← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وعندئذ اتفق هو ومن حوله من بطانته على اعتبار أن ما صدر عن موسى سحر، وأن الهدف من هذا السحر هو إخراج المصريين من أرضهم، وتشاوروا في أمرهم كيف يصنعون، وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره، وإخماد كلمته، وظهور كذبه وافترائه، وتخوفوا أن يستميل الناس فيما أظهره، فيكون ذلك سببا لظهوره عليهم. وإخراجه إياهم من أرضهم، ومن ثم استقر رأيهم أن يتركه وأخاه مرجئا أمرهم، وأن يرسل في أقاليم ملكه من أجل أن يجمع له السحرة من سائر البلاد، وقد كان السحر في زمانهم غالبا كثيرا ظاهرا، واعتقد من اعتقد منهم أن ما جاء به موسى سحر، فلهذا قرروا أن يجمعوا له السحرة ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات، وقد كان ذلك. وجمع السحرة، وتشارط السحرة وفرعون: أنهم إن غلبوا موسى ليثيبنهم وليعطينهم عطاء جزيلا، فوعدهم ومناهم أن يعطيهم ما أرادوا، أو يجعلهم من جلسائه والمقربين عنده، فلما توثقوا من فرعون بدأت المبارزة بينهم وبين موسى فعرضوا على موسى أن يبدأ هو أو يبدءوا هم، فطلب منهم موسى أن يبدءوا ليرى الناس صنيعهم ويتأملوه، فإذا فرغوا من بهرجهم ومحالهم جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطلع له، والانتظار منهم لمجيئه، فيكون أوقع في النفوس، وكذلك كان إذ ألقى السحرة سحرهم الذي يشبه في الظاهر عمل موسى. ألقوا الحبال والعصي فخيلوا إلى الأبصار أنها أصبحت حيات حقيقية، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال، ولكنه سحر عظيم مبهر. وعندئذ أوحى الله إلى عبده ورسوله موسى ﵇ في ذلك الوقت العظيم الذي فرق الله تعالى فيه الحق والباطل أن يلقي عصاه؛ فإذا هي تنقلب حية وتأكل كل ما ألقوه وما أوهموا به. قال ابن عباس: فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته؛ فعرفت السحرة أن هذا شئ من السماء ليس بسحر فخروا سجدا وأعلنوا إيمانهم برب العالمين رب موسى وهارون، فما كان من فرعون إلا أن توعد السحرة لما آمنوا بموسى، مدعيا أن غلبة موسى عليهم إنما كانت لتآمر بينهم وبين موسى، بسبب أن موسى هو معلمهم السحر، وهو يعلم- عليه لعنة الله- وكل من له لب يعلم أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل، فإن موسى ﵇ بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى الله، وأظهر المعجزات الباهرة، والحجج القاطعة على صدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه ومعاقل سلطنته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر، ممن اختار هو والملأ من قومه، وأحضرهم عنده، ووعدهم بالعطاء الجزيل، ولهذا قد كانوا من أحرص الناس على ذلك، وعلى الظهور في مقامهم ذلك، والتقدم عند فرعون،

стр. 1892

وموسى ﵇ لا يعرف أحدا منهم ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك. وإنما قال هذا تسترا وتدليسا على رعاع دولته وجهلتهم. ثم ادعى أن سبب هذا التآمر أن السحرة- بالتعاون مع موسى- يريدون أن يصلوا إلى الدولة والسلطان، ويسلبوها من الأكابر والرؤساء- أي منه ومن أعوانه- وبناء عليه فإنه سيقطع أيديهم وأرجلهم، من كل واحد منهم يدا ورجلا، متعاكستين يمينا بشمال أو شمالا بيمين، وأنه سيصلبهم جميعا، فكان أن أعلنوا أنهم قد تحققوا أنهم راجعون إلى الله، وأن عذاب الله أشد من عذاب فرعون ونكاله، وأنهم سيصبرون على عذاب فرعون ليتخلصوا من عذاب الله، ثم دعوا الله تعالى أن يعمهم بالصبر على دينه والثبات عليه، وأن يقبضهم إليه مسلمين متابعين لرسوله ﵇، فكانوا في أول النهار سحرة فصاروا في آخره شهداء بررة. وبعد هذه الجولة الخاسرة مع موسى ﵇، وبدلا من أن يؤمن فرعون وملؤه بعد تسليم أهل الاختصاص بالسحر أن موسى رسول الله وليس بساحر، يذكر لنا الله- ما تآمر به فرعون وقومه، وما تمالئوا به على موسى، وما أضمروه له ولقومه من الأذى والبغضة، إذ يقص علينا أن حاشية فرعون حرضت فرعون على موسى. وما هو بحاجة إلى تحريض، ولكنه نفاق البطانة، ومسارعتها إلى إرضاء نفس الحاكم، مدعية أن موسى وقومه مفسدون في الأرض، إذ هم تاركون لآلهة فرعون، عابدون غيرها داعون لعبادة الله رب العالمين. وهكذا الشأن دائما أن المفسدين الحقيقيين يسمون المصلحين الحقيقيين بالإفساد، وهنا أعلن فرعون قراره بإحياء سنته اللعينة القديمة وهي قتل أبناء بني إسرائيل، واستحياء نسائهم؛ قهرا لهم وإذلالا، وأمام هذا الطغيان الرهيب لم يكن من موسى إلا أن أمر قومه- وهم المستضعفون- بالاستعانة بالله والصبر. وهكذا تمر لحظات صعبة على أهل الله، ليس أمامهم إلا هذا. ووعدهم موسى بالعاقبة وأن الدار ستصير لهم ولكنهم- وهم من هم في اللجاج والمخالفة- قالوا شاكين متذمرين أن هذا الأذى قد نزل بهم من قبل مجئ موسى ومن بعد، فقال منبها لهم عن حالهم الحاضر وما يصيرون إليه من مآلهم عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وهذا تحضيض لهم على الصبر وحسن الرجاء، وعلى العزم على الشكر عند حلول النعم وزوال النقم، وبدأت العقوبات تتوالى على فرعون وقومه انتصارا لموسى وقومه، وعظة لفرعون وقومه، وتلك سنة الله التي رأيناها من قبل، أن يأخذ بالبأساء والضراء ابتداء من لم يؤمن برسله، وهكذا فعل بفرعون وقومه، ابتلاهم بالجوع والقحط، فلا ثمر ولا زرع؛ من

стр. 1893

أجل أن يتعظوا فكان موقفهم كموقف الأمم السابقة، إن جاءهم الخصب والسعة ادعوا أن هذا لهم حق ومستحق، وإن جاءهم الجدب والقحط ادعوا أن هذا بسبب موسى وقومه وما جاءوا به، ناسين أن هذا كله من عند الله؛ ولكنهم جهلة بالله وسننه؛ ومع ما ابتلاهم الله به ومع كل ما رأوا من الآيات؛ فإنهم عبروا عن تمردهم وعتوهم وعنادهم للحق، وإصرارهم على الباطل بإعلانهم بأن أي آية يجيئهم بها موسى، وأي حجة يقيمها عليهم، فإنهم سيردونها ولا يقبلونها، وأنهم لن يؤمنوا به ولا بما جاء به. فسلط الله عليهم البرد والأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار، والموت، والجراد، والقمل، والضفادع، وفي كل واحدة من هذه آية واضحة مفصلة، ومع ذلك أصروا على الاستكبار، وأصروا على التلبس بالإجرام، وكان من دأبهم أنهم إذا وقع بهم العذاب طلبوا من موسى أن يدعو الله ليرفع العذاب، معاهدين الله أنهم سيؤمنون بموسى ويرسلون معه بني إسرائيل، وفي كل مرة كانوا ينكثون إذا رفع عنهم العذاب، ثم إنهم لما أصروا على العتو والتمرد مع ابتلاء الله إياهم بالآيات المتواترة واحدة بعد واحدة، انتقم الله منهم بإغراقه إياهم في البحر الذي فرقه الله لموسى فجاوزه وبنو إسرائيل معه، ثم ورده فرعون وجنوده على أثرهم فلما استكملوا فيه ارتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم، وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم عنها، ثم أخذ الله بيد بني إسرائيل بعد ذلك ناقلا إياهم من حال إلى حال، حتى أورثهم مشارق الأرض ومغاربها، والمراد بالأرض التي أورثوها فلسطين تحقيقا لوعد الله لهم ودمر الله ما صنع فرعون وما بناه. وبهذه المعاني ينتهي هذا المقطع، وهو كما قلنا من قبل نموذج على سنن الله التي ذكرها قبيل هذا المقطع من كونه يمتحن الذين يبعث إليهم رسولا- فيرفضون رسالته- بالبأساء والضراء، ثم يعطيهم خصبا ليتعظوا بهذا وهذا، ولكن جرت العادة أن يستكبروا ولا يتعظوا في الحالين وعندئذ يكون الأخذ. وهذا ما كان لفرعون وقومه. وكذلك رأينا أن الله قرر أن أكثر الناس ليس لهم عهد وأكثرهم فاسقون. وهكذا رأينا في قصة فرعون مع موسى في هذا المقطع كيف أن فرعون وقومه كانوا ينكثون في كل مرة. وقد رأينا كيف أن الله يتولى الفئة المؤمنة إما بتثبيتها حتى تقتل لتكون شهيدة، وإما بنصرها والانتصار لها والانتقام من عدوها وإنجائها. وهي معان كلها تجري على نسق واحد، عاقبة اتباع الهدى المنزل، وعاقبة رفضه، وذلك هو محور هذه السورة. ونلاحظ أنه في هذه السورة قد قص الله علينا مقطعا في قصة فرعون هو ما رأينا

стр. 1894

معانيه، وفي سور أخرى سيقص الله علينا جوانب أخرى من قصة فرعون مع موسى أو يكرر معنى من المعاني المذكورة هنا، وفي كل مرة تأتي القصة أو جزء منها، إنما تأتي لتخدم غرضا في السورة وفي السياق بما ينسجم مع موضوع السورة ومحورها، وبما يشكل في النهاية عرضا كاملا للقصة من كل جوانبها دون أن يخل هذا بوحدة السورة القرآنية، وبما يحقق المظهر الأعلى من التكامل القرآني، وكل ذلك يبرز مدى الكمال في هذا القرآن، وكيف لا ومنزله هو الله الذي له المثل الأعلى في كل شئ ﵎ وهذا الذي قلناه مظهر من مظاهر الكمال والتكامل في هذا القرآن، وإن كل ما قاله ويقوله أحد في شأن هذا القرآن إنما هو قطرة من بحار الكمال الذي لا يحيط به إلا الله. المعنى الحرفي: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد الرسل المذكورين، أو من بعد الأمم المذكورة، وظاهر النص أن موسى جاء بعد هذه الأمم، وبعد هؤلاء الرسل، وهذا يؤكد الاتجاه الذي يقول بأن الرجل الذي آوى إليه موسى من مدين ليس هو شعيبا ﵇ إذ بين شعيب وموسى زمن طويل كما سنرى ذلك في سورة القصص مُوسى بِآياتِنا أي بالمعجزات الواضحات إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها أي فكفروا بآياتنا. أجرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من واد واحد، ويمكن أن يراد بقوله فَظَلَمُوا بِها أي فظلموا الناس بسببها حين آذوا من آمن. أو أن كلمة الظلم استعملت بدل الكفر لأنه إذا وجب الإيمان بها فكفروا بدل الإيمان كان كفرهم بها ظلما حيث وضعوا الكفر موضع الإيمان فَانْظُرْ يا محمد ويا من يقتدي به ويتابعه كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي الذين صدوا عن سبيل الله وكذبوا رسله حيث كانت نهايتهم الغرق وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ يقال لملوك مصر الفراعنة كما يقال لملوك فارس الأكاسرة فليست كلمة فرعون اسمه بل لقبه إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ إليك. حَقِيقٌ أي خليق وجدير عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي الصدق قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي بما يبين رسالتي وهي المعجزات فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي فخلهم يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ أي من عند من أرسلك فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أي فأتني بها لتصح دعواك ويثبت صدقك فيها. فَأَلْقى أي موسى عَصاهُ من يده فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ أي حية عظيمة مُبِينٌ أي ظاهر أمره أنه ثعبان وَنَزَعَ يَدَهُ أي من جيبه

стр. 1895

فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ أي فإذا هي بيضاء للنظارة ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضا عجيبا خارجا عن العادة يجذب الناس للنظر إليه قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ أي عالم بالسحر ماهر فيه قد خيل إلى الناس العصا حية والآدم أبيض، وهذا الكلام ذكر على لسان فرعون في سورة الشعراء، وهنا ذكر على لسان الملأ فإما أن كلا منهم قاله فحكى قوله ثمة وقولهم هنا، أو قاله ابتداء فتلقفه الملأ منه بعد أن أوحى إليهم به وتبنوه يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ أي مصر فَماذا تَأْمُرُونَ أي فماذا تشيرون وهو- أي السؤال الأخير- من كلام فرعون قاله للملإ بعد أن قالوا ما قالوه وفي ذلك إشعار أن الطاغية يشعر من حوله أنه منفذ لأوامرهم قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ أي أخر واحبس أي: أخر أمره ولا تعجل، فكأنه هم بقتله فقالوا أخر أمره واحبسه ولا تقتله ليتبين سحره عند الخلق والمراد بأخيه هارون ﵉ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ أي جامعين يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أي مثله في المهارة أو بخير منه وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ يفهم من ذلك أنه أرسل إليهم فحضروا قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً أي لجعلا عظيما إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ أي إن غلبنا موسى في سحره قالَ نَعَمْ أي إن لكم لأجرا وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي عندي فتكونون أول من يدخل وآخر من يخرج قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ أي عصاك. وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ لما معنا ويظهر أن رغبتهم كانت في أن يلقوا قبله، فهم هذا من طريقة خطابهم وذكرهم أنفسهم بضمير نحن قالَ موسى أَلْقُوا ازدراء لشأنهم، وقلة مبالاة بهم، واعتمادا على أن المعجزة لن يغلبها شئ، وليظهر للناس بطلان سحرهم بعد أن يندهش الناس به. ولا شك أن تخييرهم إياه أدب حسن راعوه معه، كما يفعل المتناظرون قبل أن يتخاوضوا في الجدال. وقد خدمهم حسن الأدب هذا فالحسنة تأتي بالحسنة. بدءوا معه بحسن الأدب، وانتهوا مؤمنين به فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أي أروا أعين الناس بالحيل والشعوذة وخيلوا إليهم ما الحقيقة بخلافه كما سيأتي تفصيل ذلك في سورة طه وَاسْتَرْهَبُوهُمْ أي وأرهبوهم إرهابا شديدا كأنهم استدعوا رهبتهم بالحيلة. وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ أي في باب السحر أو في عين من رآه وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ أي تبتلع. ما يَأْفِكُونَ أي ما يقلبونه من الحق إلى الباطل ويزورونه. فَوَقَعَ الْحَقُّ أي فثبت وحصل وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي من السحر.

стр. 1896

فائدة: بمناسبة قوله تعالى: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ يقول الألوسي: (واستدل بالآية من قال- كالمعتزلة- إن السحر لا حقيقة له وإنما هو مجرد تخييل، وفيه أنهم إن أرادوا أن ما وقع في القصة من السحر كان كذلك فمسلم والآية تدل عليه، وإن أرادوا أن كل سحر تخييل فممنوع والآية لا تدل عليه، والذي ذهب إليه جمهور أهل السنة أن السحر أقسام وأن منه ما لا حقيقة له ومنه ما له حقيقة، كما يشهد بذلك سحر اللعين لبيد بن الأعصم اليهودي رسول الله ﷺ ، وسحر يهود خيبر ابن عمر ﵁ حين ذهب ليخرص تمرهم، وذكروا أنه قد يصل السحر إلى حد المشي على الماء والطيران في الهواء ونحو ذلك، وترتب ذلك عليه كترتب الشبع على الأكل، والري على الشرب، والإحراق على النار، والفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله تعالى، نعم قال القرطبي: أجمع المسلمون على أنه ليس من السحر ما يفعل الله تعالى عنده إنزال الجراد والقمل والضفادع، وفلق الحجر، وقلب العصا، وإحياء الموتى، وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام. ومن أنكر حقيقته استدل بلزوم الالتباس بالمعجزة، وتعقب بأن الفرق مثل الصبح ظاهر). وبمناسبة الكلام عن انقلاب عصا موسى ثعبانا قال الألوسي: والآية من أقوى الأدلة على جواز انقلاب الشئ عن حقيقته كالنحاس إلى الذهب، إذ لو كان ذلك تخييلا لبطل الإعجاز، ولم يكن لذكر «مبين» أي في فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وارتكاب غير الظاهر غير ظاهر، ويدل كذلك أيضا أنه لا مانع في القدرة من توجه الأمر التكويني إلى ما ذكر وتخصيص الإرادة له، والقول بأن قلب الحقائق محال والقدرة لا تتعلق به فلا يكون النحاس ذهبا غير مقبول، والحق جواز الانقلاب إما بمعنى أنه تعالى يخلق بدل النحاس ذهبا على ما هو رأي بعض المتكلمين من تجانس الجواهر واستوائها في قبول الصفات، والمحال إنما هو انقلابه ذهبا مع كونه نحاسا لامتناع كون الشئ في الزمن الواحد نحاسا وذهبا وعلى أحد هذين الاعتبارين توكأ أئمة التفسير في أمر العصا ... ). أقول: في عصرنا استطاع علماء الكون أن يحولوا العنصر إلى عنصر آخر من خلال تغيير عدد الألكترونات والبروتونات في الذرة فالقول باستحالة ذلك لم يعد واردا، أما موضوع السحر فلم يزل ولن يزال النقاش فيه قائما، والفارق بينه وبين المعجزة واضح، فالسحر جزء من عالم الأسباب، والمعجزة خرق لعالم الأسباب.

стр. 1897

وبمناسبة الكلام عن السحر في قصة موسى وفرعون ننقل فقرة من كتاب «الطبيعة الخارقة» لمؤلفه ليل واطسون تحت عنوان السحر: (قام العالم التشيكي ميلان ديزل بتجارب حول التوارد الذهني وفي هذه التجارب كان المرسل يدعي أعراضا مرضية أو عاطفية، وكان المستقبل لهذه المعلومات على الفور يتأثر بهذه الأعراض وكأنه أصيب بالمرض حقا فلو ركز المرسل ذهنه على إرسال معلومات عن إصابته بالاختناق فإن المستقبل يسعل بشدة ويبدو عليه أنه فعلا قد أصيب بالاختناق. وهذه الظاهرة تلقي الضوء حول كيفية عمل المشعوذين والسحرة. فهم يقومون بدور المرسل الذي يفكر نيابة عن المريض ويعطيه المعلومات عن مرضه وشفائه. يروي «وليام سيبروك» الذي عاش بين القبائل البدائية في غرب أفريقيا الفرنسية قصة عن رجل بلجيكي قتل أحد أفراد هذه القبائل، فما كان من هذه الأخيرة إلا أن أحضرته لأعوانه بواسطة السحر: وضع الرجل على رأس جبل .. وعلى الجبل المقابل جاء الساحر ومعه القتيل وألبسه ثياب القاتل وبدأ بالتمتمة، وبدأت الطبول بالقرع، وبدأ الرجال بالتمتمة أيضا ولم يلبث البلجيكي القاتل أن توفي فورا. والنظرية الراجحة أنه مات بعد الإيحاء له بذلك عن طريق العقل الباطني. ولكن الاكتشاف بأن العواطف تتوارد أيضا قد يعني أن الاحتفال الديني عند مقتل الرجل كان له علاقة بموته، وأن الجو المشحون بالكراهية من حوله يعطي نفس التأثير كالتنويم المغناطيسي الذي قد يكون السبب في مقتل الرجل عن طريق تركيز عواطف الكره والتي يصدرها الساحر ورفاقه باتجاهه. لا شك بأن الطقوس التي تصاحب السحر تؤدي أحيانا للهلوسة. والمعروف عن السحرة أنهم يحضرون أدويتهم الشافية كما يهيئون أجواءهم الخاصة. وليس كل السحر شعوذة. لغاية الآن لم يكتشف الإنسان دواء شافيا للسرطان إلا أن هناك طريقة قديمة في علاجه باستعمال أعشاب معينة، يعتمد تأثيرها على الوقت الذي تقطف فيه. ومن بين حوالى سبعين ألف تجربة أجريت على الأوقات المختلفة لقطف النبتة، هناك وقت واحد ولحظة معينة تكون فيه النبتة تتأثر بحركة النجوم والشمس كما تتأثر بالخسوف والكسوف. مما سبق شرحه، فأنا مقتنع تمام الاقتناع بأن المادة والعقل والسحر كلها مرتبطة برباط واحد في هذا الكون) اه. من كتاب الطبيعة الخارقة. وقال صاحب الظلال بمناسبة الكلام عن السحر بالآيات:

стр. 1898

«وكانت أرض مصر تموج بالكهنة في شتى المعابد، وكان الكهنة هم الذين يزاولون أعمال السحر. ففى الوثنيات كلها تقريبا يقترن الدين بالسحر، ويزاول السحر كهنة الديانات وسدنة الآلهة! وهذه الظاهرة هي التي يلتقطها «علماء الأديان» فيتحدث بعضهم عن السحر كمرحلة من مراحل تطور العقيدة ويقول الملحدون منهم: إن الدين سيبطل كما بطل السحر، وإن العلم سينهي عهد الدين كما أنهى عهد السحر: إلى آخر هذا الخبط الذي يسمونه «العلم». ولنعد إلى التفسير الحرفي فَغُلِبُوا أي فرعون وجنوده والسحرة هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ أي وصاروا أذلاء مبهوتين. وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ أي وخروا سجدا لله فكأنما ألقوا إلقاء لشدة خرورهم. أو لم يتمالكوا مما رأوا فكأنهم ألقوا إلقاء ومن ثم عبر بقوله أُلْقِيَ. قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ عرفوا أن فعل موسى ليس سحرا ولا يمكن أن يكون من صنع بشر فآمنوا بالله وبرسوليه موسى وهارون قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ هذا توبيخ منه لهم قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أي قبل إذني لكم إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها أي إن صنعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى الصحراء لغرض لكم وهو أن تخرجوا من مصر القبط وتسكنوا بني إسرائيل أو لتكون لكم الدولة والسلطان أنتم وموسى وتخرجوا أهل الدولة والسلطان الحقيقيين منها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ هذا وعيد مجمل فصله بما بعده لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أي من كل شق طرفا، من شق يد ومن شق رجل ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ بدون استثناء قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ أي فلا نبالي بالموت لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته أو إنا جميعا- يعنون أنفسهم وفرعون- ننقلب إلى الله فيحكم بيننا وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا أي وما تعيب منا إلا الإيمان بآيات الله أرادوا وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب والمفاخر وهو الإيمان رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أي اصبب علينا الصبر صبا ذريعا، أي هب لنا صبرا واسعا وأكثره علينا حتى يفيض علينا ويغمرنا كما يفرغ الماء إفراغا. وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ أي ثابتين على الإسلام وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ أي أتترك مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي أرض مصر بالاستعلاء فيها وتغيير دين أهلها وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ أي ويتركك وما تعبد من آلهة. ولقد كان لفرعون آلهة مزعومة وتروي أوراق البردى أن رعمسيس الثاني أصدر منشورا يدعو فيه إلى عبادة نفسه كما هو ثابت في الوثائق التاريخية والآثار المحفوظة، فهل

стр. 1899

رعمسيس الثاني هو فرعون موسى؟ الأمر فيه خلاف كثير قالَ أي فرعون مجيبا للملإ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ أي سنجدد عادة قتل الأبناء ليعلموا أنا على ما كنا عليه في الغلبة والقهر، وأنهم مقهورون تحت أيدينا كما كانوا، وقتل الأبناء واستحياء النساء فيه معان خسيسة كثيرة فعليه لعنة الله وقد فعل قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا قال لهم ذلك حين جزعوا من قول فرعون وتهديده تسلية لهم ووعدا بالنصر عليهم إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ كلها ومنها أرض مصر والشام يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ مناهم بأن يرثوا الأرض وهذا يساعد على الصبر وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ هذه بشارة لهم بأن الخاتمة المحمودة للمتقين منهم وفيه حض لهم من أجل أن يكونوا متقين قالُوا متذمرين شاكين أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا يعنون قتل أبنائهم قبل مولد موسى إلى أن استنبئ وإعادته عليهم بعد ذلك مع أنواع أخرى من الأذى، وفيه مع التذمر استبطاء لوعد النصر قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ هذا تصريح بما رمز إليه من البشارة قبل وكشف عنه وهو إهلاك فرعون واستخلافهم في الأرض الموعودين باستخلافها وهي الشام فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ أي فيرى الله ما يكون منكم من العمل حسنه وقبيحه وشكر النعمة وكفرانها ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ بالقحط والجدب. وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ حتى لا تعطي أرضهم ثمارها ويحتمل أن القحط لأهل البوادي ونقص الثمرات لأهل الحواضر والأمصار لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي ليتعظوا فينتبهوا على أن ذلك لإصرارهم على الكفر، ولأن الناس في حال الشدة أضرع خدودا وأرق أفئدة. فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ أي الصحة والخصب قالُوا لَنا هذِهِ أي هذه التي نستحقها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي جدب ومرض يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أي يتشاءمون بهم ويقولون هذه بشؤمهم ولولا مكانهم لما أصابتنا أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي هو سبب خيرهم وشرهم عِنْدَ اللَّهِ أي في حكمه ومشيئته والله هو الذي يقدر ما يصيبهم من الحسنة والسيئة وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ذلك وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ سموها آية على سبيل الاستهزاء، أو أنهم قالوا إعلانا للاستكبار، أو لأن موسى يسميها آية لِتَسْحَرَنا بِها هذا من تمام وقاحتهم وإصرارهم على أن موسى ساحر فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ أي بمصدقين فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ يحتمل أنه ما طاف بهم وعليهم من مطر أو سيل، ويحتمل أنه الجدري، ويحتمل أنه الطاعون،

стр. 1900

ويحتمل أنه الموت، ولكل ذلك وجه في اللغة. وكل من ذلك قال به أحد المفسرين وَالْجَرادَ تأكل زروعهم وثمارهم وَالْقُمَّلَ يحتمل أن المراد به أولاد الجراد الصغار قبل نبات أجنحتها، ويحتمل أنها كبار القردان، ويحتمل أنه القمل المعروف وهو الدواب السود الصغار، ويحتمل أنه البراغيث ولكل ذلك وجه في اللغة وَالضَّفادِعَ سلطت عليهم كذلك وَالدَّمَ عذبوا به كما سنرى آياتٍ مُفَصَّلاتٍ أي مبينات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله أو مفرقات عن بعضها بحيث تظهر السابقة عن اللاحقة فَاسْتَكْبَرُوا أي عن الإيمان بموسى وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ بكفرهم وعتوهم وإيذائهم لله ورسوله والمؤمنين وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ أي العذاب وهل المراد به آخر المذكورات السابقات الدم، أو العذاب المذكور واحدا بعد واحد، والراجح الثاني قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ أي بعهده عندك وهو النبوة. قال النسفي: ادع الله لنا متوسلا إليه بعهده عندك لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ فدعا موسى ربه، فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ أي إلى حد من الزمان هُمْ بالِغُوهُ هم واصلون إليه لا محالة فمعذبون فيه لا ينفعهم ما تقدم لهم من الإمهال وكشف العذاب إلى حلوله إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ أي فلما كشفنا عنهم العذاب فاجئوا بالنكث ولم يؤخروه فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ الانتقام ضد الإنعام كما أن العقاب هو ضد الثواب فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ أي في البحر، واليم: البحر العميق، وقد يراد بهذه الكلمة لجة البحر ومعظم مائه بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ. أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها وقلة تفكرهم فيها وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ أي بني إسرائيل الذين كانوا يستضعفهم فرعون وقومه بالقتل والاستخدام مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها أي فلسطين إذ المراد بالأرض الأرض المعهودة الموعودون بها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى أي مضت واستمرت والحسنى تأنيث الأحسن عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ والكلمة الحسنى هي وعد الله لهم بإهلاك عدوهم واستخلافهم بِما صَبَرُوا أي بسبب صبرهم وحسبك بهذا حاثا على الصبر ودالا على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه، ومن قابله بالصبر ضمن الله له الفرج وَدَمَّرْنا أي وأهلكنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ من العمارات والقصور والصناعات وَما كانُوا يَعْرِشُونَ أي يرفعونه من الجنات أو ما كانوا يرفعونه من الأبنية المشيدة، ولقد أعطى الله بني

стр. 1901

إسرائيل فلسطين. عند ما كانوا مسلمين وأعطانا إياها لأننا مسلمون، وهي اليوم والأمس وغدا للمسلمين، وعلى المسلمين أن يستردوها من الكافرين. كلمة في السياق: كما انتهت قصة قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب في المقطع الأول من القسم الثاني، تنتهي قصة فرعون: وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ ولذلك قلنا إن هذا الجزء من قصة موسى يعتبر مقطعا مستقلا ليأتي بعد ذلك مقطع يرينا موقف بني إسرائيل أنفسهم من الوحي الذي أنزل عليهم. إن في هذا القسم دروسا، دروسا للكافرين، ودروسا للمؤمنين. نقول: ١ - بمناسبة قوله تعالى: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ يقول صاحب الظلال: «إنهم يصرحون بالنتيجة الهائلة التي تتقرر من إعلان تلك الحقيقة .. إنها الخروج من الأرض .. إنها ذهاب السلطان .. إنها إبطال شرعية الحكم .. أو .. محاولة قلب نظام الحكم! بالتعبير العصري الحديث! إن الأرض لله. والعباد لله. فإذا ردت الحاكمية في أرض لله، فقد خرج منها الطغاة الحاكمون بغير شرع الله! أو خرج منها الأرباب المتألهون الذين يزاولون خصائص الألوهية بتعبيد الناس لشريعتهم وأمرهم. وخرج منها الملأ الذين يوليهم الأرباب المناصب والوظائف الكبرى، فيعبدون الناس لهذه الأرباب!. هكذا أدرك فرعون وملؤه خطورة هذه الدعوة ... وكذلك يدركها الطواغيت في كل مرة .. لقد قال الرجل العربي- بفطرته وسليقته- حين سمع رسول الله يدعو الناس إلى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله: «هذا أمر تكرهه الملوك!» .. وقال له رجل عربي آخر بفطرته وسليقته «إذن تحاربك العرب والعجم» لقد كان هذا العربي وذاك يفهم مدلولات لغته. كان يفهم أن شهادة أن لا إله إلا الله ثورة على الحاكمين بغير شرع الله عربا كانوا أو عجما كانت لشهادة أن لا إله إلا الله جديتها في حس هؤلاء

стр. 1902

العرب لأنهم كانوا يفهمون مدلول لغتهم جيدا فما كان أحد منهم يفهم أنه يمكن أن تجتمع في قلب واحد، ولا في أرض واحدة، شهادة أن لا إله إلا الله مع الحكم بغير شرع الله فيكون هناك آلهة مع الله، ما كان أحد منهم يفهم شهادة أن لا إله إلا الله كما يفهمها اليوم بعض من يدعون أنفسهم «مسلمين». ٢ - وبمناسبة إيمان السحرة وتحديهم لفرعون يقول صاحب الظلال: «ويقف الطغيان عاجزا أمام الإيمان، وأمام الوعي، وأمام الاطمئنان .. يقف الطغيان عاجزا أمام القلوب التي خيل إليه أنه يملك الولاية عليها كما يملك الولاية على الرقاب، ويملك التصرف فيها كما يملك التصرف في الأجسام. فإذا هي مستعصية عليه، لأنها من أمر الله، لا يملك أمرها إلا الله .. وماذا يملك الطغيان إذا رغبت القلوب في جوار الله؟ وماذا يملك الجبروت إذا اعتصمت القلوب بالله؟ وماذا يملك السلطان إذا رغبت القلوب عما يملك السلطان؟!. إنه موقف من المواقف الحاسمة في تاريخ البشرية. هذا الذي كان بين فرعون وملئه، والمؤمنين من السحرة .. السابقين .. إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية. بانتصار العقيدة على الحياة، وانتصار العزيمة على الألم، وانتصار «الإنسان على الشيطان»، إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية بإعلان ميلاد الحرية الحقيقية فما الحرية إلا الاستعلاء بالعقيدة على جبروت المتجبرين وطغيان الطغاة. والاستهانة بالقوة المادية التي تملك أن تتسلط على الأجسام والرقاب وتعجز عن استذلال القلوب فقد ولدت الحرية الحقيقية في هذه القلوب. إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية بإعلان إفلاس المادية! فهذه القلة التي كانت منذ لحظة تسأل فرعون الأجر على الفوز وتمنى بالقرب من السلطان .. هي ذاتها التي تستعلي على فرعون؛ وتستهين بالتهديد والوعيد، وتقبل صابرة محتسبة على التنكيل والتصليب. وما تغير في حياتها شئ، ولا تغير من حولها شئ. في عالم المادة. إنما وقعت اللمسة الخفية التي تسلك الكوكب المفرد في الدورة الكبرى، وتجمع الذرة التائهة إلى المحور الثابت، وتصل الفرد الفاني بقوة الأزل والأبد .. وقعت اللمسة التي تحول الإبرة، فيلتقط القلب إيقاعات القدرة ويتسمع الضمير أصداء الهداية، وتتلقى البصيرة إشراقات النور .. وقعت اللمسة التي لا تنتظر أي تغيير في الواقع المادي، ولكنها

стр. 1903

هي تغير الواقع المادي، وترفع «الإنسان» في عالم الواقع إلى الآفاق التي لم يكن يطمح إليها الخيال! ويذهب التهديد. ويتلاشى الوعيد. ويمضي الإيمان في طريقه. لا يتلفت، ولا يتردد، ولا يحيد. ويسدل السياق القرآني الستار على المشهد عند هذا الحد ولا يزيد .. إن روعة الموقف تبلغ ذروتها، وتنتهي إلى غايتها. وعندئذ يتلاقى الجمال الفني في العرض؛ مع الهدف النفسي للقصة على طريقة القرآن في مخاطبة الوجدان الإيماني بلغة الجمال الفني، في تناسق لا يبلغه إلا القرآن. ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ .. نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون، يمثل خطرا على نظام ملكهم وحكمهم، لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان، مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان، وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل .. ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها إنه لا يجتمع في قلب واحد، ولا في بلد واحد، ولا في نظام حكم واحد أن يكون الله رب العالمين، وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد يباشره بتشريع من عنده وقوانين .. فهذا دين وذلك دين .. ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة. بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم، وجعل لهم فرقانا في تصورهم أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة، وإنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين. فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه، ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون .. أو بتعبير آخر مرادف: من ربوبية فرعون، ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله .. وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده. فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله .. إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين، وأن عدوهم على دين غير دينهم، لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين .. فهو إذن من الكافرين .. وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل إلا بمثل هذا اليقين بشقيه: أنهم هم المؤمنون، وأن أعداءهم هم الكافرون، وأنهم إنما يحاربونهم على الدين، ولا ينقمون منهم إلا الدين.

стр. 1904

ونقف بعد ذلك أمام الروعة الباهرة لانتصار العقيدة على الحياة وانتصار العزيمة على الألم. وانتصار الإنسان على الشيطان. وهو مشهد بالغ الروعة .. نعترف أننا نعجز عن القول فيه فندعه كما صوره النص القرآني الكريم). ٣ - وبمناسبة قول الملأ من قوم فرعون لفرعون: أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ .. يقول صاحب الظلال: (فالإفساد في الأرض- من وجهة نظرهم- هو الدعوة إلى ربوبية الله وحده حيث يترتب عليها- تلقائيا- بطلان شرعية حكم فرعون ونظامه كله. إذ أن هذا النظام قائم على أساس حاكمية فرعون بأمره- أو بتعبير مرادف على أساس ربوبية فرعون لقومه- وإذن فهو- بزعمهم- الإفساد في الأرض، بقلب نظام الحكم وتغيير الأوضاع القائمة على ربوبية البشر للبشر، وإنشاء وضع آخر مخالف تماما لهذه الأوضاع الربوبية فيه لله لا للبشر. ومن ثم قرنوا الإفساد في الأرض بترك موسى وقومه لفرعون ولآلهته التي يعبدها هو وقومه .. ولقد كان فرعون إنما يستمد هيبته وسلطانه من الديانة التي تعبد فيها هذه الآلهة .. بزعم أنه الابن الحبيب لهذه الآلهة وهي بنوة ليست حسية! فلقد كان الناس يعرفون جيدا أن الفرعون مولود من أب وأم بشرين. إنما كانت بنوة رمزية يستمد منها سلطانه وحاكميته. فإذا عبد موسى وقومه رب العالمين، وتركوا هذه الآلهة التي يعبدها المصريون فمعنى هذا هو تحطيم الأساس الذي يستمد منه فرعون سلطانه الروحي على شعبه المستخف، الذي إنما يطيعه لأنه هو كذلك فاسق عن دين الله الصحيح .. وذلك كما يقول الله سبحانه: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ ... إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ فهذا هو التفسير الصحيح للتاريخ .. وما كان فرعون بقادر على أن يستخف قومه فيطيعوه، لو لم يكونوا فاسقين عن دين الله .. فالمؤمن بالله لا يستخفه الطاغوت ولا يمكن أن يطيع له أمرا وهو يعلم أن هذا الأمر ليس من شرع الله ومن هنا كان يجئ التهديد لنظام حكم فرعون كله بدعوة موسى- ﵇ إلى بِرَبِّ الْعالَمِينَ وإيمان السحرة بهذا الدين وإيمان طائفة من قوم موسى كذلك وعبادتهم لرب العالمين .. ومن هنا يجئ التهديد لكل وضع يقوم على ربوبية البشر للبشر من الدعوة إلى ربوبية الله وحده .. أو من شهادة أن لا إله إلا الله .. حين تؤخذ بمدلولها الجدي الذي كان الناس يدخلون به في الإسلام. ومن هنا كذلك استثارت هذه الكلمات فرعون. وشعر بالخطر الحقيقي على نظامه

стр. 1905

كله فانطلق يعلن عزمه الوحشي البشع: قالَ: سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ: ٤ - وبمناسبة قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ .. قال صاحب الظلال: (إنها إشارة التحذير الأول .. الجدب ونقص الثمرات .. و «السنين» تطلق في اللغة على سني الجدب والشدة والقحط وهي في أرض مصر، المخصبة المثمرة المعطاء تبدو ظاهرة تلفت النظر وتهز القلب، وتثير القلق، وتدعو إلى اليقظة والتفكر لولا أن الطاغوت والذين يستخفهم الطاغوت- بفسقهم عن دين الله فيطيعونه- لا يريدون أن يتدبروا ولا أن يتفكروا، ولا يريدون أن يروا يد الله في جدب الأرض ونقص الثمرات، ولا يريدون أن يتذكروا سنن الله ووعده ووعيده، ولا يريدون أن يعترفوا بأن هناك علاقة وثيقة بين القيم الإيمانية وواقعيات الحياة العملية .. لأن هذه العلاقة من عالم الغيب .. وهم أغلظ حسا وأجهل قلبا من أن يروا وراء الواقع المحسوس الذي تراه البهائم وتحسه- شيئا! وإذا رأوا شيئا من عالم الغيب لم يتفطنوا إلى سنة الله الجارية وفق المشيئة الطليقة، وإنما نسبوه إلى المصادفات العابرة، التي لا علاقة لها بنواميس الوجود الدائرة. وكذلك لم ينتبه آل فرعون إلى اللمسة الموقظة الدالة على رحمة الله بعباده- حتى وهم يكفرون ويفجرون- كانت الوثنية وخرافاتها قد أفسدت فطرتهم وقطعت ما بينهم وبين إدراك النواميس الدقيقة الصحيحة التي تصرف هذا الكون كما تصرف حياة الناس والتي لا يراها ولا يدركها على حقيقتها إلا المؤمنون بالله إيمانا صحيحا ... الذين يدركون أن هذا الوجود لم يخلق سدى ولا يمضي عبثا، إنما تحكمه قوانين صارمة صادقة .. وهذه هي «العقلية العلمية» الحقيقية وهي عقلية لا تنكر «غيب الله» لأنه لا تعارض بين «العلمية» الحقيقية و «الغيبية» ولا تنكر العلاقة بين القيم الإيمانية وواقعيات الحياة لأن وراءها الله الفعال لما يريد الذي يريد من عباده الإيمان وهو يريد منهم الخلافة في الأرض والذي يسن لهم من شريعته ما يتناسق مع القوانين الكونية ليقع التناسق بين حركة قلوبهم وحركتهم في الأرض .. لم ينتبه آل فرعون إلى العلاقة بين كفرهم وفسقهم عن دين الله وبغيهم وظلمهم لعباد الله ... وبين أخذهم بالجدب ونقص الثمرات .. في مصر التي تفيض بالخصب والعطاء ولا تنقص غلتها عن إعالة أهلها إلا لفسوق أهلها وأخذهم بالابتلاء لعلهم يتذكرون!.

стр. 1906

لم ينتبهوا لهذه الظاهرة التي شاءت رحمة الله بعباده أن تبرزها لأعينهم. ولكنهم كانوا إذا أصابتهم الحسنة والرخاء حسبوها حقا طبيعيا لهم وإذا أصابتهم السيئة والجدب نسبوا هذا إلى شؤم موسى ومن معه عليهم. فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا: لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ .. وحين تنحرف الفطرة عن الإيمان بالله، فإنها لا ترى يده- سبحانه- في تصريف هذا الوجود ولا ترى قدره الذي تنشأ به الأشياء والأحداث وعندئذ تفقد إدراكها وحساسيتها بالنواميس الكونية الثابتة النافذة فتفسر الحوادث تفسيرات منفصلة منعزلة لا صلة بينها ولا قاعدة ترابط، وتهيم مع الخرافة في دروب ملتوية متفرقة لا تلتقي عند قاعدة ولا تجتمع وفق نظام- وذلك كالذي قاله خروشوف صاحب الاشتراكية «العلمية» عن معاكسة «الطبيعة» لهم في تعليل نقص الثمرات والغلات- وكما يقول الذين يمضون مع هذه «العلمية» المدعاة في تعليل مثل هذه الأحداث .. وهم ينكرون قدر الله .. وفيهم من يدعي بعد استنكار غيب الله وقدر الله أنه «مسلم» وهو ينكر أصول الإيمان بالله!. وهكذا مضى فرعون وآله يعللون الأحداث .. الحسنة التي تصيبهم هي من حسن حظهم وهم يستحقونها والسيئة التي تصيبهم هي بشؤم موسى ومن معه عليهم ومن تحت رأسهم، وأصل التطير في لغة العرب ما كان الجاهليون في وثنيتهم وشركهم وبعدهم عن إدراك سنن الله وقدره يزاولونه .. فقد كان الرجل منهم إذا أراد أمرا جاء إلى عش طائر فهيجه عنه فإذا طار عن يمينه- وهو السانح- استبشر بذلك ومضى في الأمر الذي يريده. وإذا طار الطائر عن شماله- وهو البارح- تشاءم به ورجع عما عزم عليه! فأبطل الإسلام هذا التفكير الخرافي وأحل محله التفكير «العلمي» - العلمي الصحيح- وأرجع الأمور إلى سنن الله الثابتة في الوجود وإلى قدر الله الذي يحقق هذه السنن في كل مرة تتحقق فيها وأقام الأمور على أسس «علمية» يحسب فيها نية الإنسان وعمله وحركته وجهده وتوضع في موضعها الصحيح، في إطار المشيئة الإلهية الطليقة وقدره النافذ المحيط: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ .. إن ما يقع لهم مصدره كله واحد .. إنه من أمر الله .. ومن هذا المصدر تصيبهم الحسنة للابتلاء وتصيبهم السيئة للابتلاء: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ويصيبهم النكال للجزاء .. ولكن أكثرهم لا يعلمون .. كالذين ينكرون غيب الله وقدره في هذه الأيام باسم «العقلية العلمية» وكالذين ينسبون إلى الطبيعة

стр. 1907

المعاكسة باسم «الاشتراكية العلمية» كذلك!!! وكلهم جهال .. وكلهم لا يعلمون! ويمضي آل فرعون في عتوهم، تأخذهم العزة بالإثم، ويزيدهم الابتلاء شماسا وعنادا: وَقالُوا: مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. فهو الجموح الذي لا تروضه تذكرة ولا يرده برهان، ولا يريد أن ينظر ولا أن يتدبر لأنه يعلن الإصرار على التكذيب قبل أن يواجه البرهان- قطعا للطريق على البرهان- وهي حالة نفسية تصيب المتجبرين حين يدفعهم الحق وتجبههم البينة ويطاردهم الدليل ... بينما هواهم ومصلحتهم وملكهم وسلطانهم .. كله في جانب آخر غير جانب الحق والبينة والدليل.). فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ يذكر النسفي هذه القصة: وعن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف أو رغيفان. وطلب المنصور زيادة لعمرو فلم توجد، فقرأ عمرو هذه الآية. ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك: وقال: قد بقي فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. ٢ - في الإصحاح الثاني عشر في سفر الخروج: وأما إقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر فكانت أربعمائة وثلاثين سنة. ٣ - يذكر المفسرون عند آيات كثيرة من هذا المقطع كلاما منقولا عن أهل الكتاب ليس فيه شئ عن رسولنا ﷺ في الغالب- وبعضه غريب جدا وقد رأينا التفسير الحرفي للمقطع واحتمالاته، ولو رجعنا إلى ما عند أهل الكتاب في هذا الموضع فإننا نجد أن الإصحاحات: الخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر من سفر الخروج لها علاقة في هذا الموضوع ونحن ننقل من هذه الإصحاحات نقولا ونختار منها اختيارات مع احتراساتنا التي نبديها دائما أن هذه الكتب اختلط فيها الحق بالباطل فلا تصلح أساسا للاعتماد بل يصلح بعضها للاستئناس: ففي الإصحاح الخامس: (وبعد ذلك دخل موسى وهارون وقالا لفرعون هكذا يقول الرب إله إسرائيل أطلق شعبي ليعبدوا لي في البرية (قالوا) أي بنو إسرائيل (لهما) لموسى وهارون أنتما انتنتما رائحتنا في عيني فرعون وفي عيون عبيده حتى تعطيا سيفا في

стр. 1908

أيديهم ليقتلونا). وفي الإصحاح السادس: (أنا الرب وأنا أخرجكم من تحت أثقال المصريين وأنقذكم من عبوديتهم وأخلصكم بذراع ممدودة وبأحكام عظيمة ... وأدخلكم إلى الأرض التي رفعت يدي أن أعطيها لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وأعطيكم إياها ميراثا أنا الرب ... ) وفي الإصحاح السابع: (فدخل موسى وهارون إلى فرعون، وفعلا هكذا كما أمر الرب. طرح هارون عصاه أمام فرعون وأمام عبيده فصارت ثعبانا. فدعا فرعون أيضا الحكماء والسحرة. ففعل عرافو مصر أيضا بسحرهم كذلك طرحوا كل واحد عصاه فصارت العصي ثعابين. ولكن عصا هارون ابتلعت عصيهم، فاشتد قلب فرعون فلم يسمع لهما كما تكلم الرب). لاحظ أن الطارح في النص هو هارون وهو كذب وافتراء ويتناقض مع عامة الروايات والتصرفات في الإصحاحات نفسها فضلا عن تناقضه مع الوحي الصادق. (ففعل هكذا موسى وهارون كما أمر الرب. رفع العصا وضرب الماء الذي في النهر أمام عيني فرعون وأمام عيون عبيده. فتحول كل الماء الذي في النهر دما، ومات السمك الذي في النهر وأنتن النهر. فلم يقدر المصريون أن يشربوا ماء من النهر. وكان الدم في كل أرض مصر) ... (وحفر جميع المصريين حوالي النهر لأجل ماء ليشربوا. لأنهم لم يقدروا أن يشربوا من ماء النهر). وفي الإصحاح الثامن: (ولما كملت سبعة أيام بعد ما ضرب الرب النهر قال الرب لموسى: ادخل إلى فرعون وقل له هكذا يقول الرب أطلق شعبي ليعبدوني. وإن كنت تأبى أن تطلقهم منها أنا أضرب جميع تخومك بالضفادع فيفيض النهر ضفادع. فتصعد وتدخل إلى بيتك وإلى مخدع فراشك وعلى سريرك وإلى بيوت عبيدك وعلى شعبك وإلى تنانيرك وإلى معاجنك. عليك وعلى شعبك وعبيدك تصدع الضفادع). (فدعا فرعون موسى وهارون وقال صليا إلى الرب ليرفع الضفادع عني وعن الشعب ليذبحوا للرب). (ثم خرج موسى وهارون من لدن فرعون وصرخ موسى إلى الرب من أجل الضفادع التي جعلها على فرعون. ففعل الرب كقول موسى. فماتت الضفادع من البيوت والدور والحقول. وجمعوها كوما كثيرة حتى أنتنت الأرض. فلما رأى فرعون

стр. 1909

أنه قد حصل الفرج أغلظ قلبه ولم يسمع لهما كما تكلم الرب). (وضرب تراب الأرض فصار البعوض على الناس وعلى البهائم. كل تراب الأرض صار بعوضا في جميع أرض مصر). (وقل له هكذا يقول الرب أطلق شعبي ليعبدوني فإنه إن كنت لا تطلق شعبي ها أنا أرسل عليك وعلى عبيدك وعلى شعبك وعلى بيوتك الذبان فتمتلئ بيوت المصريين ذبانا. وأيضا الأرض التي هم عليها. ولكن أميز في ذلك اليوم أرض جاسان حيث شعبي مقيم حتى لا يكون هناك ذبان. لكي تعلم أني أنا الرب في الأرض. وأجعل فرقا بين شعبي وشعبك. غدا تكون هذه الآية. ففعل الرب هكذا فدخلت ذبان كثيرة إلى بيت فرعون وبيوت عبيده. وفي كل أرض مصر خربت الأرض من الذبان). (فقال فرعون أنا أطلقكم لتذبحوا للرب إلهكم في البرية. ولكن لا تذهبوا بعيدا. صليا لأجلي. فقال: موسى ها أنا أخرج من لدنك وأصلي إلى الرب. فترتفع الذبان عن فرعون وعبيده وشعبه غدا. ولكن لا يعد فرعون يخاتل حتى لا يطلق الشعب ليذبح للرب. فخرج موسى من لدن فرعون وصلى إلى الرب. ففعل الرب كقول موسى. فارتفع الذبان عن فرعون وعبيده وشعبه. لم تبق واحدة ولكن أغلظ فرعون قلبه هذه المرة أيضا فلم يطلق الشعب). وفي الإصحاح التاسع: (ثم قال الرب لموسى ادخل إلى فرعون وقل له هكذا يقول الرب إله العبرانيين أطلق شعبي ليعبدوني فإنه إن كنت تأبى أن تطلقهم وكنت تمسكهم بعد فها يد الرب تكون على مواشيك التي في الحقل على الخيل والحمير والجمال والبقر والغنم وباء ثقيلا جدا. ويميز الرب بين مواشي إسرائيل ومواشي المصريين فلا يموت من كل ما لبني إسرائيل شئ. وعين الرب وقتا قائلا غدا يفعل الرب هذا الأمر في الأرض. ففعل الرب هذا الأمر في الغد. فماتت جميع مواشي المصريين. وأما مواشي بني إسرائيل فلم يمت منها أحدا وأرسل فرعون وإذا مواشي إسرائيل لم يمت منها ولا واحد. ولكن غلظ قلب فرعون فلم يطلق الشعب). (ثم قال الرب لموسى وهارون خذا ملء أيديكما من رماد الأتون. وليذره موسى نحو السماء أمام عيني فرعون ليصير غبارا على كل أرض مصر فيصير على الناس وعلى البهائم دمامل طالعة ببثور في كل أرض مصر. فأخذا رماد الأتون ووقفا أمام فرعون وذراه موسى نحو السماء. فصار دمامل بثور طالعة في الناس وفي البهائم).

стр. 1910

(وها أنا غدا مثل الآن أمطر بردا عظيما جدا، لم يكن مثله في مصر منذ يوم تأسيسها إلى الآن، فالآن أرسل أهم مواشيك وكل مالك في الحقل. جميع الناس والبهائم الذين يوجدون في الحقل ولا يجمعون إلى البيوت ينزل عليهم البرد فيموتون. فالذي خاف كلمة الرب من عبيد فرعون هرب بعبيده ومواشيه إلى البيت. وأما الذي لم يوجه قلبه إلى كلمة الرب فترك عبيده ومواشيه في الحقل. ثم قال الرب لموسى مد يدك نحو السماء ليكون برد في كل أرض مصر على الناس وعلى البهائم وعلى كل عشب الحقل في أرض مصر. فمد موسى عصاه نحو السماء. فأعطى الرب رعودا وبردا وجرت نار على الأرض وأمطر الرب بردا على أرض مصر. فكان برد ونار متواصلة في وسط البرد، شئ عظيم جدا لم يكن مثله في كل أرض مصر منذ صارت أمة. فضرب البرد في كل أرض مصر جميع ما في الحقل من الناس والبهائم. وضرب البرد جميع عشب الحقل وكسر جميع شجر الحقل إلا أرض جاسان حيث كان بنو إسرائيل فلم يكن فيها برد. فأرسل فرعون ودعا موسى وهارون فقال لهما أخطأت في هذه المرة. الرب هو البار وأنا وشعبي الأشرار. صليا إلى الرب وكفى حدوث رعود الله والبرد فأطلقكم ولا تعودون تلبثون. فقال له موسى عند خروجي في المدينة أبسط يدي إلى الرب فتنقطع الرعود ولا يكون البرد أيضا لكي تعرف أن للرب الأرض. وأما أنت وعبيدك فأنا أعلم أنكم لم تخشوا بعد من الرب الإله. فالكتان والشعير ضربا. لأن الشعير كان مسبلا والكتان مبزرا وأما الحنطة والقطاني فلم تضرب لأنها كانت متأخرة. فخرج موسى في المدينة من لدن فرعون وبسط يديه إلى الرب فانقطعت الرعود والبرق ولم ينصب المطر على الأرض. ولكن فرعون لما رأى أن المطر والبرد والرعود انقطعت عاد يخطئ وأغلظ قلبه هو وعبيده فاشتد قلب فرعون فلم يطلق بني إسرائيل كما تكلم الرب عن يد موسى). وفي الإصحاح العاشر: (فدخل موسى وهارون وقالا له هكذا يقول الرب إله العبرانيين إلى متى تأبى أن تخضع لي أطلق شعبي ليعبدوني. فإنه إن كنت تأبى أن تطلق شعبي ها أنا أفاجئ غدا بجراد على تخومك فيغطي وجه الأرض حتى لا يستطاع نظر الأرض. ويأكل الفضلة السالمة الباقية لكم من البرد. ويأكل جميع الشجر النابت لكم في الحقل ويملأ بيوتك وبيوت جميع عبيدك وبيوت جميع المصريين. الأمر الذي لم يره آباؤك ولا آباء آبائك منذ يوم وجدوا على الأرض إلى هذا اليوم. ثم تحول وخرج من لدن فرعون).

стр. 1911

(ثم قال الرب لموسى مد يدك على أرض مصر لأجل الجراد. ليصعد على أرض مصر ويأكل كل عشب الأرض كل ما تركه البرد. فمد موسى عصاه على أرض مصر. فجلب الرب على الأرض ريحا شرقية كل ذلك النهار وكل الليل ولما كان الصباح حملت الريح الشرقية الجراد. فصعد الجراد على كل أرض مصر وحل في جميع تخوم مصر شئ ثقيل جدا لم يكن قبله جراد هكذا مثله ولا يكون بعده كذلك وغطى وجه كل الأرض حتى أظلمت الأرض. وأكل جميع عشب الأرض وجميع ثمر الشجر الذي تركه البرد. حتى لم يبق شئ أخضر في الشجر ولا في عشب الحقل في كل أرض مصر. فدعا فرعون موسى وهارون مسرعا وقال أخطأت إلى الرب إلهكما وإليكما. والآن اصفحا عني خطيئتي هذه المرة فقط. وصليا إلى الرب إلهكما ليرفع عني هذا الموت فقط فخرج موسى من لدن فرعون وصلى إلى الرب فرد الرب ريحا غربية شديدة جدا. فحملت الجراد وطرحته إلى بحر سوف. لم تبق جرادة واحدة في كل تخوم مصر. ولكن شدد الرب قلب فرعون فلم يطلق بني إسرائيل). (ثم قال الرب لموسى مد يدك نحو السماء ليكون ظلام على أرض مصر. حتى يلمس الظلام. فمد موسى يده نحو السماء فكان ظلام دامس في كل أرض مصر ثلاثة أيام. لم يبصر أحد أخاه ولا قام أحد من مكانه ثلاثة أيام. ولكن جميع بني إسرائيل كان لهم نور في مساكنهم). وفي الإصحاح الحادي عشر: (قال موسى هكذا يقول الرب إني نحو نصف الليل أخرج في وسط مصر. فيموت كل بكر في أرض مصر من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الجارية التي خلف الرحى، وكل بكر بهيمة. ويكون صراخ عظيم في كل أرض مصر لم يكن مثله ولا يكون مثله أيضا). وفي الإصحاح الرابع عشر: (فدفع الرب المصريين في وسط البحر. فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل وراءهم في البحر. لم يبق منهم ولا واحدة. وأما بنو إسرائيل فمشوا على اليابسة في وسط البحر والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم. فخلص الرب في ذلك اليوم إسرائيل من يد المصريين. ونظر إسرائيل المصريين أمواتا على شاطئ البحر).

стр. 1912

ملاحظات على هذه النقول: ١ - لاحظنا في الآيات القرآنية أن الله أخذ آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات وقد رأينا فيما نقلناه من نصوص سفر الخروج تسليط البرد والجراد، ورأينا هلاك الماشية والزروع والثمار، فهل المراد بالنص القرآني هذا المذكور في سفر الخروج، أو المراد معنى أوسع لم يذكر؟ ليس عندنا نص عن رسولنا ﷺ في هذا الموضوع فالمسألة تحتمل وتحتمل. ٢ - لاحظنا أن الله ذكر في القرآن أنه أرسل على فرعون وقومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع وقد رأينا فيما نقلناه موضوع الجراد والضفادع، أما الطوفان فقد رأينا البرد والمطر الكثير الذي لم يسبق أن نزل في مصر فهل هو الطوفان المذكور في القرآن؟ لاحظنا بأن كلام علماء التفسير أن الطوفان هنا يحتمل أن يكون الطاعون، ويحتمل أن يكون الموت، وقد رأينا أنه قد سلط على المصريين موت البكور، والبرد، والمطر، والطاعون، فهل هذه كلها دخلت تحت كلمة الطوفان ويكون المراد بالطوفان معناه اللغوي، وهو كل ما طاف وأحاط، هذا محتمل وعلى هذا الاحتمال تكون آية الظلام- في حالة صحة وقوعها- داخلة في هذا المعنى. ولاحظنا أن المفسرين مختلفون في تفسير القمل في الآية هل هو صغار الجراد أو هو صغار القراد، وقد لاحظنا أنه قد ذكر في سفر الخروج تسليط البعوض والذباب ولم يذكر سفر الخروج كيف رفع البعوض، ولكنهم ذكروا كيف رفع الذباب فهل الآية واحدة عبروا عنها مرة بلفظ البعوض ومرة بلفظ الذبان، والملاحظ أنه أثناء الكلام عن البعوض قال السفر (وكان البعوض على الناس وعلى البهائم) فهل المراد بالقمل المذكور في القرآن هو البعوض والذبان أو هل المترجمون توسعوا في الترجمة. أو ليس المراد هذا أو هذا، والمراد شئ آخر وكتبة هذه الأسفار أخطئوا في النقل؟ ولولا أن المفسرين المسلمين ذكروا أكثر من معنى لكلمة القمل، ولولا أن اللغة العربية تحتمل، ما توقفنا في تحديد موقف مما ذكره سفر الخروج لأن الخلل واضح في كثير من مواطن هذا السفر وأظهر ما ترى الخلل في الإصحاحات التي نقلناها عند ما يتحدث عن موقف العرافين من الآيات التي يظهرها الله على يد موسى: فمثلا: أثناء الكلام عن آية الدم يقول الإصحاح السابع: (وفعل عرافو مصر كذلك بسحرهم)، فهل فعلوا مثل آية الدم، أو أنهم عجزوا- كما هو العادة- في

стр. 1913

عدم مقابلة السحر للمعجزة؟ وفي الإصحاح الثامن يقول السفر أثناء الكلام عن آية البعوض (وفعل كذلك العرافون بسحرهم ليخرجوا البعوض فلم يستطيعوا) فههنا نجد نفس التعبير السابق مع زيادة (ليخرجوا البعوض فلم يستطيعوا) ولا شك أن منطق المسألة أن يكون المذكور الأخير هو نفسه الذي حدث أولا فلماذا كان التعبير قاصرا؟ لا شك أنه الخلل. وقد كررنا أكثر من مرة: أننا لا نعطي الثقة لنقلة هذه الأسفار ولا لطريقة وصولها إلينا وبعد هذا الذي نقلناه. نقول: إنه يمكن أن يدخل في تعبير القمل البعوض والذباب. فهذه ست آيات أو سبع، ثم الضفادع والدم والجراد، فمجموع هذه الآيات التي ذكرت في سفر الخروج قد استوعبها النص القرآني بكلماته القليلة، وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن الذي أحاطت كلماته بكل شئ، واستوعبت كل شئ بمثل هذا البيان والتفصيل، وهذا العدد المحدود من الكلمات. ٣ - نحن لم نعتبر ولا نعتبر أن شيئا من كتب أهل الكتاب صالحا لأن يفسر به كتاب الله إلا حيث يحتمل اللفظ القرآني ذلك فعندئذ يستأنس به استئناسا. ومن ثم لم نعتبر كلام سفر الخروج الذي نقلناه مفسرا لكتاب الله؛ والسر في ذلك يعود إلى عدم ثقتنا- كما قلنا- بنقلة هذه الأسفار، ولا بطريقة نقلها، وعدم الثقة هذا دليلنا فيه واضح حتى من هذه الأسفار ولنأت بشيء من هذا الدليل وهو موضوع سنطرقه فيما بعد: إن الأسفار الخمسة الأولى في العهد القديم يسمونها التوراة، والمفروض أن تكون التوراة منقولة نقلا صحيحا ومتواترا، ومميزة عن غيرها، فاقرأ معي هذا النص في آخر صفحة من صفحات هذه التي يسمونها التوراة في الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر التثنية: (فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب، ودفن في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم). ماذا نستطيع أن نستنتجه من هذا النص؟. ١ - أن هذا النص ليس من التوراة لأن التوراة نزلت على موسى قبل وفاته فوجود هذا النص يدل حتما على أن هذه الأسفار ليست هي التوراة بل التوراة جزء منها. ٢ - أن هذه الأسفار كتبت بعد أزمان متطاولة إذ كاتبها يقول: (ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم، أي يوم؟ اليوم الذي جمع فيه جامع هذه الأسفار أسفاره وحتما

стр. 1914

كان ذلك اليوم متأخرا جدا، إذ الجيل الأول المعاصر لموسى ما كان لينسى قبر موسى، ولا مكانه، ولا الجيل الثاني ولا الثالث. فمتى كانت هذه الكتابة لهذه الأسفار؟ حتما بعد المئات الكثيرة من السنين كما سنرى ومن الروايات الشفهية، فكتب هذا شأنها لا تصلح أن تكون حاكمة على الكتاب الذي أنزله الله رب العالمين، العليم بكل شئ، المحيط بكل شئ. وإذا كان الأمر كذلك فإننا سنحتاط في النقل عنه ونحترس ولولا أن المفسرين القدامى ملئوا كتبهم بما مرجعه كتب أهل الكتاب، والقصاصون زادوا واختلقوا من عند أنفسهم الكثير، ولولا أن رسول الله ﷺ سمح لنا بالتحديث عن أهل الكتاب ما تجشمنا مشقة البحث في هذه الكتب ولكنا بين أمرين: إما أن ننقل عن الأصل مباشرة أو نسكت، وسكوننا لا يلغي ما كتبه المفسرون، ورجوعنا إلى الأصل يعرف القارئ على أصل ما نقله المفسرون، نفعل هذا مع التذكير بالقيمة الحقيقية لهذه النقول. ونحب هنا أن نذكر بأن ما ذكره القرآن هو الحكم الفصل في كل قضية من القضايا التي تحدث عنها في أمر الزمان والمكان والخلق والتاريخ، والاجتماع والسياسة وغير ذلك، فإذا استقر هذا نقول: إن المقطع الذي مر معنا وهو جزء من سورة الأعراف ذات المحور الذي بين فرضية اتباع الهدى المنزل وعاقبة ذلك سلبا أو إيجابيا، هذا المقطع عرض لقصة فرعون مع موسى، وكيف كان موقفه من الهدى المنزل، وعاقبة ذلك بما هو الحكم الفصل في كل قضية تعرض لها والقلب المؤمن والمستضعفون، وحملة الحق، يعطيهم هذا السياق نفحات لا تنتهي، وكون المقطع مرتبطا بمحور السورة وضمن سياقها العام لا يحتاج إلى إيضاح، ولذلك فإننا لا نحتاج أن نقف عند ذلك. ***

стр. 1915

المقطع الثالث من القسم الثاني انصب الكلام في المقطع الثاني على المجابهة بين موسى وفرعون، وعلى عاقبة فرعون وقومه بما خالفوا أمر الله ورسله، وينصب الكلام في هذا المقطع عن بني إسرائيل في حياة موسى. فههنا أمة استجابت لدعوة الله. فما هي الأخطاء الكبرى التي وقعت بها وكيف قوم موسى ﵊ هذه الأخطاء؟. وهاهنا أمة فعل الله من أجلها ما فعل فكيف كان موقفها من هدى الله الذي أنزل عليها؟. وهاهنا أمة بعث لها رسول واستجابت لهذا الرسول ومع ذلك والرسول لا زال بين الأظهر، يتسلل الشرك مرة بعد مرة إليها، والمقطع ينتهي بإعلام بني إسرائيل بأن أعلام الرسالة ستنتقل منهم إلى أمة أخرى، ومن ثم يأمر الله رسوله ﷺ بأن يعلن في ختام المقطع عن رسالته إلى الناس جميعا. هذا المقطع يمتد من الآية (١٣٨) إلى نهاية الآية (١٥٩) وهذا هو: [سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٨ الى ١٥٩] وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)

стр. 1916

كلمة في السياق: يأتي هذا المقطع ليحدثنا عن الأمة التي فعل الله من أجلها ما فعل، كيف كان موقفها من الهدى المنزل إليها، وإذ كان السياق عن بني إسرائيل في هذا المقطع قد انتهى بالبشارة بالنبي الأمي ﵊ فإن السياق يتوجه لرسول الله ﷺ من أجل أن يعلن أنه رسول الله إلى الناس جميعا، وبعد هذا الإعلان يعود السياق إلى الكلام عن بني إسرائيل، وإذ قد أرانا السياق في المقطع مظاهر من مواقفهم الظالمة فإن الآية الأخيرة تذكر أن هناك من بني إسرائيل أمة يهدون بالحق وبه يعدلون حتى لا يفهم فاهم أن كل بني إسرائيل كانوا على وتيرة واحدة، وليعرف العارفون أن من أجل أمثال هؤلاء يفعل الله الكثير ويعطي الكثير. قال صاحب الظلال بين يدي هذا الدرس وامتداداته: (في هذا الدرس تمضي قصة موسى- ﵇ في حلقة أخرى .. مع قومه بني إسرائيل، بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم، وأغرق فرعون وملأه، ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون .. إن موسى ﵇ لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه، فقد انتهت المعركة مع الطاغوت .. ولكنه يواجه معركة أخرى- لعلها أشد وأقسى وأطول أمدا- إنه يواجه المعركة مع «النفس البشرية» يواجهها مع رواسب

стр. 1917

الجاهلية في هذه النفس، ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل، وملأها بالالتواء من ناحية وبالقسوة من ناحية، وبالجبن من ناحية، وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعا. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل، والخضوع للطغيان طويلا، ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء. ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلا، عاشوا في ظل الإرهاب وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال. وفسدت نفوسهم، وفسدت طبيعتهم، والتوت فطرتهم وانحرفت تصوراتهم، وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر .. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلا للإرهاب والطغيان .. لقد كان عمر بن الخطاب- ﵁ ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها، وهو يقول لعماله على الأمصار موصيا لهم بالناس: «ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم» .. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء، وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيدا للحكام. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله .. ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني .. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر .. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص- فاتح مصر وحاكمها المسلم- ظهر ابن قبطي من أهل مصر- لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال- غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه. من ابن فاتح مصر وحاكمها وسافر شهرا على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب- الخليفة المسلم- هذا السوط الواحد الذي نال ابنه، وكان هو يصبر على السياط منذ

стр. 1918

سنوات قلائل في عهد الرومان. وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر وللنفوس في كل مكان- حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام- كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم، وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح. عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى ﵇ في هذه الحلقة- بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر- وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل، وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية، وتواجه موسى ﵇ بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على مر الزمن الطويل. وسنرى من خلال متاعب موسى ﵇ متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوسا طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه. إن جهد صاحب الدعوة- في مثل هذه الحال- لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفا كذلك .. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقل الطبائع وتفاهة الاهتمامات، ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة. ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة- لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل- وإن فيها زادا لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل». المعنى العام: يبدأ المقطع بالإخبار عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى ﵇ حين جاوزوا البحر وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا، عند ما مروا على عباد أصنام إذ طلبوا من موسى أن يجعل لهم أصناما يعبدونها كما يعبد هؤلاء أصنامهم، فرد عليهم

стр. 1919

واصفا إياهم بالجهل. وأي جهل أفظع من الجهل بعظمة الله وجلاله، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل. ثم بين لهم أن هذا الذي عليه هؤلاء هالك وعملهم باطل. ثم ذكرهم موسى بنعم الله عليهم من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره، وما كانوا فيه من الهوان والذلة، وما صاروا إليه من العزة والاستعلاء على عدوهم، والنظر إليه في حال هوانه وهلاكه وغرقه ودماره. وما أكرمهم به من تفضيل على عالمي زمانهم، فكيف يطلب لهم ربا غير الله، وقد فعل لهم كل هذا؟ ذكرهم بأقرب الأشياء إليهم لأنها أقرب الحجج عليهم. وإلا فمثل موسى لا يطلب ربا سوى الله، ولا يدعوهم إلى رب سوى الله. فضلهم أو لم يفضلهم. أنجاهم من ظلم فرعون. أو أبقاهم. فله الأمر من قبل ومن بعد. ومن بداية المقطع نشعر كيف يتسرب الانحراف، وكيف يبدأ وكيف يكون. فها هي أمة ترى المعجزات التي رأتها، ومع ذلك فإنها تطلب أن يكون لها أصنام تعبدها من دون الله. ورسولها بين أظهرها، وأرجلها لم تكد تجاوز البحر الذي رأت في سيرها فيه وانشقاقه لها أعظم معجزة. ثم يقص الله علينا ما أتم به النعمة على موسى وقومه، إذ أنزل عليهم الألواح في خلوة موسى مع ربه على الطور. وماذا فعلوه من الانحراف الجديد خلال غيبته. فذكر تعالى ممتنا على بني إسرائيل بما حصل لهم من الهداية، بتكليمه موسى ﵇، وإعطائه الألواح، وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم. فذكر أنه واعد موسى ثلاثين ليلة. ثم أمره تعالى أن يكمل بعشر أربعين. فلما عزم موسى على الذهاب إلى الطور، استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون، ووصاه بالإصلاح وعدم الإفساد، من باب تحقيق التواصي، وإلا فإن هارون رسول ونبي شأنه الإصلاح وعدم الإفساد. فلما جاء موسى لميقات الله وحصل له التكليم من الله، سأل الله تعالى أن ينظر إليه. فبين الله له أنه لا يمكن أن يراه في الدنيا، وعوضه عن الرؤية بأن أمره أن ينظر إلى الجبل فإذا رأى الجبل مستقرا عند تجلي الله على الجبل فعندئذ يمكن أن يراه، فلما تجلى الله للجبل ساخ الجبل وانهد، وخر موسى مغشيا عليه من هول ما رأى، فلما أفاق من صعقه بدأ يسبح الله وينزهه، والتسبيح في هذا المقام يفيد تنزيه الله عن أن يراه أحد في الدنيا. ثم ثنى بالتوبة مما سأل. وثلث بالإعلان عن نفسه أنه أول المؤمنين من قومه، أو أول المؤمنين بأنه لا يرى الله أحد من خلقه. فقال الله لموسى في هذا المقام مذكرا إياه بنعمه عليه إذ اصطفاه على أهل زمانه برسالاته تعالى وبكلامه، آمرا إياه أن يأخذ ما آتاه الله من الكلام والوحي والمناجاة، وأن يكون من الشاكرين على ذلك، وألا يطلب ما

стр. 1920

لا طاقة له به. ثم أخبر تعالى بعد أن أمره بأخذ ما آتاه بأنه قد أعطاه الألواح التي كتب له فيها من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ. وهناك اتجاهان للمفسرين المسلمين في هذه الألواح: الاتجاه الأول الذي يقول: إن هذه الألواح هي التوراة. فالتوراة متضمنة فيها، والاتجاه الثاني: أن الألواح أوتيها موسى قبل التوراة، وعلى كل فإنها كانت كالتعويض له عما سأله من الرؤية ومنع منه. وبعد أن أعطاه إياها أمره أن يأخذها بعزم على الطاعة، فيأخذ نفسه بأشد ما يأمر به قومه. وأمره أن يأمر قومه أن يعملوا بها. وبعد ذلك قال له: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ التي تحتمل وعيدا، كما يقول الواعظ لمن يخاطبه: سأريك غدا إلى ما يصير إليه حال من خالف أمري، على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره. فيكون المعنى: سترون عاقبة من خالف أمري، وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب. وتحتمل أن تكون وعدا بإعطائهم أرض الشام وهو أقوى ما تحمل عليه الآية. ثم بين الله سنته في أنه يحول بين قلوب أهل الكبر وبين آياته فلا يرونها، بأن يمنع قلوب هؤلاء أن تفهم الحجج، والأدلة الدالة على عظمته وشريعته وأحكامه؛ بسبب كبرهم عن طاعة الله وتكبرهم على الناس بغير حق. فبسبب ذلك يعاقب الله هؤلاء بصرفهم عن فهم أسراره حتى إنهم لو رأوا كل آية لا يؤمنون، وإن يظهر لهم سبيل الرشد- سبيل النجاة- لا يسلكونها. وإن ظهر لهم طريق الهلاك والضلال يتخذوه سبيلا. تلك سنته تعالى في المتكبرين في كل عصر ومصر أن يصرفهم عن رؤية آياته. وما ذلك إلا بسبب تكذيبهم لهذه الآيات وغفلتهم عنها، ثم بين تعالى جزاء من كذب بآياته واستمر على ذلك حتى الممات، كيف أن الله يحبط عمله وذلك جزاؤه على ما أسلفه من كفر. وبينما موسى ﵇ يتلقى هداية ربه ويناجيه، كان قومه يسيرون في طريق الكفر. ومن ثم أخبرنا الله في هذا السياق عما فعلوه في حال غيبته، إذ أخبرنا عن ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري من حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلا بالغا حد الروعة في الصنعة، حتى إنه ليصوت إذا دخلت فيه الريح كالبقر فافتتنوا به، ورقصوا حوله، وجعلوه إلها، ذاهلين عن خالق السموات والأرض، ورب كل شئ ومليكه، بأن عبدوا معه عجلا جسدا له خوار لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولكن غطى على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال وقد أدركوا فيما بعد عظيم خطئهم، وندموا على ما فعلوا، وعرفوا أنه

стр. 1921

إن لم يتداركهم الله برحمته ومغفرته فإنهم سيكونون من الهالكين. ثم قص الله علينا ما كان من موسى مع قومه عند ما رجع إليهم، فأخبرنا تعالى أنه رجع إلى قومه وهو في أشد حالات الغضب، فلما قابلهم خاطبهم بأنه بئس ما صنعتم في عبادتكم العجل بعد أن ذهبت وتركتكم، ثم أنكر عليهم استبطاءهم له، واستعجالهم مجيئه، وهو في أمر الله وقدره، فسارعوا إلى ارتكاب ما ارتكبوه، ولم ينتظروا موسى، ثم أخبرنا تعالى كيف أنه حمي الغضب بموسى لما رأى ما رأى منهم؛ فألقى الألواح التي أعطاه الله إياها، وأخذ برأس أخيه هارون يجره إليه، خوفا أن يكون قد قصر في نهيهم، فاعتذر هارون وخاطبه بأرق الخطاب، ألا يسوقه مساقهم، ولا يخلطه معهم، وأنه ما قصر في نصحهم، وإنما أخر مفارقتهم حتى عودة موسى، فلما علم موسى عدم تقصير أخيه استغفر لنفسه واستغفر لأخيه، وسأل الله أن يدخله وأخاه في رحمته، مثنيا على الله بأنه أرحم الراحمين. ثم بين لقومه أن الذين عبدوا العجل منهم سيصيبهم غضب من الله، وذلة في الحياة الدنيا، وذلك جزاء من يفتري على الله. ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان، حتى لو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق، فإنه تعالى من بعد الفعل والتوبة غفور رحيم. ولكن الذنب لا يمر بلا نوع عقوبة، ومن ثم فقد عوقب من عبد العجل بأن أمرهم الله أن يقتل بعضهم بعضا. كما مر في سورة البقرة، وعاقبهم بذلة قريبة وهم في الصحراء في أكثر من موطن. ثم أخبر تعالى أن موسى قد اختار من قومه سبعين رجلا ليعتذروا عن عبادة العجل ويدعوه فأخذتهم الرجفة، فأخذ موسى يستغيث الله، ألا يهلكهم بذنوب السفهاء، داعيا الله أن يرحم ويغفر وأن يعطي، سأله دفع المحذور، ثم سأله العطاء في الدنيا والآخرة له ولقومه، معلنا توبته وتوبة قومه، وفي هذا المقام بين الله لموسى سنته وطلاقة مشيئته بتعذيب من يشاء، ورحمة من يشاء، وبين له سعة رحمته، وأنه خص أمة محمد ﷺ بالخصوصيات العظمى والرحمة التامة، بما اجتمع لهم من التقوى، وإيتاء الزكاة، والإيمان، واتباع رسولهم النبي الأمي الذي سجل صفته في التوراة والإنجيل، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، محلا للطيبات، محرما للخبائث، آتيا بالحنيفية السمحة، وبالدين اليسر، يرفع فيه عن الأمم أثقالها وأغلالها، ثم بين تعالى أن من آمن بهذا الرسول، وعظمه، ووقره، واتبع الوحي الذي أنزله معه فهو المفلح، والتبشير بمحمد ﷺ في هذا المقام الذي ظهرت به إساءة بني إسرائيل وانحرافهم بعبادة العجل

стр. 1922

فيه من الحكمة ما فيه، وفيه وضع الأساس للمستقبل في امتحان بني إسرائيل باتباع وحي الله، سواء نزل على رسول منهم أو من غيرهم. وفي هذا المقطع بيان لموقف أمة موسى من التوحيد وعبادة الله، وهو ما طالب به كل رسول قومه وكيف أنهم انحرفوا أول مرة بالمطالبة باعتماد الشرك، ثم انحرفوا ثانيا بممارسة الشرك. فالمقطع قرر كيف كان موقف أمة من الهدى المنزل عليها، وكيف عالج رسولها هذا الانحراف أول مرة وثاني مرة. وخلال ذلك أخبرنا الله بما أنزل من هدى على موسى. وبما بشر به بأنه سينزله على محمد ﷺ ، وكيف أن ما أنزله واجب الاتباع، كما بين لنا بعض سننه في الهداية والإضلال، والعقوبة والمكافأة، كما عرفنا على ذاته بمزيد من المعرفة، وكل ذلك سائر على سنن السورة ومحورها العام، وسنرى في المعنى الحرفي والفوائد والنقول التي سننقلها من أسفار موسى من كتب العهد القديم والملاحظات عليها، والكلمة الأخيرة في السياق، ما يزيدنا تعرفا على هذا المقطع وصلته بالسياق العام. وبعد أن استقر المقطع على التبشير بالرسالة الخاتمة، والأمة الأخيرة، والدعوة الكاملة. أمر الله رسوله ﷺ ، صاحب هذه الرسالة، وإمام هذه الأمة، وقائد هذه الدعوة، أن يعلن للناس، أحمرهم وأسودهم، وعربهم وعجمهم، أنه رسول الله إليهم جميعا. الله مالك السموات والأرض. الإله الأوحد، الذي بيده الحياة والموت. وإذا كان الأمر كذلك فإن الله يأمرهم باتباعه والإيمان به. كيف وهو النبي الأمي الذي وعدوا به، وبشروا في الكتب المتقدمة، فإنه منعوت بذلك في كتبهم. هذا النبي الذي يصدق قوله عمله، وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه. فاسلكوا طريقه أيها الناس، واقتفوا أثره لعلكم تهتدون إلى الصراط المستقيم. وإذ كان اليهود هم أصحاب الكتاب الأول، وهم الذين بشر الله في كتابهم برسول هذه الأمة، فهم مدعوون للدخول بهذا الدين. ومن ثم اتجه السياق للكلام عنهم. فبين تعالى أن بني إسرائيل طائفتان: طائفة منهم عندها استعداد للحق وقبوله واتباعه والعمل به، ويفهم من ذلك، أن الطائفة الأخرى وهي الأكبر والأعظم ليست كذلك. ومجئ هذه الآية في نهاية المقطع يشير إلى شئ آخر، وهو أن بني إسرائيل الذين مر معنا شئ عن انحرافاتهم لم ينحرفوا جميعا. ولم يكونوا على سواء. المعنى الحرفي: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ أي فمروا بهم. يَعْكُفُونَ عَلى

стр. 1923

أَصْنامٍ لَهُمْ أي يواظبون على عبادتها قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً أي صنما نعكف عليه كَما لَهُمْ آلِهَةٌ أي أصنام يعكفون عليها. قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لما كان هذا عجيبا منهم بعد ما رأوا من الآيات العظمى، وصفهم بالجهل المطلق وأكده إِنَّ هؤُلاءِ أي: عبدة تلك التماثيل مُتَبَّرٌ أي مهلك من التبار ما هُمْ فِيهِ أي ما هم فيه هالك ومهدوم وأنا أول من يريد إهلاكه فكيف أقلدهم فيه وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي ما عملوه من عبادة الأصنام باطل مضمحل قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً أي أغير المستحق للعبادة أطلب لكم معبودا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ أي على عالمي زمانهم وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أي واذكروا إنجاء الله إياكم من فرعون وقومه فكيف تشركون معه غيره يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ أي يبغونكم شدة العذاب من سام السلعة إذا طلبها يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ أي: في الإنجاء أو في العذاب بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ أي نعمة أو محنة، لأن كلمة بلاء من أسماء الأضداد، فإذا أعدنا الإشارة على الإنجاء كان المراد بها النعمة، وإذا أعدناها على العذاب كان المراد بها المحنة. فوائد: ١ - روى الإمام أحمد عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين فمررنا بسدرة فقلت: يا نبي الله اجعل لنا هذه ذات أنواط، كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون (أي يعلقون) سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها. فقال النبي ﷺ : «الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إنكم تركبون سنن من قبلكم». ٢ - وبمناسبة هذه الآية يذكر النسفي أن يهوديا قال لعلي ﵁: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه (يظهر أن المراد ماء القبر الذي يرش عليه حين الدفن لتسويته) فقال ردا عليه: قلتم: اجعل لنا إلها ولم تجف أقدامكم. وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أي ما وقت له من الوقت وضرب له أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أي تم بالغا هذا العدد وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ أي عند ما ذهب لميقات ربه اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي أي كن خليفتي فيهم وَأَصْلِحْ أي ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ أي ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه.

стр. 1924

قال صاحب الظلال تعليقا على هذه الآية: «لقد انتهت المرحلة الأولى من مهمة موسى التي أرسل لها انتهت مرحلة تخليص بني إسرائيل من حياة الذل والهوان والنكال والتعذيب بين فرعون وملئه، وإنقاذهم من أرض الذل والقهر إلى الصحراء الطليقة، في طريقهم إلى الأرض المقدسة .. ولكن القوم لم يكونوا بعد على استعداد لهذه المهمة الكبرى .. مهمة الخلافة في الأرض بدين الله .. ولقد رأينا كيف اشرأبت نفوسهم إلى الوثنية والشرك بمجرد أن رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم. ولم يمض إلا القليل! فلم يكن بد من رسالة مفصلة لتربية هؤلاء القوم، وإعدادهم لما هم مقبلون عليه من الأمر العظيم ومن أجل هذه الرسالة المفصلة كانت مواعدة الله لعبده موسى ليلقاه ويتلقى عنه. وكانت هذه المواعدة إعدادا لموسى لنفسه، كي يتهيأ في هذه الليالي للموقف الهائل العظيم، ويستعد لتلقيه. وكانت فترة الإعداد ثلاثين ليلة، أضيفت إليها عشر، فبلغت عدتها أربعين ليلة، يروض موسى فيها نفسه على اللقاء الموعود، وينعزل فيها عن شواغل الأرض ليستغرق في هواتف السماء، ويعتكف فيها عن الخلق ليستغرق فيها في الخالق الجليل، وتصفو روحه وتشرق وتستضئ، وتتقوى عزيمته على مواجهة الموقف المرتقب وحمل الرسالة الموعودة. وألقى موسى إلى أخيه هارون قبل مغادرته لقومه واعتزاله واعتكافه- بوصيته تلك: وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ذلك وموسى يعلم أن هارون نبي مرسل من ربه معه، ولكن المسلم للمسلم ناصح. والنصيحة حق وواجب للمسلم على المسلم، ثم إن موسى يقدر ثقل التبعة، وهو يعرف طبيعة قومه بني إسرائيل .. وقد تلقى هارون النصيحة لم تثقل على نفسه، فالنصيحة إنما تثقل على نفوس الأشرار لأنها تقيدهم بما يريدون أن ينطلقوا منه، وتثقل على نفوس المتكبرين الصغار الذين يحسون في النصيحة تنقصا لأقدارهم ... إن الصغير هو الذي يبعد عنه يدك التي تمتد لتسانده ليظهر أنه كبير!!! فأما قصة الليالي الثلاثين وإتمامها بالعشر الليالي فقال عنها ابن كثير في التفسير: «فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة، قال المفسرون. فصامها موسى ﵇ وطواها، فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل العشرة أربعين».

стр. 1925

ولنعد إلى استعراض المعنى الحرفي: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا أي لوقتنا الذي وقتنا له وحددنا، فالكلام عن المجئ المخصوص بميقات الله وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ أي بلا واسطة ولا كيفية. فكلام الله الأزلى ليس كمثله شئ. وقال بعضهم إنه كان يسمع الكلام من كل جهاته. قال النسفي: وذكر الشيخ في التأويلات أن موسى ﵇ سمع صوتا دالا على كلام الله تعالى وكان اختصاصه باعتبار أنه أسمعه صوتا تولى تخليقه من غير أن يكون ذلك الصوت مكتسبا لأحد من الخلق. قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قال النسفي لما سمع كلامه طمع في رؤيته لغلبة شوقه فسأل الرؤية والمعنى أرني ذاتك انظر إليك أي: مكني من رؤيتك بأن تتجلى لي حتى أراك. قال النسفي: وهو دليل لأهل السنة (أي ضد المعتزلة) على جواز الرؤية (أي لله تعالى) فإن موسى (وهو الأعلم بالله) اعتقد أن الله تعالى يرى حتى سأله، واعتقاد جواز ما لا يجوز على الله كفر. قالَ لَنْ تَرانِي أي بالعين الفانية في هذه الدنيا الفانية بل بعين باقية في الدار الباقية قال النسفي: وهو دليل لنا أيضا (أي لأهل السنة على المعتزلة في موضع رؤية الله في الدار الآخرة) لأنه لم يقل لن أرى ليكون نفيا للجواز ولو لم يكن مرئيا لأخبر بأنه ليس بمرأى إذ الحالة حالة الحاجة إلى البيان وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ أي فإن بقي على حاله فَسَوْفَ تَرانِي قال النسفي: وهو دليل لنا أيضا لأنه علق الرؤية باستقرار الجبل وهو ممكن. وتعليق الشئ بما هو ممكن يدل على إمكانه كالتعليق بالممتنع يدل على امتناعه. والدليل على أنه ممكن قوله جَعَلَهُ دَكًّا ولم يقل اندك، وما أوجده تعالى كان جائزا أن لا يوجد لو لم يوجده لأنه مختار في فعله، ولأنه تعالى ما آيسه عن ذلك ولا عاتبه عليه. ولو كان ذلك محالا لعاتبه كما عاتب نوحا ﵇ بقوله: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ حين سأل إنجاء ابنه من الغرق. فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ قال النسفي: أي ظهر وبان ظهورا بلا كيف، قال الشيخ أبو منصور ﵀ معنى التجلي للجبل ما قاله الأشعري: إنه تعالى خلق في الجبل حياة وعلما ورؤية حتى رأى به. وهذا نص في إثبات كونه مرئيا. وبهذه الوجوه يتبين جهل منكري الرؤية، وقولهم بأن موسى ﵇ كان عالما بأنه لا يرى، ولكن طلب قومه أن يريهم ربه كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فطلب الرؤية ليبين الله تعالى أنه ليس بمرئي، باطل، إذ لو كان كما زعموا لقال: أرهم

стр. 1926

ينظروا إليك، ثم يقول له: لن يروني، لأنها لو لم تكن جائزة لما أخر موسى ﵇ الرد عليهم. بل كان يرد عليهم وقت قرع كلامهم سمعه- لما فيه من التقرير على الكفر، وهو ﵇ بعث لتغييره لا لتقريره ألا ترى أنهم لما قالوا له اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ لم يمهلهم بل رد عليهم من ساعته بقوله: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ جَعَلَهُ دَكًّا أي مدكوكا: والدق والدك أخوان في المعنى وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً أي وسقط مغشيا عليه فَلَمَّا أَفاقَ أي من صعقه قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ أي من سؤالي رؤيتك في الدنيا وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ أي بعظمتك وجلالك وبأنك لا تعطي الرؤية في الدنيا مع جوازها. قال أبو العالية: قد كان قبله مؤمنون ولكن يقول أنا أول من آمن بك أنك لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة قال النسفي: وهذا قول حسن له اتجاه. قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ أي اخترتك على أهل زمانك بِرِسالاتِي أي بما أوحيه إليك لتبلغه عني كالتوراة وَبِكَلامِي أي وبتكليمي إياك فَخُذْ ما آتَيْتُكَ أي ما أعطيتك من شرف النبوة والحكمة أو من الكلام والمناجاة وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ على النعمة في ذلك. فهي من أجل النعم وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ هل المراد بها التوراة هنا أو ألواح أعطيها موسى قبل التوراة؟ قولان للعلماء والراجح أنها التوراة لوصفها بما توصف به التوراة عادة مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي كتبنا له في الألواح كل شئ كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ أي فخذ الألواح بقوة أوخذ أحكامها بقوة. أي بجد وعزيمة فعل أولي العزم من الرسل وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها أي فيها ما هو حسن وأحسن، كالقصاص والعفو والانتصار والصبر والمعنى: فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر في الثواب سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ أي دار من ظلم وهذا وعد لهم بأن ينزلهم منازل الظالمين في بلاد الشام التي وعدوها. وفي الوقت نفسه فيه طلب للاعتبار، أي لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل نكالهم. قال صاحب الظلال: «وتختلف الروايات والمفسرون في شأن الألواح، ويصفها بعضهم أوصافا مفصلة- نحسب أنها منقولة عن الإسرائيليات التي تسربت إلى التفسير- ولا نجد في هذا كله شيئا عن رسول الله ﷺ فنكتفي بالوقوف عند النص القرآني الصادق لا نتعداه. وما تزيد تلك الأوصاف شيئا أو تنقص من حقيقة هذه الألواح، أما ما هي

стр. 1927

وكيف كتبت؟ فلا يعنينا هذا في شئ بما أنه لم يرد عنها من النصوص الصحيحة شئ يختص بموضوع الرسالة وغايتها من بيان الله وشريعته والتوجيهات المطلوبة لإصلاح حال هذه الأمة وطبيعتها التي أفسدها الذل وطول الأمد سواء». وفي الآية التي مرت معنا أمر ووعد أما الأمر فهو قوله تعالى: فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها وأما الوعد فهو قوله تعالى سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ. وقد قال صاحب الظلال في هذا وهذا: قال عند قوله تعالى: فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها. (والأمر الإلهي الجليل لموسى ﵇ أن يأخذ الألواح بقوة وعزم، وأن يأمر قومه أن يأخذوا بما فيها من التكاليف الشاقة بوصفه الأحسن لهم والأصلح لحالهم .. هذا الأمر على هذا النحو فضلا على أنه يشي بضرورة هذا الأسلوب في أخذ هذه الطبيعة الإسرائيلية التي أفسدها الذل وطول الأمد، بالعزم والجد، لتحمل تكاليف الرسالة والخلافة، فإنه كذلك يوحي بالمنهج الواجب في أخذ كل أمة لكل عقيدة تأتيها .. إن العقيدة أمر كبير عند الله سبحانه وأمر هائل في حساب هذا الكون، وقدر الله الذي يصرفه، وأمر هائل في تاريخ «الإنسان» وحياته في هذه الأرض وفي الدار الآخرة كذلك .. والمنهج الذي تشرعه العقيدة في وحدانية الله- سبحانه- وعبودية البشر لربوبيته وحده، منهج يغير أسلوب الحياة البشرية بجملتها، ويقيم هذه الحياة على أسلوب آخر غير الذي تجري عليه في الجاهلية، حيث تقوم ربوبية غير ربوبية الله سبحانه، ذات منهج للحياة كلها غير منهج الله الذي ينبثق من تلك العقيدة. وأمر له هذه الخطورة عند الله، وفي حساب الكون، وفي طبيعة الحياة وفي تاريخ الإنسان. يجب أن يؤخذ بقوة، وأن تكون له جديته في النفس، وصراحته وحسمه، ولا ينبغي أن يؤخذ في رخاوة، ولا في تميع، ولا في ترخيص، ذلك أنه أمر هائل في ذاته، فضلا على أن تكاليفه باهظة لا يصبر عليها من طبيعته الرخاوة والتميع والترخص، أو من يأخذ الأمر بمثل هذه المشاعر .. وليس معنى هذا- بطبيعة الحال- هو التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض. فهذا ليس من طبيعة دين الله .. ولكن معناه الجد والهمة والحسم والصراحة .. وهي صفات

стр. 1928

أخرى ومشاعر أخرى غير مشاعر التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض. ولقد كانت طبيعة بني إسرائيل- بصفة خاصة- بعد ما أفسدها طول الذل والعبودية في مصر، تحتاج إلى هذا التوجيه لذلك نلحظ أن كل الأوامر لبني إسرائيل كانت مصحوبة بمثل هذا التشديد وهذا التوكيد، تربية لهذه الطبيعة الرخوة الملتوية المنحرفة الخاوية، على الاستقامة والجد والوضوح والصراحة .. ومثل طبيعة بني إسرائيل كل طبيعة تعرضت لمثل ما تعرضوا له من طول العبودية والذل، والخضوع للإرهاب والتعبد للطواغيت فبدت عليها أعراض الالتواء والاحتيال، والأخذ بالأسهل تجنبا للمشقة .. كما هو الملحوظ في واقع كثير من الجماعات البشرية التي نطالعها في زماننا هذا، والتي تهرب من العقيدة لتهرب من تكاليفها، وتسير مع القطيع، لأن السير مع القطيع لا يكلفها شيئا.». وقال عند قوله تعالى سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ: (وفي مقابل أخذ هذا الأمر بقوة يعد الله موسى وقومه أن يمكن لهم في الأرض، ويورثهم دار الفاسقين عن دينه: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ والأقرب أنها إشارة إلى الأرض المقدسة التي كانت- في ذلك الزمان- في قبضة الوثنيين وإنها بشارة لهم بدخولها .. وإن كان بنو إسرائيل لم يدخلوها في عهد موسى- ﵇ لأن تربيتهم لم تكن قد استكملت، وطبيعتهم تلك لم تكن قد قومت فوقفوا أمام الأرض المقدسة يقولون لنبيهم: يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ... ثم لما ألح عليهم الرجلان المؤمنان فيهم اللذان يخافان الله في الدخول والاقتحام. أجابوا موسى بتوقح الجبان- كالدابة التي ترفس سائقها: قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ... مما يصور تلك الطبيعة الخائرة المفككة الملتوية التي كانت تعالجها العقيدة والشريعة التي جاء بها موسى ﵇، وأمر هذا الأمر الإلهي الجليل أن يأخذها بقوة، وأن يأمر قومه بحمل تكاليفها الشاقة.). ولنعد إلى التفسير الحرفي: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ فهم بعضهم أن هذا الخطاب لهذه الأمة. وقال ابن كثير: ليس هذا بلازم لأن ابن عيينة إنما أراد أن هذا مطرد في حق كل أمة، ولا فرق بين أحد وأحد في هذا، وأقول: هو لبني إسرائيل كما أنه لكل إنسان فهي سنة من سنن الله . والصرف عن الآيات المنع عن فهمها،

стр. 1929

والتكبر في الأرض معناه: التطاول على الخلق والأنفة عن قبول الحق، وحقيقته التكلف للكبرياء التي اختصت بالباري عزت قدرته، ومعنى قوله تعالى يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي يتكبرون غير محقين لأن التكبر للحق وحده. وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ من الآيات المنزلة عليهم لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ أي طريق صلاح الأمر وطريق الهدى لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا أي طريقا مع رؤيته أنه رشد وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ أي الضلال يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا أي يسيرون فيه ذلِكَ أي الصرف عن آيات الله بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي بسبب تكذيبهم بآيات الله. وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ غفلة عناد وإعراض لا غفلة سهو وجهل وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فلا يقبل الله منهم عملا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ وعملهم الذي أحبط كل عمل هو تكذيب الرسل. فوائد: ١ - قال بعض السلف «لا ينال العلم حيي ولا مستكبر» وقال آخر: من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا. وقال ذو النون: (أبى الله أن يكرم قلوب البطالين بمكنون حكمة القرآن). ٢ - قال السعدي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر. وروى ابن جرير عن أنس قال قرأ رسول الله ﷺ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا قال هكذا بأصبعه ووضع النبي إصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل. ٣ - روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ قد لطم وجهه وقال: يا محمد إن رجلا من أصحابك من الأنصار لطم وجهي، قال: «ادعوه» فدعوه، قال: «لم لطمت وجهه؟» قال: يا رسول الله إني مررت باليهودي فسمعته يقول: والذي اصطفى موسى على البشر، قال: فقلت: وعلى محمد؟ وأخذتني غضبة فلطمته فقال: «لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق. فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي. أم جوزي بصعقة الطور». قال ابن كثير (والكلام في قوله ﵇: «لا تخيروني على موسى» كالكلام على

стр. 1930

قوله «لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى». قيل من باب التواضع وقيل: قبل أن يعلم بذلك. وقيل نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضب والتعصب. وقيل على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي، والله أعلم، وقوله «فإن الناس يصعقون يوم القيامة». الظاهر أن هذا الصعق يكون في عرصات القيامة يحصل أمر يصعقون منه، والله أعلم به. وقد يكون ذلك إذا جاء الرب ﵎ لفصل القضاء وتجلى للخلائق الملك الديان، كما صعق موسى من تجلي الرب ﵎، ولهذا قال ﵇: «فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور». ٤ - قال ابن كثير: عند قوله تعالى: لَنْ تَرانِي. وقد أشكل حرف «لن» هاهنا على كثير من العلماء لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة، وهذا أضعف الأقوال لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، كما سنوردها عند قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وقوله تعالى إخبارا عن الكفار كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ وقيل إنها لنفي التأبيد في الدنيا جمعا بين هذه الآية وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الدار الآخرة، وقيل إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد ذهابه إلى الطور مِنْ حُلِيِّهِمْ من الحلي التي كانوا استعاروها من المصريين ليلة هروبهم. قال النسفي: وفيه دليل على أن الاستيلاء على أموال الكفار يوجب زوال ملكهم عنها» والمتخذ هو السامري ولكنهم رضوا به. فأسند الفعل إليهم. والحلي جمع حلى وهو اسم ما يتحسن به من الذهب والفضة .. عِجْلًا جَسَداً أي بدنا كاملا في صفته. لَهُ خُوارٌ. الخوار صوت البقر ويظهر أن صانعه كان متقنا لفن الصياغة. وهذا يدل على تقدم هذا الفن عند المصريين، ثم عجب الله من عقولهم السخيفة حين اتخذوه إلها أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أي ألم يروا أنه لا يقدر على كلام ولا على هداية سبيل فكيف لا يختارونه على من لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته وهو الذي هدى الخلق إلى سبيل الحق بما ركز في العقول من الأدلة، وبما أنزل في الكتب اتَّخَذُوهُ أي اتخذوه إلها فأقدموا على هذا المنكر وَكانُوا ظالِمِينَ وأي
следующие страницы →