← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ أي يا ربنا هؤلاء القادة، أو هؤلاء السابقون المتقدمون علينا قد أضلونا بالغواية والإغواء؛ فضاعف لهم العذاب في النار. قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ أي للقادة ضعف لغوايتهم وإغوائهم، لضلالهم وإضلالهم، وللأتباع ضعف لكفرهم ولاقتدائهم ولتقويتهم أمر القادة، فلولا الأتباع ما كان للقادة سلطان. أو للمستقدمين ضعف بضلالهم وإضلالهم، وللمتأخرين ضعف بضلالهم ومتابعتهم وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ أي ما لكل فريق منكم من العذاب، أو لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ أي وقال القادة عن الأتباع، أو وقال السابقون عن اللاحقين فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ هذا يحتمل فما كان لكم علينا من نصرة، أو يحتمل أن لا فضل لكم علينا وإنا متساوون في استحقاق الضعف، أو يحتمل أن هذا من كلام الأمم السابقة لمن بعدها لأن المتأخرين كانوا يرون أنفسهم خيرا وأحسن وأرقى من المتقدمين فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ أي بكسبكم وكفركم وهو من قول الأولين للآخرين. فائدة: في عصرنا تسمع عبارات كثيرة كلها تعبر عن شعور المعاصرين أنهم خير من السابقين من مثل: عصرنا عصر النور، عصر المدنية، عصر التقدم، عصر حضارة القرن العشرين، عصر التحرر، وأمثال ذلك، كما تسمع عن الماضين: متأخرين جهلة، عصور الظلام، عصور الوحشية، وغير ذلك مما يفيد أن المعاصرين يحتقرون الماضين، مع ملاحظة أن كفر المعاصرين استمرار لكفر الماضين، والذي نرجحه في فهم الآية أن الآيتين السابقتين سجلتا هذا المعنى بشكاية المتأخرين للمتقدمين أنهم سبب ضلالهم، وشماتة الأولين بالآخرين إذ كانوا يدعون أن لهم فضلا على السابقين، فشمتوا بهم أن فضلهم ما حال بينهم وبين العذاب المضاعف، وفي مثل هذا التصوير، وفي تعدد المعاني الصحيحة التي يعطيها النص أحيانا تظهر بعض مظاهر الإعجاز في القرآن، وكيف أن منزله لا بد أن يكون هو الذي يعلم الحاضر والمستقبل، هو رب العالمين ولنعد إلى السياق: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ بعد أن ذكر ما تقول الملائكة للكافرين عند الموت، وذكر ما يقول الله لهم يوم القيامة، عاد السياق ليحدثنا عما يكون للكافر عند الموت، على قول في فهم الآية، وما يكون للكافر يوم القيامة على فهم، فقوله تعالى: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ يحتمل أن يعني: ألا يؤذن لهم في صعود السماء ليدخلوا الجنة،

стр. 1822

إذ هي في السماء، أو لا يصعد لهم عمل صالح، ولا تنزل عليهم البركة، أو لا تصعد أرواحهم إذا ماتوا كما تصعد أرواح المؤمنين إلى السماء، ويشهد لهذا الفهم الأخير النصوص، كما سنرى في الفوائد، فالآية على الفهم الأخير عودة إلى الحديث عما يكون للكافرين عند الموت وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ الخياط والمخيط ما يخاط به: وهو الإبرة، وسم الخياط أي ثقب الإبرة، والجمل البعير أو الحبل الغليظ: وعلى هذا وهذا كثير من أئمة التفسير والمعنى: كما أنه لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة أبدا، كذلك هؤلاء لا يدخلون الجنة أبدا وتشبيه دخول الجنة بالدخول في سم الخياط يشير إلى أن دخول الجنة يحتاج إلى تواضع، وأن الطريق إلى الجنة دقيق وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي ومثل ذلك الجزاء الفظيع الذي وصفنا نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي الكافرين وجريمتهم التكذيب بآيات الله، والاستكبار عنها لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ أي فراش وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ أي أغطية جمع غاشية وهي الغطاء وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ أنفسهم بالكفر، وبعد أن فصل في مصير المكذبين المستكبرين بدأ يفصل في أمر المؤمنين وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي إلا طاقتها. والتكليف: إلزام ما فيه كلفة ومشقة، فمن ظن أن الإسلام راحة جسد مطلقة فقد أخطأ الفهم ووهم، وذكر التكليف بقدر الطاقة بعد ذكر الإيمان والعمل الصالح؛ حتى لا يفهم فاهم أن دخول الجنة متوقف على ما لا يمكن عمله أُولئِكَ أي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أي ماكثون فيها أبدا وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ أي من حقد كان بينهم في الدنيا، فلم يبتق بينهم إلا التواد والتعاطف، وهذا من تمام السعادة في الجنة، أنه ليس فيها إلا سلام حسي ومعنوي، ظاهري وباطني تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ لتتم لهم سعادة المنظر وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أي لما هو وسيلة إلى هذا الفوز العظيم وهو الإيمان وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ أي وما كان يصح أن نكون مهتدين لولا هداية الله لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ يقولون ذلك سرورا بما نالوا، وإظهارا لما اعتقدوا، وفي كلامهم إشارة إلى أن إرسال الرسل لطف من الله بخلقه، واعتراف منهم بالفضل لأصحاب الفضل وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أي ونودوا بأنه تلكم الجنة أُورِثْتُمُوها أي أعطيتموها، سماها ميراثا لأنها لا تستحق بالعمل، بل هي محض فضل الله، ووعده على الطاعات، كالميراث ليس بعوض بل هو صلة خالصة بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي بسبب أعمالكم الصالحة، وفي الفوائد كلام عن هذا المقام، ومن تمام النعمة أن ترى خصم العقيدة في النار، وأن يراك في الجنة، وأن يطمع فيما أنت فيه الطامعون، ويأتي الآن حوار فيه مزيد من التفصيل عن حال أهل النار وأهل الجنة، وفيه عرض لنوع آخر من العذاب للكافرين، ونوع آخر من النعيم لأهل

стр. 1823

الإيمان وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا من الثواب فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ من العذاب حَقًّا وإنما قالوا لهم ذلك شماتة بأصحاب النار، واعترافا بنعم الله قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أي فنادى مناد وهو مالك يسمع أهل الجنة والنار أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ أي يمنعون عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن دينه. وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي ويطلبون لها الاعوجاج والتناقض وَهُمْ بِالْآخِرَةِ أي بالدار الآخرة كافِرُونَ اجتمع لهم الصد عن سبيل الله، وإرادتهم الإفساد، والكفر باليوم الآخر وَبَيْنَهُما حِجابٌ أي وبين الجنة والنار، أو بين الفريقين حجاب هو السور المذكور في قوله تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ. وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ أي على أعراف الحجاب وهو السور المضروب بين الجنة والنار والأعراف هي أعاليه جمع عرف، استعير من عرف الفرس وعرف الديك رِجالٌ من آخر المسلمين دخولا في الجنة، لاستواء حسناتهم وسيئاتهم، وفي الفوائد كلام. يَعْرِفُونَ كُلًّا أي من زمرة السعداء والأشقياء بِسِيماهُمْ أي بعلامتهم. قيل سيما المؤمنين بياض الوجوه ونضارتها، وسيما الكافرين سواد الوجوه وزرقة العيون وَنادَوْا أي أصحاب الأعراف أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ هي تحية، وهي تهنئة منهم لأهل الجنة ولا شك أن الإنسان يتساءل عن مصير أصحاب الأعراف ومن ثم جاء الجواب دون ذكر السؤال لكونه متوقعا لَمْ يَدْخُلُوها أي أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وَهُمْ يَطْمَعُونَ في دخولها وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ أي أبصار أصحاب الأعراف وكأن صارفا يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ أي ناحيتهم ورأوا ما هم فيه من العذاب قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ استعاذوا بالله، وفزعوا إلى رحمته، ألا يجعلهم معهم وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا من رءوس الكفرة يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ أي بعلامتهم قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ أي جمعكم المال، أو المراد به الكثرة والاجتماع وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أي واستكباركم على الحق وعلى الناس، لقد زال كل شئ ولم يبق لهم إلا الذل والعار والنار أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ يحتمل أن هذا من خطاب الله ويحتمل أنه من كلام أهل الأعراف والمشار إليهم هم الفقراء والمستضعفون الذين دخلوا الجنة من قبل أو أهل الأعراف، ومعنى أقسمتم: حلفتم، والمعنى أقسمتم عليهم بأن لا يصيبهم الله برحمته أي لا يدخلهم الجنة، وذلك من احتقارهم إياهم لفقرهم. ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ هذا من كلام الله لأهل الأعراف. أي يقال لأصحاب الأعراف بعد أن نظروا إلى الفريقين وعرفوهم بسيماهم وقالوا ما قالوا. وَنادى أَصْحابُ النَّارِ

стр. 1824

أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي من غيره من الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة، أو من الطعام والفاكهة على تقدير. أو ألقوا علينا مما رزقكم الله، وإنما سألوا ذلك مع يأسهم عن الإجابة لأن المتحير ينطق بما يفيد وبما لا يفيد، وذكر الإفاضة يدل على أن الجنة فوق النار قالُوا أي أهل الجنة إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ تحريم منع كما في قوله تعالى وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ (القصص: ١٢) ثم وصف الكافرين بالصفات التي أوبقتهم؛ وجعلتهم يستحقون هذا العذاب الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً فحرموا وأحلوا ما شاءوا، أو اتخذوا اللعب واللهو دينا لهم وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فنسوا الآخرة واغتروا بطول البقاء فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ أي نتركهم في العذاب كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا أي كنسيانهم اليوم الآخر وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ أي وكما كانوا بالوحي يجحدون، فهذه هي الصفات التي أوبقتهم: حب الدنيا، ونسيان الآخرة، والتكذيب بآيات الله. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ يروي ابن كثير مجموعة أحاديث نذكرها مع حذف الأسانيد: (روى الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثة، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن على وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط؛ ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون- يعني- بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة، فيقولون: فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها،

стр. 1825

حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذى بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ فيقولان له: وما عملك؟ فيقول له: قرأت كتاب الله؛ فآمنت به، وصدقت، فينادي مناد من السماء، أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد البصر، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة، سود الوجود، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول .. فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح. ويخرج منها كأنتن ريح جيفة، وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا. فيستفتح فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله ﷺ لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء، أن كذب فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومهما، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي

стр. 1826

يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الوجه يجئ بالشر؟ فيقول أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة». وروى الإمام أحمد أيضا ... عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى جنازة فذكر نحوه. وفيه: حتى إذا خرج روحه (أي المؤمن) صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء. وفتحت له أبواب السماء، وليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم وفي آخره: ثم يقيض له (أي للكافر) أعمى أصم أبكم، في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابا، فيضربه ضربة فيصير ترابا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعها كل شئ إلا الثقلين. قال البراء: ثم يفتح له باب من النار ويمهد له فرش من النار. وروى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وابن جرير واللفظ له ... عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون فلان، فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة، التي كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان. فيقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ، وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بجحيم وغساق وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقولون: لا مرحبا بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنه لم تفتح لك أبواب السماء، فترسل بين السماء والأرض فتصير إلى القبر) اه ابن كثير. وعند قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ يقول الألوسي: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أي لأرواحهم إذا ماتوا أَبْوابُ السَّماءِ كما تفتح لأرواح المؤمنين. أخرج أحمد. والنسائي. والحاكم وصححه. والبيهقي. وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحا قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة

стр. 1827

وأبشري بروح وريحان، ورب راض غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان ابن فلان. فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب راض غير غضان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة، وإذا كان الرجل السوء قالت: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان ابن فلان. فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، لا تفتح لك أبواب السماء، فترسل من بين السماء والأرض ثم تصير إلى القبر» والأخبار في ذلك كثيرة. وقيل: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم أبواب السماء. وروي ذلك عن الحسن. وقيل: لا تفتح لأرواحهم ولا لأعمالهم. وروي ذلك عن ابن جريج وقيل: المراد لا يصعد لهم عمل ولا تنزل عليهم بركة) ٢ - وبمناسبة قوله تعالى وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ نذكر ما جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة. فو الذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا» وقال السدي في قوله وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما فينزع ما في صدورهم من غل، فهو الشراب الطهور، واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبدا. وقد روى أبو إسحاق ... عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نحوا من هذا، وروى ابن جرير عن قتادة قال: قال علي ﵁: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ وقال عبد الرزاق ... أن عليا ﵁ قال: فينا والله أهل بدر نزلت وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ فالجنة إذن سلام في الباطن وفي الظاهر، وسلام في التعامل، وسلام في الحال وفي المآل، فهي دار السلام نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.

стр. 1828

٣ - وبمناسبة قوله تعالى تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال ابن كثير (روى النسائي وابن مردويه واللفظ له ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني: فيكون له شكرا، وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني، فيكون له حسرة». ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون، أي بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة، فدخلتم الجنة، وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم؛ وإنما وجب الحمل على هذا لما ثبت في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) اهـ كلام ابن كثير. وعن قوله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ يقول صاحب الظلال: (هؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات قدر استطاعتهم لا يكلفون إلا طاقتهم .. هؤلاء هم يعودون إلى جنتهم إنهم أصحابها- بإذن الله وفضله- ورثها لهم- برحمته- بعملهم الصالح مع الايمان؛ جزاء ما اتبعوا رسل الله، وعصوا الشيطان، وجزاء ما أطاعوا أمر الله العظيم الرحيم وعصوا وسوسة العدو اللئيم القديم، ولولا رحمة الله ما كفى عملهم- في حدود طاقتهم- وقد قال رسول الله ﷺ : لن يدخل أحدا منكم الجنة عمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» وليس هنا لك تناقض ولا اختلاف بين قوله الله سبحانه في هذا الشأن وقول رسوله ﷺ وهو لا ينطق عن الهوى .. وكل ما ثار من الجدل حول هذه القضية بين الفرق الإسلامية لم يقم على الفهم الصحيح لهذا الدين، إنما ثار عن الهوى، فلقد علم الله من بني آدم ضعفهم وعجزهم وقصورهم عن أن تفي أعمالهم بحق الجنة، ولا بحق نعمة واحدة من نعمه عليهم في الدنيا؛ فكتب على نفسه الرحمة، وقبل منهم جهد المقل القاصر الضعيف، وكتب لهم به الجنة فضلا منه ورحمة؛ فاستحقوها بعملهم ولكن بهذه الرحمة .. وبعد فإذا كان أولئك المغترون المكذبون المجرمون الظالمون الكافرون المشركون يتلاعنون في النار ويتخاصمون، وتغلي صدورهم بالسخائم والأحقاد، بعد أن كانوا أصفياء أولياء .. فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة إخوان متحابون، متصافون متوادون يرف ﵈ والولاء: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ

стр. 1829

فهم بشر وهم عاشوا بشرا. وقد يثور بينهم في الحياة الدنيا غيظ يكظمونه وغل يغالبونه ويغلبونه .. ولكن تبقى في القلب منه آثار. قال القرطبي في تفسيره المسمى أحكام القرآن: «قال رسول الله ﷺ الغل على أبواب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين). ٤ - بمناسبة قوله تعالى حكاية عن المؤمنين: وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ نقل النسفي كلاما يحتج به على المعتزلة في موضوع خلق الأفعال عن الشيخ أبي منصور الماتريدي قال: (إن المعتزلة خالفوا الله فيما أخبر، ونوحا ﵇، وأهل الجنة والنار، وإبليس لأنه قال الله تعالى: يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ* وقال نوح ﵇: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ وقال أهل الجنة: وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ وقال أهل النار: لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ وقال إبليس: فَبِما أَغْوَيْتَنِي. ٥ - وبمناسبة قوله تعالى: أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا يقول ابن كثير: وكذلك قرع رسول الله ﷺ قتلى القليب يوم بدر فنادى: «يا أبا جهل بن هشام، ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة- وسمى رءوسهم- هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعد ربي حقا». وقال عمر: يا رسول الله تخاطب قوما قد جيفوا؟ فقال: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا». أقول: فلنقبل: على الله بالعمل والإخلاص والمحبة له ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، والبغض لأعدائه، فلعل الله يوقفنا الموقف الأكرم فنكون من أهل الدرجات العلى وما ذلك على الله بعزيز، وإن أملنا به كبير، ورجاءنا له لعظيم على تقصير في العمل واتهام للنفس. ٦ - وعند قوله تعالى فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً يقول صاحب الظلال: (وفي هذا الوصف: وَيَبْغُونَها عِوَجاً إيحاء بحقيقة ما يريده الذين يصدون عن سبيل الله إنهم يريدون الطريق العوجاء؛ ولا يريدون الطريق المستقيم. يريدون العوج ولا يريدون الاستقامة. فالاستقامة لها صورة واحدة: صورة المضي على طريق الله ومنهجه وشرعه. وكل ما عداه فهو أعوج؛ وهو إرادة للعوج. وهذه الإرادة تلتقي مع

стр. 1830

الكفر بالآخرة. فما يؤمن بالآخرة أحد، ويستيقن أنه راجع إلى ربه؛ ثم يصد عن سبيل الله، ويحيد عن نهجه وشرعه .. وهذا هو التصوير الحقيقي لطبيعة النفوس التي تتبع شرعا غير شرع الله، التصوير الذي يجلو حقيقة هذه النفوس ويصفها الوصف الصحيح). ٧ - وقد حكى القرطبي وغيره في أهل الأعراف اثني عشر قولا وأقوى الأقوال ما ذكرنا، ويشهد له الحديث المرسل الحسن عن عمرو بن جرير قال سئل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف قال: «هم آخر من يفصل بينهم من العباد، فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ولم تدخلوا الجنة فأنتم عتقائي فارعوا من الجنة حيث شئتم» ومما روي في شأن الأعراف ما روي عن حذيفة فقال: هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال لهم: اذهبوا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم. ومن الأقوال فيهم ما رواه الحافظ بن عساكر عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب، فسألناه عن ثوابهم فقال: على الأعراف، وليسوا في الجنة مع أمة محمد ﷺ . فسألناه: وما الأعراف؟ فقال: حائط الجنة تجري فيه الأنهار وتنبت فيه الأشجار والثمار. وأقوى الأقوال فيهم ما اعتمدناه ومما ذكره ابن كثير بمناسبة الكلام عن أهل الأعراف دون أن يذكر من أخرجه قال: وقال حذيفة: إن أصحاب الأعراف قوم تكافأت أعمالهم فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصرت بهم سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون الناس بسيماهم، فلما قضى الله بين العباد، أذن لهم في طلب الشفاعة. فأتوا آدم فقالوا: يا آدم، أنت أبونا، فاشفع لنا عند ربك، فقال: هل تعلمون أن أحدا خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسبقت رحمته إليه غضبه، وسجدت له الملائكة غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني إبراهيم. فيأتون إبراهيم ﵊، فيسألونه أن يشفع لهم عند ربهم فيقول: هل تعلمون من أحد اتخذه الله خليلا؟ هل تعلمون أن أحدا أحرقه قومه بالنار في الله غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: ما علمت كنهه ما

стр. 1831

أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني موسى، فيأتون موسى ﵇ فيقول: هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليما وقربه نجيا غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم. ولكن ائتوا عيسى، فيأتون عيسى ﵇ فيقولون له: اشفع لنا عند ربك فيقول: هل تعلمون أحدا خلقه الله من غير أب غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله غيري؟ قال: فيقولون: لا. فيقول: أنا حجيج نفسي، ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا محمدا ﷺ فيأتوني، فأضرب بيدي على صدري. ثم أقول: أنالها، ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش فآتي ربي فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط، ثم أسجد فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: ربي أمتي فيقول: هم لك. فلا يبقى نبي مرسل، ولا ملك مقرب، إلا غبطني بذلك المقام: وهو المقام المحمود، فآتي بهم الجنة، فاستفتح فيفتح لي ولهم، فيذهب بهم إلى نهر يقال له نهر الحيوان حافتاه قصب فكلل باللؤلؤ، ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون منه، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة، وريح أهل الجنة فيصيرون كأنهم الكواكب الدرية، ويبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها يقال لهم: مساكين أهل الجنة.» قال الألوسي في قوله تعالى: وَعَلَى الْأَعْرافِ (أي أعراف الحجاب أي أعاليه وهو السور المضروب بينهما جمع عرف مستعار من عرف الدابة والديك. وقيل: العرف ما ارتفع من الشئ أي أعلى موضع منه لأنه أشرف وأعرف مما انخفض منه. وقيل: ذاك جبل أحد. فقد روي عنه ﷺ «أحد يحبنا ونحبه، وأنه يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار، يحبس عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم، وهم- إن شاء الله تعالى- من أهل الجنة» وقيل: هو الصراط. وروي ذلك عن الحسن بن المفضل. وحكي عن بعضهم أنه لم يفسر الأعراف بمكان وأنه قال: المعنى وعلى معرفة أهل الجنة والنار «رجال» والحق أنه مكان، والرجال طائفة من الموحدين قصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار جعلوا هناك حتى يقضى بين الناس، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربهم فقال لهم: قوموا ادخلوا الجنة فإني غفرت لكم، أخرجه أبو الشيخ والبيهقي وغيرهما عن حذيفة. وفي رواية أخرى عنه «يجمع الله تعالى الناس ثم يقول لأصحاب

стр. 1832

الأعراف: «ما تنتظرون؟» قالوا: ننتظر أمرك فيقال: «إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها، وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم فادخلوها بمغفرتي ورحمتي» وإلى هذا ذهب جمع من الصحابة والتابعين. وقيل هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجلسهم الله تعالى على أعالي ذلك السور تمييزا لهم على سائر أهل القيامة وإظهارا لشرفهم وعلو مرتبتهم). ٨ - وبمناسبة قوله تعالى على لسان أهل النار: أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ ذكر ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي موسى الصفار قال: سألت ابن عباس- أو سئل- أي الصدقة أفضل؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصدقة الماء، ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة قالوا: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله» وأخرج أيضا .. عن أبي صالح قال: لما مرض أبو طالب قالوا له: لو أرسلت إلى ابن أخيك هذا فيرسل إليك بعنقود من الجنة لعله أن يشفيك به؟ فجاءه الرسول، وأبو بكر عند النبي ﷺ فقال أبو بكر: إن الله حرمهما على الكافرين. ٩ - وبمناسبة قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا قال ابن كثير: وفي الصحيح: أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني. كلمة في السياق: انتهينا من الكلام عن المجموعة الثانية من الفقرة الثانية في المقطع الأول، ولم يبق في هذا المقطع إلا الفقرة الثالثة، وهي فقرة تقيم الحجة على الناس، وتطالبهم بالعبادة والدعاء، وتنهاهم عن الفساد في الأرض، وتذكر ببعض السنن، وهذه الفقرة بمثابة الخاتمة للمقطع الأول: تفسير الفقرة الثالثة: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ أي بينا وميزنا حلاله وحرامه ومواعظه وقصصه عَلى عِلْمٍ أي عالمين بكيفية تفصيل أحكامه هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فهو مع كونه مفصلا وبعلم فإنه هدى ورحمة ولكن للمؤمنين هَلْ يَنْظُرُونَ أي هل

стр. 1833

ينتظرون إِلَّا تَأْوِيلَهُ أي إلا عاقبة أمره وما يؤول إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد قال الربيع: لا يزال يجئ من تأويله أمر حتى يتم يوم الحساب حتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيتم تأويله يومئذ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ أي يوم القيامة يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ أي تركوه وأعرضوا عنه مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ أي تبين وصح أنهم جاءوا بالحق فأقروا حين لا ينفعهم فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أي هل يشفع لنا شافع، أو هل نرد فنعمل على حسب الأمر ونترك ما كنا عليه قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي ما كانوا يعبدونه من الأصنام إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ والحكمة في كون الخلق في ستة أيام، مع قدرة الله على خلقها دفعة واحدة، للإعلام بالتأني في الأمور، ولأن لكل عمل يوما، ولأن إنشاء شئ بعد شئ أدل على عالم، مدبر، مريد، يصرفه على اختياره، ويجريه على مشيئته، ومر معنا في المعني العام الخلاف في كون الستة أيام من أيامنا أو من أيام الله، ومر معنا في سورة البقرة كلام حول موضوع خلق السموات والأرض، وسنتحدث في سورة هود عن هذا المعنى بتفصيل أكثر إن شاء الله، وتفصيله النهائي في سورة فصلت والنازعات. ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أي يجعل الليل يلحق النهار فيغطيه يَطْلُبُهُ حَثِيثاً أي سريعا. قال النسفي: والطالب هو الليل، وهذا موضوع مهم فيه معجزة كما سنرى في الفوائد وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ أي وخلق الشمس والقمر والنجوم مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أي مذللات بأمره التكويني أَلا لَهُ الْخَلْقُ أي هو الذي خلق الأشياء كلها وهو الخالق وحده وَالْأَمْرُ فمن حقه التشريع والتكليف وليس لأحد معه حق في الأمر إلا بإذنه تَبارَكَ اللَّهُ أي كثر خيره أو دام بره رَبُّ الْعالَمِينَ خالقهم وسيدهم والمهيمن عليهم، والمسيطر المسخر ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً أي وأنتم ذو وتضرع وخفية، والتضرع من الضراعة وهي الذل، والخفية الإسرار، والمعنى: ادعوا ربكم تذللا وتملقا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أي المجاوزين ما أمروا به في كل شئ من الدعاء وغيره، وعن ابن جريج: الرافعين أصواتهم بالدعاء، وعنه: الصياح في الدعاء مكروه وبدعة. وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها أي بالمعصية بعد الطاعة، أو بالشرك بعد التوحيد، أو بالظلم بعد العدل، أو بالبدعة بعد السنة، أو بتعطيل الشريعة بعد إقامتها، أو هذا كله وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً أي: ادعوه خائفين من الرد، طامعين في الإجابة. أو خائفين من النيران، طامعين في الجنان. أو خائفين من الفراق،

стр. 1834

طامعين في التلاق. أو خائفين من غيب العاقبة طامعين في ظاهر الهداية. أو خائفين من العدل طامعين في الفضل إن رحمة الله قريب من المحسنين أي قريبة ممن اتصفوا بالإحسان. وذكر النسفي خمسة أوجه لتذكير كلمة قريب في هذا المقام وليس من غرضنا في هذا الكتاب مثل هذا وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً أي مبشرة بالمطر بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي أمام نعمته وهو الغيث الذي هو من أجل النعم حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ أي حملت ورفعت سَحاباً ثِقالًا أي بالماء سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ أي لأجل بلد ميت ليس فيه مطر لسقيه فَأَنْزَلْنا بِهِ أي بالسحاب أو بالسوق الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي بالماء كَذلِكَ. أي مثل ذلك الإخراج وهو إخراج الثمرات نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي فيؤديكم التذكر إلى الإيمان بالبعث، إذ لا فرق بين الإخراجين؛ لأن كل واحد منهما إعادة الشئ بعد إماتته، والآية صريحة في رد الخرافة القائلة بأن المطر ليس من السحاب الناتج عن بخار الماء. وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ أي والأرض الطيبة التراب يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ أي بتيسيره كأنه قيل يخرج نباته حسنا وافيا وَالَّذِي خَبُثَ أي والبلد الخبيث لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً أي لا يخرج نباته إلا نكدا، والنكد: هو الذي لا خير فيه. وهذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ، وهو المؤمن، ولمن لا يؤثر فيه شئ من ذلك، وهو الكافر، وهذا التمثيل واقع على أثر مثل ذكر المطر، وإنزاله بالبلد الميت، وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد في علم البلاغة كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ مثل ذلك التصريف نردد الآيات ونكررها لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ نعمة الله وهم المؤمنون ليتفكروا ويعتبروا فيها وبهذا تم المقطع. فوائد: ١ - قال الألوسي: في قوله تعالى إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ شرع في بيان مبدأ الفطرة أثر بيان معاد الكفرة، ويحتمل أنه سبحانه لما ذكر حال الكفار وأشار إلى عبادتهم غيره سبحانه، احتج عليهم بمقدوراته ومصنوعاته جل شأنه، ودلهم بذلك على أنه لا معبود سواه فقال مخاطبا بالخطاب العام إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ أي خالقكم ومالككم الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ السبع وَالْأَرْضَ بما فيها.

стр. 1835

ثم قال الألوسي: (فإن المتعارف أن اليوم من طلوع الشمس إلى غروبها ولم تكن هي حينئذ. نعم العرش وهو المحدد على المشهور موجود إذ ذاك على ما يدل عليه بعض الآيات، وليس بقديم كما يقوله من ضل عن الصراط المستقيم لكن ذاك ليس نافعا في تحقق اليوم العرفي وإلى حمل اليوم على المتعارف وتقدير المضاف ذهب جمع من العلماء). ثم قال الألوسي. (وإلى حمله على اللغوي، وعدم التقدير ذهب آخرون وقالوا: كان مقدار كل يوم ألف سنة، وروي ذلك عن زيد بن أرقم). وقال صاحب الظلال في الستة أيام التي تم فيها الخلق: (فأما الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، فهي كذلك غيب لم يشهده أحد من البشر ولا من خلق الله جميعا: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ .. وكل ما يقال عنها لا يستند إلى أصل مستيقن. إنها قد تكون ست مراحل. وقد تكون ستة أطوار. وقد تكون ستة أيام من أيام الله التي لا تقاس بمقاييس زماننا الناشئ من قياس حركة الأجرام إذ لم تكن قبل الخلق هذه الأجرام التي نقيس نحن بحركتها الزمان! .. وقد تكون شيئا آخر .. فلا يجزم أحد ماذا يعني هذا العدد على وجه التحديد .. وكل حمل لهذا النص ومثله على «تخمينات» البشرية لا يتجاوز مرتبة الفرض والظن- باسم «العلم!» الذي لا يتجاوز في هذا المجال درجة الظنون والفروض). ٢ - قال ابن كثير: (وأما قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا: وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شئ من خلقه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ بل الأمر كما قال الأئمة، منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات القديمة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى) ٣ - في قوله تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً معجزة كبرى إذ فيها تقرير

стр. 1836

لمبدأ دوران الأرض بما لا يقبل الجدل، وكونها كذلك في الوقت الذي لم تستقر فيه البشرية على مبدأ الدوران إلا بعد قرون طويلة فذلك دليل على أن هذا الكتاب أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض وقد فصلنا ذلك في كتابنا «الرسول» ﷺ من سلسلة الأصول الثلاثة، وخلاصة ما نقوله هنا: إن فقه اللغة يفرض علينا أن يكون الطالب في قوله تعالى يَطْلُبُهُ حَثِيثاً هو الليل ولو كانت الأرض ثابتة لكان النهار هو الذي يطلب الليل لأن المنبع الضوئي وقتذاك هو الطالب، أما والقرآن يذكر أن الليل هو الطالب فذلك لا يكون إلا إذا كانت الأرض هي الدائرة على محورها، ولا يفهم من ذلك أن الشمس ثابتة، إذ ليس في هذا الكون شئ إلا وهو في حالة حركة ما، فالشمس لها ثلاث حركات على ما قرره علماء الكون في عصرنا، وسيمر هذا معنا كثيرا، ولا تعني حركة الأرض ثبات الشمس. ولا حركة الشمس ثبات الأرض، بل الكل في فلك يسبحون على غاية الإتقان. فسبحان الله ما أعظمه. ٤ - وبمناسبة قوله تعالى أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ يذكر ابن كثير: (قال ابن جرير ... عن عبد العزيز الشامي عن أبيه- وكانت له صحبة- قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط عمله، ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه لقوله أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ وفي الدعاء المأثور عن أبي الدرداء وروي مرفوعا «اللهم لك الملك كله ولك الحمد كله وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله). ٥ - قال الألوسي في تفسير التسخير من قوله تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ (أي خلقهن حال كونهن مذللات تابعات لتصرفه سبحانه فهن بما شاء غير ممتنعات عليه جل شأنه، كأنهن مميزات أمرن فانقدن، فتسمية ذلك أمرا على سبيل التشبيه والاستعارة ويصح حمل الأمر على الإرادة كما قيل أي هذه الأجرام العظيمة والمخلوقات البديعة منقادة لإرادته). ٦ - وقال الألوسي: في شرح قوله تعالى تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ وفي مناسبة ذلك للآية بعدها ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً: (وقال البيضاوي: المعني: تعالى بالوحدانية والألوهية وتعظم بالتفرد بالربوبية، وعلى هذا فهو ختام لوحظ فيه مطلعه، ثم إنه تعالى بعد أن بين التوحيد، وأخبر أنه

стр. 1837

المتفرد بالخلق والأمر، أمر عباده أن يدعوه مخلصين متذللين فقال عزّ من قائل ادْعُوا رَبَّكُمْ. ٧ - في تفسير قوله «خفية» في قوله تعالى ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً يقول الألوسي: («وخفية» أي سرا. أخرج ابن المبارك وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن قال: لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أنه تعالى يقول: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وأنه سبحانه ذكر عبدا صالحا فرضي له فعله فقال تعالى إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا وفي رواية عنه أنه قال: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا. وجاء فى حديث أبي موسى الأشعري أنه قال ﷺ لقوم يجهرون: «أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا، وهو معكم، وهو أقرب من أحدكم من عنق راحلته» والمعني: ارفقوا بأنفسكم واقصروا من الصياح في الدعاء). ٨ - وفي آداب الدعاء يقول الألوسي: (وروى ابن جرير عن ابن جريج أن رفع الصوت بالدعاء من الاعتداء المشار إليه بقوله سبحانه: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وأخرج ابن أبي حاتم مثله عن زيد بن أسلم، وذهب بعضهم إلى أنه مما لا بأس به، ودعاء المعتدين الذي لا يحبه الله تعالى هو طلب ما لا يليق بالداعي، كرتبة الأنبياء ﵈، والصعود إلى السماء، وأن منه ما ذهب جمع إلى أنه كفر، كطلب دخول إبليس وأبي جهل وأضرابهما الجنة، وطلب نزول الوحي والتنبي ونحو ذلك من المستحيلات لما فيه من طلب إكذاب الله تعالى نفسه. وأخرج أحمد في مسنده وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة، وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار، وما قرب إليها من قول وعمل، ثم قرأ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وفصل آخرون فقالوا: الإخفاء أفضل عند خوف الرياء، والإظهار أفضل عند عدم خوفه، وأولى منه القول بتقديم الإخفاء على الجهر فيما إذا خيف الرياء، أو كان في الجهر تشويش على نحو مصل، أو نائم، أو قارئ، أو مشتغل بعلم شرعي، وبتقديم الجهر على الإخفاء فيما إذا خلا عن ذلك، وكان فيه قصد تعليم جاهل، أو نحو إزالة وحشة عن مستوحش، أو طرد نحو نعاس أو كسل عن الداعي نفسه، أو إدخال سرور على قلب مؤمن، أو تنفير مبتدع عن بدعة، أو نحو ذلك).

стр. 1838

وقال الألوسي كذلك: (وذكروا للدعاء آدابا كثيرة منها الكون على طهارة، واستقبال القبلة، وتخلية القلب من الشواغل، وافتتاحه واختتامه بالصلاة على النبي ﷺ ، ورفع اليدين نحو السماء، وإشراك المؤمنين فيه، وتحري ساعات الإجابة، ومنها يوم الجمعة- عند كثير- ساعة الخطبة، ويدعو فيها بقلبه، كما نص عليه أفضل متأخري عصره الفاضل الطحطاوي في حواشيه على الدر المختار، فيما نقله عنه أفقه المعاصرين ابن عابدين الدمشقي، ووقت نزول الغيث، والإفطار، وثلث الليل الأخير، وبعد ختم القرآن، وغير ذلك مما هو مبسوط في محله). وقال ابن كثير بمناسبة قوله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول الله ﷺ : «أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعون سميع قريب». وقال عبد الله بن المبارك عن الحسن قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله تعالى يقول: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا وقال ابن جريح: يكره رفع الصوت، والنداء والصياح في الدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة، ثم روى عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ في الدعاء ولا في غيره وقال أبو مجلز: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ لا يسأل منازل الأنبياء. وروى أحمد ... عن مولى لسعد: أن سعدا سمع ابنا له يدعو وهو يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيرا كثيرا، وتعوذت به من شر كثير، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء. وفي لفظ- يعتدون في الطهور والدعاء- وقرأ هذه الآية ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً الآية- وإن بحسبك أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل».

стр. 1839

وروى الإمام أحمد أيضا ... عن أبي أمامة: أن عبد الله بن المغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال: يا بني سل الله الجنة، وعذبه من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور». وأخرجه أبو داود بإسناد حسن لا بأس به، والله أعلم. ٩ - وبمناسبة الأمر بالدعاء نقول: إن رسول الله ﷺ يقول: «الدعاء مخ العبادة» (١) وفي رواية «الدعاء هو العبادة» (٢) وسنرى في هذه السورة حضا كثيرا على الدعاء وطلبا شديدا له، حتى إن الحكمة في الابتلاء إنما هي من أجل التضرع، والتضرع دعاء، وإنما كان للدعاء أهميته الكبرى والعظيمة لأنه المظهر الأعظم للعبودية والافتقار إلى الله، وهو مع هذا عنوان معرفة الله، فنحن عند ما نرفع أيدينا في الدعاء وندعو، يكون ذلك اعترافا منا بأن الله موجود، وسميع وقادر على كل شئ. وهو الذى يرفع الكربات، ويجيب الدعوات. والدعاء مع ذلك رمز الخضوع والتذلل والافتقار فلنكثر من الدعاء. ١٠ - وبمناسبة قوله تعالى: إن رحمة الله قريب من المحسنين قال ابن كثير: (وقال قريب ولم يقل قريبة لأنه ضمن الرحمة معنى الثواب، أو لأنها مضافة إلى الله، فلهذا قال: قريب من المحسنين). وقال مطر الوراق: استنجزوا موعود الله بطاعته فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين. رواه ابن أبي حاتم). ١١ - وقال ابن عباس في قوله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً: (هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، وعند هذه الآية يروى ابن كثير حديث البخاري التالي بما يشير به إلى أن الحديث في معنى ما تعرضت له الآية: روى البخاري عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضا، فكانت منها نقية، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به،

стр. 1840

فعلم وعلم، ومثل من لم برفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذين أرسلت به» ورواه مسلم والنسائي). ١٢ - وعند قوله تعالى كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ يقول الألوسي: (لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ نعم الله تعالى، ومنها تصريف الآيات، وشكر ذلك بالتفكر فيها، والاعتبار بها وخص الشاكرين لأنهم المنتفعون بذلك، وقال الطيبي: ذكر «لقوم يشكرون» بعد «لعلكم تذكرون» من باب الترقي لأن من تذكر آلاء الله تعالى عرف حق النعمة فشكر، وهذا كما قال- غير واحد-: مثل لمن ينجح فيه الوعظ والتنبيه من المكلفين، ولمن لا يؤثر فيه شئ من ذلك. أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس أن قوله وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ الخ مثل ضربه الله تعالى للمؤمنين يقول: هو طيب وعمله طيب والذي خبث إلى آخره مثل للكافر يقول هو خبيث وعمله خبيث. وإيثار خصوص التمثيل بالأرض الطيبة والخبيثة استطراد عقيب ذكر المطر وإنزاله بالبلد وموازنة بين الرحمتين كما في الكشاف، وفيه إشارة إلى معنى ما ورد في صحيح مسلم عن عياض المجاشعي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال في خطبته عن الله «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم) كلمة في السياق: رأينا أن محور السورة هو قوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وفي هذا المقطع رأينا ثلاث فقرات: في الفقرة الأولى قصة آدم، وفي الفقرة الثانية التوجيهات الرئيسية الأربعة لبني آدم، والتي تذكرنا بالعبرة من قصة آدم، وفي آخر هذه التوجيهات الإشارة إلى القاعدة التي هي محور سورة الأعراف. وفيها تفصيل لما أعده الله للكافرين والمؤمنين بما يتفق مع محور السورة، وفي الفقرة الأخيرة تذكير بهذا القرآن وبوجوه من الإعجاز فيه، وهو الصيغة النهائية الأخيرة للهدى المنزل من الله على البشرية وتذكير بالله ونعمه، وأمر للإنسان بالتضرع والتذلل والعبادة، وترك الإفساد في الأرض، ومثل للناس في موقفهم من الهدى المنزل عليهم، وكل ما في هذا المقطع يستجيش الإنسان ويهيجه لاتباع ما أنزل الله، ويخوفه من الكفر بما أنزل،

стр. 1841

والاستكبار على من أنزل عليهم من الرسل بمعان متعددة، وبطرق من العرض هدفها واحد، وإذا ما استخرج هذا أطيب الاستعداد عند الإنسان لاتباع هذا القرآن الذي هو- كما ذكرنا- الصيغة النهائية والأخيرة لهدى الله، فإن السورة تبدأ تقص علينا قصص أمم أنزل عليها هدى، وكيف كان موقفها من هذا الهدى، وكيف عوقبت عند ما رفضت هذا الهدى، وقبل أن نبدأ نحب أن نذكر بما قلناه من قبل وهو أن ذكر القصة في سورة من سور القرآن إنما يخدم غرضها فإذا ما تكررت القصة فإنها في كل مرة تخدم غرضا خاصا، ومن ثم تجد أحيانا القصة يذكر طرف منها في مكان وطرف منها في مكان، وذلك لأن قسما منها يخدم غرض السورة الأولى، والقسم الآخر يخدم غرض السورة الثانية، وقد تتكرر القصة والمعاني متقاربة أو واحدة ولكن شيئا ما منها هو سبب التكرار، فإذا عرفنا أن ما قصه الله علينا من قصص يستوعب كل النماذج للحياة البشرية، وأنه مهما حدث تكرار فلمراد خاص، وضمن محور خاص، وبأسلوب خاص، وطريقة عرض خاصة، عرفناكم في هذا القرآن من إعجاز لا يحاط به. وعرفنا رشحة من معنى قوله تعالى الذي مر معنا في هذا المقطع وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. [القسم الثاني] فصل في أقسام السورة: مر معنا حتى الآن مقدمة سورة الأعراف، والمقطع الأول منها، وقلنا إن المقدمة والمقطع تشكلان القسم الأول من السورة، وهذا القسم تتكامل معانيه كما رأينا، يبدأ بقوله تعالى كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وينتهي بالفقرة المبدوءة بقوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ والمنتهية بقوله تعالى وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وبعد ذلك يأتي القسم الثاني: وفيه قصص أقوام: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، ثم تعقيب عليها، ثم يستمر القسم بالحديث عن موسى ﵇ وقومه والدليل على أن قصة موسى استمرار لما قبلها استعمال كلمة «ثم» في بدايتها ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى ... وتنتهي قصة موسى وقومه بقوله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ .... وتستغرق أكبر قطاع من السورة. ويأتي بعد ذلك القسم الأخير من السورة وبدايته

стр. 1842

قوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى .... فالسورة تتألف من ثلاثة أقسام، ونحن الآن سنبدأ عرض القسم الثاني، والمقطع الأول فيه يتحدث- كما قلنا- عن قصص أقوام: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وفيه كذلك تعقيب على قصص هؤلاء الأقوام، وفي هذا التعقيب عرض لبعض سنن الله في الأمم التي ينزل عليها وحيا وصلة المقطع في سياق السورة أنه يقص علينا قصص أقوام أنزل عليهم وحي، وكيف كان موقفهم من هذا الوحي، وكيف فعل الله بهم، وصلة ذلك بمحور السورة من البقرة فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ إن صلة ذلك بمحور السورة من سورة البقرة لا تخفى. يأتي إذن المقطع الأول من القسم الثاني وفيه قصص: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، ﵈ وكل منهم قد دعا قومه إلى الله ، ولذلك صلة بما تقدمه من معان وفي ذلك يقول صاحب الظلال: «إن موكب الإيمان الذي يسير في مقدمته رسل الله الكرام، مسبوق في السياق بموكب الإيمان في الكون كله. في الفقرة السابقة مباشرة إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. وإن الدينونة لهذا الإله، الذي خلق السماوات والأرض، والذي استوى على العرش، والذى يحرك الليل ليطلب النهار، والذي تجري الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، والذي له الخلق والأمر. إن الدينونة لهذا الإله وحده هي التي يدعو إليها الرسل كافة. هي التي يدعون إليها البشرية كلها، كلما قعد لها الشيطان على صراط الله فأضلها عنه؛ وردها إلى الجاهلية التي تتبدى في صور شتى؛ ولكنها كلها تتسم بإشراك غير الله معه في الربوبية، والمنهج القرآني يكثر من الربط بين عبودية هذا الكون لله. ودعوة البشر إلى الاتساق مع الكون الذي يعيشون فيه؛ والإسلام لله الذي

стр. 1843

أسلم له الكون كله؛ والذي يتحرك مسخرا بأمره. ذلك أن هذا الإيقاع بهذه الحقيقة الكونية كفيل بأن يهز القلب البشري هزا؛ وأن يستحثه من داخله على أن ينخرط في سلك العبادة المستسلمة؛ فلا يكون هو وحده نشازا في نظام الوجود كله. إن الرسل الكرام لا يدعون البشرية لأمر شاذ؛ إنما يدعونها إلى الأصل الذي يقوم عليه الوجود كله؛ وإلى الحقيقة المركوزة في ضمير هذا الوجود .. وهي ذاتها الحقيقة المركوزة في فطرة البشر، والتي تهتف بها فطرتهم حين لا تلوي بها الشهوات، ولا يقودها الشيطان بعيدا عن حقيقتها، وهذه هي اللمسة المستفادة من تتابع السياق القرآني في السورة على النحو الذي تتابع به). ولنبدأ بعرض المقطع الأول من القسم الثاني . المقطع الأول من القسم الثاني ويمتد من الآية (٥٩) إلى نهاية الآية (١٠٢) وهذا هو: [سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٩ الى ١٠٢] لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩) وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣) وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)

стр. 1844

المعنى العام: يبدأ السياق في هذا المقطع بعرض قصة نوح ﵇ وقومه ثم هود ﵇ وقومه، ثم قصة صالح ﵇ وقومه، ثم قصة لوط ﵇ وقومه ثم قصة شعيب ﵇ وقومه، ثم تأتي مجموعة آيات فيها مجموعة قواعد وسنن، ثم بعد ذلك يأتي مقطع جديد هو استمرار لهذا المقطع، وفيه قصة موسى مع فرعون ... ومن خلال هذا العرض نرى أن الله قد أنزل هدى بواسطة رسل فكيف كان موقف الناس من هذا الهدى؟ وماذا كان العقاب؟، فأما نوح فقد دعا قومه إلى عبادة الله والالتزام برسالاته واتباع رسوله، فكان موقفهم منه هو اتهامه بالضلال وتكذيبه والتعجب من أن ينزل الله على أحد من خلقه وحيا فعوقبوا بالغرق، ونجى الله نوحا وأهل الإيمان. وأما هود فقد: دعا قومه إلى عبادة الله وتقواه وتذكر نعم الله عليهم؛ فاتهموه بالسفه والطيش، وكذبوه وتعجبوا أن ينزل الله عليه وحيا، وأصروا على ما هم عليه من الشرك، فعاقبهم الله بتسليط ريح عليهم استأصلتهم ونجى الله هودا والمؤمنين.

стр. 1845

وأما صالح فكذلك: دعا قومه إلى عبادة الله وتذكر نعمه، وأتاهم بالمعجزة الشاهدة على صحة رسالته وهي الناقة؛ فأصروا على الكفر والاستكبار والصد عن سبيل الله وقتلوا الناقة، فعاقبهم الله بالزلزال والصيحة فماتوا أجمعون ونجى الله صالحا والمؤمنين. وأما لوط: فقد دعا قومه إلى ترك إتيان الرجال- وهي الفاحشة التي لم تعرفها البشرية قبلهم- فكان موقف قومه تكذيبه وتهديده بالإخراج من قريتهم؛ فعاقبهم الله فأمطر الله عليهم حجارة من السماء أهلكتهم، وخسف بقراهم وأنجى الله لوطا والمؤمنين. وأما شعيب: فقد دعا قومه إلى عبادة الله، والوفاء بالكيل والميزان، وألا يخونوا الناس في أموالهم، وأن يتركوا الفساد في الأرض، وألا يصدوا عن سبيل الله، وأن يتذكروا نعمة الله عليهم، فكان موقفهم أن هددوه بالنفي من أرضهم هو ومن معه؛ فعاقبهم الله بأن أهلكهم بزلزال رافقته صيحة وصاعقة من السماء ونجى الله شعيبا والمؤمنين. وبعد أن بين الله مواقف هذه الأمم من الهدى المنزل عليها بواسطة رسلها وما عاقبهم به في الدنيا وكيف نجى المؤمنين، يذكر الله ما اختبر به الأمم الماضية الذين أرسل إليهم الأنبياء، بأن سلط عليهم البأساء فأصابهم في أبدانهم. والضراء فأصابهم بالفقر والحاجة، وكل ذلك من أجل أن يتضرعوا إليه فيدعوه ويخشوه ويبتهلوا إليه في كشف ما نزل بهم. ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا، فما عقلوا شيئا من الذي أراد منهم؛ فقلب عليهم الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه، فحول الحال عليهم من شدة إلى رخاء، ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية، ومن فقر إلى غنى، ليشكروا على ذلك فما فعلوا واستمر حالهم على الكفر حتى كثرت الأموال والأولاد، واعتبروا كلا الحالين عاديا لا علاقة لله فيه، ولا علاقة لما هم فيه من الكفر بكلا الحالين. ابتلاهم الله بهذا ليتضرعوا وينيبوا إلى الله، فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا، ولا انتبهوا بهذا ولا هذا. وقالوا قد مسنا من البأساء والضراء، ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر. وإنما هو الدهر تارات وتارات. فلم يتفطنوا لأمر الله فيهم، ولا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين، وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء والضراء، هذا كله والرسل بين أظهرهم تدعوهم إلى الله، وتقيم عليهم الحجج

стр. 1846

ويظهر الله على أيديهم المعجزات وهم غافلون لا يتعظون بكلام نبي ولا بعقوبة ربانية واعظة، حتى إذا أعذروا من أنفسهم أخذهم الله بالعقوبة فجأة وبغتة، وعلى غير شعور منهم أو مقدمات، مع أنهم لو آمنوا بما جاءت به الرسل وصدقوا واتبعوا واتقوا الله بفعل الطاعات وترك المحرمات لفتح الله عليهم الدنيا، بإنزال المطر، وإنبات الأرض، ولكنهم كذبوا رسل الله فعاقبهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم. وبعد أن ذكر- سنته في الأمم التي ينزل عليها هدى، ويرسل لها رسلا، من خلال ذكر النماذج السابقة في القصص الخمس. ومن خلال ذكر القاعدة الكلية بعد ذلك، وإذ كان هذا كله من أجل أن يعقل هذا العالم الذي بعث له رسول الله ﷺ محمد، فإن الله يعقب على ما مضى كله بالوعظ والتحذير، فخوف وحذر البلاد والأمم أن ينزل بهم عذابه في ليل أو نهار، وهم غافلون، وحذرهم أن يأتيهم بأسه ونقمته وأخذه لهم، فإنه لا يأمن أحد من بأس الله إلا خاسر وغافل، وإنما تستحق البلاد والأمم ذلك في حالة كفرها وتمردها على رسول الله ﷺ ودعوته ودينه. ثم عجب الله من حال الذين يستخلفون في أرض من بعد إهلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها، ثم يسيرون بسيرة الهالكين، فكيف لا يتعظون، والله قادر على أن يصيبهم بما أصاب السابقين، ولكنه الكفر والكبر والتكذيب الذي يستحق به أصحابه عمى القلب فلا يتعظون. وبعد أن قص الله تعالى خبر قوم: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وما كان من إهلاكه الكافرين، وإنجائه المؤمنين، وأنه تعالى أعذر إليهم، بأن بين لهم الحق على ألسنة الرسل صلوات الله عليهم أجمعين، وبعد أن بين الله سنته في الإهلاك بعد الإعذار وتقليب الأحوال، وبعد أن حذر العالم من عقابه، وبعد أن عجب من الغفلة بعد رؤية ما حدث للأمم أنهى هذا المقطع بأن بين لرسوله ﷺ أنه يقص عليه من أخبار الأمم السابقة، وأن هذه الأمم الهالكة قد جاءتهم رسلهم بالحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، وأنهم لم يؤمنوا بما جاءتهم به الرسل؛ بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم كبرا فاستحقوا أن يطبع الله على قلوبهم، ثم بين تعالى لرسوله ﷺ أن أكثر الأمم السابقة لم يكن عندها وفاء لعهد الله الذي أخذه عليهم، بما جبلهم عليه وفطرهم، وأخذ عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، فأقروا بذلك وشهدوا

стр. 1847

على أنفسهم به، ثم هم خالفوه وتركوه وراء ظهورهم، وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة لا من عقل ولا من شرع، بل في الفطر السليمة خلاف ذلك، وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عنه، ومع ذلك فقد نقضت أكثر الأمم عهد الله هذا، ثم بين تعالى أن أكثر الأمم السابقة فاسقة، خارجة عن الطاعة والامتثال. وبتقرير هذا المعنى ينتهي المقطع، بعد أن استقر من خلاله ضرورة اتباع هدى الله المنزل ومآل العاصين والطائعين، وسنة الله في هؤلاء وهؤلاء، ومنها نفهم أن أكثرية الخلق لا تتبع الهدى، حتى لا يكون استغراب ولا تعليق للهدى بأكثرية أو أقلية. فالحق حق قبله الأكثرون أو رفضوه. وأهل الحق ناجون قلة كانوا أو كثرة. وأهل الباطل هالكون مهما كثروا. ويجئ المقطع بما يحقق محور السورة ويعمقه، وعلى خطه وسياقه، ولا يحتاج إدراك ذلك إلى بذل جهد قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فالمقطع قص علينا من نبإ الهدى الذي أنزله الله ومآل من اتبعوه في الدنيا، ومآل من صد، ومن قبل حدثتنا السورة عن مآل المؤمنين والكافرين في الآخرة. يقول صاحب الظلال في عرضه لهذا المقطع: (نحن مع موكب الإيمان .. هذه أعلامه وهذه علائمه وهذه هي معالم طريقه .. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي .. يواجهها كلما التوت بها الطريق، وكلما انحرفت عن صراط الله المستقيم، وكلما تفرقت بها السبل تحت ضغط الشهوات التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولا أن يرضي حقده وأن ينفذ وعيده وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم فاذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى ويلوح لها بالنور ويستروح بها روح الجنة ويحذرها لفحات السموم ونزغات الشيطان الرجيم عدوها القديم ..

стр. 1848

إنه مشهد رائع .. مشهد الصراع العميق في خضم الحياة على طول الطريق. إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد، إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة المعقد التركيب الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره- عنصر الطين الذي نشأ منه وعنصر النفخة من روح الله التي جعلت من هذا الطين إنسانا- إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد .. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الآفاق والعوامل التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها يتعامل مع (الذات) الإلهية مشيئتها وقدرها وجبروتها ورحمتها وفضلها .. الخ .. ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته، ويتعامل مع إبليس وقبيلته، ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه، ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض، ويتعامل مع بعضه البعض يتعامل مع الآفاق والعوالم بطبيعته تلك وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم .. وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط: يجري تاريخه من القوة في كيانه والضعف ومن التقوى والهدى، ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية ومن التعامل مع قدر الله في النهاية ... من هذا كله يتكون تاريخه .. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه. والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيرا «اقتصاديا» أو «سياسيا» والذين يفسرونه تفسيرا «بيولوجيا» والذين يفسرونه تفسيرا «روحيا» أو «نفسيا» والذين يفسرونه تفسيرا «عقليا» كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة والعوالم المتباعدة التي يتعامل معها الإنسان، ويتألف من تعامله معها تاريخه، والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع ويحيط به وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله. ونحن هنا أمام مشاهد صادقة لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية، وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر- الظاهرة والخفية- التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى، ولقد شهدنا هذا الكائن. باستعداداته الأساسية، شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له، والبارئ العظيم يعلن ميلاده، وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه، وشهدنا مهبطه إلى الأرض، وانطلاقه في التعامل مع عناصرها

стр. 1849

ونواميسها الكونية، ولقد شهدناه يهبط إلى الأرض مؤمنا بربه مستغفرا لذنبه مأخوذا عليه عهد الخلافة أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزودا بتلك التجربة الأولى في حياته ثم مضى به الزمن وتقاذفته الأمواج في الخضم، وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله، تفاعلت في واقعه وفي ضميره، ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية!!! إنه نسي .. وقد نسي .. إنه يضعف وقد يضعف .. إن الشيطان يغلبه .. وقد غلبه .. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى!!! لقد هبط إلى هذه الأرض مهتديا تائبا موحدا .. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالا مغتربا مشركا، لقد تقاذفته الأمواج في الخضم، ولكن هنا لك معلما في طريقه .. هنا لك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أنه لا يتركه وحده وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان يرفع أعلامه رسل الله الكرام: نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى ومحمد- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم- بتوجيه الله وتعليمه- إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال وبين الحق والباطل وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة ونجاة المؤمنين. بعد الإنذار والتذكير .. والقصص في القرآن لا يتبع دائما ذلك الخط التاريخي ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط، ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماما عن معالم الطريق وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم). المعنى الحرفي: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أي والله لقد أرسلنا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ دعاهم إلى توحيد الله وعبادته وحده. إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ

стр. 1850

عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي يوم القيامة أو يوم نزول العذاب عليهم قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ أي الأشراف والسادة إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي في ذهاب من طريق الصواب بين، والرؤية هنا رؤية القلب والعقل في زعمهم، وهكذا في كل عصر يزعم الكافرون أن أهل الهدى على ضلال، وأن حكمهم عليهم بهذا إنما هو حكم عقلي علمي أو ما يسمونه الآن موضوعيا قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ أي ليس بي شئ من الضلال ولم يقل ضلال كما قالوا بل قال ضلالة لأن الضلالة أخص من الضلال فإذا لم يكن عنده ضلالة من الضلالات فمن باب أولى ألا يكون ضالا وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ هذا تأكيد لنفي الضلالة لأن كونه رسولا من الله مبلغا لرسالاته في معنى كونه على الصراط المستقيم، فكان في الغاية القصوى من الهدى، وهذا الذي يفيده ابتداء التعبير بلكن التي تفيد الاستدراك أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي هذا بيان لكونه رسول رب العالمين ومن ثم يقوم بالبلاغ، والمراد برسالات الله هنا ما أوحي إليه في الأوقات المتطاولة أو في المعاني المتعددة من الأوامر والنواهي والمواعظ والبشائر والمذكرات وَأَنْصَحُ لَكُمْ أي وأقصد صلاحكم بإخلاص وقال وأنصح لكم ولم يقل وأنصحكم ليفيد مبالغته في تمحيضهم النصيحة. وحقيقة النصح: إرادة الخير لغيرك مما تريده لنفسك، أو النهاية في صدق العناية وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي من صفاته يعني قدرته الباهرة وشدة بطشه على أعدائه وأن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ الاستفهام للإنكار والمراد بالذكر الموعظة، والمراد على رجل منكم أي على لسان رجل منكم أي من جنسكم، وذلك أنهم كانوا يتعجبون من نبوة نوح ﵇ ويقولون ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ* يعنون إرسال البشر ويقولون لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ثم بين حكمة الإرسال لِيُنْذِرَكُمْ عاقبة الكفر وَلِتَتَّقُوا أي ولتوجد منكم التقوى وهي الخشية بسبب الإنذار وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم فَكَذَّبُوهُ أي فنسبوه إلى الكذب فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ أي والذين آمنوا معه فِي الْفُلْكِ أي في السفينة وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ أي عن الحق يقال: أعمى في البصر وعم في البصيرة. نقول: بمناسبة قوله تعالى لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ

стр. 1851

إِلهٍ غَيْرُهُ يقول صاحب الظلال: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه، فخاطبهم بتلك الكلمة الواحدة التي جاء بها كل رسول: فَقالَ: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ فهي الكلمة التي لا تتبدل، وهي قاعدة هذه العقيدة التي لا توجد إلا بها، وهي عماد الحياة الإنسانية الذي لا تقوم على غيره. وهي ضمان وحدة الوجهة ووحدة الهدف ووحدة الرباط. وهي الكفيل بتحرر البشر من العبودية للهوى، والعبودية لأمثالهم من العبيد، وبالاستعلاء على الشهوات كلها وعلى الوعد والوعيد. إن دين الله منهج للحياة، قاعدته أن يكون السلطان كله في حياة الناس كلها لله. وهذا هو معنى عبادة الله وحده، ومعنى ألا يكون للناس إله غيره. والسلطان يتمثل في الاعتقاد بربوبيته لهذا الوجود وإنشائه وتدبيره بقدرة الله وقدره. كما يتمثل في الاعتقاد بربوبيته للإنسان وإنشائه وتدبيره أمره بقدرة الله وقدره، وعلى نفس المستوى يتمثل في الاعتقاد بربوبية الله لهذا الإنسان في حياته العملية الواقعية، وقيامها على شريعته وأمره تمثله في التقدم بشعائر العبادة له وحده. كلها حزمة واحدة غير قابلة للتجزئة. وإلا فهو الشرك، وهو عبادة غير الله معه، أو من دونه). وبمناسبة رد قوم نوح على نوح ﵇ بقولهم: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ: إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. قال صاحب الظلال: (كما قال مشركو العرب لمحمد- ﷺ إنه صبأ، ورجع عن دين إبراهيم، وهكذا يبلغ الضال من الضلال أن يحسب من يدعوه إلى الهدى هو الضال! بل هكذا يبلغ التبجح الوقح بعد ما يبلغ المسخ في الفطر! .. تنقلب الموازين وتبطل الضوابط. ويحكم الهوى؛ ما دام أن الميزان ليس هو ميزان الله الذي لا ينحرف ولا يميل. وماذا تقول الجاهلية عن المهتدين بهدى الله؟ إنها تسميهم الضالين وتدعو من يهتدي منهم إلى المستنقع الكريه. وإلى الوحل الذي تتمرغ الجاهلية فيه. وماذا تقول الجاهلية اليوم للفتاة التي لا تكشف عن لحمها؟ وماذا تقول للفتى الذي يستقذر اللحم الرخيص؟ إنها تسمى ترفعهما هذا ونظافتهما وتطهرهما «رجعية» وتخلفا وجمودا وريفية! وتحاول الجاهلية بكل ما تملكه من وسائل التوجيه والإعلام أن تغرق ترفعهما ونظافتهما وتطهرهما في الوحل الذي تتمرغ فيه في المستنقع الكريه! وماذا تقول الجاهلية لمن ترتفع اهتماماته عن جنون مباريات الكرة، وجنون الأفلام والسينما والتليفزيون وما إليه؛ وجنون الرقص والحفلات الفارغة والملاهي؟ إنها تقول

стр. 1852

عنه: إنه «جامد». ومغلق على نفسه، وتنقصه المرونة والثقافة! وتحاول أن تجره إلى تفاهة من هذه ينفق فيها حياته .. إن الجاهلية هي الجاهلية .. فلا تتغير إلا الأشكال والظروف. وينفي نوح ﵇ عن نفسه الضلال، ويكشف لهم عن حقيقة دعوته ومنبعها، فهو لم يبتدعها من أوهامه وأهوائه. إنما هو رسول من رب العالمين. يحمل لهم الرسالة. ومعها النصح والأمانة. ويعلم من الله ما لا يعلمون. فهو يجده في نفسه، وهو موصول به، وهم عنه محجوبون: قالَ: يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ، وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ، وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. فوائد: ١ - في سفر التكوين من أسفار العهد القديم المعتمدة عند اليهود والنصارى، على ما فيها من جهالات وضلالات. في الإصحاح الخامس منه حديث عن نوح ﵇ وأنه نوح بن لامك بن متوشالح بن أخنوخ (وهو إدريس- ﵇ بن يارد بن مهلئيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇ ذكر هذا في الإصحاح الخامس بأن ذكرت هذه السلسلة واحدا فواحدا مع عمر كل وما ولد، وهذا المذكور هنا هو الذي ذكره ابن كثير عن ابن إسحاق مع اختلاف بسيط في رسمه بعض الأسماء مما يدل على أن ابن إسحاق أخذ هذا الكلام من هاهنا، والنقل عن كتب أهل الكتاب ليس فيه بأس على ألا يأخذ أكبر من حجمه، بمعنى: ألا يعطى من الثقة أكثر مما يستأهل، فمجموع ما بأيدينا من كتب العهدين- الجديد والقديم- إذا سلطت عليها سهام النقد العلمي فإنها لا تعدل عندنا الحديث الضعيف. بل إن قسما كبيرا منها من الموضوع المكذوب حتما بموازين النقد العلمي. فما سننقله منها مما لا نص فيه من كتابنا أو سنة رسولنا ﵊ لا يعدو أن يكون المراد بذكره الاستئناس. لا ندافع عنه إن ثبت بطلانه، ولا نتحمل مسئولية ما فيه، ولا نعتبره جزءا من ديننا، وإن ما في سفر التكوين من تهافت أو تناقض أو كذب صريح يجعل حكمنا عليه أقسى من حكمنا على ما بعده من أسفار العهد القديم الخمسة الأولى، والتي يسمونها التوراة. ولنا أثناء عرضنا هذه السورة جولة سنراها حول التوراة، كما أن لنا كرات على معان في قصة نوح ﵇.

стр. 1853

٢ - قال ابن كثير (وقد كان بين آدم إلى زمن نوح ﵉ عشرة قرون كلهم على الإسلام. قاله ابن عباس وغير واحد من علماء التفسير: وكان أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا فبنى قومهم عليهم مساجد، وصوروا صور أولئك فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم، فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور. فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين: ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا. فلما تفاقم الأمر بعث الله وله الحمد والمنة- رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله لا شريك له.) ٣ - وبمناسبة قوله تعالى: أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ قال ابن كثير: (وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغا فصيحا ناصحا عالما بالله لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات كما جاء في صحيح مسلم: أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم عرفة- وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعا- «يا أيها الناس إنكم مسئولون عني فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد). ولنعد إلى التفسير: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً أي وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحا ﵇ كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، والمراد بقوله تعالى «أخاهم» أي واحدا منهم، وإنما جعل واحدا منهم لأنهم عن رجل منهم أفهم، فكانت الحجة عليهم ألزم قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ دعاهم إلى عبادة الله وتوحيده وحضهم على التقوى التي طريقها التوحيد والعبادة قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ أي الأشراف والسادة ممن كفر، وقد فهم بعضهم من وصف ملأ قوم هود بالذين كفروا، وعدم وصف قوم نوح بذلك، أن بعضا من أشراف عاد أسلموا، ولم يوجد من أشراف قوم نوح من أسلم إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ أي في خفة حلم وسخافة عقل حيث تهجر دين قومك إلى دين آخر واستعمال «في» قبل كلمة «سفاهة» تفيد أنهم بالغوا في وصفه بالسفاهة حتى إنها محيطة به وهو متمكن فيها غير منفك عنها وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ أي في ادعائك الرسالة قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أي لكم فيما أدعوكم إليه قَوَّامِينَ* على ما أقول لكم، وفي إجابة الأنبياء ﵈ من ينسبهم إلى

стр. 1854

الضلالة والسفاهة بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء، وترك المقابلة بما قالوا لهم، مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم، أدب حسن، وخلق عظيم، وإخبار الله عن ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسلبون أذيالهم على ما يكون منهم أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ هذا يحتمل أن عادا خلفوا قوم نوح في الأرض، ويحتمل أنهم خلفوهم في مساكنهم، وهذا يفيد أن سلطان قوم عاد امتد إلى مناطق قوم نوح، مع ملاحظة أن هناك اتجاهين في كون قوم نوح هم سكان الأرض وحدهم، أو أنهم سكان منطقة محددة منها وهي مواضيع ستأتي في محلها وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً أي طولا وعرضا والمعنى: زاد طولكم على الناس بسطة أي جعلكم أطول من أبناء جنسكم فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ أي نعمه ومنته عليكم في استخلافكم وبسطة أجرامكم وما سواهما من عطاياه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بطاعة رسول الله فيما أنذركم به، وتذكركم نعمة الله فتشكرونه قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا أنكروا واستبعدوا اختصاص الله وحده بالعبادة وترك دين الآباء في اتخاذ الأصنام شركاء معه؛ حبا لما نشئوا عليه؛ وقولهم أجئتنا يحتمل أن يكون لهود ﵇، مكان منعزل عن قومه يتحنث فيه كما كان يفعل رسول الله ﷺ بحراء قبل المبعث، فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم فَأْتِنا بِما تَعِدُنا أي من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أن العذاب نازل بنا قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ الرجس: العذاب. والسخط: الغضب. وقوله قد وقع أي قد نزل، جعل المتوقع الذي لا بد من نزوله بمنزلة الواقع أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ أي من حجة. وقوله فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أي: في أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها مسميات لأنكم تسمون الأصنام آلهة وهي خالية من معني الألوهية فَانْتَظِرُوا أي نزول العذاب إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ذلك. يقول صاحب الظلال: والتعبير المتكرر في القرآن: ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ (هو تعبير موح عن حقيقة أصيلة .. إن كل كلمة أو شرع أو عرف أو تصور لم ينزله الله، خفيف الوزن، قليل الأثر، سريع الزوال .. إن الفطرة تتلقى هذا كله في استخفاف، فإذا جاءت الكلمة من الله ثقلت واستقرت ونفذت إلى الأعماق، بما فيها من سلطان الله الذي يودعها إياه.

стр. 1855

وكم من كلمات براقة، وكم من مذاهب ونظريات، وكم من تصورات مزوقة، وكم من أوضاع حشدت لها كل قوى التزيين والتمكين .. ولكنها تتذاوب أمام كلمة من الله، فيها من سلطانه- سبحانه- سلطان. وفي ثقة المطمئن، وقوة المتمكن، يواجه هود قومه بالتحدي: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ. إن هذه الثقة هي مناط القوة التي يستشعرها صاحب الدعوة إلى الله .. إنه على يقين من هزال الباطل وضعفه وخفة وزنه مهما انتفش ومهما استطال. كما أنه على يقين من سلطان الحق الذي معه وقوته بما فيه من سلطان الله). فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ أي من آمن به بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدابر: الأصل أو الكائن خلف الظهر وقطع دابرهم: استئصالهم وتدميرهم عن آخرهم وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ نفى الإيمان عنهم وأثبت التكذيب؛ ليؤكد أن الاستئصال كان في محله. يقول صاحب الظلال: فهو المحق الكامل الذي لا يتخلف منه أحد. وهو ما عبر عنه بقطع الدابر. والدابر هو آخر واحد في الركب يتبع أدبار القوم! وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين. وتحقق النذير مرة أخرى بعد إذ لم ينفع التذكير. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى على لسان هود اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يقول صاحب الظلال: (إنها نفس الرسالة، ونفس الحوار، ونفس العاقبة .. إنها السنة الماضية، والناموس الجاري، والقانون الواحد .. إن قوم عاد هؤلاء من ذراري نوح والذين نجوا معه في السفينة، وقيل: كان عددهم ثلاثة عشر .. وما من شك أن أبناء هؤلاء المؤمنين الناجين في السفينة كانوا على دين نوح ﵇ وهو الإسلام- كانوا يعبدون الله وحده، ما لهم من إله غيره، وكانوا يعتقدون أنه رب العالمين. فهكذا قال لهم نوح: وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. فلما طال عليهم الأمد، وتفرقوا في الأرض، ولعب معهم الشيطان لعبة الغواية، وقادهم من شهواتهم- وفي أولها شهوة الملك وشهوات المتاع، وفق الهوى لا وفق شريعة الله، عاد قوم هود يستنكرون أن يدعوهم نبيهم إلى عبادة الله وحده من جديد)

стр. 1856

٢ - وبمناسبة رد قوم هود على هود ﵇ واتهامهم إياه بالسفاهة يقول صاحب الظلال: (وكأنما كبر على الملأ الكبراء من قومه أن يدعوهم واحد من قومهم إلى الهدى وأن يستنكر منهم قلة التقوى؛ ورأوا فيه سفاهة وحماقة، وتجاوزا للحد، وسوء تقدير للمقام! فانطلقوا يتهمون نبيهم بالسفاهة وبالكذب جميعا في غير تحرج ولا حياء: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ: إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ، وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ .. هكذا جزافا بلا ترو ولا تدبر ولا دليل.) ٣ - قال محمد بن إسحاق عن عاد: هم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح. وفي سفر التكوين في الإصحاح العاشر أن من أولاد سام أرام ومن أولاد أرام عوص ولم يذكر من ولد عوص فهذا الذي أغفله السفر ذكره ابن إسحاق أن عادا بن عوص ويلاحظ أن إرم ذكره سفر التكوين باسم أرام قال ابن كثير: هؤلاء هم عاد الأولى الذين ذكرهم الله وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى العمد في البر قال تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ وذلك لشدة بأسهم وقوتهم .... وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف: وهي جبال الرمل قال محمد بن إسحاق ... عن أبي الطفيل عامر بن واثلة سمعت عليا يقول لرجل من حضرموت: هل رأيت كثيبا أحمر يخالطه مدرة (١) حمراء ذات أراك وسدر كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت، هل رأيته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين والله إنك لتنعته نعت رجل قد رآه. قال: لا: ولكني قد حدثت عنه، فقال الحضرمي: وما شأنه يا أمير المؤمنين قال: فيه قبر هود ﵇. رواه ابن جرير. (أقول ولا زال أهل حضرموت يعرفون قبرا عندهم أنه قبر هود ﵇. والله أعلم. قال ابن كثير: وهذا (إشارة إلى ما ساقه) فيه فائدة أن مساكنهم كانت باليمن وأن هودا ﵇ دفن هناك وقد كان من أشرف قومه نسبا، لأن الرسل إنما يبعثهم الله من أفضل القبائل وأشرفهم، ولكن كان قومه كما شدد الله خلقهم شدد على قلوبهم ... (أقول: المراد باليمن هنا اليمن كله الذي يشمل جنوبي الجزيرة العربية كلها. قال محمد بن إسحاق: كانوا يسكنون باليمن بين عمان وحضرموت مع ذلك قد فشوا في الأرض وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله.

стр. 1857

٤ - والعرب يتناقلون كلاما كثيرا عن عاد، فلم يزالوا يتوارثون ما حدث لعاد فيزيدون وينقصون، وما قصه الله عنهم فيه كفاية للعبرة، وأجود ما نستطيع نقله ونطمئن إليه في هذا الباب ما رواه الإمام أحمد وغيره عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ ، فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله ﷺ حاجة، هل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال متقلد بسيف بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها، قال فجلست، فدخل منزله- أو قال: رحله- فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت وسلمت، فقال: هل بينكم وبين تميم شئ؟ قلت: نعم وكانت لنا الدبرة (١) عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها فدخلت، فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت، وقالت: يا رسول الله، فإلى أين يضطرك مضطرك؟ قال قلت: إن مثلي ما قال الأول: معزى حملت حتفها (٢)، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد. قال هيه، «وما وافد عاد!» - وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه- قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له: قيل. فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما: الجرادتان. فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها: اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها خذها رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا قال: فما بلغني أنه بعث الله عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا. قال أبو وائل (أحد رجال سند الحديث) وصدق، قال: وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدهم قالوا: لا تكن كوافد عاد هكذا رواه الإمام، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير أيضا. هذا الحديث يبين أن قصة عاد كانت معروفة لدى العرب مألوفة لديهم لا بكل تفصيلاتها ولكن لم تكن غريبة عنهم، وكانوا يتناقلون خبرها جيلا بعد جيل ولكنا لم ننقل كل ما يقولونه لاحتمال الوهم فيه.

стр. 1858

ولنا كلام سيأتي عن عاد إذا جاء محله فلنكتف الآن بما ذكرنا وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أي وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ دعاهم إلى عبادة الله وتوحيده قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي آية ظاهرة شاهدة على صحة نبوة صالح ﵇ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ أضيفت الناقة إلى الله لأنها بتكوينه تعالى المباشر بلا صلب ولا رحم لَكُمْ آيَةً هذا بيان لمن هي له آية وهم ثمود لأنهم عايشوها فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ لأن الأرض أرضه، والناقة ناقته، فاتركوها تأكل في أرض ربها من نبات ربها فليس عليكم مئونتها وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ أي بأذى فلا تطردوها ولا تعقروها إكراما لآية الله فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ إن مسستموها بسوء وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ يوحي هذا بأنه كان لثمود السلطان في أرض العرب بعد عاد وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي وأنزلكم في الأرض التي أنتم فيها وهي أرضهم المعروفة حتى الآن بآثارها منهم ما بين الحجاز والشام تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً أي غرفا للصيف وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً أي للشتاء فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ أي نعمه وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بمعصيتكم لله ورسوله قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أي قال المستكبرون للمستضعفين لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ دل على أن المستضعفين كانوا كافرين ومؤمنين، وكلام المستكبرين للمستضعفين المؤمنين أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ سألوهم هذا السؤال على سبيل السخرية قالُوا أي المؤمنون إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ سألهم المستكبرون عن العلم بإرساله فجعلوا إرساله أمرا معلوما مسلما، كأنهم قالوا العلم بإرساله وبما أرسل به لا شبهة فيه، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به فنخبركم أنا به مؤمنون. يقول صاحب الظلال في قوله تعالى: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ؟ (وواضح أنه سؤال للتهديد والتخويف ولاستنكار إيمانهم به وللسخرية من تصديقهم له في دعواه الرسالة من ربه. ولكن الضعاف لم يعودوا ضعافا لقد سكب الإيمان بالله القوة في قلوبهم والثقة في نفوسهم والاطمئنان في منطقهم .. إنهم على يقين من أمرهم فماذا يجدي التهديد والتخويف، وماذا تجدي السخرية والاستنكار ... من الملأ المستكبرين؟: قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ.

стр. 1859

قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ أي برسالة صالح كافِرُونَ قالوا هذا مع وضوح الآية وظهور الحجة- فعليهم اللعنة- فَعَقَرُوا النَّاقَةَ أي قتلوها وذبحوها ومع أن العاقر واحد منهم فإنه قد نسب الفعل إلى جميعهم لأنه كان برضاهم. قال قتادة: بلغني أن من قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن، وعلى الصبيان جميعهم وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي وتولوا عن دين ربهم واستكبروا عنه، ويمكن أن يكون المراد بأمر الله أمره لهم في أمر الناقة أن يذروها تأكل في أرض الله وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا أي من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي الصيحة التي زلزلت لها الأرض واضطربوا لها فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ أي في بلادهم أو مساكنهم جاثِمِينَ أي ميتين يقال: الناس جثم أي: قعود لا حراك بهم ولا يتكلمون فَتَوَلَّى عَنْهُمْ أي لما عقروا الناقة وَقالَ عند فراقه إياهم يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ أي الآمرين بالهدى وسبب عدم حب الناصح استحلاء الهوى، ولم يزل الناس قديما وحديثا هذا دأبهم يستثقلون النصيحة حتى المؤمنون منهم إلا الصديقون فما بالك بالكافرين. قال النسفي: والنصيحة منيحة تدرأ الفضيحة، ولكنها وخيمة تورث السخيمة. أقول: إلا إذا كان المنصوح صديقا والناصح مخلصا. فوائد: ١ - قال صاحب الظلال: (ولا يذكر السياق هنا أين كان موطن ثمود ولكنه يذكر في سورة أخرى أنهم كانوا في الحجر- وهي بين الحجاز والشام- ونلمح من تذكير صالح لهم أثر النعمة والتمكين في الأرض لثمود، كما نلمح طبيعة المكان الذي يعيشون فيه فهو سهل وجبل، وقد كانوا يتخذون في السهل القصور، وينحتون في الجبال البيوت فهي حضارة عمرانية واضحة المعالم في هذا النص القصير، وصالح يذكرهم استخلاف الله لهم من بعد عاد وإن لم يكونوا في أرضهم ذاتها ولكن يبدو أنهم كانوا أصحاب الحضارة العمرانية التالية في التاريخ لحضارة عاد وأن سلطانهم امتد خارج الحجر أيضا وبذلك صاروا خلفاء ممكنين في الأرض محكمين فيها وهو ينهاهم عن الانطلاق في الأرض بالفساد اغترارا بالقوة والتمكين وأمامهم العبرة ماثلة في عاد الغابرين). ٢ - قال ابن كثير: (قال علماء التفسير والنسب ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جديس بن عاثر، وكذلك قبيلة طسم، كل هؤلاء كانوا أحياء من

стр. 1860

العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل ﵇، وكانت ثمود بعد عاد، ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام، إلى وادي القرى وما حوله) أقول: وعاثر المذكور في النسب يسميه سفر التكوين «جاثر» والمساكن التي ذكرها ابن كثير لا زالت موجودة وهي تثير دهشة الناظر للجهد الذي بذل فيها ولبقائها هذه الآلاف من السنين، وكأنها الآن منحوتة، والرحلة إليها سهلة وقد علمنا رسول الله ﷺ كيف يكون أدب المسلم. إذا رأى ديار الظالمين الهالكين أو مر بها. فقد روى الإمام أحمد ... عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله ﷺ بالناس على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا لها القدور، فأمرهم النبي ﷺ فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل. ثم أرتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال: إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم». وروى الإمام أحمد أيضا ... عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ وهو بالحجر «ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم» وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين .. وله أيضا .... عن أبي كبشة الأنماري عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنادى في الناس: «الصلاة جامعة» قال: فأتيت رسول الله ﷺ وهو ممسك بعنزة وهو يقول: «ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم» فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله قال: «أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك: رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا. وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا». وأقول: إن بعض الناس يتشددون في المنع عن رؤية أثار هؤلاء الأقوام والذى يبدو لي- والله أعلم- أن رسولنا ﵊ منع من النظرة التي لا يرافقها اعتبار كيف وإن معرفة هذه الآثار والكلام عنها- خاصة في عصرنا- فيه معنى التصديق لكتاب الله أمام المشككين الذين لم يتركوا شيئا إلا شككوا فيه. ٣ - ويعلمنا ﵊ بمناسبة قصة ثمود ألا نسأل الله آية، فقد روى الإمام أحمد عن جابر قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال: «لا تسألوا الله
следующие страницы →