٢ - وبمناسبة رد قوم هود على هود ﵇ واتهامهم إياه بالسفاهة يقول صاحب الظلال: (وكأنما كبر على الملأ الكبراء من قومه أن يدعوهم واحد من قومهم إلى الهدى وأن يستنكر منهم قلة التقوى؛ ورأوا فيه سفاهة وحماقة، وتجاوزا للحد، وسوء تقدير للمقام! فانطلقوا يتهمون نبيهم بالسفاهة وبالكذب جميعا في غير تحرج ولا حياء: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ: إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ، وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ .. هكذا جزافا بلا ترو ولا تدبر ولا دليل.)
٣ - قال محمد بن إسحاق عن عاد: هم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح. وفي سفر التكوين في الإصحاح العاشر أن من أولاد سام أرام ومن أولاد أرام عوص ولم يذكر من ولد عوص فهذا الذي أغفله السفر ذكره ابن إسحاق أن عادا بن عوص ويلاحظ أن إرم ذكره سفر التكوين باسم أرام قال ابن كثير: هؤلاء هم عاد الأولى الذين ذكرهم الله وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى العمد في البر قال تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ وذلك لشدة بأسهم وقوتهم .... وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف: وهي جبال الرمل قال محمد بن إسحاق ... عن أبي الطفيل عامر بن واثلة سمعت عليا يقول لرجل من حضرموت: هل رأيت كثيبا أحمر يخالطه مدرة (١) حمراء ذات أراك وسدر كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت، هل رأيته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين والله إنك لتنعته نعت رجل قد رآه. قال: لا: ولكني قد حدثت عنه، فقال الحضرمي: وما شأنه يا أمير المؤمنين قال: فيه قبر هود ﵇. رواه ابن جرير.
(أقول ولا زال أهل حضرموت يعرفون قبرا عندهم أنه قبر هود ﵇.
والله أعلم. قال ابن كثير: وهذا (إشارة إلى ما ساقه) فيه فائدة أن مساكنهم كانت باليمن وأن هودا ﵇ دفن هناك وقد كان من أشرف قومه نسبا، لأن الرسل إنما يبعثهم الله من أفضل القبائل وأشرفهم، ولكن كان قومه كما شدد الله خلقهم شدد على قلوبهم ...
(أقول: المراد باليمن هنا اليمن كله الذي يشمل جنوبي الجزيرة العربية كلها. قال محمد بن إسحاق: كانوا يسكنون باليمن بين عمان وحضرموت مع ذلك قد فشوا في الأرض وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله.
стр. 1857
٤ - والعرب يتناقلون كلاما كثيرا عن عاد، فلم يزالوا يتوارثون ما حدث لعاد فيزيدون وينقصون، وما قصه الله عنهم فيه كفاية للعبرة، وأجود ما نستطيع نقله ونطمئن إليه في هذا الباب ما رواه الإمام أحمد وغيره عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ ، فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله ﷺ حاجة، هل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال متقلد بسيف بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: ما شأن الناس؟
قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها، قال فجلست، فدخل منزله- أو قال:
رحله- فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت وسلمت، فقال: هل بينكم وبين تميم شئ؟ قلت: نعم وكانت لنا الدبرة (١) عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها،
فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها فدخلت، فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت، وقالت: يا رسول الله، فإلى أين يضطرك مضطرك؟ قال قلت: إن مثلي ما قال الأول:
معزى حملت حتفها (٢)، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد. قال هيه، «وما وافد عاد!» - وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه- قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له: قيل. فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما: الجرادتان. فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها:
اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها خذها رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا قال: فما بلغني أنه بعث الله عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا. قال أبو وائل (أحد رجال سند الحديث) وصدق، قال: وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدهم قالوا: لا تكن كوافد عاد هكذا رواه الإمام، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير أيضا. هذا الحديث يبين أن قصة عاد كانت معروفة لدى العرب مألوفة لديهم لا بكل تفصيلاتها ولكن لم تكن غريبة عنهم، وكانوا يتناقلون خبرها جيلا بعد جيل ولكنا لم ننقل كل ما يقولونه لاحتمال الوهم فيه.
стр. 1858
ولنا كلام سيأتي عن عاد إذا جاء محله فلنكتف الآن بما ذكرنا
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أي وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ دعاهم إلى عبادة الله وتوحيده قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي آية ظاهرة شاهدة على صحة نبوة صالح ﵇ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ أضيفت الناقة إلى الله لأنها بتكوينه تعالى المباشر بلا صلب ولا رحم لَكُمْ آيَةً هذا بيان لمن هي له آية وهم ثمود لأنهم عايشوها فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ لأن الأرض أرضه، والناقة ناقته، فاتركوها تأكل في أرض ربها من نبات ربها فليس عليكم مئونتها وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ أي بأذى فلا تطردوها ولا تعقروها إكراما لآية الله فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ إن مسستموها بسوء
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ يوحي هذا بأنه كان لثمود السلطان في أرض العرب بعد عاد وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي وأنزلكم في الأرض التي أنتم فيها وهي أرضهم المعروفة حتى الآن بآثارها منهم ما بين الحجاز والشام تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً أي غرفا للصيف وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً أي للشتاء فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ أي نعمه وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بمعصيتكم لله ورسوله
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أي قال المستكبرون للمستضعفين لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ دل على أن المستضعفين كانوا كافرين ومؤمنين، وكلام المستكبرين للمستضعفين المؤمنين أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ سألوهم هذا السؤال على سبيل السخرية قالُوا أي المؤمنون إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ سألهم المستكبرون عن العلم بإرساله فجعلوا إرساله أمرا معلوما مسلما، كأنهم قالوا العلم بإرساله وبما أرسل به لا شبهة فيه، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به فنخبركم أنا به مؤمنون.
يقول صاحب الظلال في قوله تعالى: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ؟
(وواضح أنه سؤال للتهديد والتخويف ولاستنكار إيمانهم به وللسخرية من تصديقهم له في دعواه الرسالة من ربه. ولكن الضعاف لم يعودوا ضعافا لقد سكب الإيمان بالله القوة في قلوبهم والثقة في نفوسهم والاطمئنان في منطقهم .. إنهم على يقين من أمرهم فماذا يجدي التهديد والتخويف، وماذا تجدي السخرية والاستنكار ... من الملأ المستكبرين؟: قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ.
стр. 1859
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ أي برسالة صالح كافِرُونَ قالوا هذا مع وضوح الآية وظهور الحجة- فعليهم اللعنة-
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ أي قتلوها وذبحوها ومع أن العاقر واحد منهم فإنه قد نسب الفعل إلى جميعهم لأنه كان برضاهم. قال قتادة: بلغني أن من قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن، وعلى الصبيان جميعهم وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي وتولوا عن دين ربهم واستكبروا عنه، ويمكن أن يكون المراد بأمر الله أمره لهم في أمر الناقة أن يذروها تأكل في أرض الله وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا أي من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي الصيحة التي زلزلت لها الأرض واضطربوا لها فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ أي في بلادهم أو مساكنهم جاثِمِينَ أي ميتين يقال: الناس جثم أي:
قعود لا حراك بهم ولا يتكلمون
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ أي لما عقروا الناقة وَقالَ عند فراقه إياهم يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ أي الآمرين بالهدى وسبب عدم حب الناصح استحلاء الهوى، ولم يزل الناس قديما وحديثا هذا دأبهم يستثقلون النصيحة حتى المؤمنون منهم إلا الصديقون فما بالك بالكافرين. قال النسفي: والنصيحة
منيحة تدرأ الفضيحة، ولكنها وخيمة تورث السخيمة.
أقول: إلا إذا كان المنصوح صديقا والناصح مخلصا.
فوائد:
١ - قال صاحب الظلال: (ولا يذكر السياق هنا أين كان موطن ثمود ولكنه يذكر في سورة أخرى أنهم كانوا في الحجر- وهي بين الحجاز والشام- ونلمح من تذكير صالح لهم أثر النعمة والتمكين في الأرض لثمود، كما نلمح طبيعة المكان الذي يعيشون فيه فهو سهل وجبل، وقد كانوا يتخذون في السهل القصور، وينحتون في الجبال البيوت فهي حضارة عمرانية واضحة المعالم في هذا النص القصير، وصالح يذكرهم استخلاف الله لهم من بعد عاد وإن لم يكونوا في أرضهم ذاتها ولكن يبدو أنهم كانوا أصحاب الحضارة العمرانية التالية في التاريخ لحضارة عاد وأن سلطانهم امتد خارج الحجر أيضا وبذلك صاروا خلفاء ممكنين في الأرض محكمين فيها وهو ينهاهم عن الانطلاق في الأرض بالفساد اغترارا بالقوة والتمكين وأمامهم العبرة ماثلة في عاد الغابرين).
٢ - قال ابن كثير: (قال علماء التفسير والنسب ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جديس بن عاثر، وكذلك قبيلة طسم، كل هؤلاء كانوا أحياء من
стр. 1860
العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل ﵇، وكانت ثمود بعد عاد، ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام، إلى وادي القرى وما حوله) أقول: وعاثر المذكور في النسب يسميه سفر التكوين «جاثر» والمساكن التي ذكرها ابن كثير لا زالت موجودة وهي تثير دهشة الناظر للجهد الذي بذل فيها ولبقائها هذه الآلاف من السنين، وكأنها الآن منحوتة، والرحلة إليها سهلة وقد علمنا رسول الله ﷺ كيف يكون أدب المسلم. إذا رأى ديار الظالمين الهالكين أو مر بها.
فقد روى الإمام أحمد ... عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله ﷺ بالناس على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا لها القدور، فأمرهم النبي ﷺ فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل. ثم أرتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال: إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم». وروى الإمام أحمد أيضا ... عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ وهو بالحجر «ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم» وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين .. وله أيضا .... عن أبي كبشة الأنماري عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنادى في الناس: «الصلاة جامعة» قال: فأتيت رسول الله ﷺ وهو ممسك بعنزة وهو يقول:
«ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم» فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله قال: «أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك: رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا. وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا».
وأقول: إن بعض الناس يتشددون في المنع عن رؤية أثار هؤلاء الأقوام والذى يبدو لي- والله أعلم- أن رسولنا ﵊ منع من النظرة التي لا يرافقها اعتبار كيف وإن معرفة هذه الآثار والكلام عنها- خاصة في عصرنا- فيه معنى التصديق لكتاب الله أمام المشككين الذين لم يتركوا شيئا إلا شككوا فيه.
٣ - ويعلمنا ﵊ بمناسبة قصة ثمود ألا نسأل الله آية، فقد روى الإمام أحمد عن جابر قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال: «لا تسألوا الله
стр. 1861
الآيات، فقد سألها قوم صالح فكانت- يعني الناقة- ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يوما، ويشربون لبنها يوما، فعقروها فأخذتهم صيحة أخمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله» فقالوا من هو يا رسول الله؟ قال: «أبو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه» وهذا الحديث على شرط مسلم. وقد روى عبد الرزاق عن معمر قال أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي ﷺ مر بقبر أبي رغال فقال: أتدرون من هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا قبر أبي رغال من ثمود كان في حرم الله فمنعه حرم الله عذاب الله فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن هاهنا، ودفن معه غصن من ذهب فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم، فبحثوا عنه فاستخرجوا الغصن».
وقبر أبي رغال معروف مشهور عند العرب، والعرب تروي قصته بأشكال متعددة، فإما أن الرجل متعدد، أو بعض الروايات غير ثابتة، وإذا ورد عن رسولنا ﷺ شئ، وثبت، لا نلتفت إلى غيره. ولنا كلام على ثمود، وبلادهم؛ سيأتي في محله.
ولنعد إلى السياق:
فبعد أن قص الله علينا قصة ثمود، يقص علينا بعدها قصة لوط، ولا يحدثنا عن إبراهيم ﵊، مع أن لوطا ﵊ من المستجيبين لدعوة إبراهيم، وفي حكمة طي قصة إبراهيم هاهنا والحديث عن لوط ﵇ في هذا السياق يقول صاحب الظلال: (وتمضي عجلة التاريخ فيظلنا عهد إبراهيم- ﵇ ولكن السياق لا يتعرض هنا لقصة إبراهيم؛ ذلك أن السياق يتحرى مصارع المكذبين متناسقا مع ما جاء في أول السورة وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها، فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ وهذا القصص إنما هو تفصيل لهذا الإجمال في إهلاك القرى التي كذبت بالنذير، وقوم إبراهيم لم يهلكوا لأن إبراهيم ﵇ لم يطلب من ربه هلاكهم بل اعتزلهم وما يدعون من دون الله، إنما تجئ هنا قصة قوم لوط ابن أخي إبراهيم ومعاصره بما فيها من إنذار وتكذيب وإهلاك يتمشى مع ظلال السياق على طريقة القرآن).
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي تفعلون السيئة المتمادية في القبح ما سَبَقَكُمْ بِها أي ما عملها قبلكم مِنْ أَحَدٍ أي أحدا أبدا مِنَ الْعالَمِينَ أنكر
стр. 1862
عليهم ثم وبخهم فقال: أنتم أول من عملها
ثم بين لهم فاحشتهم إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ أي تجامعونهم- نعوذ بالله من سخطه- شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ أي شهوة لا من النساء اللاتي هن محل الشهوة الحقيقي، وقوله شهوة أي اشتهاء لا حامل لكم عليه إلا مجرد الشهوة ولا ذم أعظم منه، لأنه وصف لهم بالبهيمية بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ بعد أن أنكر عليهم تخلى عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحال التي أدت بهم إلى ارتكاب القبائح وهو أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شئ. فمن ثم أسرفوا في باب قضاء الشهوة حتى تجاوزوا المعتاد إلى غير المعتاد
وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ أي لوطا ومن معه يعني أنهم ما أجابوه بما يكون جوابا عما كلمهم به لوط من إنكار الفاحشة، ووصفهم بصفة الإسراف الذي هو أصل الشر ولكنهم جاءوا بشيء آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين، ثم عللوا سبب الإخراج بما ليس عيبا بل هو مدح وثناء فقالوا إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أي يدعون الطهارة ويتنزهون عما نفعل قال مجاهد: إنهم أناس يتطهرون من أدبار الرجال، وأدبار النساء.
فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ أي ومن يختص به من ذويه أو من المؤمنين إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أي من المهلكين بالعذاب
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً أي وأرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا أهلكناهم به فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ أي الكافرين.
نقول:
- يقول صاحب الظلال: (وتكشف لنا قصة قوم لوط عن لون خاص من انحراف الفطرة وعن قضية أخرى غير قضية الألوهية والتوحيد التي كانت مدار القصص السابق ولكنها في الواقع ليست بعيدة عن قضية الألوهية والتوحيد .. إن الاعتقاد في الله الواحد يقود إلى الإسلام لسننه وشرعه، وقد شاءت سنة الله أن يخلق البشر ذكرا وأنثى، وأن يجعلهما شقين للنفس الواحدة تتكامل بهما، وأن يتم الامتداد في هذا الجنس عن طريق النسل وأن يكون النسل من التقاء ذكر وأنثى ومن ثم ركبهما وفق هذه السنة صالحين للالتقاء صالحين للنسل عن طريق هذا الالتقاء مجهزين عضويا ونفسيا لهذا الالتقاء وجعل اللذة التي ينالانها عندئذ عميقة والرغبة في إتيانها أصيلة وذلك لضمان أن يتلاقيا فيحققا مشيئة الله في امتداد الحياة ثم لتكون هذه الرغبة الأصيلة وتلك اللذة العميقة دافعا في مقابل المتاعب التي يلقيانها بعد ذلك في الذرية من حمل ووضع ورضاعة، ومن نفقة وتربية وكفالة ثم لتكون كذلك ضمانا لبقائهما ملتصقين في أسرة تكفل الأطفال الناشئين الذين تطول فترة
стр. 1863
حضانتهم أكثر من أطفال الحيوان ويحتاجون إلى رعاية أطول من الجيل القديم!
هذه هي سنة الله التي يتصل إدراكها والعمل بمقتضاها بالاعتقاد في الله وحكمته ولطف تدبيره وتقديره ومن ثم يكون الانحراف عنها متصلا بالانحراف عن العقيدة وعن منهج الله للحياة ويبدو انحراف الفطرة واضحا في قصة قوم لوط حتى إن لوطا ليجبههم بأنهم بدع دون خلق الله فيها وأنهم في هذا الانحراف الشنيع غير مسبوقين:
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
والإسراف الذي يدمغهم به لوط هو: الإسراف في تجاوز منهج الله الممثل في الفطرة السوية والإسراف في الطاقة التي وهبهم الله إياها لأداء دورهم في امتداد البشرية ونمو الحياة فإذا هم يريقونها ويبعثرونها في غير موضع الإخصاب فهي مجرد «شهوة» شاذة لأن الله جعل لذة الفطرة الصادقة في تحقيق سنة الله الطبيعية فإذا وجدت نفس لذتها فى نقيض هذه السنة فهو الشذوذ إذن والانحراف والفساد الفطري قبل أن يكون فساد الأخلاق ولا فرق في الحقيقة فالأخلاق الإسلامية هي الأخلاق الفطرية بلا انحراف ولا فساد، إن التكوين العضوي للأنثى- كالتكوين النفسي- هو الذي يجعل لذة الفطرة الصادقة للذكر في هذا الالتقاء الذي لا يقصد به مجرد الشهوة إنما هذه الشهوة المصاحبة له رحمة من الله ونعمة إذ يجعل القيام بتحقيق سنته ومشيئته في امتداد الحياة مصحوبا بلذة تعادل مشقة التكليف، فأما التكوين العضوي للذكر- بالنسبة للذكر- فلا يمكن أن يحقق لذة للفطرة السليمة بل إن شعور الاستقذار ليسبق، فيمنع مجرد الاتجاه عند الفطرة السليمة. وطبيعة التصور الاعتقادي ونظام الحياة الذي يقوم عليه ذو أثر حاسم في هذا الشأن فهذه هي الجاهلية الحديثة في أوروبا وفي أمريكا ينتشر فيها هذا الانحراف الجنسي الشاذ انتشارا ذريعا بغير ما مبرر إلا الانحراف عن الاعتقاد الصحيح وعن منهج الحياة الذي يقوم عليه وقد كانت هناك دعوى عريضة من الأجهزة التي يوجهها اليهود في الأرض لتدمير الحياة الإنسانية لغير اليهود بإشاعة الانحلال العقيدي والأخلاقي، كانت هناك دعوى عريضة من هذه الأجهزة الموجهة بأن احتجاب المرأة هو الذي ينشر هذه الفاحشة الشاذة في المجتمعات، ولكن شهادة الواقع تخرق العيون ففي أروبا وأمريكا لم يبق ضابط واحد للاختلاط الجنسي الكامل بين كل ذكر وكل أنثى- كما في عالم البهائم- وهذه الفاحشة الشاذة يرتفع معدلها بارتفاع الاختلاط ولا ينقص ولا يقتصر على الشذوذ بين الرجال بل يتعداه إلى الشذوذ بين النساء
стр. 1864
ومن لا تخرق عينيه هذه الشهادة فليقرأ «السلوك الجنسي عند الرجال» و «والسلوك الجنسي عند النساء» في تقرير «كنزي» الأمريكي ولكن هذه الأجهزة الموجهة ما تزال تردد هذه الأكذوبة وتسندها إلى حجاب المرأة لتؤدي ما تريده بروتوكولات صهيون ووصايا مؤتمرات المبشرين ونعود إلى قوم لوط فيتجلى لنا الانحراف مرة أخرى في جوابهم لنبيهم:
وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ يا عجبا أو من يتطهر يخرج من القرية إخراجا ليبقى فيها الملوثون المدنسون؟! ولكن لماذا العجب؟ وماذا تصنع الجاهلية الحديثة؟ أليست تطارد الذين يتطهرون فلا ينغمسون في الوحل الذي تنغمس فيه مجتمعات الجاهلية- وتسميه تقدمية وتحطيما للأغلال عن المرأة وغير المرأة- أليست تطاردهم في أرزاقهم وأنفسهم وأموالهم وأفكارهم وتصوراتهم كذلك ولا تطيق أن تراهم يتطهرون لأنها لا تتسع ولا ترحب إلا بالملوثين الدنسين القذرين؟ إنه منطق الجاهلية في كل حين؟؟ وتعرض الخاتمة سريعا بلا تفصيل ولا تطويل: فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ- إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ- وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ.
فوائد:
١ - قال ابن كثير: (ولوط هو ابن هاران بن آزر) وهو ابن أخي إبراهيم الخليل ﵉، وكان قد آمن مع إبراهيم ﵇، وهاجر معه إلى أرض الشام فبعثه الله إلى أهل سدوم وما حولها من القرى يدعوهم إلى الله يأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها، لم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم، وهو إتيان الذكور دون الإناث وهذا شئ لم يكن بنو آدم تعهده، ولا تألفه، ولا يخطر ببالهم، حتى صنع ذلك أهل سدوم- عليهم لعائن الله- قال عمرو بن دينار في قوله ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ قال: ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط. وقال الوليد بن عبد الملك- الخليفة الأموي باني جامع دمشق- لولا أن الله قص علينا خبر قوم لوط ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا»
أقول: إنه ما من شهوة أظهر بطلانا في العقل وانحرافا عن سنة الفطرة كهذه الشهوة التي لا تنتج إلا مقتا. فالشهوة الجنسية ركبها الله في الإنسان لدفع الذكر نحو الأنثى؛ ليبقى الجنس البشري، فعند ما تصرف هذه الشهوة عن طريقها بذلك فذلك منتهى الجهل. قدر لو اكتفى الرجال بالرجال كم يبقى الجنس البشري؟
стр. 1865
وفي سفر التكوين من أسفار العهد القديم الإصحاح الحادي عشر (ولد تارح ابرام وناحور وهاران، وولد هاران لوطا) وتارح هو آزر وعلى هذا فإن رواية سفر التكوين متفقة مع ما ذكره ابن كثير. وقد ذكر انتقال لوط إلى سدوم في الإصحاح الثالث عشر من سفر التكوين، وذكر في الإصحاح التاسع عشر قصة إهلاك سدوم وعمورة، وفي هذا الإصحاح (وإذا أشرقت الشمس على الأرض دخل لوط إلى صوغر فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتا ونارا من عند الرب من قلب السماء وقلب تلك المدن وكل الدائرة وجميع سكان المدن ونبات الأرض ونظرت امرأته من ورائه فصارت عمود ملح) وفي هذا الإصحاح غير ما ذكرنا من السخف والجرأة على الأنبياء ما لا يفعله إلا اليهود- عليهم لعنة الله- تجرءوا على قتل الأنبياء واتهامهم بكل نقيصة فاختلطت كتبهم بشيء من الحق مع زيف كثير.
٢ - وفي العقوبة التشريعية في الإسلام لمن يعمل عمل قوم لوط يقول ابن كثير:
«وقد ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀: إلى أن اللائط يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط. وذهب آخرون من العلماء إلى أنه يرجم سواء كان محصنا أو غير محصن وهو أحد قولي الشافعي ﵀، والحجة ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الدراوردي ... عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به». وقال آخرون: هو كالزاني، فإن كان محصنا رجم وإن لم يكن محصنا جلد مائة جلدة وهو القول الآخر للشافعي، وأما إتيان النساء في الأدبار فهو اللوطية الصغرى، وهو حرام بإجماع العلماء، إلا قولا شاذا لبعض السلف، وقد ورد في النهي عنه أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ . ولنا كلام على قصة قوم لوط وقراهم سيأتي في محله إن شاء الله.
وبعد قصة قوم لوط تأتي قصة قوم شعيب: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً مدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة كما سنرى. أي وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا ويسميه العلماء خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكانوا أهل بخس للمكاييل والموازين قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ دعاهم إلى الله وتوحيده وتلك دعوة كل رسول قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي معجزة ولم يذكر القرآن ما هي معجزته فدل ذلك على أنه ما من رسول إلا وله معجزة بها تقوم الحجة على قومه، ذكر ذلك أو لم يذكر بينت أو لم تبين فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ أي أتموهما وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ
стр. 1866
أَشْياءَهُمْ أي ولا تنقصوا حقوقهم بتطفيف الكيل ونقصان الوزن وكانوا يبخسون الناس كل شئ في مبايعتهم، أو لا تخونوا الناس في أموالهم وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها أي لا تفسدوا فيها بعد ما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء والأولياء ذلِكُمْ أي ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان، وترك البخس، والإفساد في الأرض خَيْرٌ لَكُمْ قال النسفي: في الإنسانية وحسن الأحدوثة. وأقول: في الدنيا والآخرة إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين لي في قولي
وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ أي بكل طريق تُوعِدُونَ أي من آمن بشعيب بالعذاب وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن عبادته ودينه وطريقه مَنْ آمَنَ بِهِ أي بالله وَتَبْغُونَها عِوَجاً أي وتطلبون لسبيل الله العوج أي تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة؛ لمنعهم عن سلوكها أو تطلبون الطريقة المعوجة. والمعنى: لا تقعدوا موعدين وصادين عن سبيل الله وباغين عوجا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ أي واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلا عددكم فكثركم الله ووفر عددكم وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي كيف كان آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم، كقوم نوح وهود وصالح ولوط ﵈
وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا أي فانتظروا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا أي بين الفريقين بأن ينصر المحقين على المبطلين، ويظهرهم عليهم وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ لأن حكمه حق وعدل، لا يخاف فيه الجور، وفي الآية بيان أن الدعوة إلى الله تقسم الناس قسمين: أهل حق، وأهل باطل، وفي الآية
وعيد للكافرين بانتقام الله منهم، وحث للمؤمنين على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم منهم، ويحتمل أن تكون الآية خطابا للفريقين حتى يحكم الله فيميز الخبيث من الطيب
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ والاستكبار على الأنبياء ودعوتهم كفر فالذين استكبروا هم الذين كفروا لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا أي ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم وإما عودكم في الكفر قالَ أي شعيب أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ تقديره: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا، أو مع كوننا كارهين
قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها أي بعد أن خلصنا الله منها، فإن قال قائل كيف يقول شعيب إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ والكفر على الأنبياء محال؟ فالجواب: أراد عود قومه إلا أنه نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئا من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب
стр. 1867
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها أي وما ينبغي لنا وما يصح إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا أي إلا أن يكون سبق في مشيئته أن نعود فيها إذ الكائنات كلها بمشيئة الله تعالى خيرها وشرها وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أي هو عالم بكل شئ فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحول وقلوبهم كيف تتقلب عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا في أن يثبتنا على الإيمان، ويوفقنا لازدياد الإيقان، ويحمينا من مراد الأعداء رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ أي احكم، والفتاحة الحكومة، والقضاء بالحق يفتح الأمر المغلق، فلذا سمي فتحا، وكان أهل عمان يسمون القاضي فتاحا. وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ أي خير الحاكمين.
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ أي مغبونون لفوات فوائد البخس والتطفيف باتباعه لأنه ينهاكم عنها ويحملكم على الإيفاء والتسوية
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي الزلزلة فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ أي ميتين
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أي كأن لم يقيموا فيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ لا من اتبعه- كما زعم الكافرون- وفي التعبير ما يفيد:
الذين كذبوا شعيبا هم المخصوصون بأن أهلكوا كأن لم يقيموا في دارهم؛ لأن الذين اتبعوا شعيبا قد أنجاهم الله، الذين كذبوا شعيبا هم المخصوصون بالخسران العظيم دون أتباعه فهم الرابحون، وفي التكرار مبالغة واستعظام لتكذيبهم ولما جرى عليهم
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ بعد ما نزل بهم العذاب وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى أي أحزن عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ويحتمل أنه يريد لقد أعذرت لكم في الإبلاغ والتحذير مما حل بكم، فلم تصدقوني فكيف آسى عليكم. كما يحتمل أنه حزن على قومه ثم أنكر على نفسه فقال: كيف يشتد حزني على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم؛ لكفرهم واستحقاقهم ما نزل بهم.
نقول:
قال صاحب الظلال بمناسبة قوله تعالى: وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا، فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.
لقد دعاهم إلى أعدل خطة. ولقد وقف عند آخر نقطة لا يملك أن يتراجع وراءها خطوة ... نقطة الانتظار والتريث والتعايش بغير أذى وترك كل وما اعتنق من دين.
حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.
ولكن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان في الأرض وجود ممثل في جماعة من
стр. 1868
الناس لا تدين للطاغوت. إن وجود جماعة مسلمة في الأرض، لا تدين إلا لله، ولا تعترف بسلطان إلا سلطانه، ولا تحكم في حياتها شرعا إلا شرعه، ولا تتبع في حياتها منهجا إلا منهجه .. إن وجود جماعة مسلمة كهذه يهدد سلطان الطواغيت- حتى لو انعزلت هذه الجماعة في نفسها وتركت الطواغيت لحكم الله حتى يأتي موعده.
إن الطاغوت يفرض المعركة فرضا على الجماعة المسلمة- حتى لو آثرت هي ألا تخوض معه المعركة- إن وجود الحق في ذاته يزعج الباطل. وهذا الوجود ذاته هو الذي يفرض عليه المعركة مع الباطل .. إنها سنة الله لا بد أن تجري .. قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا. هكذا في تبجح سافر، وفي إصرار على المعركة لا يقبل المهادنة والتعايش! إلا أن قوة العقيدة لا تتلعثم ولا تتزعزع أمام التهديد والوعيد .. لقد وقف شعيب ﵇ عند النقطة التي لا يملك أن يتزحزح وراءها خطوة .. نقطة المسالمة والتعايش- على أن يترك لمن شاء أن يدخل في العقيدة التي يشاء، وأن يدين للسلطان الذي يشاء:
في انتظار فتح الله وحكمه بين الفريقين- وما يملك النبي أن يتراجع خطوة واحدة وراء هذه النقطة، تحت أي ضغط أو أي تهديد من الطواغيت .. وإلا تنازل كلية عن الحق الذي يمثله .. فلما أن تلقى الملأ المستكبرون عرضه هذا بالتهديد بالإخراج من قريتهم أو العودة في ملتهم، صدع شعيب بالحق، مستمسكا بملته، كارها أن يعود في الملة الخاسرة التي أنجاه الله منها، واتجه إلى ربه وملجئه ومولاه يدعوه ويستنصره ويسأله وعده بنصرة الحق وأهله:
قالَ: أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ؟ قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها. وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا. رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ.
وفي هذه الكلمات القلائل تتجلى طبيعة الإيمان، ومذاقه في نفوس أهله، كما تتجلى طبيعة الجاهلية ومذاقها الكريه. كذلك نشهد في قلب الرسول ذلك المشهد الرائع ..
مشهد الحقيقة الإلهية في ذلك القلب وكيف تتجلى فيه. قالَ: أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ؟.
يستنكر تلك القولة الفاجرة: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا .. يقول لهم: أتجبروننا على ما نكره من ملتكم التي أنجانا الله
стр. 1869
منها!! قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها إن الذي يعود إلى ملة الطاغوت الجاهلية، التي لا يخلص فيها الناس الدينونة والطاعة لله وحده، والتي يتخذ الناس فيها أربابا من دون الله يقرون لهم بسلطان الله .. إن الذي يعود إلى هذه الملة- بعد إذ قسم الله له الخير وكشف له الطريق، وهداه إلى الحق، وأنقذه من العبودية للعبيد- إنما يؤدي شهادة كاذبة على الله ودينه، شهادة مؤداها أنه لم يجد في ملة الله خيرا فتركها وعاد إلى ملة الطاغوت! وأن وجودها لا يتنافى مع الإيمان بالله. فهو يعود إليها ويعترف بها بعد أن آمن بالله .. وهي شهادة خطيرة أخطر من شهادة من لم يعرف الهدى، ولم يرفع راية الإسلام. شهادة الاعتراف براية الطغيان وراء اغتصاب سلطان الله في الحياة.
وكذلك يستنكر شعيب- ﵇ ما يتهدده به الطغاة من إعادته هو والذين آمنوا معه إلى الملة التي أنجاهم الله منها: وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها.
وما من شأننا أصلا: وما ينبغي لنا قطعا أن نعود فيها .. يقولها وأمامه التهديد الذي يزاوله الطاغوت في كل أرض مع الجماعة المسلمة، والتي تعلن خروجها عن سلطانه، ودينونتها لله وحده بلا شريك معه أو من دونه.
إن تكاليف الخروج من العبودية للطاغوت والدينونة لله وحده- مهما عظمت وشقت- أقل وأهون من تكاليف العبودية للطواغيت! إن تكاليف العبودية للطواغيت فاحشة- مهما لاح فيها من السلامة والأمن والطمأنينة على الحياة والمقام والرزق! إنها تكاليف بطيئة طويلة مديدة! تكاليف في إنسانية الإنسان ذاته. فهذه «الإنسانية» لا توجد، والإنسان عبد للإنسان- وأي عبودية شر من خضوع الإنسان لما يشرعه له إنسان؟! وأي عبودية شر من تعلق قلب إنسان بإرادة إنسان آخر به، ورضاه أو غضبه عليه؟! .. وأي عبودية شر من أن تتعلق مصائر إنسان بهوى مثله ورغباته وشهواته؟! وأي عبودية شر من أن يكون للإنسان خطام أو لجام يقوده منه كيفما شاء إنسان؟!
على أن الأمر لا يقف عند حد هذه المعاني الرفيعة .. إنه يهبط ويهبط حتى يكلف الناس- في حكم الطواغيت- أموالهم التي لا يحميها شرع ولا يحوطها سياج. كما يكلفهم أولادهم إذ ينشئهم الطاغوت كما شاء على ما شاء من التصورات والأفكار والمفهومات والأخلاق والتقاليد والعادات فوق ما يتحكم في أرواحهم وفي حياتهم ذاتها، فيذبحهم على مذبح هواه ويقيم من جماجمهم وأشلائهم أعلام المجد لذاته والجاه! ثم
стр. 1870
يكلفهم أعراضهم في النهاية .. حيث لا يملك أب أن يمنع فتاته من الدعارة التي يريدها بها الطواغيت، سواء في صورة الغصب المباشر- كما يقع على نطاق واسع على مدار التاريخ- أو في صورة تنشئتهن على تصورات ومفاهيم تجعلهن نهبا مباحا للشهوات تحت أي شعار! وتمهد لهن الدعارة والفجور تحت أي ستار .. والذي يتصور أنه ينجو بماله وعرضه وحياته وحياة أبنائه وبناته في حكم الطواغيت من دون الله. إنما يعيش في وهم أو يفقد الإحساس بالواقع!.
إن عبادة الطاغوت عظيمة التكاليف في النفس والعرض والمال .. ومهما تكن تكاليف العبودية لله فهي أربح وأقوم حتى بميزان هذه الحياة. فضلا على وزنها في ميزان الله.
أقول: في شريعتنا الإكراه الملجئ يبيح للإنسان أن يقول كلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان، وهو موضوع سيمر معنا في سورة النحل
فائدة:
قال ابن كثير: قال محمد بن إسحاق عن مدين: هم من سلالة مدين بن إبراهيم وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر قال: واسمه بالسريانية يثرون، (قلت): مدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة، وهي التي بقرب معان من طريق الحجاز قال الله تعالى وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ (القصص: ٢٣) وهم أصحاب الأيكة كما سنذكره إن شاء الله وبه الثقة. وفي سفر التكوين الإصحاح السابع والثلاثين في قصة يوسف يرد ذكر الإسماعيليين ويبدو أن المراد بهم العرب، ثم يرد ذكر المديانيين فيقول: (واجتاز رجال مديانيون تجار). فالمديانيون غير العرب وغير الفلسطينيين وعلى حسب خريطة ما يسمى بالكتاب المقدس فإن مدين تمتد شرقي وغربي خليج العقبة.
وبعد أن قص الله علينا ما فعله بأقوام نوح وهود وصالح ولوط وشعيب فإن تعقيبا على هذا كله يأتي في هذا المقطع: يقول صاحب الظلال: «ثم يقف سياق السورة وقفة للتعقيب على ذلك القصص- وفق منهج السورة- فيكشف في هذا التعقيب عن خطوات قدر الله بالمكذبين .. كيف يأخذهم بالبأساء والضراء لعل قلوبهم تصحو وترق، وتلجأ إلى الله وتتضرع إليه، فإذا لم تستيقظ هذه القلوب ولم تنتفع بالابتلاء، أخذهم الله بالسراء- وهي أشد في الابتلاء- حتى يزدادوا عن قدر الله غفلة ويظنون
стр. 1871
الحياة لهوا ولعبا. وعندئذ يأخذهم الله بغتة على حين غفلة: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ. ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا، وَقالُوا: قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ! فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ.
وهنا يكشف السياق كذلك عن العلاقة بين القيم الإيمانية وسنن الله في أخذ الناس، حيث لا انفصال في خطوات قدر الله بين هذه السنن وتلك القيم. هذه العلاقة التي تخفى على الغافلين لأن آثارها قد لا تبدو في المدى القريب؛ ولكنها لا بد واقعة في المدى الطويل. وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.
ويعقب الكشف عن خطوات قدر الله بالمكذبين؛ وسننه وعلاقتها بالقيم الإيمانية في حياة البشر، لمسات من التهديد تهز القلوب، ولفتات إلى مصارع المكذبين توقظ
الغافلين: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ. أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ؟ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ وينتهي هذا التعقيب بلفتة إلى رسول الله- ﷺ عن هذا القصص؛ وتلخيص لأمر الأقوام التي كذبت من قبل؛ ووصف لحقيقة حالهم ونسيانهم لعهد الله معهم على الاعتراف بألوهيته ووحدانيته؛ وعدم جدوى الآيات والبينات والخوارق التي جاءهم بها رسلهم بسبب تعطل فطرتهم وغفلة قلوبهم: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها. وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ.
стр. 1872
ولنعرض التفسير الحرفي لهذا التعقيب الذي يأتي كدرس بين قصص من ذكر وقصة موسى وفرعون:
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ يقال لكل مدينة قرية إذ المعروف أن الأنبياء ترسل في الحواضر إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ أي: بالبؤس والفقر وَالضَّرَّاءِ أي:
الضر والمرض وهذا الأخذ لاستكبارهم عن اتباع نبيهم فعاقبهم الله بنقصان النفس والمال لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ أي ليتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة الرخاء والسعة والصحة حَتَّى عَفَوْا أي حتى كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم: عفا النبات إذا كثر وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ أي قالوا هذه عادة الدهر، يعاقب في الناس بين الضراء والسراء، وقد مس آباءنا نحو ذلك، وما هو بعقوبة الذنب، ولا رب ولا رسول، فكونوا على ما أنتم عليه فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً أي فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي بنزول العذاب
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى المذكورة أو كل قرية مطلقا آمَنُوا وَاتَّقَوْا آمنوا بالله ورسله، واتقوا الشرك والمعاصي لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي المطر والنبات، أو لآتيناهم بالخير من كل وجه وَلكِنْ كَذَّبُوا بالله وآياته ورسله فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي بكفرهم وسوء كسبهم.
أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أي الكافرون منهم أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا أي عذابنا بَياتاً أي ليلا أي وقت بيات وَهُمْ نائِمُونَ
أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى أي نهارا والضحى في الأصل ضوء الشمس إذا أشرقت وَهُمْ يَلْعَبُونَ أي وهم يشتغلون بما لا يجدي عليهم. والاستفهام في الآيتين للإنكار والمعنى إنكار الأمن من أحد هذين الوجهين من إتيان العذاب ليلا، أو ضحى
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ أي:
أخذه العبد من حيث لا يشعر، وقال بعضهم: مكره بهم تركه إياهم على ما هم عليه ثم أخذهم فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ أي إلا الكافرون الذين خسروا أنفسهم حتى صاروا إلى النار
أَوَلَمْ يَهْدِ أي: يتبين لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ أي: أو لم يهد للذين يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأن، وهو أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم فأهلكنا الوارثين كما أهلكنا الموروثين وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ أي ونحن نختم على قلوبهم فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ الوعظ
تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها أي تلك القرى المذكورة من قوم نوح إلى قوم شعيب نقص عليك بعض أنبائها، ولها أنباء غيرها
стр. 1873
لم نقصها عليك وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالمعجزات فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا أي عند مجئ الرسل والبينات بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ بما كذبوا من قبل مجيء الرسل، أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أولا حين جاءتهم الرسل أي: استمروا على التكذيب من لدن مجئ الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرين مع تتابع الآيات كَذلِكَ أي مثل ذلك الطبع الشديد يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ لما علم منهم أنهم يختارون الثبات على الكفر
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ أي لأكثر الناس مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ أي وإنه أي: وإن الشأن والحديث وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ أي لخارجين عن الطاعة ومعنى ما وجدنا هنا ما علمنا وهل المراد بأكثرهم الأمم المذكورون- فإنهم كانوا إذا عاهدوا الله في ضر ومخافة لئن أنجاهم ليؤمنن ثم أنجاهم ولم يفوا- أو المعنى: إن أكثر الناس نقضوا عهد الله وميثاقه في الإيمان؟.
قال الألوسي:
والكلام على تقدير مضاف أي: ما وجدنا وفاء عهد كائن لأكثرهم، فإنهم نقضوا ما عاهدوا عليه الله تعالى عند مساس البأساء والضراء قائلين: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، وإلى هذا ذهب قتادة، وتخصيص هذا الشأن بأكثرهم ليس لأن بعضهم كانوا يوفون بالعهد بل لأن بعضهم كانوا لا يعاهدون ولا يوفون، وقيل المراد بالعهد:
ما وقع يوم أخذ الميثاق، وروي ذلك عن أبي بن كعب، وأبي العالية، وقيل المراد به:
ما عهد الله تعالى إليهم من الإيمان والتقوى، بنصب الدلائل والحجج، وإنزال الآيات، وفسره ابن مسعود بالإيمان كما في قوله تعالى: مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً وقيل: هو بمعنى البقاء أي ما وجدنا لهم بقاء على فطرتهم.
وقال صاحب الظلال في الآية الأخيرة:
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ، وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ...
«والعهد الذي يشار إليه هنا قد يكون هو عهد الله على فطرة البشر، الذي ورد ذكره في أواخر السورة: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى شَهِدْنا ...
وقد يكون هو عهد الإيمان الذي أعطاه أسلافهم الذين آمنوا بالرسل. ثم انحرفت الخلائف، كما يقع في كل جاهلية. إذ تظل الأجيال تنحرف شيئا فشيئا حتى تخرج من
стр. 1874
عهد الإيمان وترتد إلى الجاهلية.
وأيا كان العهد فقد تبين أن أهل هذه القرى لا عهد لأكثرهم يستمسكون به، ويثبتون عليه. وإنما هو الهوى المتقلب، والطبيعة التي لا تصبر على تكاليف العهد ولا تستقيم. وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ منحرفين عن دين الله وعهده القديم ..
وهذه ثمرة التقلب .. ونقض العهد، واتباع الهوى ... ومن لم يمسك نفسه على عهده مع الله، مستقيما على طريقته، مسترشدا بهداه، فلا بد أن تتفرق به السبل، ولا بد أن ينحرف، ولا بد أن يفسق .. وكذلك كان أهل تلك القرى. وكذلك انتهى بهم المطاف.».
وتعليقا على هذا التعقيب الذي جاء بعد قصص أقوام عذبوا والذي جاء خاتمة للمقطع الأول من القسم الثاني في السورة، والذي يأتي بين يدي قصة موسى وفرعون، وقصة موسى مع قومه تعليقا على هذا التعقيب يقول صاحب الظلال:
«هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب .. وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية- والقرية هي المدينة الكبيرة أو الحاضرة المركزية- وهي سنة واحدة يأخذ الله بها المكذبين، ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل ..
أن يأخذ الله المكذبين بالبأساء والضراء، لعل قلوبهم ترق وتلين وتتجه إلى الله وتعرف ألوهيته وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية القاهرة. فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء، وفتح عليهم الأبواب، وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون ... كل ذلك للابتلاء .. حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والترخص، وإلى الغفلة وقلة المبالاة، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافا بلا قصد ولا غاية، وأن السراء تعقب الضراء من غير حكمة ولا ابتلاء، وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير: وَقالُوا: قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ أخذهم الله بغتة، وهم سادرون في هذه الغفلة. لم يدركوا حكمة الله في الابتلاء بالضراء والسراء. ولم يتدبروا حكمته في هذه الغفلة في تقلب الأمور بالعباد، ولم يتقوا غضبه على المستهترين الغافلين، وعاشوا كالأنعام بل أضل حتى جاءهم بأس الله .. ولو أنهم آمنوا بالله واتقوه لتبدلت الحال، ولحلت عليهم البركات، ولأفاض الله عليهم من رزقه في السماء والأرض، ولأنعم عليهم نعيمه المبارك الذي تطمئن به الحياة، ولا يعقبه النكال والبوار.
стр. 1875
ثم يحذر الله الذين يرثون الأرض من بعد أهلها .. يحذرهم الغفلة والغرة ويدعوهم إلى اليقظة والتقوى .. ويلفتهم إلى العبرة في مصارع الغابرين الذين ورثوا هم الأرض من بعدهم، فإنما تنتظرهم سنة الله التي لا تتبدل والتي يتكيف بها تاريخ البشر على مدارج القرون.
وتنتهي الوقفة بتوجيه الخطاب إلى الرسول ﷺ : تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها .. لإظهاره على سنة الله فيها، وعلى حقيقة هذه القرى وأهلها: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ فهذا الرسول الأخير وأمته هم الوارثون لحصيلة رسالات الله كلها، وهم الذين يفيدون من أنبائها وعظاتها ... ».
نقول:
١ - في الربط بين العقيدة والحياة الاقتصادية للأمم يقول صاحب الظلال:
«إن العقيدة الإيمانية في الله، وتقواه، ليست مسألة منعزلة عن واقع الحياة، وعن خط تاريخ الإنسان. إن الإيمان بالله وتقواه، ليؤهلان لفيض من بركات السماء والأرض. وعدا من الله. ومن أوفى بعهده من الله؟ ونحن- المؤمنين بالله- نتلقى هذا الوعد بقلب المؤمن، فنصدقه ابتداء، لا نسأل عن علله وأسبابه ولا نتردد لحظة في توقع مدلوله، نحن نؤمن بالله- بالغيب- ونصدق بوعده بمقتضى الإيمان ..
ثم ننظر إلى وعد الله نظرة التدبر- كما يأمرنا إيماننا كذلك- فنجد علته وسببه.
إن الإيمان بالله دليل على حيوية في الفطرة وسلامة في أجهزة الاستقبال الفطرية وصدق في الإدراك الإنساني وحيوية في البنية البشرية ورحابة في مجال الإحساس بحقائق الوجود ... وهذه كلها من مؤهلات النجاح في الحياة الواقعية.
والإيمان بالله تحرر من العبودية للهوى ومن العبودية للعبيد وما من شك أن الإنسان المتحرر بالعبودية لله أقدر على الخلافة في الأرض خلافة راشدة صاعدة من العبيد للهوى ولبعضهم بعضا.
وتقوى الله يقظة واعية تصون من الاندفاع والتهور والشطط والغرور في دفعة الحركة ودفعة الحياة وتوجه الجهد البشري في حذر وتحرج فلا يعتدي ولا يتهور ولا يتجاوز حدود النشاط الصالح.
стр. 1876
وحين تسير الحياة متناسقة بين الدوافع والكوابح عاملة في الأرض متطلعة إلى السماء متحررة من الهوى والطغيان البشري عابدة خاشعة تسير سيرة صالحة منتجة تستحق مدد الله بعد رضاه فلا جرم تحفها البركة ويعمها الخير ويظلها الفلاح- والمسألة- من هذا الجانب- مسألة واقع منظور- إلى جانب لطف الله المستور- واقع له
علله وأسبابه الظاهرة إلى جانب قدر الله الغيبي الموعود.
والبركات التي يعد الله بها الذين يؤمنون ويتقون، في توكيد ويقين، ألوان شتى لا يفصلها النص ولا يحددها. وإيحاء النص القرآني يصور الفيض الهابط من كل مكان، النابع من كل مكان، بلا تحديد، ولا تفصيل ولا بيان. فهي البركات بكل أنواعها وألوانها، وبكل صورها وأشكالها، ما يعهده الناس وما يتخيلونه، وما لم يتهيأ لهم في واقع ولا خيال.
والذين يتصورون الإيمان بالله وتقواه مسألة تعبدية بحتة، لا صلة لها بواقع الناس في الأرض، لا يعرفون الإيمان ولا يعرفون الحياة. وما أجدرهم أن ينظروا هذه الصلة قائمة يشهد بها الله- سبحانه- وكفى بالله شهيدا. ويحققها النظر بأسبابها التي يعرفها الناس. وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.
ولقد ينظر بعض الناس فيرى أمما- يقولون: إنهم مسلمون- مضيقا عليهم في الرزق، لا يجدون إلا الجدب والمحق! ... ويرى أمما لا يؤمنون ولا يتقون، مفتوحا عليهم في الرزق والقوة والنفوذ .. فيتساءل: وأين إذن هذه السنة التي لا تتخلف!.
ولكن هذا وذلك وهم تخيله ظواهر الأحوال.
إن أولئك الذين يقولون: إنهم مسلمون .. هم في الغالب لا مؤمنون ولا متقون! إنهم لا يخلصون عبوديتهم لله، ولا يحققون في واقعهم شهادة أن لا إله إلا الله إنهم يسلمون رقابهم لعبيد منهم يتألهون عليهم، ويشرعون لهم- سواء القوانين أو القيم أو التقاليد- وما أولئك بالمؤمنين.
فالمؤمن لا يدع عبدا من العبيد يتأله عليه، ولا يجعل عبدا من العبيد ربه الذي يصرف حياته بشرعه وأمره .. ويوم كان أسلاف هؤلاء الذين يزعمون الإيمان مسلمين حقا. دانت لهم الدنيا، وفاضت عليهم بركات من السماء والأرض، وتحقق لهم وعد الله».
стр. 1877
٢ - وفي شرح سنة الله بالإملاء للظالمين يقول صاحب الظلال عند قوله تعالى:
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا: قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ أي حتى كثروا وانتشروا، واستسهلوا العيش، واستيسروا الحياة: ولم يعودوا يجدون في أنفسهم تحرجا من شئ يعملونه، ولا تخوفا من أمر يصنعونه ..
والتعبير: «عفوا» - إلى جانب دلالته على الكثرة- يوحي بحالة نفسية خاصة. حالة قلة المبالاة. حالة الاستخفاف والاستهتار. حالة استسهال كل أمر، واتباع عفو الخاطر في الشعور والسلوك سواء .. وهي حالة مشاهدة في أهل الرخاء واليسار والنعمة حين يطول بهم العهد في اليسار والنعمة والرخاء- أفرادا وأمما- كأن حساسية نفوسهم قد ترهلت فلم تعد تحفل شيئا، أو تحسب حسابا لشئ. فهم ينفقون في يسر ويلتذون في يسر، ويلهون في يسر، ويبطشون كذلك في استهتار. ويقترفون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان ويرتعش لها الوجدان في يسر واطمئنان. وهم لا يتقون غضب الله ولا لوم الناس، فكل شئ يصدر منهم عفوا بلا تحرج ولا مبالاة، وهم لا يفطنون لسنة الله في الكون، ولا يتدبرون اختباراته وابتلاءاته للناس. ومن ثم يحسبونها تمضي هكذا جزافا، بلا سبب معلوم، وبلا قصد مرسوم: وَقالُوا: قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ..
وقد أخذنا دورنا في الضراء وجاء دورنا في السراء. وها هي ذي ماضية بلا عاقبة، فهي تمضي هكذا خبط عشواء.
عندئذ .. وفي ساعة الغفلة السادرة، وثمرة للنسيان واللهو والطغيان، تجئ العاقبة وفق السنة الجارية. فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ.
جزاء بما نسوا واغتروا وبعدوا عن الله وأطلقوا لشهواتهم العنان فما عادوا يتحرجون من فعل، وما عادت التقوى تخطر لهم ببال.
هكذا تمضي سنة الله أبدا. وفق مشيئته في عباده. وهكذا تحرك التاريخ الإنساني بإرادة الإنسان وعمله- في إطار سنة الله ومشيئته وها هو ذا القرآن الكريم يكشف للناس عن السنة، ويحذرهم الفتنة ... فتنة الاختبار والابتلاء بالضراء والسراء .. وينبه فيهم دواعي الحرص واليقظة، واتقاء العاقبة التي لا تتخلف، جزاء وفاقا على اتجاههم وكسبهم. فمن لم يتيقظ ومن لم يتحرج، ومن لم يتق، فهو الذي يظلم نفسه ويعرضها
стр. 1878
لبأس الله الذي لا يرد. ولن تظلم نفس شيئا.
«فأما أولئك المفتوح عليهم في الرزق .. فهذه هي السنة: ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فهو الابتلاء بالنعمة الذي مر ذكره وهو أخطر من الابتلاء بالشدة- وفرق بينه وبين البركات التي يعدها الله من يؤمنون ويتقون. فالبركة قد تكون مع القليل إذا أحسن الانتفاع به، وكان معه الصلاح والأمن والرضى والارتياح .. وكم من أمة غنية قوية ولكنها تعيش في شقوة مهددة في أمنها، مقطعة الأواصر بينها، يسود الناس فيها القلق وينتظرها الانحلال. فهي قوة بلا أمن. وهو متاع بلا رضى وهي وفرة بلا صلاح. وهو حاضر زاه يترقبه مستقبل نكد. وهو الابتلاء الذي يعقبه النكال.
إن البركات الحاصلة مع الإيمان والتقوى، بركات في الأشياء وبركات في النفوس، وبركات في المشاعر، وبركات في طيبات الحياة .. بركات تنمي الحياة وترفعها في آن.
وليست مجرد وفرة مع الشقوة والتردي والانحلال .. ».
فوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى: فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً قال ابن كثير: وفي الحديث «موت الفجأة رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر».
٢ - بمناسبة عدم اعتبار الكافرين بالبأساء والضراء يقول ابن كثير: وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء، ويصبرون على الضراء، كما ثبت في الصحيحين: «عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له». فالمؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به في الضراء والسراء. فلهذا جاء في الحديث: «لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيا من ذنوبه، والمنافق مثله كمثل الحمار لا يدري فيم ربطه أهله ولا فيم أرسلوه». أو كما قال.
٣ - وبمناسبة قوله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً يذكر النسفي أن ابنة الربيع بن خيثم قالت لأبيها: «ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟
فقال: يا بنتاه إن أباك يخاف البيات». أراد ما حذرت منه الآية وهكذا فإن المؤمن هو الذي يخاف ما أوعد الله به، أما الكافر فإنه لا يسمع ولا يعقل.
стр. 1879
٤ - وبمناسبة قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ نقول: دلت الآية على أن الرخاء الاقتصادي طريقه الإيمان والتقوى، طريقه طاعة الله والالتزام بشرعه، لا كما توسوس شياطين الإنس والجن، موجهة بزخرف قولها أن الرخاء في تطبيق مبادئ أمم الكفر الاقتصادية مما يلغي شرع الله، أو يعطله، أو يخالفه.
٥ - وبمناسبة قوله تعالى: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ قال الألوسي: «واستدلت الحنفية بالآية على أن الأمن من مكر الله تعالى وهو- كما في جمع الجوامع- الاسترسال في المعاصي اتكالا على عفو الله تعالى كفر، ومثله اليأس من رحمة الله تعالى لقوله تعالى: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ وذهبت الشافعية إلى أنهما من الكبائر لتصريح ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بذلك.
وروى ابن أبي حاتم والبزار عن ابن عباس أنه ﷺ سئل ما الكبائر؟ فقال الشرك بالله تعالى، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله.» وهذا أكبر الكبائر قالوا:
وما ورد من أن ذلك كفر محمول على التغليظ وآية لا ييأس الخ كقوله تعالى: الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ ولا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في قول. وقال بعض المحققين: إن كان في الأمن اعتقاد أن الله تعالى لا يقدر على الانتقام منه، وكذا كان في اليأس اعتقاد عدم القدرة على الرحمة والإحسان أو نحو ذلك، فذلك مما لا ريب في أنه كفر، وإن خلا عن نحو هذا الاعتقاد ولم يكن فيه تهاون وعدم مبالاة بالله تعالى، فذلك كبيرة وهو كالمحاكمة بين القولين».
كلمة في السياق:
١ - رأينا أن محور سورة الأعراف هو ضرورة اتباع هدى الله المنزل، وما أعد الله لمن اتبع هذا الهدى وما جزاء من خالفه فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وقد رأينا في هذا المقطع كيف أن أهل الإيمان نجاهم الله، وكيف أن أهل الكفر- ممن رفضوا هدى الله- أهلكهم الله، وعذبهم في الدنيا، ولعذاب الآخرة أكبر وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فالمقطع إذن واضح في كونه ضمن السياق العام الذي يفصل محور السورة، ومما فصله أن أهل الإيمان لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بتولي الله إياهم.
٢ - ولقد رأينا أن السورة تتألف من ثلاثة أقسام، القسم الأول يتألف من مقدمة
стр. 1880
السورة ومقطع، والقسم الثاني يتألف من أربعة مقاطع، المقطع الأول في قصص أقوام نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، والتعقيب عليها، وقد مر معنا، وسيأتي بعد المقطع الأول من القسم الثاني ثلاثة مقاطع كلها في بني إسرائيل.
المقطع الأول: فيه قصة موسى مع فرعون.
المقطع الثاني: فيه قصة موسى مع قومه.
المقطع الثالث: في بني إسرائيل: ما فعل الله لهم وبهم.
وكل من المقاطع الثلاثة يرينا كيف استقبلت الأمم هدى الله، وكيف عوقبت، ولو أننا تذكرنا مقدمة السورة التي جاء فيها: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها.
ولو أننا تذكرنا المقطع الأول وما جاء فيه من نداءات لبني آدم لرأينا ارتباط وتلاحم مقاطع هذا القسم مع القسم الأول، فإذا عرفنا أن القسم الثالث يبدأ بالحديث عن أخذ الله العهد على بني آدم. وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ وأن القسم الأخير كله في تفصيل قضية العبودية والربوبية، وإذا ما تذكرنا ما جاء في نهاية المقطع الذي مر معنا. وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ إذا تذكرنا هذا كله أدركنا تلاحم أقسام السورة ومقاطعها.
٣ - وفيما بين يدي المقاطع الثلاثة الآتية بعد التعقيب على مصارع أقوام ننقل ما قاله صاحب الظلال ونضعه تحت عنوان:
بين يدي الكلام عن المقاطع الثلاثة الآتية بالسورة
«وبعد الوقفة للتعقيب على مصارع قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب تجئ قصة موسى- ﵇ مع فرعون وملئه أولا، ثم مع قومه بني إسرائيل أخيرا .. وتشغل قصة موسى في هذه السورة أوسع مساحة وأكبر قدر شغلته في سورة واحدة من سور القرآن كلها، وقد وردت حلقات من قصة بني إسرائيل
في مواضع كثيرة، وذلك عدا الإشارات القصيرة إليها في مواضع من القرآن أخرى ..
وكانت أكثر القصص ورودا في القرآن كله- ولعل ذلك التفصيل في قصة هذه الأمة كان للحكمة التي أشرنا إليها من قبل- في هذه الظلال- في الجزء السادس في صحفتي (١٢٤ - ١٢٥) على النحو التالي:
«من جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل أول من واجه الدعوة الإسلامية بالعداء
стр. 1881
والكيد والحرب في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها، فقد كانوا حربا على الجماعة المسلمة منذ اليوم الأول، هم الذين احتضنوا النفاق والمنافقين في المدينة، وأمدوهم بوسائل الكيد للعقيدة وللمسلمين معا، وهم الذين حرضوا المشركين وواعدوهم وتآمروا معهم على الجماعة المسلمة، وهم الذين تولوا حرب الإشاعات والدس والكيد في الصف المسلم، كما تولوا بث الشبهات والشكوك والتحريفات حول العقيدة، وذلك كله قبل أن يسفروا بوجوههم في الحرب المعلنة الصريحة، فلم يكن بد من كشفهم للجماعة المسلمة لتعرف من هم أعداؤها: ما طبيعتهم؟ وما تاريخهم؟ وما وسائلهم؟
وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم؟ ولقد علم الله أنهم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله، كما كانوا أعداء هدى الله في ماضيهم كله فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفا ووسائلهم كلها مكشوفة.
«ومن جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أصحاب آخر دين قبل دين الله الأخير. وقد امتد تاريخهم قبل الإسلام فترة طويلة، ووقعت الانحرافات في عقيدتهم، ووقع منهم النقض المتكرر لميثاق الله معهم، ووقع في حياتهم آثار هذا النقض وهذا الانحراف، كما وقع في أخلاقهم وتقاليدهم ... فاقتضى هذا أن تلم الأمة المسلمة- وهي وارثة الرسالات كلها وحاضنة العقيدة الربانية بجملتها- بتاريخ القوم وتقلبات هذا التاريخ، وتعرف مزالق الطريق وعواقبها، ممثلة في حياة بني إسرائيل وأخلاقهم؛ لتضم هذه التجربة- في حقل العقيدة والحياة- إلى حصيلة تجاربها، وتنتفع بهذا الرصيد وتنفع على مدار القرون. ولتتقي- بصفة خاصة- مزالق الطريق ومداخل الشيطان وبوادر الانحراف على هدي التجارب الأولى.
«ومن جوانب هذه الحكمة أن تجربة بني إسرائيل ذات صحائف شتى في المدى الطويل، وقد علم الله أن الأمد حين يطول على الأمم تقسو قلوبها وتنحرف أجيال منها، وأن الأمة المسلمة التي سيمتد تاريخها حتى تقوم الساعة ستصادفها فترات تمثل فترات من حياة بني إسرائيل، فجعل أمام أئمة هذه الأمة وقادتها ومجددي الدعوة في أجيالها الكثيرة نماذج من العقابيل التي تلم بالأمم، يعرفون منها كيف يعالجون الداء بعد معرفة طبيعته. ذلك أن أشد القلوب استعصاء على الهدى والاستقامة هي التي عرفت ثم انحرفت، فالقلوب الغفل الخامة أقرب إلى الاستجابة؛ لأنها تفاجأ من الدعوة بجديد يهزها. وينفض عنها الركام لجدته عليها وانبهارها بهذا الجديد الذي يطرق فطرتها لأول
стр. 1882
مرة. فأما القلوب التي نوديت من قبل فالنداء الثاني لا تكون له جدته ولا تكون له هزته ولا يقع فيها الإحساس بضخامته وجديته، ومن ثم تحتاج إلى الجهد المضاعف وإلى الصبر الطويل!» .... الخ.
وقد وردت حلقات من قصة موسى- ﵇ وبني إسرائيل من قبل في هذه الظلال المرتبة وفق ترتيب السور في المصحف- لا وفق ترتيب النزول- في سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء، وسورة المائدة، وسورة الأنعام .. ولكن إذا اعتبرنا ترتيب النزول فإن هذه الحلقات الواردة منها هنا في سورة الأعراف المكية تكون سابقة على ما ورد منها في السور المدنية، وذلك ظاهر من طبيعة عرضها هنا وطبيعة عرضها هناك. فهي هنا تعرض على طريق الحكاية والقصص، وهناك تعرض على سبيل مواجهة بني إسرائيل بها وتذكيرهم بأحداثها ووقائعها ومواقفهم فيها.
ولقد وردت القصة في أكثر من ثلاثين موضعا في القرآن كله- مكية ومدنيه- ولكن ورودها مفصلة اقتصر على عشرة مواضع في عشر سور منها ستة مواضع هي أكثرها تفصيلا. والذي ورد منها في سورة الأعراف كان هو أول تفصيل .. كما أنه هو أوسع مساحة وإن تكن الحلقات التي وردت في هذه المساحة أقل مما ورد منها في سورة طه.
وهي تبدأ هنا من حلقة مواجهة فرعون وملئه بالرسالة. بينما تبدأ في سورة طه من حلقة النداء لموسى ﵇ في جانب الطور، وتبدأ في سورة القصص من حلقة مولد موسى في فترة اضطهاد بني إسرائيل .. ويبدأ عرضها .. متناسقا مع جو السورة وأهدافها- بالتوجيه إلى عاقبة تكذيب فرعون وملئه وذلك منذ اللحظة الأولى في عرضها ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ.
ثم تمضي حلقات القصة ومشاهدها .. أولا .. في مواجهة فرعون وملئه .. وأخيرا في مواجهة بني إسرائيل والتوائهم وزيفهم وانحرافهم.
ولما كنا سنستعرض القصة- فيما بعد- بالتفصيل فإننا نكتفي هنا بالوقوف أمام معالمها البارزة وموحياتها الكلية:
إن موسى- ﵇ يواجه فرعون وملأه بأنه رسول من رب العالمين:
стр. 1883
وَقالَ مُوسى: يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ كذلك حين تقع المباراة بينه وبين سحرة فرعون فيغلبون ويؤمنون فإنهم يؤمنون برب العالمين. وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ وحين يهددهم فرعون
بالعذاب الرهيب فإنهم يتوجهون إلى ربهم ويعلنون أنهم عائدون إليه في حياتهم ومماتهم وبعثهم وفي أمرهم كله: قالُوا: إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا. رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ.
ثم إن موسى ﵇ وهو يعلم قومه في مواضع كثيرة يعرفهم بربهم الحق فعند ما أعلن فرعون أنه سيعيد اضطهاد بني إسرائيل بقتل ذكورهم واستحياء إناثهم قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قالُوا: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. وعند ما جاوز بهم البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم وطلبوا إلى موسى أن يجعل لهم إلها كما لهؤلاء القوم آلهة قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ.
فهذه النصوص القرآنية في القصة تثبت حقيقة الدين الذي جاء به موسى ﵇، وحقيقة التصور الاعتقادي الذي تنشئه هذه الحقيقة وهو التصور الصحيح الذي جاء به الإسلام وتضمنه دين الله في جميع الرسالات، كما أنها تثبت زيف النظريات والتكهنات التي يدلي بها الباحثون في تاريخ الأديان من الغربيين ومن يأخذ بمنهجهم وتقريراتهم ممن يكتبون عن تطور العقيدة.
كذلك تثبت هذه النصوص ألوان الانحراف التي صاحبت تاريخ بني إسرائيل وجبلتهم الملتوية- حتى بعد بعثة موسى ﵇ ذلك من مثل قولهم يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ومثل اتخاذهم العجل في غيبة موسى على الجبل لميقاته مع ربه، ومثل طلبهم رؤية الله جهرة، وإلا فإنهم لا يؤمنون ولكن هذه الانحرافات لا تمثل حقيقة العقيدة التي جاء بها موسى من ربه، إنما هي انحرافات عن هذه العقيدة فكيف تحسب الانحرافات إذن على العقيدة ذاتها؟ ويقال إنها «تطورت» إلى التوحيد؟!.
كذلك تكشف مواجهة موسى لفرعون وملئه عن حقيقة المعركة بين دين الله كله
стр. 1884
وبين الجاهلية كلها، وتبين كيف ينظر الطاغوت إلى هذا الدين، وكيف يحس فيه الخطر على وجوده، كما تبين كيف يدرك المؤمنون حقيقة المعركة بينهم وبين الطاغوت:
إنه بمجرد أن قال موسى ﵇ لفرعون يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ تبين مدلول هذه الدعوة إلى رَبِّ الْعالَمِينَ إنه رد السلطان كله إلى الله برد عبودية العالمين كلها إلى رب العالمين، وبناء على هذا المدلول طلب موسى إطلاق سراح بني إسرائيل، فإنه إذا كان الله رب العالمين فما يكون لعبد من عبيده- وهو فرعون المتجبر الطاغي- أن يعبدهم لنفسه فهم ليسوا عبيدا إلا لرب العالمين، إن رد الربوبية كلها لله سبحانه معناه رد الحاكمية كلها له فالحاكمية هي مظهر ربوبية الله للناس- وهم من العالمين- وهي تتجلى في العالمين كذلك بخضوعهم لله وحده، فلا يكون الناس معترفين بربوبية الله لهم إلا إذا خضعوا له وحده وإلا إذا خلصت عبوديتهم لهذه الربوبية، أو بتعبير آخر لهذه الحاكمية وإلا فقد أنكروا ربوبية الله لهم متى خضعوا لحاكمية أحد غيره لا يحكمهم بشرعه.
ولقد أدرك فرعون وملؤه خطر الدعوة إلى رَبِّ الْعالَمِينَ وأحسوا أن توحيد الربوبية معناه سلب سلطان فرعون- وسلطانهم المستمد منه- فعبروا عن هذا الخطر بأن موسى يريد أن يخرجهم من أرضهم قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ وما أرادوا، إلا أن هذه الدعوة إلى رب العالمين لا تحمل إلا مدلولا واحدا هو انتزاع السلطان من يد العبيد- الطواغيت- ورده إلى صاحبه- سبحانه- وهذا معناه- من وجهة نظرهم- الإفساد في الأرض أو كما يقال اليوم في قوانين الجاهلية التي تغتصب سلطان الله- أي تغتصب ربوبيته وتزاول اختصاصاتها ولو لم تقل هذا باللسان، يكون هذا «قلبا» لنظام الحكم لأن نظام الحكم في الجاهليات يقوم على ربوبية عبد من العبيد، لبقية العبيد بينما الدعوة إلى رب العالمين تعني أن تكون الربوبية على العبيد لخالق العبيد وكذلك قال فرعون للسحرة الذين بهرهم الحق فآمنوا برب العالمين وخلعوا ربقة العبودية له بهذا الإعلان: إنهم يمكرون لإخراج أهل المدينة من مدينتهم وهددهم بأبشع العذاب والنكال. قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَ
стр. 1885
لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ.
ومن الجانب الآخر كان هؤلاء السحرة الذين آمنوا برب العالمين. وأسلموا لله وحده وأعلنوا الخروج من العبودية الزائفة للطاغوت المغتصب للربوبية واختصاصاتها كانوا يعلمون حقيقة المعركة بينهم وبين الطاغوت، إنها المعركة على العقيدة لأن هذه العقيدة تهدد سلطان الطواغيت بمجرد أن عبوديتهم خالصة لرب العالمين، بل بمجرد إعلان أن الله رب العالمين، ومن ثم قالوا لفرعون ردا على اتهامه لهم بأن هذا مكر مكروه في المدينة ليخرجوا منها أهلها وهو مرادف للاتهام في الجاهليات الحديثة لكل من يعلن ربوبية الله للعالمين بمعناها الجاد بأنه يعمل على قلب نظام الحكم وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا ثم لجئوا إلى ربهم الذي آمنوا به فتمردوا على العبودية لغيره قائلين رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ فكان هذا فرقانا جعله الله في قلوبهم حين استقرت حقيقة الإسلام لله فيها.
ومن خلال عرض الآيات التي جاء بها موسى لفرعون وملئه وما أخذهم الله به من السنين ونقص الثمرات وما أرسله عليهم من الآفات ومواجهتهم لهذا كله بالعناء والمراوغة والإصرار في النهاية على ما هم فيه حتى أهلكهم الله كما يقول تعالى وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ* فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا: لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ* وَقالُوا: مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ
بِمُؤْمِنِينَ* فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ* وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا: يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ* فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ* فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ
من خلال عرض هذا كله تبين مدى إصرار الطاغوت على الباطل في وجه الحق، ومدى مقاومته للدعوة إلى رب العالمين ذلك أنه يعلم علم اليقين أن هذه الدعوة بذاتها هي حرب عليه بإنكار شرعية قيامه من أساسه، وما يمكن أن يسمح الطاغوت بإعلان لا إله إلا الله، أو أن الله هو رب العالمين إلا حين تفقد هذه الكلمات مدلولها الحقيقي وتصبح مجرد كلمات لا مدلول لها وهي في مثل هذه الحالة لا تؤذيه لأنها لا تعنيه، فأما حين تأخذ عصبة من الناس هذه الكلمات
стр. 1886
جدا بمدلولها الحقيقي فإن الطاغوت الذي يزاول الربوبية- بمزاولته للحاكمية بغير شرع الله وتعبيد الناس له بهذه الحاكمية وعدم إرسالهم لله- لا يطيق هذه العصبة كما لم يطق فرعون دعوة موسى إلى رب العالمين، وإعلان السحرة المؤمنين أنهم آمنوا برب العالمين، وكما ظل هو والملأ من قومه مصرين على رد هذه الدعوة والآيات تتوالى عليهم، والنكبات كذلك تتوالى عليهم من الجدب والآفات والجوع والبلاء ولكن هذا كله كان عندهم أيسر وأهون من التسليم بربوبية الله للعالمين لما تحويه من مدلول صريح بعزلهم هم عن مزاولة هذا السلطان المغتصب الذي يعبدون به الناس لغير رب العالمين.
كذلك تتجلى من خلال عرض هذه الآيات خطوات قدر الله بالمكذبين من أخذهم بالبأساء والضراء، ثم أخذهم بالرخاء والسراء، ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر في نهاية المطاف، والتمكين للمؤمنين الذين كانوا يستضعفون وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ.
ولكن بني إسرائيل غلبت عليهم جبلتهم الملتوية الخبيثة ففسقوا عن أمر الله- كما يجلو السياق القرآني ذلك- وراوغوا موسى نبيهم وزعيمهم ومنقذهم مراوغة مؤذية وعصوا وبطروا النعمة ولم يستقيموا ولم يشكروا، وتكرر منهم ذلك كله بعد مغفرة الله لهم وقبولهم- مرة بعد مرة- إلى أن حقت عليهم كلمة الله في النهاية وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
لقد صدق وعيد الله، ولا بد أن يصدق في مقبل الأيام، وإنما هي دورات لهم في التاريخ حتى إذا عتوا وأفسدوا وتجبروا واشتد أذاهم، بعث الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة.
وأخيرا فإن هذه السورة مكية وقد ورد فيها عن التواء بني اسرائيل ومعصيتهم وسوء جبلتهم الكثير .. بينما يزعم المستشرقون- اليهود والصليبيون سواء- أن محمدا ﷺ لم يهاجم اليهود- بزعمهم- بهذا القرآن إلا بعد أن يئس في المدينة من استجابتهم له، وأنه كان يحاسنهم في مكة وفي أول عهده بالمدينة فيقول- بزعمهم- قرآنا لا يهاجمهم فيه إنما يحدثهم عن التقاء العرب بهم في النسب إلى جدهم إبراهيم، طمعا في إسلامهم له، فلما يئس منهم هاجمهم هذا الهجوم ... وكذبوا فهذه سورة مكية تصف الحق في
стр. 1887
شأنهم لا فرق بين ما جاء فيها وما جاء في سورة البقرة المدنية في هذا الحق الذي لا يتبدل، وإذا نحن تجاوزنا عن الآيات من (١٦٣ - ١٧٠) في هذه السورة بوصفها مدنية وهي التي ورد فيها تأذن الله- سبحانه- بأن يرسل عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة، فإن الآيات التي قبلها والتي بعدها والتي لا شك في أنها مكية تضمنت الحق في جبلة بني إسرائيل، وفيها ذكر عبادتهم للعجل، وطلبهم من موسى أن يجعل لهم إلها صنما، بينما هم خارجون من مصر باسم الله الواحد، وأخذ الرجفة لهم لأنهم أبوا الإيمان إلا أن يروا الله جهره، وتبديلهم قول الله لهم وهم يدخلون القرية ...
الخ مما يدفع أولئك الزاعمين من المستشرقين بالافتراء على التاريخ بعد الافتراء على الله ورسوله، وهؤلاء هم الذين يتخذهم بعض من يكتبون عن الإسلام أساتذة لهم فيما يكتبون».
«وإذا كانت القصة بطولها مسوقة في هذه السورة- في استعراض موكب الإيمان- لتدل على خطوات قدر الله مع المكذبين، ولتصور العلاقة بين القيم الإيمانية وسنة الله في الحياة البشرية، فإنها مسوقة كذلك لبيان طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر، ممثلتين في شخوص القصة وأطرافها، وقد ختمت بمشهد أخذ الميثاق على بني إسرائيل، تحت المعاينة الكاملة لبأس الله الشديد: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ..... )
وبعد هذا التقديم لمعاني المقاطع الثلاثة في القسم الثاني نبدأ عرض المقطع الأول منها وهو المقطع الثاني من القسم الثاني:
المقطع الثاني من القسم الثاني
تتألف سورة الأعراف من ثلاثة أقسام، والقسم الثاني منها يتألف من أربعة مقاطع، تشغل قصة موسى وقومه منها ثلاثة مقاطع:
والقسم الثاني بمقاطعه الأربعة يقص علينا قصص أقوام أنزل عليهم هدى وكيف كان موقفهم من هذا الهدى.
ولقد كان المقطع الأول حديثا عن قوم: نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وسيأتي المقطع الثاني وينصب الكلام فيه عن موسى ﵇ وفرعون، وكيف كان عاقبة فرعون وقومه، ثم يأتي المقطع الثالث وينصب الكلام فيه عن بني إسرائيل
تلخيص لمعاني المقطع:
يقول صاحب الظلال ملخصا معاني هذا المقطع: (يتضمن هذا الدرس قصة موسى- ﵇ مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلاء الحق في نفوسهم على هذا التوعد، وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه، وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة
стр. 1890
ابتلائه- وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك- ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة ... لتعقبها فتنة الرخاء .. ) ..
المعنى العام:
يخبر تعالى أنه بعد الرسل الذين مر ذكرهم وهم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب- ﵈ قد أرسل بالمعجزات والحجج الدامغات والدلائل البينات إلى فرعون مصر وقومه في زمنه، فكان موقفهم الجحود لها والكفر بها؛ ظلما منهم وعنادا؛ فأصابهم ما أصاب المفسدين نتيجة لذلك، ومن ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يعتبر بهذه العاقبة والنهاية التي كانت لهؤلاء المفسدين، الذين صدوا عن سبيل الله، وكذبوا رسله، فأغرقهم الله عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه، وهذا أبلغ في النكال بفرعون وقومه، وأشفى لقلوب أولياء الله.
ومن الآية الأولى التي تنتهي بالأمر لرسول الله ﷺ ، ثم لأمته بالاعتبار بما كان لفرعون نعلم أن السياق كله من أجلنا، فما يقص الله علينا من قصص في هذه السورة إلا من أجل أن نأخذ عبرة فنزداد تمسكا بالوحي الذي أنزله الله على هذه الأمة.
ومن الآية الأولى في هذا المقطع ندرك محتوى المقطع: إرسال موسى إلى فرعون وقومه، وخلق الآيات الكثيرة على يده، واستكبار فرعون وقومه، واستحقاقهم العذاب بذلك ونزوله بهم، وهذا الذي نرى تفصيله، وأول ما نراه في المقطع ما جرى من حوار بين موسى ﵇ وفرعون، يعلن موسى لفرعون أنه رسول الله، أرسله رب العالمين خالق كل شئ وربه ومليكه، ومن كان شأنه التبليغ عن الله فإنه حري به وجدير على ألا يقول على الله إلا الحق، ثم أخبره أن معه الحجة القاطعة التي تشهد على أنه رسول الله، وتدل على صدقه فيما جاء به؛ وبناء على ذلك فإنه يطلب منه أن يرسل معه بني إسرائيل مطلقا سراحهم من أسره وقهره، تاركا إياهم ليعبدوا ربهم، وعندئذ أظهر فرعون تشككه وعدم تصديقه ورفضه لما طلب منه؛ وطلب من موسى إن كانت معه حجة أن يظهرها إن كان صادقا فيما ادعى، وعندئذ أظهر موسى معجزتيه الرئيسيتين إلى فرعون: إلقاء العصا فتتحول حية عظيمة بإذن الله، وإخراج يده من ثوبه بعد ما أدخلها فيه فإذا هي بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض يراها كل من نظر إليها.
стр. 1891
وعندئذ اتفق هو ومن حوله من بطانته على اعتبار أن ما صدر عن موسى سحر، وأن الهدف من هذا السحر هو إخراج المصريين من أرضهم، وتشاوروا في أمرهم كيف يصنعون، وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره، وإخماد كلمته، وظهور كذبه وافترائه، وتخوفوا أن يستميل الناس فيما أظهره، فيكون ذلك سببا لظهوره عليهم.
وإخراجه إياهم من أرضهم، ومن ثم استقر رأيهم أن يتركه وأخاه مرجئا أمرهم، وأن يرسل في أقاليم ملكه من أجل أن يجمع له السحرة من سائر البلاد، وقد كان السحر في زمانهم غالبا كثيرا ظاهرا، واعتقد من اعتقد منهم أن ما جاء به موسى سحر، فلهذا قرروا أن يجمعوا له السحرة ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات، وقد كان ذلك.
وجمع السحرة، وتشارط السحرة وفرعون: أنهم إن غلبوا موسى ليثيبنهم وليعطينهم عطاء جزيلا، فوعدهم ومناهم أن يعطيهم ما أرادوا، أو يجعلهم من جلسائه والمقربين عنده، فلما توثقوا من فرعون بدأت المبارزة بينهم وبين موسى فعرضوا على موسى أن يبدأ هو أو يبدءوا هم، فطلب منهم موسى أن يبدءوا ليرى الناس صنيعهم ويتأملوه، فإذا فرغوا من بهرجهم ومحالهم جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطلع له، والانتظار منهم لمجيئه، فيكون أوقع في النفوس، وكذلك كان إذ ألقى السحرة سحرهم الذي يشبه في الظاهر عمل موسى. ألقوا الحبال والعصي فخيلوا إلى الأبصار أنها أصبحت حيات حقيقية، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال، ولكنه سحر عظيم مبهر. وعندئذ أوحى الله إلى عبده ورسوله موسى ﵇ في ذلك الوقت العظيم الذي فرق الله تعالى فيه الحق والباطل أن يلقي عصاه؛ فإذا هي تنقلب حية وتأكل كل ما ألقوه وما أوهموا به. قال ابن عباس: فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته؛ فعرفت السحرة أن هذا شئ من السماء ليس بسحر فخروا سجدا وأعلنوا إيمانهم برب العالمين رب موسى وهارون، فما كان من فرعون إلا أن توعد السحرة لما آمنوا بموسى، مدعيا أن غلبة موسى عليهم إنما كانت لتآمر بينهم وبين موسى، بسبب أن موسى هو معلمهم السحر، وهو يعلم- عليه لعنة الله- وكل من له لب يعلم أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل، فإن موسى ﵇ بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى الله، وأظهر المعجزات الباهرة، والحجج القاطعة على صدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه ومعاقل سلطنته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر، ممن اختار هو والملأ من قومه، وأحضرهم عنده، ووعدهم بالعطاء الجزيل، ولهذا قد كانوا من أحرص الناس على ذلك، وعلى الظهور في مقامهم ذلك، والتقدم عند فرعون،
стр. 1892
وموسى ﵇ لا يعرف أحدا منهم ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك.
وإنما قال هذا تسترا وتدليسا على رعاع دولته وجهلتهم.
ثم ادعى أن سبب هذا التآمر أن السحرة- بالتعاون مع موسى- يريدون أن يصلوا إلى الدولة والسلطان، ويسلبوها من الأكابر والرؤساء- أي منه ومن أعوانه- وبناء عليه فإنه سيقطع أيديهم وأرجلهم، من كل واحد منهم يدا ورجلا، متعاكستين يمينا بشمال أو شمالا بيمين، وأنه سيصلبهم جميعا، فكان أن أعلنوا أنهم قد تحققوا أنهم راجعون إلى الله، وأن عذاب الله أشد من عذاب فرعون ونكاله، وأنهم سيصبرون على عذاب فرعون ليتخلصوا من عذاب الله، ثم دعوا الله تعالى أن يعمهم بالصبر على دينه والثبات عليه، وأن يقبضهم إليه مسلمين متابعين لرسوله ﵇، فكانوا في أول النهار سحرة فصاروا في آخره شهداء بررة.
وبعد هذه الجولة الخاسرة مع موسى ﵇، وبدلا من أن يؤمن فرعون وملؤه بعد تسليم أهل الاختصاص بالسحر أن موسى رسول الله وليس بساحر، يذكر لنا الله- ما تآمر به فرعون وقومه، وما تمالئوا به على موسى، وما أضمروه له ولقومه من الأذى والبغضة، إذ يقص علينا أن حاشية فرعون حرضت فرعون على موسى. وما هو بحاجة إلى تحريض، ولكنه نفاق البطانة، ومسارعتها إلى إرضاء نفس الحاكم، مدعية أن موسى وقومه مفسدون في الأرض، إذ هم تاركون لآلهة فرعون، عابدون غيرها داعون لعبادة الله رب العالمين. وهكذا الشأن دائما أن المفسدين الحقيقيين يسمون المصلحين الحقيقيين بالإفساد، وهنا أعلن فرعون قراره بإحياء سنته اللعينة القديمة وهي قتل أبناء بني إسرائيل، واستحياء نسائهم؛ قهرا لهم وإذلالا، وأمام هذا الطغيان الرهيب لم يكن من موسى إلا أن أمر قومه- وهم المستضعفون- بالاستعانة بالله والصبر. وهكذا تمر لحظات صعبة على أهل الله، ليس أمامهم إلا هذا. ووعدهم موسى بالعاقبة وأن الدار ستصير لهم ولكنهم- وهم من هم في اللجاج والمخالفة- قالوا شاكين متذمرين أن هذا الأذى قد نزل بهم من قبل مجئ موسى ومن بعد، فقال منبها لهم عن حالهم الحاضر وما يصيرون إليه من مآلهم عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وهذا تحضيض لهم على الصبر وحسن الرجاء، وعلى العزم على الشكر عند حلول النعم وزوال
النقم، وبدأت العقوبات تتوالى على فرعون وقومه انتصارا لموسى وقومه، وعظة لفرعون وقومه، وتلك سنة الله التي رأيناها من قبل، أن يأخذ بالبأساء والضراء ابتداء من لم يؤمن برسله، وهكذا فعل بفرعون وقومه، ابتلاهم بالجوع والقحط، فلا ثمر ولا زرع؛ من
стр. 1893
أجل أن يتعظوا فكان موقفهم كموقف الأمم السابقة، إن جاءهم الخصب والسعة ادعوا أن هذا لهم حق ومستحق، وإن جاءهم الجدب والقحط ادعوا أن هذا بسبب موسى وقومه وما جاءوا به، ناسين أن هذا كله من عند الله؛ ولكنهم جهلة بالله وسننه؛ ومع ما ابتلاهم الله به ومع كل ما رأوا من الآيات؛ فإنهم عبروا عن تمردهم وعتوهم وعنادهم للحق، وإصرارهم على الباطل بإعلانهم بأن أي آية يجيئهم بها موسى، وأي حجة يقيمها عليهم، فإنهم سيردونها ولا يقبلونها، وأنهم لن يؤمنوا به ولا بما جاء به. فسلط الله عليهم البرد والأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار، والموت، والجراد، والقمل، والضفادع، وفي كل واحدة من هذه آية واضحة مفصلة، ومع ذلك أصروا على الاستكبار، وأصروا على التلبس بالإجرام، وكان من دأبهم أنهم إذا وقع بهم العذاب طلبوا من موسى أن يدعو الله ليرفع العذاب، معاهدين الله أنهم سيؤمنون بموسى ويرسلون معه بني إسرائيل، وفي كل مرة كانوا ينكثون إذا رفع عنهم العذاب، ثم إنهم لما أصروا على العتو والتمرد مع ابتلاء الله إياهم بالآيات المتواترة واحدة بعد واحدة، انتقم الله منهم بإغراقه إياهم في البحر الذي فرقه الله لموسى فجاوزه وبنو إسرائيل معه، ثم ورده فرعون وجنوده على أثرهم فلما استكملوا فيه ارتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم، وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم عنها، ثم أخذ الله بيد بني إسرائيل بعد ذلك ناقلا إياهم من حال إلى حال، حتى أورثهم مشارق الأرض ومغاربها، والمراد بالأرض التي أورثوها فلسطين تحقيقا لوعد الله لهم ودمر الله ما صنع فرعون وما بناه.
وبهذه المعاني ينتهي هذا المقطع، وهو كما قلنا من قبل نموذج على سنن الله التي ذكرها قبيل هذا المقطع من كونه يمتحن الذين يبعث إليهم رسولا- فيرفضون رسالته- بالبأساء والضراء، ثم يعطيهم خصبا ليتعظوا بهذا وهذا، ولكن جرت العادة أن يستكبروا ولا يتعظوا في الحالين وعندئذ يكون الأخذ. وهذا ما كان لفرعون وقومه.
وكذلك رأينا أن الله قرر أن أكثر الناس ليس لهم عهد وأكثرهم فاسقون. وهكذا رأينا في قصة فرعون مع موسى في هذا المقطع كيف أن فرعون وقومه كانوا ينكثون في كل مرة.
وقد رأينا كيف أن الله يتولى الفئة المؤمنة إما بتثبيتها حتى تقتل لتكون شهيدة، وإما بنصرها والانتصار لها والانتقام من عدوها وإنجائها. وهي معان كلها تجري على نسق واحد، عاقبة اتباع الهدى المنزل، وعاقبة رفضه، وذلك هو محور هذه السورة.
ونلاحظ أنه في هذه السورة قد قص الله علينا مقطعا في قصة فرعون هو ما رأينا
стр. 1894
معانيه، وفي سور أخرى سيقص الله علينا جوانب أخرى من قصة فرعون مع موسى أو يكرر معنى من المعاني المذكورة هنا، وفي كل مرة تأتي القصة أو جزء منها، إنما تأتي لتخدم غرضا في السورة وفي السياق بما ينسجم مع موضوع السورة ومحورها، وبما يشكل في النهاية عرضا كاملا للقصة من كل جوانبها دون أن يخل هذا بوحدة السورة القرآنية، وبما يحقق المظهر الأعلى من التكامل القرآني، وكل ذلك يبرز مدى الكمال في هذا القرآن، وكيف لا ومنزله هو الله الذي له المثل الأعلى في كل شئ ﵎ وهذا الذي قلناه مظهر من مظاهر الكمال والتكامل في هذا القرآن، وإن كل ما قاله ويقوله أحد في شأن هذا القرآن إنما هو قطرة من بحار الكمال الذي لا يحيط به إلا الله.
المعنى الحرفي:
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد الرسل المذكورين، أو من بعد الأمم المذكورة، وظاهر النص أن موسى جاء بعد هذه الأمم، وبعد هؤلاء الرسل، وهذا يؤكد الاتجاه الذي يقول بأن الرجل الذي آوى إليه موسى من مدين ليس هو شعيبا ﵇ إذ بين شعيب وموسى زمن طويل كما سنرى ذلك في سورة القصص مُوسى بِآياتِنا أي بالمعجزات الواضحات إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها أي فكفروا بآياتنا. أجرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من واد واحد، ويمكن أن يراد بقوله فَظَلَمُوا بِها أي فظلموا الناس بسببها حين آذوا من آمن. أو أن كلمة الظلم استعملت بدل الكفر لأنه إذا وجب الإيمان بها فكفروا بدل الإيمان كان كفرهم بها ظلما حيث وضعوا الكفر موضع الإيمان فَانْظُرْ يا محمد ويا من يقتدي به ويتابعه كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي الذين صدوا عن سبيل الله وكذبوا رسله حيث كانت نهايتهم الغرق
وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ يقال لملوك مصر الفراعنة كما يقال لملوك فارس الأكاسرة فليست كلمة فرعون اسمه بل لقبه إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ إليك.
حَقِيقٌ أي خليق وجدير عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي الصدق قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي بما يبين رسالتي وهي المعجزات فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي فخلهم يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة
قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ أي من عند من أرسلك فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أي فأتني بها لتصح دعواك ويثبت صدقك فيها.
فَأَلْقى أي موسى عَصاهُ من يده فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ أي حية عظيمة مُبِينٌ أي ظاهر أمره أنه ثعبان
وَنَزَعَ يَدَهُ أي من جيبه
стр. 1895
فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ أي فإذا هي بيضاء للنظارة ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضا عجيبا خارجا عن العادة يجذب الناس للنظر إليه
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ أي عالم بالسحر ماهر فيه قد خيل إلى الناس العصا حية والآدم أبيض، وهذا الكلام ذكر على لسان فرعون في سورة الشعراء، وهنا ذكر على لسان الملأ فإما أن كلا منهم قاله فحكى قوله ثمة وقولهم هنا، أو قاله ابتداء فتلقفه الملأ منه بعد أن أوحى إليهم به وتبنوه
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ أي مصر فَماذا تَأْمُرُونَ أي فماذا تشيرون وهو- أي السؤال الأخير- من كلام فرعون قاله للملإ بعد أن قالوا ما قالوه وفي ذلك إشعار أن الطاغية يشعر من حوله أنه منفذ لأوامرهم
قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ أي أخر واحبس أي: أخر أمره ولا تعجل، فكأنه هم بقتله فقالوا أخر أمره واحبسه ولا تقتله ليتبين سحره عند الخلق والمراد بأخيه هارون ﵉ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ أي جامعين
يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أي مثله في المهارة أو بخير منه
وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ يفهم من ذلك أنه أرسل إليهم فحضروا قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً أي لجعلا عظيما إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ أي إن غلبنا موسى في سحره
قالَ نَعَمْ أي إن لكم لأجرا وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي عندي فتكونون أول من يدخل وآخر من يخرج
قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ أي عصاك. وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ لما معنا ويظهر أن رغبتهم كانت في أن يلقوا قبله، فهم هذا من طريقة خطابهم وذكرهم أنفسهم بضمير نحن
قالَ موسى أَلْقُوا ازدراء لشأنهم، وقلة مبالاة بهم، واعتمادا على أن المعجزة لن يغلبها شئ، وليظهر للناس بطلان سحرهم بعد أن يندهش الناس به. ولا شك أن تخييرهم إياه أدب حسن راعوه معه، كما يفعل المتناظرون قبل أن يتخاوضوا في الجدال.
وقد خدمهم حسن الأدب هذا فالحسنة تأتي بالحسنة. بدءوا معه بحسن الأدب، وانتهوا مؤمنين به فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أي أروا أعين الناس بالحيل والشعوذة وخيلوا إليهم ما الحقيقة بخلافه كما سيأتي تفصيل ذلك في سورة طه وَاسْتَرْهَبُوهُمْ أي وأرهبوهم إرهابا شديدا كأنهم استدعوا رهبتهم بالحيلة. وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ أي في باب السحر أو في عين من رآه
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ أي تبتلع. ما يَأْفِكُونَ أي ما يقلبونه من الحق إلى الباطل ويزورونه.
فَوَقَعَ الْحَقُّ أي فثبت وحصل وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي من السحر.