط منه شئ فيما سمّي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقى شيئا جعلوه لله جعلوا ذلك للوثن، وإن سقط شئ من الحرث والثمرة الذي جعلوه لله، فاختلط بالذي جعلوه للوثن، قالوا هذا فقير ولم يردوه إلى ما جعلوه لله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله فسقي ما سمي للوثن، تركوه للوثن، وكانوا يحرّمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرّمونه قربة لله، فقال الله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً الآية وهكذا قال مجاهد وقتادة والسدّي وغير واحد، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في الآية كل شئ يجعلونه لله من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبدا حتى يذكروا معه أسماء الآلهة، وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه، وقرأ الآية حتى بلغ ساءَ ما يَحْكُمُونَ. ب- قال أبو بكر بن عيّاش عن عاصم بن أبي النّجود: قال لي أبو وائل: أتدري ما في قوله وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا قلت: لا، قال: هي البحيرة، كانوا لا يحجّون عليها. وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها، في شئ من شأنها، لا إن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا إن حملوا، ولا إن نتجوا، ولا إن عملت شيئا. ج- قال العوفي في قوله تعالى: وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ... عن ابن عباس: فهو اللبن، كانوا يحرمونه على إناثهم، ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه، وكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء، فنهى الله عن ذلك. وكذا قال السدي. وقال الشعبي: «البحيرة» لا يأكل من لبنها إلا الرجال، وإن مات منها شئ أكله الرجال والنّساء. وكذا قال عكرمة وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. أقول: إن الإنسان عند ما يشرّع لنفسه تخرج منه الأعاجيب فالحمد الله الذي جعلنا مسلمين لا نتلقى إلا عن الله ورسوله.

стр. 1718

٣ - لاحظنا من خلال الفقرة الأخيرة أن استقلال الإنسان بالتشريع غير وارد أصلا. فالإنسان عبد لله وعليه أن يبقى في دائرة ما شرعه الله، وألا يخرج عن ذلك، وأي خروج سلبي أو إيجابي، في الترك، أو في الفعل، إنما هو كذب على الله، يستأهل به الإنسان عقوبة الله. كلمة في سياق الفقرة الأخيرة: كنّا ذكرنا من قبل أن لكل سورة محورها من سورة البقرة، وأن السورة عند ما تفصّل في محورها من سورة البقرة. إنّما تفصّل في المحور، وامتداداته، ومحلّه من سياق سورة البقرة. وقلنا من قبل: إن من امتدادات محور سورة الأنعام في سورة البقرة قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فلهذه الآية من سورة البقرة صلة بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. وقد جاءت الفقرة الأخيرة لتبين لنا فعل الجاهليين في تحريم ما لم يحرم الله فهي تفصل إذن في محور السورة من سورة البقرة، وفي امتدادات معانيه من السورة نفسها. ولقد رأينا من قبل محلّ الفقرة في مقطعها، ومحلّ المقطع في سياق سورة الأنعام، ومحلّ سورة الأنعام في السياق القرآني العام، وللتذكير فقط نكتب كلمة مختصرة عن المقطع: كلمة في سياق المقطع: لقد تحدثنا كثيرا من خلال عرضنا لهذا المقطع الطويل عن سياق هذا المقطع وارتباطه بالمحور العام للسورة، فمقدمة المقطع عرّفتنا على الله بما ينفي الكفر. والفقرة الثانية: عرّفتنا على موقف من مواقف المشركين والكافرين وردّته، والفقرة الثانية عرفتنا على دعوى للكافرين وردّتها، والفقرة الثالثة عرفتنا على أعمال للكافرين وردّتها، وكل ذلك ضمن نسق واحد: الإيمان بالله يقتضي كذا وكذا. والكفر بالله ينبع منه كذا وكذا، ثم تسفيه الكفر وما ينبع عنه، والتعجيب منه، والردّ على أهله، وتحذيرهم، وتبشير أهل الإيمان وتحذيرهم، وكل ذلك بما ينسجم مع محور السورة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. لقد رأينا ذلك وعرضناه، ورأينا كيف أن السورة في سياقها الخاص تعالج الشرك

стр. 1719

والامتراء، وأن كلّ مقطع منها يضيف جديدا على هذا الموضوع، مع كونه يفصل في المحور، وسيأتي المقطع الثاني من القسم الثاني وهو نموذج كامل على وحدة المقطع، وعلى محلّ المقطع في سياق السّورة، وعلى صلة السورة بمحورها فلنره: ***

стр. 1720

المقطع الثاني من القسم الثاني من سورة الأنعام وهو المقطع الأخير يمتد هذا المقطع من الآية (١٤١) إلى نهاية الآية (١٦٥) وهي نهاية السورة وهذا هو: ٦/ ١٤٤ - ١٤١
следующие страницы →