← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

ينظروا إليك، ثم يقول له: لن يروني، لأنها لو لم تكن جائزة لما أخر موسى ﵇ الرد عليهم. بل كان يرد عليهم وقت قرع كلامهم سمعه- لما فيه من التقرير على الكفر، وهو ﵇ بعث لتغييره لا لتقريره ألا ترى أنهم لما قالوا له اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ لم يمهلهم بل رد عليهم من ساعته بقوله: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ جَعَلَهُ دَكًّا أي مدكوكا: والدق والدك أخوان في المعنى وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً أي وسقط مغشيا عليه فَلَمَّا أَفاقَ أي من صعقه قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ أي من سؤالي رؤيتك في الدنيا وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ أي بعظمتك وجلالك وبأنك لا تعطي الرؤية في الدنيا مع جوازها. قال أبو العالية: قد كان قبله مؤمنون ولكن يقول أنا أول من آمن بك أنك لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة قال النسفي: وهذا قول حسن له اتجاه. قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ أي اخترتك على أهل زمانك بِرِسالاتِي أي بما أوحيه إليك لتبلغه عني كالتوراة وَبِكَلامِي أي وبتكليمي إياك فَخُذْ ما آتَيْتُكَ أي ما أعطيتك من شرف النبوة والحكمة أو من الكلام والمناجاة وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ على النعمة في ذلك. فهي من أجل النعم وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ هل المراد بها التوراة هنا أو ألواح أعطيها موسى قبل التوراة؟ قولان للعلماء والراجح أنها التوراة لوصفها بما توصف به التوراة عادة مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي كتبنا له في الألواح كل شئ كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ أي فخذ الألواح بقوة أوخذ أحكامها بقوة. أي بجد وعزيمة فعل أولي العزم من الرسل وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها أي فيها ما هو حسن وأحسن، كالقصاص والعفو والانتصار والصبر والمعنى: فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر في الثواب سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ أي دار من ظلم وهذا وعد لهم بأن ينزلهم منازل الظالمين في بلاد الشام التي وعدوها. وفي الوقت نفسه فيه طلب للاعتبار، أي لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل نكالهم. قال صاحب الظلال: «وتختلف الروايات والمفسرون في شأن الألواح، ويصفها بعضهم أوصافا مفصلة- نحسب أنها منقولة عن الإسرائيليات التي تسربت إلى التفسير- ولا نجد في هذا كله شيئا عن رسول الله ﷺ فنكتفي بالوقوف عند النص القرآني الصادق لا نتعداه. وما تزيد تلك الأوصاف شيئا أو تنقص من حقيقة هذه الألواح، أما ما هي

стр. 1927

وكيف كتبت؟ فلا يعنينا هذا في شئ بما أنه لم يرد عنها من النصوص الصحيحة شئ يختص بموضوع الرسالة وغايتها من بيان الله وشريعته والتوجيهات المطلوبة لإصلاح حال هذه الأمة وطبيعتها التي أفسدها الذل وطول الأمد سواء». وفي الآية التي مرت معنا أمر ووعد أما الأمر فهو قوله تعالى: فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها وأما الوعد فهو قوله تعالى سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ. وقد قال صاحب الظلال في هذا وهذا: قال عند قوله تعالى: فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها. (والأمر الإلهي الجليل لموسى ﵇ أن يأخذ الألواح بقوة وعزم، وأن يأمر قومه أن يأخذوا بما فيها من التكاليف الشاقة بوصفه الأحسن لهم والأصلح لحالهم .. هذا الأمر على هذا النحو فضلا على أنه يشي بضرورة هذا الأسلوب في أخذ هذه الطبيعة الإسرائيلية التي أفسدها الذل وطول الأمد، بالعزم والجد، لتحمل تكاليف الرسالة والخلافة، فإنه كذلك يوحي بالمنهج الواجب في أخذ كل أمة لكل عقيدة تأتيها .. إن العقيدة أمر كبير عند الله سبحانه وأمر هائل في حساب هذا الكون، وقدر الله الذي يصرفه، وأمر هائل في تاريخ «الإنسان» وحياته في هذه الأرض وفي الدار الآخرة كذلك .. والمنهج الذي تشرعه العقيدة في وحدانية الله- سبحانه- وعبودية البشر لربوبيته وحده، منهج يغير أسلوب الحياة البشرية بجملتها، ويقيم هذه الحياة على أسلوب آخر غير الذي تجري عليه في الجاهلية، حيث تقوم ربوبية غير ربوبية الله سبحانه، ذات منهج للحياة كلها غير منهج الله الذي ينبثق من تلك العقيدة. وأمر له هذه الخطورة عند الله، وفي حساب الكون، وفي طبيعة الحياة وفي تاريخ الإنسان. يجب أن يؤخذ بقوة، وأن تكون له جديته في النفس، وصراحته وحسمه، ولا ينبغي أن يؤخذ في رخاوة، ولا في تميع، ولا في ترخيص، ذلك أنه أمر هائل في ذاته، فضلا على أن تكاليفه باهظة لا يصبر عليها من طبيعته الرخاوة والتميع والترخص، أو من يأخذ الأمر بمثل هذه المشاعر .. وليس معنى هذا- بطبيعة الحال- هو التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض. فهذا ليس من طبيعة دين الله .. ولكن معناه الجد والهمة والحسم والصراحة .. وهي صفات

стр. 1928

أخرى ومشاعر أخرى غير مشاعر التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض. ولقد كانت طبيعة بني إسرائيل- بصفة خاصة- بعد ما أفسدها طول الذل والعبودية في مصر، تحتاج إلى هذا التوجيه لذلك نلحظ أن كل الأوامر لبني إسرائيل كانت مصحوبة بمثل هذا التشديد وهذا التوكيد، تربية لهذه الطبيعة الرخوة الملتوية المنحرفة الخاوية، على الاستقامة والجد والوضوح والصراحة .. ومثل طبيعة بني إسرائيل كل طبيعة تعرضت لمثل ما تعرضوا له من طول العبودية والذل، والخضوع للإرهاب والتعبد للطواغيت فبدت عليها أعراض الالتواء والاحتيال، والأخذ بالأسهل تجنبا للمشقة .. كما هو الملحوظ في واقع كثير من الجماعات البشرية التي نطالعها في زماننا هذا، والتي تهرب من العقيدة لتهرب من تكاليفها، وتسير مع القطيع، لأن السير مع القطيع لا يكلفها شيئا.». وقال عند قوله تعالى سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ: (وفي مقابل أخذ هذا الأمر بقوة يعد الله موسى وقومه أن يمكن لهم في الأرض، ويورثهم دار الفاسقين عن دينه: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ والأقرب أنها إشارة إلى الأرض المقدسة التي كانت- في ذلك الزمان- في قبضة الوثنيين وإنها بشارة لهم بدخولها .. وإن كان بنو إسرائيل لم يدخلوها في عهد موسى- ﵇ لأن تربيتهم لم تكن قد استكملت، وطبيعتهم تلك لم تكن قد قومت فوقفوا أمام الأرض المقدسة يقولون لنبيهم: يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ... ثم لما ألح عليهم الرجلان المؤمنان فيهم اللذان يخافان الله في الدخول والاقتحام. أجابوا موسى بتوقح الجبان- كالدابة التي ترفس سائقها: قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ... مما يصور تلك الطبيعة الخائرة المفككة الملتوية التي كانت تعالجها العقيدة والشريعة التي جاء بها موسى ﵇، وأمر هذا الأمر الإلهي الجليل أن يأخذها بقوة، وأن يأمر قومه بحمل تكاليفها الشاقة.). ولنعد إلى التفسير الحرفي: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ فهم بعضهم أن هذا الخطاب لهذه الأمة. وقال ابن كثير: ليس هذا بلازم لأن ابن عيينة إنما أراد أن هذا مطرد في حق كل أمة، ولا فرق بين أحد وأحد في هذا، وأقول: هو لبني إسرائيل كما أنه لكل إنسان فهي سنة من سنن الله . والصرف عن الآيات المنع عن فهمها،

стр. 1929

والتكبر في الأرض معناه: التطاول على الخلق والأنفة عن قبول الحق، وحقيقته التكلف للكبرياء التي اختصت بالباري عزت قدرته، ومعنى قوله تعالى يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي يتكبرون غير محقين لأن التكبر للحق وحده. وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ من الآيات المنزلة عليهم لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ أي طريق صلاح الأمر وطريق الهدى لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا أي طريقا مع رؤيته أنه رشد وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ أي الضلال يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا أي يسيرون فيه ذلِكَ أي الصرف عن آيات الله بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي بسبب تكذيبهم بآيات الله. وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ غفلة عناد وإعراض لا غفلة سهو وجهل وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فلا يقبل الله منهم عملا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ وعملهم الذي أحبط كل عمل هو تكذيب الرسل. فوائد: ١ - قال بعض السلف «لا ينال العلم حيي ولا مستكبر» وقال آخر: من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا. وقال ذو النون: (أبى الله أن يكرم قلوب البطالين بمكنون حكمة القرآن). ٢ - قال السعدي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر. وروى ابن جرير عن أنس قال قرأ رسول الله ﷺ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا قال هكذا بأصبعه ووضع النبي إصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل. ٣ - روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ قد لطم وجهه وقال: يا محمد إن رجلا من أصحابك من الأنصار لطم وجهي، قال: «ادعوه» فدعوه، قال: «لم لطمت وجهه؟» قال: يا رسول الله إني مررت باليهودي فسمعته يقول: والذي اصطفى موسى على البشر، قال: فقلت: وعلى محمد؟ وأخذتني غضبة فلطمته فقال: «لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق. فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي. أم جوزي بصعقة الطور». قال ابن كثير (والكلام في قوله ﵇: «لا تخيروني على موسى» كالكلام على

стр. 1930

قوله «لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى». قيل من باب التواضع وقيل: قبل أن يعلم بذلك. وقيل نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضب والتعصب. وقيل على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي، والله أعلم، وقوله «فإن الناس يصعقون يوم القيامة». الظاهر أن هذا الصعق يكون في عرصات القيامة يحصل أمر يصعقون منه، والله أعلم به. وقد يكون ذلك إذا جاء الرب ﵎ لفصل القضاء وتجلى للخلائق الملك الديان، كما صعق موسى من تجلي الرب ﵎، ولهذا قال ﵇: «فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور». ٤ - قال ابن كثير: عند قوله تعالى: لَنْ تَرانِي. وقد أشكل حرف «لن» هاهنا على كثير من العلماء لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة، وهذا أضعف الأقوال لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، كما سنوردها عند قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وقوله تعالى إخبارا عن الكفار كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ وقيل إنها لنفي التأبيد في الدنيا جمعا بين هذه الآية وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الدار الآخرة، وقيل إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد ذهابه إلى الطور مِنْ حُلِيِّهِمْ من الحلي التي كانوا استعاروها من المصريين ليلة هروبهم. قال النسفي: وفيه دليل على أن الاستيلاء على أموال الكفار يوجب زوال ملكهم عنها» والمتخذ هو السامري ولكنهم رضوا به. فأسند الفعل إليهم. والحلي جمع حلى وهو اسم ما يتحسن به من الذهب والفضة .. عِجْلًا جَسَداً أي بدنا كاملا في صفته. لَهُ خُوارٌ. الخوار صوت البقر ويظهر أن صانعه كان متقنا لفن الصياغة. وهذا يدل على تقدم هذا الفن عند المصريين، ثم عجب الله من عقولهم السخيفة حين اتخذوه إلها أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أي ألم يروا أنه لا يقدر على كلام ولا على هداية سبيل فكيف لا يختارونه على من لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته وهو الذي هدى الخلق إلى سبيل الحق بما ركز في العقول من الأدلة، وبما أنزل في الكتب اتَّخَذُوهُ أي اتخذوه إلها فأقدموا على هذا المنكر وَكانُوا ظالِمِينَ وأي

стр. 1931

ظلم أكبر من الشرك وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ أي ولما اشتد ندمهم على عبادة العجل وذلك بعد مجئ موسى. وأصله أن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده غما، فتصير يده مسقوطا فيها؛ لأن ما ناله وقع فيها. وقال الزجاج: معناه سقط الندم في أيديهم أي في قلوبهم وأنفسهم تشبيها لما يحصل في القلب وفي النفس، بما يحصل في اليد ويرى بالعين وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا أي وتبينوا ضلالهم كأنهم أبصروه بعيونهم قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ أي من المغبونين في الدنيا والآخرة. وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى من الطور إِلى قَوْمِهِ بني إسرائيل غَضْبانَ أَسِفاً أي حزينا، وقيل الأسف أشد الغضب قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي قال بئسما قمتم مقامي وكنتم خلفائي، والخطاب إما لعبدة العجل من السامري وأشياعه، أو لهارون ومن معه من المؤمنين؛ والمعنى على الأول: بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله، وعلى الثاني: بئسما خلفتموني حيث لم تكفوا من عبد غير الله. والمعنى الدقيق: بئس خلافة خلفتموني فيها من بعدي خلافتكم مِنْ بَعْدِي أي من بعد ذهابي أو من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الشركاء عنه، أو من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد وأكفهم عن عبادة غير الله، ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ أي أسبقتم بعبادة العجل أمر ربكم وهو إتياني لكم بالتوراة بعد أربعين ليلة، فبدلا من أن يكون استقبالكم لما آتيكم به وأنتم على أكمل حال تعجلتم أسوأ حال تستقبلون به أمر الله، وقيل أعجلتم أمر ربكم معناها أتركتم أمر ربكم بالتوحيد ولكن مما يشهد للأول أن أصل العجلة طلب الشئ قبل حينه وَأَلْقَى الْأَلْواحَ ضجرا عند استماعه حديث العجل غضبا لله. وكان في نفسه شديد الحدة، شديد الغضب لله. وكان هارون ألين منه جانبا، ولذلك كان محببا لبني إسرائيل. وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ أي بشعر رأس أخيه غضبا عليه حيث لم يمنعهم من عبادة العجل يَجُرُّهُ إِلَيْهِ أي يشده نحوه، وهو أخذ عتاب له لا هوانا عليه قالَ ابْنَ أُمَّ وكان هارون ابن أمه وأبيه، وإنما ذكر الأم لأن ذكرها أدعى إلى العطف إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي أي إني لم آل جهدا في كفهم بالوعظ والإنذار ولكنهم استضعفونني وهموا بقتلي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ أي الذين عبدوا العجل، أي لا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي والإساءة إلي وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي قرينا لهم بغضبك علي، فلما اتضح له عذر أخيه قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي

стр. 1932

وَلِأَخِي. أي اغفر لي ما فرط مني في حق أخي، ولأخي إن كان قد فرط في حسن الخلافة، وفي هذا إرضاء لأخيه لينفي الشماتة عنه بإشراكه معه في الدعاء وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ أي في عصمتك في الدنيا وجنتك في الآخرة وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فاعطنا رحمتك إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إلها سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وهو ما أمروا به من قتل أنفسهم ليقبل توبتهم، كما مر في سورة البقرة وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا إما بمزيد التغرب وإما بمواقف ذلة في الأرض التي هم فيها وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ أي الكاذبين على الله وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ أي من الكفر والمعاصي ثُمَّ تابُوا أي رجعوا إلى الله مِنْ بَعْدِها أي من بعد فعل السيئات وَآمَنُوا أي أخلصوا الإيمان لله إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي من بعد السيئات أو التوبة لَغَفُورٌ أي لستور عليهم محاء لما كان منهم رَحِيمٌ أي منعم عليهم بالجنة. وهذا حكم عام يدخل تحته متخذو العجل وغيرهم، عظم جنايتهم أولا ثم أردفها بتعظيم رحمته ليعلم أن الذنوب وإن عظمت فعفوه أعظم، ولما كان الغضب لشدته كأنه هو الآمر لموسى بما فعل جاءت الآية بعد ذلك تقول: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أي ولما سكن غضب موسى أَخَذَ الْأَلْواحَ التي ألقاها. وَفِي نُسْخَتِها أي وفيما نسخ منها وعنها أو في النسخة التي استبدلت بها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ. أي يخشونه ويخضعون له وقد ضمن الرهبة معنى الخضوع ولهذا عداها باللام. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ يقول ابن كثير: ولكن غطى على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال كما تقدم من رواية الإمام أحمد وأبي داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «حبك الشئ يعمي ويصم». ٢ - أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح». ٣ - وبمناسبة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ قال سفيان بن عيينة: «كل صاحب بدعة ذليل» قال الحسن البصري: إن ذل البدعة على أكتافهم وإن هملجت بهم البغلات

стр. 1933

وطقطقت بهم البراذين. ٤ - وبمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها. فتلا هذه الآية: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، فتلاها عبد الله عشر مرات فلم يأمرهم بها ولم ينههم عنها. ولنعد إلى التفسير الحرفي: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ أي من قومه سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا من أجل أن يعتذروا عن عبادة العجل فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ. أي الزلزلة الشديدة قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ بما كان منهم من عبادة العجل وَإِيَّايَ لقتلي القبطي أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا أي أتهلكنا عقوبة بما فعل الجهال منا وهم أصحاب العجل إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ قال ابن كثير: أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك. قال ابن عباس. وسعيد بن جبير، وأبو العالية والربيع بن أنس وغير واحد من علماء السلف والخلف ولا معنى له غير ذلك يقول: إن الأمر إلا أمرك وإن الحكم إلا حكمك. فما شئت كان. تضل من تشاء، وتهدي من تشاء، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لمن منعت، ولا مانع لما أعطيت؛ فالملك كله لك، والحكم كله لك، لك الخلق والأمر تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ أي تضل بالفتنة من تشاء. أي من علمت منهم اختيار الضلال وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أي وتهدي بالفتنة من تشاء من علمت منهم اختيار الهدى أَنْتَ وَلِيُّنا. أي مولانا القائم بأمورنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنا أي وأثبت لنا واقسم فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً. أي عافية وحياة طيبة وتوفيقا في الطاعة وَفِي الْآخِرَةِ الجنة إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ أي تبنا إليك قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ. ممن لا أريد العفو عنه وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أي ومن صفة رحمتي أنها واسعة تبلغ كل شئ. فما من مسلم ولا كافر إلا وعليه أثر رحمة الله في الدنيا فَسَأَكْتُبُها أي هذه الرحمة لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الشرك من أمة محمد ﷺ بدليل ما بعده وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ المفروضة وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا أي بجميع كتبنا يُؤْمِنُونَ فلا يكفرون بشيء منها. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ الذي نوحي إليه كتابا مختصا به وهو القرآن النَّبِيَّ صاحب المعجزات الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ أي يجدون نعته مَكْتُوباً

стр. 1934

عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ بخلع الأنداد وإنصاف العباد وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ كعبادة الأصنام وقطيعة الأرحام وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ مما طاب في الشريعة مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح، وما خلا كسبه من السحت وما حرم على بني إسرائيل من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها. وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ أي: ما يستخبث كالدم والميتة ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، أو ما خبث في الحكم كالربا والرشوة ونحوهما من المكاسب الخبيثة وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه عن الحراك لثقله والمراد التكاليف الصعبة كقتل النفس في توبتهم، والتعامل مع الحائض وطقوس البرص والحكم على صاحبه. وأشياء أخرى كثيرة موجودة في أسفار موسى وغيره وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أي بمحمد ﷺ وَعَزَّرُوهُ أي وعظموه أو منعوه من العدو حتى لا يقوى عليه عدو، وأصل العزر المنع ومنه التعزير لأنه منع عن معاودة القبيح كالحد فهو المنع وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أي القرآن فاجتمع لهم اتباع القرآن المنزل مع اتباع النبي المرسل، والعمل بسنته أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الفائزون بكل خير والناجون من كل شر. قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ جميعا من عرب وعجم وأبيض وأسود وأصفر إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً بلا استثناء الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ هذا هو شأن الإله الحق فمن ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة ومن كان يقدر على الإحياء والإماتة كان هو الإله على الحقيقة، وهذا الإله هو الذي أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس جميعا ومن ثم أمر الله الناس جميعا. بقوله: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وذلك من أعظم أدلة رسالته أن يكون من لا يقرأ ولا يكتب صاحب هذه الرسالة الجديدة وما فيها من الهدى والإعجاز الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ أي النبي الذي يصدق بالله وبكتبه المنزلة وفي هذا الالتفات من الحاضر إلى الغائب كثير من دقائق البلاغة لا يعرفها إلا العالمون، فمثلا لم يقل فآمنوا بالله وبي مع أن ما قبله إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ لتجري عليه الصفات التي أجريت عليه ولما في الالتفات من مزية البلاغة، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمي، الذي يؤمن بالله وكلماته كائنا من كان أنا أو غيري؛ إظهارا للنصفة وتفاديا من العصبية لنفسه وَاتَّبِعُوهُ أي: اسلكوا طريقه واقتفوا أثره أي: اجمعوا ما بين الإيمان به والاتباع له لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي إلى الصراط المستقيم.

стр. 1935

فوائد حول الآية: ١ - إن من أظهر أدلة رسولنا- ﵊ كونه أميا، ومع أميته رافق نبوته هذا القرآن الذي لا تنتهي عجائبه، ورافق نبوته هذه السنة العظيمة التي لا تحصى جوانب الكمال فيها، فإذا ما كانت هذه كلها مرافقة لأميته، وإذا كان هذا يصدق الكتب السابقة- بل يستوعبها كلها ويزيد عليها- فإن إنسانا عاقلا لا يشك بعد ذلك أن محمدا ﷺ رسول الله، وأن هذا كله، مع ما مكن الله لرسوله ما كان ليكون لولا أن الله المحيط علما بكل شئ، والقادر على كل شئ، هو الذي بعث هذا الرسول الكريم. ٢ - وبمناسبة هذه الآية يذكر ابن كثير بعض الأحاديث ننقل منها ما يكفي عن مجموعها، ننقلها بعد مقدمة من كلامه قال: وهذا من شرفه وعظمته ﷺ أنه خاتم النبيين، وأنه مبعوث إلى الناس كافة، والآيات في هذا كثيرة، كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر، وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الناس كلهم. قال البخاري ﵀ في تفسير هذه الآية: عن أبي الدرداء: كانت بين أبي بكر وعمر ﵄ محاورة. فأغضب أبو بكر عمر. فانصرف عنه عمر مغضبا، فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه. فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال أبو الدرداء ونحن عنده- فقال رسول الله ﷺ : «أما صاحبكم هذا فقد غامر» أي غاضب وحاقد، قال: وندم عمر علي ما كان منه فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي ﷺ وقص على رسول الله ﷺ قال أبو الدرداء: وغضب رسول الله ﷺ وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم، فقال رسول الله ﷺ : «هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدقت» وروى الإمام أحمد بإسناد قوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه، حتى إذا صلى انصرف إليهم فقال لهم: «لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي، أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لمليء مني رعبا. وأحلت لي الغنائم آكلها. وكان من قبلي يعظمون أكلها، كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا

стр. 1936

يصلون في بيعهم وكنائسهم. والخامسة هي ما هي. قيل لي: سل فإن كل نبي قد سأل. فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله» وفي صحيح مسلم ... عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده، لا يسمع بي رجل من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار.» ولنعد إلى التفسير الحرفي: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أي من بني إسرائيل. أُمَّةٌ أي طائفة يَهْدُونَ بِالْحَقِّ أي يهدون الناس محقين أو بسبب الحق الذي هم عليه وَبِهِ يَعْدِلُونَ أي وبالحق يعدلون بينهم في الحكم كعبد الله بن سلام وأضرابه. وبعض المفسرين يغربون في هذا المقام، والحق ما ذكرناه في تفسيرها. فوائد حول المقطع: ١ - التبشير برسول الله ﷺ ، وموسى والسبعون يعتذرون عن عبادة العجل إشعار لهم: بأن أمة خيرا منكم هي التي تستحق رحمته الشاملة، وقد تم هذا التبليغ في موقف ليس فيه أمامهم ما يرون أنهم جديرون بهذه الرحمة الشاملة بعد إذ انحرفوا هذا الانحراف الفظيع. ٢ - وبمناسبة قوله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ يذكر ابن كثير ما رواه الإمام أحمد عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها ثم صلى خلف رسول الله ﷺ ، فلما صلى رسول الله ﷺ أتى راحلته فأطلق عقالها ثم ركبها، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتنا أحدا. فقال رسول الله ﷺ : «أتقولون هذا أضل أم بعيره؟ ألم تسمعوا ما قال؟» قالوا: بلى قال: «لقد حظرت رحمة واسعة، إن الله خلق مائة رحمة، فأنزل رحمة واحدة يتعاطف بها الخلق، جنها وإنسها وبهائمها، وأخر عنده تسعا وتسعين رحمة، أتقولون هو أضل أم بعيره؟». ٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ. قال ابن كثير: قال بعض العلماء: فكل ما أحل الله تعالى من المآكل فهو طيب نافع في البدن والدين، وكل ما حرمه فهو خبيث ضار في البدن والدين، وقد تمسك بهذه الآية الكريمة من يرى التحسين والتقبيح العقليين، وأجيب عن ذلك بما لا يتسع هذا الموضع له، وكذا احتج بها من ذهب من العلماء إلى أن المرجع في حل المآكل التي لم ينص على تحليلها ولا تحريمها إلى ما استطابته العرب في حال رفاهيتها. وكذا في جانب التحريم إلى ما استخبثته، وفيه

стр. 1937

كلام طويل أيضا. ٤ - وبمناسبة قوله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ قال ابن كثير: أي أنه جاء بالتيسير والسماحة كما ورد الحديث من طرق عن رسول الله ﷺ أنه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة». قال ﷺ لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: «بشرا ولا تنفرا، ويسّرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا» وقال صاحبه: أبو برزة الأسلمي: «إني صحبت رسول الله ﷺ وشهدت تيسيره»، وقد كانت الأمم الذين قبلنا في شرائعهم ضيق عليهم، فوسع الله على هذه الأمة أمورها وسهلها لهم، ولهذا قال رسول الله ﷺ : «وإن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل». وقال: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». ٥ - وبمناسبة قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يذكر ابن كثير كلاما كثيرا ننقل منه ما يحقق الغرض، قال ابن كثير: وهذه صفة محمد ﷺ في كتب الأنبياء، بشروا أممهم ببعثه، وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم، يعرفها علماؤهم وأحبارهم. كما قال الإمام أحمد .. عن أبي صخر العقيلي قال: حدثني رجل من الأعراب قال: جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ ، فلما فرغت من بيعتي قلت لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه. قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون فتبعتهم في أقفائهم حتى أتوا على رجل من اليهود، ناشر التوراة يقرؤها، يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله ﷺ : «أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي؟». فقال برأسه هكذا، أي لا. فقال ابنه: أي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله فقال: «أقيموا اليهودي عن أخيكم» ثم ولي كفنه والصلاة عليه. هذا حديث جيد قوي له شاهد في الصحيح عن أنس. وقال الحاكم صاحب المستدرك: عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فخرجنا حتى قدمنا الغوطة- يعني غوطة دمشق- فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني، فدخلنا عليه، فإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسوله نكلمه، فقلنا: والله لا نكلم رسولا، وإنما بعثنا إلى الملك، فإذا أذن لنا كلمناه، وإلا لم نكلم الرسول. فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك، قال: فأذن لنا فقال: تكلموا. فكلمة هشام بن العاص، ودعاه إلى

стр. 1938

الإسلام، فإذا عليه ثياب سود، فقال له هشام: وما هذه التي عليك؟ فقال: لبستها وحلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام، قلنا ومجلسك هذا، والله لنأخذنه منك، ملك الملك الأعظم إن شاء الله. أخبرنا بذلك نبينا محمد ﷺ قال: لستم بهم، بل هم قوم يصومون بالنهار، ويقومون بالليل، فكيف صومكم؟ فأخبرناه فملئ وجهه سوادا فقال: قوموا. وبعث معنا رسولا إلى الملك، فخرجنا حتى إذا كنا قريبا من المدينة، قال لنا الذي معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال. قلنا والله لا ندخل إلا عليها. فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون ذلك فأمرهم أن ندخل على رواحلنا، فدخلنا عليها متقلدين سيوفنا، حتى انتهينا إلى غرفة له، فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلا الله والله أكبر، فالله يعلم لقد انتفضت الغرفة حتى صارت كأنها عذق، تصفقه الرياح فأرسل إلينا: ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم. وأرسل إلينا أن ادخلوا. فدخلنا عليه وهو على فراش له، وعنده بطارقته من الروم، وكل شئ في مجلسه أحمر، وما حوله حمرة وعليه ثياب من الحمرة، فدنونا منه فضحك، فقال: ما كان عليكم لو حييتمونا بتحيتكم فيما بينكم؟ وإذا عنده رجل فصيح بالعربية كثير الكلام، فقلنا: إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك، وتحيتك التي تحيى بها لا تحل لنا أن نحييك بها، قال: كيف تحيتكم فيما بينك؟ قلنا: السلام عليك. قال وكيف تحيون ملككم؟ قلنا: بها قال: وكيف يرد عليكم؟ قلنا: بها قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: لا إله إلا الله والله أكبر فلما تكلمنا بها- والله يعلم- لقد انتفضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها قال فهذه الكلمة التي قلتموها حيث انتفضت الغرفة كلما قلتموها في بيوتكم تنفضت عليكم غرفكم؟ قلنا: لا ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك قال: لوددت أنكم كلما قلتم تنفض كل شئ عليكم، وإني قد خرجت من نصف ملكي، قلنا: لم؟ قال لأنه أيسر لشأنها، وأجدر أن لا تكون من أمر النبوة، وأنها تكون من حيل الناس، ثم سألنا عما أراد فأخبرناه. ثم قال كيف صلاتكم وصومكم؟ فأخبرناه، فقال: قوموا فقمنا فأمر لنا بمنزل حسن ونزل كثير، فأقمنا ثلاثا، فأرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه، فاستعاد قولنا فأعدناه، ثم دعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة، فيها بيوت صغار عليها أبواب، ففتح بيتا وقفلا فاستخرج حريرة سوداء فنشرها، فإذا فيها صورة حمراء، وإذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الأليتين، لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية، وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله، فقال أتعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا آدم ﵇، وإذ هو أكثر الناس شعرا. ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها

стр. 1939

صورة بيضاء، وإذا له شعر كشعر القطط، أحمر العينين، ضخم الهامة، حسن اللحية، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا نوح ﵇ ثم فتح بابا آخر، فاستخرج حريرة سوداء، وإذا فيها رجل شديد البياض، حسن العينين، صلت الجبين أي واسع الجبين طويل الخد، أبيض اللحية كأنه يبتسم، فقال هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال هذا إبراهيم ﵇، ثم فتح بابا آخر فإذا فيه صورة بيضاء، وإذا والله رسول الله ﷺ فقال: أتعرف هذا؟ قلنا: نعم: هذا محمد رسول الله ﷺ قال وبكينا. قال: والله يعلم أنه قام قائما ثم جلس وقال: والله إنه لهو؟ قلنا: نعم إنه لهو كأنك تنظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت، ولكني عجلته لكم لأنظر ما عندكم. ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فإذا فيها صورة أدماء سحماء، وإذا رجل جعد قطط، غائر العينين، حديد النظر، عابس متراكب الأسنان، متقلص الشفة كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا قال: هذا موسى ﵇، وإلى جنبه صورة تشبهه إلا أنه مدهان الرأس أي: دهين الشعر عريض الجبين في عينيه قبل هو إقبال السواد على الأنف. فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا قال: هذا هارون بن عمران ﵇، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل آدم سبط ربعة كأنه غضبان. فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا لوط ﵇، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أبيض مشرب حمرة، أقنى [أي: طويل الأنف محدودب في وسطه] خفيف العارضين، حسن الوجه فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا إسحاق ﵇، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة تشبه إسحاق إلا أنه على شفته خال، فقال: هل تعرفون هذا؟: قلنا: لا قال: هذا يعقوب ﵇، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة رجل أبيض، حسن الوجه، أقنى الأنف، حسن القامة، يعلو وجهه نور، يعرف في وجهه الخشوع، يضرب إلى الحمرة. قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا إسماعيل جد نبيكم ﷺ ، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة تشبه إسحاق إلا أنه على شفته خال، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا يعقوب ﵇، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا بها صورة كصورة آدم، كأن وجهه الشمس فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا يونس ﵇، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أحمر حمش الساقين،

стр. 1940

أخفش العينين، ضخم البطن، ربعة متقلد سيفا فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا داود ﵇، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فيها صورة رجل ضخم الأليتين، طويل الرجلين، راكب فرسا فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال هذا: سليمان بن داود ﵉، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة بيضاء، وإذا شاب شديد سواد اللحية، كثير الشعر، حسن العينين، حسن الوجه فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا عيسى بن مريم ﵇، قلنا: من أين لك هذه الصور؟ لأنا نعلم أنها على ما صورت عليه الأنبياء ﵈ لأنا رأينا صورة نبينا ﵇ مثله، فقال: إن آدم ﵇ سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم فكانت في خزانة آدم ﵇، عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس، فدفعها إلى دانيال ثم قال: أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي، وإني كنت عبدا لأشركم ملكة، حتى أموت، ثم أجازنا فأحسن جائزتنا، وسرحنا فلما أتينا أبا بكر الصديق ﵁، فحدثناه بما أرانا وبما قال لنا وما أجازنا، قال: فبكى أبو بكر وقال: مسكين لو أراد الله به خيرا لفعل ثم قال: أخبرنا رسول الله ﷺ أنهم واليهود يجدون نعت محمد ﷺ عندهم. وهكذا أورده الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي ﵀ في كتاب دلائل النبوة عن الحاكم إجازة فذكره، وإسناده لا بأس به. وروى ابن جرير .. عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله ابن عمر فقلت أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح به قلوبا غلفا، وآذانا صما، وأعينا عميا. قال عطاء: ثم لقيت كعبا (أي كعب الأحبار) فسألته عن ذلك فما اختلف حرفا إلا أن كعبا قال بلغته، قلوبا غلوفيا، وآذانا صموميا، وأعينا عموميا. وقد رواه البخاري في صحيحه، وزاد بعد قوله ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو، ويصفح، وذكر حديث عبد الله بن عمرو ثم قال: ويقع في كلام كثير من السلف إطلاق التوراة على كتب أهل الكتاب. وقد ورد في بعض الأحاديث ما يشبه هذا. والله أعلم. ٦ - علمنا من الآيات الأخيرة في المقطع صفة أمتنا التي استحقت بها الرحمة، وصفة

стр. 1941

رسولنا في التوراة والإنجيل، فإذا ما أردنا أن ننال ما كتبه الله لنا من الرحمة، فعلينا بالتقوى والزكاة والإيمان والاتباع لرسول الله ﷺ وتعزيره ونصرته وتعظيمه وفي كتابنا الرسول في فصل البشارات، نقلنا ما له علاقة في التبشير برسولنا في كتب أهل الكتاب فلا نعيده هنا. نظرة في كتاب العهد القديم فيما يخص المقطع: موضوعات هذا المقطع موجودة في سفر الخروج- تقريبا- هي في موضوع هذا المقطع الذي مر معنا مع زيادات حول بعض التعليمات وبعض التوصيات، وخاصة في موضوع صناعة اللوازم الضرورية لإقامة الطقوس الدينية، والتي تستغرق صفاتها كثيرا من إصحاحات سفر الخروج. وفي السفر كلام مضطرب جدا حول الموضوعات التي ذكرها المقطع القرآني، والتحريف فيه والاضطراب واضحان، ويكفيك لإدراك هذا الاضطراب دراسة هذين النصين منه: في الإصحاح الرابع والعشرين في سفر الخروج: (ثم أصعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل ورأوا إله إسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل فرأوا الله وأكلوا وشربوا). وفي الإصحاح الثالث والثلاثين أي بعد تسعة إصحاحات. هذا النص: (فقال- أي موسى- أرني مجدك فقال أجيز كل جودتي قدامك وأنادي باسم الرب قدامك وأتراءف على من أتراءف وأرحم من أرحم وقال: لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش، وقال الرب هو ذا عندي مكان فتقف على الصخرة ويكون متى اجتاز مجدي إني أضعك في نقرة في الصخرة وأسترك بيدي حتى أجتاز ثم أرفع يدي فتنظر ورائي وأما وجهي فلا يرى) من هذين النصين ندرك التناقض السافر. ففي النص الأول تجد أن موسى وهارون ... قد رأوا الله، وهاهنا يطلب موسى الرؤية، فيقال له لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش. فلم يبق في هذه الكتب ما يستطيع الإنسان أن يعتمده كمرجع أو حتى يستأنس به إلا في أمور، ومن فضل الله على البشرية كلها أن أنزل كتابه الحق ليبين للناس الحق، وإن مما في هذا القرآن من إعجاز أنك ترى- تقريبا- كل أسفار موسى الخمسة، وكل ما في العهد القديم تقريبا، وكثيرا مما في العهد الجديد قد عرض القرآن الحق فيه. فعند ما تقرأ

стр. 1942

العهد القديم والجديد نادرا ما تجد غريبا عليك، إذا كنت قد قرأت القرآن، هذا مع البعد عن التناقض، ومع العرض العظيم الذي لا تنتهي عجائبه، مما يحقق مجموعة أهداف بآن واحد، ومع كون القرآن هو الصيغة الكاملة للحق، والصيغة الوحيدة للأحداث كما هي، محررة مما طرأ عليها من عوادي التحريف. ذكر معجم لاروس في اللغة الفرنسية كلاما كثيرا عما يسمى الكتاب المقدس بقسميه العهد القديم والعهد الجديد، ومما يقوله عن العهد القديم أن أول ترجمة إلى الإغريقية كانت ترجمة اشترك فيها (٧٢) عالما عبريا، وعرفت ترجمتهم باسم الترجمة السبعينية. ثم قال: وفي القرن الرابع الميلادي ترجم العهد القديم إلى اللاتينية من قبل القديس جيروم بعد أن صحح الترجمة السبعينية، ثم قال عن ترجمة جيروم: أنها اعتبرت مزيفة من قبل اليهود والبروتستانت ثم يقول: إن مصلحي القرن السادس عشر رفضوها مع ملاحظة أن هذه الترجمة هي الأصل المعتمد لدى الكنيسة خلال العصور حتى ظهور البروتستانت، ولا زالت معتمدة لدى الكاثوليك حتى الآن، فإذا عرفنا هذا، وعرفنا أن ما يعتمده يهود السامرة غير ما يعتمده بقية اليهود في التوراة وغيرها. وعرفنا أن هذه الأسفار كلها هي كتابة المتأخرين من اليهود، وأن كثيرا من التوراة الأصلية قد ضاع من اليهود، حتى في زمن دولتهم وسلطانهم. ثم عثروا عليها في زعمهم في أواخر دولتهم كما سنرى. وإذا عرفنا أن هذه الأسفار كتبت من المحفوظات في أواخر أيام السبي البابلي، أدركنا القيمة الحقيقية لهذه الكتب، فإذا ما رأينا هذا القرآن يقدم لنا الحق الخالص، بالوضوح الكامل لكل ما يلزم الإنسان أن يعرفه من وحي الله القديم، أو قصص السابقين، أدركنا عظمة هذا القرآن، وعرفنا كيف أن الله أغنانا بهذا القرآن، وبما أوحاه لنا عن كل وحي سابق، وعن كل كتاب سابق، ولولا فتنة عصرنا، وإذن رسولنا أن نتحدث عن بني إسرائيل، ولولا أننا نجد أحيانا بقايا من الحق في كتبهم لما سمحنا لأنفسنا أن ننظر أو أن نكتب أو أن ننقل. ولنرجع إلى موضوع المقطع: إن أواخر سفر الخروج لها علاقة في مقطعنا: من خروج موسى إلى الجبل لميقات ربه، وذهاب السبعين، وأخذ الألواح، وعبادة العجل، وكسر الألواح أول مرة، وكتابة نسخة ثانية بدلا عنها، وطلبه النظر إلى وجه الله. ولكن كل ذلك باضطراب، وعدم وضوح، وكذب كثير، ونقص كثير، ففي هذا السفر ينسبون إلى هارون- كذبا- أنه هو الذي صنع لهم عجل الذهب، وعبده معهم، ولكنهم يذكرون كيف أنهم قتلوا أنفسهم توبة، والموقف الذي فيه ما حدث

стр. 1943

للسبعين كله محذوف هاهنا مع ذكر السبعين في مكان آخر، وصعودهم إلى الجبل. ويظهر أنهم تعمدوا حذف هذا الموقف وتغيير موقعه؛ لأن فيه البشارة بالنبوة الأخيرة، وما نقلناه من كلام كعب الأحبار، وكلام عبد الله بن عمرو، وقصة الغلام اليهودي، وما نعرفه عن سبب قصة إسلام عبد الله بن سلام، كل ذلك يدل على أنه كانت هناك نسخ من التوراة قديمة ليس فيها هذا الحذف، ثم الملاحظ أن المكتوب على اللوحين لم تذكر ماهيته ولكن في فقرة سننقلها قريبا: (فكتب على اللوحين كلمات العهد الكلمات العشر) فإذا صح هذا فهذا يرجح الوجه الثاني مما ذهب إليه المفسرون: أن الألواح غير التوراة، وأن التوراة نزلت متأخرة على نزول اللوحين، فإذا كانت التوراة هي ما نراه مبثوثا خلال الأسفار الخمسة الأولى في العهد القديم. مما ذكر فيه أنه أوامر الله لموسى من أجل أن يبلغها بني إسرائيل، مع ملاحظة ما حدث لها من تحريف، فحتما تكون الألواح غير التوراة والله أعلم. وبعد ذكر هذه الملاحظات كلها أصبح باستطاعتنا أن ننقل بعض النقول من سفر الخروج مما له علاقة بغرضنا: في الإصحاح الرابع والعشرين من سفر الخروج: (وقال الرب لموسى اصعد إلي إلى الجبل وكن هناك فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم. فقام موسى ويشوع خادمه وصعد موسى إلى جبل الله. وأما الشيوخ فقال لهم: اجلسوا هاهنا حتى نرجع إليكم وهو ذا هارون وحور معكم، فمن كان صاحب دعوى فليتقدم إليهما. فصعد موسى إلى الجبل فغطى السحاب الجبل. وحل مجد الرب على جبل سيناء وغطاه السحاب ستة أيام، وفي اليوم السابع دعي موسى من وسط السحاب. وكان منظر مجد الرب كنار آكلة على رأس الجبل أمام عيون بني إسرائيل. ودخل موسى في وسط السحاب وصعد إلى الجبل. وكان موسى في الجبل أربعين نهارا وأربعين ليلة). وفي الإصحاح الحادي والثلاثين: (ثم أعطى موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء لوحي الشهادة لوحي حجر مكتوبين بأصبع الله). وفي الإصحاح الثاني والثلاثين: (فقال الرب لموسى: اذهب انزل لأنه قد فسد شعبك الذي أصعدته في أرض مصر: زاغوا سريعا عن الطريق الذي أوصيتهم به. صنعوا لهم عجلا مسبوكا وسجدوا له وذبحوا له وقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك في

стр. 1944

أرض مصر. وقال الرب لموسى رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب صلب الرقبة). وفي الإصحاح نفسه: (فانصرف موسى ونزل من الجبل ولوحا الشهادة في يده. لوحان مكتوبان على جانبيهما. من هنا ومن هنا كانا مكتوبين. واللوحان هما صنعة الله والكتابة كتابة الله منقوشة على اللوحين. وسمع يشوع صوت الشعب في هتافه. فقال لموسى صوت قتال في المحلة: فقال ليس صوت صياح النعرة ولا صوت صياح الكسرة. بل صوت غناء أنا سامع. وكان عند ما اقترب إلى المحلة أنه أبصر العجل والرقص. فحمي غضب موسى وطرح اللوحين من يديه وكسرهما في أسفل الجبل، ثم أخذ العجل الذي صنعوا وأحرقه بالنار وطحنه حتى صار ناعما وذراه على وجه الماء وسقى بني إسرائيل). ثم يأتي في هذا الإصحاح كلام عن اعتراف هارون بصناعة العجل وحكمة ذلك، وحاشا هارون الرسول أن يكون عابد عجل أو صانع عجل للعبادة ولكنه دأب اليهود عليهم اللعنة في تخليطهم على الأنبياء، وعدم معرفة عصمتهم ثم في الإصحاح نفسه: (وقف موسى في باب المحلة: وقال من للرب فإلي. فاجتمع إليه جميع بني لاوي: فقال لهم: هكذا قال الرب إله إسرائيل ضعوا كل واحد سيفه على فخذه ومروا وارجعوا من باب إلى باب في المحلة واقتلوا كل واحد أخاه صاحبه وكل واحد قريبه، ففعل بنو لاوي بحسب قول موسى. ووقع من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل. وقال موسى املئوا أيديكم اليوم للرب. حتى كل واحد بابنه وبأخيه، فيعطيكم اليوم بركة. وكان في الغد أن موسى قال للشعب أنتم قد أخطأتم خطيئة عظيمة. فاصعد الآن إلى الرب لعلي أكفر خطيئتكم. وفي هذا المقام يأتي دور السبعين الذين ذكروا في موقف سابق كذبا وزورا ولكنه الاضطراب في النقل والكذب فيه. ثم في الإصحاح الثالث والثلاثين يذكر فيه طلب موسى من الله أن يراه مع أن الطلب كان قبل ذلك في اللقاء الذي دام أربعين يوما وليلة وقد نقلنا النص من قبل. وفي الإصحاح الرابع والثلاثين: (ثم قال الرب لموسى انحت لك لوحين من حجر مثل الأولين فأكتب أنا على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين الأولين اللذين

стр. 1945

كسرتهما)، فهل هذا هو المراد بنسخة الألواح التي ذكرها القرآن وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ يمكن أن تكون المسألة كذلك. وفي الإصحاح نفسه: (وقال الرب لموسى اكتب لنفسك هذه الكلمات. لأنني بحسب هذه الكلمات قطعت عهدا معك ومع إسرائيل وكان هناك عند الرب أربعين نهارا وأربعين ليلة لم يأكل خبزا ولم يشرب ماء. فكتب على اللوح كلمات العهد الكلمات العشر. وكان لما نزل موسى من جبل سيناء ولوحا الشهادة في يد موسى عند نزوله من الجبل أن موسى لم يعلم أن جلد وجهه صار يلمع في كلامه معه. فنظر هارون وجميع بني إسرائيل. وإذا جلد وجهه يلمع فخافوا أن يقتربوا إليه. فدعاهم موسى فرجع إليه هارون وجميع الرؤساء في الجماعة، فكلمهم موسى. وبعد ذلك اقترب جميع بني إسرائيل فأوصاهم بكل ما تكلم به الرب معه في جبل سيناء. ولما فرغ موسى من الكلام معهم جعل على وجهه برقعا. وكان موسى عند دخوله أمام الرب ليتكلم معه ينزع البرقع حتى يخرج. ثم يخرج ويكلم بني إسرائيل بما يوصي. فإذا رأى بنو إسرائيل وجه موسى أن جلده يلمع كان يرد البرقع على وجهه حتى يدخل ليتكلم معه). ومن تتبع كتب أهل الكتاب يجد أن ما يرد في كتبهم إنما هو خليط ومضطرب ومتناقض، ولا ينم عن صدق النقلة، ولا عن صحة المنقول، وستأتيك وثائق ذلك شيئا فشيئا في هذا الكتاب. وإنما ننقل بعض النقول عنهم إما للرد وإما للاستئناس. فصل: في البشارة برسول الله ﷺ : رأينا في المقطع الذي مر معنا أن البشارة برسولنا ﵊ قد جاءت على الجبل، وموسى والسبعون في موقف الاعتذار، وقد وردت قصة السبعين في أكثر من مكان من الأسفار الخمسة التي يدعى أنها توراة موسى، وفي مكان واحد، تذكر البشارة بالرسول القادم. وإن هذا وحده لمعجزة. فإذ تجد الأسفار الخمسة تغفل هذا المعنى أحيانا، وتذكره أحيانا في ذلك المقام، فذلك حجة على أن هذا القرآن من عند الله، فالمقطع السابق استقر على التبشير بمحمد ﷺ وأمته وأن هذا التبشير كان في جبل سيناء، إذ كان موسى مع السبعين من قومه في موقف الاعتذار عن عبادة العجل. والملاحظ أن سفر الخروج لم يتعرض لهذا الموضوع إطلاقا، وإنما الذي تعرض لذلك هو سفر التثنية، فقد ذكر البشارة بالرسول القادم،

стр. 1946

وذكر أن هذه البشارة كانت على جبل سيناء. أي في حوريب. وهذه هي البشارة التي وردت في سفر التثنية في الإصحاح الثامن عشر. (يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي. له تسمعون. حسب كل ما طلبت من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلا لا أعود أسمع صوت الرب إلهي، ولا أرى هذه النار العظيمة أيضا لئلا أموت. قال لي الرب قد أحسنوا فيما تكلموا. أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به. ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به بأنني أنا أطالبه. وأما النبي الذي يطغى فيتكلم كلاما لم أوصه أن يتكلم به أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى فيموت ذلك النبي. وإن قلت في قلبك كيف تعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب. فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه.). هذه البشارة حتما قد تلوعب بها كثيرا. ومع كثرة التلاعب بها فإنها لا تنطبق إلا على رسولنا ﵊ فهو الذي جعل الله كلامه في فمه وهو القرآن. وهو الذي كان من إخوة بني إسرائيل. أي من أبناء إسماعيل، وهو الذي كان مثل موسى، ذا شريعة مستقلة. وكتاب مستقل. وهو الذي أخبر عن غيوب كثيرة. ووقعت كما أخبر، وهي علامة الرسول الصادق بحسب هذه البشارة. وفي كتابنا (الرسول) التفصيلات الكافية فليراجع. ونكتفي هنا بالقول: إن ذكر القرآن أن التبشير بالرسول القادم وأمته كان على جبل الطور بمثل هذه الدقة نموذج يدلك على أن هذا الإعجاز في هذا القرآن لا يتناهى. فمن أين نظرت إليه وجدت معجزة وإعجازا. كلمة في السياق: في هذا المقطع نرى أمة من الأمم، فعل الله لها ما لم يفعل لغيرها، ومع ذلك فإنها تسارع إلى الشرك الذي هو الانحراف الأعظم عن الهدى المنزل. وفي هذا المقطع نرى البشارة بالرسالة الخاتمة التي ستأتي بالصيغة النهائية للحق الذي سينزله الله على محمد ﷺ وأمته. وفي هذا المقطع بيان أن الفلاح بعد بعثة محمد ﷺ معلق باتباعه ونصرته. وكل ذلك ماض على سنن السورة في تفصيل محورها. فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.

стр. 1947

ومحل المقطع في سياق السورة الخاص ومحله في السياق القرآني العام لا يكاد يخفى فلننتقل إلى المقطع الرابع وهو الأخير من القسم الثاني من سورة الاعراف. *** المقطع الرابع في القسم الثاني يمتد هذا المقطع من الآية (١٦٠) إلى نهاية (١٧١) حيث ينتهي القسم الثاني في السورة ليأتي القسم الثالث وهذا هو المقطع: [سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٠ الى ١٧١] وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)

стр. 1948

كلمة في سياق المقطع: يبدأ المقطع بفقرة بدايتها وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً وينتهي بفقرة بدايتها وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً .. وقد سبق هذا المقطع بآية هي: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وهي تأتي بعد البشارة برسول الله ﷺ ، وبعد دعوة الناس للإيمان برسول الله ﷺ لتعيد السياق إلى موضوعه الرئيسي عن بني إسرائيل،

стр. 1949

فالمقطع هنا بمثابة الاستمرار للكلام عن بني إسرائيل في عهد موسى، وفيما بعد موسى، وكيف أن الانحراف قد استقر في النهاية عند بني إسرائيل حتى استحقوا العقوبة الدائمة، هذا مع أنه أخذت عليهم أغلظ المواثيق في أشد الحالات، ومن أول آية في الكلام عن بني إسرائيل في السورة رأينا قوله تعالى لرسوله ﷺ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وفي المقطع الثاني رأينا قوله تعالى قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ وفي هذا المقطع نرى قوله تعالى لرسوله ﷺ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ .. مما يفيد أن عرض قصة بني إسرائيل يهدف إلى إعطاء دروس لهذه الأمة. وهذا المقطع كغيره من المقاطع يرينا أمة أنزل عليها وحي، فانحرفت، فعوقبت، وارتباط ذلك بمحور السورة واضح. المعنى العام: يخبر تعالى عن بني إسرائيل أنه قطعهم اثنتي عشرة سبطا، وأمر موسى أن يضرب بعصاه الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا. لكل سبط عين، وأكرمهم بتظليل الغمام عليهم، وأكرمهم بإنزال المن وإرسال السلوى ليأكلوا حلوى ولحما من فضله، ومع ذلك ظلموا أنفسهم بالشرك وغيره. ثم فتح لهم البلاد التي وعدهم إياها، وبدلا من أن يشكروا الله بطاعته على الفتح، حرفوا وبدلوا فعذبوا. فناس هذا شأنهم يرون المعجزات، ويعيشون بالنعم، ويتقلبون بالعناية والرعاية، ثم لا يكون من الكثير منهم إلا الظلم. أمة هذا شأنها لا يستغرب ألا تستجيب لرسول الله ﷺ كما أنه لا يستغرب أن تعذب. ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يسألهم عن قرية من قراهم، كيف كانت تحتال على أمر الله لتحرفه، متظاهرة بالطاعة صورة، ومخالفة معنى، كيف فعل الله، بالظالمين منهم والساكتين عن المنكر فيهم. وفي ذلك توكيد أن هذه الأمة قسمان: قسم مهتد، وقسم ضال. فلا عجب أن يكفر الكثير منهم بالدعوة الجديدة، ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يذكرهم بما هددهم به إن انحرفوا أن يسلط عليهم من يعذبهم إلى يوم القيامة، وقد انحرفوا وقد فعل، وهذا تذكير لهم بأن عليهم أن يدخلوا في دين محمد ﷺ . ثم أخبر تعالى كيف أنه فرقهم في الأرض كلها طوائف مشتتة ممزعة، وكيف أنه اختبرهم بالرخاء، والشدة، والرغبة، والرهبة، والعافية، والبلاء من أجل أن يرجعوا إلى الله. وأنه خلف من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح خلف آخر، لا خير فيهم، قد ورثوا دراسة الكتاب، ومع ذلك فهم يعتاضون عن بذل الحق ونشره بعرض الحياة

стр. 1950

الدنيا ويسوفون أنفسهم ويعدونها بالتوبة، وكلما لاح لهم عرض دنيوي تراموا عليه، فلا يتاح لهم شئ من الدنيا إلا أخذوه حلالا كان أو حراما، يتمنون المغفرة، ولا يتوبون التوبة النصوح مع أن الله أخذ عليهم الميثاق ليبينن الحق للناس ولا يكتمونه، ولكنهم لا عقل لهم. ثم أثنى تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد ﷺ ، كما هو مكتوب فيه، مع إقام الصلاة، فهذا هو المصلح الحقيقي ومن هذه الجولة ندرك أن أمة هذا شأنها في كونها تغلب أمر الدنيا على الآخرة شئ عادي أن ترفض الدعوة الجديدة. ثم أمرهم تعالى أن يتذكروا إذ رفع فوقهم الجبل من أجل أن يأخذوا بأحكام التوراة ويعملوا بما فيها ليكونوا من المتقين. وفي هذا التذكير دعوة للدخول في الدين الجديد وتهديد لهم إن لم يفعلوا. وهذا المقطع بسياقه هذا يحقق ثلاثة أهداف. الهدف الأول: أنه يتمم الكلام عن بني إسرائيل، ومواقفهم من الهدى المنزل عليهم، وانحرافهم عنه، وما عوقبوا به نتيجة لذلك. وفي هذا درس لهذه الأمة من هذه الحيثية. والهدف الثاني: أن هذه المعاني عرضت في سياق الأمر لرسول الله ﷺ أن يدعو الناس لدينه واليهود من المدعوين وفي الكلام عنهم بهذا العرض لا يستغرب رفضهم للدعوة الجديدة، وهذا مهم جدا، إذ إن اليهود هم شهود على صدق هذه الرسالة، فموقف الرفض منهم قد يؤثر على مواقف الناس، فإن يذكر من أخلاقهم ما لا يستغرب معه كفرهم بالدعوة الجديدة، فذلك شئ مهم في التمكين لهذه الدعوة. والهدف الآخر هو الهدف المباشر من هذا النص وهو هذه الأمة أن تترفع عما وقعت فيه الأمم من انحراف وأن يرتفع أفراد هذه الأمة عما وقع فيه أفراد من أمم أخرى. المعنى الحرفي: وَقَطَّعْناهُمُ أي وصيرناهم مميزين بعضهم عن بعض اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً كقولك اثنتي عشرة قبيلة والأسباط: أولاد الولد والمراد هنا وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة وكل قبيلة أسباط فوضع أسباط موضع قبيلة أُمَماً أي وقطعناهم أمما لأن كل سبط كان أمة عظيمة وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ أي فانفجرت مِنْهُ

стр. 1951

اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ أي لكل سبط مشربه وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ أي وجعلناه ظليلا عليهم في التيه وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى المن: حلوى. والسلوى: طير وسيأتي الكلام عن ذلك كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أي قلنا لهم ذلك وَما ظَلَمُونا أي وما رجع إلينا ضرر ظلمهم بكفرانهم النعم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي ولكن كانوا يضرون أنفسهم ويرجع وبال ظلمهم إليهم، دل ذلك على أنهم قابلوا نعم الله عليهم بالكفران، وقوم هذا شأنهم- حتى مع رسولهم ومع كثرة الآيات أمامهم- هل يستغرب أن يرفضوا الدعوة الجديدة، والدين الجديد، ويظلموا أنفسهم بالكفر بالرسول الجديد للإنسانية كلها، فيا أيتها الأمة لا تستغربي مواقفهم، وإياك أن تظلمي مثل ظلمهم. فوائد: - في سفر العدد- وهو السفر الرابع من أسفار العهد القديم- في الإصحاح الأول منه. أمر الله لموسى (أحصوا كل جماعة بني إسرائيل بعشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء كل ذكر برأسه .. ويكون معكما رجل لكل سبط رجل هو رأس لبيت آبائه ... ) وفي الإصحاح الثاني (وكلم الرب موسى وهارون قائلا ينزل بنو إسرائيل كل عند رايته) ثم يحدد الإصحاح موقف كل سبط، فلعل هذا ما ذكرته الآية بتقطيع بني إسرائيل إلى اثني عشر سبطا. وفي سفر العدد في الإصحاح العشرين منه كلام عن ضرب موسى الصخرة وانفجار الماء منها. وفي سفر الخروج الإصحاح الخامس عشر: (ثم جاء إلى إيليم وهناك اثنتا عشرة عين ماء، وسبعون نخلة فنزلوا هناك عند الماء)، وفي الإصحاح السابع عشر: (وعطش هناك الشعب إلى الماء وتذمر الشعب على موسى ... فقال الرب لموسى مر قدام الشعب وخذ معك من شيوخ بني إسرائيل وعصاك التي ضربت بها خذها في يدك واذهب ها أنا أقف أمامك هنال على الصخرة في حوريب فتضرب الصخرة فيخرج منها ماء ليشرب الشعب ففعل موسى هكذا أمام عيون شيوخ بني إسرائيل ... ). وفي الإصحاح السادس عشر من سفر الخروج كلام عن المن والسلوى. (وفي الصباح كان سقيط الندى حول المحلة ولما ارتفع سقيط الندى إذا على وجه البرية شئ دقيق مثل قشور دقيق كالجليد على الأرض ودعا بيت إسرائيل اسمه منا وهو

стр. 1952

كبزر الكزبرة أبيض وطعمه كرقاق بعسل وكانوا يلتقطونه صباحا فصباحا كل واحد على حسب أكله وإذا حميت الشمس كان يذوب) وأما السلوى فقد ذكرت الإصحاح نفسه (فكلم الرب موسى قائلا سمعت تذمر بني إسرائيل كلمهم قائلا في العشية تأكلون لحما وفي الصباح تشبعون خبزا .... فكان في المساء أن السلوى صعدت وغطت المحلة) وليس في الأسفار وصف للسلوى والمعروف أن السلوى طير صغير أكبر من العصفور قليلا وقد مر الكلام عنه (في سورة البقرة) بأنه السماني. وفي الإصحاح السادس عشر (وأكل بنو إسرائيل المن أربعين سنة حتى جاءوا إلى أرض عامرة). والقرآن يذكر هذه الحوادث في هذا السياق للتدليل على أن هذا الشعب كان يرى الآيات، وتتوالى عليه النعم المباشرة من الله، ومع ذلك كان يظلم، من أجل ألا تستغرب هذه الأمة كفر اليهود بدعوة الله الجديدة. وهي في الوقت إقامة حجة على هؤلاء، ودعوة لهم وموعظة، كيلا يسلكوا الطريق الخاطئ طريق آبائهم. ثم هي درس للمسلمين في ألا يسلكوا طريق هؤلاء. وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ أي واذكر إذ قيل لهم. اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ مر معنا في سورة البقرة الخلاف في المراد بهذه القرية، لأن الله قد فتح لهم بلادا كثيرة، والراجح أنها بيت المقدس وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ أثناء الدخول وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً أي خاضعين راكعين نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ هذان وعدان وعد للجميع بالغفران إن أطاعوا، ووعد للمحسنين خاصة بالزيادة فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً أي عذابا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ. أي بسبب ظلمهم، وفي هذا كذلك إشعار لهذه الأمة بألا تستغرب رفض اليهود لدعوة الله، وفي هاتين الآيتين وما قبلهما تذكير لهذه الأمة بألا تظلم نفسها بمعصية ربها، وترك شكره، وعدم تنفيذ أوامره. وفي هذه الآيات كلها نماذج على مواقف فاسدة من الهدى الرباني المنزل على أمة من الأمم. فائدة: يبدو أن الأمر بدخول البلدة التي أمروا بالدخول إليها كان في زمن يشوع خليفة موسى ﵉، وسفر يشوع الذي بين أيدينا الآن لا نستطيع الاعتماد على ما فيه كغيره، لأن فيه العبارة التقليدية التي تفيد أن هذه الأسفار كتبت متأخرة وهي- إلى هذا اليوم- ففي الإصحاح السابع منه (فقال يشوع كيف كدرتنا يكدرك الرب في

стр. 1953

هذا اليوم فرجمه جميع إسرائيل بالحجارة وأحرقوه بالنار ورموه بالحجارة وأقاموا فوقه رجمة حجارة عظيمة إلى هذا اليوم فرجع الرب عن حمو غضبه). وأبرز ما يركز عليه هذا السفر ويوضحه فتح أريحا وقد رأينا الاختلاف في القرية التي ذكرها النص القرآني. هل هي أريحا أو القدس ولو كان في تعيينها فائدة عملية لذكرها الله. والحكمة في ذكر هذه البلدة هي العبرة في أن الله أنعم على أمة بنعمة عظيمة، باستخلافها والفتح عليها. وكيف أنها تقابل ذلك بالمعصية بدل الشكر. وعلى كل حال فإن سفر يشوع يحدثنا: أن يشوع بعد أن سيطر على الأرض التي وعدها الله بني إسرائيل قسمها بين بني إسرائيل حسب أسباطهم، وأمرهم أن يسكن كل سبط في المكان المحدد له. ويظهر أن وباء ما قد أصاب بني إسرائيل عقب فتح أريحا. يدل على ذلك ما ورد في الإصحاح الثاني والعشرين في سفر يشوع (أقليل لنا إثم فغور الذي لم نتطهر منه إلى هذا اليوم وكان الوباء في جماعة الرب) وإثم فغور إثم حدث بسبب غلول غله بعض بني إسرائيل بعد فتح أريحا وعاقب يشوع أصحابه ولكن الوباء لم ينزل بهذا السبب حتما وإنما لشئ آخر ارتكبته الجماعة كلها والله أعلم. ولنعد إلى السياق: وَسْئَلْهُمْ أي واسأل اليهود وهذا السؤال للتقريع والتذكير فهو تقريع لهم وتذكير بعقاب الله لمن خالف أمره. وتذكير لهذه الأمة بألا تتحايل على أمر الله فتستحل محارمه بحيلة ما، وهو تذكير عام بعاقبة من يخالف أمر الله، ويتنكر لهداه. عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ أي قريبة منه أو على ساحله وأكثر المفسرين على أنها أيلة على خليج العقبة. وقد أحيا اليهود اسمها حاليا فسموا مدينتهم على خليج العقبة إيلات إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ أي يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت وقد نهوا عن العمل فيه فهتكوا حرمته. والمراد بالقرية أهلها. والمعنى واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً أي ظاهرة على وجه الماء وذلك امتحان من الله لهم والمراد بيوم سبتهم يوم السبت الذي كلفهم الله بتعظيمه بترك الصيد والعمل، وبالاشتغال بالتعبد حيث يظهر لهم السمك على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده، ويختفي عنهم في اليوم المحلل لهم صيده وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ أي: مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي: بسبب فسقهم وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ أي: جماعة

стр. 1954

من صلحاء القرية الذين أيسوا من وعظهم بعد ما ركبوا الصعب والذلول في موعظتهم، الآخرين لا يقلعون عن وعظهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً وإنما قالوا ذلك لعلمهم أن الوعظ لا ينفع فيهم قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ أي نحن نفعل ذلك تقديما للعذر إلى الله لئلا ننسب في النهي عن المنكر إلى التفريط أي وعظناهم ليعذرنا الله وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي ولطمعنا في أن يتقوا فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي أهل القرية لما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ أي من العذاب الشديد والذين قالوا (لم تعظون) من الناجين. فعن الحسن نجت فرقتان، وهلكت فرقة، وهم الذين أخذوا الحيتان وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا أي الراكبين للمنكر بِعَذابٍ بَئِيسٍ أي شديد بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي بخروجهم عن طاعة الله وأمره فَلَمَّا عَتَوْا أي تمردوا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ عن الاعتداء في السبت قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أي جعلناهم قردة أذلاء مبعدين. فهذا هو العذاب البئيس الذي أخذوا به وهو المسخ. فوائد: ١ - روى الإمام ابن بطة عن أبي هريرة ﵁ بإسناد جيد: أن رسول الله ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل». ٢ - عن ابن عباس روايتان في هلاك الساكتين إحداهما: قال: «كانوا أثلاثا ثلث نهوا وثلث قالوا لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ وثلث أصحاب الخطيئة فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم. قال ابن كثير هذا إسناد جيد عن ابن عباس، ولكن رجوعه إلى رأي عكرمة في نجاة الساكتين أولى من القول بهذا لأنه تبين حالهم بعد ذلك. ٣ - أمر الله رسوله ﷺ أن يسأل بني إسرائيل عن هذه القرية كما قلنا للتقريع والتذكير وإلا فقد أعلم الله رسوله بحالهم، ويبدو أن القصة مشهورة متداولة عند اليهود، ولذلك كان التذكير بها يؤدي غرضه في قلوبهم، إن كان لهم قلوب وليس في أسفار العهد القديم الموجودة بين أيدينا إشارة إلى هذه الحادثة. فلعل شهرتها عندهم ترجع إما لأنها متوارثة فيهم، أو لأنها مذكورة في كتبهم الأخرى. وقد ذكرنا في سورة البقرة النصوص التي تدل على أن من مسخ منهم مات بعد ثلاثة أيام. ولنذكر هنا ما رواه عبد الرزاق عن عكرمة عن ابن عباس في شأن هذه القرية. قال عكرمة: جئت

стр. 1955

ابن عباس يوما وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمت أن أدنو منه ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداك؟ قال: فقال. هؤلاء الورقات. قال: وإذا هو في سورة الأعراف. قال: تعرف أيلة؟ قلت: نعم. قال. فإنه كان بها حي من اليهود، وسبقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كد ومئونة شديدة، كانت تأتيهم يوم سبتهم شرعا بيضاء سمانا كأنها الماخض تنتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم. فكانوا كذلك برهة من الدهر إذ الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه وكلوها في غيره من الأيام. فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت، فكانوا كذلك حتى جاءت الجمعة المقبلة فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين وتنحت، واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت وقال الأيمنون: ويلكم الله نهاكم أن تتعرضوا لعقوبة الله وقال الأيسرون: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قال الأيمنون مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي ينتهون فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم. فمضوا على الخطيئة، وقال الأيمنون فقد فعلتم يا أعداء الله، والله لنأتينكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب. فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا فلم يجابوا، فوضعوا سلما وأعلوا سور المدينة رجلا فالتفت إليهم فقال: أي عباد الله قردة، والله تعاوى لها أذناب قال ففتحوا فدخلوا عليهم فعرفت القرود أنسابها من الإنس ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم عن كذا فتقول برأسها أي نعم، ثم قرأ ابن عباس فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ قال: فأرى الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها. قال: قلت: جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم فقالوا لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ قال فأمر لي فكسيت ثوبين غليظين. وكذا روى مجاهد عنه. ٤ - مجئ هذه القصة هنا درس لمن خالف أمر الله بحيلة من الحيل فإذا فهمنا هذا الدرس على ضوء محور السورة نفهم أن هدى الله المنزل يجب أن يطبق بقوة. فليس الله كغيره. ولا أمر الله كأمر غيره.

стр. 1956

٥ - يلاحظ في هذه القصة كيف أن الله كان مشددا على بني إسرائيل في أمر تعظيم السبت وحرمة العمل فيه. وهذا الذي نراه في هذه القصة نجده في أسفار موسى الخمسة بشكل واضح وفي أكثر من مكان مع التهديد العظيم لمن خالف ذلك. ومن ذلك ما ورد في الإصحاح العشرين سفر الخروج (أذكر يوم السبت لتقدسه ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك. وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك لا تصنع عملا ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك). وفي الإصحاح التاسع عشر سفر اللاويين (وتحفظون سبوتي أنا الرب إلهكم). وفي الإصحاح الخامس عشر من سفر العدد (ولما كان بنو إسرائيل في البرية وجدوا رجلا يحتطب حطبا في يوم السبت. فقدمه الذين وجدوه يحتطب حطبا إلى موسى وهارون وكل الجماعة. فوضعوه في المحرس لأنه لم يعلن ماذا يفعل به. فقال الرب لموسى قتلا يقتل الرجل. يرجمه بحجارة كل الجماعة خارج المحلة. فأخرجه كل الجماعة إلى خارج المحلة ورجموه بحجارة فمات كما أمر الرب موسى). ولنعد إلى السياق: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ أي أعلم قال ابن كثير وفي قوة الكلام ما يفيد معنى القسم من هذه اللفظة لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي ليسلطن على اليهود مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ أي إذا عصوا وخالفوا أوامره وشرعه وقد فعلوا إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ أي للكفار وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي للمؤمنين. ومع عذاب التسليط عليهم فقد عذبوا بالتشتيت وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ كلها أُمَماً أي فرقا أي وفرقناهم فيها فلا تخلو بلد عن فرقة مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ أي في التفريق الأول، أما بعد بعثة عيسى فلا صالح إلا من اتبعه، وبعد بعثة محمد ﷺ فلا صالح إلا من اتبعه وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ أي ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه، وهم الفسقة. أي ومنهم ناس منحطون عن الصلاح وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ أي بالنعم والنقم والخصب والجدب كسنتنا في كل أمة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي ينتهون عن المعصية فينيبون إلى الله بالطاعة فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد ذلك الجيل الذي تمت عليه عقوبة التشتيت والتسليط فَخَلَفَ أي: جيل آخر، أو أجيال أخرى، والخلف بدل السوء بخلاف الخلف فهو الصالح وَرِثُوا الْكِتابَ أي التوراة ودققوا على ما فيها من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم ولم يعملوا بها

стр. 1957

يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى العرض: المتاع. أي يأخذون حطام هذا الشئ الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا أي لا يؤاخذنا الله بما أخذنا وتمتعنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أي يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم غير تائبين. ومن شروط التوبة العزم على عدم العودة، وهؤلاء يرجون المغفرة ولا يقلعون عن ذنب أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أي الميثاق المذكور في الكتاب أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي إلا الصدق وَدَرَسُوا ما فِيهِ أي وقرءوا ما في الكتاب وعلموا ما أخذ عليهم من ميثاق ومع ذلك كانوا يخونون حكم الله من أجل الدنيا وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ أي من ذلك العرض الخسيس لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الله بالكف عما حرم وفعل ما أمر أَفَلا تَعْقِلُونَ أي فليس لهؤلاء الذين اعتاضوا بعرض الدنيا عما عندي عقل يردعهم عما هم فيه من السفه والتبذير وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ أي يعتصمون به ويتعلقون به وَأَقامُوا الصَّلاةَ خص الصلاة مع أن التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة لأهميتها إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ أي إنا لا نضيع أجرهم، ويحتمل أن يكون المعنى أن من أقام الصلاة ودعا إلى كتاب الله فإنه هو المصلح والله لا يضيع أجره. نقول: ١ - بمناسبة قوله تعالى وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ يقول صاحب الظلال: (لا شئ يثبت على الغير والأحداث وتقلبات الأحوال في هذا الخضم الهائج وفي هذه المعركة الكبرى إلا اليقين في الآخرة، وإنها خير للذين يتقون، ويعفون، ويترفعون، ويثبتون على الحق والخير في وجه الزعازع والأعاصير والفتن، ويمضون في الطريق لا يلتفتون ... مطمئنين واثقين ملء قلوبهم اليقين. وهذه الدار الآخرة غيب من الغيب الذي يريد دعاة «الاشتراكية العلمية» أن يلغوه من قلوبنا ومن عقيدتنا ومن حياتنا ويحلوا محله تصورا كافرا جاهلا مطموسا يسمونه «العلمية». ومن أجل هذه المحاولة البائسة تفسد الحياة وتفسد النفوس وينطلق السعار المجنون الذي لا يكبحه إلا ذلك اليقين ... ينطلق سعار الرشوة والفساد والطمع والطغيان. وينتشر داء الإهمال وقلة المبالاة والخيانة في كل مجال ..

стр. 1958

إن «العلمية» التي تناقض «الغيبية» جهالة من جهالات القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر. جهالة يرجع عنها العلم البشري، ذاته، ولا يبقى من يرددها في القرن العشرين الذي يهدد البشرية بالدمار، ولكنه المخطط الصهيوني الرهيب الذي يريد أن يسلب البشرية كلها قوام حياتها وصلاحها، ليسهل تطويعها لملك صهيون في نهاية المطاف والذي تردده الببغاوات هنا وهناك بينما الأوضاع التي أقامتها الصهيونية وكفلتها في أنحاء الأرض تمضي عن علم في تنفيذ المخطط الرهيب هنا وهناك. ولأن قضية الآخرة وقضية التقوى قضيتان أساسيتان في العقيدة وفي الحياة، يحيل السباق القرآني المخاطبين الذين يتهافتون على عرض هذا الأدنى .. عرض الحياة الدنيا .. إلى العقل: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ .. أَفَلا تَعْقِلُونَ؟. ولو كان العقل هو الذي يحكم الهوى .. ولو كان العلم الحق لا الجهالة التي تسمى العلم هو الذي يقضي .. لكانت الدار الآخرة خيرا من عرض هذا الأدنى. ولكانت التقوى زادا للدين والدنيا جميعا). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ، إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ. يقول صاحب الظلال: (وهو تعريض بالذين أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه، ثم هم لا يتمسكون بالكتاب الذي درسوه ولا يعملون به، ولا يحكمونه في تصوراتهم وحركاتهم ولا في سلوكهم وحياتهم .. غير أن الآية تبقى- من وراء ذلك التعريض- مطلقة، تعطي مدلولها كاملا، لكل جيل ولكل حالة. إن الصيغة اللفظية: «يمسكون» .. تصور مدلولا يكاد يحس ويرى .. إنها صورة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة .. الصورة التي يحب الله أن يأخذ بها كتابه وما فيه .. في غير تعنت ولا تنطع ولا تزمت .. فالجد والقوة والصرامة شئ والتعنت والتنطع والتزمت شئ آخر .. إن الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر ولكنها تنافي التميع ولا تنافي سعة الأفق ولكنها تنافي الاستهتار ولا تنافي مراعاة الواقع ولكنها تنافي أن يكون «الواقع» هو الحكم في شريعة الله فهو الذي يجب أن يظل محكوما بشريعة الله. والتمسك بالكتاب في جد وقوة وصرامة، وإقامة الصلاة- أي شعائر العبادة- هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة .. والتمسك بالكتاب في هذه العبارة مقرونا إلى الشعائر يعني مدلولا معينا .. إذ يعني تحكيم هذا الكتاب في حياة الناس لإصلاح هذه الحياة،

стр. 1959

مع إقامة شعائر العبادة لإصلاح قلوب الناس. فهما طرفان للمنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ. يشير إلى هذه الحقيقة .. حقيقة أن الاستمساك الجاد بالكتاب عملا وإقامة الشعائر عبادة هما أداة الإصلاح الذي لا يضيع الله أجره على المصلحين. وما تفسد الحياة كلها إلا بترك طرفي المنهج الرباني .. ترك الاستمساك الجاد بالكتاب وتحكيمه في حياة الناس وترك العبادة التي تصلح القلوب فتطبق الشرائع دون احتيال على النصوص كالذي يصنعه أهل الكتاب وكالذي يصنعه أهل كل كتاب حين تفتر القلوب عن العبادة فتفتر عن تقوى الله .. إنه منهج متكامل. يقيم الحكم على أساس الكتاب ويقيم القلب على أساس العبادة ومن ثم تتوافى القلوب مع الكتاب، فتصلح القلوب وتصلح الحياة. إنه منهج الله لا يعدل عنه ولا يستبدل به منهجا آخر، إلا الذين كتبت عليهم الشقوة وحق عليهم العذاب). فوائد: ١ - عرفنا من هذه الآيات عقوبة من عقوبات الانحراف عن أمر الله وهديه المنزل أن يسلط على الأمة التي تنحرف عن أمره غيرها يسومها سوء العذاب ويشتتها ويفرقها. وهذا ما حدث لليهود، ما مر جيل إلا وقد سلط الله عليه من يسومه سوء العذاب، وما جرى على يد هتلر لهم ليس بعيدا وما سيجري لهم على أرض فلسطين بإذن الله، سيكون استمرارا لهذه السنة وهذه بشارة عظيمة لنا إذا أقمنا أمر الله. ولم نكن مثلهم بالانحراف عن أمر الله. وما سلطوا علينا الآن إلا لأننا ماثلناهم في الانحراف عن أمر الله. ٢ - ومن قوله تعالى وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ نفهم أن هذا العقاب لهم كان معلوما لديهم بإعلام الله لهم، ومن مراجعة الأسفار الخمسة الأولى في العهد القديم- أسفار موسى- نجد هذا الإعلام واضحا في أكثر من مكان، ومن ذلك ما ورد في الإصحاح السادس والعشرين من سفر اللاويين، وتكاد الآيات التي مرت معنا أن تحصي الكثير منه وهذا هو (لكن إن لم تسمعوا لي ولم تعملوا كل هذه الوصايا.

стр. 1960

وإن رفضتم فرائضي وكرهت أنفسكم أحكامي فما عملتم كل وصاياي بل نكثتم ميثاقي. فإني أعمل هذه بكم، أسلط عليكم رعبا وسلا وحمى تفني العينين وتتلف النفس وتزرعون باطلا زرعكم فيأكله أعداؤكم، وأجعل وجهي ضدكم فتنهزمون أمام أعدائكم ويتسلط عليكم مبغضوكم وتهربون وليس من يطردكم. وإن كنتم مع ذلك لا تسمعون لي أزيد على تأديبكم سبعة أضعاف حسب خطاياكم. فأحطم فخار عزكم، وأصير سماءكم كالحديد وأرضكم كالنحاس فتفرغ باطلا قوتكم وأرضكم ولا تعطي غلتها وأشجار الأرض لا تعطي أثمارها وإن سلكتم معي بالخلاف ولم تشاءوا أن تسمعوا لي أزيد عليكم ضربات سبعة أضعاف حسب خطاياكم أطلق عليكم وحوش البرية فتعدمكم الأولاد وتقرض بهائمكم وتقللكم فتوحش طرقكم. وإن لم تتأدبوا مني بذلك بل سلكتم معي بالخلاف. فإني أنا أسلك معكم بالخلاف وأضربكم سبعة أضعاف حسب خطاياكم. أجلب عليكم سيفا ينتقم نقمة الميثاق فتجتمعون إلى مدنكم وأرسل في وسطكم الوباء فتدفعون بيد العدو. بكسري لكم عصا الخبز تخبز عشر نساء خبزكم في تنور واحد ويرددن خبزكم بالوزن فتأكلون ولا تشبعون. وإن كنتم بذلك لا تسمعون لي بل سلكتم معي بالخلاف فأنا أسلك معكم بالخلاف ساخطا وأؤدبكم سبعة أضعاف حسب خطاياكم. فتأكلون لحم بنيكم. ولحم بناتكم تأكلون. وأخرب مرتفعاتكم، وأقطع شمساتكم وألقي جثثكم على جثث أصنامكم وترذلكم نفسي. وأصير مدنكم خربة ومقادسكم موحشة ولا أشتم رائحة سروركم. وأوحش الأرض فيستوحش منها أعداؤكم الساكنون فيها. وأذريكم بين الأمم وأجرد وراءكم السيف فتصير أرضكم موحشة ومدنكم تصير خربة. حينئذ تستوفي الأرض سبوتها كل أيام وحشتها وأنتم في أرض أعدائكم. حينئذ تسبت الأرض وتستوفي سبوتها. كل أيام وحشتها تسبت ما لم تسبته من سبوتكم في سكنكم عليها. والباقون منكم ألقي الجبانة في قلوبهم في أراضي أعدائهم، فيهزمهم صوت ورقة مندفعة فيهربون كالهرب من السيف ويسقطون وليس طارد، ويعثر بعضهم ببعض كما من أمام السيف وليس طارد ولا يكون لكم قيام أمام أعدائكم. فتهلكون بين الشعوب وتأكلكم أرض أعدائكم. والباقون منكم يفنون بذنوبهم في أراضي أعدائكم. وأيضا بذنوب آبائهم معهم يفنون. لكن إن أقروا بذنوبهم وذنوب آبائهم في خيانتهم التي خانوني بها وسلوكهم معي الذي سلكوا بالخلاف. وإني أيضا سلكت معهم بالخلاف وأتيت بهم إلى أرض أعدائهم إلا أن تخضع حينئذ قلوبهم الغلف ويستوفوا حينئذ عن ذنوبهم. أذكر

стр. 1961

ميثاقي مع يعقوب وأذكر أيضا ميثاقي مع إسحاق وميثاقي مع إبراهيم وأذكر الأرض. والأرض تترك منهم وتستوفي سبوتها في وحشتها منهم، وهم يستوفون عن ذنوبهم لأنهم قد أبوا أحكامي وكرهت أنفسهم فرائضي. ولكن مع ذلك أيضا متى كانوا في أرض أعدائهم ما أبيتهم ولا كرهتهم حتى أبيدهم وأنكث ميثاقي معهم، لأني أنا الرب إلههم. بل أذكر لهم الميثاق مع الأولين الذين أخرجتهم من أرض مصر أمام أعين الشعوب لأكون لهم إلها. أنا الرب». ولنعد إلى التفسير الحرفي: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ أي واذكروا إذ قلعناه ورفعناه كقوله تعالى في سورة البقرة وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ* كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ الظلة: كل ما أظلك من سقيفة أو سحاب وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ أي أنه ساقط عليهم. قال المفسرون المسلمون: وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها فرفع الله الطور على رءوسهم وقيل لهم إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من سقوطه فلذلك لا نرى يهوديا يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هي السجدة التي رفعت عنابها العقوبة خُذُوا ما آتَيْناكُمْ من الكتاب بِقُوَّةٍ أي بجد وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه. وَاذْكُرُوا ما فِيهِ من الأوامر والنواهي ولا تنسوه لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي لعلكم تتحققون بالتقوى. وإذن فقد أخذت عليهم المواثيق ووضعوا في كل الظروف التي كان ينبغي- بناء عليها- ألا ينحرفوا ومع ذلك انحرفوا، وكان المفروض في الأصل ألا ينحرفوا لما ركب الله في فطرهم كغيرهم من العبودية له وهذا الذي قررته الآية اللاحقة في أول القسم اللاحق. كلمة في السياق: بالآية التي مرت معنا ينتهي المقطع الرابع من القسم الثاني وبانتهائه ينتهي الحديث عن بني إسرائيل كما ينتهي القسم الثاني الذي قص الله علينا به قصص أقوام خالفت شرعه ووحيه فأصابها بسبب ذلك ما أصابها وصلة ذلك بمحور السورة في سورة البقرة لا تخفى. وقد بقي عندنا من السورة القسم الثالث ويبدأ بالحديث عن أخذ الله العهد على بني آدم بالعبودية وصلة ذلك بمحور السورة من سورة البقرة وهو القاعدة التي ختمت بها

стр. 1962

قصة آدم ﵇ لا تخفى. إن صلة أقسام السورة ببعضها واضحة، وصلة السورة بمحورها واضحة، كذلك فلننتقل إلى القسم الثالث. ***

стр. 1963

القسم الثالث من سورة الأعراف بعد أن تنتهي قصة موسى وقصة قومه بذكر أخذ الله الميثاق منهم يأتي القسم الأخير في السورة وهو مبدوء بذكر الميثاق المأخوذ على البشرية كلها بالعبودية لله رب العالمين. وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى. وينتهي بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ومن بداية القسم ونهايته ندرك مضمونه وأنه في موضوع الربوبية والتوحيد، والعبودية والشرك، وصلة ذلك بمحور السورة من سورة البقرة الذي هو قصة آدم والقاعدة التي ختمت بها لا تخفى. يتألف القسم من مقطعين: المقطع الأول يبدأ بالآية (١٧٢) وينتهي بالآية (١٨٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا المقطع الثاني ويبدأ بالآية (١٨٩) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وينتهي بنهاية السورة (٢٠٦) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ. ولتلاحم القسم في مقطعيه فسنعرضه كله مع بعضه وكأنه مقطع واحد: وهذا هو القسم: [سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٢ الى ٢٠٦] وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)

стр. 1964

استعراض لمعاني القسم: يأتي هذا القسم بعد قوله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ. خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ فبعد هذا المشهد مباشرة يأتي هذا القسم الذي يبدأ بالتذكير بأخذ الله العهد على بني آدم. قال صاحب الظلال في ذلك وهو يستعرض معاني هذا القسم من السورة: لذلك أعقب هذا المشهد مشهد أخذ الميثاق على فطرة البشر كافة: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى! شَهِدْنا .. أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ: إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ* أو تقولوا:

стр. 1965

إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ، أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ؟. وأعقب هذا المشهد مشهد الذي ينسلخ من هذا العهد، كما ينسلخ من العلم بآيات الله بعد إذ أراه إياها .. وهو مشهد مثير .. وفيه لمسات قوية للتنفير من هذا الانسلاخ والتحذير من مآله المنظور: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا، فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ* وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ. فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ* ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا. فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ* ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ. ثم بيان لطبيعة الهدى وطبيعة الكفر. يكشف عن أن الكفر إذا تعطل في أجهزة الفطرة يحول دون تلقي هدى الله، وينتهي بالخسارة المطلقة: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ* وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها. أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ. أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ. تعقب هذا البيان لفتة إلى المشركين الذين كانوا يواجهون دعوة الإسلام في مكة بالتكذيب، ويلحدون في أسماء الله فيشتقون منها أسماء الآلهة المفتراة. وتهديد لهم باستدراج الله. ودعوة لهم كذلك أن يتفكروا تفكرا عميقا بعيدا عن الهوى في أمر صاحبهم الذي يدعوهم إلى الهدى ﷺ فينبزونه بأن به جنة! وإلى أن ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما في صفحات الوجود من موحيات الهدى؛ ولمسة لهم بالموت الذى يترقبهم وهم عنه غافلون: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها، وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ. سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ* وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ* وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ* أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ، إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ، وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ* مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ، وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ. ومواجهة كذلك لهؤلاء المشركين في تكذيبهم بالساعة، وسؤالهم عن موعدها ..
следующие страницы →