← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

ويشوهوه، ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل، حتى زلّوا عنه إلى الشرك وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ لأن شيئا ما لا يكون إلا بمشيئة الله، فالكائنات كلها بمشيئته فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ. أي: فدعهم وما يختلقونه من الإفك، أو فدعهم وافتراءهم، لأنّ ضرر ذلك الافتراء عليهم، لا عليك ولا علينا وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ. أي: للأصنام حِجْرٌ أي حرام لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ الزعم: قول بالظن يشوبه الكذب، وكانوا إذا عيّنوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: لا يطعمها إلا من نشاء، ثم لا يطعمونها إلا خدم الأوثان، والرجال دون النساء وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها هي البحائر، والسوائب، والحوامي وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا حالة الذبح، وفي حالات أخرى، وإنما يذكرون- إن ذكروا- أسماء الأصنام افْتِراءً عَلَيْهِ. أي: قسّموا أنعامهم فقسم حجر، وقسم لا يركب، وقسم لا يذكر اسم الله عليها، ونسبوا ذلك إلى الله افتراء عليه سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ هذا وعيد لهم وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب: ما ولد منها حيا فهو خالص للذكور لا يأكل منه الإناث، وما ولد ميتا اشترك فيه الذكور والإناث فهذا معنى قوله تعالى وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ. أي: سيجزيهم جزاء وصفهم الكذب على الله في التحليل والتحريم إِنَّهُ حَكِيمٌ في جزائهم عَلِيمٌ باعتقادهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ إشارة إلى الذين كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ لخفة أحلامهم وجهلهم بأن الله هو رازق أولادهم لا هم وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ من البحائر والسوائب وغيرها افْتِراءً عَلَى اللَّهِ إذ نسبوا ذلك إليه قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى الصواب في تحريمهم، وبهذا انتهت الفقرة الثالثة، وبها انتهى المقطع. فوائد: [حول آيات الفقرة الثالثة] ١ - روى ابن مردويه في تفسير الآية الأخيرة عن ابن عباس قال: إذا سرّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ. وهكذا رواه البخاري في صحيحه.

стр. 1717

٢ - من الأقوال التي تعين على فهم آيات هذه الفقرة ما ننقله فيما يلي: ا- روى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ ... إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثا، أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله منه جزءا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شئ من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، وإن سقط منه شئ فيما سمّي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقى شيئا جعلوه لله جعلوا ذلك للوثن، وإن سقط شئ من الحرث والثمرة الذي جعلوه لله، فاختلط بالذي جعلوه للوثن، قالوا هذا فقير ولم يردوه إلى ما جعلوه لله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله فسقي ما سمي للوثن، تركوه للوثن، وكانوا يحرّمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرّمونه قربة لله، فقال الله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً الآية وهكذا قال مجاهد وقتادة والسدّي وغير واحد، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في الآية كل شئ يجعلونه لله من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبدا حتى يذكروا معه أسماء الآلهة، وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه، وقرأ الآية حتى بلغ ساءَ ما يَحْكُمُونَ. ب- قال أبو بكر بن عيّاش عن عاصم بن أبي النّجود: قال لي أبو وائل: أتدري ما في قوله وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا قلت: لا، قال: هي البحيرة، كانوا لا يحجّون عليها. وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها، في شئ من شأنها، لا إن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا إن حملوا، ولا إن نتجوا، ولا إن عملت شيئا. ج- قال العوفي في قوله تعالى: وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ... عن ابن عباس: فهو اللبن، كانوا يحرمونه على إناثهم، ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه، وكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء، فنهى الله عن ذلك. وكذا قال السدي. وقال الشعبي: «البحيرة» لا يأكل من لبنها إلا الرجال، وإن مات منها شئ أكله الرجال والنّساء. وكذا قال عكرمة وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. أقول: إن الإنسان عند ما يشرّع لنفسه تخرج منه الأعاجيب فالحمد الله الذي جعلنا مسلمين لا نتلقى إلا عن الله ورسوله.

стр. 1718

٣ - لاحظنا من خلال الفقرة الأخيرة أن استقلال الإنسان بالتشريع غير وارد أصلا. فالإنسان عبد لله وعليه أن يبقى في دائرة ما شرعه الله، وألا يخرج عن ذلك، وأي خروج سلبي أو إيجابي، في الترك، أو في الفعل، إنما هو كذب على الله، يستأهل به الإنسان عقوبة الله. كلمة في سياق الفقرة الأخيرة: كنّا ذكرنا من قبل أن لكل سورة محورها من سورة البقرة، وأن السورة عند ما تفصّل في محورها من سورة البقرة. إنّما تفصّل في المحور، وامتداداته، ومحلّه من سياق سورة البقرة. وقلنا من قبل: إن من امتدادات محور سورة الأنعام في سورة البقرة قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فلهذه الآية من سورة البقرة صلة بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. وقد جاءت الفقرة الأخيرة لتبين لنا فعل الجاهليين في تحريم ما لم يحرم الله فهي تفصل إذن في محور السورة من سورة البقرة، وفي امتدادات معانيه من السورة نفسها. ولقد رأينا من قبل محلّ الفقرة في مقطعها، ومحلّ المقطع في سياق سورة الأنعام، ومحلّ سورة الأنعام في السياق القرآني العام، وللتذكير فقط نكتب كلمة مختصرة عن المقطع: كلمة في سياق المقطع: لقد تحدثنا كثيرا من خلال عرضنا لهذا المقطع الطويل عن سياق هذا المقطع وارتباطه بالمحور العام للسورة، فمقدمة المقطع عرّفتنا على الله بما ينفي الكفر. والفقرة الثانية: عرّفتنا على موقف من مواقف المشركين والكافرين وردّته، والفقرة الثانية عرفتنا على دعوى للكافرين وردّتها، والفقرة الثالثة عرفتنا على أعمال للكافرين وردّتها، وكل ذلك ضمن نسق واحد: الإيمان بالله يقتضي كذا وكذا. والكفر بالله ينبع منه كذا وكذا، ثم تسفيه الكفر وما ينبع عنه، والتعجيب منه، والردّ على أهله، وتحذيرهم، وتبشير أهل الإيمان وتحذيرهم، وكل ذلك بما ينسجم مع محور السورة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. لقد رأينا ذلك وعرضناه، ورأينا كيف أن السورة في سياقها الخاص تعالج الشرك

стр. 1719

والامتراء، وأن كلّ مقطع منها يضيف جديدا على هذا الموضوع، مع كونه يفصل في المحور، وسيأتي المقطع الثاني من القسم الثاني وهو نموذج كامل على وحدة المقطع، وعلى محلّ المقطع في سياق السّورة، وعلى صلة السورة بمحورها فلنره: ***

стр. 1720

المقطع الثاني من القسم الثاني من سورة الأنعام وهو المقطع الأخير يمتد هذا المقطع من الآية (١٤١) إلى نهاية الآية (١٦٥) وهي نهاية السورة وهذا هو: ٦/ ١٤٤ - ١٤١

стр. 1721

٦/ ١٥١ - ١٤٥

стр. 1722

٦/ ١٦٠ - ١٥٢

стр. 1723

٦/ ١٦٥ - ١٦١ كلمة في المقطع: رأينا أن من امتدادات قوله تعالى في سورة البقرة: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ. وهاهنا يبدأ هذا المقطع بقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ* وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. ثم تأتي الآيات بعد ذلك تناقش الكافرين فيما حرّموا: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وبعد مناقشات يأتي قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً

стр. 1724

مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا .... ثم يأتي حوار مع المشركين في دعواهم أن التحريم بأمر الله: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ .... قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا .... ثم بيّن الله- المحرّمات الحقيقية: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ... ثم يسير السياق ليصل إلى أمر رسول الله ﷺ أن يعلن إعلانات ثلاثة ثم تنتهي السورة بقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ ... إن صلة ذلك كله بقوله تعالى من سورة البقرة: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وفي الآية بعدها وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وفي قوله تعالى. يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ. إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ .. إن صلات هذا المقطع بذلك كله واضحة لا تكاد تخفى. فالمقطع يفصّل في محوره، وفي امتدادات محوره من سورة البقرة، والمقطع مع هذا استمرار لما قبله، إذ سبقه مباشرة الكلام عمّا حرّم المشركون من الأنعام. وهكذا سارت السورة تفصّل فيما أنعم الله على الإنسان، وكيف ينبغي أن يقابل الإنسان ذلك، وكيف سار الكافرون في طرق أخرى. المعنى العام: يبدأ المقطع بتبيان أنّ الله هو الخالق لكل شئ من الزروع، والثمار، والأنعام، فيذكر الجنّات المخدومة وغير المخدومة، وكلها من خلق الله، ويذكر النّخل والزرع المختلف الأكل، ويذكر الزّيتون والرمّان المتشابه في المطعم، وكيف أنّه أباح لنا الأكل من ثمره، وأمرنا أن نؤدي حقّه يوم حصاده وأن لا نسرف في الإعطاء فنعطي فوق المعروف، وكلّ ذلك تذكير بنعمه، ثمّ يذكر أنّه أنشأ الأنعام كلها لنا، فمنه ما نركب ونحمل عليه، ومنه ما نأكل ونحلب ونستفيد من صوفها لحافا وفراشا، ومن أوبارها ما نستعمله لكثير من الاستعمالات. وتعقيبا على ذكره هذه النعمة أمرنا أن نأكل مما رزقنا، وألا نتّبع خطوات الشيطان باتّباع طريقه وأوامره، كما اتبعها المشركون الذين

стр. 1725

حرّموا ما رزقهم الله، ثم ذكر نموذجا على اتّباع خطوات الشيطان، بذكر ما فعله العرب في جاهليّتهم، وما يفعله غيرهم أو بعضهم وما يزال. فالعرب حرّموا الأنعام، وجعلوها أجزاء وأنواعا، بحيرة، وسائبة، ووصيلة، وحاميا، وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها في الأنعام، ثمّ ذكر أصناف الأنعام غنما، وما عزا، وبقرا، وإبلا، وأنّه لم يحرّم من ذلك لا ذكرا ولا أنثى، ولا شيئا من أولادها، وقد حرّم العرب من الذكور والإناث، وحرّموا الذكور في بعض الأحوال على إناثهم، وحرّم الهندوس على أنفسهم ذبح البقر وأكل لحمه، ولا تزال طوائف من الناس تحرّم لحم الأنثى من الغنم والماعز والبقر، ولا تزال طوائف تحرّم أكل الإبل، وكل ذلك من اتّباع خطوات الشيطان، ومن ثمّ ذكر الله- في هذا السياق الأصناف الثمانية: من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين. فمن يدّعي على الله أنّه حرّم الذكرين، أو الأنثيين أو ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فليخبر كيف حرّم الله عليهم ما زعموا. وكذلك خلق الله من الإبل ذكرا وأنثى، ومن البقر ذكرا وأنثى، فمن يدّعي أنّ الذّكرين محرمان، أو الأنثيين محرمان، أو ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فإنّه يكذب على الله، ولا أحد أظلم ممّن يفتري على الله كذبا، وقد جرت سنة الله أنّه لا يهدي القوم الظالمين. فتقرّر بهذا أنّ الثمار، والزروع، والأنعام، كلها خلق الله، وأنّه خلقها لهذا الإنسان، وأن الهجوم على التحريم بغير علم كذب على الله، وهو أبلغ الظلم، وهذا كله يذكّرنا بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً .... التي هي محور هذه السورة، وبامتدادات هذا المحور في سورة البقرة: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وبعد هذا التقرير المذكّر بما خلق الله لنا من الزروع والثمار والأنعام، والمفنّد للهجوم على التحريم بغير علم، تأتي ثلاث مجموعات مبدوءة بكلمة (قل) وبعضها مبدوءة ب (قل) ومنتهية كذلك بآية بدايتها (قل). تبدأ المجموعة الأولى بأمر رسول الله ﷺ أن يقول لهؤلاء الذين حرّموا ما رزقهم الله افتراء على الله، أنّه لا يجد في الوحي المنزّل عليه حراما على آكل يأكله إلا الميتات، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهلّ به لغير الله، والمراد من سياق هذه الآية الكريمة الردّ على المشركين وأمثالهم ممّن يحرّمون- بآرائهم الفاسدة- ما لم يحرّمه الله، ثمّ بيّن تعالى أنّه حتى هذه المحرّمات أباحها الله عند الاضطرار، إذا لم يتلبس آكلها

стр. 1726

ببغي وعدوان؛ وذلك من كمال غفرانه ورحمته، هذا في كتاب الله الذي أنزله الله على محمد ﷺ ، وأمّا في الكتاب الذي أنزله الله من قبل فقد ذكر الله- أنّه حرّم على اليهود كل ذي ظفر من البهائم والطير، ما لم يكن مشقوق الأصابع كالإبل، والنّعام، والإوز، والبطّ، وغير ذلك مما سيأتي، كما حرّم عليهم شحوم البقر، والغنم، والماعز، إلا ما كان شحما في ظهر، أو شحما في حوية، وسيأتي معناها، أو شحما مختلطا بعظم فهذا مباح لهم، وتحريم هذه الأشياء لم يكن لضرر فيها، وإنما كان عقوبة لهم على بغيهم ومخالفتهم أوامر الله، من أجل ذلك كان التضييق. إذن فذاك الذي حرّم الله في القرآن، وهذا الذي حرّم في التوراة من قبل. فمن ادّعى أنّ الله حرّم غير هذا المذكور فأين دليله؟ وقد أمر الله رسوله ﷺ في حالة التكذيب أن يذكر بأنّ رحمة الله واسعة، ولكنّ بأسه لا يردّ عن القوم المجرمين، فلا يطمعنّ أحد من هؤلاء المجرمين برحمته، ولا شكّ أنّ المشركين ليس لهم دليل على أنّ الله حرّم شيئا مما حرموا ولذلك فإنهم يفرون إلى المشيئة، ولذلك فهم يدّعون أن ما هم عليه من الشرك ومن تحريم ما حرموا إنما هو بمشيئة الله، وكونه بمشيئة الله فذلك علامة رضاه وتشريعه، وهذا ذروة التكذيب، إذ بهذا الزعم يكون كل ما فعله البشر شرعا لله، وبالتالي فليس هناك حاجة للرسل، وفي هذا تكذيب للرسل في كل ما جاءوا به. ولذلك بيّن الله تعالى- بعد أن ذكر شبهتهم هذه- أن تكذيبهم هذا ليس جديدا، بل إنّ من قبلهم كذبوا مثل تكذيبهم حتى جاءهم العذاب. ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن يسألهم: هل عندكم علم بأن ما فعلتموه هو محلّ الرضى من الله؟ فإن كان فأظهروه وبيّنوه وأبرزوه، وما دام ليس عندهم علم فهم إذن لا يتّبعون إلا الوهم والخيال والاعتقاد الفاسد، وهم كذبة على الله فيما ادّعوه، وإذ قامت عليهم الحجة فقد أمر الله رسوله ﷺ أن يعلن أن لله الحجة البالغة، فلو شاء لهدى الجميع، ولكن له حكمه، وله المشيئة المطلقة، ولا يسأل عما يفعل، وإذا لم يثبت التحريم، لا في الوحي الجديد، ولا في الوحي القديم، وليس عند هؤلاء علم يدلّ على أن ما حرّموه فيه مرضاة الله، لم يبق إلا أن يطالبوا بإحضار الشهداء الذين يشهدون أنّ الله حرّم ما حرّموه، ولنفرض أنهم قدّموا شهودا فماذا يكون الموقف؟ الموقف أن يرفض رسول الله ﷺ شهادتهم لأنهم شهود زور كذبة، وألا يشهد معهم، وألا يتّبع أهواء المكذبين لآيات الله، الكافرين بالآخرة، الذين يجعلون لله عديلا وشريكا. وبهذا انتهت المجموعة الأولى من هذا المقطع. ومن النقاش الطويل لموضوع تحريم بعض الأنعام ندرك كم لقضية التحريم من

стр. 1727

الأهمية في هذا الدين، وندرك موضع هذا المقطع ضمن السياق العام الدائر حول محور قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فإن يدّعي أحد حق التشريع المطلق فذلك صرف للأمور عن مواضعها وانحراف. ثم تأتي المجموعة الثانية المصدّرة بكلمة (قل) وإذا كانت المجموعة الأولى تناقشهم فيما حرّموه ممّا لم يحرم، فإن المجموعة الثانية تفصّل ما حرّم الله، فقد أمر الله رسوله ﷺ أن يعدّد لهؤلاء المشركين وغيرهم المحرمات- حقيقة- عند الله في كتابه القرآن، وفي دينه الإسلام، وفي وحيه الذي أنزله على رسوله ﷺ : ١ - الشرك ٢ - عقوق الوالدين ٣ - قتل الأولاد خشية الفقر ٤ - قربان الفاحشة ما ظهر منها وما بطن ويدخل في ذلك الزنا ٥ - قتل النّفس التي حرّم الله إلا بالحق ٦ - أكل مال اليتيم ٧ - بخس المكيال والميزان ٨ - شهادة الزور ٩ - نكث العهد ١٠ - الانحراف عن صراط الله. وبعد أن فصّل الله المحرّمات، عطف بالثناء على التوراة ورسولها، واصفا موسى ﵇ بالإحسان، وواصفا التوراة بالكمال والإحاطة رحمة بمن أنزلت عليهم، وهداية لهم؛ من أجل أن يؤمنوا حق الإيمان، وذكر التوراة في هذا السياق يشعر أن ما حرّمه الله على هذه الأمة في هذا المقام كان محرّما في التوراة. وبعد أن أثنى على التوراة، ورسولها، أثنى على هذا القرآن الذي أنزله، ووصفه بالبركة، وأمر عباده باتّباعه، وبتقوى الله؛ لعلهم يستحقون رحمة الله، ثمّ خاطب العرب خاصّة، مبينا لهم أنّه أنزل هذا القرآن عليهم، وبلغتهم؛ لينقطع عذرهم؛ ولئلا يقولوا إن كتب الله قد أنزلت على اليهود والنصارى من قبل، وما كنا نفهم ما يقولون، لأنهم ليسوا بلساننا، ونحن في غفلة وشغل عمّا هم فيه، فبهذا الإنزال قطع الطريق على تعلّلهم أن يقولوا: لو أنّا أنزل علينا ما أنزل عليهم لكنّا أهدى منهم فيما أوتوه، فها قد جاءهم من الله على لسان محمد ﷺ النبي العربي، قرآن عظيم فيه بيان للحلال والحرام، وهدى للقلوب، ورحمة من الله لعباده، فمن أظلم بعد ذلك ممن اجتمع له تكذيب آيات الله، والعزوف عنها، وصدّ الناس عنها. هؤلاء سيجزيهم الله على فعلهم أشدّ العذاب. وبهذا البيان لم تبق حجة لتحريم ما لم يحرّمه الله. وبهذا التّهديد بالعذاب ندرك خطورة التحريم القائم على الهوى؛ لأنّه لا يعني إلا التكذيب لله ولرسوله ولكتابه، وإلا الصدّ عن سبيل الله، وحتى لا يستبطئوا العذاب ذكّرهم بالساعة وأشراطها، وأنّهم يوم يشاهدون القيامة، أو بعض أشراط يوم القيامة، لا ينفع الإنسان الإيمان وقتذاك أي: إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لا يقبل منه، فأمّا من كان مؤمنا قبل ذلك فإن كان مصلحا في عمله فهو بخير

стр. 1728

عظيم وإن لم يكن مصلحا فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته. ثمّ هدّد الكافرين وأوعدهم بأن أمر رسوله ﷺ أن يقول لهم: انتظروا إنا منتظرون. ثم هدد الله تعالى من فارق دين الله وخالفه، وتفرّق فيه كأهل الملل، والنّحل، والأهواء، والضلالات، ممن تركوا ما أحلّ الله، أو حرموا ما أحل، أو انحرفوا في الفهم، كل هؤلاء أمر الله رسوله ﷺ أن يبرأ منهم ويتبرأ، وأن يكل أمرهم إلى الله، والله هو الذي سينبئهم بما كانوا يفعلونه. وختمت هذه المجموعة بتبيان فضل الله، وعدله، إذ جعل الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، ليقبل عباده على الحسنات، وليعرفوا عدله، وأنّه يعاقب على السيئات، وبهذا المعنى انتهت المجموعة الثانية من هذا المقطع، وفيها بيّن الله المحرمات الرئيسية، ورد على الضالّين ووعظهم وهدّدهم. وتأتي المجموعة الثالثة وهي تأمر رسول الله ﷺ أن يخبر بما أنعم الله به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم، الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف. وهو الدين القائم الثابت. دين إبراهيم الحنيف عن كل باطل، والمستقيم على أمر الله، والطاهر من الشرك. ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يعلن لهؤلاء المشركين إخلاصه لله، وأنه لا يطلب ربّا سواه، وكيف يفعل والله رب كل شئ؟ وهو الذي سيحاسب كل نفس على عملها، وهو الذي لا يحمّل نفسا إثم نفس أخرى، ثم أمره أن يبلغهم أن إلى الله المرجع، وأن الله سيحكم بين الجميع فيما اختلفوا فيه. ثم يختم المقطع وتختم السورة بما يذكرنا بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً .. بتقرير أن الله قد جعلنا خلائف في الأرض، وجعل الأرض لنا، ولكي يتم إعمار الأرض، رفع بعضنا فوق بعض درجات، وأن في ذلك ابتلاء للجميع، هل يلتزم كل منهم بحكم الله فيما آتاه. ثم ختمت السّورة بالتذكير أنّ حسابه وعقابه سريع فيمن عصاه وخالف رسله، وأنه غفور رحيم لمن والاه واتّبع رسله فيما جاءوا به، وبهذا تنتهي السورة. وسنعرض المقطع على أنه مقدمة ومجموعات ثلاث وخاتمة. المعنى الحرفي: «مقدمة المقطع» وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ. أي: خلق جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ. أي: مسموكات

стр. 1729

مرفوعات وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ. أي: متروكات على وجه الأرض لم تعرش، يقال عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكا تعطف عليه القضبان ويمكن أن يسمى كل ما استنبته الناس من أشجار وأصلحوه وخدموه معروشا، وكل ما خرج في البر والجبال مما لم يخدم غير معروش وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ في اللون والطعم، والحجم والرائحة والأكل والثمر، والضمير للنخل، والزرع داخل في حكمه، أو لكل منهما، فإنّ النّخل يبلغ أنواع تمره المئات، ولكل منها حجم ولون وطعم. والزّرع منه القمح والفول والحمّص والعدس والبطاطا وغير ذلك، ومع أن الكثير منها يجمعها أنّها من النّشويات فإن لكلّ لونا وطعما ومنفعة ونكهة وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ في اللون وفي الطعم كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ. أي: من ثمر كل واحد مما مر، والأمر للإباحة، وذكر أول الإثمار لا يعني أنه لا يباح إلا إذا أدرك، بل إباحة الاستفادة موجودة قبل وبعد، ولكن عمليا تبدأ الاستفادة منه في الطعام وقت الإثمار وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ. أي: زكاته أو صدقته وسيأتي في الفوائد ما له علاقة بها وَلا تُسْرِفُوا. أي: بإعطاء الكل وتضييع العيال إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ لأنهم يضيّعون الحقوق ويتجاوزون الحدود وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً. أي: وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال، وما يفترش للتريّح، أو الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض مثل الفرش المفروش عليها، أو الحمولة ما تركبون، والفرش ما تأكلون وتحلبون، فالشاة لا تحمل ولكن تأكلون لحمها وتشربون لبنها وتتخذون من صوفها لحافا وفرشا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ. أي: كلوا ما أحل الله لكم منها ولا تحرّموها كما فعل الجاهليون من عرب وغيرهم وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ. أي: طرقه في التحريم والتحليل إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. أي: واضح العداوة فاتهموه على دينكم ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ. أي أنشأ لكم حمولة وفرشا ثمانية أزواج. أي أنشأ لكم ثمانية أزواج مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ. أي: زوجين اثنين، والواحد إذا كان وحده فهو فرد، وإذا كان معه غيره من جنسه سمّي كل واحد منهما زوجا وهما زوجان، والضأن جمع ضائن، والمعز جمع ماعز قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ المراد بالاستفهام هنا الإنكار، والمراد بالذكرين الذكر من الضأن، والذكر من المعز، وبالأنثيين الأنثى من الضأن والأنثى من المعز. والنص إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئا من نوعي ذكورها وإناثها أو مما تحمل الإناث

стр. 1730

وذلك أنهم كانوا يحرّمون ذكور الأنعام تارة وإناثها طورا، وأولادهما كيفما كانت ذكورا أو إناثا، أو مختلطة تارة، وكانوا يقولون: قد حرّمها الله فأنكر الله ذلك عليهم نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ. أي: أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدلّ على تحريم ما حرّمتم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنّ الله حرّمه وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ. أي: زوجين من هذا وزوجين من هذا قُلْ آلذَّكَرَيْنِ منهما حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ منهما أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ. أي: أم ما تحمل إناثها أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا يعني أم شاهدتم ربكم حين أمركم بهذا التحريم، ولما كانوا لا يؤمنون برسول وهم يقولون: الله حرّم هذا الذي نحرمه، فإنه سألهم على أسلوب العرب في التهكم أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ على معنى أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنّكم لا تؤمنون بالرّسل؟ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فنسب إليه تحريم ما لم يحرم لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. أي: الذين في علمه أنّهم يموتون على الكفر بسبب ما اجترحوه من الظلم وبهذا انتهت مقدمة المقطع. كلمة في السياق: ١ - ذكر الله- في هذه المقدمة بعض ما خلقه للإنسان من جنات وأعناب وزروع وثمار ولذلك صلته بقوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. ٢ - ناقشت المقدّمة تحريم الكافرين لبعض الأنعام ولذلك صلته بامتدادات المحور في سورة البقرة كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ والملاحظ أن قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ قد جاءت بنصها في الآية وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ لاحظ كذلك الصلة بين كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وبين كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ. ٣ - وإذن فالمقدمة قرّرت أن الله خلق أشياء للإنسان، وأن الإنسان حرّم بعضها بدون علم، وبعد ذلك تأتي المجموعة الأولى، وفيها تحديد لبعض ما حرّمه الله، ومناقشة للكافرين فيما حرّموه. وقبل أن نعرض المجموعة فلنذكر بعض الفوائد التي لها صلة بمقدمة المقطع.

стр. 1731

فوائد: [حول الآية (١٤١)] ١ - حرّم العرب في جاهليتهم أنواعا من الأنعام كما رأينا ذلك في سورة المائدة، وكما رأينا قبيل هذا المقطع من سورة الأنعام نفسها، والكلام هاهنا موجّه لهم أولا، ولكلّ من يشبههم على مدى الزمان في حالهم ثانيا كالهندوس الذين يحرّمون البقر، وكبعض الطوائف التي تحرّم الإبل، وكبعض الطوائف التي تحرّم الإناث من الغنم والبقر والماعز، ولا شك أن كل من حرّم ما أحل الله كافر، لأنّه مكذّب لله، والآيات واضحة في هذا. ٢ - عند قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ تنشأ معركة فقهية ذات جوانب أصولية وفرعية كثيرة، فأبو حنيفة يستدلّ بهذه الآية على وجوب العشر، أو نصف العشر زكاة، من كل ما أخرجته الأرض، قليلا أو كثيرا، مطعوما أو غير مطعوم، يصلح للتخزين أو لا يصلح، ولا يقبل الأحاديث الصحيحة التي تقيّد هذا الإطلاق، لأنه يعتبر أن أحاديث الآحاد- ولو كانت صحيحة- لا تقوى على تخصيص القرآن، لأن ذلك نسخ، وأحاديث الآحاد لا تستطيع نسخ المتواتر لاحتمال الوهم عند رواتها، وفسّر عطاء النّص فقال: يعطي من حضره يومئذ ما تيسّر وليس بالزّكاة. وقال مجاهد في تفسيرها: وعند الصرام يعطي القبضة ويتركهم فيتّبعون آثار الصرام. وقال ابن كثير: «وقد كان شيئا واجبا في الأصل ثم إنّه فصّل بيانه وبيّن مقدار المخرج وكميته». قال هذا ردا على من زعم أن الآية منسوخة والشافعية- وابن كثير منهم- لا يوجبون زكاة الزروع والثمار إلا إذا كانت مما يزرعه الآدميون، وأن يكون قوتا يصلح للادخار وأن يبلغ نصابه خمسة أوسق أي ما يعادل ٦١٧ كيلو غراما فلا زكاة عندهم على الكمّون والقثّاء والبطيخ والقطن، ولا على أمثال ذلك، ولا على ما كان قليلا وفي الآية كلام كثير، فليراجع فى المطولات. ٣ - قال أبو العالية في سبب نزول قوله: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ: «كانوا يعطون يوم الحصاد شيئا، ثم تباروا فيه وأسرفوا، فأنزل الله وَلا تُسْرِفُوا. وقال ابن جريج: نزلت في ثابت بن قيس بن شمّاس جذّ نخلا له فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته- فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة- فأنزل الله تعالى: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ رواه ابن جرير عنه.

стр. 1732

ولابن كثير فهم لطيف للنهي في قوله تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قال ابن كثير: إن النهي في قوله تعالى وَلا تُسْرِفُوا يعود على الإسراف في الأكل قال: أي لا تسرفوا في الأكل لما به من مضرّة العقل والبدن». بين يدي المجموعة الأولى من المقطع: تأتي بعد مقدمة المقطع المجموعة الأولى وهي مبدوءة بآية تبدأ بكلمة (قل) قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ ... وتنتهي بآية مبدوءة بكلمة (قل) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا. فبعد مقدمة المقطع التي ناقشت التحريم بغير علم، تأتي هذه المجموعة لتبين ما حرّم الله من الأنعام في شريعتنا وفي الشريعة الموسوية، وتناقشهم في الطريقة التي اعتمدوها إلى آخر ما عرضته المجموعة فلنرها: المجموعة الأولى من المقطع قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ. أي في ساعة نزول هذه الآية لأنّه حرّم شيء آخر بعد ذلك، أو في القرآن لأن وحي السنّة قد حرم غيره، أو في الأنعام لأن الآية في ردّ البحيرة وأخواتها، وأما الموقوذة، والمتردّية، والنطيحة التي ذكرت في سورة المائدة فهي من الميتة، وفيه تنبيه على أنّ التحريم إنما يثبت بوحي الله وشرعه، لا بهوى الأنفس مُحَرَّماً. أي: حيوانا حرم أكله عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ. أي: على آكل يأكله إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً. أي: إلا أن يكون الشئ المحرّم ميتة أَوْ دَماً مَسْفُوحاً. أي: مصبوبا سائلا، فلا يحرم الدم الذي في اللحم، والكبد، والطحال، وبقايا العروق، ومكان الذبح أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ. أي: نجس أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. أي: ما رفع الصوت على ذبحه باسم غير الله، وسمّي فسقا لتوغله في باب الفسق فَمَنِ اضْطُرَّ. أي: فمن دعته الضرورة إلى أكل شئ من هذه المحرمات غَيْرَ باغٍ غير ظالم لمضطر مثله، تارك لمواساته وَلا عادٍ. أي: متجاوز قدر حاجته من تناوله فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فلا يؤاخذ المضطر بل يغفر له؛ وذلك من آثار رحمته وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ. أي: ما له إصبع من دابّة أو طائر، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما. أي:

стр. 1733

حرّمنا عليهم لحم كلّ ذي ظفر وشحمه وكل شئ منه، ولم يحرّم من البقر والغنم إلا الشحوم، إلا ما استثني منها بقوله: إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما. أي: ما اشتمل على الظهور والجنوب أَوِ الْحَوايا. هي ما اشتمل على الأمعاء فشحم الخاصرة مباح لهم أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ كالشحم الذي يخالط عظم الظهر، ومعنى هذا أنّه حرّم عليهم من الشحوم- شحوم الكلى وشحوم الألية- والأمعاء، أما الشحم الذي في الظهر، أو الشحم المختلط مع الخاصرتين والبطن، مما تكون الأمعاء داخلها، فكل هذه مباحة لهم، وسنرى في الفوائد بعض عبارات كتب اليهود ممّا يستأنس به في هذا المقام ما دام لا يعارض نصا ذلِكَ. أي: هذا التضييق عليهم جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ. أي: بسبب ظلمهم وَإِنَّا لَصادِقُونَ فيما أخبرنا به فَإِنْ كَذَّبُوكَ. أي: فيما أوحيت إليك من هذا فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ بها يمهل المكذّبين ولا يعاجلهم بالعقوبة وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ. أي: فإنّه مع سعة رحمته فإنّ عذابه إذا جاء لا يردّ عن القوم المجرمين، فلا يغترّ المكذّبون بسعة رحمته عن خوف نقمته. وبعد أن بين الله- ما حرّمه في هذه الشريعة وما حرّمه في شريعة سابقة، وبعد أن قرّر في المقدمة أنهم حرّموا ما حرّموا من الأنعام بلا علم، فإنه في الآية اللاحقة يقيم الحجّة عليهم في دعواهم أن التحريم كان بمشيئته، وبناء عليه فإن ما حرّموه وما فعلوه هو محض الحق في زعمهم، إن الآية اللاحقة تقيم عليهم الحجة في هذا الشأن، وهكذا نجد أن الآيات تلاحق قضايا التحريم ملاحقة دقيقة حتى تنهي باطلها. سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا احتجاجا لشركهم وما حرّموه لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ ولكن شاء فهذا عذرنا، يعنون أن شركهم وشرك آبائهم وتحريمهم ما أحل الله لهم بمشيئته ولولا مشيئته لم يكن شئ من ذلك؛ وإذا شاء فقد رضي، فذلك دليل عندهم على أنّ ما فعلوه صحيح. جعلوا المشيئة تشريعا ورضا، ولا شكّ أن كل شئ بمشيئة الله، لأنّه لا يكون شئ إلا بمشيئته وقدرته، ولكنّه أرسل رسله بأمره، ورضاه لا يكون إلا بتنفيذ أمره وهم قد جعلوا المشيئة عين الرضا، فكذّبوا رسل الله ولذلك قال الله كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. أي: كتكذيبهم إيّاك، كذّب المتقدمون رسلهم، وتشبّثوا بمثل هذا فلم ينفعهم ذلك حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا. أي: حتى أنزلنا عليهم العذاب قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ. أي: من أمر معلوم يصحّ الاحتجاج به فيما قلتم فَتُخْرِجُوهُ لَنا أي: فتظهروه لنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ.

стр. 1734

أي: الوهم والخيال والاعتقادات الفاسدة وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ. أي: تكذبون على الله فيما ادّعيتموه قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ. أي: التامّة الكاملة عليكم بأوامره ونواهيه، ولا حجة لكم على الله بمشيئته فَلَوْ شاءَ. هدايتكم لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ولكن له الحكمة في أن يعلق الهداية على أسبابها، والضلال على أسبابه، فخلق الهداية عند من يستحقّها بتوفيقه، وخلق الضّلال عند من يستحقه بعدله قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ. أي: هاتوا شهداءكم وقرّبوهم الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا. أي: ما زعموه محرّما فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ. أي: فلا تسلّم لهم ما شهدوا به، ولا تصدّقهم، لأنّه إذا سلّم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم؛ فكان واحدا منهم- وحاشاه- فإنهم شهود الزور الكذبة وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا دلّ هذا على أن من كذّب بآيات الله فهو متبع للهوى إذ لو اتبع الدليل لم يكن إلا مصدّقا بالآيات موحّدا لله وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فهم ملحدون بها وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. أي: يسوون به مخلوقاته، فمن اجتمع له التكذيب بالآيات، والكفر بالآخرة، والشرك، ما كان ليكون إلا متبعا للهوى، وبهذا تمّت المجموعة الأولى من هذا المقطع، وقد ردّ بها على أولئك الذين يحرّمون ما أحلّ الله. كلمة في السياق: ١ - قرّرت الآيات أن هؤلاء الذين يحرّمون ما لم يحرمه الله كذبة مكذبون بآيات الله، كافرون بالآخرة، مشركون بالله، متبعون للهوى، متّبعون للظنون، وهذه أبشع صفات يمكن أن يتصف بها إنسان، ومن هنا ندرك خطورة قضية التحريم والتحليل، والهجوم عليها بلا علم، وتلخيصا لما مرّ معنا في المقطع نقول: بدأ المقطع بذكر ما خلق للإنسان، وما حرّم الإنسان على نفسه بلا علم، ثمّ بيّن حقيقة ما حرّمه الله، ثمّ ناقش الكافرين في الأساس الذي اعتمدوه في موضوع التحريم، وبعد نقاش وإقامة حجة، ووصف لهؤلاء بما هم فيه، يصل السياق إلى المجموعة الثانية، وفيها تفصيل للمحرمات الأساسية في دين الله. ٢ - لاحظ أن الآية الأخيرة في المجموعة ورد فيها قوله تعالى: وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ وتذكّر أن أول آية في سورة الأنعام ختمت بقوله تعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ فالسّورة سياقها واحد

стр. 1735

فوائد: [حول الآيتين (١٤٥ - ١٤٦)] ١ - فسر علماؤنا قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ بأنه ما له إصبع من دابّة، أو طائر، ليدخل فيه الإبل، وذلك مفهوم من قوله تعالى: وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ إذ ذكرهما ولم يذكر الإبل؛ فدلّ ذلك على دخول الإبل في ذوات الظفر المذكورة سابقا، وقد تتبعنا ما يسمونها التوراة حاليا فرأينا فيها ما يلى: في الإصحاح الثالث من سفر «اللاويين» «الشحم الذي يغشى الأحشاء وسائر الشحم الذي على الأحشاء والكليتين والشحم الذي عليهما الذي على الخاصرتين وزيادة الكبد مع الكليتين ينزعها ويوقدهما بنو هارون على المذبح على المحرقة التى فوق الحطب الذي على النار» ويتكرّر هذا الكلام مرات، وفي آخر هذا الإصحاح هذا الكلام «كل الشحم للرب فريضة دهرية في أجيالكم في جميع مساكنكم لا تأكلوا شيئا من الشحم ولا من الدّم». وفي الإصحاح السابع (لاويين) أثناء الكلام عن شريعة ذبيحة الإثم: ويقرب منها كل شحمها الألية والشحم الذي يغشى الأحشاء والكليتين والشحم الذي عليهما الذي على الخاصرتين وزيادة الكبد مع الكليتين ينزعها ويوقدهن الكاهن على المذبح وقودا ... » وفي الإصحاح نفسه «كل شحم ثور أو كبش أو ماعز لا تأكلوا وأما شحم الميتة وشحم المفترسة فيستعمل لكل عمل ولكن أكلا لا تأكلوه» أقول: لنا عودة على هذا النص، وفي هذا الإصحاح الحادي عشر «كل ما شقّ ظلفا وقسمه ظلفين ويجتر من البهائم فإياه تأكلون إلا هذه فلا تأكلوها مما يجتر ومما يشق الظلف الجمل لأنه يجتر لكنه لا يشق ظلفا فهو نجس لكم، والوبر لأنه يجتر لكنه لا يشق ظلفا فهو نجس لكم، والأرنب لأنه يجتر لكنه لا يشق ظلفا فهو نجس لكم، والخنزير لأنه يشق ظلفا ويقسم ظلفين لكنه لا يجتر فهو نجس لكم، من لحمها لا تأكلوا، وجثتها لا تلمسوا إنّها نجسة لكم» وبعد أن يتحدث عن حيوانات البحار والمياه يتحدث عن الطيور يقول: «وهذه تكرهونها من الطيور لا تؤكل إنها مكروهة النسر والأنوق والعقاب والحدأة والباشق على أجناسه وكل غراب على أجناسه والنّعامة والظليم والسأف والباز على أجناسه، والبوم والغوّاص والكركي والبجع والرّخم واللقلق والببغا على أجناسه، والهدهد والخفاش وكل دبيب الطير الماشي على أربع فهو مكروه لكم» ثم يذكر حيوانات تباح ثم يذكر حيوانات أخرى محرّمة كابن عرس والفأر والضبّ والجرذون والورل والوزغة والعظاية والحرباء». وفي الإصحاح الثاني عشر من سفر التثنية: «وأما الدم فلا تأكله

стр. 1736

على الأرض تسفكه كالماء» وفيه كذلك «احترز أن لا تأكل الدم لأن الدم هو النفس، فلا تأكل النفس مع اللحم، لا تأكله، على الأرض تسفكه كالماء، لا تأكله لكي يكون لك ولأولادك من بعدك خير إذا عملت الحق في عيني الرب» وفي الإصحاح الرابع عشر من سفر التثنية كلام عن المحرمات والمحللات من الدوابّ. ونحن نقلنا ما نقلناه هنا لنستأنس ببعض ما فيه على فهم النّص القرآني أو لترجيح فهم من الفهوم، والملاحظ أن الشحم الذي على الخاصرتين، داخل في التحريم على حسب النصوص التي ذكرناها، فإذا صح هذا فإن البطن، والخاصرتين، هي الحوايا، والشحم المختلط فيهما هو المباح، لا ما كان على الخاصرتين، والملاحظ أن بعضا مما حرّم عليهم قد أبيح لنا من مثل الإبل والأرانب، وتفصيل ما يؤكل وما لا يؤكل من الحيوانات موجود في كتب الفقه فلتراجع وسنذكرها في كتاب الأساس في السنة. ٢ - بمناسبة قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا ... يروي ابن كثير هذا الحديث عن ابن عباس وقد رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي قال ابن عباس: ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة- تعني الشاة- قال: «فلولا أخذتم مسكها»؟ قالت: نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال لها رسول الله ﷺ : «إنما قال الله: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ. وإنكم لا تطعمونه، أن تدبغوه فتنتفعوا به». فأرسلت فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرّقت عندها. رواه أحمد والبخاري والنسائي. ٣ - وبمناسبة تحريم الشحوم على بني إسرائيل يروي ابن كثير مجموعة أحاديث بمعنى واحد نكتفي منها بما يحيط بمعناها: روى الجماعة ... عن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول عام الفتح: «إنّ الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام». فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة. فإنها يدهن بها الجلود، وتطلى بها السفن، ويستصبح بها النّاس (يستضيئون بها)، فقال: «لا، هو حرام». ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: «قاتل الله اليهود، إن الله لمّا حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه». وروى ابن مردويه عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان قاعدا خلف المقام فرفع بصره إلى السماء فقال: «لعن الله اليهود- ثلاثا- إنّ

стр. 1737

الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها، وإن الله لم يحرم على قوم أكل شئ إلا حرّم عليهم ثمنه». ٤ - يلفت النسفي النظر عند قوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ إلى أن الذنب كان يرتّب عليه تشديد على بني إسرائيل بينما كانت بعض الهفوات سببا في التخفيف على هذه الأمّة، فمثلا ترتب على المخالفة يوم كان الصوم يمتدّ من بعد النوم إلى نهاية اليوم الثاني أن خفّف الله عن المسلمين حكم الصوم حتى جعله من الفجر إلى المغرب، فما أكثر رحمة الله بهذه الأمة، وكم تحتاج هذه الأمة إلى شكر، وقد عبر عن هذا كله بقوله: «وكيف نشكر من سبّب معصيتهم لتحريم الحلال ومعصية سالفنا لتحليل الحرام حيث قال: وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ. ٥ - وينبغي أن نتذكر أن ما ذكره الله تعالى من المحرمات في الآية من ميتة، أو دم مسفوح، أو لحم خنزير، أو ما أهل به لغير الله، قد أضافت لها السّنة محرمات أخرى من ذلك مثلا قوله ﵊: «حرام عليكم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها وكل ذي ناب من السّباع وكل ذي مخلب من الطير» رواه النسائي وأبو داود وفي كتب السّنّة وفي كتب الفقه تفصيلات ذلك. ولننتقل للكلام عن المجموعة الثانية: بين يدي المجموعة الثانية: تبدأ المجموعة الثانية بذكر المحرّمات الرئيسية في هذا الدين، بل في كل شريعة لله- ثمّ تذكّر العرب خاصة بفضل الله عليهم بإنزاله الإسلام عليهم ثمّ تذكّر وتعظ وتعمق في النفس لوازم الالتزام. والملاحظ أن الآيات الأولى التي تفصل في المحرّمات تنتهي بقوله تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ وأنه في آخر المجموعة يأتي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ .. وهذا يؤكد وحدة المجموعة، وأن المجموعة بعد أن بدأت بتفصيل المحرمات ذكرت ما يستنهض الهمم ويؤكد الالتزام. فلنر المجموعة: «المجموعة الثانية» تبدأ المجموعة بكلمة «قل» موجّهة لرسول الله ﷺ كي يبيّن للمسلمين ولغيرهم المحرّمات الرئيسية في هذا الدين، وقد يتوهّم متوهم أنّ هذا الأمر وجّه لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم

стр. 1738

كي يقوله لليهود وهو خطأ سببه فهم خاطئ لما بعد الآيات التي ذكرت المحرمات فليلاحظ ذلك. قُلْ. أي: للذين حرّموا الحرث والأنعام، أو لكل الناس تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ. أي: تعالوا أتل الذي حرّمه ربكم عليكم أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً هذا أوّل المحرمات وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً. أي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا، ولما كان إيجاب الإحسان تحريما لتركه ذكر في المحرّمات، فالمحرّم الثاني ترك الإحسان إلى الوالدين، فمن باب أولى العقوق وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ. أي: من أجل فقر، أي من خشيته نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ لأن رزق العبيد على مولاهم. فالمحرّم الثالث قتل الأولاد وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ. أي: الآثام ما ظَهَرَ مِنْها أي: ما بينك وبين الخلق وَما بَطَنَ. أي: ما بينك وبين الله فهذا المحرم الرابع الفواحش الظاهرة كالزنا الجهري وغيره، والباطنة كالزنا السري وغيره وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وقتلها قصاصا قتل بحق، والقتل على الردّة والرجم للزاني المحصن، قتل بحق، فالمحرّم الخامس قتل النفس بغير الحق ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ. أي: المذكورات السابقات، المفصّلات، أمركم ربكم بحفظه لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. أي: لتعقلوا عظمها عند الله وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. أي: إلا بالخصلة التي هي أحسن: وهي حفظه وتثميره حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ. أي: حتى يبلغ مبلغ حلمه فادفعوه إليه، فأكل مال اليتيم هو المحرّم السادس وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ. أي: بالسوية والعدل، فالمحرّم السابع إنقاص المكيال والميزان لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. أي: إلا ما يسعها، ولا تعجز عنه، وإنّما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك لأنّ مراعاة الحدّ من القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان ممّا فيه حرج فأمر ببلوغ الوسع، وأن ما وراءه معفوّ عنه وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا. أي: فاصدقوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى. أي: ولو كان المقول له، أو عليه، في شهادة، أو غيرها، من أهل قرابة القائل، فالمحرّم الثامن الكذب وشهادة الزور وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ويدخل بعهد الله عهده على الاعتراف بربوبيته، وعهده على طاعته في الأمر والنهي، وعهده بما التزم به الإنسان نحوه، من نذر، أو يمين، وعهده الذي عاهد الإنسان عليه الآخرين، فيما يجوز فيه العهد، أو يلزم، فعلى الإنسان الالتزام به، فالمحرم التاسع نقض العهد ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ. أي: ما مرّ أمركم به

стр. 1739

لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. أي: لعلكم تتعظون وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ. أي: الطرق المختلفة في الدّين، من اليهوديّة، والنّصرانيّة، والمجوسيّة، وسائر البدع، والضلالات فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ. أي: فتفرّقكم عن صراط الله المستقيم: وهو دين الإسلام، فهذا هو المحرّم العاشر، اتّباع غير سبيل الله ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أي: لتكونوا على رجاء إصابة التقوى ذكر أولا (تعقلون) ثم (تذكّرون) ثم (تتقون) لأنّهم إذا عقلوا تفكّروا ثمّ تذكّروا فاتّعظوا فاتقوا المحارم. هذه هي المحرّمات في شريعتنا وفي كل شريعة لله بما في ذلك شريعة التوراة ثمّ جاء بعد ذلك في المجموعة ما يهيج على الالتزام ويبعث عليه: فلنر تتمّة المجموعة: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ قال ابن جرير تقديره: ثم قل يا محمد مخبرا عنّا: أنا آتينا موسى الكتاب. وردّ هذا ابن كثير واعتبر أنّ (ثمّ) هنا جاءت لتفيد مطلق العطف فإنّه لما ذكر القرآن وأثنى عليه، ناسب أن يعطف بالثناء على التوراة مذكّرا بأن القرآن والتوراة كل من عند الله، وفيهما من التوافق بالأصول الكمال. تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ. أي: تتمة للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ في كلّ ما أمر به وقام بطاعة ربه قياما كاملا وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ. وبيانا مفصّلا لكل ما يحتاجون إليه في دينهم وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ. أي: بني إسرائيل بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ. أي: يصدّقون بالبعث والحساب، وبالرؤية، دلّ هذا على أن كتب الله تعمّق الإيمان بالآخرة وَهذا كِتابٌ. أي: القرآن أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ. أي: كثير الخير والمنافع فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا الله في مخالفته لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. أي: لترحموا باتّباعه وبتقوى الله أَنْ تَقُولُوا. أي: كراهة أن تقولوا أو لئلا تقولوا أيّها العرب إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا. أي: أهل التوراة والإنجيل وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ. أي: عن تلاوة كتبهم لَغافِلِينَ. أي: لا علم لنا بشيء من ذلك، والمراد إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن على محمد ﷺ ؛ كيلا يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا، وكنا غافلين عمّا فيهما أَوْ تَقُولُوا أو كراهة أن تقولوا، أو لئلا تقولوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ. أي: لحدة أذهاننا، وثقابة أفهامنا، وغزارة حفظنا فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ. أي: إن صدقتم فيما كنتم تعدون من

стр. 1740

أنفسكم، فقد جاءكم ما فيه البيان الساطع، والبرهان القاطع، مع الهدى والرحمة ففوا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ. أي: لا أحد أظلم من مثل هذا وَصَدَفَ عَنْها. أي: أعرض سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ وهو النّهاية في النّكاية بِما كانُوا يَصْدِفُونَ. أي: بسبب إعراضهم هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ. أي: أقمنا حجج الوحدانية، وثبوت الرسالة، وأبطلنا ما يعتقدون من الضّلالة، فما ينتظرون في ترك الضلالة بعدها، إلا إن تأتيهم ملائكة الموت لقبض أرواحهم أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ. أي: أشراط الساعة كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابّة، وهو موضوع سيأتي يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لأنّه وقتذاك لم يعد إيمانا بغيب، وليس إيمانا اختياريا، بل هو إيمان لدفع العذاب والبأس عن أنفسهم لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً. أي: إخلاصا، فكما لا يقبل إيمان الكافر بعد طلوع الشمس من مغربها، لا يقبل إخلاص المنافق أيضا أو توبته، وتقديره لا ينفع إيمان من لم يؤمن، ولا توبة من لم يتب من قبل قُلِ انْتَظِرُوا إحدى الثلاث المذكورة إِنَّا مُنْتَظِرُونَ بكم إحداها إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ. أي: اختلفوا فيه، وصاروا فرقا، كما اختلف اليهود والنصارى، أو فرّقوا دينهم، فآمنوا ببعض، وكفروا ببعض، وفي قراءة حمزة والكسائي (فارقوا دينهم). أي: تركوه وَكانُوا شِيَعاً أي: فرقا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ. أي: أنت منهم برئ ولا تسأل عنهم ولا عن تفرقهم ولست من عقابهم في شئ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ فيجازيهم على ذلك. مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها. أي: عشر حسنات أمثالها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ لا بنقص ثواب، ولا بزيادة عقاب. وبهذا تمت المجموعة الثانية التي فيها تقرير المحرمات الرئيسية في شريعة الله، وتهييج العرب الذين هم المخاطبون الأول بهذه الرسالة على حملها، وتحذيرهم من تركها، وترغيب الخلق بالحسنات، وتخويفهم من السيئات. كلمة في السياق: بعد أن ناقشت مقدمة المقطع الذين يحرمون بغير علم، وبعد أن ذكرت المجموعة الأولى المحرمات من الحيوانات في شريعتنا وشريعة موسى ﵇ وهي منسوخة بشريعتنا في كل ما تعارض مع هذه الشريعة، وناقشت الذين يحرمون غير ذلك، وبعد

стр. 1741

أن ذكرت المجموعة الثانية المحرمات الرئيسية، وهيّجت على الالتزام بأسلوبي الترهيب والترغيب، بعد هذا كله تأتي المجموعة الثالثة لتحدّد الطريق. وقبل أن نعرضها نحب أن نذكر مجموعة فوائد مما له صلة بالمجموعة الثانية: فوائد: [حول الآيات التي أنزل الله فيها ما حرم علينا] ١ - روى داود الأودي عن ابن مسعود ﵁ قال: من أراد أن ينظر إلى وصيّة رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وروى الحاكم في مستدركه أن عبد الله بن خليفة سمع ابن عباس يقول: في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ الآيات. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. وروى الحاكم أيضا .. عن عبادة ابن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّكم يبايعني على ثلاث؟» ثم تلا رسول الله ﷺ : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ حتى فرغ من الآيات فمن وفى فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخّر إلى الآخرة فأمره إلى الله إن شاء عذّبه وإن شاء عفا عنه» ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فلنحاول أن نعرض أنفسنا على هذه الآيات فإن العلم بلا محاسبة للنّفس على العمل لا يكفي. ٢ - في الصحيحين من حديث ابن مسعود أنّه سأل رسول الله ﷺ أيّ الذنب أعظم؟ قال أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» ثمّ تلا رسول الله ﷺ : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ الآية. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» وقال سعد بن عبادة: لو رأيت مع امرأتي رجلا لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: أتعجبون من غيرة سعد. والله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، من أجل ذلك حرم

стр. 1742

الفواحش ما ظهر منها وما بطن» وجاء في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله الله وأنّي رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثّيب الزاني، والنّفس بالنفس، والتّارك لدينه المفارق للجماعة». وروى أبو داود والنسائي عن عائشة ﵂: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمدا فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام وحارب الله ورسوله فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض». وروى الإمام أحمد والتّرمذي والنّسائي وابن ماجه عن أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ﵁ أنّه قال وهو محصور: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس» فو الله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنّيت أن لي بديني بدلا منه بعد إذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، فبم تقتلونني؟» وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهد: وهو المستأمن من أهل الحرب، فعن أبي هريرة ﵁ عن النّبي ﷺ قال: «من قتل معاهدا له ذمّة الله وذمّة رسوله فقد أخفر بذمّة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا» رواه ابن ماجه والتّرمذي وقال: حسن صحيح. وروى الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والميزان: «إنكم ولّيتم أمرا هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم». وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود قال: خطّ رسول الله ﷺ خطا بيده ثمّ قال: «هذا سبيل الله مستقيما»، وخط عن يمينه وشماله، ثمّ قال: «هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه» ثم قرأ وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ. وكذا رواه الحاكم وقال: صحيح، ولم يخرجاه. وروى الإمام أحمد عن النّوّاس بن سمعان عن رسول الله ﷺ قال: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتّحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس، هلمّوا ادخلوا الصّراط المستقيم جميعا ولا تتفرّقوا، وداع يدعو من فوق الصّراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فإنّك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتّحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس

стр. 1743

الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم» ورواه الترمذي والنسائي أيضا. ٣ - قال كعب الأحبار: «إن هذه الآيات لأول شئ في التوراة» أي: هذه الوصايا العشر مذكورة في أوائل التوراة، وقد تتبعت ما يسمّونه الآن بالتوراة فوجدت في الإصحاح العشرين من سفر الخروج وهو السفر الثاني من أسفار التوراة: «لا يكن لك آلهة أخرى أمامي ... » وهذا وما بعده يقابل (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) «أكرم أباك وأمك .... » وهذا يقابل وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً «لا تقتل» وهذا يقابل: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ .... وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ ..... «لا تزن» وهذا يقابل: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ «لا تسرق» وهذا يقابل: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ. «لا تشهد على قريبك شهادة زور» وهذا يقابل: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا .... وفي الإصحاح الخامس من سفر التثنية هذه الفقرات: «لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالا منحوتا صورة ما، فما في السماء من فوق، وما في الأرض من أسفل، وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك إله غيور .... ». «لا تنطق باسم الرب إلهك باطلا، لأن الرب لا يبرّئ من نطق باسمه باطلا ... » «أكرم أباك وأمك أوصاك الرب إلهك .... ». «لا تقتل ولا تزن ولا تسرق ولا تشهد على قريبك شهادة زور ولا تشته امرأة قريبك». وخلال ذلك وصية بحفظ السبت فهل تقابل هذه أمر الله لنا بالوفاء بعهد الله؟ ولو أننا نظرنا إلى هذه الوصايا في التوراة، لوجدناها تقابل بشكل ما الوصايا العشر في ديننا، مع الاختلاف في محتوى بعض الألفاظ مما خالفت فيه شريعتنا شريعتهم بأمر الله ونسختها؟. ٤ - رأينا أن قوله تعالى في القرآن: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ يقابل في التوراة الحالية «ولا تزن» وقد قال تعالى عن الزنا: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا فهذا كله يجعل الزنا يدخل دخولا أوليا في النهي وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ... ، ولصاحب الظلال كلام طيب في هذا المقام: يقول: «والفواحش: كل ما أفحش- أي تجاوز الحد- وإن كانت أحيانا تخص بنوع منها هو فاحشة الزنا. ويغلب على الظن أن يكون هذا هو المعنى المراد في هذا

стр. 1744

الموضوع. لأن المجال مجال تعديد محرمات بذاتها، فتكون هذه واحدة منها بعينها. وإلا فقتل النفس فاحشة، وأكل مال اليتيم فاحشة، والشرك بالله فاحشة الفواحش. فتخصيص «الفواحش» هنا بفواحش الزنا أولى بطبيعة السياق. وصيغة الجمع. لأن هذه الجريمة ذات مقدمات وملابسات كلها فاحشة مثلها: فالتبرج، والتهتك، والاختلاط المثير، والكلمات والإشارات والحركات والضحكات الفاجرة، والإغراء والتزين والاستثارة ... كلها فواحش تحيط بالفاحشة الأخيرة. وكلها فواحش منها الظاهر ومنها الباطن. منها المستتر في الضمائر ومنها البادي على الجوارح. منها المخبوء المستور ومنها المعلن المكشوف وكلها مما يحطم قوام الأسرة، وينخر في جسم الجماعة، فوق ما يلطخ ضمائر الأفراد، ويحقر من اهتماماتهم، ومن ثم جاءت بعد الحديث عن الوالدين والأولاد. ولأن هذه الفواحش ذات إغراء وجاذبية، كان التعبير: وَلا تَقْرَبُوا .. للنهي عن مجرد الاقتراب، سدا للذرائع، واتقاء للجاذبية التي تضعف معها الإرادة. لذلك حرمت النظرة الثانية- بعد الأولى غير المتعمّدة- ولذلك كان الاختلاط ضرورة تباح بقدر الضرورة. ولذلك كان التبرج- حتى بالتعطر في الطريق- حراما، وكانت الحركات المثيرة، والضحكات المثيرة، والإشارات المثيرة، ممنوعة في الحياة الإسلامية النظيفة .. فهذا الدين لا يريد أن يعرّض الناس للفتنة ثم يكلف أعصابهم عنتا في المقاومة. فهو دين وقاية قبل أن يقيم الحدود، ويوقع العقوبات. وهو دين حماية للضمائر والمشاعر والحواس والجوارح. وربك أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير. وكذلك نعلم ما الذي يريده بهذا الدين، وبحياة المجتمع كله وبحياة الأسرة، من يزيّنون للناس الشهوات، ومن يطلقون الغرائز من عقالها بالكلمة والصورة والقصة والفيلم وبالمعسكر المختلط وبسائر أدوات التوجيه والإعلام»! ٥ - بمناسبة قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ نحب أن نتحدّث عن قضيتين: الأولى حول تأويل قوله تعالى: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ والقضية الثانية حول المراد ببعض آيات الله في هذا المقام؟ ولنتكلم عن القضيتين واحدة بعد أخرى: ا- فسّر بعضهم قوله تعالى: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ بأن المراد منه: أو يأتي أمر ربك، بدعوى أنّ هذه الآية تشبه آية في سورة النّحل تتكلم عن نفس المقام هي قوله

стр. 1745

تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ قال النّسفي: وَجاءَ رَبُّكَ. أي: أمر ربك وهو العذاب أو القيامة وهذا لأن الإتيان متشابه، وإتيان أمره منصوص عليه محكم فيردّ إليه» والذين ردّوا التأويل قالوا: إن المقامين مختلفان. ب- والقضية الثانية هي التي تشير إليها النصوص التالية: ا- روى البخاري في تفسير هذه الآية ... عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها». فذلك حين لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ. ب- روى ابن جرير ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدّجال، ودابّة الأرض». ج- روي في الصحيحين وغيرهما ... عن أبي ذر جندب بن جنادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟» قلت: لا أدري، قال: «إنها تنتهي دون العرش فتخرّ ساجدة ثم تقوم حتى يقال لها: ارجعي، فيوشك يا أبا ذرّ أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت، وذلك حين لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ». د- روى الإمام أحمد ... عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدّخان، والدابّة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، وخروج الدّجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق- أو تحشر- النّاس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا». وهكذا رواه مسلم وأهل السنن الأربعة وقال الترمذي: حسن صحيح. هـ- روى الإمام أحمد ... عن ابن السعدي أن رسول الله ﷺ قال: «لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل». فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو ابن العاص: إن رسول الله ﷺ قال: «إن الهجرة خصلتان: إحداهما أن تهجر

стр. 1746

السّيئات، والأخرى تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع ما تقبّلت التوبة، ولا تزال التوبة تقبل حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفى الناس العمل». وهذا الحديث حسن الإسناد. و- روى ابن مردويه ... عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: سألت النّبيّ ﷺ فقلت: يا رسول الله، ما آية طلوع الشمس من مغربها؟ فقال النبي ﷺ : «تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين فبينما الذين كانوا يصلون فيها، يعملون كما كانوا يعملون قبلها، والنّجوم لا ترى، قد غابت مكانها، ثمّ يرقدون، ثمّ يقومون فيصلّون، ثم يرقدون، ثمّ يقومون تبطل عليهم جنوبهم، حتى يتطاول عليهم الليل، فيفزع الناس ولا يصبحون فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من مشرقها إذ طلعت من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا، ولا ينفعهم إيمانهم». ز- روى ابن مردويه ... عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم هذه، فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون؛ يقوم أحدكم يقرأ حزبه، ثمّ ينام، ثمّ يقوم فيقرأ حزبه، ثمّ ينام، فبينما هم كذلك، إذ صاح الناس بعضهم في بعض، فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد، فإذا هم بالشمس قد طلعت، حتى إذا صارت في وسط السماء رجعت من مطلعها- قال حينئذ- لا ينفع نفسا إيمانها». قال ابن كثير: هذا حديث غريب من هذا الوجه. والذي نحب أن نلفت إليه النظر في هذا الموضوع هو: ١ - إن الشمس في كل لحظة في شروق وغروب بالنسبة لمجموع الأرض، ومن أجل هذا فإن حديث أبي ذرّ: «تدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟» قلت لا أدري قال: إنها تنتهي دون العرش فتخرّ ساجدة ثم تقوم حتى يقال لها: ارجعي» يمكن حمله على أن الشمس دائما تحت العرش وأنها في كل لحظة ساجدة، وأنها في كل لحظة تستأذن ربها في الاستمرار استئذانا الله أعلم بكيفيّته، فهي مستمرة على سنتها هذه، وقانونها الذي فطرها الله عليه حتى تأتى اللحظة التي يريد الله بها أن يحدث الأحداث الكبرى من أشراط الساعة، كمقدمة لقيام الساعة، عندئذ يأمرها بتغيير سنّتها. ويحتمل أن يكون المراد من الحديث غروبا خاصا لها، بالنسبة لمجموع الكرة الأرضية، تصبح فيه أقرب ما تكون إلى العرش في حالة الله أعلم بها، إذ إن موضوع دوران

стр. 1747

الأرض، وحركة الشمس، وصلة ذلك بالعرش، وارتباط هذا العالم بالعالم الغيبي، لا نعرف عنه إلا القليل. ٢ - إن رؤية الشمس من مغربها آية لكل الأرض، وليست لقطر دون قطر، وهذا هو سرّ غيابها ليلتين عن بعض الأقطار، وثلاث عن بعضها الآخر، كما في بعض الآثار إذ عملية الرجوع تقتضي هذا الغياب الطويل عن بعض الأقطار. ٣ - وهل هناك لحظة وقوف تستمر فترة زمنية ما؟ إنّ النّصوص التي تذكر استمرار الظلمة ثلاثة ليال تشعر بذلك. ٤ - هل نستطيع أن نقرب هذه القضية على ضوء معلومات العصر؟ نقول: إن للشمس ثلاث دورات- أو حركات- حركة حول نفسها، وحركة مع مجموعتها الشمسية باتجاه كوكبة الجاثي، وحركة مع مجرتها، وفي عملية صعود الشمس نحو كوكبة الجاثي فإنها تجر معها أسرتها الشمسية كلها، وبعض علماء الكون يرون أن الشمس إذا وصلت إلى نقطة ما، يعتبرونها رأس الموشور بالنسبة لسير الشمس في هذا الاتجاه، فإن شيئا ما سيحدث، فلنفترض أنها وصلت إلى نقطة ما، وأمرت بالرّجوع منها فماذا يحتمل أن يكون في لحظة الأمر؟ التوقف، والعودة إلى المسار الجديد؟ ويكون ما ورد فى الأحاديث هو من مظاهر ما سيحدث، ولعلنا نستطيع أن نفهم حديث أبي ذر على مثل هذا «تدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟» إذا عرفنا أن كل لحظة هي في غروب يصبح السؤال هكذا: «أتدري أين تذهب الشمس» الجواب: «إنها تنتهي دون العرش فتخر ساجدة، ثم تقوم حتى يقال لها ارجعي، فيوشك يا أبا ذرّ أن يقال لها ارجعي من حيث جئت» فوصولها إلى ما دون العرش، وصولها إلى رأس الموشور، والأمر لها بالرجوع هو لحظة التغيّر للمسار الذي يترتب عليه ما ورد في الآثار. وإني وإن قررت هذا التقرير للتقريب لكن الذي ألقى عليه الله هو الإيمان، مع التسليم، وترك الأمر لحين الوقوع، فإذا وقع كما مرّ في الآثار المنقولة، فذلك يثبت صدق النّقلة، وعدم توهّمهم، وإن حدث خلاف شئ من ذلك يكون بعض النقلة قد وهم، لأن كلام رسول الله ﷺ هو الحق الذي لا ينقضه شئ. ٥ - إن آية مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها مفصّلة لما أجمل في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها* وقد وردت الأحاديث مبينة لهذا الموضوع:

стр. 1748

روى الإمام أحمد ... عن ابن عباس ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال فيما يروي عن ربه ﵎: «إنّ ربكم- رحيم، من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة، أو يمحوها الله- ولا يهلك على الله إلا هالك» ورواه البخاري ومسلم والنسائي. وروى الإمام أحمد أيضا ... عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله- : من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤه مثلها أو أغفر، ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئا جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إليّ شبرا اقتربت إليه ذراعا، ومن اقترب إليّ ذراعا، اقتربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» رواه مسلم وابن ماجه أيضا. وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي ... عن أنس بن مالك ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيّئة فلم يعملها لم يكتب عليه شئ، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة». واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام: تارة يتركها لله، فهذا تكتب له حسنة على كفّه عنها لله تعالى، وهذا عمل ونية، ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة، كما جاء في صحيح مسلم «فإذا تركها من جرّائي». أي: من أجلي- وتارة يتركها نسيانا وذهولا عنها، فهذا لا له، ولا عليه، لأنّه لم ينو خيرا ولا فعل شرا- وتارة يتركها عجزا وكسلا عنها، بعد السعي في أسبابها، والتلبّس بما يقرّب منها، فهذا بمنزلة فاعلها، كما جاء في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنّه كان حريصا على قتل صاحبه» وروى الإمام أبو يعلى الموصلي أيضا .. عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من همّ بحسنة كتب الله له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن همّ بسيّئة لم تكتب عليه حتى يعملها، فإن عملها كتبت عليه سيّئة، فإن تركها كتبت له حسنة، يقول الله تعالى: إنما تركها من مخافتي» وروى الإمام أحمد .. عن خريم بن فاتك الأسدي: أن النبى ﷺ قال: «إنّ النّاس أربعة، والأعمال ستة، فالناس:

стр. 1749

موسّع له في الدنيا والآخرة. وموسّع له في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسّع له في الآخرة، وشقي في الدنيا والآخرة والأعمال: موجبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبعمائة ضعف، فالموجبتان: من مات مسلما مؤمنا لا يشرك بالله شيئا وجبت له الجنة، ومن مات كافرا وجبت له النار، ومن همّ بحسنة فلم يعملها فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت واحدة، ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة كانت عليه بعشر أمثالها ومن أنفق في سبيل الله- كانت بسبعمائة ضعف» ورواه الترمذي والنسائي أيضا وروى ابن أبي حاتم ... عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النّبي ﷺ قال: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها بلغو فهو حظّه منها، ورجل حضرها بدعاء، فهو رجل دعا الله، فإن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخطّ رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدا فهي كفّارة له إلى الجمعة التى تليها، وزيادة ثلاثة أيّام، وذلك لأنّ الله- يقول: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وروى الطبراني .. عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله تعالى قال: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها» وروى الإمام أحمد ... عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كله». ورواه النسائي وابن ماجه والترمذي وزاد: «فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها اليوم بعشرة أيام» ثم قال: هذا حديث حسن. كلمة في المجموعة الثانية: قصّ الله- علينا في هذه المجموعة ما حرّمه علينا، وأشعرنا أن هذه المحرمات محرّمة عنده في كل شريعة، وبيّن لنا حكمة إنزال القرآن على العرب، ووعظ الناس جميعا، وخوّفهم بالموت، وبالقيامة، وأشراطها، ثمّ رغّبهم بالطاعة، وكرّه إليهم المعصية، وأراهم فضله في الطاعة، وعدله بالمعصية. ثم تأتي المجموعة الثالثة وهي مجموعة أوامر موجهة لرسول الله ﷺ ، ثمّ لأمته، تحدّد الطريق، ثم تأتي الخاتمة وهذه هي المجموعة الثالثة في هذا المقطع فلنرها:

стр. 1750

«المجموعة الثالثة» قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو دينه القويم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف دِيناً قِيَماً. أي: قائما ثابتا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً أي: مائلا عن كل دين باطل إلى الدين الحق وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بالله قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي. أي: عبادتي أو ذبحي أو حجي وَمَحْيايَ وَمَماتِي. أي: وما أتيته في حياتي، وأموت عليه، من الإيمان، والعمل الصالح لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. أي: خالصة لوجهه لا شَرِيكَ لَهُ. أي: في شئ من ذلك وَبِذلِكَ. أي: بالإخلاص أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي. أي: أطلب رَبًّا والاستفهام للإنكار أي هذا مستحيل وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ. أي: وكل من دونه مربوب، ليس في الوجود من له الربوبية غيره، فكيف أبتغي ربا سواه وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها. أي: كسب كل نفس عليها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى. أي: لا تؤخذ نفس آثمة، بذنب نفس أخرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ. أي: مآلكم ومصيركم فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الأديان التي فرّقتموها، ومن كان هذا شأنه، ومن كان هذا عدله، ومن كان المصير إليه كيف يعبد سواه؟! فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ... (النحل: ١٢٠) قال ابن كثير: وليس يلزم من كونه ﷺ أمر باتباع ملّة إبراهيم الحنيفية أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها، لأنه ﵇ قام بها قياما عظيما، وأكملت له إكمالا تامّا، لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال، ولهذا كان خاتم الأنبياء، وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق حتى الخليل ﵇. وقد روى ابن مردويه ... عن ابن أبزى عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: «أصبحنا على ملّة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين» وروى الإمام أحمد ... عن ابن عباس ﵄ أنه قال لرسول الله ﷺ : أيّ الأديان أحبّ إلى الله تعالى؟ قال: «الحنيفية السمحة». وروى الإمام أحمد أيضا ... عن عائشة ﵂ قالت: وضع رسول الله ﷺ ذقني على منكبه، لأنظر إلى زفن الحبشة أي إلى رقصهم، حتى

стр. 1751

كنت التي مللت فانصرفت عنه، وقال رسول الله ﷺ يومئذ: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة» وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين، والزيادة بعد قولها: (انصرفت عنه) لها شواهد من طرق عدة. ٢ - روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله قال: ضحّى رسول الله ﷺ في يوم عيد بكبشين وقال حين ذبحهما: «وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين». ٣ - روى الإمام أحمد عن علي ﵁ أنّ رسول الله ﷺ كان إذا كبّر أي في الصلاة استفتح ثمّ قال: «وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين» إلى آخر الآية. «اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، لا يغفر الذنوب إلا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد، وقد رواه مسلم في صحيحه. كلمة في المجموعة الثالثة وسياقها: في آخر أمر في الوصايا العشر جاء قوله تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وفي أواخر المجموعة الثانية جاء قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ وأول أمر يأتي في المجموعة الثالثة هو: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. لاحظ صلة ذلك ببعضه، ولاحظ ذكر ملة إبراهيم، وتذكّر أن آخر مقطع في القسم الأول من سورة الأنعام كان فيه حديث عن إبراهيم ﵇ والتوحيد. ثمّ لاحظ أن الآية الثالثة، والرابعة في المجموعة الثالثة، تلقننا التوحيد الخالص وهو الموضوع الرئيسى في سورة الأنعام. ثم لاحظ أن الآية الخامسة تقول: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ

стр. 1752

لاحظ صلة هذه الآية بموضوع الإيمان بالله وموضوع الرجوع إليه وتذكر محور السورة في البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً ... ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ لاحظ الصلة بين ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ وبين ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ثمّ تذكّر أن الآية الثانية في المحور هي: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وأن خاتمة المقطع وخاتمة سورة الأنعام هي قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ إذا تذكرت هذا أدركت كيف أن لسورة الأنعام سياقها الخاص، وأنها مع ذلك تفصّل في محورها. وإذا لم يبق في السورة إلا آية واحدة هي خاتمتها، وهي في الوقت نفسه خاتمة المقطع فلنرها: خاتمة السورة وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ تملكونها وتتصرفون فيها والخلائف إما لأن بعضهم يخلف بعضا، أو هم خلفاء الله في أرضه وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ في الشرف، والرّزق، والعقل وغير ذلك لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ. أي: ليختبركم فيما أعطاكم من نعمة الجاه، والمال، كيف تشكرون تلك النعمة، وكيف يصنع الشريف بالوضيع، والغني بالفقير، والحاكم بالمحكوم إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ لمن كفر وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن قام بشكره. ووصف العقاب بالسرعة لأن ما هو آت قريب. فائدة: بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يذكر ابن كثير الأحاديث الآتية: أ- روى الإمام أحمد ... عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بالجنة أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط أحد من الجنة، خلق الله مائة رحمة، فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها، وعند الله تسعة وتسعون» ورواه مسلم والترمذي. ب- وعن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «لما خلق الله الخلق كتب

стр. 1753

في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي». ج- وروى مسلم ... عن أبي هريرة أيضا قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابّة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه». كلمة في المقطع الأخير: رأينا كيف أن المقطع ذكّر بنعمة الله على الإنسان في خلقه له النبات، والأنعام، وكيف أن بعض الخلق يحرّمون ما خلق الله لهم بدون علم. ثم إن المقطع بعد أن ردّ هذا التحريم، بيّن ما حرّم الله، وردّ على المشركين زعمهم من أن عقائدهم وأفعالهم دليل على رضا الله، ثم بين المحرمات الرئيسية. ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يعلن عن مجموعة من القضايا والالتزامات. ثم ذكّر الله البشر بنعمته عليهم، إذ جعلهم خلائف في الأرض؛ فسخّرها لهم، وجعلهم يتصرفون بها، ويملكونها، وما ينبغي أن يقابل ذلك بالقيام بحق الله. وكل هذا سائر على النسق العام للسورة، بما يخدم سياقها الخاص، وبما يفصّل في محورها، وكلّ ذلك قد رأيناه. ملاحظة: نلاحظ أن السورة تنقسم إلى قسمين كبيرين. القسم الأول من بدايتها إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى والقسم الثاني من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى إلى خاتمتها. والملاحظ أن القسمين يكادان يكونان متساويين، من حيث الحجم، وهذه الملاحظة نلاحظها في كثير من السور. ولعلّ القارئ لحظ هذا فيما مر، وسيلحظه فيما يأتي، وإنما نبّهنا عليه هنا لوضوح ذلك في هذه السورة. وقد يكون من حكمة ذلك أنه لو قرأ الإنسان في صلاة واحدة ركعتين مثلا، فإنه يستطيع أن يقف في الركعة الأولى عند القسم الأول، ليأخذ حظه في الركعة الثانية بتلاوة القسم الثاني. وفي ذلك نوع من التنسيق بين العقل، والقلب، والعبادة، ونوع من الترتيب، والتنظيم يتفق مع ما أراده الله لهذه الأمة من الكمال؛ بما أنزله عليها من هذا القرآن الكامل. كلمة في سورة الأنعام: كرّرنا كثيرا أن محور سورة الأنعام هو قوله تعالى في سورة البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ

стр. 1754

لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وأن هذا المحور هو جزء من محور سورة النساء، والمائدة، والأنعام، والمبدوء بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً ... وقد لاحظنا كيف أن سورة الأنعام سفّهت الكفر بالله، وسفّهت صنيع أهله، وفضحت كل مظاهره، وذكّرت بالرجوع إلى الله، وفصّلت كيف أنّ الله خلق هذه الأرض للإنسان بكل ما فيها، وفصّلت فيما فعله الكافرون مما ينافي ذلك، وناقشتهم، وتتبعت مسارب الضلال في قلوبهم، وعقولهم، ولاحقتها، وعرّفت الخلق على الله حقّ المعرفة، ليتقوه حق التقوى، فكمّلت بذلك عمل سورة النساء، والمائدة، وأدت حق محورها، وتسلسلت المعاني فيها، معنى وراء معنى، يكمّل اللاحق السابق، وينسجم السابق مع اللاحق، وكل ذلك على مستوى من البيان عجيب، ومن الإعجاز عظيم، ومن تأمل مثل قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ومثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ* فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. علم أن مثل هذا البيان لا يمكن أن يكون إلا من عند الله، ومن تأمل مثل قوله تعالى: يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ ومثل ما رأيناه من تلخيص لما في الكتب السابقة، عرف كيف أنّ الكمال في هذا القرآن لا يتناهى، وأنّ الإعجاز فيه لا يتناهى، وعرف نعمة الله على هذه الأمّة؛ إذ أنزل عليها هذا القرآن، وعرف نعمة الله على البشرية بأن كان القرآن كذلك، وحمد الله على نعمة الإيمان، فالحمد لله أولا وآخرا، وله الثناء الحسن على ما أنعم به علينا، وتفضّل من نعمة الإيمان بهذا القرآن والإسلام. وإذا كانت سورة الأنعام قد فصلت في محورها الذي رأيناه، فإنّ سورا أخرى كثيرة ستفصل في المحور نفسه، مع امتداداته ومحله في السياق، وكل ذلك على طريقة لم يألفها البشر، ولا يستطيعوها، وهذه إحدى مظاهر الإعجاز في القرآن، وحسبنا أن نشير في هذا الكتاب إشارات.

стр. 1755

كلمة في آفاق الوحدة القرآنية بين يدي المجلد الرابع نعرض في هذا المجلد سور: الأعراف والأنفال وبراءة، وكما رأينا فإن القسم الأول من أقسام القرآن والذي هو قسم السبع الطوال ينتهي بنهاية سورة براءة وإذن فبنهاية هذا المجلد ينتهي عرض القسم الأول من أقسام القرآن ليأتي بعد ذلك القسم الثاني والذي يسميه الحديث الشريف الحسن الذي مر معنا في قسم المئين. لقد رأينا فيما مضى أن لسورة البقرة سياقها الخاص بها، ثم رأينا أن كل سورة جاءت بعدها لها محورها من سورة البقرة، وأن كل سورة جاءت بعد سورة البقرة تفصل في محور من سورة البقرة، وفي امتدادات هذا المحور من السورة نفسها، فسورة آل عمران فصلت في مقدمة سورة البقرة، وفي امتدادات هذه المقدمة، أي: في المعاني التي هي أكثر لصوقا بها، ثم جاءت سورة النساء ففصلت في الآيات الخمس الآتية بعد المقدمة وفي امتدادات هذه الآيات، ثم جاءت سورة المائدة ففصلت في الآيتين اللتين جاءتا بعد الآيات الخمس وفي امتدادات معانيهما، ثم جاءت سورة الأنعام ففصلت في آخر آيتين في المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة، وفي امتدادات معانيهما، وتأتي بعد ذلك سورة الأعراف، وهي تفصل في المقطع الثاني من القسم الأول من سورة البقرة، وهو المقطع الذي يتحدث عن قصة آدم ﵇ كما تفصل في امتدادات هذا المقطع. وبتفصيل السور الخمس الآتية بعد سورة البقرة لمحاورها وامتدادات هذه المحاور تكون أكثر معاني سورة البقرة قد أصابها التفصيل الأول في القسم الأول من أقسام القرآن وتأتي بعد سورة الأعراف سورتا الأنفال وبراءة، ونلاحظ أنهما تفصلان في محور يأتي بعد آيات كثيرة من قصة آدم فهما تفصلان في قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ فلماذا جاء محورا سورتي الأنفال وبراءة بعيدين عن محور سورة الأعراف؟ إن السور الخمس الآتية بعد سورة البقرة مباشرة فصلت في الآيات التسعة والثلاثين
следующие страницы →