← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

أجيبوهم، فيقولون: إن الله حرمهما على الكافرين؛ بما كانوا يعملونه في الدنيا باتخاذهم الدين لهوا ولعبا، واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفها، عما أمروا به من العمل للآخرة، ولذلك فإنهم يعاقبون يوم القيامة بأن يعاملهم الله معاملة المنسي من الخير، يتركهم في النار كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم ذاك وبسبب جحودهم بآيات الله. وبعد أن بين لنا حال أهل الجنة وأهل النار من خلال هذا الحوار ختم المقطع بفقرة طويلة: بدأها بالإخبار عن إعذاره إلى الكافرين، بإرسال الرسول إليهم بالكتاب وأنه كتاب مفصل مبين فضله الله على علم. فكلما ازداد الخلق علما بهذا الكتاب ازدادوا إيمانا به، لأن فيه ما يعجز ويبهر وتقوم به الحجة على الخلق أجمعين، ومع كونه فى غاية التفصيل، ومع كونه مظهر علم الله المحيط والشامل والكامل والمنزه عن الجهل والخطأ وقد جعل فيه الهداية والرحمة للمؤمنين تركوا العمل به. هذا الكتاب تحدث عن كل شئ ومما تحدث عنه أمر الدنيا والآخرة ولا يزال يجئ من تأويله أمر حتى يتم يوم الحساب، وحتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. فيتم تأويله يومئذ أي يوم القيامة، وعندئذ يعترف الذين تركوا العمل به وتناسوه في الدار الدنيا أن رسل الله قد جاءوا بالحق، ويطلبون وقتذاك من يشفع لهم، ويتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا، زاعمين أنهم لو عادوا لعملوا غير عملهم الأول وأنى لهم هذا وهذا؟ فقد خسروا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها وذهب عنهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله، فلا يشفعون لهم ولا ينصرونهم ولا ينقذونهم مما هم فيه. إنها النهاية العادلة لهؤلاء المجرمين المكذبين المستكبرين. وفي هذا السياق تأتي آية هي نموذج على هذا الكتاب الذي أنزله الله بعلم والذي فصل فيه بعلم. وهي تذكر بالله وقدرته وتعطي ما لله لله، وسنؤجل الكثير مما فيها إلى التفسير الحرفي وفوائده. يخبر الله تعالى في هذه الآية أنه خالق العالم. سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام. قال ابن كثير (واختلفوا في هذه الأيام هل كل يوم منها كهذه الأيام كما هو المتبادر إلى الأذهان، أو كل يوم كألف سنة كما نص على ذلك مجاهد والإمام أحمد ويروى ذلك من رواية الضحاك عن ابن عباس) أو هو يوم آخر؟ ثم يذكر تعالى استواءه على العرش، ثم يذكر أنه يغشي الليل النهار يطلبه سريعا، وأن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره،

стр. 1787

فالجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته فهو الذي له الخلق، ومن كان هذا شأنه فله الأمر، وليس لأحد أن ينازعه حق الأمر فهو الإله والخلق عبيد، وليس من أحد له حق الأمر معه إلا بإذنه ويختم الله الآية بالثناء على نفسه تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. وفي هذا السياق يرشدنا تعالى بعد أن عرفنا على قدرته وعلمه إلى دعائه الذي فيه صلاحنا في دنيانا وأخرانا، ويرشدنا أن يكون هذا الدعاء على حال التذلل والاستكانة والخشوع بأن يجتمع فيه التضرع والخفية وقد فسر ابن جرير تضرعا فقال: تذللا واستكانة لطاعته. وفسر خفية: بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه لا جهارا مراءاة. وقد بين تعالى أنه لا يحب المعتدين لا في الدعاء ولا في غيره. ثم نهى عن الإفساد في الأرض وخاصة بعد الإصلاح، فإنه إذا كانت الأمور سائرة على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد، فنهى تعالى عن ذلك وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل إليه خوفا مما عنده من وبيل العقاب، وطمعا فيما عنده من جزيل الثواب مبينا أن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره ويتركون زواجره. وبعد أن ذكر أنه خالق السموات والأرض وأنه المتصرف الحاكم المدبر المسخر، وأرشد إلى دعائه لأنه على ما يشاء قادر، يعود السياق ليعرفنا تعالى على ذاته من خلال عنايته ورعايته ورحمته بعباده، ويذكرنا في الوقت نفسه باليوم الآخر، فأخبر أنه هو الذي يرسل الرياح مبشرات بين يدي المطر الذي هو مظهر من مظاهر رحمته العظمى بخلقه، حتى إذا حملت الرياح سحابا ثقالا أي من كثرة ما تحمل من الماء يسوقه الله إلى أرض مجدبة ميتة لا نبات فيها فيخرج به من كل الثمرات، فكما يحيي الله هذه الأرض بعد موتها كذلك يحيي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم القيامة، فمن كان له قلب فإنه يتذكر، ثم ضرب الله مثلا للمؤمن، والكافر بالبلد الطيب، والبلد الخبيث، فالبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه سريعا وحسنا وطيبا ومباركا، وأما البلد الخبيث كالسباخ وغيرها فإن نباته لا يخرج إلا خبيثا لا خير فيه، فكذلك المؤمن ينزل على قلبه القرآن فينمو إيمانه وينمو الخير في قلبه، وأما الكافر فلا يزيده الوحي إلا عنادا، ويختم الله المقطع بالتذكير أنه يصرف الآيات لقوم يشكرون. ذكرنا في بداية المقطع بتمكيننا في الأرض، وجعله لنا فيها معايش لنشكر، وذكرنا بما أنعم علينا من نعمة الوحي في آخر المقطع لنشكر، فمن لم تستجلب نعمة الله في الكون

стр. 1788

شكره، ومن لم تستجلب آيات الله في كتابه شكره فأي قلب عاق قلبه؟. كلمة في السياق: ١ - في سورة البقرة جاءت قصة آدم بعد قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وفي سورة الأعراف جاءت قصة آدم بعد قوله تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ وفي سورة البقرة جاءت قصة آدم، وبعدها مباشرة خطاب لبني إسرائيل، وهاهنا تأتي قصة آدم وبعدها خطابات لبني آدم، ثم عرض لقصص أقوام انحرفوا عن أمر الله ثم تأتي قصة بني إسرائيل، فههنا تفصيل لمحور السورة وامتداداته وارتباطاته، وهاهنا بناء عليه ودروس في شأنه. ٢ - بدأت السورة آمرة باتباع ما أنزل الله، ناهية عن اتخاذ غيره وليا من دونه، وأنذرت وذكرت بما فعل بالأقوام الذين اتخذوا من دون الله أولياء، ثم ذكرت بأن حكمة الله في استخلاف الإنسان والتمكين له هى استخراج شكره. ثم قصت علينا قصة آدم وفيها على لسان الشيطان وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ثم انتهى المقطع بقوله تعالى كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ فما خلق الله للإنسان فمن أجل استخراج شكره، وما أنزل عليه من آيات فمن أجل استخراج شكره، ومقدمة السورة والمقطع الأول فيها يبينان طريق الشكر، وما يتنافى معه. ٣ - في بداية المقطع حديث عن الخروج من الجنة وأسباب ذلك، وفي أواسط المقطع حديث عن العودة إلى الجنة، وحديث عن النار، وفيما بين ذلك وبعده حديث عن طريق ذلك. فالمقطع له وحدته وله صلاته بمقدمة السورة، وهو والمقدمة كالمقدمة لما يأتي بعد ذلك من السورة، ولنا عودة إلى السياق فلنبدأ بعرض المعنى الحرفي للمقطع: المعنى الحرفي للفقرة الأولى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ أي جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا، أو أقدرناكم على التصرف فيها وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ المعايش جميع معيشة وهي ما يعاش به من

стр. 1789

المطاعم والمشارب وغيرهما قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ أي شكركم قليل، أي تشكرون شكرا قليلا. وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أي خلقنا أباكم آدم ﵇ طينا غير مصور ثم صورناه بعد ذلك، أو خلقناكم في أصلاب الرجال وصورناكم في أرحام النساء، أو الخلق لآدم والتصوير للذرية. ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ أي لم يكن ممن سجد لآدم ﵇. قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ أي أي شئ منعك من السجود إِذْ أَمَرْتُكَ السؤال عن المانع من السجود- مع علمه به- للتوبيخ، ولإظهار معاندته، وكفره، وكبره، وافتخاره بأصله، وتحقيره أصل آدم، وفي الآية دليل لمن ذهب من الأصوليين إلى أن الأمر يفيد الوجوب قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وهي جوهر نوراني وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ أي وهو ظلماني، وفي الفوائد كلام عن هذا. قالَ فَاهْبِطْ مِنْها أي إن كنت تتكبر فاهبط من الجنة أو من السماء لأنه كان فيها وهي مكان المطيعين والمتواضعين فَما يَكُونُ لَكَ أي فما يصح لك أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها- أي وتعصي فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ أي من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه، يذمك كل إنسان ويلعنك كل لسان لتكبرك، وبه يعلم أن الصغار ملازم للاستكبار قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي أمهلني إلى يوم البعث، والبعث وقت النفخة الأخيرة قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إلى النفخة الأولى، وإنما أجيب إلى ذلك لما فيه من الابتلاء وفيه تقريب لقلوب الأحباب أي هذا بريء بمن يسيئني فكيف بمن يحبني، وإنما جسره على السؤال مع وجود الزلل منه في الحال علمه بحلم ذي الجلال قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي أي أضللتني. أي فبسبب إغوائك إياي أقسم لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي لأعترضن لهم على طريق الإسلام، مترصدا للرد، متعرضا للصد، كما يتعرض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ بأن أشككهم بالآخرة وَمِنْ خَلْفِهِمْ بأن أرغبهم في الدنيا وَعَنْ أَيْمانِهِمْ أي من قبل الحسنات وَعَنْ شَمائِلِهِمْ أي من قبل السيئات، ولم يقل من فوقهم ومن تحتهم لمكان الرحمة والسجدة: واستعمال عن حين الكلام عن الأيمان والشمائل لأنها تدل على الانحراف وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ أي مؤمنين، قال ظنا فأصاب ظنه. قال تعالي في سورة سبأ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ قالَ اخْرُجْ مِنْها أي من الجنة أو السماء مَذْؤُماً أي معيبا مَدْحُوراً أي مطرودا مبعدا من رحمة الله أقسم لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أي منك وممن تبعك أَجْمَعِينَ بدون

стр. 1790

استثناء وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ قال الله هذا لآدم بعد إخراج إبليس من الجنة، اتخذ أنت وزوجك الجنة مسكنا فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا أي فتصيرا مِنَ الظَّالِمِينَ بمعصيتكما الله إن خالفتما أمره فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ أي ألقى إليهما الوسوسة، والوسوسة الكلام الخفي المكرر الملقى بغير اتئاد أى بعجلة لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما أي يكشف لهما ما ستر عنهما من عوراتهما، وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه لم يزل سترها مستقيما في الطباع والعقول وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أي إلا كراهة أن تكونا ملكين تعلمان الخير والشر وتستغنيان عن الغذاء أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ أي من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين وَقاسَمَهُما أي وأقسم لهما وصدقاه فشاركاه في القسم بتحقيق ما يراد القسم له ولذلك استعملت صيغة المفاعلة للدلالة على هذا المعنى إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فإني من قبلكما هاهنا، وأعلم بهذا المكان فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ أي فزلهما إلى الأكل من الشجرة بما غرهما به من القسم بالله، وإنما يخدع المؤمن بالله ولم يكونا يظنان أن أحدا يحلف بالله كاذبا فوقعا في المعصية، فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ أي وجدا طعمها آخذين في الأكل منها بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي: ظهرت لهما عوراتهما؛ لتهافت اللباس عنهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر وَطَفِقا أى جعلا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي يجعلان على عورتهما من ورق الجنة ورقة فوق ورقة ليستترا بها كما تخصف النعل أي ترقع وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ هذا عتاب من الله وتنبيه على الخطأ قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ وكان في هذا توبتهما قال النسفي (وفيه دليل على المعتزلة لأن الصغائر عندهم مغفورة أى بلا توبة) وهذا يعني أنه اعتبر فعل آدم صغيرة قالَ اهْبِطُوا الخطاب لآدم وحواء بلفظ الجمع لأن إبليس هبط من قبل، ويحتمل أنه هبط إلى السماء ثم هبطوا جميعا إلى الأرض بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ أي: متعادين يعاديهما إبليس ويعاديانه وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ أي استقرار أو موضع استقرار وَمَتاعٌ أي: وانتفاع عيش إِلى حِينٍ أي إلى انقضاء آجالكم قالَ فِيها أي في الأرض تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ مبعوثين للثواب والعقاب. وبهذا تمت الفقرة الأولى من هذا المقطع وفيها كما قال صاحب

стр. 1791

الظلال: (ثلاثة نماذج من خلق الله: نموذج في الطاعة المطلقة والتسليم العميق، ونموذج العصيان المطلق والاستكبار المقيت، وطبيعة ثالثة هي الطبيعة البشرية). نقول وفصول: بمناسبة قوله تعالى وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ يقول صاحب الظلال: «من هنا تبدأ الرحلة الكبرى .. تبدأ بتمهيد عن تمكين الله للجنس البشري في الأرض، كحقيقة مطلقة، وذلك قبل أن تبدأ قصة البشرية تفصيلا وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ، قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ: إن خالق الأرض وخالق الناس، هو الذي مكن لهذا الجنس البشري في الأرض. هو الذي أودع الأرض هذه الخصائص والموافقات الكثيرة التي تسمح بحياة هذا الجنس وتقوته وتعوله، بما فيها من أسباب الرزق والمعايش، هو الذي جعلها مقرا صالحا لنشأته بجوها وتركيبها وحجمها وبعدها عن الشمس والقمر، ودورتها حول الشمس، وميلها على محورها. وسرعة دورتها. إلى آخر هذه الموافقات التي تسمح بحياة هذا الجنس عليها. وهو الذي أودع هذه الأرض من الأقوات والأرزاق ومن القوى والطاقات ما يسمح بنشأة هذا الجنس وحياته، وبنمو هذه الحياة ورقيها معا .. وهو الذي جعل هذا الجنس سيد مخلوقات هذه الأرض، قادرا على تطويعها واستخدامها؛ بما أودعه الله من خصائص واستعدادات للتعرف إلى بعض نواميس هذا الكون وتسخيرها في حاجته .. ولولا تمكين الله للإنسان في الأرض بهذا وذلك، ما استطاع هذا المخلوق الضعيف القوة أن «يقهر الطبيعة» كما يعبر أهل الجاهلية قديما وحديثا! ولا كان بقوته الذاتية قادرا على مواجهة القوى الكونية الهائلة الساحقة! إن التصورات الجاهلية هي التي تصور الكون عدوا للإنسان، وتصور القوى الكونية مضادة لوجوده وحركته؛ وتصور الإنسان في معركة مع هذه القوى- بجهده وحده وتصور كل تعرف إلى النواميس الكونية، وكل تسخير لها «قهرا للطبيعة» في المعركة بينها وبين الجنس الإنساني! إنها تصورات سخيفة، فوق أنها تصورات خبيثة!

стр. 1792

لو كانت النواميس الكونية مضادة للإنسان، عدوة له، تتربص به، وتعاكس اتجاهه، وليس وراءها إرادة مدبرة- كما يزعمون- ما نشأ هذا الإنسان أصلا! وإلا فكيف كان ينشأ؟ كيف ينشأ في كون معاد بلا إرادة وراءه؟ ولما استطاع المضي في الحياة على فرض أنه وجد! وإلا فكيف يمضي والقوى الكونية الهائلة تعاكس اتجاهه؟ وهي بزعمهم- التي تصرف نفسها ولا سلطان وراء سلطانها؟ إن التصور الإسلامي وحده وهو الذي يمضي وراء هذه الجزيئات ليربطها كلها بأصل شامل متناسق .. إن الله هو الذي خلق الكون، وهو الذي خلق الإنسان. وقد اقتضت مشيئته وحكمته أن يجعل طبيعة هذا الكون بحيث تسمح بنشأة هذا الإنسان، وأودع الإنسان من الاستعدادات ما يسمح له بالتعرف إلى بعض نواميس الكون واستخدامها في حاجته .. وهذا التناسق الملحوظ هو الجدير بصنعة الله الذي أحسن كل شئ خلقه ولم يجعل خلائقه متعاكسة متعادية متدابرة!. وفي ظل هذا التصور يعيش «الإنسان» في كون مأنوس صديق؛ وفي رعاية قوة حكيمة مدبرة .. يعيش مطمئن القلب، مستروح النفس، ثابت الخطو، ينهض بالخلافة، ويتعامل مع الكون بروح المودة والصداقة؛ ويشكر الله كلما اهتدى إلى سر من أسرار الوجود؛ وكلما تعرف إلى قانون من قوانينه التي تعينه في خلافته، وتيسر له قدرا جديدا من الرقي والراحة والمتاع. إن هذا التصور لا يكفه عن الحركة لاستطلاع أسرار الوجود والتعرف إلى نواميسه .. على العكس، هو يشجعه ويملأ قلبه ثقة وطمأنينة .. إنه يتحرك في مواجهة كون صديق لا يبخل عليه بأسراره، ولا يمنع عنه مدده وعونه .. وليس في مواجهة كون عدو يتربص به ويعاكس اتجاهاته ويسحق أحلامه وآماله!. إن مأساة «الوجودية» الكبرى هي هذا التصور النكد الخبيث .. تصور الوجود الكوني- بل الوجود الجماعي للبشرية ذاتها- معاكسا في طبيعته للوجود الفردي الإنساني متجها بثقله الساحق إلى سحق هذا الوجود الإنساني! إنه تصور بائس لا بد أن ينشئ حالة من الانزواء والانكماش والعدمية! أو ينشئ حالة من الاستهتار والتمرد والفردية! وفي كلتا الحالتين لا يكون إلا القلق المضني، والبؤس النفسي والعقلي، والشرود في التيه: تيه التمرد، أو تيه العدم .. وهما سواء، ..

стр. 1793

وهي ليست مأسأة «الوجودية» وحدها من مذاهب الفكر الأوربي. إنها مأساة الفكر الأوربي كله- بكل مذاهبه واتجاهاته- بل مأساة الجاهلية كلها في جميع أزمانها وبيئاتها. المأساة التي يضع الإسلام حدا لها بعقيدته الشاملة التي تنشئ في الإدراك البشري تصورا صحيحا لهذا الوجود، وما وراءه من قوة مدبرة. إن «الإنسان» هو ابن هذه الأرض؛ وهو ابن هذا الكون. لقد أنشأه الله من هذه الأرض، ومكنه فيها، وجعل له فيها أرزاقا ومعايش، ويسر له المعرفة التي تسلمه مفاتيحها؛ وجعل نواميسها موافقة لوجود هذا الإنسان، تساعده- حين يتعرف إليها على بصيرة- وتيسر حياته .. ولكن الناس قليلا ما يشكرون- ذلك أنهم في جاهليتهم لا يعلمون .. وحتى الذين يعلمون لا يملكون أن يوفوا نعمة الله عليهم حقها من الشكر وأنى لهم الوفاء؟ لولا أن الله يقبل منهم ما يطيقون، وهؤلاء ينطبق عليهم بهذين الاعتبارين قوله تعالى: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ فصل: في مظاهر من الكبر: في قصة آدم ﵇ عبر كثيرة ودروس كثيرة: لقد امتنع إبليس من السجود لآدم بدعوى الخيرية، وما أكثر ما كانت دعوى الخيرية حائلا دون وجود الصف الإسلامي الواحد، وما أكثر ما كانت دعوى الخيرية عاملا من عوامل تفرق صف المسلمين، إن الصف الإسلامي من حقه أن يخرج قياداته بالشورى ومن قدمه الصف، ومن قدمته الشورى فعلى الجميع أن يلتزموا بإمرته، ولكن كم من الناس يمنعهم من ذلك الكبر مهما لبسوا لبوس التواضع؟ إن كثيرين لا يبدءون البداية الصحيحة، مع أن البدايات الصحيحة وحدها هي التي توصل إلى نتائج صحيحة، فإذا ما بدأت تظهر ثمرات البدايات الصحيحة يريد الكثيرون أن يتقدموا، وإذا لم يتقدموا يستكبرون عن السير في الطريق الصحيح، إن ذلك من نزغات الشيطان فليحاسب كل منا نفسه.

стр. 1794

فصل: في التواضع: قال الألوسي: أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تواضع لله رفعه الله تعالى ومن تكبر وضعه الله » ومن حديثه رضي الله تعالى عنه: «من تواضع لله تعالى رفع الله تعالى حكمته وقال: انتعش نعشك الله، ومن تكبر وعدا طوره وهصه الله تعالى إلى الأرض». وإذلال الله تعالى المتكبرين يوم القيامة مما نطقت به الأخبار. أخرج الترمذي، عن عمرو بن شعيب عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يقال له: بولس يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار» فصل: في مناقشة التطوريين: عند قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ يناقش صاحب الظلال بعض الاتجاهات المنحرفة فيقول (إن الخلق قد يكون معناه: الإنشاء. والتصوير قد يكون معناه: إعطاء الصورة والخصائص .. وهما مرتبتان في النشأة لا مرحلتان .. فإن «ثم» قد لا تكون للترتيب الزمني، ولكن للترقي المعنوي. والتصوير أرقى مرتبة من مجرد الوجود. فالوجود يكون للمادة الخامة، ولكن التصوير- بمعنى إعطاء الصور- أرقى من درجات الوجود. فكأنه قال: إننا لم نمنحكم مجرد الوجود ولكن جعلناه وجودا ذا خصائص راقية. وذلك كقوله تعالى: الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى فإن كل شئ أعطي خصائصه ووظائفه وهدي إلى أدائها عند خلقه. ولم تكن هناك فترة زمنية بين الخلق وإعطاء الخصائص والوظائف والهداية إلى أدائها. والمعنى لا يختلف إذا كان معنى «هدى»: هداه إلى ربه. فإنه هدي إلى ربه عند خلقه وكذلك آدم صور وأعطي خصائصه الإنسانية عند خلقه ... «وثم» .. للترقي في الرتبة، لا للتراخي في الزمن. وعلى آية حال فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم ﵇. وفي نشأة الجنس البشري، تؤكد أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي في تاريخ الإنسان كان ترقيا في

стр. 1795

«وجود» الإنسان. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان. كما تقول الداروينية. ووجود أطوار مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا- بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء- هو مجرد نظرية «ظنية» وليست «يقينية» لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها. على أنه- على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور- ليس هناك ما يمنع من وجود «أنواع» من الحيوان في أزمان متوالية بعضها أرقى من بعض بفعل الظروف السائدة في الأرض، ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة، ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة .. ولكن هذا لا «يحتم» أن يكون بعضها «متطورا» من بعض .. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا .. لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به- أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية- وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها- ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا .. وهذا يمكن تعليله كما قلنا .. أن الظروف السائدة في الأرض كانت تسمح بوجود هذا النوع. فلما تغيرت صارت صالحة لنشأة نوع آخر فنشأ. ومساعدة على انقراض النوع الذي كان عائشا من قبل في الظروف الأخرى فانقرض. وعندئذ تكون نشأة النوع الإنساني نشأة مستقلة، في الزمن الذي علم الله أن ظروف الأرض تسمح بالحياة والنمو والترقي لهذا النوع. وهذا ما تؤكده مجموعة النصوص القرآنية في نشأة البشرية. وتفرد «الإنسان» من الناحية البيولوجية والفسيولوجية والعقلية والروحية. هذا التفرد الذي اضطر الداروينيون المحدثون- وفيهم الملحدون بالله كلية- للاعتراف به، دليل مرجح على تفرد النشأة الإنسانية، وعدم تداخلها مع الأنواع في تطور عضوي) فصل: في حكمة إنظار إبليس: - لقد سأل إبليس النظرة قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ وقد أجيب إلى طلبه فما الحكمة في ذلك؟ في هذا الموضوع يقول صاحب الظلال: (لقد أجيب إبليس إلى ملتمسه. لأن مشيئة الله- سبحانه- اقتضت أن يترك

стр. 1796

الكائن البشري يشق طريقه؛ بما ركب في فطرته من استعداد للخير والشر؛ وبما وهبه من عقل مرجح، وبما أمده من التذكير والتحذير على أيدي الرسل؛ ومن الضبط والتقويم بهذا الدين، كما اقتضت أن يتلقى الهداية والغواية؛ وأن يصطرع في كيانه الخير والشر؛ وأن ينتهي إلى إحدى النهايتين، فتحق عليه سنة الله، وتتحقق مشيئته بالابتلاء، سواء اهتدى أو ضل، فعلى سنة الله الجارية وفق مشيئته الطليقة يتحقق الهدى أو الضلال) فصل: في تعقيبات على قصة آدم: مما عقب به صاحب الظلال على قصة آدم هذه القطوف التي ننقلها استكمالا لأخذ عبر هذه الفقرة من المقطع: إن الحقيقة الأولى التي نستلمها من قصة النشأة الإنسانية هي- كما قلنا من قبل- التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني، والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان والذي يجعل هذه النشأة قدرا مرسوما لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة. ... والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية: هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية؛ وضخامة دوره المنوط به؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها- في حدود عبوديته لله وحده- مما يتناقض تماما مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدد قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل بخصائصه الإنسانية المتميزة، أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقا في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه! .. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد لا تجعل من الإنسان «إلها» كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول، إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم. والحقيقة الثالثة: أن هذا الكائن- على كل تفرده هذا- أو بسبب تفرده هذا- ضعيف في بعض جوانب تكوينه، حتى ليمكن قيادته إلى الشر والارتكاس إلى الدرك الأسفل، من خطام شهواته .. وفي أولها ضعفه تجاه حب البقاء. وضعفه تجاه حب

стр. 1797

الملك .. وهو يكون في أشد حالات ضعفه وأدناها حين يبعد عن هدى الله، ويستسلم لهواه، أو يستسلم لعدوه العنيد الذي أخذ على عاتقه إغواءه، في جهد ناصب، لا يكل ولا يدع وسيلة من الوسائل!. وقد اقتضت رحمة الله به- من ثم- ألا يتركه لفطرته وحدها، ولا لعقله وحده وأن يرسل إليه الرسل للإنذار والتذكير- كما سيجئ في آية تالية في معرض التعقيب على القصة- وهذه هي صخرة النجاة بالنسبة له ... النجاة من شهواته بالتخلص من هواه والفرار إلى الله. والنجاة من عدوه الذي يخنس ويتوارى عند ذكره لربه، وتذكر رحمته وغضبه، وثوابه وعقابه .. وهذه كلها مقويات لإرادته، حتى يستعلي على ضعفه وشهواته .. وقد كان أول تدريب له في الجنة هو فرض «المحظور» عليه؛ لتقوية هذه الإرادة، وإبرازها في مواجهة الإغراء والضعف. وإذا كان قد فشل في التجربة الأولى، فقد كانت هذه التجربة رصيدا له فيما سيأتي. ... والحقيقة الرابعة: هي جدية المعركة مع الشيطان وأصالتها، واستمرارها وضراوتها. لقد بدا من سياق القصة إصرار هذا العدو العنيد على ملاحقة الإنسان في كل حالة، وعلى إتيانه من كل صوب وجهة، وعلى اتباعه في كل ساعة ولحظة: قالَ: فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ، وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ. لقد اختار اللعين أن يزاول هذا الكيد، وأن ينظر لمزاولته على المدى الطويل .. اختار هذا على أن يضرع إلى الله أن يغفر له خطيئته في معصيته عيانا وقد سمع أمره مواجهة! ثم بين أنه سيقعد لهم على طريق الله، لا يمكنهم من سلوكه وأنه سيأتيهم من كل جهة يصرفهم عن هداه. وهو إنما يأتيهم من ناحية نقط الضعف فيهم ومداخل الشهوة. ولا عاصم لهم منه إلا بالتقوي بالإيمان والذكر، والتقوي على إغوائه ووسوسته، والاستعلاء على الشهوات وإخضاع الهوى لهدى الله.». «وأخيرا فإن القصة والتعقيبات عليها- كما سيجئ- تشير إلى شئ مركوز في طبع الإنسان وفطرته. وهو الحياء من التعري وانكشاف سوأته:

стр. 1798

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ .. يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ. يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما. وكلها توحي بأهمية هذه المسألة، وعمقها في الفطرة البشرية. فاللباس وستر العورة زينة للإنسان وستر لعوراته الجسدية. كما أن التقوى لباس وستر لعوراته النفسية. والفطرة السليمة تنفر من انكشاف سوآتها الجسدية والنفسية، وتحرص على سترها ومواراتها .. والذين يحاولون تعرية الجسم من اللباس. وتعرية النفس من التقوى، ومن الحياء من الله ومن الناس، والذين يطلقون ألسنتهم وأقلامهم وأجهزة التوجيه والإعلام كلها لتأصيل هذه المحاولة- في شتى الصور والأساليب الشيطانية الخبيثة- هم الذين يريدون سلب «الإنسان» خصائص فطرته، وخصائص «إنسانيته» التي بها صار إنسانا. وهم الذين يريدون إسلام الإنسان لعدوه الشيطان وما يريده به من نزع لباسه وكشف سوآته! وهم الذين ينفذون المخططات الصهيونية الرهيبة لتدمير الإنسانية وإشاعة الانحلال فيها لتخضع لملك صهيون بلا مقاومة. وقد فقدت مقوماتها الإنسانية. إن العري فطرة حيوانية. ولا يميل الإنسان إليه إلا وهو يرتكس إلى مرتبة أدنى من مرتبة الإنسان. وإن رؤية العري جمالا هو انتكاس في الذوق البشري قطعا. والمتخلفون في أواسط إفريقية عراة. والإسلام حين يدخل بحضارته إلى هذه المناطق يكون أول مظاهر الحضارة اكتساء العراة، فأما في الجاهلية الحديثة «التقدمية» فهم يرتكسون إلى الوهدة التي ينتشل الإسلام المتخلفين منها، وينقلهم إلى مستوى «الحضارة» بمفهومها الإسلامي الذى يستهدف استنقاذ خصائص الإنسان وإبرازها وتقويتها. والعري النفسي من الحياء والتقوى- وهو ما تجتهد فيه الأصوات والأقلام وجميع أجهزة التوجيه والإعلام- هو النكسة والردة إلى الجاهلية. وليس هو التقدم والتحضر كما تريد هذه الأجهزة الشيطانية المدربة الموجهة أن توسوس).

стр. 1799

فوائد: ١ - قال النسفي تعليقا على ادعاء إبليس أنه خير من آدم: وقد أخطأ الخبيث: بل الطين أفضل لرزانته ووقاره ومنه الحلم والحياء والصبر، وذلك دعاه إلى التوبة والاستغفار، وفي النار الطيش والحدة والترفع، وذلك دعاه إلى الاستكبار. والتراب عدة الممالك، والنار عدة المهالك، والنار مظنة الخيانة والإفناء، والتراب مئنة الأمانة والإنماء. والطين يطفئ النار ويتلفها، والنار لا تتلفه، وهذه فضائل غفل عنها إبليس. حتى زل بفاسد من المقاييس. وقول نافي القياس: أول من قاس إبليس، قياس. على أن القياس عن مثبته مردود عند وجود النص: وقياس إبليس عناد للأمر المنصوص. وكان الجواب لما منعك أن يقول: منعني كذا. وإنما قال أنا خير منه، لأنه قد استأنف قصته وأخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم ﵇ وبعلة فضله عليه فعلم منها الجواب- كأنه قال: منعني من السجود فضلي عليه- وزيادة عليه وهي إنكار الأمر واستبعاد أن يكون مثله مأمورا بالسجود لمثله. إذ سجود الفاضل للمفضول خارج عن الصواب) في الزعم الإبليسي. ٢ - في صحيح مسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح «وخلقت الحور العين من الزعفران». ٣ - وفي إسناد صحيح إلى الحسن البصري قال: قاس إبليس وهو أول من قاس. وقال ابن سيرين «أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس» والإسناد إليه صحيح. والملاحظ أن قياس إبليس كان مع النص ولا قياس مع النص. ٤ - روى الإمام أحمد عن سبرة بن أبي فاكه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه، فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك قال: فعصاه وأسلم» قال: «وقعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك. وإنما المهاجر كمثل الفرس في الطول (أي الحبل)، فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد؛ وهو جهاد النفس والمال فقال: تقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال؟ قال: فعصاه وجاهد» قال رسول الله ﷺ . «فمن فعل ذلك منهم

стр. 1800

فمات كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابة كان حقا على الله أن يدخله الجنة». ٥ - لما كان الشيطان قد أقسم أن يتسلط على الإنسان من جهاته كلها، فقد ورد في الأحاديث الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من جهاته كلها فقد روى البزار بإسناد حسن عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يدعو: «اللهم إني أسالك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلى ومالي: اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك اللهم أن أغتال من تحتي». وروى الإمام أحمد وغيره بإسناد صححه الحاكم عن عبد الله ابن عمر قال: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي». قال وكيع: من تحتي يعني الخسف. ٦ - قال ابن كثير: وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم، ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات، والله أعلم بصحتها. ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم لذكرها الله تعالى في كتابه، أو رسوله ﷺ . ٧ - يروي المفسرون كلاما كثيرا عند قصة آدم وليس في الكثير منه حديث عن رسول الله ﷺ والمرجح أن أكثر الروايات هذه عن بني إسرائيل، ومرجع ذلك إلى التوراة، ونحن لا نستطيع اعتماد نقول التوراة الحالية لتأكدنا من وجهة النظر العلمية القطعية أن التوراة الحالية ليست هي التوراة التي أنزلها الله على موسى، بل حدث فيها تغيير وتبديل كثيران؛ إذ هي جمع روايات شعبية بعد عصور متطاولة، فإذا عرفنا هذا أدركنا أن كل نقل عن التوراة إنما هو للاستئناس فقط ولا نبني عليه شيئا، والتوراة الحالية تقص قصة آدم في سفر التكوين الإصحاح الثاني، والثالث، والرابع، والخامس، وفيها (فخاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر) وفيها أن آدم وحواء كانا عريانين في الأصل ولكنهما ما كانا يريان عوراتهما، فلما أكلا من الشجرة انفتحت أعينهما على أنهما عريانان (والرواية الصحيحة عن وهب بن منبه- وهو ممن أسلم من علماء أهل الكتاب- قال: كان لباس آدم وحواء نورا على فروجهما لا يرى هذا

стр. 1801

عورة هذه ولا هذه عورة هذا ... ) وتذكر التوراة أن الحية هي التي قامت بدور الموسوس وأثر هذا على كلام المفسرين المسلمين؛ فجعلوا للحية دورا في عملية الوسوسة، بأن دخل الشيطان بواسطتها إلى الجنة بعد أن أخرج منها، وكان على بابها في الأمر الأول بالخروج، وليس في تفصيل شئ من ذلك منفعة تعود على المخاطب، ولذلك لم يفصل الله بها ولا رسوله؛ فلا نقف كثيرا عند هذه القضايا، والتوراة الحالية في هذا القسم منها واضحة التناقض، فبينما تشعر في مكان منها بأن الجنة كانت على الأرض تقول في آخر القصة (فطرد الإنسان وأقام شرقي عدن (أي جنة عدن) الكروبيم (أي العرش) ولهيب سيف فتقلب لحراسة طريق شجرة الحياة، وهذا يقابل جعل السماء رجوما للشياطين) فبينما ترى هنا كلاما عن جنة فوقها عرش الرحمن، وبينها وبين سكان الأرض ما بينها، تجد ما يشعر بغير ذلك، في مكان آخر، وكما قلنا فليس في التوراة الحالية ما نأخذ منه إلا للاستئناس، وفيما يوافق الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو الكتاب والسنة، وقد لاحظنا أن كثيرا مما روي عن ابن عباس، وأبي بن كعب وغيرهما في هذا المقام، له أصل في التوراة ٨ - إن من أهم ما ينبغي أن نلاحظه في قصة آدم ﵇ أن المذنب لا يمر بدون نوع عقوبة، ولو رافقته توبة، ونسأل الله العفو والعافية وحسن الختام. ٩ - من المعلوم أن هناك صراعا عنيفا بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة حول خلق أفعال العباد، فالمعتزلة يزعمون أن العبد يخلق أفعاله، وأهل السنة يقولون بما قرره القرآن اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ* وبمناسبة قوله تعالى فَبِما أَغْوَيْتَنِي التي هي من حجج أهل السنة والجماعة، يروي النسفي قصة عن طاوس (أنه كان في المسجد الحرام فجاء رجل قدري. [أي لا يؤمن بالقدر» فقال طاوس: تقوم أو تقام؟ فقام الحرام فجاء رجل قدري- أي لا يؤمن بالقدر- فقال طاوس: تقوم أو تقام؟ فقام أغويتني. وهو يقول: أنا أغوي نفسي. ١٠ - عند ما أمر الله آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض تذكر التوراة في سفر التكوين الإصحاح الثالث أن الله قال: (وقال للمرأة تكثيرا أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادا، وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك، وقال لآدم، لأنك سمعت لقول امرأتك وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلا: لا تأكل منها، ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل كل أيام حياتك، وشوكا وحسكا تنبت لك وتأكل عشب

стр. 1802

الحقل بعرق وجهك، تأكل خبزا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنك تراب إلى تراب تعود). ١١ - الملاحظ أن إبليس لم ينكر صفات الله ولا وجوده، ومع ذلك فقد كفر، وفي هذا أكبر رد على من يتصور أن مجرد الإيمان بوجود الله يدخل صاحبه في عداد المسلمين المؤمنين، بل لا بد من الإيمان والتسليم وفي هذا يقول صاحب الظلال: (لقد جعل إبليس له رأيا مع النص. وجعل لنفسه حقا في أن يحكم نفسه وفق ما يرى هو من سبب وعلة مع وجود الأمر .. وحين يوجد النص القاطع والأمر الجازم ينقطع النظر. ويبطل التفكر وتتعين الطاعة، ويتحتم التنفيذ .. وهذا إبليس- لعنه الله- لم يكن ينقصه أن يعلم أن الله هو الخالق المالك الرازق المدبر، الذي لا يقع في هذا الوجود شئ إلا بإذنه وقدره .. ولكنه لم يطع الأمر كما صدر إليه ولم ينفذه .. بمنطق من عند نفسه: قالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ فكان الجزاء العاجل الذي تلقاه لتوه: قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ. إن علمه بالله لم ينفعه، واعتقاده بوجوده وصفاته لم ينفعه .. وكذلك كل من يتلقى أمر الله؛ ثم يجعل لنفسه نظرا في هذا الأمر يترتب عليه قبوله أو رفضه؛ وحاكمية في قضية قضى الله فيها من قبل، يرد بها قضاء الله في هذه القضية .. إنه الكفر إذن مع العلم ومع الاعتقاد. فإبليس لم يكن ينقصه العلم. ولم ينقصه الاعتقاد!). ١٢ - إن قصة آدم وردت في سورة البقرة كما رأينا، وترد هنا الآن مرة ثانية. وقصة بني إسرائيل وردت في سورة البقرة، وترد هنا مرة ثانية، ولكنهما تردان هنا ضمن السياق الخاص لسورة الأعراف، وبما يخدم هذا السياق، وهناك وردتا ضمن السياق الخاص لسورة البقرة بما يخدم ذلك، ومن ثم نفهم حكمة من حكم تكرار القصة القرآنية، إننا نلاحظ أن معاني من القصة ترد في مكان، ومعاني أخرى ترد في مكان. وقد تشترك المعاني أحيانا، وتفترق أحيانا وكل ذلك لتؤدي في سياقها الخاص والعام ما يخدم السورة التي هي فيها ضمن سياقها ومحلها ومكانها. فمثلا قصة آدم في سورة البقرة تخدم سياقها الخاص الذي هو سياق الأمر اعْبُدُوا فهي نموذج للانحراف عن الأمر، وما يترتب عليه، وكيف ينبغي أن يفعل الإنسان ليتخلص من مخالفته. أما قصة آدم في سورة الأعراف فهي تخدم موضوع الاتباع وما يترتب عليه، والكفر وما يترتب عليه.

стр. 1803

[الفقرة الثانية] ولننتقل إلى الفقرة الثانية في هذا المقطع وهي مجموعتان: المجموعة الأولى يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ أي يستر عوراتكم، وعبر بكلمة الإنزال لأن الماء وراء كل منتفع به، إما مباشرة وإما بالواسطة، ويدخل في ذلك اللباس، والماء من السماء أي من السحاب وَرِيشاً أي ولباس زينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته، والمعنى: أنزلنا عليكم لباسين، لباسا يواري سوءاتكم، ولباسا يزينكم وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ أي ولباس الورع الذي يقي العقاب هو خير ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ أي: إنزال اللباس من آيات الله الدالة على فضله ورحمته على عباده لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فيعرفوا عظيم النعمة فيه، وهذه الآية واردة عقيب ذكر بدو السوءات، وخصف الورق على آدم وحواء ﵉ إظهارا للنعمة فيما خلق من اللباس، ولما في العري من الفضيحة، وإشعار بأن التستر من التقوى، وتذكير بما أعطي آدم وبما سلب، لأنه عصى، حتى لا نقع في خداع الشيطان. يقول صاحب الظلال: «هذا النداء يجئ في ظل المشهد الذي سبق عرضه من القصة .. مشهد العري وتكشف السوءات والخصف من ورق الجنة .. لقد كان هذا ثمرة للخطيئة .. والخطيئة كانت في معصية أمر الله، وتناول المحظور الذي نهى عنه الله .. وليست هي الخطيئة التي تتحدث عنها أساطير (الكتاب المقدس!) والتي تعج بها التصورات الفنية الغربية المستقاة من تلك الأساطير ومن إيحاءات «فرويد» المسمومة .. لم تكن هي الأكل من «شجرة المعرفة» - كما تقول أساطير العهد القديم. وغيرة الله- من «الإنسان» وخوفه- تعالى عن وصفهم علوا كبيرا- من أن يأكل من شجرة الحياة أيضا فيصبح كواحد من الآلهة! كما تزعم تلك الأساطير. ولم تكن كذلك هي المباشرة الجنسية كما تطوف خيالات الفن الأوربي دائما حول مستنقع الوحل الجنسي، لتفسر به كل نشاط الحياة كما علمهم فرويد اليهودي! .. ). ويقول الألوسي: (قوله تعالى لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ «سوءاتكم» أي التي قصد إبليس- عليه اللعنة- إبداءها من أبويكم حتى اضطرا إلى خصف الأوراق وأنتم مستغنون عن ذلك. روى غير واحد أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عرايا ويقولون لا نطوف بثياب

стр. 1804

عصينا الله تعالى فيها فنزلت هذه الآية، وقيل: إنهم كانوا يطوفون كذلك تفاؤلا بالتعري عن الذنوب والآثام ولعل ذكر قصة آدم ﵇ حينئذ للإيذان بأن انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من قبل الشيطان وأنه أغواهم في ذلك كما فعل بأبويهم). كلمة في السياق: تتألف هذه المجموعة من أربعة نداءات تتوجه إلى بني آدم وهى كما قال صاحب الظلال (وقفة من وقفات التعقيب في سياق السورة، وهي وقفة طويلة بعد المشهد الأول في قصة البشرية الكبرى. وفي سياق السورة وقفات كهذه عند كل مرحلة. كأنما ليقال: قفوا هنا لتدبر ما في هذه المرحلة من عبرة قبل أن تمضوا قدما في الرحلة الكبرى. وهي وقفة في مواجهة المعركة التي بانت طلائعها بين الشيطان والبشرية وقفة للتحذير من أساليب الشيطان ومداخله؛ ولكشف خطته ما كان منها وما يكون متمثلا في صور وأشكال شتى .. ولكن المنهج القرآني لا يعرض توجيها إلا لمواجهة حالة قائمة؛ ولا يقص قصصا إلا لأن له موقعا في واقع الحركة الإسلامية .. إنه كما قلنا لا يعرض قصصا لمجرد المتاع الفني! ولا يقرر حقيقة لمجرد عرضها النظري .. إن واقعية الإسلام وجديته تجعلان توجيهاته وتقريراته، لمواجهة حالات واقعة بالفعل في مواجهة الحركة الإسلامية). فائدة: الملاحظ أن الآية ذكرت نعمة الله علينا باللباس الحسي، وذكرتنا بلباس التقوى، وهناك تلازم بين اللباسين يقول صاحب الظلال: (فهناك تلازم بين شرع الله اللباس لستر العورات والزينة، وبين التقوى .. كلاهما لباس. هذا يستر عورات القلب ويزينه. وذاك يستر عورات الجسم ويزينه. وهما متلازمان. فعن شعور التقوى لله، والحياء منه ينبثق الشعور باستقباح عري الجسد والحياء منه. ومن لا يستحي من الله ولا يتقيه لا يهمه أن يتعرى وأن يدعو إلى العري ... العري من الحياء والتقوى، والعري من اللباس وكشف السوأة. إن ستر الجسد حياء ليس مجرد اصطلاح وعرف بيئي- كما تزعم الأبواق المسلطة على حياء الناس وعفتهم لتدمير إنسانيتهم، وفق الخطة اليهودية البشعة التي تتضمنها مقررات حكماء صهيون- إنما هي فطرة خلقها الله في الإنسان؛ ثم هي شريعة أنزلها الله للبشر؛ وأقدرهم على تنفيذها بما سخر لهم في الأرض من مقدرات وأرزاق.

стр. 1805

وبعد النداء الأول الذي جاء تعقيبا على قصة آدم ﵊ يأتي النداء الثاني: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أي لا يخدعنكم ولا يضلنكم بألا تدخلوا الجنة، كما فتن أبويكم بأن أخرجهما منها، والمعنى: يا بني آدم لا تتبعوا الشيطان فيفتنكم. يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما أي: أخرجهما نازعا عنهما لباسهما بأن كان سببا في أن نزع عنهما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما أي عوراتهم إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ أي إنه يراكم هو وذريته، أو هو وجنوده من حيث لا ترونهم، هذا تعليل للنهي وتحذير من فتنته، بأنه بمنزلة العدو المداجي، يكيدكم من حيث لا تشعرون. قال ذو النون: إن كان هو يراك من حيث لا تراه؛ فاستعن بمن يراه من حيث لا يراه، وهو الله الكريم الستار، الرحيم الغفار إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ أي نصراء وموجهين، ومربين ومتسلطين على الكافرين، وقد نجح الشيطان- عليه اللعنة- بأن جعل أكثر أهل الأرض يخلعون اللباسين: اللباس الحسي، والمعنوي؛ حتى أصبح الظهور بالعري الكامل غير مستنكر، ولا مستفظع، ولا مستغرب، في كثير من أنحاء العالم، وتعليقا على هذه الآية يقول صاحب الظلال: (إنه النداء الثاني لبني آدم، في وقفة التعقيب على قصة أبويهم، وما جرى لهما مع الشيطان؛ وعلى مشهد العري الذي أوقفهما فيه عدوهما بسبب نسيانهما أمر ربهما والاستماع إلى وسوسة عدوهما. وهذا النداء يصبح مفهوما بما قدمناه من الحديث عن تقاليد الجاهلية العربية في حكاية العري عند الطواف بالبيت. وزعمهم أن ما وجدوا عليه آباءهم هو من أمر الله وشرعه لقد كان النداء الأول تذكيرا لبني آدم بذلك المشهد الذى عاناه أبواهم، وبنعمة الله في إنزال اللباس الذي يستر العورة، والرياش الذى يتجمل به .. أما هذا النداء الثاني فهو التحذير لبني آدم عامة، وللمشركين، فيما يتخذونه لأنفسهم من مناهج وشرائع وتقاليد؛ فيسلمهم إلى الفتنة- كما فعل مع أبويهم من قبل، إذ أخرجهما من الجنة، ونزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما- فالعري والتكشف الذي يزاولونه- والذي هو طابع كل جاهلية قديما وحديثا- هو عمل من أعمال الفتنة الشيطانية، وتنفيذ لخطة عدوهم العنيدة في إغواء آدم وبنيه؛ وهو طرف من المعركة التي لا تهدأ بين الإنسان وعدوه. فلا يدع بنو آدم لعدوهم أن يفتنهم؛ وأن ينتصر في هذه المعركة، وأن يملأ منهم جهنم في نهاية المطاف)

стр. 1806

وعند قوله تعالى في الآية إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ يذكر الألوسي تحقيقا حول إمكانية رؤية الجن فيقول: (والقضية مطلقة لا دائمة، فلا تدل على ما ذهب إليه المعتزلة من أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس أصلا ولا يتمثلون. ويشهد لما قلنا ما صح من رؤية النبي ﷺ لمقدمهم حين رام أن يشغله ﵊ عن صلاته، فأمكنه الله تعالى منه، وأراد أن يربطه إلى سارية من سواري المسجد يلعب به صبيان المدينة، فذكر دعوة سليمان ﵇ فتركه. ورؤية ابن مسعود لجن نصيبين. وما نقل عن الشافعي رضي الله تعالى عنه من أن من زعم أنه رآهم ردت شهادته وعزر لمخالفته القرآن، محمول- كما قال البعض- على زاعم رؤية صورهم التي خلقوا عليها؛ إذ رؤيتهم بعد التشكل الذي أقدرهم الله تعالى عليه مذهب أهل السنة، وهو رضي الله تعالى عنه من ساداتهم. وما نوزع به القول بقدرتهم على التشكل من استلزامه رفع الثقة بشيء فإن من رأى ولو ولده يحتمل أنه رأى جنيا تشكل به مردود بأن الله تعالى تكفل لهذه الأمة بعصمتها عن أن يقع فيها ما يؤدي لمثل ذلك المترتب عليه من الريبة في الدين، ورفع الثقة بعالم وغيره فاستحال شرعا الاستلزام المذكور» «وعندي أنه لا مانع من رؤيته ﷺ للجن على صورهم التي خلقوا عليها؛ فقد رأى جبريل ﵇ بصورته الأصلية مرتين، وليست رؤيتهم بأبعد من رؤية الجن. وأما رؤية الأولياء بل سائر الناس لهم متشكلين فكتب القوم مشحونة بها، ودفاتر المؤرخين والقصاص ملأى منها [أقول: وقد ثبتت رؤيتهم متشكلين رؤيتهم لأكثر من صحابي]. وعلى هذا لا يفسق مدعي رؤيتهم في صورهم الأصلية إذا كان مظنة للكرامة، وليس في الآية أكثر من نفي رؤيتهم كذلك بحسب العادة، ومن هذا يعلم أن القول بكفر مدعي الرؤية خارج عن الإنصاف فتدبر). هـ كلام الألوسي ولنعد إلى التفسير: بعد الآيتين اللتين نادتا بني آدم في شأن اللباس الحسي والمعنوي: لباس الجسد، ولباس التقوى، يبين الله كيف أن المنحرفين عن أمره ينحرفون ويبررون لانحرافاتهم بأنواع من التبريرات، كلها خاطئ وظالم فقال: وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً الفاحشة: ما يبالغ في قبحه من الذنوب كالطواف بالبيت عراة فعل أهل الجاهلية، وكالشرك والزنى ومن السياق نعرف أن ترك الستر فاحشة قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا

стр. 1807

وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها أي إذا فعلوا الفاحشة اعتذروا بأن آباءهم كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم، وبأن الله أمرهم بأن يفعلوها حيث أقرنا عليها؛ إذ لو كرهها لنقلنا عنها، وهما باطلان لأن أحدهما تقليد للجهال، والثاني افتراء على ذي الجلال قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ إذ المأمور به لا بد أن يكون حسنا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ هذا استفهام يفيد الإنكار والتوبيخ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ أي بالعدل وبما هو حسن عند كل عاقل فكيف يأمر بالفحشاء وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي وقل أقيموا وجوهكم عند كل مسجد أي اقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها في كل وقت سجود أو في كل مكان سجود وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي واعبدوه مخلصين له الطاعة مبتغين بها وجهه خالصا كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ أي كما أنشاكم ابتداء يعيدكم. احتج عليهم في إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق، والمعنى: أنه يعيدكم فيجازيكم عن أعمالكم فأخلصوا له العبادة فَرِيقاً هَدى وهم المسلمون وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ وهم الكافرون إِنَّهُمُ أي الفريق الذي حق عليهم الضلالة اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي أنصارا فهذا سبب ضلالهم وإضلالهم وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ وهذا حال كل كافر يكون على غاية الضلال ويظن أنه على غاية الهدى، ومنتهى الصواب، وعلى الذروة فى رجاحة العقل، وحسن التصرف، وغير ذلك مما يمليه الغرور فى ادعاء ألقاب وأوصاف، وإنما هي الضلال والضياع والعمى. كلمة في السياق: بعد أن بين الله ما يبرر به الكافرون لأنفسهم ارتكابهم الفواحش، ورد عليهم، وكان من جملة الرد ما بينه في وصفه لنوعية أوامره من كونها من نوع القسط والعبادة والإخلاص والدعاء وكان من جملة ما يأمر به وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ بعد هذا كله يأتي النداء الثالث في المجموعة: آمرا بأخذ الزينة عند كل مسجد، وناهيا عن الإسراف في الطعام والشراب، فإذا كان ستر العورة مطلوبا خارج المسجد وخارج الصلاة. فمن باب أولى أن يكون مطلوبا في المسجد، وفي الصلاة، وإذا كان الطعام هو الذي جر أبانا إلى المعصية فعلينا ألا نسرف في الطعام والشراب؛ لأن الإسراف نفسه معصية، ويجر إلى المعاصي كذلك، وهكذا يأتي الأمر الثالث بعد أن سبق بكثير من الموطئات التي توصل إليه: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِ

стр. 1808

مَسْجِدٍ أي خذوا لباس زينتكم كلما صليتم، وأقل ذلك ستر العورة، والسنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئاته للصلاة؛ لأن الصلاة مناجاة الرب فيستحب لها التزين والتعطر كما يجب التستر والتطهر قال الألوسي في تفسير قوله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ: أي طواف أو صلاة، وإلى ذلك ذهب مجاهد. وأبو الشيخ وغيرهما، وسبب النزول على ما روي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أنه كان أناس من الأعراب، يطوفون بالبيت عراة، حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة، فتعلق على سفلها سيورا مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر من الذباب وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله فأنزل الله تعالى هذه الآية، وحمل بعضهم الزينة على لباس التجمل لأنه المتبادر منه ونسب للباقر- رضي الله تعالى عنه- وروي عن الحسن السبط- رضي الله تعالى عنه- أنه كان إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه فقيل له: يا ابن رسول الله ﷺ لم تلبس أجود ثيابك؟ فقال: إن الله تعالى جميل يحب الجمال، فأتجمل لربي وهو يقول: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فأحب أن ألبس أجمل ثيابي، ولا يخفى أن الأمر حينئذ لا يحمل على الوجوب لظهور أن هذا التزين مسنون لا واجب. «وأخرج ابن عساكر وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال في قوله سبحانه: خُذُوا زِينَتَكُمْ الخ «صلوا في نعالكم». أقول: تسن الصلاة في النعال إذا كانت طاهرة، ولم يكن مكان الصلاة مفروشا، ولقد غلا ناس في هذا الشأن سلبا أو إيجابا، فلم يراع بعضهم ضرورة أن يكون المسجد نظيفا، ولم يراع بعضهم تغير الزمان، وتغير حال المساجد، وغاب عن بعضهم السنة حيث ينبغي تطبيقها. ثم قال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا أي بالشروع في الحرام، أو مجاوزة الشبع، أو بتحريم الحلال إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ المتجاوزين ما أحل الله إلى ما حرم قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ أي من الثياب وكل ما يتجمل به، وفي الاستفهام إنكار على محرم الحلال الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ أي سخرها لهم بخلق أصلها كالقطن من الأرض والقز من الدود وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ أي والمستلذات من المآكل والمشارب قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا غير خالصة لهم لأن المشركين شركاؤهم فيها خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يشركهم فيها أحد، وقد نبه الله

стр. 1809

تعالى بهذا أن طيبات الحياة الدنيا خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة، والكفار لهم تبع كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ ليتميز الحلال من الحرام لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أنه لا شريك له قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ أي ما تفاحش قبحه أي تزايد ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ أي سرها وعلانيتها وَالْإِثْمَ أي الذنب وهو المخالفة لأمر الله وَالْبَغْيَ أي الظلم والكبر بِغَيْرِ الْحَقِّ أما رد البغي بمثله فهو وإن كان- لولا الابتداء من الظالم بغيا- فإنه مأذون فيه شرعا وَأَنْ تُشْرِكُوا أي وحرم الشرك بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً والله لا ينزل برهانا أبدا على أن يشرك به غيره، ولكنه رد لزعمهم أنهم أشركوا بأمر الله وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي وحرم عليكم أن تتقولوا على الله بوصفه بغير صفاته، وأن تفتروا الكذب عليه بتحريم ما أحل، أو تحليل ما حرم وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ أي وقت معين يأتيهم فيه عذاب الاستئصال إن لم يؤمنوا، وهو وعيد لمن يرفض هذا الدين بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ذكر الساعة في هذا المقام لأنها أقل ما يستعمل في الإمهال والمعنى لا يمهلون لحظة واحدة. تعليقات: رأينا أنه يدخل في أخذ المسلم زينته عند كل مسجد أن يصلي ويطوف وهو ساتر عورته وهذا شئ اعترضت عليه الجاهلية وتعليقا على ذلك يقول صاحب الظلال: «ومن عجيب ما روي من حال المشركين الذين خوطبوا بهذه الآيات أول مرة؛ ووجه إليهم هذا الاستنكار الوراد في قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ ... ما رواه الكلبي قال: «لما لبس المسلمون الثياب، وطافوا بالبيت عيرهم المشركون بها. فنزلت الآية .. » فانظر كيف تصنع الجاهلية بأهلها! ناس يطوفون ببيت الله عرايا؛ فسدت فطرتهم وانحرفت عن الفطرة السليمة التي يحكيها القرآن الكريم عن آدم وحواء في الجنة: فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ .. فإذا رأوا المسلمين يطوفون بالبيت مكسوين، في زينة الله التي أنعم بها على البشر، لإرادته بهم الكرامة والستر؛ ولتنمو فيهم خصائص فطرتهم الإنسانية في سلامتها وجمالها الفطري؛ وليتميزوا عن العري الحيواني .. الجسمي والنفسي .. إذا رأوا المسلمين يطوفون ببيت الله في زينة الله وفق فطرة الله «عيروهم».

стр. 1810

إنه هكذا تصنع الجاهلية بالناس .. هكذا تمسخ فطرهم وأذواقهم وتصوراتهم وقيمهم وموازينهم وماذا تصنع الجاهلية الحاضرة بالناس في هذا الأمر غير الذي فعلته بالناس في جاهلية المشركين العرب؟ وجاهلية المشركين الإغريق؟ وجاهلية المشركين الرومان؟ وجاهلية المشركين الفرس؟ وجاهلية المشركين في كل زمان وكل مكان؟ ماذا تصنع الجاهلية الحاضرة بالناس إلا أن تعريهم من اللباس، وتعريهم من التقوى والحياء؟ ثم تدعو هذا رقيا وحضارة وتجديدا؛ ثم تعير الكاسيات من الحرائر العفيفات المسلمات، بأنهن «رجعيات» «تقليديات». «ريفيات». المسخ هو المسخ. والانتكاس عن الفطرة هو الانتكاس. وانقلاب الموازين هو انقلاب الموازين. والتبجح بعد ذلك هو التبجح أَتَواصَوْا بِهِ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ!. وما الفرق كذلك في علاقة هذا العري، وهذا الانتكاس، وهذه البهيمية وهذا التبجح، بالشرك، وبالأرباب التي تشرع للناس من دون الله؟ لئن كان مشركو العرب قد تلقوا في شأن ذاك التعري من الأرباب الأرضية التي كانت تستغل جهالتهم وتستخف بعقولهم لضمان السيادة لها في الجزيرة .. ومثلهم بقية الجاهليات القديمة التي تلقت من الكهنة والسدنة والرؤساء ... فإن مشركي اليوم ومشركاته يتلقون في هذا عن الأرباب الأرضية كذلك .. ولا يملكون لأمرهم ردا .. إن بيوت الأزياء ومصمميها، وأساتذة التجميل ودكاكينها، لهي الأرباب التي تكمن وراء هذا الخبل الذي لا تفيق منه نساء الجاهلية الحاضرة ولا رجالها كذلك! إن هذه الأرباب تصدر أوامرها، فتطيعها القطعان والبهائم العارية في أرجاء الأرض طاعة مزرية. وسواء كان الزي الجديد لهذا العام يناسب قوام أية امرأة أو لا يناسبه، وسواء كانت مراسم التجميل تصلح لها أو لا تصلح، فهي تطيع صاغرة .. تطيع تلك الأرباب. وإلا «عيرت» من بقية البهائم المغلوبة على أمرها. ومن ذا الذي يقبع وراء بيوت الأزياء؟ ووراء دكاكين التجميل؟ ووراء سعار العري والتكشف؟ ووراء الأفلام والصور والروايات والقصص، والمجلات والصحف، التي تقود هذه الحملة المسعورة .. وبعضها يبلغ في هذا إلى حد أن تصبح المجلة أو القصة ماخورا متنقلا للدعارة؟!. من الذي يقبع وراء هذا كله؟. الذي يقبع وراء هذه الأجهزة كلها، في العالم كله .. يهود .. يهود يقومون

стр. 1811

بخصائص الربوبية على البهائم المغلوبة على أمرها، ويبلغون أهدافهم كلها من إطلاق هذه الموجات المسعورة في كل مكان .. أهدافهم من تلهية العالم كله بهذا السعار؛ وإشاعة الانحلال النفسي والخلقي من ورائه، وإفساد الفطرة البشرية، وجعلها ألعوبة في أيدي مصممي الأزياء والتجميل! ثم تحقيق الأهداف الاقتصادية من وراء الإسراف في استهلاك الأقمشة وأدوات الزينة والتجميل وسائر الصناعات الكثيرة التي تقوم على هذا السعار وتغذيه. إن قضية اللباس والأزياء ليست منفصلة عن شرع الله ومنهجه للحياة. ومن ثم ذلك الربط بينها وبين قضية الإيمان والشرك في السياق. إنها ترتبط بالعقيدة والشريعة بأسباب شتى: إنها تتعلق- قبل كل شئ- بالربوبية، وتحديد الجهة التي تشرع للناس في هذه الأمور، ذات التأثير العميق في الأخلاق والاقتصاد وشتى جوانب الحياة. كذلك تتعلق بإبراز خصائص «الإنسان» في الجنس البشري، وتغليب الطابع «الإنساني» في هذا الجنس على الطابع الحيواني. والجاهلية تمسخ التصورات والأذواق والقيم والأخلاق، وتجعل العري- الحيواني- تقدما ورقيا. والستر- الإنساني- تأخرا ورجعية! وليس بعد ذلك مسخ لفطرة الإنسان وخصائص الإنسان. وبعد ذلك عندنا جاهليون يقولون: ما للدين والزي؟ ما للدين وملابس النساء؟ وما للدين والتجميل؟ .. إنه المسخ الذي يصيب الناس في الجاهلية في كل زمان وكل مكان!!! ولأن هذه القضية التي تبدو فرعية، لها هذه الأهمية في ميزان الله وفي حساب الإسلام، لارتباطها أولا بقضية التوحيد والشرك، ولارتباطها ثانيا بصلاح فطرة الإنسان وخلقه ومجتمعه وحياته، أو بفساد هذا كله .. فإن السياق يعقب عليها بإيقاع قوي مؤثر، يوقع به عادة في مواقف العقيدة الكبيرة .. إنه يعقب بتنبيه بني آدم، إلى أن بقاءهم في هذه الأرض محدود مرسوم؛ وأنه إذا جاء الأجل فلا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ إنها حقيقة أساسية من حقائق هذه العقيدة، يوقع بها السياق على أوتار القلوب الغافلة، غير الذاكرة ولا الشاكرة، لتستيقظ فلا يغرها امتداد الحياة.

стр. 1812

والأجل المضروب إما أجل كل جيل من الناس بالموت المعروف الذي يقطع الحياة. وإما أجل كل أمة من الأمم بمعنى الأمد المقدر لقوتها في الأرض واستخلافها .. وسواء هذا أو ذاك فإنه مرسوم لا يتقدمون عنه ولا يستأخرون». أقول: إن التذكير بنهايات الأمم فى سياق النهي عن الإسراف، وفي سياق ذكر المحرمات واضح الصلة، فالأمم التي تبطر وتنحرف عن أمر الله بارتكاب الفواحش والآثام تغفل عن مصيرها، فجاءت الآية الأخيرة في هذا السياق تذكر بالمصير. *** وقد لاحظ صاحب الظلال من خلال الآيات التي مرت هنا من سورة الأعراف أن هناك تشابها وتكاملا بين سورتي الأعراف والأنعام فسجله بقوله: (وقبل أن نترك هذه الجولة نسجل ما لاحظناه من التشابه العجيب في مراجعة المنهج القرآني للجاهلية في شأن الذبائح والنذور والتحليل فيها والتحريم- في سورة الأنعام- ومواجهته للجاهلية- هنا في شأن اللباس والطعام .. ففي شأن الذبائح والنذور في الأنعام والثمار، بدأ أولا بالحديث عما تزاوله الجاهلية فعلا من هذه التقاليد؛ وعما تزعمه- افتراء على الله- من أن هذا الذي تزاوله من شرع الله. ثم طلب إليهم الدليل الذي يستندون إليه في أن الله حرم هذا الذي يحرمونه، وأحل هذا الذي يحلونه أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .. ثم واجه هروبهم من هذه المواجهة بإحالة الأمر إلى قدر الله وإلى أمره لهم بهذا الشرك الممثل في مزاولة الحاكمية وهي من خصائص الألوهية: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ! كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا. قُلْ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ: قُلْ: فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ. قُلْ: هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ حتى إذا انتهى من تفنيد هذا الباطل الذي يدعونه ويفترونه، قال لهم: تعالوا لأبين لكم حقيقة ما حرم الله عليكم وحقيقة ما أمركم به: عن المصدر الصحيح الوحيد المعتمد في هذا الشأن؛ والذي لا يجوز الأخذ عن غيره: قُلْ: تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً .. الخ ..

стр. 1813

وهنا كذلك سار على نفس النسق، وعلى ذات الخطوات .. ذكر ما هم عليه من فاحشة العري ومن الشرك في مزاولة الحاكمية في التحريم والتحليل في اللباس والطعام. وحذرهم ما هم عليه من الفاحشة والشرك، وذكرهم مأساة العري التي واجهها أبواهما في الجنة بفعل الشيطان وكيده؛ ونعمة الله عليهم في إنزال اللباس والرياش .. ثم استنكر دعواهم أن ما يزاولونه من التحريم والتحليل هو من شرع الله وأوامره: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ. قُلْ: هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا. خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ مشيرا هنا إلى العلم اليقيني لا الظن والخرص الذي يبنون عليه دينهم وشعائرهم وعباداتهم وشرائعهم .. حتى إذا أبطل دعواهم فيما يزاولون عاد ليقرر لهم ما حرمه ربهم عليهم فعلا: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ- ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ- وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ .. كما أنه قد بين لهم من قبل حقيقة ما أمر الله به في شأن اللباس والطعام- لا ما يدعونه هم وينسبونه إلى الله: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ وفي كلتا المواجهتين علق القضية كلها بقضية الإيمان والشرك. لأنها في صميمها هي قضية الحاكمية، ومن الذي يزاولها في حياة البشر. وقضية عبودية الناس ولمن تكون! ذات القضية وذات المنهج في مواجهتها. وذات الخطوات. وصدق الله العظيم: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً وهذه الوحدة في المنهج تبدو أهميتها ويزداد بروزها حين نذكر طبيعة سورة الأنعام وطبيعة سورة الأعراف والمجالين المختلفين اللذين تعالجان فيهما قضية العقيدة .. فإن اختلاف المجال لم يمنع وحدة المنهج في مواجهة الجاهلية في القضايا الأساسية .. وسبحان منزل هذا القرآن .. كلمة فى السياق: مرت معنا في المجموعة ثلاثة نداءات موجهة لبني آدم واستقر النداء الأخير على قوله تعالى وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فالأمم كلها ستنتهي وترجع إلى الله. ومن ثم يأتي النداء الرابع لبني آدم وهو يواجههم بحجة الله عليهم أنه أرسل لهم رسلا فلم تبق لهم حجة ألا يستقيموا وألا يتقوا، والصلة بين النداء الرابع وبين ما سبقه في المجموعة، وبين ما سبقه في السورة كلها واضحة وسنتحدث عنها فيما بعد:

стр. 1814

فإلى النداء الرابع: يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي أي يقرءون عليكم كتبي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ أي فمن اتقى الشر منكم وأصلح العمل فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلونه وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوه، أو لا خوف عليهم أصلا لأن الله يرعاهم في شأنهم كله، ولا هم يحزنون لأنهم متوكلون على الله في كل شئونهم وَالَّذِينَ كَذَّبُوا أي منكم يا بني آدم بِآياتِنا أي بوحينا وكتبنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أي تعظموا عن الإيمان بها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أي ماكثون فيها أبدا وبهذا تنتهي المجموعة الأولى من الفقرة الثانية من المقطع وقد انتهت بالمعنى الذى تدور حوله السورة كلها وهو محور السورة في سورة البقرة. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ نذكر هذين الحديثين أ- روى الإمام أحمد عن أبي العلاء الشامي قال: لبس أبو أمامة ثوبا جديدا، فلما بلغ ترقوته قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم قال سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ «من استجد ثوبا فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به كان في ذمة الله، وفي جوار الله، وفي كنف الله حيا وميتا» ورواه أيضا الترمذي وابن ماجه. ب- وروى الإمام أحمد أيضا ... عن أبي مطر أنه رأى عليا ﵁ أتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم ولبسه، ما بين الرسغين إلى الكعبين يقول حين لبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي. فقيل: هذا شئ ترويه عن نفسك أو عن النبي ﷺ ؟ قال: هذا شئ سمعته من رسول الله ﷺ يقول عند الكسوة: «الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي» ٢ - وبمناسبة قوله تعالى وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ قال ابن كثير: (قال

стр. 1815

مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا، فتضع المرأة على قبلها النسعة (١) أو الشئ فتقول: اليوم يبدو كله أو بعضه وما بدا منه فلا أحله فأنزل الله وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها الآية، قلت القائل ابن كثير-: كانت العرب ما عدا قريشا لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش- وهم الحمس- يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسي ثوبا طاف فيه: ومن معه ثوب جديد طاف فيه، ثم يلقيه فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوبا جديدا ولا أعاره أحمسي ثوبا طاف عريانا، وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر فتقول: اليوم يبدو كله أو بعضه وما بدا منه فلا أحله. وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل، وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من شرع الله، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال: وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها. ٣ - وبمناسبة قوله تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ روى ابن جرير عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: «يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا، كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين» وهذا الحديث مخرج في الصحيحين. ٤ - هناك اتجاه في فهم قوله تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ هذا الاتجاه يفسره قولهم: بدأ خلقكم كفارا ومؤمنين وسيبعثكم كفارا ومؤمنين، وبعد أن ذكر ابن كثير بعض الأحاديث منها: «يبعث كل نفس على ما كانت عليه» رواه مسلم وابن ماجة ولفظه «يبعث كل عبد على ما مات عليه» قال: ولا بد من الجمع بين هذا القول إن كان هو المراد وبين قوله تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها وما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله

стр. 1816

تعالى: «إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم» الحديث ووجه الجمع على هذا: أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده، والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك وجعله في غرائزهم وفطرهم، ومع هذا قدر أن منهم شقيا ومنهم سعيدا وهو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن وفي الحديث: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها». وفدر الله نافذ في بريته، فإنه هو الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى وفي الصحيحين، «فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة». ولهذا قال تعالى: فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ثم علل ذلك فقال: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية قال ابن جرير: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها، أو ضلالة له اعتقدها إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيرتكبها عنادا منه لربه، لأنه لو كان كذلك لم تكن بين فريق الضلالة الذى ضل وهو يحسب أنه مهتد أو فريق الهدى فرق، وقد فرق الله تعالى بين أسمائها وأحكامها في هذه الآية) أقول إننا نرجح الاتجاه الأول في التفسير لأنه الأقرب إلى الفهم الفطري البادي وتدل عليه النصوص. ٥ - وفي سبب نزول قوله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ روى مسلم والنسائي وابن جرير واللفظ له عن ابن عباس قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء، الرجال بالنهار والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله فقال الله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وقال العوفي عن ابن عباس في قوله خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ الآية، قال: كان الرجال يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة. هذا فعل الجاهلية القديمة، ربطوا بين العري والعبادة، وفعل الجاهلية الحديثة عري وكفر، وبعد عن كل عبادة. فالحمد الذي جعلنا مسلمين متجملين بالستر، ومن آداب المسلم في صلاته ما ورد في معناها من السنة: يستحب عند الصلاة- ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد- الطيب لأنه من الزينة، والسواك لأنه من تمام ذلك. ومن أفضل اللباس البياض، كما روى الإمام أحمد في حديث جيد الإسناد ... عن ابن عباس مرفوعا قال. قال رسول الله ﷺ : «البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير

стр. 1817

ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر» ورواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح. وللإمام أحمد أيضا وأهل السنن بإسناد جيد عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بثياب البياض فالبسوها فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم». وروى الطبراني بسند صحيح عن قتادة عن محمد بن سيرين: أن تميما الداري اشترى رداء بألف، وكان يصلى فيه، والحد المفروض من ستر العورة في العبادة هو ستر ما بين السرة والركبة، على خلاف في السرة والركبة هل هما عورة؟ وعلى خلاف هل يجب فوق ذلك أولا في الأحوال غير الاستثنائية؟ ٦ - وبمناسبة قوله تعالى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا قال بعض السلف: جمع الله الطب. كله في نصف آية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا وروى البخاري .. عن ابن عباس أنه قال: وكل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة. وروى ابن جرير بإسناد صحيح ... عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشراب ما لم يكن سرفا أو مخيلة. وروى الإمام أحمد ... عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «كلوا واشربوا والبسوا، وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» ورواه النسائي وابن ماجه أيضا. وروى الإمام أحمد. عن المقدام بن معد يكرب الكندي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان فاعلا لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». ورواه النسائي والترمذي قال: حسن صحيح. وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده ... عن أنس بن مالك قال: رسول الله ﷺ : «إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت» ورواه الدارقطني في الأفراد وقال: هذا حديث غريب تفرد به بقية. ولا شك أن مراعاة عدم الإسراف في الطعام والشراب عامل رئيسي في الصحة، وقليلا من يراعي ذلك لغموض موضوع السرف، ولكونه نسبيا، ولا شك أن ما فوق الشبع سرف. وبمناسبة هذه الآية قال النسفي: (وكان للرشيد طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسن بن واقد: ليس في كتابكم في علم الطب شئ، والعلم علمان: علم الأبدان، وعلم الأديان؟ فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه، وهو قوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا. فقال النصراني: ولم يرو عن رسولكم شئ في

стр. 1818

الطب فقال: قد جمع رسولنا الطب في ألفاظ يسيرة وهي قوله ﵇: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء. وأعط كل بدن ما عودته» فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا) وقد خص بعض المؤلفين الطب النبوي بالتأليف والجمع هذا مع ملاحظة أن الرسالة لم تأت لتفصل في مثل هذه القضايا ويكفي أنها وجهت للتداوي وفرضت صناعة الأدوية، والحديث الذي ذكره النسفي لا يصح رفعه إلى رسول الله ﷺ بل هو من كلام بعض الحكماء. ٧ - وبمناسبة قوله تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ نذكر ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «لا أحد أغير من الله، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله» أخرجاه في الصحيحين. كلمة في سياق المجموعة: هذه المجموعة تحدثت عن مجمل ما ينبغي أن يلاحظه بنو آدم بعد إذ أهبطهم الله إلى الأرض، ففيها خلاصة الهدى الذي يطالب به بنو آدم في كل عصر وفي كل مصر، وعلى لسان كل رسول. والمجموعة كما بينت هذا فإنها بينت ما رتب الله على الطاعة والمعصية في هذه التوجيهات، فهي بهذا بينت عاقبة ترك الهدى، كما بينت حسن اتباعه. والمجموعة كلها تكاد تكون تعقيبا على قصة آدم ﵇ فإذا اتضح هذا فلنلاحظ. ١ - أن المجموعة ختمت بقوله تعالى: فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وهى المعاني نفسها التي ختمت بها قصة آدم فى سورة البقرة فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ... وهذا يؤكد أن محور سورة الأعراف هو ما ذكرنا من سورة البقرة. ٢ - نلاحظ أن مقدمة السورة ختمت بقوله تعالى وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ لاحظ كلمة الظلم، ثم جاءت قصة آدم وورد فيها فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا لاحظ كذلك

стр. 1819

الاشتقاق من كلمة الظلم، ثم جاءت المجموعة الأولى من فقرة نداءات بني آدم، والآن تأتي المجموعة الثانية وتبدأ بقوله تعالى فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ .. مما يشير إلى تلاحم مقدمة السورة مع المقطع الأول فيها، وهذا يؤكد أن مقدمة السورة مع المقطع الأول فيها يشكلان قسما واحدا، ولنا عودة على هذا الموضوع ٣ - نلاحظ أن الفقرة الأولى في المقطع والتي تحدثت عن قصة آدم قد ذكرت قصة الخروج من الجنة، ثم جاءت المجموعة الأولى: فذكرت بني آدم في أرضهم، وذكرتهم بمصير الأمم على الأرض، وذكرتهم بعاقبة الأمر وأنه جنة أو نار. ثم تأتي الآن المجموعة الثانية من الفقرة الثانية: وفيها أطول عرض لمشهد من مشاهد الآخرة، ابتداء من الموت الذي هو بداية الرجعة إلى ما بعد ذلك، الفقرة الأولى في المقطع فيها قصة الخروج، والفقرة الثانية فيها قصة الرحلة وقصة العودة، يقول صاحب الظلال: (وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة- يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة- وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة .. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق) ٤ - وإذن تأتي المجموعة الثانية من الفقرة الثانية وفيها قصة العودة والحساب والعقاب والجزاء، وقد سبقت مباشرة بقوله تعالى: فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها وتأتي الآية الأولى منها فتذكر أن أظلم الظالمين من افترى على أن الله كذبا أو كذب بآياته. ثم تستمر المجموعة فتذكر مشهد الوفاة وماذا يجري لأرواح الكفار: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ ثم مآلهم بعد ذلك إلى النار. كما تذكر مآل أهل الإيمان، ثم تتحدث عما يجري بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وعن حال أهل الأعراف، وتذكر ما يكون من حوار، وخلال ذلك نرى قوله تعالى فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً .... لاحظ كلمة الظالمين، ونرى قوله تعالى على لسان أهل الأعراف رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ إن صلة ذلك بالآية الأولى من المجموعة فَمَنْ أَظْلَمُ .... لا تخفى

стр. 1820

٥ - إنه لمشهد واعظ، هذا المشهد الذي نراه في المجموعة الثانية يأتي بعد النداءات التي وجهت لبني آدم لتعميق معنى الالتزام بوحي الله، ولتعمق معنى الفرار عما يخالف ذلك. ٦ - والمجموعة كذلك تفصل في موضوع المحور، فتعطينا تصورا عن مآل من يتابع الوحي وتصورا عن مآل من يكفر، وتصورا عن مآل من يقتصد ولننتقل الآن إلى المجموعة الثانية من الفقرة الثانية في المقطع، فإنه بعد ما قرر الله تعالى قصة آدم في الفقرة الأولى، ونادى بني آدم النداءات الأربعة التي ختمت ببيان ما أعد الله لأهل الجنة، وما أعده للمكذبين المستكبرين في المجموعة الأولى من الفقرة الثانية، تأتي المجموعة الثانية في الفقرة الثانية ومحلها من السياق ما رأيناه: تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الثانية فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أي لا أحد أشنع ظلما ممن تقول على الله ما لم يقله، أو كذب ما قاله أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ أي ما كتب لهم من الأرزاق والأعمار والسعادة والشقاوة في الدنيا حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا أي ملك الموت وأعوانه يَتَوَفَّوْنَهُمْ أي يقبضون أرواحهم والآية تفيد أن نيلهم حظهم في الدنيا مستمر حتى ساعة التوفي فإن الملائكة تقول تقريعا قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي أين الآلهة الذين كنتم تعبدونهم من دون الله ليذبوا عنكم قالُوا ضَلُّوا عَنَّا أي غابوا عنا فلا نراهم وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ أي اعترفوا بكفرهم بلفظ الشهادة التي تفيد تحقيق الكلام قالَ أي يقول الله يوم القيامة لهؤلاء الكفار ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ أي ادخلوا كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم قد مضت من كفار الجن والإنس في النار كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها أي كلما دخلت أمة النار لعنت شبيهتها وشكلها في الدين، أي لعنت التي ضلت بالاقتداء بها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً أي حتى إذا تلاحقوا واجتمعوا في النار كلهم السابقون واللاحقون والسادة والأتباع قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ تحتمل أن تكون الأخرى منزلة والأولى منزلة أي: قال الأتباع والسفلة للسادة والرءوس، أي عنهم؛ لأن خطابهم مع الله لا معهم، وتحتمل أن يكون المتأخرون قالوا للمتقدمين، لأن ضلال المتأخرين كان بسبب الاقتداء بمن قبلهم، ويرجح هذا قوله تعالى: مِنْ قَبْلِكُمْ.

стр. 1821

قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ أي يا ربنا هؤلاء القادة، أو هؤلاء السابقون المتقدمون علينا قد أضلونا بالغواية والإغواء؛ فضاعف لهم العذاب في النار. قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ أي للقادة ضعف لغوايتهم وإغوائهم، لضلالهم وإضلالهم، وللأتباع ضعف لكفرهم ولاقتدائهم ولتقويتهم أمر القادة، فلولا الأتباع ما كان للقادة سلطان. أو للمستقدمين ضعف بضلالهم وإضلالهم، وللمتأخرين ضعف بضلالهم ومتابعتهم وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ أي ما لكل فريق منكم من العذاب، أو لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ أي وقال القادة عن الأتباع، أو وقال السابقون عن اللاحقين فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ هذا يحتمل فما كان لكم علينا من نصرة، أو يحتمل أن لا فضل لكم علينا وإنا متساوون في استحقاق الضعف، أو يحتمل أن هذا من كلام الأمم السابقة لمن بعدها لأن المتأخرين كانوا يرون أنفسهم خيرا وأحسن وأرقى من المتقدمين فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ أي بكسبكم وكفركم وهو من قول الأولين للآخرين. فائدة: في عصرنا تسمع عبارات كثيرة كلها تعبر عن شعور المعاصرين أنهم خير من السابقين من مثل: عصرنا عصر النور، عصر المدنية، عصر التقدم، عصر حضارة القرن العشرين، عصر التحرر، وأمثال ذلك، كما تسمع عن الماضين: متأخرين جهلة، عصور الظلام، عصور الوحشية، وغير ذلك مما يفيد أن المعاصرين يحتقرون الماضين، مع ملاحظة أن كفر المعاصرين استمرار لكفر الماضين، والذي نرجحه في فهم الآية أن الآيتين السابقتين سجلتا هذا المعنى بشكاية المتأخرين للمتقدمين أنهم سبب ضلالهم، وشماتة الأولين بالآخرين إذ كانوا يدعون أن لهم فضلا على السابقين، فشمتوا بهم أن فضلهم ما حال بينهم وبين العذاب المضاعف، وفي مثل هذا التصوير، وفي تعدد المعاني الصحيحة التي يعطيها النص أحيانا تظهر بعض مظاهر الإعجاز في القرآن، وكيف أن منزله لا بد أن يكون هو الذي يعلم الحاضر والمستقبل، هو رب العالمين ولنعد إلى السياق: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ بعد أن ذكر ما تقول الملائكة للكافرين عند الموت، وذكر ما يقول الله لهم يوم القيامة، عاد السياق ليحدثنا عما يكون للكافر عند الموت، على قول في فهم الآية، وما يكون للكافر يوم القيامة على فهم، فقوله تعالى: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ يحتمل أن يعني: ألا يؤذن لهم في صعود السماء ليدخلوا الجنة،

стр. 1822

إذ هي في السماء، أو لا يصعد لهم عمل صالح، ولا تنزل عليهم البركة، أو لا تصعد أرواحهم إذا ماتوا كما تصعد أرواح المؤمنين إلى السماء، ويشهد لهذا الفهم الأخير النصوص، كما سنرى في الفوائد، فالآية على الفهم الأخير عودة إلى الحديث عما يكون للكافرين عند الموت وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ الخياط والمخيط ما يخاط به: وهو الإبرة، وسم الخياط أي ثقب الإبرة، والجمل البعير أو الحبل الغليظ: وعلى هذا وهذا كثير من أئمة التفسير والمعنى: كما أنه لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة أبدا، كذلك هؤلاء لا يدخلون الجنة أبدا وتشبيه دخول الجنة بالدخول في سم الخياط يشير إلى أن دخول الجنة يحتاج إلى تواضع، وأن الطريق إلى الجنة دقيق وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي ومثل ذلك الجزاء الفظيع الذي وصفنا نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي الكافرين وجريمتهم التكذيب بآيات الله، والاستكبار عنها لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ أي فراش وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ أي أغطية جمع غاشية وهي الغطاء وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ أنفسهم بالكفر، وبعد أن فصل في مصير المكذبين المستكبرين بدأ يفصل في أمر المؤمنين وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي إلا طاقتها. والتكليف: إلزام ما فيه كلفة ومشقة، فمن ظن أن الإسلام راحة جسد مطلقة فقد أخطأ الفهم ووهم، وذكر التكليف بقدر الطاقة بعد ذكر الإيمان والعمل الصالح؛ حتى لا يفهم فاهم أن دخول الجنة متوقف على ما لا يمكن عمله أُولئِكَ أي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أي ماكثون فيها أبدا وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ أي من حقد كان بينهم في الدنيا، فلم يبتق بينهم إلا التواد والتعاطف، وهذا من تمام السعادة في الجنة، أنه ليس فيها إلا سلام حسي ومعنوي، ظاهري وباطني تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ لتتم لهم سعادة المنظر وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أي لما هو وسيلة إلى هذا الفوز العظيم وهو الإيمان وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ أي وما كان يصح أن نكون مهتدين لولا هداية الله لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ يقولون ذلك سرورا بما نالوا، وإظهارا لما اعتقدوا، وفي كلامهم إشارة إلى أن إرسال الرسل لطف من الله بخلقه، واعتراف منهم بالفضل لأصحاب الفضل وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أي ونودوا بأنه تلكم الجنة أُورِثْتُمُوها أي أعطيتموها، سماها ميراثا لأنها لا تستحق بالعمل، بل هي محض فضل الله، ووعده على الطاعات، كالميراث ليس بعوض بل هو صلة خالصة بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي بسبب أعمالكم الصالحة، وفي الفوائد كلام عن هذا المقام، ومن تمام النعمة أن ترى خصم العقيدة في النار، وأن يراك في الجنة، وأن يطمع فيما أنت فيه الطامعون، ويأتي الآن حوار فيه مزيد من التفصيل عن حال أهل النار وأهل الجنة، وفيه عرض لنوع آخر من العذاب للكافرين، ونوع آخر من النعيم لأهل

стр. 1823

الإيمان وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا من الثواب فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ من العذاب حَقًّا وإنما قالوا لهم ذلك شماتة بأصحاب النار، واعترافا بنعم الله قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أي فنادى مناد وهو مالك يسمع أهل الجنة والنار أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ أي يمنعون عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن دينه. وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي ويطلبون لها الاعوجاج والتناقض وَهُمْ بِالْآخِرَةِ أي بالدار الآخرة كافِرُونَ اجتمع لهم الصد عن سبيل الله، وإرادتهم الإفساد، والكفر باليوم الآخر وَبَيْنَهُما حِجابٌ أي وبين الجنة والنار، أو بين الفريقين حجاب هو السور المذكور في قوله تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ. وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ أي على أعراف الحجاب وهو السور المضروب بين الجنة والنار والأعراف هي أعاليه جمع عرف، استعير من عرف الفرس وعرف الديك رِجالٌ من آخر المسلمين دخولا في الجنة، لاستواء حسناتهم وسيئاتهم، وفي الفوائد كلام. يَعْرِفُونَ كُلًّا أي من زمرة السعداء والأشقياء بِسِيماهُمْ أي بعلامتهم. قيل سيما المؤمنين بياض الوجوه ونضارتها، وسيما الكافرين سواد الوجوه وزرقة العيون وَنادَوْا أي أصحاب الأعراف أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ هي تحية، وهي تهنئة منهم لأهل الجنة ولا شك أن الإنسان يتساءل عن مصير أصحاب الأعراف ومن ثم جاء الجواب دون ذكر السؤال لكونه متوقعا لَمْ يَدْخُلُوها أي أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وَهُمْ يَطْمَعُونَ في دخولها وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ أي أبصار أصحاب الأعراف وكأن صارفا يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ أي ناحيتهم ورأوا ما هم فيه من العذاب قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ استعاذوا بالله، وفزعوا إلى رحمته، ألا يجعلهم معهم وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا من رءوس الكفرة يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ أي بعلامتهم قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ أي جمعكم المال، أو المراد به الكثرة والاجتماع وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أي واستكباركم على الحق وعلى الناس، لقد زال كل شئ ولم يبق لهم إلا الذل والعار والنار أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ يحتمل أن هذا من خطاب الله ويحتمل أنه من كلام أهل الأعراف والمشار إليهم هم الفقراء والمستضعفون الذين دخلوا الجنة من قبل أو أهل الأعراف، ومعنى أقسمتم: حلفتم، والمعنى أقسمتم عليهم بأن لا يصيبهم الله برحمته أي لا يدخلهم الجنة، وذلك من احتقارهم إياهم لفقرهم. ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ هذا من كلام الله لأهل الأعراف. أي يقال لأصحاب الأعراف بعد أن نظروا إلى الفريقين وعرفوهم بسيماهم وقالوا ما قالوا. وَنادى أَصْحابُ النَّارِ

стр. 1824

أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي من غيره من الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة، أو من الطعام والفاكهة على تقدير. أو ألقوا علينا مما رزقكم الله، وإنما سألوا ذلك مع يأسهم عن الإجابة لأن المتحير ينطق بما يفيد وبما لا يفيد، وذكر الإفاضة يدل على أن الجنة فوق النار قالُوا أي أهل الجنة إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ تحريم منع كما في قوله تعالى وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ (القصص: ١٢) ثم وصف الكافرين بالصفات التي أوبقتهم؛ وجعلتهم يستحقون هذا العذاب الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً فحرموا وأحلوا ما شاءوا، أو اتخذوا اللعب واللهو دينا لهم وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فنسوا الآخرة واغتروا بطول البقاء فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ أي نتركهم في العذاب كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا أي كنسيانهم اليوم الآخر وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ أي وكما كانوا بالوحي يجحدون، فهذه هي الصفات التي أوبقتهم: حب الدنيا، ونسيان الآخرة، والتكذيب بآيات الله. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ يروي ابن كثير مجموعة أحاديث نذكرها مع حذف الأسانيد: (روى الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثة، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن على وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط؛ ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون- يعني- بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة، فيقولون: فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها،

стр. 1825

حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذى بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ فيقولان له: وما عملك؟ فيقول له: قرأت كتاب الله؛ فآمنت به، وصدقت، فينادي مناد من السماء، أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد البصر، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة، سود الوجود، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول .. فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح. ويخرج منها كأنتن ريح جيفة، وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا. فيستفتح فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله ﷺ لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء، أن كذب فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومهما، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي
следующие страницы →