Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
كنت التي مللت فانصرفت عنه، وقال رسول الله ﷺ يومئذ: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة» وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين، والزيادة بعد قولها: (انصرفت عنه) لها شواهد من طرق عدة.
٢ - روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله قال: ضحّى رسول الله ﷺ في يوم عيد بكبشين وقال حين ذبحهما: «وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين».
٣ - روى الإمام أحمد عن علي ﵁ أنّ رسول الله ﷺ كان إذا كبّر أي في الصلاة استفتح ثمّ قال: «وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين» إلى آخر الآية.
«اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، لا يغفر الذنوب إلا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد، وقد رواه مسلم في صحيحه.
كلمة في المجموعة الثالثة وسياقها:
في آخر أمر في الوصايا العشر جاء قوله تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وفي أواخر المجموعة الثانية جاء قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ وأول أمر يأتي في المجموعة الثالثة هو: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
لاحظ صلة ذلك ببعضه، ولاحظ ذكر ملة إبراهيم، وتذكّر أن آخر مقطع في القسم الأول من سورة الأنعام كان فيه حديث عن إبراهيم ﵇ والتوحيد. ثمّ لاحظ أن الآية الثالثة، والرابعة في المجموعة الثالثة، تلقننا التوحيد الخالص وهو الموضوع الرئيسى في سورة الأنعام. ثم لاحظ أن الآية الخامسة تقول: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ
стр. 1752
لاحظ صلة هذه الآية بموضوع الإيمان بالله وموضوع الرجوع إليه وتذكر محور السورة في البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً ... ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
لاحظ الصلة بين ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ وبين ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
ثمّ تذكّر أن الآية الثانية في المحور هي: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وأن خاتمة المقطع وخاتمة سورة الأنعام هي قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ
إذا تذكرت هذا أدركت كيف أن لسورة الأنعام سياقها الخاص، وأنها مع ذلك تفصّل في محورها. وإذا لم يبق في السورة إلا آية واحدة هي خاتمتها، وهي في الوقت نفسه خاتمة المقطع فلنرها:
خاتمة السورة
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ تملكونها وتتصرفون فيها والخلائف إما لأن بعضهم يخلف بعضا، أو هم خلفاء الله في أرضه وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ في الشرف، والرّزق، والعقل وغير ذلك لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ. أي:
ليختبركم فيما أعطاكم من نعمة الجاه، والمال، كيف تشكرون تلك النعمة، وكيف يصنع الشريف بالوضيع، والغني بالفقير، والحاكم بالمحكوم إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ لمن كفر وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن قام بشكره. ووصف العقاب بالسرعة لأن ما هو آت قريب.
فائدة:
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
يذكر ابن كثير الأحاديث الآتية:
أ- روى الإمام أحمد ... عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بالجنة أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط أحد من الجنة، خلق الله مائة رحمة، فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها، وعند الله تسعة وتسعون» ورواه مسلم والترمذي.
ب- وعن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «لما خلق الله الخلق كتب
стр. 1753
في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي».
ج- وروى مسلم ... عن أبي هريرة أيضا قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابّة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه».
كلمة في المقطع الأخير:
رأينا كيف أن المقطع ذكّر بنعمة الله على الإنسان في خلقه له النبات، والأنعام، وكيف أن بعض الخلق يحرّمون ما خلق الله لهم بدون علم. ثم إن المقطع بعد أن ردّ هذا التحريم، بيّن ما حرّم الله، وردّ على المشركين زعمهم من أن عقائدهم وأفعالهم دليل على رضا الله، ثم بين المحرمات الرئيسية. ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يعلن عن مجموعة من القضايا والالتزامات. ثم ذكّر الله البشر بنعمته عليهم، إذ جعلهم خلائف في الأرض؛ فسخّرها لهم، وجعلهم يتصرفون بها، ويملكونها، وما ينبغي أن يقابل ذلك بالقيام بحق الله.
وكل هذا سائر على النسق العام للسورة، بما يخدم سياقها الخاص، وبما يفصّل في محورها، وكلّ ذلك قد رأيناه.
ملاحظة: نلاحظ أن السورة تنقسم إلى قسمين كبيرين. القسم الأول من بدايتها إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى والقسم الثاني من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى إلى خاتمتها. والملاحظ أن القسمين يكادان يكونان متساويين، من حيث الحجم، وهذه الملاحظة نلاحظها في كثير من السور. ولعلّ القارئ لحظ هذا فيما مر، وسيلحظه فيما يأتي، وإنما نبّهنا عليه هنا لوضوح ذلك في هذه السورة.
وقد يكون من حكمة ذلك أنه لو قرأ الإنسان في صلاة واحدة ركعتين مثلا، فإنه يستطيع أن يقف في الركعة الأولى عند القسم الأول، ليأخذ حظه في الركعة الثانية بتلاوة القسم الثاني. وفي ذلك نوع من التنسيق بين العقل، والقلب، والعبادة، ونوع من الترتيب، والتنظيم يتفق مع ما أراده الله لهذه الأمة من الكمال؛ بما أنزله عليها من هذا القرآن الكامل.
كلمة في سورة الأنعام:
كرّرنا كثيرا أن محور سورة الأنعام هو قوله تعالى في سورة البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ
стр. 1754
لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وأن هذا المحور هو جزء من محور سورة النساء، والمائدة، والأنعام، والمبدوء بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً ...
وقد لاحظنا كيف أن سورة الأنعام سفّهت الكفر بالله، وسفّهت صنيع أهله، وفضحت كل مظاهره، وذكّرت بالرجوع إلى الله، وفصّلت كيف أنّ الله خلق هذه الأرض للإنسان بكل ما فيها، وفصّلت فيما فعله الكافرون مما ينافي ذلك، وناقشتهم، وتتبعت مسارب الضلال في قلوبهم، وعقولهم، ولاحقتها، وعرّفت الخلق على الله حقّ المعرفة، ليتقوه حق التقوى، فكمّلت بذلك عمل سورة النساء، والمائدة، وأدت حق محورها، وتسلسلت المعاني فيها، معنى وراء معنى، يكمّل اللاحق السابق، وينسجم السابق مع اللاحق، وكل ذلك على مستوى من البيان عجيب، ومن الإعجاز عظيم، ومن تأمل مثل قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ومثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ* فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
علم أن مثل هذا البيان لا يمكن أن يكون إلا من عند الله، ومن تأمل مثل قوله تعالى: يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ ومثل ما رأيناه من تلخيص لما في الكتب السابقة، عرف كيف أنّ الكمال في هذا القرآن لا يتناهى، وأنّ الإعجاز فيه لا يتناهى، وعرف نعمة الله على هذه الأمّة؛ إذ أنزل عليها هذا القرآن، وعرف نعمة الله على البشرية بأن كان القرآن كذلك، وحمد الله على نعمة الإيمان، فالحمد لله أولا وآخرا، وله الثناء الحسن على ما أنعم به علينا، وتفضّل من نعمة الإيمان بهذا القرآن والإسلام.
وإذا كانت سورة الأنعام قد فصلت في محورها الذي رأيناه، فإنّ سورا أخرى كثيرة ستفصل في المحور نفسه، مع امتداداته ومحله في السياق، وكل ذلك على طريقة لم يألفها البشر، ولا يستطيعوها، وهذه إحدى مظاهر الإعجاز في القرآن، وحسبنا أن نشير في هذا الكتاب إشارات.
стр. 1755
كلمة في آفاق الوحدة القرآنية بين يدي المجلد الرابع
نعرض في هذا المجلد سور: الأعراف والأنفال وبراءة، وكما رأينا فإن القسم الأول من أقسام القرآن والذي هو قسم السبع الطوال ينتهي بنهاية سورة براءة وإذن فبنهاية هذا المجلد ينتهي عرض القسم الأول من أقسام القرآن ليأتي بعد ذلك القسم الثاني والذي يسميه الحديث الشريف الحسن الذي مر معنا في قسم المئين.
لقد رأينا فيما مضى أن لسورة البقرة سياقها الخاص بها، ثم رأينا أن كل سورة جاءت بعدها لها محورها من سورة البقرة، وأن كل سورة جاءت بعد سورة البقرة تفصل في محور من سورة البقرة، وفي امتدادات هذا المحور من السورة نفسها، فسورة آل عمران فصلت في مقدمة سورة البقرة، وفي امتدادات هذه المقدمة، أي: في المعاني التي هي أكثر لصوقا بها، ثم جاءت سورة النساء ففصلت في الآيات الخمس الآتية بعد المقدمة وفي امتدادات هذه الآيات، ثم جاءت سورة المائدة ففصلت في الآيتين اللتين جاءتا بعد الآيات الخمس وفي امتدادات معانيهما، ثم جاءت سورة الأنعام ففصلت في آخر آيتين في المقطع الأول من القسم الأول من سورة البقرة، وفي امتدادات معانيهما، وتأتي بعد ذلك سورة الأعراف، وهي تفصل في المقطع الثاني من القسم الأول من سورة البقرة، وهو المقطع الذي يتحدث عن قصة آدم ﵇ كما تفصل في امتدادات هذا المقطع.
وبتفصيل السور الخمس الآتية بعد سورة البقرة لمحاورها وامتدادات هذه المحاور تكون أكثر معاني سورة البقرة قد أصابها التفصيل الأول في القسم الأول من أقسام القرآن
وتأتي بعد سورة الأعراف سورتا الأنفال وبراءة، ونلاحظ أنهما تفصلان في محور يأتي بعد آيات كثيرة من قصة آدم فهما تفصلان في قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ فلماذا جاء محورا سورتي الأنفال وبراءة بعيدين عن محور سورة الأعراف؟
إن السور الخمس الآتية بعد سورة البقرة مباشرة فصلت في الآيات التسعة والثلاثين
стр. 1756
الأولى من سورة البقرة وفي امتدادات معاني هذه الآيات من سورة البقرة؛ ولذلك فإن ما بين الآية (٤٠) من سورة البقرة وما بين الآية (٢١) التي هي محور سورة الأنفال تكاد تكون امتدادات مباشرة للآيات الأولى، فلم تشكل أي منها محورا خاصا لسورة حتى جاءت الآيات (٢١٦، ٢١٧، ٢١٨) لتشكل محورا خاصا لسورتي الأنفال وبراءة، وجاءت سورتا الأنفال وبراءة لتفصل في هذا المحور وامتداداته، فتم بذلك التفصيل الأول لسورة البقرة ليأتي بعد ذلك في قسم المئين التفصيل الثاني.
وبما مر في المجلدات الثلاثة السابقة على هذا المجلد، ومما سيمر معنا في هذا المجلد سنرى: أن كل سورة تأتي بعد سورة البقرة لها محورها من سورة البقرة، وأن كل سورة تأتي بعد سورة البقرة تفصل في محور من سورة البقرة، وفي امتداد من امتداداته، وهكذا يتكرر التفصيل ولكنه في كل مرة يأتي بشكل جديد وبمعان جديدة.
إنه بنهاية سورة براءة ينتهي قسم السبع الطوال وقد رأينا وسنرى كيف أن هذا القسم تترابط معانيه وتتكامل سوره، ورأينا أكثر من صورة من صور الربط بين هذا القسم، كما رأينا كيف أن كل سورة تأتي بعد سورة البقرة تفصل في محور من سورة البقرة، على نفس الترتيب الموجود في سورة البقرة، دون اشتراط التعاقب المباشر فقد يأتي محور السورة اللاحقة بعد آيات كثيرة من محور السورة السابقة كما سنرى ذلك في سورتي الأنفال وبراءة.
ولكن يلاحظ أنه ولو لم تكن المحاور متعاقبة إلا أنك لو جمعتها مع بعضها فإنك تجد ترابطا فيما بينها فلو أنك وضعت الآيات التي تشكل محاور السور السبع التي جاءت بعد سورة البقرة بجانب بعضها فإنك تخرج بموضوع متكامل مترابط، وهذا معنى سنراه فيما بعد وسنبرهن عليه كثيرا.
إنه ليس كل آية في سورة البقرة هي محورا لسورة مستقلة لأن كثيرا من آياتها تعتبر امتدادا لمعاني آيات أخرى وهذا هو السر في أن تفصيل السور مع أنه يأتي على ترتيب
стр. 1757
الآيات في سورة البقرة ولكن لا يأتي على ترتيب متعاقب، غير أنك لا تخرج من قسم من أقسام القرآن إلا وقد أخذت تفصيلا جديدا لمعاني سورة البقرة على نوع من أنواع الترتيب ستراه كلما جاءت مناسبة.
ومع احتياطنا أن لا نكثر التكرار لكنه لكون الميزة الأولى لهذا التفسير هو العرض لوجهة نظر جديدة في موضوع الوحدة القرآنية فإننا نرى أنفسنا مضطرين لتكرار نرجو ألا يأخذنا القارئ عليه ولنبدأ عرض سورة الأعراف:
стр. 1758
سورة الأعراف
وهي السورة السابعة بحسب الرسم القرآني وهي السورة السادسة من قسم الطوال وآياتها مائتان وست وهي مكية
стр. 1759
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 1760
كلمة في سورة الأعراف ومحلها في السياق القرآني ومحورها:
رأينا أن سورة آل عمران فصلت في العشرين آية الأولى من سورة البقرة، ورأينا أن سور: النساء والمائدة والأنعام فصلت فيما بعد ذلك إلى نهاية الآية (٢٩). من سورة البقرة، وفصلت كل واحدة منها في محور خاص بها مع كونها ثلاثتها تخدم ذلك المقطع بالتكامل، ونلاحظ أن آخر آية في سورة الأنعام قالت: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ. وهي تلفت النظر إلى الآية الثانية في محورها من سورة البقرة هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مع الآية التي بعدها وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. وإذن فإن سورة الأنعام أوصلتنا إلى مقطع جديد في سورة البقرة، وهو الذي فيه الحديث عن قصة آدم، ولقد استقرت قصة آدم في سورة البقرة على قوله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وتأتي بعد سورة الأنعام سورة الأعراف المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ* اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ .... لاحظ قوله تعالى في سورة البقرة فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ وقوله تعالى في الآية الثالثة في سورة الأعراف اتَّبِعُوا. والناظر إلى سورة الأعراف يرى أنها تتألف من مقدمة، ثم قصة آدم، وبناء عليها، ثم قصص قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب، ثم بناء عليها. ثم قصة موسى مع فرعون. ثم قصة بني إسرائيل بعد الخروج من مصر. ثم مواجهة مع بني إسرائيل. ومن تأمل هذه المعاني يجد باختصار أنها نماذج من الهدى الذي أنزله الله خلال العصور على أمم؛ وموقف هذه الأمم من هذا الهدى وما عوقبت به، وكل ذلك بمثابة درس لهذه الأمة، فالسورة تفصيل إذن لمحور خاص هو قوله تعالى فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وإذ كان ما قبل هذا في سورة البقرة قصة آدم، وما بعده قصة بني إسرائيل ضمن السياق الخاص لسورة البقرة، فإن قصة آدم وبني إسرائيل ترد هنا بما يخدم المحور الخاص لسورة الأعراف.
стр. 1761
في سورة البقرة ذكرت قصة آدم، وهاهنا تذكر، ثم بعد ذلك توجه نداءات لبني آدم يا بَنِي آدَمَ* ليأخذوا هاهنا دروس القصة.
وفي سورة البقرة تختم قصة آدم بالقاعدة: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ثم تأتي هناك قصة بني إسرائيل- كنموذج على أمة أنزل عليها وحي- وهاهنا تأتي قصص قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب كنماذج على أمم أنزل عليها وحي، ثم تأتي بعد ذلك قصة بني إسرائيل كأمة أنزل عليها وحي، وفي هذا السياق يتوجه الخطاب إلى رسول الله ﷺ أن يقول: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً فمن خلال دروس الماضين يتوجه الخطاب إلى الناس أن يتبعوا الهدى الذي أنزله الله على محمد ﷺ ، وتعطى هذه الأمة دروسا وتوجيهات
وقد جاءت قصة آدم ﵇ في سورة البقرة في سياق القسم الذي ابتدأ بأمر ونهي اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ أندادا وجاءت قصة آدم هناك، وفيها ذكر لعقوبة من خالف الأمر والنهي وفي الأعراف تفصيلات ذلك؛ ولذلك يأخذ الكلام عن التوحيد والعبادة المحل الأكبر في السورة ويكاد القسم الأخير منها يختص بذلك
إن محور سورة الأعراف من سورة البقرة هو قوله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ولهذا المحور ارتباطاته في سورة البقرة، وامتداداته، وتبدأ سورة الأعراف فتأمر هذه الأمة باتباع ما أنزل إليها، وتخاطب الناس جميعا أن يتبعوا ما أنزل على رسول الله ﷺ وتعد من يتبع وتنذر من يخالف وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ .. فسورة الأعراف تفصل في المحور وامتداداته وارتباطاته، وتبني عليه في سياقها الخاص الآخذ بعضه برقاب بعض ضمن ترابط وتلاحم كاملين يستطيع المتأمل- أدنى تأمل- أن يراهما، وسنرى تفصيل ذلك.
стр. 1762
وسورة الأعراف تبدأ بالأحرف (المص) فهي تبدأ بالأحرف نفسها التي ابتدئت بها سورتا البقرة وآل عمران، مع زيادة (ص) وكنا ذكرنا من قبل أن فواتح السور تؤدي خدمات متعددة منها أنها تعتبر مفاتيح من مفاتيح الفهم للوحدة القرآنية، وسيتضح هذا الموضوع معنا شيئا فشيئا وسنرى أن الحرف (ص) إذا وجد في سورة يكون علامة على شئ له صلة بهذا الموضوع. وكل ما نقول ه هنا: إن مجئ الأحرف الثلاثة التي بدئت بها سورة البقرة مع زيادة الحرف (ص) في قسم واحد يشير إلى انطلاقة جديدة بعد جولات:
لنتذكر أن سورة البقرة بدأت بقوله تعالى الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ثم سارت حتى وصلت إلى قصة آدم التي انتهت بقوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ والصلة واضحة بين الآيتين هناك، فإذ تأتي سورة الأعراف مبدوءة بنفس الأحرف مع زيادة حرف الصاد، فكأنها تشير إلى ذلك الربط للانطلاق منه إلى تفصيل جديد، إن مجئ سورة الأعراف وابتداءها بقوله تعالى المص أي بالأحرف التي بدأت بها سورة البقرة مع زيادة «ص» التي فهم منها ابن عباس أنها تشير إلى التفصيل كما سنرى، والتي تفصل آية فيها حرف الصاد أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* كل ذلك فيه إشارات لمن تأمل. وسنرى أن لمجئ الصاد هنا زيادة على «الم» معنى خاصا له صلة في الدلالة على السياق القرآني العام، وهو شئ سنراه عند سورة «مريم» وسورة «ص» وهو مرتبط بذكر «ص» هنا، ومن ثم فإننا نؤخر الكلام عنه إلى هناك.
نقول:
١ - قال الألوسي في تقديمه لسورة الأعراف: أخرج أبو الشيخ وابن حبان عن قتادة قال: هي مكية إلا آية وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ وقال غيره إن هذا إلى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مدني. وأخرج غير واحد عن ابن عباس وابن الزبير أنها مكية ولم يستثنيا شيئا ...... وكلها محكم، وقيل: إلا موضعين، الأول وَأُمْلِي لَهُمْ فإنه نسخ بآية السيف، والثاني خُذِ الْعَفْوَ فإنه نسخ بها أيضا عند ابن زيد، وادعى أيضا وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ كذلك وفيما ذكر نظر»
٢ - ذكرنا من قبل أن الذين تكلموا عن الوحدة القرآنية، والمناسبات بين السور
стр. 1763
إما أنهم تكلموا عن هذا الموضوع من خلال صلة أوائل السورة اللاحقة بأواخر السورة السابقة، أو من خلال الوحدة الموضوعية للقرآن بمعنى: أن المعاني القرآنية تتكامل شيئا فشيئا في هذا القرآن، وكنموذج على الشيئين معا نذكر ما قاله السيوطي في المناسبة بين سورة الأعراف وسورة الأنعام: قال:
ومناسبتها لما قبلها أن سورة الأنعام لما كانت لبيان الخلق وفيها هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ وقال سبحانه في بيان القرون كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ وأشير إلى ذكر المرسلين، وتعداد الكثير منهم، وكان ما ذكر على وجه الإجمال جئ بهذه السورة بعدها مشتملة على شرحها وتفصيله، فبسط فيها قصة آدم وفصلت قصص المرسلين وأممهم، وكيفية هلاكهم أكمل تفصيل، ويصلح هذا أن يكون تفصيلا لقوله تعالى وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ ولهذا صدر السورة بخلق آدم الذي جعله في الأرض خليفة، وقال سبحانه في قصة عاد جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وفي قصة ثمود جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وأيضا قال سبحانه فيما تقدم كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وهو كلام موجز، وبسطه سبحانه هنا بقوله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الخ، وأما وجه ارتباط أول هذه السورة بآخر الأولى فهو أنه قد تقدم وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وافتتح هذه بالأمر باتباع الكتاب، وأيضا لما تقدم ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ قال جل شأنه في مفتتح هذه فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ الخ، وذلك من شرح التنبئة المذكورة، وأيضا لما قال سبحانه مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ الآية، وذلك لا يظهر إلا في الميزان؛ افتتح هذه بذكر الوزن فقال عزّ من قائل وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ثم من ثقلت موازينه: وهو من زادت حسناته على سيئاته، ثم من خفت وهو على العكس، ثم ذكر سبحانه أصحاب الأعراف وهم- على أحد الأقوال-: من استوت حسناتهم وسيئاتهم).
وكما ترى فإن في هذه اللفتات معاني صحيحة فالوحدة القرآنية لها أكثر من مظهر
٣ - ومما قدم به صاحب الظلال لسورة الأعراف هذه المقتطفات:
إن موضوع سورة الأنعام هو العقيدة. وموضوع سورة الأعراف هو العقيدة ..
ولكن بينما سورة الأنعام تعالج العقيدة في ذاتها؛ وتعرض موضوع العقيدة وحقيقتها؛ وتواجه الجاهلية العربية في حينها- وكل جاهلية أخرى كذلك. مواجهة صاحب الحق
стр. 1764
الذي يصدع بالحق، وتستصحب معها في هذه المواجهة تلك المؤثرات العميقة العنيفة الكثيرة الموفورة التي تحدثنا عنها إجمالا وتفصيلا ونحن نقدم السورة ونستعرضها ووقفنا أمامها ما شاء الله أن نقف .. بينما سورة الأنعام تتخذ هذا المنهج، وتسلك في الطريق ..
نجد سورة الأعراف- وهي تعالج موضوع العقيدة كذلك- تأخذ طريقا آخر، وتعرض موضوعها في مجال آخر. إنها تعرضه في مجال التاريخ البشري .. في مجال رحلة البشرية كلها من الجنة والملأ الأعلى، وعائدة إلى النقطة التي انطلقت منها .. وفي هذا المدى المتطاول تعرض «موكب الإيمان» من لدن آدم «﵇» إلى محمد ﵊ تعرض هذا الموكب الكريم يحمل هذه العقيدة ويمضي بها على مدار التاريخ. يواجه بها البشرية جيلا بعد جيل، وقبيلا بعد قبيل .. ويرسم سياق السورة في تتابعه: كيف استقبلت البشرية هذا الموكب وما معه من الهدى؟ كيف خاطبها هذا الموكب. وكيف جاوبته؟ كيف وقف الملأ منها لهذا الموكب بالمرصاد، وكيف تخطى هذا الموكب أرصادها ومضى في طريقه إلى الله؟ وكيف كانت عاقبة المكذبين وعاقبة المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة؟ إنها رحلة طويلة .. ولكن السورة تقطعها مرحلة مرحلة وتقف منها عند معظم المعالم البارزة، في الطريق المرسوم. ملامحه واضحة ومعالمه قائمة، ومبدؤه معلوم، ونهايته مرسومة .. والبشرية تخطو فيه بجموعها الحاشدة. ثم تقطعه راجعة .. إلى حيث بدأت رحلتها في الملأ الأعلى ..
لقد انطلقت هذه البشرية من نقطة البدء، ممثلة في شخصين اثنين .. آدم وزوجه ..
أبوي البشر .. وانطلق معهما الشيطان. [ممهلا] من الله في غوايتهما وغواية ذراريهما، ومأخوذ عليهما عهد الله وعلى ذراريهما كذلك ومبتلى كلاهما وذراريهما معهما بقدر من الاختيار، ليأخذوا عهد الله بقوة، أو ليركنوا إلى الشيطان عدوهم وعدو أبويهم الذي أخرجهما من الجنة؛ وليسمعوا الآيات التي يحملها إليهم ذلك الرهط الكريم من الرسل على مدار التاريخ، أو يسمعوا غواية الشيطان الذي لا يني يجلب عليهم بخيله ورجله، ويأتيهم عن أيمانهم وعن شمائلهم!.
انطلقت البشرية من هناك .. من عند ربها سبحانه .. انطلقت إلى الأرض تعمل وتسعى، وتكد وتشقى، وتصلح وتفسد، وتعمر وتخرب، وتتنافس وتتقاتل، وتكدح الكدح الذي لا ينجو منه شقي ولا سعيد .. ثم ها هي ذي تؤوب! ها هي ذي راجعة إلى ربها الذي أطلقها في هذا المجال .. ها هي ذي تحمل ما كسبت طوال
стр. 1765
الرحلة المرسومة .. من ورد وشوك. ومن غال ورخيص، ومن ثمين وزهيد، ومن خير وشر، ومن حسنات وسيئات. ها هي ذي تعود في أصيل اليوم .. فقد انطلقت في مطلعه! .. وها نحن أولا نلمحها من خلال السياق في السورة موقورة الظهور بالأحمال- أيا كانت هذه الأحمال- ها هي ذي عائدة إلى ربها بما معها. تطلع في الطريق، وقد بلغ منها الجهد وأضناها المسير حتى إذا عادت إلى نقطة المنطلق وضع كل منها حمله أمام الميزان، ووقف يرتقب في خشية ووجل .. إن كل فرد قد عاد بحصيلته فردا .. وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى: وكل فرد على حدة يلاقي حسابه ويلقى جزاءه .. ويظل سياق السورة يتابع أفواج البشرية فوجا فوجا. إلى جنة أو إلى نار. حتى تغلق الأبواب التي فتحت لاستقبال المغتربين العائدين. فقد كانوا هنا لك في هذه الأرض مغتربين: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ..
ومع الغدو والرواح تعرض معارك الحق والباطل. معارك الهدى والضلال معارك الرهط الكريم من الرسل والموكب الكريم من المؤمنين، مع الملأ المستكبرين والأتباع المستخفين. ويعرض الصراع المتكرر؛ والمصائر المتشابهة. وتتجلى صحائف الإيمان في إشراقها ووضاءتها؛ وصحائف الضلال في انطماسها وعتامتها، وتعرض مصارع المكذبين بين الحين والحين. حيث يقف السياق عليها للتذكير والتحذير .. وهذه الوقفات تجئ وفق نظام ملحوظ في سياق السورة. فبعد كل مرحلة هامة يبدو وكما لو كان السياق يتوقف عندها ليقول كلمة: كلمة تعقيب للإنذار والتذكير .. ثم يمضي.
إنها قصة البشرية بجملتها في رحلتها ذهابا وإيابا. تتمثل فيها حركة هذه العقيدة في تاريخ البشرية، ونتائج هذه الحركة في مداها المتطاول .. حتى تنتهي إلى غايتها الأخيرة في نقطة المنطلق الأول .. وهي وجهة أخرى في عرض موضوع العقيدة غير وجهة سورة الأنعام- وإن تلاقت السورتان أحيانا في عرض مشاهد المكذبين وعرض مشاهد القيامة ومشاهد الوجود- وهو مجال آخر للعرض غير مجال الأنعام، واضح التميز، مختلف الحدود.
ذلك إلى طبيعة التعبير في السورتين. فالتعبير في كل سورة يناسب منهجها في عرض الموضوع. وبينما يمضي السياق في الأنعام في موجات متدافعة وبينما تبلغ المشاهد دائما
стр. 1766
درجة اللألاء والتوهج والالتماع، وتبلغ الإيقاعات درجة الرنين والسرعة القاصفة والاندفاع .. إذا السياق في الأعراف يمضي هادئ الخطو، سهل الإيقاع، تقريري الأسلوب. وكأنما هو الوصف المصاحب للقافلة في سيرها المديد، خطوة خطوة، ومرحلة مرحلة، حتى تؤوب! وقد يشتد الإيقاع أحيانا في مواقف التعقيب؛ ولكنه سرعان ما يعود إلى الخطو الوئيد الرتيب!
.. وهما- بعد- سورتان مكيتان من القرآن .. !!!.
كلمة في أقسام سورة الأعراف ومقاطعها
تتألف سورة الأعراف من ثلاثة أقسام، القسم الأول: ويتألف من مقدمة السورة ومقطع واحد، والقسم الثاني: ويتألف من أربعة مقاطع، والقسم الثالث: ويتألف من مقطعين، وسنرى تفصيلات ذلك وأدلته.
стр. 1767
[القسم الاول]
مقدمة السورة
تبدأ السورة بمقدمة مؤلفة من تسع آيات تحدد مضمون السورة على ضوء محورها وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١ الى ٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤)
فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)
المعنى العام:
يذكر الله في هذه المقدمة أنه أنزل هذا القرآن على رسوله ﷺ وأن على رسوله ﷺ ألا يتحرج في إبلاغه، والإنذار به، وأن الله أنزله على رسوله ﷺ من
стр. 1768
أجل أن ينذر الكافرين وأن يذكر المؤمنين. ثم أمر الله الناس أن يقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءهم بكتاب من عند الله رب كل شئ ومليكه. ثم نهاهم عن أن يخرجوا عما جاءهم به الرسول ﷺ إلى غيره، فيكونوا قد عدلوا عن حكم الله إلى حكم غيره، ثم بين أن التذكر قليل، والغفلة كثيرة. ثم هدد الله هؤلاء الغافلين، مذكرا بعقابه في الدنيا والآخرة، فبين أن كثيرا من القرى أهلكها الله بمخالفة رسله وتكذيبهم، فأعقبهم ذلك خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة، وأن هذه القرى الهالكة منهم من جاءهم أمر الله وبأسه ونقمته ليلا، ومنهم من جاءهم بأسه في قيلولتهم ووقت استراحتهم وسط النهار، وكلا الوقتين المذكورين وقت غفلة ولهو، فما كان قول هؤلاء المكذبين عند مجئ العذاب إلا أن اعترفوا بذنوبهم وأنهم حقيقون بهذا، ثم بين تعالى أنه سيسأل الجميع، الرسل والمرسل إليهم، ويسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به. ويسأل الرسل أيضا عن إبلاغ رسالاته. ويخبر الله الجميع بما قالوا وما عملوا من قليل وكثير، وجليل وحقير، لأنه تعالى الشهيد على كل شئ، لا يغيب عنه شئ، ولا يغفل عن شئ بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور.
مع الإعلام بكون الوزن للأعمال بالحق، فلا يظلم تعالى أحدا، والوزن يتحدد به الفلاح والخسران، فالمفلح من ثقلت موازينه، والخاسر من خفت موازينه، بسبب ظلمهم في مواقفهم من آيات الله.
المعنى الحرفي:
المص نقل ابن كثير هنا ما رواه ابن جرير عن ابن عباس في معناها (أنا الله أفصل) ونقل كذلك هذا القول عن سعيد بن جبير. وقال النسفي: (قال الزجاج:
المختار في تفسيره ما قال ابن عباس ﵁: أنا الله أعلم وأفصل) وأقول: إن هذه الأحرف ليس في تفسيرها نص، وكل ما قاله المفسرون هو ملاحظات لاحظوها ففهموا منها فهما، وقد رأينا في أول تفسير سورة البقرة مجموعة ملاحظات حول هذه الأحرف، ونلاحظ هنا أن ابن عباس قد فهم أن كل حرف من هذه الأحرف هو جزء كلمة يتشكل من المجموع جملة تنسجم مع معنى السورة
كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ أي هذا كتاب وهو القرآن فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أي شك فيه، وسمى الشك حرجا لأن الشاك ضيق الصدر حرجه كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه، أو المراد: فلا يكن صدرك حرج منه بتبليغه لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم
стр. 1769
عنه وأذاهم فكان يضيق صدره من الأذى ولا ينشط له، فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم والنهي متوجه إلى الحرج. والمعنى: هذا الكتاب أنزلته إليك فلا يكن بعد إنزاله حرج في صدرك لِتُنْذِرَ بِهِ أي: أنزل إليك لإنذارك به وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي:
لتنذر به الكافرين، وتذكر به المؤمنين، فهذا الكتاب للإنذار والذكرى
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أي: الكتاب والسنة لأن كليهما وحي منزل. فما قصه الله علينا في كتابه، أو قصه علينا رسوله ﷺ من أخبار الماضين، وما أمر الله به في القرآن أو أمر به رسوله ﷺ كل ذلك وغيره من الكتاب والسنة وحي وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أي من دون الله، أو لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول ﷺ إلى غيره؛ فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره أَوْلِياءَ أي ولا تتولوا من دونه من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره والمعنى: تتذكرون تذكرا قليلا؛ ومن ثم، فالذكر الكثير والتذكر الكثير هما طريق الهداية من الانحراف
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أي كثير من القرى أردنا إهلاكها فَجاءَها بَأْسُنا أي فجاء أهلها عذابنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ أي بائتين في الليل، أو قائلين في النهار، من القيلولة، وخص هذان الوقتان لأنهما وقتا الغفلة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع. قال النسفي: (وقوم لوط ﵇ أهلكوا بالليل وقت السحر، وقوم شعيب ﵇ وقت القيلولة)
فَما كانَ دَعْواهُمْ أي دعاؤهم وتضرعهم إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا أي لما جاءهم أوائل العذاب إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ أي اعترفوا بالظلم على أنفسهم والشرك حين لم ينفعهم ذلك
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أي فلنسألن المرسل إليهم وهم الأمم عما أجابوا به رسلهم وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ أي عما أجيبوا به
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ أي فلنقصن على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم بِعِلْمٍ أي عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة، وأقوالهم وأفعالهم وَما كُنَّا غائِبِينَ أي عنهم وعما وجد منهم
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ أي: ووزن الأعمال يوم يسأل الله الأمم ورسلهم العدل. قال النسفي: (ثم قيل: توزن صحف الأعمال بميزان له لسان وكفتان إظهارا للنصفة وقطعا للمعذرة) وقيل هو عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل، والله أعلم بالكيفية التي يتم بها ذلك وسيأتي كلام على هذا الموضوع في الفوائد فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ أي فمن رجحت أعماله الموزونة التي لها وزن وقدر- وهي الحسنات- أو ما توزن به حسناتهم فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الفائزون
وَمَنْ خَفَّتْ
стр. 1770
مَوازِينُهُ أي هم الكفار فإنه لا إيمان لهم ليعتبر معه عمل. فلا يكون في ميزانهم خير فتخف موازينهم فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ أي يجحدون بالآيات الحجج، والظلم بها وضعها في غير موضعها أي جحودها وترك الانقياد لها.
نقول:
وقف صاحب الظلال وقفات كثيرة عند الآيات التي مرت معنا والتي تشكل مقدمة سورة الأعراف، فأطنب وأجاد- ﵀ وهذه مقتطفات من كلامه عن الآيات، وخاصة عند قوله تعالى كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ..
قال ﵀: «كتاب أنزل إليك للإنذار به والتذكير .. كتاب للصدع بما فيه من الحق ولمواجهة الناس بما لا يحبون؛ ولمجابهة عقائد وتقاليد وارتباطات؛ ولمعارضة نظم وأوضاع ومجتمعات. فالحرج في طريقه كثير، والمشقة في الإنذار به قائمة لا يدرك ذلك- إلا من يقف بهذا الكتاب هذا الموقف؛ وإلا من يعاني من الصدع به هذه المعاناة؛ وإلا من يستهدف من التغيير الكامل الشامل في قواعد الحياة البشرية وجذورها، وفي مظاهرها وفروعها، ما كان يستهدفه حامل هذا الكتاب أول مرة- ﷺ ليواجه به الجاهلية الطاغية في الجزيرة العربية وفي الأرض كلها ..
وهذا الموقف ليس مقصورا على ما كان في الجزيرة العربية يومذاك، وما كان في الأرض من حولها .. إن الإسلام ليس حادثا تاريخيا، وقع مرة، ثم مضى التاريخ وخلفه وراءه.
إن الإسلام مواجهة دائمة لهذه البشرية إلى يوم القيامة ... وهو يواجهها كما واجهها أول مرة، كلما انحرفت هي وارتدت إلى مثل ما كانت فيه أول مرة: إن البشرية تنتكس بين فترة وأخرى وترجع إلى جاهليتها- وهذه هي «الرجعية» البائسة المرذولة- وعندئذ يتقدم الإسلام مرة أخرى ليؤدي دوره في انتشالها من هذه «الرجعية» مرة أخرى كذلك؛ والأخذ بيدها في طريق التقدم والحضارة؛ ويتعرض حامل دعوته والمنذر بكتابه للحرج الذي تعرض له الداعية الأول- ﷺ وهو يواجه البشرية بغير ما استكانت إليه من الارتكاس في وحل الجاهلية، والغيبوبة في ظلامها الطاغي! ظلام التصورات. وظلام الشهوات. وظلام الطغيان والذل. وظلام
стр. 1771
العبودية للهوى الذاتي ولأهواء العبيد أيضا! ويتذوق من يتعرض لمثل هذا الحرج، وهو يتحرك لاستنقاذ البشرية من مستنقع الجاهلية، طعم هذا التوجيه الإلهي للنبي ﷺ :
كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ، لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ. ويعلم- من طبيعة الواقع- من هم المؤمنون الذين لهم الذكرى، ومن هم غير المؤمنين الذين لهم الإنذار. ويعود هذا القرآن عنده كتابا حيا يتنزل اللحظة في مواجهة واقع يجاهده هو بهذا القرآن جهادا كبيرا ..
والبشرية اليوم فى موقف كهذا الذي كانت فيه يوم جاءها محمد رسول الله ﷺ بهذا الكتاب، مأمورا من ربه أن ينذر به ويذكر؛ وألا يكون في صدره حرج منه وهو يواجه الجاهلية، ويستهدف تغييرها من الجذور والأعماق ..
لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاءها هذا الدين، وانتكست البشرية إلى جاهلية كاملة شاملة للأصول والفروع والبواطن والظواهر والسطوح والأعماق».
وقول الله- سبحانه- لرسوله ﷺ : كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ..
يصور حالة واقعية لا يمكن أن يدركها اليوم إلا الذي يعيش في جاهلية وهو يدعو إلى الإسلام، ويعلم أنه إنما يستهدف أمرا هائلا ثقيلا، دونه صعاب جسام .. يستهدف إنشاء عقيدة وتصور، وقيم وموازين، وأوضاع وأحوال مغايرة تمام مغايرة لما هو كائن في دنيا الناس. ويجد من رواسب الجاهلية في النفوس، ومن تصورات الجاهلية في العقول، ومن قيم الجاهلية، ومن ضغوطها في الأوضاع والأعصاب، ما يحس معه أن كلمة الحق التي يحملها، غريبة على البيئة، ثقيلة على النفوس، مستنكرة في القلوب، كلمة ذات تكاليف بقدر ما تعنيه من الانقلاب الكامل لكل ما يعهده الناس في جاهليتهم في التصورات والأفكار، والقيم والموازين، والشرائع والقوانين، والعادات والتقاليد، والأوضاع والارتباطات .. ومن ثم يجد في صدره هذا الحرج من مواجهة الناس بذلك الحق الثقيل الحرج الذي يدعو الله- سبحانه- نبيه ﷺ ألا يكون في صدره من هذا الكتاب شئ منه، وأن يمضي به ينذر ويذكر، ولا يحفل ما تواجهه كلمة الحق من دهشة واستنكار، ومن مقاومة كذلك وحرب وعناء
.
стр. 1772
ولأن الأمر كذلك من الثقل، ومن الغرابة، ومن النفرة، ومن المقاومة لهذا التغيير الكامل الشامل الذي تستهدفه هذه العقيدة في حياة الناس وتصوراتهم، فإن السياق يباكر القوم بالتهديد القاصم، ويذكرهم بمصائر المكذبين. ويعرض عليهم مصارع الغابرين .. جملة قبل أن يأخذ في القصص المفصل عنهم في مواضعه من السياق: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها، فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ* فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ* فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ* فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ* وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ
«وفي الخطاب للرسول ﷺ كان الكتاب منزلا إليه بشخصه كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ .. وفي الخطاب للبشر كان الكتاب- كذلك- منزلا إليهم من ربهم:
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ .. فأما الرسول ﷺ فالكتاب منزل إليه ليؤمن به وينذر ويذكر. وأما البشر فالكتاب منزل إليهم من ربهم ليؤمنوا به ويتبعوه، ولا يتبعوا أمر أحد غيره .. والإسناد في كلتا الحالتين للاختصاص والتكريم والتخصيص والاستجاشة. فالذي ينزل له ربه كتابا، ويختاره لهذا الأمر. ويتفضل عليه بهذا الخير، جدير بأن يتذكر وأن يشكر، وأن يأخذ الأمر بقوة ولا يستحسر .. »
فوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى: فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ قال ابن جرير: في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ من قوله «ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم» حدثنا بذلك ابن حميد ... عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم» قال: قلت لعبد الملك بن ميسرة (راوي الحديث عن ابن مسعود):
كيف يكون ذلك؟ قال فقرأ هذه الآية فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
٢ - بمناسبة قوله تعالى: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ أخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «كلكم راع وكلكم
стр. 1773
مسئول عن رعيته، فالإمام يسأل عن رعيته، والرجل يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده» قال الليث: وحدثني ابن طاوس مثله، ثم قرأ فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ وهذا الحديث مخرج في الصحيحين بدون هذه الزيادة. وبمناسبة الآية نفسها قال الألوسي فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بيان- كما قال الطبرسي- لعذابهم الأخروي إثر بيان عذابهم الدنيوي.
وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ماذا أجيبوا، والمراد من هذا السؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم، والمنفي في قوله تعالى في سورة الرحمن فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ سؤال الاستعلام فلا منافاة بين الآيتين .....
«وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري أنه يقال للذين أرسل إليهم: هل بلغكم الرسل؟ ويقال: للمرسلين ماذا ردوا عليكم. وأخرج أيضا عن أبي عبد الرحمن أنه تلا هذه الآية فقال: يسأل العبد يوم القيامة عن أربع خصال يقول ربك: ألم أجعل لك جسدا ففيم أبليته؟ ألم أجعل لك علما ففيم عملت بما علمت؟ ألم أجعل لك مالا ففيم أنفقته في طاعتي أم في معصيتي؟ ألم أجعل لك عمرا ففيم أفنيته؟. وأخرج هو وغيره عن طاوس أنه قرأ ذلك فقال: الإمام يسأل عن الناس، والرجل يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده» ولعل الظاهر أن سؤال كل من المرسل إليهم والمرسلين هنا عن أمر يتعلق بصاحبه، ولا يأبى هذا أن المكلفين يسألون عن أمور أخر، والمواقف يوم القيامة شتى، ويسأل السيد ذو الجلال عباده فيها عن مقاصد عديدة فطوبى لمن أخذ بعضده السعد فأجاب بما ينجيه.
وتخصيص سؤال المرسلين ﵈ بما ذكرنا هو الذي تشهد به الأخبار وتدل عليه الآثار وفي القرآن ما يؤيد ذلك فقد قال سبحانه يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ. (المائدة: ١٠٩)
٣ - بمناسبة قوله تعالى وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ قال الألوسي عن هذا الموضوع:
«والوزن- كما قال الراغب- معرفة قدر الشئ يقال: وزنته وزنا وزنة، والمتعارف فيه عند العامة ما يقدر بالقسطاس والقبان. واختلف في كيفيته يوم القيامة.
والجمهور- كما قال القاضي- على أن صحائف الأعمال هي التي توزن بميزان له لسان وكفتان لينظر إليه الخلائق إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة، كما يسألون عن أعمالهم
стр. 1774
فتعترف بها ألسنتهم وجوارحهم، ولا تعرض لهم لماهية هاتيك الصحائف والله تعالى أعلم بحقيقتها.
ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه. والبيهقي وغيرهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر فيقول سبحانه: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون فيقول: لا يا رب فيقول سبحانه: أفلك عذر وحسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب فيقول جل شأنه: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فيقول: يا رب ما هذه البطاقة من هذه السجلات؟ فيقال إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة
في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله تعالى شئ» وهذه الشهادة- على ما قاله القرطبي نقلا عن الحكيم الترمذي- ليست شهادة التوحيد لأن من شأن الميزان أن يوضع في إحدى كفتيه شئ وفي الأخرى ضده، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، ومن المستحيل أن يؤتي لعبد واحد بكفر وإيمان معا، فيستحيل أن توضع شهادة التوحيد في الميزان أما بعد الإيمان فإن النطق بهذه الكلمة الطيبة حسنة فتوضع في الميزان كسائر الحسنات. وأيد ذلك بقوله جل وعلا في الحديث «إن لك عندنا حسنة» دون أن يقول سبحانه: إيمانا.
«وظاهر النظم الكريم أن الوزن ليس مختصا بالمسلمين بل الكفار أيضا توزن أعمالهم التي لا توقف لها على الإسلام وإلى ذلك ذهب البعض. وادعى القرطبي أن الصحيح أنه يخفف بها عذابهم وإن لم تكن راجحة، كما ورد في حق أبي طالب. وذهب الكثير إلى أن الوزن مختص بالمسلمين. وأما الكفار فتحبط أعمالهم كيفما كانت، وهو أحد الوجهين في قوله تعالى فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ولا يخفف بها عنهم من العذاب شئ، وما ورد من التخفيف عن أبي طالب فقد قال السخاوي أن المعتمد أنه مخصوص به، وعلى هذا فلا بد من ارتكاب خلاف الظاهر في الآية»
«وفي الأخبار ما هو صريح في أن الميزان جسماني فقد أخرج الحاكم وصححه عن سلمان عن النبي ﷺ قال: «يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسع فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك» وفي رواية ابن المبارك
стр. 1775
واللالكائي عنه قال: يوضع الميزان وله كفتان لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعه فتقول الملائكة. من يزن هذا؟ الحديث، اه كلام الألوسي
قال ابن كثير بمناسبة ذكر المؤمنين في الآية:
(فصل) والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال، وإن كانت أعراضا، إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما قال البغوي: «يروى هذا عن ابن عباس» كما جاء في الصحيح من أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان- أو غيايتان- أو فرقان من طير صواف. ومن ذلك في الصحيح قصة القرآن وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون، فيقول: من أنت فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك. وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الروح، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح» وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق. وقيل: يوزن كتاب الأعمال كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها لا إله إلا الله: فيقول يا رب، وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم، فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان. قال رسول الله ﷺ : فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة» رواه الترمذي بنحو من هذا وصححه. وقيل: يوزن صاحب العمل كما في الحديث «يؤتي يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة» ثم قرأ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً وفي مناقب عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: «أتعجبون من دقة ساقيه، والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد» وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا. فتارة توزن الأعمال. وتارة محالها، وتارة يوزن فاعلها. والله أعلم»
أقول: لقد تسرع بعضهم في المقام إذ أنكر على أهل العلم تحقيقاتهم، فما كل من حقق في مثل هذه الشئون حقق بعقلية غير إسلامية، ولا كل من تكلم تكلم ليجادل، إن هناك كثيرا من الأمور لا بد فيها من التحقيق، وإذا ترك أهل الحق الكلام فيها فإن ذلك يعطي فرصا لأهل الضلال أن يشككوا أو ينتقدوا.
стр. 1776
كلمة في السياق:
لاحظنا أن محور سورة الأعراف هو قوله تعالى فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ولاحظنا أن المقدمة ذكرت أن هذا القرآن هدى الله، وأن الله أنزله وأمر باتباعه، ثم بين ما فعل بالقرى التي رفضت هديه، وماذا سيكون حال الجميع يوم القيامة. والصلة واضحة بين مقدمة السورة وبين محورها، ومن أجل زيادة الإيضاح نقول:
١ - في محور السورة من البقرة نجد قوله تعالى قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً وفي مقدمة سورة الأعراف نجد قوله تعالى كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وبينهما اتصال واضح.
٢ - في محور السورة نجد قوله تعالى فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ وفي مقدمة سورة الأعراف نجد اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وبينهما اتصال واضح.
٣ - في محور السورة نجد قوله تعالى فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وفي مقدمة السورة نجد قوله تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ والصلات بين ما ورد في المحور وبين هذه المعاني واضحة.
فالمقدمة عرضت معاني المحور، وقدمت للسياق الخاص لسورة الأعراف بما يناسب معانيها- كما سنرى- فلننتقل إلى المقطع الأول:
*** المقطع الأول
ويمتد من الآية العاشرة إلى نهاية الآية (٥٨) ويبدأ المقطع بالحديث عن قصة الإنسان، وعن قصة آدم ﵇، ثم تأتي نداءات للجنس البشري مبدوءة بقوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ*! يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يا بَنِي آدَمَ لا
стр. 1777
يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ ... يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
ويختم المقطع بفقرة مبدوءة بقوله تعالى وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ والملاحظ أن المقطع يبدأ بآية فيها كلمة الشكر: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ وينتهي بآية فيها كلمة الشكر: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
إن وحدة معاني المقطع وكون المقطع اللاحق يبدأ بعرض قصص أقوام مما يشير إلى بدء جديد كل ذلك دلنا على بداية المقطع ونهايته ومن أدنى تأمل للمقطع نرى أنه يتألف من ثلاث فقرات وهذا هو المقطع:
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠ الى ٥٨]
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤)
قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤)
قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥) يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)
فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)
стр. 1778
«الفقرة الأولى»
المعنى العام للمقطع:
يبدأ المقطع بذكر امتنان الله على عبيده فيما مكن لهم من أنه جعل الأرض قرارا وجعل فيها رواسي وأنهارا، وجعل فيها منازل وبيوتا، وأباح لهم منافعها، وسخر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها معايش أي مكاسب وأسبابا يكسبون منها، ويتجرون ويتسببون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر. ثم نبه الله بني آدم في هذا المقام على شرف أبيهم آدم، مبينا لهم عداوة عدوهم إبليس، وما هو منطو عليه من الحسد لهم ولأبيهم آدم؛ ليحذروه، ولا يتبعوا طرائقه، وذلك أنه تعالى لما خلق آدم ﵇ بيده من طين، وصوره بشرا سويا، ونفخ فيه من روحه، أمر الملائكة بالسجود تعظيما لشأن الله تعالى، فسمعوا كلهم وأطاعوا، إلا إبليس لم يكن مع الساجدين. ثم يقص الله ما كان بعد ذلك، إذ سأل إبليس عما أحرجه وألزمه واضطره ألا يسجد وقد أمره بالسجود، فكان اعتذاره بأنه خير من آدم، وهذا هو الذي منعه من السجود- في زعمه- وهو اعتذار أكبر من الذنب، كأنه امتنع عن الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني لعنه: أنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له؛ ثم بين بأنه خير منه بأنه خلق من نار والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص، فشذ من بين الملائكة لترك السجود، فلهذا أبلس من الرحمة أي: أويس من الرحمة، فأخطأ، قبحه الله في قياسه، ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضا فإن الطين
стр. 1779
من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح.
والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة لهذا خان إبليس عنصره، ونفع آدم عنصره بالرجوع، والإنابة، والاستكانة، والانقياد، والاستسلام لأمر الله والاعتراف وطلب التوبة، وأصر إبليس- عليه اللعنة- على المعصية، فأصدر الله أمره الضرورى الكوني لإبليس بالخروج من الجنة؛ بسبب عصيانه الأمر، وخروجه عن الطاعة؛ لأنه ما كان له أن يبقى فيها مع كبره وعصيانه، أمره أن يخرج صاغرا ذليلا حقيرا؛ معاملة له بنقيض قصده، ومكافأة لمراده، فعند ذلك استدرك اللعين، وسأل النظرة إلى يوم الدين، فأجابه تعالى إلى ما سأل؛ لماله في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، فلما استوثق اللعين من النظرة، أخذ في المعاندة والتمرد، معلنا بعد أن أمن أخذ الله السريع أنه كما أضله الله وأغواه فإنه سيضل عباد الله ويغويهم وسيقعد لذرية آدم- الذي أبعد بسببه- على طريق الحق، وسبيل النجاة- صراط الله- ليضلهم فلا يعبدوا الله ولا يوحدوه، وأعلن أنه سيشككهم في آخرتهم، ويرغبهم في الدنيا، ويسفه عليهم أمر دينهم، ويشهي لهم المعاصي، وبالجملة فإنه أعلن أنه سيأتي الإنسان من كل طريق، فالخير يصدهم عنه، والشر يحسنه لهم، حتى لا يكون أكثر الخلق موحدين. هذه هي المعاني التي أعلنها إبليس يوم طرده الله من رحمته، وكان إعلانه هذا أثرا عن توهمه وظنه وتقديره، وقد تحقق ذلك على أرض الواقع، فأكد الله تعالى اللعنة على إبليس والطرد والإبعاد، والنفي عن كل الملأ الأعلى، وقد أوعد إبليس ومن تبعه بأن تملأ جهنم منهم أجمعين؛ على تمردهم وعصيانهم، ثم ذكر الله تعالى كيف أنه أباح لآدم ﵇ ولزوجته حواء الجنة أن يأكلا منها، من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة، فعند ذلك حسدهما الشيطان، وسعى في المكر والوسوسة والخديعة؛ ليسلبهما ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن، وقال كذبا وافتراء لهما: إن الله ما نهاكما عن هذه الشجرة إلا لئلا تكونا ملكين أو خالدين في الجنة. ولو أنكما أكلتما منها لحصل لكما ذلكما، وحلف لهما بالله أنه ناصح لهما، كيف لا وهو أقدم منهما بالمكان، وأعلم بما فيه، فخدعهما فصدقاه لأنه حلف لهما بالله؛ فانخدعا فأكلا من الشجرة، فعوقبا مباشرة بكشف العورات فأخذا يتستران بورق الجنة، وأنبههما الله كيف يتركان الأمر، ويخالفان النهي، وينسيان التحذير، فاعترفا لله وطلبا المغفرة فغفر، ولكن الذنب لا يمر. فأمر الجميع بالهبوط إلى الأرض، وأعلمهم أنهم فيها متعادون؛ جند الله وجند الشيطان، وأن لهم في الأرض
стр. 1780
قرارا- وأعمارا مضروبة إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم وأحصاها القدر، وأن الأرض لهم دار مدة الحياة الدنيا، فيها محياهم وفيها مماتهم، وقبورهم، ومنها نشورهم ليوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين ويجازي كلا بعمله.
وهكذا فبعد مقدمة السورة الآمرة الناهية، الواعظة المذكرة، المنذرة للإنسان تبدأ القصة قصة الجنس البشري يقول صاحب الظلال:
تبدأ بالحديث عن التمكين للجنس البشري في الأرض .. وذلك بما أودع الله هذا الكون من خصائص وموافقات تسمح بحياة هذا الجنس وتمكينه في الأرض. وبما أودع الله هذا الجنس من خصائص وموافقات مع الكون، ومن قدرة على التعرف إلى نواميسه واستخدامها. والانتفاع بطاقاته ومقدراته ومدخراته وأقواته: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ..
وليس هذا الا التمهيد لعرض قصة النشأة الأولى وتصوير نقطة الانطلاق التي بدأت منها البشرية رحلتها المرسومة والسياق يركز في هذه السورة على هذه النقطة.
ويعرض قصة النشأة ويتخذها كذلك نقطة تعقيب للإنذار والتذكير المستمدين مما في مشاهدها وأحداثها من عظات موحية ومؤثرات عميقة ......
وبهذا المشهد في نقطة الانطلاق يتحدد مصير الرحلة كلها، ومصائر المرتحلين جميعا .. وتلوح طلائع المعركة الكبرى التي لا تهدأ لحظة طوال الرحلة بين هذا العدو الجاهر بالعداوة، وبني آدم جميعا. كما تلوح نقط الضعف في الكائن الإنساني جملة، ومنافذ الشيطان إليه منها.
ومن ثم يتخذ السياق من المشهد مناسبة للتعقيب الطويل وللإنذار والتحذير .. تحذير بني آدم مما جرى لأبويهم من هذا العدو العنيد .. وفي ظل هذا المشهد الذي يقف فيه الشيطان وجها لوجه مع آدم وزوجه أبوي البشر. وفي ظل النتيجة التي انتهى إليها الشوط الأول في المعركة يتوجه السياق بالخطاب إلى بني آدم، ويذكرهم وينذرهم، ويحذرهم مصيرا كهذا المصير ..... »
стр. 1781
وبمناسبة عرض قصة آدم ﵇ وما جرى تأتي بعد ذلك نداءات لبني آدم، أولها نداء بترك العري وصلة ذلك بما حدث لآدم وحواء من انكشاف عورتيهما بعد ما أكلا من الشجرة واضحة، وثانيها نداء بالتحذير من فتنة الشيطان وصلة ذلك بما حدث لآدم من فتنة الشيطان واضحة، وثالثها نداء بأخذ الزينة للعبادة وترك الإسراف في الطعام والشراب، وصلة ذلك بما حدث لآدم بسبب الطعام واضحة.
وهكذا تأتي التعقيبات والتوجيهات والدروس المبنية على قصة آدم ﵇ فالصلات واضحة بين ما مر وما سيأتي:
يقول صاحب الظلال:
ولا بد أن نلحظ أن مشهد العري بعد ارتكاب المحظور، والخصف من ورق الجنة، ثم هذا التعقيب بتذكير بني آدم بنعمة الله في إنزال اللباس الذي يواري سوآتهم والرياش الذي يتزينون به، وتحذيرهم من فتنة الشيطان لهم لينزع عنهم لباسهم وريشهم كما نزعه عن أبويهم .. لا بد أن نلحظ أن ذكر هذه الحلقة من القصة، والتعقيب عليها على هذا النحو إنما يواجه حالة واقعة في المجتمع الجاهلي العربي المشرك، حيث كانوا تحت تأثير أساطير وتقاليد معينة يطوفون بالبيت عرايا، ويحرمون أنواعا من الثياب، وأنواعا من الطعام في فترة الحج، ويزعمون أن هذا من شرع الله، وأن الله قد حرم عليهم هذا الذي يحرمونه على أنفسهم .. ومن ثم يجئ في استعراض قصة البشرية، أو في التعقيب عليها ما يناسب ويواجه هذه الحالة الواقعية في الجاهلية .. وفي كل جاهلية في الحقيقة ..
أليست سمة كل جاهلية هي العري، والكشف، وقلة الحياء من الله، وقلة التقوى؟ .... )
ولنعد إلى عرض المعاني العامة:
فبعد عرض قصة بداية الوجود الإنساني على الأرض ومقدماتها وحيثياتها وقواعدها وقوانينها، ها نحن الآن على الأرض، تجري علينا أحكام هذه المقدمة وقواعدها وقوانينها، فإذا استقرت هذه المعاني يتوجه الله بأربعة نداءات لبني آدم: النداء الأول يذكرهم الله بما امتن عليهم به مما جعل لهم من اللباس والريش.
فاللباس لستر العورات وهي السوءات، والريش ما يتجمل به. فالأول من
стр. 1782
الضروريات، والريش من التكميلات والزيادات، ثم بين لهم أن لباس التقوى- الذي هو الإيمان والعمل الصالح وسمت ذلك- خير وأفضل وأحسن، وأن هذا وهذا من آيات الله التي تدل على وجوده وقد جعل الله هذه الآية لمن يتذكر ويتعظ.
فإذا اتضح للمتذكرين هذا وهذا: نعمة الله عليهم باللباس والزينة، ونعمة الله بلباس التقوى الذي هو أفخر ما يزين الإنسان.
يوجه الله النداء الثاني لبني آدم، محذرا لهم من إبليس وقبيله، مبينا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم ﵇، في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم إلى دار التعب والفساد، والتسبب في هتك عورته، بعد ما كانت مستورة عنه، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة، فلا يكن سببا لفتنتنا نحن بني آدم، فينزع عنا اللباس الحسي، واللباس المعنوي، فتظهر العورات كلها، وقد فعل عليه لعنة الله. فخلعت البشرية- إلا قليلا- اللباس الحسي والمعنوي. ثم بين تعالى أن الشيطان وجنده يروننا ولا نراهم، وأن سنة الله أن يجعل الشياطين أولياء للكافرين؛ يطيعونهم ويتبعون أوامرهم، وهذا هو الواقع، فحيثما كان إيمان كان لباس حسي ومعنوي، وحيثما كان الكفر لم يبق هذا ولا هذا، وبين ذلك ناس يخلعون أو يلبسون على قدر قربهم من الكفر أو الإيمان.
ثم بين تعالى كيف أن كثيرين يفعلون الفواحش التي لا تتفق مع اللباس الحسي والمعنوي، ويدعون أنهم يفعلون ذلك تقليدا للآباء، وأنهم يفعلون ذلك طاعة لله، وكذبوا؛ لأن الله يأمر بالعدل والإحسان ولا يأمر بالفحشاء، وما يقولون إلا جهلا بالله وشرعه وأوامر دينه، وفي هذا المقام أمر الله رسوله ﷺ أن يبين أن الله يأمر بالعدل والاستقامة في عبادته بأن تكون في محالها وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات، فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع. وبالإخلاص له في عبادته؛ فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابا موافقا للشريعة، وأن يكون خالصا من الشرك، بمثل هذا يأمر الله ولكن كما كان في البدء ضلال وهدى، فسيبقى ضلال وسيبقى ناس يتخذون الشياطين أولياء من دون الله، ويظنون أنهم على هدى، كما نرى الآن المنحرفين عن أمر الله فما من واحد منهم إلا ويظن أنه النموذج الأعظم للإنسان العظيم المحيط بكل شئ، وإنما قد نفخ الشيطان فيه من الغرور.
ثم يوجه الله النداء الثالث لبني آدم أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد، بستر العورات، ولبس الجميل، وأن يأكلوا ويشربوا بلا سرف، لأن الله لا يحب
стр. 1783
المسرفين. تلك شريعة الله التي أمر الله رسوله ﷺ بالإعلان عنها، إباحة الزينة، والطيبات وكيف لا والله خلقها للمؤمنين في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حسا في الدنيا فهي لهم خاصة يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد من الكفار؛ فإن الجنة محرمة على الكافرين. فشريعة الله إذن إباحة الزينة والطيبات، وإنما
نهى الله- عن الخبائث، وحرم وضع الزينة في غير موضعها، فما أحلى شريعة الله، وما أجمل آياتها، وكم فصل الله هذه الآيات للعالمين، ثم حدد الله- ما حرمه، وهي الفواحش الظاهرة والباطنة، والإثم، والبغي، والشرك، والافتراء على الله، فأما الإثم فالمعصية، وأما البغي: فإن تعتدي على الناس بغير حق، وأما الشرك: فإن تعبد مع الله غيره، وأما القول على الله بغير علم: فإن تصفه بغير صفته، أو تنسب له ما لم يقله ولم يحكم به. ثم أنذر تعالى أن لكل قرن ميقاتهم المقدر لهم، لا يستأخرون عن الأجل المحدد لهم ساعة ولا يستقدمون؛ لعل الناس يتعظون فيبقوا عند ما أحل الله، ويتركوا ما حرم.
ثم يوجه الله النداء الرابع لبني آدم: أنه في حالة بعثته رسولا يقص على الناس آياته فإن سنته أن من ترك المحرمات وفعل الطاعات فلا خوف عليه فيما يستقبله، ولا هو يحزن على ما خلفه، وأن من كذب بآيات الله واستكبر عن العمل بها فإنه من أصحاب النار خالدا فيها أبدا.
هذه معاني النداءات الأربعة لبني آدم وهي المعاني الفطرية التي ينبغي أن يعيها كل إنسان عقل قصة أبيه آدم، وعقل قصة البداية كلها.
وختمت النداءات بقوله تعالى: فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وهي نفس المعاني التي تدور حولها سورة الأعراف التي محورها في سورة البقرة فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
ثم يتجه السياق فيتكلم بمجموعة آيات عن الذين كذبوا بآيات الله، وبمجموعة آيات عن المؤمنين، فبين بالمجموعة الأولى أنه لا أحد أظلم ممن يفتري على الله
стр. 1784
الكذب، أو يكذب بآيات الله المنزلة، وأن هؤلاء يأخذون ما كتب لهم في الدنيا من خير وشر، ورزق وجاه، وسعادة أو شقاء، ثم تبدأ شقاوتهم الحقيقية من لحظة الموت إذ تدعوهم الملائكة عند الموت، وعند قبض أرواحهم إلى النار، فتؤنبهم وتقرعهم، سائلة عن آلهتهم التي عبدوها وأخلصوا لها من دون الله أين هي، تأتيهم وتخلصهم، فلم يكن عندهم جواب إلا الاعتراف بأن هذه الآلهة المزعومة لا نفع عندها ولا ضر، وإلا الاعتراف بأنهم كافرون. هؤلاء يقال لهم يوم القيامة ادخلوا مع أمثالكم من الأمم السالفة، الكافرة من الجن والإنس في النار، التي كلما دخلت فيها أمة لعنت هذه الأمة أختها، ثم إذا اجتمعوا فيها جميعا قال المتأخرون- شاكين إلى الله- أن المتقدمين هم سبب ضلالهم، ودعوا الله أن يذيق هؤلاء ضعف العذاب على ما ورطوهم في الكفر، فيكون الجواب: أن الجميع يستحقون ضعف العذاب ولكنهم لجهلهم- حتى بعد دخول النار- لم يعلموا هذا، وعندئذ يقول المتقدمون للمتأخرين شامتين بالمتأخرين:
فذوقوا العذاب بسبب كسبكم، وإن ادعاءكم الفضل علينا لم ينفعكم شيئا، ثم يقرر الله أن المكذبين بآياته المستكبرين عنها لا يرفع لهم عمل صالح، ولا يتقبل منهم دعاء ولا تفتح لأرواحهم- يوم يتوفون- أبواب السماء، وأن الجنة عليهم حرام؛ وذلك جزاء إجرامهم، ولهم زيادة على هذا، جهنم هي فراشهم، وهي لحافهم وذلك جزاء ظلمهم.
وبعد أن ذكر حال الأشقياء عطف بذكر حال السعداء: الذين آمنت قلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم، وما أسهل هذا وأطيبه، وكيف لا ولم يكلفهم الله إلا ما يستطيعونه. هؤلاء لهم الجنة خالدين فيها أبدا- وما أطيبها من دار، لا غل في صدور أهلها وتجري من تحتهم الأنهار، وإذ نالوا هذه الكرامة فإنهم يحمدون الله الذي هداهم لطريق الجنة، معترفين بأنه لولا الله ما اهتدوا، ذاكرين أن ما جاءتهم الرسل به حق، وكافأهم الله على هذا الاعتراف بأن أعلمهم أن هذه الجنة قد أورثهم الله إياها بعملهم، فبسبب أعمالهم نالتهم الرحمة، فدخلوا الجنة وتبوءوا منازلهم، وكل ذلك بفضل الله.
هم اعترفوا لله بفضله، وهو ﷻ شكر لهم عملهم زيادة في إكرامهم.
وإذ نال المكذبون ما يستحقون، ونال المؤمنون ما يستحقون، وإذ عرض الله لنا عاقبة المكذبين والمصدقين، قص علينا ما جرى من حوار بين أهل الجنة وأهل النار،
стр. 1785
وبين أهل الأعراف وأهل الجنة وأهل النار، ومن هذا الحوار نعرف عاقبة الكبر والكفر، وعاقبة الإيمان والعمل الصالح.
يخبر تعالى أن أهل الجنة يخاطبون أهل النار على جهة التقريع والتوبيخ إذ استقروا في منازلهم فيقولون لهم: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟
قالوا: نعم فنادى مناد أن لعنة الله مستقرة على الظالمين، الذين صدوا الناس عن اتباع سبيل الله وشرعه، وما جاءت به الأنبياء، ويبغون أن تكون السبل معوجة غير مستقيمة، وهم بلقاء الله في الدار الآخرة جاحدون، يكذبون بذلك لا يصدقونه ولا يؤمنون به؛ فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكر من القول والعمل، لأنهم لا يخافون حسابا عليه ولا عقابا، فهم شر الناس أقوالا وأعمالا، ولما ذكر الله تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار نبه أن بين الجنة والنار حجابا: وهو الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة، وهو السور الذي وصفه الله في سورة الحديد فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ
وهو الأعراف جمع عرف، وفي الأصل فكل مرتفع من الأرض تسميه العرب عرفا، وحاصل الكلام في أهل الأعراف: أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم هؤلاء أهل الأعراف يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه، وأهل النار بسواد الوجوه، يحبون أهل الجنة ويطمعون أن يدخلوا الجنة، وهم داخلوها إن شاء الله. فإن الله ما جعل الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم. هؤلاء أصحاب الأعراف يحبون أهل الجنة كما رأينا، وإذا رأوا أصحاب النار تعوذوا بالله أن يجعلهم معهم، وكما أن أهل الجنة يقرعون أهل النار فإن أهل الأعراف يقرعون أهل النار، فينادون رجالا يعرفونهم من أهل النار بسيماهم: ما أغنى عنكم جمعكم (أي كثرتكم) واستكباركم من عذاب الله شيئا بل صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب والنكال. وعند ما يقول أهل الأعراف ما يقولونه يقول الله لأهل التكبر والأموال أي: لأهل النار عن أهل الأعراف أهؤلاء الذين أقسمتم لا
ينالهم الله برحمته ثم يأمر بإدخال أهل الأعراف الجنة فما أكثر حسرة أهل النار.
ثم يخبر تعالى عن ذلة أهل النار وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم وأنهم لا يجابون إلى ذلك، ينادي الرجل أباه أو أمه فيقول له: قد احترقت فأفض علي من الماء فيقال لهم
стр. 1786
أجيبوهم، فيقولون: إن الله حرمهما على الكافرين؛ بما كانوا يعملونه في الدنيا باتخاذهم الدين لهوا ولعبا، واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفها، عما أمروا به من العمل للآخرة، ولذلك فإنهم يعاقبون يوم القيامة بأن يعاملهم الله معاملة المنسي من الخير، يتركهم في النار كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم ذاك وبسبب جحودهم بآيات الله.
وبعد أن بين لنا حال أهل الجنة وأهل النار من خلال هذا الحوار ختم المقطع بفقرة طويلة: بدأها بالإخبار عن إعذاره إلى الكافرين، بإرسال الرسول إليهم بالكتاب وأنه كتاب مفصل مبين فضله الله على علم. فكلما ازداد الخلق علما بهذا الكتاب ازدادوا إيمانا به، لأن فيه ما يعجز ويبهر وتقوم به الحجة على الخلق أجمعين، ومع كونه فى غاية التفصيل، ومع كونه مظهر علم الله المحيط والشامل والكامل والمنزه عن الجهل والخطأ وقد جعل فيه الهداية والرحمة للمؤمنين تركوا العمل به. هذا الكتاب تحدث عن كل شئ ومما تحدث عنه أمر الدنيا والآخرة ولا يزال يجئ من تأويله أمر حتى يتم يوم الحساب، وحتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. فيتم تأويله يومئذ أي يوم القيامة، وعندئذ يعترف الذين تركوا العمل به وتناسوه في الدار الدنيا أن رسل الله قد جاءوا بالحق، ويطلبون وقتذاك من يشفع لهم، ويتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا، زاعمين أنهم لو عادوا لعملوا غير عملهم الأول وأنى لهم هذا وهذا؟ فقد خسروا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها وذهب عنهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله، فلا يشفعون لهم ولا ينصرونهم ولا ينقذونهم مما هم فيه. إنها النهاية العادلة لهؤلاء المجرمين المكذبين المستكبرين.
وفي هذا السياق تأتي آية هي نموذج على هذا الكتاب الذي أنزله الله بعلم والذي فصل فيه بعلم. وهي تذكر بالله وقدرته وتعطي ما لله لله، وسنؤجل الكثير مما فيها إلى التفسير الحرفي وفوائده.
يخبر الله تعالى في هذه الآية أنه خالق العالم. سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام.
قال ابن كثير (واختلفوا في هذه الأيام هل كل يوم منها كهذه الأيام كما هو المتبادر إلى الأذهان، أو كل يوم كألف سنة كما نص على ذلك مجاهد والإمام أحمد ويروى ذلك من رواية الضحاك عن ابن عباس) أو هو يوم آخر؟ ثم يذكر تعالى استواءه على العرش، ثم يذكر أنه يغشي الليل النهار يطلبه سريعا، وأن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره،
стр. 1787
فالجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته فهو الذي له الخلق، ومن كان هذا شأنه فله الأمر، وليس لأحد أن ينازعه حق الأمر فهو الإله والخلق عبيد، وليس من أحد له حق الأمر معه إلا بإذنه ويختم الله الآية بالثناء على نفسه تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
وفي هذا السياق يرشدنا تعالى بعد أن عرفنا على قدرته وعلمه إلى دعائه الذي فيه صلاحنا في دنيانا وأخرانا، ويرشدنا أن يكون هذا الدعاء على حال التذلل والاستكانة والخشوع بأن يجتمع فيه التضرع والخفية وقد فسر ابن جرير تضرعا فقال: تذللا واستكانة لطاعته. وفسر خفية: بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه لا جهارا مراءاة. وقد بين تعالى أنه لا يحب المعتدين لا في الدعاء ولا في غيره. ثم نهى عن الإفساد في الأرض وخاصة بعد الإصلاح، فإنه إذا كانت الأمور سائرة على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد، فنهى تعالى عن ذلك وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل إليه خوفا مما عنده من وبيل العقاب، وطمعا فيما عنده من جزيل الثواب مبينا أن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره ويتركون زواجره.
وبعد أن ذكر أنه خالق السموات والأرض وأنه المتصرف الحاكم المدبر المسخر، وأرشد إلى دعائه لأنه على ما يشاء قادر، يعود السياق ليعرفنا تعالى على ذاته من خلال عنايته ورعايته ورحمته بعباده، ويذكرنا في الوقت نفسه باليوم الآخر، فأخبر أنه هو الذي يرسل الرياح مبشرات بين يدي المطر الذي هو مظهر من مظاهر رحمته العظمى بخلقه، حتى إذا حملت الرياح سحابا ثقالا أي من كثرة ما تحمل من الماء يسوقه الله إلى أرض مجدبة ميتة لا نبات فيها فيخرج به من كل الثمرات، فكما يحيي الله هذه الأرض بعد موتها كذلك يحيي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم القيامة، فمن كان له قلب فإنه يتذكر، ثم ضرب الله مثلا للمؤمن، والكافر بالبلد الطيب، والبلد الخبيث، فالبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه سريعا وحسنا وطيبا ومباركا، وأما البلد الخبيث كالسباخ وغيرها فإن نباته لا يخرج إلا خبيثا لا خير فيه، فكذلك المؤمن ينزل على قلبه القرآن فينمو إيمانه وينمو الخير في قلبه، وأما الكافر فلا يزيده الوحي إلا عنادا، ويختم الله المقطع بالتذكير أنه يصرف الآيات لقوم يشكرون.
ذكرنا في بداية المقطع بتمكيننا في الأرض، وجعله لنا فيها معايش لنشكر، وذكرنا بما أنعم علينا من نعمة الوحي في آخر المقطع لنشكر، فمن لم تستجلب نعمة الله في الكون
стр. 1788
شكره، ومن لم تستجلب آيات الله في كتابه شكره فأي قلب عاق قلبه؟.
كلمة في السياق:
١ - في سورة البقرة جاءت قصة آدم بعد قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وفي سورة الأعراف جاءت قصة آدم بعد قوله تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
وفي سورة البقرة جاءت قصة آدم، وبعدها مباشرة خطاب لبني إسرائيل، وهاهنا تأتي قصة آدم وبعدها خطابات لبني آدم، ثم عرض لقصص أقوام انحرفوا عن أمر الله ثم تأتي قصة بني إسرائيل، فههنا تفصيل لمحور السورة وامتداداته وارتباطاته، وهاهنا بناء عليه ودروس في شأنه.
٢ - بدأت السورة آمرة باتباع ما أنزل الله، ناهية عن اتخاذ غيره وليا من دونه، وأنذرت وذكرت بما فعل بالأقوام الذين اتخذوا من دون الله أولياء، ثم ذكرت بأن حكمة الله في استخلاف الإنسان والتمكين له هى استخراج شكره. ثم قصت علينا قصة آدم وفيها على لسان الشيطان وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ثم انتهى المقطع بقوله تعالى كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
فما خلق الله للإنسان فمن أجل استخراج شكره، وما أنزل عليه من آيات فمن أجل استخراج شكره، ومقدمة السورة والمقطع الأول فيها يبينان طريق الشكر، وما يتنافى معه.
٣ - في بداية المقطع حديث عن الخروج من الجنة وأسباب ذلك، وفي أواسط المقطع حديث عن العودة إلى الجنة، وحديث عن النار، وفيما بين ذلك وبعده حديث عن طريق ذلك. فالمقطع له وحدته وله صلاته بمقدمة السورة، وهو والمقدمة كالمقدمة لما يأتي بعد ذلك من السورة، ولنا عودة إلى السياق فلنبدأ بعرض المعنى الحرفي للمقطع:
المعنى الحرفي للفقرة الأولى:
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ أي جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا، أو أقدرناكم على التصرف فيها وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ المعايش جميع معيشة وهي ما يعاش به من
стр. 1789
المطاعم والمشارب وغيرهما قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ أي شكركم قليل، أي تشكرون شكرا قليلا.
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أي خلقنا أباكم آدم ﵇ طينا غير مصور ثم صورناه بعد ذلك، أو خلقناكم في أصلاب الرجال وصورناكم في أرحام النساء، أو الخلق لآدم والتصوير للذرية. ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ أي لم يكن ممن سجد لآدم ﵇.
قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ أي أي شئ منعك من السجود إِذْ أَمَرْتُكَ السؤال عن المانع من السجود- مع علمه به- للتوبيخ، ولإظهار معاندته، وكفره، وكبره، وافتخاره بأصله، وتحقيره أصل آدم، وفي الآية دليل لمن ذهب من الأصوليين إلى أن الأمر يفيد الوجوب قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وهي جوهر نوراني وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ أي وهو ظلماني، وفي الفوائد كلام عن هذا.
قالَ فَاهْبِطْ مِنْها أي إن كنت تتكبر فاهبط من الجنة أو من السماء لأنه كان فيها وهي مكان المطيعين والمتواضعين فَما يَكُونُ لَكَ أي فما يصح لك أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها- أي وتعصي فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ أي من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه، يذمك كل إنسان ويلعنك كل لسان لتكبرك، وبه يعلم أن الصغار ملازم للاستكبار
قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي أمهلني إلى يوم البعث، والبعث وقت النفخة الأخيرة
قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إلى النفخة الأولى، وإنما أجيب إلى ذلك لما فيه من الابتلاء وفيه تقريب لقلوب الأحباب أي هذا بريء بمن يسيئني فكيف بمن يحبني، وإنما جسره على السؤال مع وجود الزلل منه في الحال علمه بحلم ذي الجلال
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي أي أضللتني. أي فبسبب إغوائك إياي أقسم لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي لأعترضن لهم على طريق الإسلام، مترصدا للرد، متعرضا للصد، كما يتعرض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ بأن أشككهم بالآخرة وَمِنْ خَلْفِهِمْ بأن أرغبهم في الدنيا وَعَنْ أَيْمانِهِمْ أي من قبل الحسنات وَعَنْ شَمائِلِهِمْ أي من قبل السيئات، ولم يقل من فوقهم ومن تحتهم لمكان الرحمة والسجدة: واستعمال عن حين الكلام عن الأيمان والشمائل لأنها تدل على الانحراف وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ أي مؤمنين، قال ظنا فأصاب ظنه. قال تعالي في سورة سبأ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ
قالَ اخْرُجْ مِنْها أي من الجنة أو السماء مَذْؤُماً أي معيبا مَدْحُوراً أي مطرودا مبعدا من رحمة الله أقسم لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أي منك وممن تبعك أَجْمَعِينَ بدون
стр. 1790
استثناء
وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ قال الله هذا لآدم بعد إخراج إبليس من الجنة، اتخذ أنت وزوجك الجنة مسكنا فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا أي فتصيرا مِنَ الظَّالِمِينَ بمعصيتكما الله إن خالفتما أمره
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ أي ألقى إليهما الوسوسة، والوسوسة الكلام الخفي المكرر الملقى بغير اتئاد أى بعجلة لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما أي يكشف لهما ما ستر عنهما من عوراتهما، وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه لم يزل سترها مستقيما في الطباع والعقول وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أي إلا كراهة أن تكونا ملكين تعلمان الخير والشر وتستغنيان عن الغذاء أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ أي من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين
وَقاسَمَهُما أي وأقسم لهما وصدقاه فشاركاه في القسم بتحقيق ما يراد القسم له ولذلك استعملت صيغة المفاعلة للدلالة على هذا المعنى إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فإني من قبلكما هاهنا، وأعلم بهذا المكان
فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ أي فزلهما إلى الأكل من الشجرة بما غرهما به من القسم بالله، وإنما يخدع المؤمن بالله ولم يكونا يظنان أن أحدا يحلف بالله كاذبا فوقعا في المعصية، فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ أي وجدا طعمها آخذين في الأكل منها بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي: ظهرت لهما عوراتهما؛ لتهافت اللباس عنهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر وَطَفِقا أى جعلا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي يجعلان على عورتهما من ورق الجنة ورقة فوق ورقة ليستترا بها كما تخصف النعل أي ترقع وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ هذا عتاب من الله وتنبيه على الخطأ
قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ وكان في هذا توبتهما قال النسفي (وفيه دليل على المعتزلة لأن الصغائر عندهم مغفورة أى بلا توبة) وهذا يعني أنه اعتبر فعل آدم صغيرة
قالَ اهْبِطُوا الخطاب لآدم وحواء بلفظ الجمع لأن إبليس هبط من قبل، ويحتمل أنه هبط إلى السماء ثم هبطوا جميعا إلى الأرض بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ أي: متعادين يعاديهما إبليس ويعاديانه وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ أي استقرار أو موضع استقرار وَمَتاعٌ أي: وانتفاع عيش إِلى حِينٍ أي إلى انقضاء آجالكم
قالَ فِيها أي في الأرض تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ مبعوثين للثواب والعقاب. وبهذا تمت الفقرة الأولى من هذا المقطع وفيها كما قال صاحب
следующие страницы →