← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

يفرضوا سلطانه ويعلوا كلمته بحيث يخاف غيرهم من سلطان الله بخوفهم منهم فإذا أراد أن يدخل مساجد الله لا يدخلها إلا وهو خاضع خائف. فكيف يصح أن يكون له السلطان عليها. قال النسفي: «أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا عن أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين عنها». لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ أي للمانعين قتل، وسبي للحربي، وذلة بضرب الجزية للذمي وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ أي النار هذا التفسير النسفي لهذه الآية وهو يؤكد أن المانعين لمساجد الله يدخل فيهم اليهود والنصارى والمشركون وغيرهم، أي من غير المسلمين. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه ابتداء من الربط الكامل في المعنى ما بين هذه الآيات والآية قبلها. فآية وَمَنْ أَظْلَمُ ... رد على اليهود والنصارى والذين لا يعلمون أنهم على شئ لأنهم جميعا ظالمون، وتأكيد أن المسلمين وحدهم على شئ لأنهم لا يمنعون أحدا أن يذكر اسم الله في مسجد أو معبد. وهذه الآية آية وَمَنْ أَظْلَمُ .. من غوامض الآيات وخاصة في خاتمتها ولذلك فللمفسرين كلام كثير فيها واختلاف كثير: اختلفوا في المراد بالمانعين فقال قوم اليهود، وقال قوم النصارى، وقال قوم المشركون وكل استدل بشيء. والذي أراه- ويظهر ذلك من خلال التاريخ والواقع- أن الجميع كذلك إذا كان لهم السلطان ولذلك فعلى المسلمين أن يكون لهم السلطان السياسي في هذا العالم، لأنه ليس غير المسلمين مؤتمنين على حفظ حرمة أماكن العبادة لله في العالم. واختلفوا في قوله تعالى أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ هل هو إخبار عن حال، أو هو خبر بمعنى النهي، أو هو وصف لما ينبغي أن يكون، أو هو بشارة للمسلمين أن الحال سيكون كذلك، وقد بسط ابن كثير هذه الأقوال وقدم القول بأنه خبر بمعنى النهي. وقدم النسفي القول بأنه وصف لما ينبغي أن يكون، وجمعنا نحن بين القولين كما مر. ولمجرد توضيح القول الرابع ننقل عبارة ابن كثير فيه «وقيل إن هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد إلا خائفا يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول المسجد الحرام».

стр. 212

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي بلاد المشرق والمغرب كلها لله وهو مالكها ومتوليها. فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، أي ففي أي مكان فعلتم التولية فثم وجه الله. والمعنى إنكم إذا منعتم من مسجد فقد جعلت لكم الأرض مسجدا وطهورا فصلوا في أية بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان. إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ أي هو واسع الرحمة يريد التوسعة على عباده عَلِيمٌ بمصالح عباده. وهناك مسائل تثار عند هذه الآية منها المسائل الفقيهة ومنها ما له علاقة بمعرفة الذات الإلهية وسنعقد بعد عرض المقطع من أجل ذلك كله فصلا. كلمة في السياق: جاءت هذه الآيات بين مقولتين بين قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ ... وبين قوله تعالى وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً .... فهي بلا شك تعرض موقفا للكافرين وهو منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. وتبين للمسلمين الموقف المكافئ لهذا الظلم العريض وفي الوقت نفسه تبين للمسلمين أنه إذا حيل بينكم وبين المسجد فالأرض كلها لكم مسجد. وكما أن الآيات في سياقها العام أعطتنا هذا وأعطتنا ردا ضمنيا على مقولة اليهود والنصارى والجاهلين، فإنها في سياق فقرتها تعمق المعاني التي من أجلها نهينا عن المتابعة لكافر، وهي في سياق فصلها تعلل لعدم الطمع في إيمان اليهود وأمثالهم، وهي في سياق مقطعها ترينا إحدى الانحرافات الخطيرة التي وقع فيها اليهود وغيرهم، وتعطينا دروسا فيما ينبغي أن نفعله لمواجهة الانحراف والمنحرفين. ٤ - وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ* بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ اشتملت هاتان الآيتان على الرد على النصارى ومن أشبههم من اليهود الذين قالوا عزير ابن الله، ومن المشركين ممن جعل الملائكة بنات الله وغيرهم من أصحاب هذه المقولة فأكذب الله جميعهم في دعواهم، وقولهم إن لله ولدا وكان الرد عليهم في هاتين الآيتين في خمسة مواطن: ١ - في قوله تعالى سُبْحانَهُ أي تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا فمن

стр. 213

عرف الله وجلاله وعظمته نزهه عن ذلك. ٢ - في قوله تعالى بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ليس الأمر كما افتروا وإنما له ملك السموات والأرض ومن فيهن، وهو المتصرف فيهم وهو خالقهم ورازقهم ومقدرهم ومسخرهم ومسيرهم ومصرفهم كما يشاء، والجميع عبيد له وملك له، فكيف يكون له ولد منهم، والولد إنما يكون من شيئين متناسبين، وهو ﵎ ليس له نظير ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له فكيف يكون له ولد؟ وهو العظيم الذي لا نظير له ولا شبيه له وجميع الأشياء له مخلوقة مربوبة. ٣ - في قوله تعالى كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ فالجميع مقرون له بالعبودية فلا يشذ أحد عن ذلك فمن كان هذا شأنه لا يكون أحد إلا عبد له سبحانه. ٤ - في قوله تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فمن ابتدع السموات والأرض على غير مثال سبق هو أجل من أن يكون له ولد. ٥ - في قوله تعالى وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه وأنه إذا قدر أمرا وأراد كونه فإنما يقول له (كن) أي مرة واحدة فيكون أي فيوجد على وفق ما أراد بين بذلك أيضا على أن خلق عيسى أو عزير أو الملائكة أو غير ذلك مما زعم الزاعمون أنه ابن لله بكلمة كن فكان، كما أمر الله ومن كان كذلك لا يكون إلا عبدا قال ابن جرير: فمعنى الكلام: سبحان الله أن يكون له ولد وهو مالك ما في السموات والأرض تشهد له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية وتقر له بالطاعة وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه. وهذا إعلام من الله لعباده أن ممن يشهد له بذلك المسيح الذي أضافوا إلى الله بنوته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال هو الذي ابتدع المسيح عيسى من غير والد بقدرته .. المعنى الحرفي: وَقالُوا أشهر القائلين بهذه الفكرة الضالة هم النصارى ولكنها فكرة شائعة عند كل الأمم تقريبا إما بشكل أو بآخر كما سنحقق ذلك في سورة براءة، اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً قال النصارى: المسيح ابن الله وقال اليهود: عزير ابن الله وقال مشركوا العرب: الملائكة بنات الله سُبْحانَهُ أي تنزيه له بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ

стр. 214

وَالْأَرْضِ أي هو خالقه ومالكه ومن جملة ذلك المسيح وعزير والولادة تنافي الملك كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أي منقادون لا يمتنع شئ منهم على تكوينه وتقديره فهم مطيعون عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا إليهم بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مخترعهما لا على مثال سبق وَإِذا قَضى أَمْراً أي حكم أو قدر فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي احدث فيحدث وهو من كان التامة وهذا مجاز عن سرعة التكوين. فالمعنى أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه إباء وأكد بهذا استبعاد الولادة. لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت صفاته مباينة لصفات الأجسام فأنى يتصور التوالد ثم، وإنما قالوا بأن (كن) أمر مجازي لأنه لا فرق بين أن يقال وإذا قضى أمرا فإنما يكونه فيكون وبين أن يقال فإنما يقول له كن فيكون. ولأنه لو كان أمرا على الحقيقة فإما أن يخاطب به الموجود والموجود لا يخاطب بكن أو المعدوم والمعدوم لا يخاطب. أقول: إنما يضطر العالم للخوض في مثل هذا إذا وجد من يجادل أما إذا وجد ذو القلب فإنه يتلقى مثل هذا بالتسليم ويترك الخطاب في قلبه من الأثر ما لا تتركه كلمة أخرى وسنعقد لهذا الموضوع فصلا. أخرج البخاري في تفسير قوله تعالى وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ... عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال «قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي: فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: إن لي ولدا، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا» وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم». كلمة في السياق: جاءت هذه المقولة في سياق عرض أمهات من القضايا الرئيسية عند أهل الكتاب، أو الكافرين عامة؛ لتعميق فكرة عدم التلقي عنهم، والاقتداء بهم كيف وهذا شأنهم في الضلال والكفر وإيذاء الله تعالى. والملاحظ أنه في سياق المقطع الذي هو خطاب لبني إسرائيل تذكر مقولات لهم، أو لغيرهم، أو لهم ولغيرهم، مما يشير إلى أن السياق يريد أن يوصل في قلوب هذه الأمة موقفا من الكفر عامة. فالمقطع في الأصل آت في سياق عرض نموذج على موقف من هدى أنزل على أمة من قبل. ثم تأتي بعد ذلك مقولة أخرى.

стр. 215

٥ - وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. يرجح ابن كثير أن القائلين هم كفار العرب. ويرجح هذا الاتجاه ذكر الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فيما مضى على أنهم غير اليهود والنصارى ممن لا وحي سماويا عندهم. ونحن نرجح أنه يدخل في كلمة الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ هنا كل من يسأل هذه الأسئلة، سواء كان ملحدا، أو مشركا، أو كتابيا في الأصل، فإنه بسؤاله مثل هذه الأسئلة دخل في سلك الذين لا يعلمون. إن هذه الطبقة الجاهلة من الناس تعلق الإيمان على تكليم الله إياها، أو على مجئ الآيات هذا مع أن الآيات الكافية للإيمان موجودة ولكنه التعنت. إن هذا النوع من المطالب المتعنتة ليس جديدا على منطق الكفر بل هو طريق الكفار في كل عصر. لذلك قال تعالى: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ. وقد ناقشنا هذا الموضوع في أول كتابنا (الله ﷻ وبينا في ذلك الكتاب أن هذا الطلب غير علمي وغير عقلي. وقد رد الله على هؤلاء هنا بقوله: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ فالآيات موجودة وهي كافية لأهل اليقين بوجود الله. وذكر كلمة يُوقِنُونَ هنا يشعر بأن طلاب هذه المطالب طالبوا بها من أجل الإيمان برسول الله، فكأنهم قالوا فليكلمنا الله شاهدا أنك رسوله، أو فلتأتنا آية تدلنا على ذلك. فكان الجواب أن الآيات قد جاءت واضحة لمن كان عنده يقين بالله. قال القرطبي في لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أي يخاطبنا بنبوتك قال ابن كثير: وهو ظاهر السياق. المعنى الحرفي: وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ من المشركين والملحدين وأهل الكتاب الذين بتركهم العمل بما يعلمون أصبحوا لا يعلمون لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أي هلا يكلمنا الله كما يكلم الملائكة، أو هلا يكلمنا الله بنبوتك أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ أي معجزة تشهد على نبوتك ورسالتك يا محمد ﷺ وإنما قالوا هذا جحودا واستهانة لأن يكون ما آتى الله محمدا ﷺ من الآيات كافيا للإيمان كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ إنها عقلية واحدة، عقلية الجحود والشك في كل عصر ومصر تتكلم بلغة واحدة تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ أي تشابهت قلوب هؤلاء ومن قبلهم، في العمي، والجحود، والشك؛

стр. 216

فتكلموا بلغة واحدة قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل لقوم ينصفون فيوقنون أنها آيات يجب الاعتراف بها، والإذعان لها، والاكتفاء بها عن غيرها، أو يوقنون بأن الله موجود؛ فهؤلاء لا تخفى عليهم آيات الله التي تشهد لرسالة رسله عليهم الصلاة والسلام بما في ذلك رسالة محمد ﷺ . وهكذا أكملت هذه الآية صورة الاتجاهات الكبرى التي تواجه الدعوة الإسلامية أقوالا وأفعالا، وجاء هذا كله في سياق النهي عن متابعة أهل الكفر في أدنى شئ، وفي سياق الانحراف عن هدى الله، ثم تأتي بعد ذلك آيتان تتوجهان بالخطاب لرسول الله ﷺ إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ* وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ. المعنى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً للمؤمنين بالثواب. وَنَذِيراً للكافرين بالعقاب وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ أي عن أصحاب النار أي لا نسألك عنهم ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت، وبلغت جهدك في دعوتهم. في هذه الآية مجموعة قضايا ١ - أن هناك رسولا بالحق مهمته التبشير والإنذار هو محمد ﷺ ٢ - وأن الذي أرسله هو الله رب العالمين ٣ - وأن الثواب والعقاب على الله، وأن الله لا يسأل رسوله عن كفر من كفر به، بل سيتحمل كل كافر مسئوليته عن نفسه أمام الله. ومجئ هذه الآية بعد المقولات والمواقف السابقة للكافرين فيها إشارة إلى أن هذا الكفر الذي عليه هؤلاء سيجعلهم من أهل الجحيم، وأن على رسول الله ﷺ أن يبشر، وأن ينذر، وأنه لا عليه من هؤلاء. ثم قال تعالى لرسوله ﷺ . وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ هذا تقنيط من الله لرسوله ﷺ وللمؤمنين من رضى اليهود والنصارى عنهم ما داموا على الإسلام. قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى أي إن هدى الله الذي رضيه لعباده وهو الإسلام المنزل على محمد ﷺ هو الهدى كله ليس وراءه هدى. وأن ما يدعون إليه ليس هدى بل هو هوى بدليل وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع، وقد رأيت بعضها فيما مر بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي من العلم بأن دين الله هو الإسلام أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة. ما لَكَ

стр. 217

مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يرفع عنك عذاب الله وَلا نَصِيرٍ أي ينصرك من الله ويلاحظ أن الله قال حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ أفرد الملة مع أنهما ملتان؛ وذلك إشارة إلى أن ملة الكفر واحدة. في هذه الآية وصف لحقيقة موقف اليهود والنصارى من هذه الأمة أن كلا من اليهود أو النصارى لا يرضيه من هذه الأمة إلا أن تترك الإسلام وتدخل في دينه، وأن غير ذلك لا يرضيهم أبدا ولو تظاهروا بقبوله. إن نسيان هذا الدرس البليغ كان سبب الكوارث الكبيرة في عصرنا فقد حاول كثير من أبناء المسلمين أن يرضوا الكافرين ببعض التنازلات والمداهنات؛ ظنا منهم أنهم يرضونهم بهذا القدر، فلم يحصدوا إلا الغدر والقهر. فالآية تقول مخاطبة رسول الله ﷺ والخطاب للأمة كلها: ليست اليهود والنصارى براضية عنك أبدا؛ فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق، وقل إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى يعني: هو الدين المستقيم، الصحيح، الكامل الشامل، وأن ما أنتم عليه هو الهوى الذي عقوبته عند الله شديدة. كلمة في السياق: - بعد أن عرضت الفقرة مجموعة من المواقف والأقوال الظالمة والباطلة جاء قوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً فدلل ذلك على أن الرسالة المصححة هي رسالة محمد ﷺ ثم جاء قوله تعالى وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ وفي ذلك إشارة إلى أن أصحاب هذه الأقوال والمواقف هم من أصحاب الجحيم، وقد جاءت هذه الآية في سياق الفقرة المبدوءة بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ فكانت في محلها مبينة أن الحق في رسالة محمد ﷺ فكيف يتابع الكافرون المستحقون للعذاب الأليم. - وبعد عرض الأقوال والمواقف الضالة جاء قوله تعالى وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ أي حتى تتابعهم على مثل هذه المواقف والأقوال الضالة الظالمة قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى فالهدى هو في الإسلام. جاءت هذه الآية في سياق قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا ... وفي ذلك إعلام بأن أي متابعة لأهل الكتاب من باب مسايرة الأهواء، وأنها لا ترضيهم إلا

стр. 218

إذا انحرفنا كاملا، فالسياق في الفقرة يصب في قطع دابر المتابعة للكفر وأهواء أهله. - وجاء هذا كله في سياق الفصل الذي بدايته أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ فجاءت الآيات مبينة ما يحول بينهم وبين الإيمان، ومثبتة لنا على الإيمان، وموصلة لنا إلى تبيان الطريق الصحيح للوصول إلى الإيمان، وذلك في الآية الأخيرة من الفصل الثاني وهي قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. المعنى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ هم مؤمنو أهل الكتاب، وهو التوراة، أو الإنجيل، أو أصحاب النبي ﷺ ، ويكون الكتاب هو القرآن، أو الجميع، ويكون الكتاب المقصود جنس الكتاب يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أي يقرءونه حق قراءته، في الترتيل، وأداء الحروف، والتدبر، والتفكر، والإيمان بمضمونه، والعمل به. ومن ذلك إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار كما قال عمر بن الخطاب. ومن حق التلاوة ما قاله ابن مسعود: «والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرؤه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله». ومن حق التلاوة ما قاله الحسن البصري: «يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه». ومن حق التلاوة ما قاله ابن عباس «يتبعونه حق اتباعه» أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ هذا خبر عن الذين آتيناهم الكتاب أي: من أقام كتاب الله كما وصفنا هو المؤمن به على الحقيقة وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ حيث اشتروا الضلالة بالهدى. كلمة في السياق: بهذه الآية انتهى الفصل الثاني في المقطع الثالث وهو المقطع الذي ابتدأ بخطاب بني إسرائيل، وانتهى بخطاب بني إسرائيل، في الآيتين اللتين سنذكرهما بعد قليل. إن هذه الآية التي ختم بها الفصل الثاني الذي بدايته أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ دلت على طريق الإيمان وهو: تلاوة الكتاب حق التلاوة، فمن قرأ التوراة حق التلاوة، وصل إلى

стр. 219

الإيمان بمحمد ﷺ ، ومن تلا الإنجيل حق التلاوة وصل إلى الإيمان بمحمد ﷺ ، ومن تلا القرآن حق التلاوة وصل إلى الإيمان بالقرآن، إن الآية تحتمل ذلك كله، كما تحتمل الطعن في أهل الكتاب في أنهم لا يؤمنون بكتابهم أصلا؛ لأنهم لا يتلونه حق تلاوته وهكذا، فهذه الآية التي تختم الفصل تفهم فهوما عدة، وكل فهم من فهومها يخدم السياق بشكل ما. وكما بدأ الفصل الأول بقوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ* وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ. فإن الفصل الثاني من هذا المقطع ينتهي بقوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ* وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ. وبذلك ينتهي المقطع الثالث ولكنها نوع نهاية كما سنرى، وهاتان الآيتان فسرناهما من قبل وتأتيان هنا معلنتين انتهاء الخطاب التفصيلي لبني إسرائيل بما بدئ به هذا الخطاب، رابطتين آخر الكلام بأوله، وفيهما تكرار للأمر؛ زيادة في الحث، فلعله ينفع التذكير اللاحق حيث لم ينفع التذكير السابق وقد آن الأوان- وقد انتهى المقطع- أن نتكلم كلمة أخيرة في سياقه، قبل أن نعقد بعض الفصول التي وعدنا بها تفصيلا، لأمور وردت معنا. كلمة أخيرة في سياق المقطع الثالث: - رأينا أن المقطع الثالث- مقطع خطاب بني إسرائيل- يتألف من مدخل وفصلين، وأن فاتحة الفصل الأول هي خاتمة الفصل الثاني، ورأينا أن المدخل فيه مجموعة أوامر ونواه، في تطبيقها صلاح حال بني إسرائيل وأمثالهم ممن عقده سير طويل، ثم رأينا أن الفصل الأول كان في أجواء الآية الأولى من المدخل، وأن الفقرتين الأولى والثانية من الفصل الثاني كانت في أجواء الآيات الثلاث اللاحقة على الآية الأولى، ثم جاءت الفقرة الثالثة في الفصل الثاني لتناقش في قضية الآية الأولى من هذه

стр. 220

الآيات الثلاثة، على اعتبار أن ذلك يتوقف عليه كل ما بعده، وبناء على هذا النقاش جاءت الفقرة الرابعة تعطي للأمة الإسلامية دروس التعامل مع أهل الكتاب والكافرين، وترد على مقولاتهم الرئيسية، ومن خلال هذه النظرة السريعة نلاحظ أن المقطع قد انتهى ولم تغط فيه كل الأوامر والنواهي الواردة في المدخل وذلك لأن الحوار لا زال مفتوحا مع أهل الكتاب ومن ثم فإنه في مقاطع لاحقة سيرد معنا ما يغطي أوامر ونواهي المقطع. وهذا تفصيل ما ذكرنا: الآية الأولى في المدخل هي قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ. وقد جاء الفصل الأول بفقرتيه يغطي أوامر هذه الآية. ثم جاء قوله تعالى في المدخل: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ* وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ وجاءت الفقرة الأولى والثانية من الفصل الثاني تغطي هذه الأوامر والنواهي. ثم عادت الفقرة الثالثة في الفصل الثاني إلى الحوار في مضمون قوله تعالى: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ. ثم جاءت الفقرة الرابعة في الفصل لتحاور الكافرين في مقولاتهم الرئيسية، وتدل على مواقفهم الظالمة، وتعطي الأمة الإسلامية دروس ذلك، ثم ختم المقطع. وإذن ففي العودة إلى فتح الحوار في قضية الإيمان لم يتجاوز الحوار الآية الثانية في المدخل. فبقيت من آيات المدخل: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وسنرى أن كتمان الحق سيرد معنا مرة بعد مرة، في مقطع إبراهيم وفي مقطعين لاحقين. وبقي من آيات المدخل بلا تغطية قوله تعالى:

стр. 221

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ وسنرى أن كلاما عن البر سيأتي. وبقيت من آيات المدخل بلا تغطية قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وسنرى أن هذا الأمر سيتوجه إلينا فيما بعد في السورة. إنه إن قبل الكافرون الإيمان؛ فقد أصبحوا مخاطبين بما يخاطب به المسلمون، وإن رفضوه فلن يطبقوا ما يترتب عليه، ولذلك فإن السياق سيترك الحوار المباشر مع هؤلاء في الغالب وإنما يذكر كثيرا من المعاني بشكل تقريرات، وبهذا نكون قد عرفنا المقطع الثالث وبعض صلاته ببعضه وبما بعده. - رأينا أن المقطع الثالث بدأ بمجموعة من الأوامر والنواهي هي العلاج الكامل لليهود وأمثالهم من أجل أن ينصهروا بدين الله ودعوته، فبعد أن جاء النداء لكل الناس أن يسيروا في الطريق الموصل إلى التقوى، خص بنو إسرائيل بنداء خاص ولكن هذا جاء بعد قصة آدم التي انتهت بالقاعدة: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وقلنا من قبل إن مجئ الكلام عن بني إسرائيل بعد قصة آدم هو بمثابة عرض نموذج على أمة أنزل عليها وحي وكيف تصرفت مع هذا الهدى لتأخذ هذه الأمة دروس ذلك، ولإدراك هذا الهدف في الصلة بين قصة آدم وقصة بني إسرائيل نلاحظ أنه خلال المقطع تكرر كثيرا ذكر ما يشبه القاعدة التي ختمت بها قصة آدم، فقد ورد في نهاية الفقرة الأولى من الفصل الأول: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. وقد ختمت الفقرة الأولى من الفصل الثاني بقوله تعالى: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. وقد ورد في الفقرة الرابعة من الفصل الثاني: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ

стр. 222

فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ثم بعد آيات ورد قوله تعالى وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ أي الكتاب فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ فهذا المقطع إذن يعطينا درسا عمليا في أمة أنزل عليها وحي، وكيف كان موقفها من هذا الوحي. وبما أن لهذه الأمة استمرارها التاريخي، وهي مخاطبة بالقرآن فمن ثم يندمج العرض للموقف التاريخي مع الموقف الجديد المتجدد، ليرى الانحراف كله قديما وحديثا عن وحي الله، لتأخذ الأمة الإسلامية دروس ذلك ولتواجه هؤلاء المنحرفين بما يناسب. وعلى هذا فالصلات بين مقطع بني إسرائيل وبين مقطع آدم واضحة المعالم. - ومن قبل مقطع آدم ﵇ جاء المقطع الأول في القسم الأول من سورة البقرة وفيه نداء للناس جميعا بالتوحيد والعبادة والإيمان بالقرآن، وضرورة الإيمان والعمل الصالح، وضرورة ترك الفسوق، المتمثل بنقض الميثاق، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، وترك الإفساد في الأرض، ومناقشة الكفر، وتبيان أن الأرض كلها للإنسان، وجاء مقطع بني إسرائيل وفيه خطاب بما يحقق ذلك كله، ودروس في ذلك كله وعواقبه. لقد رأينا في مقطع بني إسرائيل كيف أخلوا بالتوحيد، وبالعبادة، وبالعمل الصالح، وكيف نقضوا الميثاق، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وكفروا، فتعمق من خلال مقطع بني إسرائيل مضمون ما ورد في المقطع الأول سلبا وإيجابا لاحظ مثلا أنه ورد في المقطع الأول: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. وفي مقطع بني إسرائيل ورد: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ .. وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. ولو أننا تتبعنا الصلات بين مقطع يا أَيُّهَا النَّاسُ ومقطع بني إسرائيل لاقتضى ذلك منا أن نعيد المقطعين كليهما.

стр. 223

- ورأينا مقدمة سورة البقرة، وجاء مقطع بني إسرائيل فأرانا الانحراف عن كتاب الله وعن الصلاة والزكاة، وأرانا الكفر وما يؤدي إلى الكفر، وأرانا ما ينبغي أن نلاحظه حتى نثبت على الإيمان والتقوى وما ينبغي أن نجتنبه. - ومن قبل في سورة الفاتحة علمنا أن ندعو الله أن يجنبنا السير في طريق المغضوب عليهم والضالين، ولقد رأينا في مقطع بني إسرائيل قوله تعالى وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ، وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ لقد رأينا في هذا المقطع بيانا كثيرا حول طريق المغضوب عليهم والضالين، ودلنا الله على معالم في السير لنبقى في الطريق المستقيم، ولعل في هذا كفاية لإدراك سياق المقطع، وصلته بما قبله وبما بعده. وإذ قص الله علينا في هذا المقطع قصة نموذج على أمة انحرفت عن الهدى، فإن المقطع الرابع- وهو مقطع إبراهيم ﵇ فيه قصة نموذج لمن قام بأمر الله كاملا، وإذن فقصة آدم يعقبها مقطعان، مقطع في أمة أنزل عليها وحي فانحرفت، ومقطع في من أنزل عليه وحي فقام به كله، مع دروس ذلك لهذه الأمة ومع قضايا كثيرة تعرض خلال ذلك - وقبل أن ننتقل إلى المقطع الرابع في القسم الأول من أقسام سورة البقرة مقطع إبراهيم ﵇ فإن علينا أن نفي بما وعدنا به من قبل من أننا بعد نهاية المقطع سنعقد فصولا. فصل وفوائد حول آيات ومعان في المقطع: فصل في فرعون الاضطهاد والخروج: من معجزات القرآن أنه حدثنا عن النجاة البدنية لفرعون، إذ إن كل الفراعنة- الذين هم مظنة أن يكونوا فرعون موسى- جثثهم موجودة الآن، في الوقت الذي لا تتحدث فيه كتب العهد القديم والجديد عن النجاة البدنية لفرعون، ومما بحثه الباحثون اعتمادا على نصوص العهد القديم وهي نصوص لا يستطيع الدارس أن يعتمدها إلا بحذر شديد. من هو فرعون موسى؟. وقد سجل (موريس بوكاي) في دراسته عن القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم مختصرا عن هذه الأبحاث، فذكر أن هناك اتجاها يقول بأن فرعون موسى هو تحتمس الثاني، وهناك اتجاه يقول بأنه أمينوفيس الثاني، والاتجاه

стр. 224

الذي يقويه المؤلف أن هناك فرعونين، فرعون الاضطهاد وهو رمسيس الثاني، وفرعون الخروج وهو ابنه منيتاح، ويذكر المؤلف أنه في طريقه لمتابعة دراسة على جثة منيتاح لرؤية ما إذا كان مات ميتة غير عادية، ولا يشعر الدارس للقرآن الكريم وهو يقرأ قصة موسى مع فرعون أنه أمام شخصيتين، ولكن لنفرض فرضا أن الدراسات العلمية القطعية أوصلتنا إلى تحديد في شأن شخصية فرعون، وأوصلتنا إلى أن هناك فرعونين فرعون الاضطهاد وفرعون الخروج، فإن ذلك يكون أحد أسرار استعمال كلمة (الآل) في قوله تعالى وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ففرعون الاضطهاد إذا صح أنه رمسيس الثاني، فإن آله (منيتاح) ابنه هو الذي تمت في عهده نجاة موسى وقومه، وكل ذلك نتوقف فيه على معطيات قطعية تسمح لنا بهذا السير، أما فقهاؤنا فقد استفادوا من استعمال كلمة الآل هاهنا أحكاما فلنرها في الفصل التالي: فصل في أحكام فقهية من (آل فرعون): بمناسبة قوله تعالى وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ قال القرطبي: نسب الله تعالى الفعل إلى آل فرعون، وهم إنما كانوا يفعلون بأمره، وسلطانه لتوليهم ذلك بأنفسهم، وليعلم أن المباشر مأخوذ بفعله، قال الطبري: ويقتضي أن من أمره ظالم بقتل أحد فقتله المأمور فهو المأخوذ به، قال القرطبي وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: يقتلان جميعا هذا بأمره والمأمور بمباشرته ... وقال سليمان بن موسى: لا يقتل الآمر ولكن تقطع يداه ثم يعاقب ويحبس، وهو القول الثاني ويقتل المأمور للمباشرة ... وقال زفر: لا يقتل واحد منهما وهو القول الثالث ... أقول: وعلى القول الثالث فكل منهما يستأهل التعزير، وقد يصل التعزير إلى القتل إذا رأى الإمام ذلك. ومن هذه المسألة نعرف بعض الأحكام التي تنطبق على الظلمة وأعوانهم، إذا أدال الله دولتهم، وكيف ينبغي أن تكون محاسبتهم على ما اقترفت أيديهم، إن أقل ما يجوز لنا أن نعاملهم به التعزير آمرين ومأمورين من خلال دعاوى ومحاكم يثبت فيها على كل واحد منهم أنه ظلم بأدنى شئ فيقتص منه. فائدة: يلاحظ أن الخطاب في المقطع توجه لبني إسرائيل جملة، وأنب الجميع بفعل البعض، وأنب اللاحق بفعل السابق، ومن المعلوم- من الدين بالضرورة- أن الإنسان لا يسأل

стр. 225

عن فعل غيره إلا في حالات المسئولية المشتركة والتقصير، أو في حالات يكون على الإنسان تكليف ما في حق الآخرين، وإنما كان التأنيب شاملا، للموافقة والاستمرار على فعل القبيح، وعلى كل حال فإننا نأخذ من هذا درسا في ضرورة مراجعة الحال القلبي لنا، فلا نقر خطأ وقع فيه أحد من هذه الأمة خلال العصور، ونسعى ما استطعنا أن تستقيم أمورنا، وأمور أمتنا لأن في ذلك نجاتنا جميعا. اعتذار: كثيرا ما يحدث أن تتجمع التحقيقات في مكان واحد من التفسير، وهذا يؤدي إلى تضخيم قسم من التفسير، وضمور أقسام أخرى، وهذا الذي دعانا أن نرجئ كثيرا من التحقيقات حتى تأتي مناسباتها الأكثر ملائمة؛ حتى لا يتضخم تفسير سورة البقرة. فصل في أكل الثوم والبصل: بمناسبة قوله تعالى على لسان اليهود لموسى فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قال القرطبي: اختلف العلماء في أكل البصل والثوم وما له رائحة كريهة من سائر البقول: فذهب جمهور العلماء إلى إباحة ذلك للأحاديث الثابتة في ذلك، وذهبت طائفة من أهل الظاهر القائلين بوجوب الصلاة في الجماعة فرضا- إلى المنع وقالوا: كل ما منع من إتيان الفرض والقيام به فحرام عمله والتشاغل به ... أقول: الأكل مباح، ولكن إذا ترتب عليه إيذاء مطلق، أو إيذاء لمن لا يتسامح بمثل ذلك، فالكراهة حاصلة وسنرى الموضوع تفصيلا في قسم السنة. فصل في الصابئة: هل المراد بالصابئة في آية إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ صابئة العراق الحاليين؟ وبالتالي فالآية تتحدث عن أسلاف لهم كانوا على حق، أو المراد بهم من مال عن الدين الباطل إلى الدين الحق كالحنيفيين من العرب قبل الإسلام؟ قولان للعلماء، وفي صابئة العراق قولان في جواز أكل ذبائحهم، ونكاح نسائهم ذكرهما القرطبي، والذي أرجحه عدم جواز ذلك لأنهم أفردوا باسم خاص عن أهل الكتاب، وقد خص أهل الكتاب بجواز أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.

стр. 226

فصل في المسخ: ذهب بعض المفسرين إلى أن المسخ الذي وقع بأهل القرية إنما كان مسخ قلوب وليس مسخ أجساد، وليس هذا صحيحا، بل هو اتجاه خاطئ، فالمسخ كان صوريا معنويا كما قال ابن كثير، إذ لا داعي يدعو إلى صرف النص عن ظاهره والنص صريح فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ قال الضحاك عن ابن عباس: فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، قال ابن عباس: «ولم يعش قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل» أقول: في هذا رد على من يتصور أن القردة الحالية يحتمل أن يكون أصلها بشرا قد مسخوا، وهو موضوع سنراه فيما بعد وإنما انفرد بفكرة المسخ المعنوي مجاهد، وفي الحديث الذي أخرجه مسلم في كتاب القدر في جواب رسول الله ﷺ لمن سأله عن القردة والخنازير هي مما مسخ فقال: «إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك». فصل في الاستهزاء والمزاح: بمناسبة قول اليهود لموسى أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ قال القرطبي: في الآية دليل على منع الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين ومن يجب تعظيمه، وأن ذلك جهل، وصاحبه مستحق للوعيد، وليس المزاح من الاستهزاء بسبيل، ألا ترى أن النبي ﷺ كان يمزح والأئمة بعده ... فصل في السلم في الحيوان: استدل بقوله تعالى إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها على صحة بيع السلم في الحيوان إذ إن الآية حصرت صفات البقرة حتى تعينت أو تم تقييدها بعد الإطلاق، وهو مذهب مالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة، والثوري، والكوفيون، لا يصح السلم في الحيوان لأنه لا تنضبط أحواله، وحكي مثله عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان، وعبد الرحمن بن سمرة؛ وغيرهم ونحن نرجح التوسيع في باب السلم؛ على اعتبار أن السلم أحد الحلول التي وضعها الإسلام في وجه الربا، وهو البديل الأقوى كما سنرى، ولكن على أن يراعى في حالة الفتوى شروط الأئمة المجيزين حتى لا نقع في مخالفة لإجماع.

стр. 227

فصل في القتيل إذا وجد في محلة قوم: بمناسبة حادثة القتيل الذي أحياه الله بضربه ببعض البقرة، يثير المفسرون مجموعة مسائل: مسألة ما إذا قال القتيل دمي عند فلان ثم مات، ومسألة ما إذا وجد قتيل في مكان ولا يعرف له قاتل وما ثم شهود، أو كان شهود لكنهم نساء، أو كان شاهد واحد، وإنما بحثوا هذه المسائل هنا تفريعا على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخه شرعنا وهو مذهب جماهير العلماء. يعتبر مالك أن قول القتيل: قتلني فلان أو دمي عند فلان، أمارة كافية للحكم على المذكور، ومنع ذلك عامة الفقهاء؛ لاحتمال الخطأ والكذب، وعامة الفقهاء أوجبوا القسامة إذا وجد قتيل في محلة وفيه أثر القتل، والقسامة: أن يحلف خمسون يمينا أنهم ما قتلوا ولا يعرفون له قاتلا، ولا يحلف في القسامة أقل من خمسين يمينا، فإن كانوا أقل من ذلك، أو نكل منهم من لا يجوز عفوه، ردت الأيمان عليهم بحسب عددهم، وهناك خلاف في كيفية الحكم بها: إذ ترى طائفة أن يبدأ فيها المدعون بالأيمان فإن حلفوا استحقوا وإن نكلوا حلف المدعى عليهم خمسين يمينا وبرءوا، وذهبت طائفة إلى أنه يبدأ بالأيمان المدعى عليهم فيحلفون ويبرءون، وهل يكون بالقسامة القصاص أو الدية؟ الراجح أن يكون فيها الدية ولا قصاص. وأوجب الثوري والكوفيون القسامة بوجود القتيل فقط، واستغنوا عن مراعاة قول المقتول وعن الشاهد، قالوا: إذا وجد قتيل في محلة قوم، وبه أثر حلف أهل ذلك الموضع أنهم لم يقتلوه ويكون عقله- أي ديته- عليهم، وإذا لم يكن به أثر لم يكن على العاقلة شئ إلا أن تقوم البينة على واحد، وذهب مالك والشافعي: إلى أن القتيل إذا وجد في محلة قوم أنه هدر لا يؤخذ به أقرب الناس دارا؛ لأن القتيل قد يقتل ثم يلقى على باب قوم ليلطخوا به، فلا يؤاخذ بمثل ذلك، حتى تكون الأسباب التي شرطوها في وجوب القسامة وهي عند مالك إما دعوى القتيل أو شهادة امرأتين أو شهادة عدل. فصل في التحريفيين من هذه الأمة: رأينا تفسير قوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، ورأينا كيف أن الله قطع عنا الطمع بإيمان أهل الكتاب؛ بسبب من هذه العقلية التحريفية للنصوص،

стр. 228

وخلال مسيرة التاريخ الإسلامي وجد بين المسلمين طوائف، جعلت للقرآن باطنا يخالف الظاهر، وذلك كفر بإجماع المسلمين. هؤلاء حرفوا كلام الله وهم يعلمون حق العلم ماذا يعني كلام الله، فهؤلاء وقعوا فيما وقع فيه اليهود من قبل، وهؤلاء فيما يبدو يكاد ينقطع الأمل في عودتهم إلى الحق إلا بتوبتهم، فكما أن اليهود إذ وقعوا في هذه المفسدة ينقطع الطمع في إيمانهم، فهؤلاء وإن ادعوا أنهم هم خيار الناس، يكاد أن ينقطع الطمع في فيئهم إلى الله ، يدخل في ذلك كل طوائف الباطنية الذين يعطون الإمام حق الفهم الباطن للنصوص، وبذلك عطلوا الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك من الإسلام؛ إذ أعطوا كل النصوص فهما يخالف الظاهر، فسبقوا في ذلك اليهود أنفسهم، كما دخل في ذلك طوائف من المتصوفة يحملون النصوص ما لا تحتمله من معنى، وخرج من ذلك الذين يرون أن في القرآن من المعاني الدقيقة ما لا يحاط به، ويسمون هذه المعاني باطنا، فلا يتعارض عندهم ظاهر بباطن أي معنى دقيق مع معنى ظاهر، وكل ذلك على ضوء الأصول الصحيحة للفهم، كما خرج بذلك نوع من الوعظ هو بمثابة تداعي أفكار عند عرض آية يذكره أصحابه على أنه استطراد، أو على أنه فوائد تعرض بمناسبة الآية لا على أنه تفسير للآية وهذا مزلق قديم خطير. قال النسفي في عقائده: «والنصوص على ظواهرها فالعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن إلحاد» قال التفتازاني تعليقا على هذه العبارة: «وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص محمولة على ظواهرها، ومع هذا ففيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان». ويقول ابن الصلاح في فتاواه «الظن بمن يوثق به من الصوفية أنه إذا قال شيئا من أمثال ذلك لم يذكره تفسيرا ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة من القرآن العظيم فإنه لو كان كذلك لسلكوا مسلك الباطنية وإنما ذكر ذلك منهم لنظير ما ورد به القرآن فإن النظير يذكر بالنظير». وقد شدد الشيخ محمد الفاضل بن عاشور على الألوسي في تفسيره إذ ذكر التفسير الإشاري فقال «قد فتح خرقا جديدا يقتضي أن هنالك طريقا لاستفادة المراد غير مقتضى الألفاظ وهو خروج عن قواعد أهل السنة: في أن الإلهام ليس من أسباب المعرفة، وإذا كانت تلك المعاني مقصودة فكأن غيرها حائل دونها وبذلك صح له أن يسمي الفقهاء والعلماء في كثير من المقامات بأهل الحجاب مما أثار على تفسيره الطامة الكبرى من العلماء».

стр. 229

(نقلت هذه النقول الأربعة عن كتاب سيكولوجية القصة في القرآن). فصل في حكمة من حكم تكرار المعاني في القرآن: يلاحظ أنه في سياق إقامة الحجة على بني إسرائيل أن قضية عبادتهم للعجل تعرض مرة بعد مرة، وفي كل مرة تأتي ضمن سياق يناسبها، فمرة في سياق الكلام عن النعمة، لأن الله تاب عليهم مع فعلهم الشنيع هذا، ومرة في سياق إقامة الحجة عليهم في أن الانحراف عن أمر الله طبيعة لهم، ومرة في معرض استمرارية هذا الانحراف فيهم، والانتباه لحكمة تكرار بعض الأمور في القرآن مهم إن في عملية التربية، أو في عملية الصراع مع الكافرين، فالقضية التي تتكرر في القرآن مرات ومرات لم تتكرر إلا وهناك سياق يقتضيها، ثم إن تكرارها مهم إن في ضرورة هذا التكرار للنفس البشرية، أو في ضرورة هذا التكرار للتوضيح، أو للتفصيل، أو للصراع مع الكفر وأهله، وقد أدرك علماء النفس المعاصرون أهمية التكرار في تثبيت المعاني، وبنى عليه المشتغلون في فنون الدعاية والإعلام كل نظرياتهم في الدعاية والإعلام، وبنى عليه الشيوعيون وغيرهم نظرية غسيل الدماغ التي محتواها أن تجعل الإنسان في وضع غير طبيعي، ثم تكرر عليه بعض المعاني آلاف المرات حتى تستقر عنده ويزول ما عداها، وكل ذلك مرجعه ما عرف عن طبيعة النفس البشرية، ولئن أدرك الإنسان هذا فالله الذي خلق الإنسان أعلم به وأعلم باحتياجاته، فكان كتابه مذكرا للإنسان على حسب احتياجات الإنسان، وإن كل قراءة للقرآن لتتأكد فيها عند القارئ معان وتستقر معان، ويتذكر بها القارئ الخاشع معاني ومن خلال التكرار بأساليب شتى تأخذ كل قضية محلها في النفس البشرية، مراعى في ذلك ما تغفل عنه النفس البشرية كثيرا، أو ما تحتاج إلى تذكره كثيرا، إلى غير ذلك من معان لا يحاط بها، وفي هذا كله من مظاهر الإعجاز القرآني الكثير لمن عقل. فصل في التوسل: مما يستدل به القائلون بجواز التوسل برسول الله ﷺ في حياته وموته قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ إذ ورد في سبب نزولها أكثر من رواية فبعض الروايات تذكر عنهم أنهم كانوا يقولون «إن نبيا سيبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم» وبعض الروايات تذكر ما يلي:

стр. 230

قال ابن كثير: وقال العوفي عن ابن عباس وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا يقول: يستنصرون بخروج محمد ﷺ على مشركي العرب ... وقال أبو العالية: كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركي العرب يقولون اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم. ولما عرض القرطبي لهذه الآية قال: والاستفتاح: الاستنصار ... قال ابن عباس: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فلما التقوا هزمت يهود، فعاذت يهود بهذا الدعاء وقالوا: إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا تنصرنا عليهم قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان» فعلى هذا الاتجاه في سبب النزول يكون اليهود قد توسلوا برسول الله ﷺ قبل معرفتهم بوجوده، ولأن الله قد أقام عليهم الحجة بذلك، فذلك دليل عند هؤلاء على جواز التوسل برسول الله ﷺ في غير حياته ومن المعلوم أن حسن البنا- ﵀ مجدد القرن الرابع عشر الهجري يرى أن التوسل مسألة فرعية، أي ليست من مسائل الأصول التي لا يسع المسلمين الخلاف فيها، وذلك لوجود أدلة لكل من الطرفين فيها، ونحن سنحقق هذا الموضوع عند قوله تعالى في سورة الأعراف وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وإنما أشرنا إلى هذا الموضوع هنا بمناسبة استدلال أحد الطرفين بالآية المذكورة على صحة ما ذهب إليه. فصل في روايات أهل الكتاب: رأينا في مقطع بني إسرائيل قوله تعالى ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وقوله تعالى فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وهذا يجعلنا حذرين في قبول الروايات الكتابية: أخرج البخاري من طرق عن الزهري عن ابن عباس قال: «يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شئ، وكتاب الله تعالى الذي أنزله على نبيه أحدث أخبار الله تقرءونه غضا لم يشب، وقد حدثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، لا والله ما رأينا منهم أحدا قط سألكم عن الذي أنزل عليكم» ولقد استطاع رحمة الله بن خليل الهندي في كتابه العظيم (إظهار الحق) أن يأتي بمئات الشواهد والأدلة من كلام علماء اليهود والنصارى أنفسهم على التحريف والتغيير والتبديل في الكتب الحالية المعتمدة عند

стр. 231

اليهود والنصارى، فإذا كان هذا في الكتب المتوارثة فما بال الروايات الشفهية وكلام الكذبة والعامة، ولا يعني هذا أننا نرفض كل شئ ورد في الكتب السابقة، بل يعني هذا أن نكون حذرين مع عدم إعطاء ما نقبله- قوة في تفسير كتاب الله- أكثر مما تحتمله، ولنا عودة على هذا الموضوع مرة ومرة إذا جاءت مناسبته. فصل في السحر: السحر في اللغة: عبارة عما لطف وخفي سببه، وهو أنواع، وكل نوع منه يستند إلى نوع من العلم أو الفن، فمن عرف علمه استطاعه، وهذا هو الفارق بينه وبين المعجزة والكرامة، فالمعجزة والكرامة لا دخل لعالم الأسباب فيهما، بل هما بقدرة الله المباشرة. أما السحر فمبناه عالم الأسباب، ولكن قلة من يعرفه تجعله غريبا خارقا، ومن أنواعه سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ومنه ما يكون أثرا عن الاستعانة بعالم الجن، ومنه ما يكون أثرا عن الخفة والمهارة في التلبيس على العيون والأبصار، ومنه ما يكون أثرا عن مهارات في بعض العلوم يظنها الجهلة سحرا وهي ليست سحرا، ومنه ما يكون أثرا عن استعمال أدوية أو ألوان، ومنه ما يكون أثرا عن استغلال ضعف نفسي عند الآخرين، ومنه ما يكون تغيرا وقلبا للأشياء عن أعيانها، وهذه الأنواع تدخل تحت كلمة السحر لغويا، أما السحر الذي هو سحر بالاصطلاح الشرعي وهو السحر المحرم: فهو ما رافقه كفر أو ضرر تلبيس أو استغلال أو كذب أو دعوى. ومن أقوالهم في السحر: قال القرطبي: وعندنا- أي أهل السنة والجماعة- أن السحر حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء خلافا للمعتزلة وأبي إسحاق الأسفرائيني من الشافعية حيث قالوا إنه تخييل وتمويه. وقال الألوسي: والمراد به أمر غريب يشبه الخارق وليس به- أي بالخارق- إذ يجري فيه التعلم ويستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان بارتكاب القبائح قولا كالرقى التي فيها ألفاظ الشرك ومدح الشيطان وتسخيره، وعملا كعبادة الكواكب والتزام الجنابة وسائر الفسوق، واعتقادا كاستحسان ما يوجب التقرب إليه ومحبته إياه ... وقال الألوسي كذلك: «فسره الجمهور بأنه خارق للعادة- في الظاهرة- يظهر في نفس شريرة بمباشرة أعمال مخصوصة، والجمهور على أن له حقيقة».

стр. 232

أقول: وأمهات المجلات والصحف العالمية تتحدث في عصرنا عن السحرة وسحرهم بما يدهش ويحير، اقرأ مثلا ما نشرته مجلة «ريدرز دايجست (المختار)» عن ديننجز قارئ الأفكار وخلال العصور كان الكلام عن السحر والسحرة مستمرا على ضيق أو توسع كما سنرى بمناسبات أخرى في هذا التفسير. يقول صاحب الظلال: «وبعد فلا بد من كلمة هنا عن السحر وعما يفرق بين المرء وزوجه مما كان أولئك اليهود يجرون خلفه ويتركون كتاب الله وراء ظهورهم من أجله: إنه ما يزال مشاهدا في كل وقت أن بعض الناس يملكون خصائص لم يكشف العلم عن كنهها بعد، لقد سمى بعضها بأسماء ولكنه لم يحدد كنهها ولا طرائقها. هذا «التلباثي» التخاطر عن بعد- ما هو؟ وكيف يتم؟ كيف يملك إنسان أن يدعو إنسانا على أبعاد وفواصل لا يصل إليها صوت الإنسان في العادة ولا بصره فيتلقى عنه دون أن تقف بينهما الفواصل والأبعاد؟ وهذا التنويم المغنطيسي ما هو وكيف يتم؟ كيف يقع أن تسيطر إرادة على إرادة، وأن يتصل فكر بفكر، فإذا أحدهما يوحي إلى الآخر وإذا أحدهما يتلقى عن الآخر كأنما يقرأ من كتاب مفتوح؟ إن كل ما استطاع العلم أن يقوله إلى اليوم في هذه القوى التي اعترف بها هو أن أعطاها أسماء ولكنه لم يقل قط ما هي: ولم يقل قط كيف تتم، وثمة أمور كثيرة أخرى يماري فيها العلم؛ إما لأنه لم يجمع منها مشاهدات كافية للاعتراف بها؛ وإما لأنه لم يهتد إلى وسيلة تدخلها في نطاق تجاربه، هذه الأحلام التنبئية- وفرويد الذي يحاول إنكار كل قوة روحية لم يستطع إنكار وجودها- كيف أرى رؤيا عن مستقبل مجهول ثم إذا هذه النبوءة تصدق في الواقع بعد حين؟ وهذه الأحاسيس الخفية التي ليس لها اسم بعد. كيف أحس أن أمرا ما سيحدث بعد قليل، أو أن شخصا ما قادم بعد قليل ثم يحدث ما توقعت على نحو من الأنحاء! إنه من المكابرة في الواقع أن يقف إنسان لينفي ببساطة مثل هذه القوى المجهولة في الكائن البشري لمجرد أن العلم لم يهتد بعد إلى وسيلة يجرب بها هذه القوى. وليس معنى هذا هو التسليم بكل خرافة والجري وراء كل أسطورة إنما الأسلم والأحوط أن يقف العقل الإنساني أمام هذه المجاهيل موقفا مرنا، لا ينفي على الإطلاق، ولا يثبت على الإطلاق؛ حتى يتمكن بوسائله المتاحة له بعد ارتقاء هذه الوسائل من إدراك ما يعجز الآن عن إدراكه، أو يسلم بأن في الأمر شيئا فوق طاقته ويعرف حدوده ويحسب للمجهول في الكون حسابه ... السحر من قبيل هذه الأمور، وتعليم الشياطين للناس من قبيل هذه الأمور، وقد تكون صورة من صوره: القدرة على الإيحاء والتأثير إما في الحواس والأفكار، وإما في

стр. 233

الأشياء والأجسام، وإن كان السحر الذى ذكر القرآن وقوعه من سحرة فرعون كان مجرد تخييل لا حقيقة له يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (سورة طه) - ولا مانع أن يكون مثل هذا التأثير وسيلة للتفريق بين المرء وزوجه وبين الصديق وصديقه، فالانفعالات تنشأ من التأثرات، وإن كانت الوسائل والآثار والأسباب والمسببات لا تقع كلها إلا بإذن الله على النحو الذي أسلفنا .. أقول ما اتجه إليه صاحب الظلال من كون السحر يمكن أن يكون من صور الإيحاء والتمويه هو ما ذهب إليه أبو إسحاق الأسفرائيني وهو من أكبر أئمة أهل السنة والجماعة، والجمهور على أن هذا نوع من السحر ولكنه ليس كل السحر والمسلم في كل القضايا التي أخبره عنها الوحي موقفه التصديق والتسليم، والسحر من جملة ذلك فخطاب (سيد قطب) للعقل الإنساني في أن عليه أن يكون موقفه مرنا في الإثبات والنفي إنما هو في حالة سكت عنها النص وأخذت محلها في كلام البشر. قال الشافعي: «إذا تعلم السحر قلنا له صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر». واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد يكفر بذلك، ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: «إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر- وهذا إذا لم يرافق تعلمه كفر أو يلزم عليه كفر- ومن تعلمه معتقدا جوازه أو أنه ينفعه كفر» وعلى القول بأنه يكفر بمجرد تعلمه فإنه يقتل بذلك وقد رأينا كلام الشافعي في هذا الأمر. قال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك وأحمد: نعم. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا. فأما إن قتل بسحره إنسانا فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك أو يقر بذلك في حق شخص معين، وإذا قتل فإنه يقتل حدا عندهم إلا الشافعي فإنه قال: يقتل- والحالة هذه- قصاصا قال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: في المشهور عنهم لا تقبل، وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى تقبل. وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة أنه يقتل كما يقتل الساحر المسلم، وقال مالك وأحمد والشافعي: لا يقتل ... واختلفوا في المسلمة الساحرة فعند أبي حنيفة: لا تقتل ولكن تحبس وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل ...

стр. 234

وهل يسأل الساحر حلا لسحره؟ أجاز سعيد بن المسيب ذلك فيما نقله عنه البخاري ولكن لا بد من اشتراط الوسيلة المباحة. قال النسفي: قال أبو منصور الماتريدي: «القول بأن السحر على الإطلاق كفر، خطأ بل يجب البحث عن حقيقته فإن كان في ذلك رد ما لزم في شرط الإيمان فهو كفر، وإلا فلا، ثم السحر الذي هو كفر يقتل عليه الذكور لا الإناث، وما ليس بكفر وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قطاع الطريق ويستوي فيه، وتقبل توبته إذا تاب ومن قال: لا تقبل فقد غلط فإن سحرة فرعون قبلت توبتهم». قال ابن كثير: أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك وهما المعوذتان وفي الحديث: «لم يتعوذ المتعوذ بمثلهما وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان». أقول: ظن بعضهم أن بعض المخترعات من قبيل السحر وذلك في أول ظهورها ولذلك فإن علينا من خلال نظرة شاملة وعلمية أن نميز بين ما أسماه الإنسان سحرا وهو ليس من السحر المحرم، وبين السحر المحرم في شريعة الله، وإن علينا أن نعرف أن الإسلام جاء ليقطع دابر السحر المحرم من حياة الإنسان، فقد رأينا أن من فقهاء المسلمين من يكفر الساحر في كل حال ومما استدل به هؤلاء قوله تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا وذلك بعد الكلام عن فعل السحرة وهذا الاتجاه عليه الإمام أحمد وطائفة من السلف، وقال آخرون: لا يكفر ولكن حده ضرب عنقه؛ لما رواه الشافعي وأحمد: أن عمر بن الخطاب كتب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة قال: فقتلنا ثلاث سواحر وقد أخرجه البخاري. وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها فأمرت بها فقتلت. قال الإمام أحمد: «صح عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ في الساحر». وكان عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندب مشتملا على سيفه فقتله قال: أراه كان ساحرا وحمل الشافعي قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركا. فوائد: ١ - في الصحيح «من أتى عرافا أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ». ٢ - وفي السنن «من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر». ٣ - في ضرب الله نموذجا على السحر التفريق بين المرء وزوجه إشارة إلى فظاعة

стр. 235

هذا الفعل، فلا شئ أفرح للشيطان من الخلاف بين الزوجين لما يترتب عليه من فتح أبواب كثيرة من الشر، وقد أخرج الإمام مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال «إن الشيطان ليضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة يجئ أحدهم فيقول ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا، فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئا ويجئ أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله. قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه ويقول نعم أنت». ٤ - السحر قديم فقد كان في زمن سليمان ﵇، وكان قبل في زمن موسى كما ذكر القرآن وكان في قوم صالح وهم قبل إبراهيم الخليل ﵊ إذ إنهم قالوا لصالح إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ* (سورة الشعراء) أي المسحورين على المشهور كل هذا يدل على أن السحر كان موجودا قديما وقد جاءت الحفريات وجاء علم الآثار ودراسة تاريخ الأقوام فأعطى المزيد في هذا الشأن. فصل في قوله تعالى: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ: في (ما) في هذا النص مذهبان الأول: أنها نافية، والثاني: أنها اسم موصول: - فعلى القول بأنها نافية تصبح جملة وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ جملة معطوفة على وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ فيصير المعنى على هذا التقدير: وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشيطانين هاروت وماروت كفرا يعلمان الناس السحر ببابل، وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما. هذا مذهب القرطبي في فهم الآية وقد وجه ذلك من حيث اللغة والإعراب، والمقصود بالملكين المبرءين هنا جبرائيل وميكائيل؛ لأن اليهود تزعم أن جبرائيل وميكائيل هما اللذان نزلا بالسحر على سليمان. وعلى القول بأن (ما) نافية يمكن أن نعتبر وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ جملة اعتراضية فيصير المعنى: ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل، يعلمون هاروت وماروت، وهاروت وماروت يعلمان الناس وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر؛ فيتعلم الناس منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وما أنزل السحر على الملكين جبرائيل وميكائيل. وهناك قراءة بكسر اللام؛ فيكون الملكان داود وسليمان وأنهما ما أنزل عليهما السحر. هذه أهم التفاسير التي تترتب على اعتبار ما نافية.

стр. 236

- وعلى القول بأن (ما) اسم موصول فإن معاني متعددة يحتملها النص على ضوء فهم قضية هاروت وماروت. إن المعنى العام للآية على هذا الاتجاه هو: ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر، ويعلمونهم الذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت من السحر مع أن الملكين ما كانا يعلمان أحدا السحر إلا بعد أن يعلماه أنهما أنزلا ابتلاء للناس، فلا يعلمان أحدا السحر حتى ينهياه عن ذلك، فإذا أصر علماه فيكون المتعلم قد اختار الكفر عن بصيرة فيستحق عذاب الله. وبعض العلماء لم يفهم أن هناك تلازما بين التعلم والكفر. قال النسفي: «والذي أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من الله للناس، من تعلمه منهم وعمل به كان كافرا إن كان فيه رد ما لزم في شرط الإيمان، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه ولئلا يغتر به كان مؤمنا» والفتنة في الآية معناها المحنة والإخبار، وهل هذا التعليم من قبل الملكين أثر عن تكليف لهما من الله ليفرق الناس بين السحر والمعجزة فيكونان غير عاصيين به، فهما على أصل العصمة أو أن الأمر غير ذلك؟ إن الفهم الشامل لشريعة الله ولنصوص الكتاب والسنة يرجح الأول. اختلف المفسرون في هاروت وماروت الوارد اسمهما في الآية فقال بعضهم: إن هاروت وماروت شيطانان ونصر هذا القرطبي، وقال بعضهم: إنهما قبيلان من الجن ونصر هذا ابن حزم، وقال بعضهم إنهما رجلان من أهل بابل وصفهما الناس بالملكين لظنهم صلاحهما، وقال بعضهم: إنهما ملكان أنزلا من السماء. ثم هؤلاء اختلفوا فمنهم من قال إنهما كلفا أن يعلما الناس السحر من أجل أن يميز الناس بين المعجزة والسحر، وكل هذه الآراء إنما يريد أصحابها أن لا يجرحوا العصمة الثابتة للملائكة بالنصوص القطعية. وهذا الذي يرجحه علماء الأصول وليس عنه نميل. وأما القول الآخر الذي عنه نعدل فهو: أنهما ملكان اختارتهما الملائكة لتركب فيهما الشهوة حين عيرت بني آدم، فأهبطا إلى الأرض، فواقعا المعصية، فخيرا بين عذاب الدنيا أو الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا على الآخرة، فهما يعذبان الآن. والذين ذهبوا هذا المذهب جمعوا بينه وبين ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصا لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق وفى قول: إنه من الملائكة، والذين ذهبوا إلى أن هاروت وماروت ملكان عصيا،

стр. 237

استشهدوا بما ظنوه أحاديث عن رسول الله ﷺ ومنها رواية رواها الإمام أحمد، وقد نقلها ابن كثير ثم قال: «فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل» وإذن فليس هناك حديث صحيح عن رسول الله ﷺ في هذا الموضوع واستشهد أصحاب هذا المذهب بآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين وقد سردها كلها ابن كثير ثم علق عليها بقوله: «وحاصلها راجع ... إلى أخبار بني إسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال». قال صاحب الظلال في حديثه عن هاروت وماروت: فإن قصتهما كانت متعارفة بين اليهود، بدليل أنهم لم يكذبوا هذه الإشارة ولم يعترضوا عليها، وقد وردت في القرآن الكريم إشارات مجملة لبعض الأحداث التي كانت معروفة عند المخاطبين لها، وكان في ذلك الإجمال كفاية لأداء الغرض، ولم يكن هناك ما يدعو إلى تفصيل أكثر، لأن هذا التفصيل ليس هو المقصود. وقد أغرب القصاصون في هذا الموضوع كثيرا كما يرى فيما نقله ابن كثير ومن أغرب ما ذكروه: أن كوكب الزهرة إنما هو المرأة التي زنيا بها وهذا كلام غريب جدا». قال الألوسي: «والزهرة كانت يوم خلق الله تعالى السموات والأرض والقول بأنها تمثلت لهما فكان ما كان وردت إلى مكانها غير معقول ولا مقبول» وسبب هذا الغلط هو العقلية الخرافية الإسرائيلية، فقد وردت في الإسرائيليات كلمة الزهرة إما على هذه الشاكلة أو أن القصاص أحبوا الإغراب فذكروا ما ذكروا، وقد يدل لذلك أن القصة في رواية ابن عباس- فيما يبدو عن أهل الكتاب- «وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب» قال الألوسي عن هذه القصة: «هذا ومن قال بصحة هذه القصة في نفس الأمر وحملها على ظاهرها فقد ركب شططا، وقال غلطا، وفتح بابا من السحر يضحك الموتى ويبكي الأحياء، وينكس راية الإسلام، ويرفع رءوس الكفرة الطغام، كما لا يخفى ذلك على المنصفين من العلماء المحققين». وتعليقا على قصة امرأة من دومة الجندل ادعت أنها اجتمعت بهاروت وماروت، وحدث لها ما حدث ثم جاءت تستفتي الصحابة في أمر توبتها يقول الألوسي: «فهو ونظائره مما ذكره المفسرون من القصص في هذا الباب مما لا يعول عليه ذوو الألباب، والإقدام على تكذيب مثل هذه المرأة الدوجندلية أولى من اتهام العقل في قبول هذه الحكاية التي لم يصح فيها شئ عن رسول رب البرية ﷺ ويا ليت كتب الإسلام لم تشتمل على هذه الخرافات التي لا

стр. 238

يصدقها العاقل ولو كانت أضغاث أحلام». - وهناك أكثر من بابل والمراد في الآية (بابل العراق) ومما استدل به العلماء على أن بابل في الآية هي بابل العراق ما رواه أبو داود وسكت عنه. وهي علامة الحديث الحسن عنده: «أن عليا مر ببابل وهو يسير فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة ونهاني أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة» قالوا عن هذا الحديث: «ففيه من الفقه كراهية الصلاة بأرض بابل كما تكره بديار ثمود الذين نهى رسول الله ﷺ عن الدخول إلى منازلهم إلا أن يكونوا باكين» فصل في التشبه: يغلط كثير من الناس في موضوع التشبه ومن ثم فإننا نحب أن نضع أساسا في هذا الموضوع هنا، ثم يتضح لنا بعد ذلك شيئا فشيئا: كل بني الإنسان يشتركون في أمور، في كونهم يأكلون وينامون ويتناكحون ويتناسلون والإنسان يشترك مع الحيوان في أمور، فما هو التشبه المنهي عنه؟ هناك التشبه الذي ورد النهي عنه في النصوص، كالنهي عن إقعاء الكلب، وافتراش الثعلب، ونقر الديك في الصلاة، وكالنهي عن تشبه الرجال بالنساء فيما هو من خصوصيات النساء، وعن تشبه النساء بالرجال فيما هو من خصوصيات الرجال. ثم هناك تشبه بالكافرين فيما هو علم على الكفر، أو تشبه بالفاسقين فيما هو علم على الفسوق، أو تشبه بالكافرين والفاسقين فيما به تترك فريضة أو سنة، أو فيما يحقق مصلحة للكفر والكافرين، في مثل هذا يطبق النهي الوارد عن التشبه. فليس كل تشبه منهيا عنه، وسنرى ما يوضح هذه الشئون في التفسير وفي كتاب الأساس في السنة وفقهها بما نعرف حدود ذلك بدقة. فصل في النسخ: ألف في موضوع الناسخ والمنسوخ الكتب الكثيرة، وتبحث عادة قواعده

стр. 239

وتفصيلاته في كتب أصول الفقه وننقل لك هاهنا من كلام القرطبي في تفسيره ما يلائم حدود هذا التفسير: قال القرطبي: « ... معرفة هذا الكتاب أكيدة، وفائدته عظيمة، لا تستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء، لما يترتب عليه في النوازل من الأحكام ومعرفة الحلال من الحرام، روى أبو البختري قال: دخل علي ﵁ المسجد فإذا رجل يخوف الناس فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يذكر الناس فقال: ليس برجل يذكر الناس لكنه يقول: أنا فلان ابن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال: لا .. قال: فاخرج من مسجدنا فلا تذكر فيه. وفي رواية أخرى: أعلمت الناسخ من المنسوخ قال: لا قال: هلكت وأهلكت. ومثله عن ابن عباس رضي الله عليه. قال علماؤنا .. : جائز نسخ الأثقل إلى الأخف كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت لاثنين (أي في القتال) ويجوز نسخ الأخف إلى الأثقل كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان على ما يأتي بيانه في آية الصيام، وينسخ المثل بمثله ثقلا وخفة كالقبلة، وينسخ الشئ لا إلى بدل كصدقة النجوى. وينسخ القرآن بالقرآن ... وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد وحذاق الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة وذلك موجود في قوله ﵇ «لا وصية لوارث» وهو ظاهر مسائل مالك، وأبى ذلك الشافعي وأبو الفرج المالكي ... والحذاق أيضا على أن السنة تنسخ بالقرآن، وذلك موجود في القبلة، فإن الصلاة إلى الشام لم تكن في كتاب الله تعالى وفي قوله تعالى (في سورة الممتحنة) فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ فإن رجوعهن إنما كان بصلح النبي ﷺ لقريش، والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلا، واختلفوا هل وقع شرعا (أقول: في كون كل الحذاق هذا مذهبهم فيه نظر) ولا يصح نسخ نص بقياس إذ من شرط القياس ألا يخالف نصا، وهذا كله في حياة النبي ﷺ وأما بعد موته واستقرار الشريعة فأجمعت الأمة أنه لا نسخ، ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به إذ انعقاده بعد انقطاع الوحي. (وهناك) ... نسخ الحكم دون التلاوة ومثله صدقة النجوى، وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم، وقد تنسخ التلاوة والحكم معا ومنه قول الصديق ﵁ كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر» ومثله كثير.

стр. 240

والذي عليه الحذاق أن من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول كما يأتي بيانه في تحويل القبلة، والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله، وهو موجود في قصة الذبيح وفي فرض خمسين صلاة قبل فعلها بخمس على ما يأتي بيانه في سورتي الإسراء والصافات. ... الجمهور على أن النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي، والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى، وقيل: إن الخبر إذا تضمن حكما شرعيا جاز نسخه كقوله تعالى (في سورة النحل) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وهناك يأتي القول فيه ... - اختلفت عبارات أئمتنا في حد النسخ (أي في تعريفه) فالذي عليه الحذاق من أهل السنة: أنه إزالة ما قد استقر من الحكم الشرعي بخطاب وارد متراخيا، هكذا حده القاضي عبد الوهاب والقاضي أبو بكر. وزاد: لولاه لكان السابق ثابتا. فحافظا على معنى النسخ اللغوي إذ هو بمعنى الرفع والإزالة وتحرزا من الحكم العقلي، وذكرا الخطاب ليعم وجوه الدلالة من النص والظاهر والمفهوم وغيرها، وليخرج القياس والإجماع إذ لا يتصور النسخ فيهما ولا بهما وقيد بالتراخي لأنه لو اتصل به لكان بيانا لغاية الحكم لا نسخا، أو يكون آخر الكلام يرفع أوله. وقال القرطبي: «أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه وهم محجوجون بإجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة». وقال: لمعرفة الناسخ طرق منها: أن يكون في اللفظ ما يدل عليه كقوله ﵇: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكرا ونحوه» ومنها أن يذكر الراوي التاريخ مثل أن يقول سمعت عام الخندق وكان المنسوخ معلوما قبله، أو يقول نسخ حكم كذا بكذا، ومنها: أن تجمع الأمة على حكم أنه منسوخ وأن ناسخه متقدم وهذا الباب مبسوط في أصول الفقه نبهنا منه على ما فيه لمن اقتصر كفاية والله الموفق للهداية. فصل في التأويل: تعمدنا عند قوله تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ

стр. 241

كُنْ فَيَكُونُ أن نذكر أن هناك اتجاهين: اتجاها يمرها كما جاءت، واتجاها يحملها على المجاز، مع أننا نفضل المذهب الأول في مثل هذه النصوص وذلك من أجل هذا البيان: إن كثيرين من الناس يحملون على التأويل والتعطيل دون إدراك دقيق للتأويل المذموم، لقد لاحظنا عند الكلام عن بني إسرائيل أن بني إسرائيل إنما ذموا بتحريفهم كلام الله على علم منهم بالتحريف وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وسنرى عند قوله تعالى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ أن هناك اتجاهات تقف على قوله تعالى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مما يدل على أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل ما تشابه من القرآن، ولا أعرف أن اتجاها من الاتجاهات حارب التأويل إلا وقد اضطر للتأويل، والمراد به هنا إخراج معنى اللفظ عن ظاهره إلى معنى مجازي، ولذلك فإنني أقول: إنه لا يصح أن يكون موقفنا تشنجيا ونحن نقرأ كلام الراسخين في العلم وهم يعرضون لنا وجهات نظرهم، ما داموا ممن شهدت لهم الأمة بالرسوخ في العلم ويتكلمون في الحدود التي تحتملها اللغة العربية، وبالشكل الذي لا يعارض القرآن بعضه بعضا، أو لا تتعارض به النصوص، ومع أنني أرجح دائما في آيات الصفات عدم التأويل مع التنزيه، إلا أنني لا أرى مانعا من عرض اتجاهات العلماء في الفهم ومناقشتها ورؤية الحجية أو عدمها في كلامهم، مع أنني من خلال تجربتي الشخصية وبعد التمحيص للتأويلات ومن خلال ما أفهمنيه الله لبعض آيات الصفات أشعر أن كلام الله عن ذاته لا يسعه إلا تعبيره عن ذاته، فسبحانه وتعالى ما أجله وأعظم صفاته وأرفع كلماته. ولكن كما قلت فهذا لا يمنع أن نرى فهوم العلماء لكل آية ولكل حديث مهما كان، وإني أعتقد أنه ما دام المسلم في دائرة فهوم الراسخين في العلم من هذه الأمة فيما لا يتعارض مع البديهيات ومع الإجماع فإنه لا يقرب من دائرة الضلال. فصل في قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ: هناك مجموعة من المسائل تثار أثناء الكلام عن هذه الآية منها المسائل الفقهية ومنها ما له علاقة في معرفة الذات الإلهية: أولا: هل هذه الآية منسوخة؟ في ذلك قولان، والذين ذهبوا إلى النسخ لهم في توجيهها قولان، ومن محص هذه الأقوال وجد أنها لا يترتب عليها خلاف عملي إلا

стр. 242

قليلا، إذ الجميع متفقون على وجوب التوجه إلى الكعبة في الأحوال العادية، والجميع متفقون على وجوب التحري حيث جهلت الجهة في ليل أو نهار، وإذا صلوا أجزأتهم، واختلفوا هل على من تبين له بعد أن صلى أنه صلى لغير القبلة هل عليه الإعادة؟ قولان والحنفية على عدم الإعادة، والجميع متفقون على أنه إذا اشتد الخوف صلوا إلى أي جهة قدروا، في صحيح البخاري من حديث نافع عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا (قياما على أقدامهم) وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال نافع ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ ، والجميع متفقون على أن المتطوع في الصلاة على دابته في السفر يجوز له أن يصلي إلى أي جهة قدر، ولم يفرق الشافعي في المشهور عنه بين سفر المسافة والسفر القريب، وذهب أبو يوسف إلى جواز التطوع على الراحلة ولو في المصر واختاره أبو جعفر الطبري حتى للماشي. ثانيا- وفي باب العقائد يثور نقاش في المراد بقوله تعالى فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فللعلماء في النص اتجاهان: الاتجاه الأول هو عدم التأويل مع التنزيه فلله وجه ليس كمثله شئ، وعلى هذا فإن معنى الآية: لي المشارق والمغارب فأين وليتم وجوهكم فهناك وجهي وهو قبلتكم إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ يسع خلقه كلهم بالكفاية والجود والإفضال عَلِيمٌ بأعمالهم ما يغيب عنه منها شئ، ولا يعزب عن علمه صغير أو كبير. والاتجاه الثاني هو التأويل، وهذه نماذج من أقوال السلف في الآية: قال عكرمة عن ابن عباس فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال: قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا. وقال مجاهد: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها الكعبة» وقال ابن جرير: « .. وقال آخرون ... لأنهم لا يوجهون وجوههم وجها من ذلك وناحية إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية لأن له تعالى المشارق والمغارب وأنه لا يخلو منه مكان». قال ابن كثير تعليقا على آخر الكلام: وفي قوله «وأنه تعالى لا يخلو منه مكان، إن أراد علمه فصحيح، فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شئ من خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا». وقد ذكر ابن جرير وجها آخر للآية فقال: «ويحتمل: فأينما تولوا وجوهكم في

стр. 243

دعائكم لي فهناك وجهي أستجيب لكم دعاءكم ... قال ابن جريج قال مجاهد: لما نزلت ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قالوا: إلى أين فنزلت فأينما تولوا فثم وجه الله أقول: ولنا عودة على هذا الموضوع عند قوله تعالى في سورة القصص: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ. فصل: في الفرية الكبرى: أن لله ولدا . إن هذه الفرية التي تكاد تكون مستمرة في تفكير الكثيرين في تاريخ البشرية تسللت إلى الديانة النصرانية من خلال بولس الذي حرف دين المسيح عليه الصلاة والسلام. إن هناك دراسة صدرت لعالم مسيحي شغل منصب رئيس قسم تاريخ الأديان في جامعة باريس اسمه (شارل جنيبير) تحت عنوان «المسيحية نشأتها وتطورها». في هذه الدراسة يثبت المؤلف أن المسيحية الحالية هي بولس وأن في أفكار بولس صبت كل الديانات المعروفة وقتذاك ومما يقوله المؤلف مما له علاقة بموضوعنا: «تعبير ابن الله لا يرد سوى مرة واحدة في أعمال الرسل (٩/ ٢٠) ويقدم لنا في تلك المجموعة باعتباره تعبيرا خاصا ببولس». «ولكن بولس لم يكن ليدرك في ذلك الوقت كل ما ترتب على مفهوم ابن الله بعد ذلك من مشاكل في فلسفة الدين لا تحصى» «فاليهود كانوا يطلقون عبارة «خادم يهوه» على كل إنسان يظنون لديه إلهاما ... وكلمة Rais تعني في نفس الوقت «خادم» أو (طفل) تماما كالكلمة اللاتينية Puem وعلى هذا يكون التطور من (Rais) أي طفل إلى (Uios) أي ابن، أمرا في غاية البساطة، وقد حدث مثل هذا التطور اللفظي فعلا في النصوص اليهودية- المسيحية (كمجموعة أعمال الرسل) عند ما نقل بعضها إلى رسائل بولس». والمؤلف لا يعتبر أن العملية تمت عند بولس بشكل لفظي بل كانت مرادة كجزء من فلسفة تعليلية لا بد منها لسد ثغرات. وهكذا تسللت هذه الفرية إلى الديانة المسيحية فكانت استمرارا ودعما لاتجاه باطل في التفكير البشري لا يشك عاقل ببطلانه. يقول الشيخ عبد الحليم محمود مترجم الكتاب في مقدمته: «ونفى المؤلف عن

стр. 244

المسيح ﵇ القول بالتثليث: هذا القول الذي لا يفهمه المسيحيون أنفسهم، ولا يفهمه كل من له عقل، إن الثلاثة ليست واحدا كما يقولون، وإن الواحد ليس ثلاثة كما يقولون، وأي عقل يمكنه أن يفهم أن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة؟». أقول إن مأساة المسيحية أنها أرادت أن توفق بين التوحيد الذي أتى به موسى وعيسى، وبين كلام بولس فوصلت إلى اللامعقولية ثم قدستها، يقول الشيخ عبد الحليم محمود: ويقول القديس أوغسطين (وهو من أكبر فلاسفة النصرانية) مبررا كل هذا اللامفهوم بلا مفهوم جديد إنه يقول: «أومن بالمسيحية لأنها دين غير معقول». وهكذا حكمت المسيحية على نفسها باللامعقولية من هذه البداية فدخلت في سلك الأباطيل. إنه يستحيل في منطق العقل أن يجتمع كمال الإله مع البنوة، لأن النبوة فيها معنى الجزئية، والله منزه عن الأجزاء، وفيها معنى الافتقار، والله منزه عن ذلك. قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ* سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ «سورة الزخرف». فائدة: بمناسبة الكلام عن قوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً قال ابن كثير: «وقال الإمام أحمد ... عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة فقال: (أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لافظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا) انفرد بإخراجه البخاري ... قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار فسألته فما اختلفا في حرف إلا أن كعبا قال بلغته: «أعينا عمومى وآذانا صموما وقلوبا غلوفا» أخرج هذه الزيادة الحافظ أبو بكر بن مردويه. أقول: إن هذا النقل الصحيح عن ابن عمرو بن العاص له أهميته الكبيرة، إذ كان عند عبد الله بن عمرو زاملتا بعير من كتب أهل الكتاب، فهو من المتتبعين لهذه القضايا في كتب أهل الكتاب، كما كانت في عصر النبوة، وسأنقل في سورة الأعراف البشارة

стр. 245

الموجودة في ما يسمى بالتوراة الحالية، وسنرى هناك عجيبة من العجائب، ومعجزة من معجزات هذا القرآن. فائدة: بمناسبة قوله تعالى وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى ... قال ابن كثير: «قال قتادة: «وبلغنا أن رسول الله ﷺ كان يقول (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) قلت: هذا الحديث مخرج في الصحيح عن عبد الله بن عمرو» أقول: في الظاهر لا توجد مناسبة بين ذكر هذه الرواية وسياق الكلام في تفسير هذه الآية، والذي أتصوره أن ابن كثير ساق ذلك حتى لا يتوهم متوهم بأن إرضاء اليهود والنصارى هو الطريق للنصر بل هو القتال ليظهر الإسلام. فائدة: عند قوله تعالى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قال ابن كثير: «وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ حيث أفرد الملة: على أن الكفر ملة واحدة، كقوله تعالى في سورة (الكافرون) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار، وكل منهم يرث قرينه سواء كان من أهل دينه أم لا؛ لأنهم كلهم ملة واحدة. وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في رواية عنه، وقال في الرواية الأخرى كقول مالك: إنه لا يتوارث أهل ملتين شتى كما جاء في الحديث والله أعلم». فصل في ألوية الخداع والرد المكافئ: عند قوله تعالى وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ يقول صاحب الظلال: «إنها العقيدة الدائمة التي نرى مصداقها في كل زمان ومكان، إنها هي العقيدة. هذه حقيقة المعركة التى يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة، إنها معركة العقيدة المشبوبة بين المعسكر الإسلامي وهذين المعسكرين اللذين قد يتخاصمان فيما بينهما، ولكنها تلتقي دائما في المعركة ضد الإسلام والمسلمين! إنها معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها ولكن المعسكرين العريقين في العداوة للإسلام والمسلمين يلونانها بألوان شتى، ويرفعان عليها أعلاما شتى في خبث

стр. 246

ومكر وتورية، إنهم قد جربوا حماسة المسلمين لدينهم وعقيدتهم حين واجهوهم تحت راية العقيدة، ومن ثم استدار الأعداء العريقون فغيروا أعلام المعركة. لم يعلنوها حربا باسم العقيدة- على حقيقتها- خوفا من حماسة العقيدة وجيشانها، إنما أعلنوها باسم الأرض والاقتصاد والسياسة والمراكز العسكرية وما إليها، وألقوا في روع المخدوعين الغافلين منا، أن حكاية العقيدة قد صارت حكاية قديمة لا معنى لها، ولا يجوز رفع رايتها. وخوض المعركة باسمها، فهذه سمة المتخلفين المتعصبين، ذلك كي يأمنوا جيشان العقيدة وحماستها، بينما هم في قرارة نفوسهم: الصهيونية العالمية، والصليبية العالمية- بإضافة الشيوعية العالمية- جميعا يخوضون المعركة أولا وقبل كل شئ لتحطيم هذه الصخرة العاتية التي نطحوها طويلا فأدمتهم جميعا. إنها معركة العقيدة، إنها ليست معركة الأرض، ولا القلة، ولا المراكز العسكرية، ولا هذه الروايات المزيفة كلها، إنهم يزيفونها علينا لغرض في نفوسهم دفين ليخدعونا عن حقيقة المعركة وطبيعتها، فإذا نحن خدعنا بخديعتهم لنا فلا نلومن إلا أنفسنا ونحن نبعد عن توجيه الله لنبيه ﷺ ولأمته وهو سبحانه أصدق القائلين وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ فذلك هو الثمن الوحيد الذي يرتضونه وما سواه فمرفوض ومردود! ولكن الأمر الحازم والتوجيه الصادق: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى على سبيل القصر والحصر، هدى الله هو الهدى، وما عداه ليس بهدى، فلا براح منه ولا فكاك عنه، ولا محاولة فيه ولا ترضية على حسابه، ولا مساومة في شئ منه قليل أو كثير، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ... ». أقول: إنه في فترات الضعف الإسلامي الأخيرة لم يزل العالم يتعامل معنا على أساس مصالح بمبادئ ومصالح، ونحن الخاسرون في كل صفقة، وعلينا أن نعمل لنكون أقوياء، فنفرض على العالم أن يتعامل معنا مصالح بمصالح، وضمن موازين عادلة، وحيث تجيز شريعتنا. فصل خاتم في المعجزات وخوارق العادات: لاحظنا من خلال مقطع بني إسرائيل كثرة المعجزات وخوارق العادات في حياة بني إسرائيل، وفي حياة أمتنا منذ عهد رسول الله ﷺ ، حتى عصرنا ظهرت معجزات وكرامات، وخوارق عادات كثيرة، حتى إن بعض أولياء هذه الأمة ظهرت على أيديهم خوارق للعادات كثيرة، هذا الشيخ عبد القادر الجيلاني يقول عنه ابن تيمية ﵀:

стр. 247

إن كراماته منقولة تواترا وابن تيمية معروف تدقيقه في هذه الشئون. ومن عرف الله لم يستغرب وقوع المعجزة أو الكرامة، فالله الذي خلق السموات والأرض بكلمة (كن) والذي خلق الأسباب والقوانين؛ لا يعجزه أن يخرق السبب والقانون؛ معجزة لنبي أو كرامة لولي، ولكن علينا في الحالتين أن نتثبت من الوقوع. فإذا ما حدثنا القرآن عن الوقوع فإن من البدهيات أن يوجد عندنا التسليم، وكذلك إذا حدثتنا السنة، وفي كرامات الصحابة والتابعين والأولياء حتى عصرنا، علينا أن نتثبت، فإذا صح النقل ولم يكن ثمة مبرر شرعي للرفض فالأصل التصديق، وقد حدثنا الله في القرآن عن أولياء أكرموا بكرامات كمريم، وجليس سليمان الذي عنده علم من الكتاب. والعجيب أن يسري الإنكار من المجتمعات الكافرة إلينا في هذه الشئون، إن المجتمعات الكافرة لا تظهر فيها كرامات؛ لأنها كافرة ولذلك فهي ترفض مبدأ خرق القانون، أما نحن فالأمر يختلف، فعندنا بفضل الله أولياء وعباد وزهاد، ولم تزل الكرامات تجري على أيديهم، وقد رأينا من كرامات بعض شيوخنا ما نجزم به، ولكن الأعجب من ذلك أن يسري هذا الإنكار حتى على المعجزات التي أخبر عنها القرآن، فيظهر ذلك بمحاولات التأويل لظواهر الآيات، بحيث تؤول كل المعجزات على أنها عادات، وذلك من عمى القلب وضعف اليقين بل هو الكفر نسأل الله العافية. وليكن هذا الفصل خاتمة الفصول. ولنعد إلى سياق السورة حيث وصلنا إلى المقطع الرابع في القسم الأول من سورة البقرة وهو مقطع الحديث عن إبراهيم ﵊. المقطع الرابع من القسم الأول من سورة البقرة: يمتد هذا المقطع من الآية (١٢٤) إلى نهاية الآية (١٤١) يبدأ بقوله تعالى وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ... وينتهي بقوله تعالى: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى، قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ.

стр. 248

يبدأ المقطع بالكلام عن إبراهيم، وينتهي بالكلام عن إبراهيم، ومن أدنى تأمل للمقطع يرى أن المقطع يتألف من ثلاث فقرات واضحة المعالم تضمها وحدة جامعة، والفقرتان الثانية والثالثة تنتهيان بآية واحدة هي قوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ* وهذا هو المقطع في فقراته الثلاث. الفقرة الأولى: [سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٤ الى ١٢٩] وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)

стр. 249

الفقرة الثانية: [سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٠ الى ١٣٤] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) الفقرة الثالثة: [سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٥ الى ١٤١] وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)

стр. 250

كلمة في هذا المقطع وسياقه: ١ - ختمت قصة آدم ﵊ بالقاعدة: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
следующие страницы →