← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

ميثاقي مع يعقوب وأذكر أيضا ميثاقي مع إسحاق وميثاقي مع إبراهيم وأذكر الأرض. والأرض تترك منهم وتستوفي سبوتها في وحشتها منهم، وهم يستوفون عن ذنوبهم لأنهم قد أبوا أحكامي وكرهت أنفسهم فرائضي. ولكن مع ذلك أيضا متى كانوا في أرض أعدائهم ما أبيتهم ولا كرهتهم حتى أبيدهم وأنكث ميثاقي معهم، لأني أنا الرب إلههم. بل أذكر لهم الميثاق مع الأولين الذين أخرجتهم من أرض مصر أمام أعين الشعوب لأكون لهم إلها. أنا الرب». ولنعد إلى التفسير الحرفي: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ أي واذكروا إذ قلعناه ورفعناه كقوله تعالى في سورة البقرة وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ* كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ الظلة: كل ما أظلك من سقيفة أو سحاب وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ أي أنه ساقط عليهم. قال المفسرون المسلمون: وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها فرفع الله الطور على رءوسهم وقيل لهم إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من سقوطه فلذلك لا نرى يهوديا يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هي السجدة التي رفعت عنابها العقوبة خُذُوا ما آتَيْناكُمْ من الكتاب بِقُوَّةٍ أي بجد وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه. وَاذْكُرُوا ما فِيهِ من الأوامر والنواهي ولا تنسوه لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي لعلكم تتحققون بالتقوى. وإذن فقد أخذت عليهم المواثيق ووضعوا في كل الظروف التي كان ينبغي- بناء عليها- ألا ينحرفوا ومع ذلك انحرفوا، وكان المفروض في الأصل ألا ينحرفوا لما ركب الله في فطرهم كغيرهم من العبودية له وهذا الذي قررته الآية اللاحقة في أول القسم اللاحق. كلمة في السياق: بالآية التي مرت معنا ينتهي المقطع الرابع من القسم الثاني وبانتهائه ينتهي الحديث عن بني إسرائيل كما ينتهي القسم الثاني الذي قص الله علينا به قصص أقوام خالفت شرعه ووحيه فأصابها بسبب ذلك ما أصابها وصلة ذلك بمحور السورة في سورة البقرة لا تخفى. وقد بقي عندنا من السورة القسم الثالث ويبدأ بالحديث عن أخذ الله العهد على بني آدم بالعبودية وصلة ذلك بمحور السورة من سورة البقرة وهو القاعدة التي ختمت بها

стр. 1962

قصة آدم ﵇ لا تخفى. إن صلة أقسام السورة ببعضها واضحة، وصلة السورة بمحورها واضحة، كذلك فلننتقل إلى القسم الثالث. ***

стр. 1963

القسم الثالث من سورة الأعراف بعد أن تنتهي قصة موسى وقصة قومه بذكر أخذ الله الميثاق منهم يأتي القسم الأخير في السورة وهو مبدوء بذكر الميثاق المأخوذ على البشرية كلها بالعبودية لله رب العالمين. وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى. وينتهي بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ومن بداية القسم ونهايته ندرك مضمونه وأنه في موضوع الربوبية والتوحيد، والعبودية والشرك، وصلة ذلك بمحور السورة من سورة البقرة الذي هو قصة آدم والقاعدة التي ختمت بها لا تخفى. يتألف القسم من مقطعين: المقطع الأول يبدأ بالآية (١٧٢) وينتهي بالآية (١٨٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا المقطع الثاني ويبدأ بالآية (١٨٩) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وينتهي بنهاية السورة (٢٠٦) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ. ولتلاحم القسم في مقطعيه فسنعرضه كله مع بعضه وكأنه مقطع واحد: وهذا هو القسم: [سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٢ الى ٢٠٦] وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)

стр. 1964

استعراض لمعاني القسم: يأتي هذا القسم بعد قوله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ. خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ فبعد هذا المشهد مباشرة يأتي هذا القسم الذي يبدأ بالتذكير بأخذ الله العهد على بني آدم. قال صاحب الظلال في ذلك وهو يستعرض معاني هذا القسم من السورة: لذلك أعقب هذا المشهد مشهد أخذ الميثاق على فطرة البشر كافة: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى! شَهِدْنا .. أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ: إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ* أو تقولوا:

стр. 1965

إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ، أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ؟. وأعقب هذا المشهد مشهد الذي ينسلخ من هذا العهد، كما ينسلخ من العلم بآيات الله بعد إذ أراه إياها .. وهو مشهد مثير .. وفيه لمسات قوية للتنفير من هذا الانسلاخ والتحذير من مآله المنظور: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا، فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ* وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ. فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ* ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا. فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ* ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ. ثم بيان لطبيعة الهدى وطبيعة الكفر. يكشف عن أن الكفر إذا تعطل في أجهزة الفطرة يحول دون تلقي هدى الله، وينتهي بالخسارة المطلقة: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ* وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها. أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ. أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ. تعقب هذا البيان لفتة إلى المشركين الذين كانوا يواجهون دعوة الإسلام في مكة بالتكذيب، ويلحدون في أسماء الله فيشتقون منها أسماء الآلهة المفتراة. وتهديد لهم باستدراج الله. ودعوة لهم كذلك أن يتفكروا تفكرا عميقا بعيدا عن الهوى في أمر صاحبهم الذي يدعوهم إلى الهدى ﷺ فينبزونه بأن به جنة! وإلى أن ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما في صفحات الوجود من موحيات الهدى؛ ولمسة لهم بالموت الذى يترقبهم وهم عنه غافلون: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها، وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ. سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ* وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ* وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ* أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ، إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ، وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ* مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ، وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ. ومواجهة كذلك لهؤلاء المشركين في تكذيبهم بالساعة، وسؤالهم عن موعدها ..

стр. 1966

مواجهة بضخامة هذا الشأن الذي يسألون عنه مستهينين، وهول هذا الأمر الذي يتناولونه مستخفين. وجلاء كذلك لطبيعة الرسالة وحقيقة الرسول؛ وتقرير لحقيقة الألوهية وتفرد الله سبحانه بكل خصائصها. ومنها علم الغيب؛ وتجلية الساعة؛ يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي، لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ، ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً. يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ: إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ* قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا. إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ. وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. وفي سياق مواجهة المشركين يجئ بيان عن طبيعة الشرك وقصة الانحراف عن عهد الفطرة بتوحيد الله، وكيف يقع في النفس هذا الانحراف وكأنما هو تصوير لانحراف جيل المشركين بعد أن كان أسلافهم الأولون على دين إبراهيم الحنيف: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها، فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ. فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ* فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما. فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ* وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ .. إنه تمثيل للأجيال المتلاحقة بصورة الحالات المتتابعة في النفس الواحدة وهو تصوير ذو دلالات عجيبة في صدقها وفي جمالها جميعا. ولأن المقصود هو تمثيل حالة المشركين الذين كان هذا القرآن يواجههم فإن السياق ينتقل مباشرة من المثل إلى مخاطبتهم مواجهة، ويوجه الرسول ﷺ إلى تحديهم وآلهتهم: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ، سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ* إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ* إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ. وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ* وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ. وفي نهاية السورة يتجه الخطاب إلى رسول الله ﷺ وإلى الأمة المسلمة. يوجهه إلى

стр. 1967

اليسر في أخذ الناس في هذه الدعوة، ونهنهة النفس عن الغضب مما يبدر منهم من تقاعس واعتراض، والاستعاذة من الشيطان الذي يثير الغضب ويحنق الصدر: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ* وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ* وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ* وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا: لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. وهذا التوجيه يذكرنا بما ورد في مطلع السورة: كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ. فهو يشي بثقل هذا العبء- عبء دعوة الناس- ومواجهة ما في نفوسهم من رواسب وركام وعقابيل، والتواءات وأغراض وشهوات، وغفلة وثقلة وتقاعس. وضرورة الصبر .. وضرورة اليسر. وضرورة السير أيضا في الطريق. ثم توجيه إلى الزاد المعين على مشاق الطريق .. الاستماع والإنصات إلى القرآن .. وذكر الله في كل آن وفي كل حال. والحذر من الغفلة والاقتداء بالمقربين من الملائكة في الذكر والعبادة: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ* وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ* إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ. المعنى العام للقسم: يبدأ القسم بأمر الله رسوله ﷺ أن يتذكر إذ استخرج الله ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه، وإنما فعل ذلك ربنا حتى لا يحتجوا عليه بغفلتهم أو باتباعهم لشرك آبائهم. ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يتلو عليهم خبر من أكرمه الله بتعريفه بآياته فكان أن تركها وتخلى عنها وخالفها واستحوذ عليه الشيطان، فمهما أمره امتثل وأطاعه؛ فكان من الهالكين الحائرين البائرين. ولو أن الله أراد أن يرفعه من التدنس عن قاذورات الدنيا بالآيات التي آتاه إياها لفعل. ولكنه مال إلى زينة الحياة الدنيا وزهرتها وأقبل على لذاتها

стр. 1968

ونعيمها، وغرته كما غرت غيره، فأصبح كالكلب في لهثه في كلتا حالتيه، إن زجر وإن ترك، وهذا مثل كل من كذب بآيات الله، ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يقص هذه القصص من أجل أن يتفكروا، ثم ذكر الله- أن من هداه الله فإنه مضل له، ومن أضله فقد خاب وخسر وضل لا محالة وهو من الخاسرين. ثم يذكر القسم أن الله جلت حكمته قد خلق جهنم وخلق لها أهلها وهو أعدل العادلين وأحكم الحاكمين. وأهل النار هؤلاء المهيئون لدخولها، قلوبهم لا تفقه الحق ولا تعقله، وأعينهم لا تبصر الآيات، وأسماعهم لا تسمع الموعظة، فهم لا يسمعون الحق ولا يعونه، ولا يبصرون الهدى، كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في ما يقيتها. بل هم أضل من الدواب؛ لأن الدواب قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا ناداها ودعاها، وإن لم تفقه كلامه ولأنها تفعل ما خلقت له، إما بطبعها وإما بتسخيرها، بخلاف الكافر فإنه إنما خلق ليعبد الله ويوحده فكفر بالله وأشرك به، ولهذا من أطاع الله من البشر كان أشرف من مثله من الملائكة في معاده. ومن كفر به من البشر كانت الدواب أتم منه، وهؤلاء هم أهل الغفلة عن الله وآياته ودينه وشريعته. ولكي لا نكون كهؤلاء الغافلين عن آيات الله التي تدل على أسمائه الحسنى. ذكرنا الله بأن له الأسماء الحسنى، وأمرنا أن نسميه بها، وأن نترك الملحدين بأسمائه، بالإعراض عنهم، وانتظار ما أعد الله لهم من عذاب جزاء أعمالهم. ثم بين الله أنه إذا كان قد خلق للنار أهلها- وهم من لا عقول لهم- فإنه قد خلق كذلك ناسا قائمين بالحق قولا وعملا. يقولون الحق ويدعون إليه، وبالحق يعملون وبه يقضون، والحق: هو ما أنزله الله، هو آياته وسنة رسوله ﷺ ، فهؤلاء إذن هم المؤمنون بآيات الله العاملون بها، وفي مقابل هؤلاء يوجد المكذبون بآيات الله. فهؤلاء من سنة الله بهم أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا، والتقلب في الجاه، حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شئ، ثم يزيدهم الله إملاء لهم واستدراجا وهم يجهلون سنة الله هذه، ولا يعلمون أن هذا من إملاء الله لهم، وأن الله سيضربهم الضربة القاصمة. وهو القوي الشديد، الفعال لما يريد. وإذا استقرت في القلب معرفة صفات الكافرين واستدراج الله لهم، دعاهم الله إلى التفكر في وضع رسول الله ﷺ . فإنهم سيهديهم التفكر إلى أنه ليس مجنونا، بل هو رسول الله ﷺ حقا، ثم دعاهم إلى النظر في ملك الله وسلطانه في السموات والأرض، وفيما

стр. 1969

خلق من شئ فيهما، ليتدبروا ذلك ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك لمن لا نظير له ولا شبيه. ومن فعله لا ينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلا له. فيجب أن يؤمنوا به، ويصدقوا رسوله، وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان. ويعترفوا بالله وآياته وحاكميته، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت، فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله، وأليم عقابه، فإذا لم يهدهم التفكر والنظر إلى هذا وهذا، ولم يهدهم هذا القرآن إلى الإيمان فبأي تخويف وتحذير وترهيب بعد هذا التحذير وهذا الترهيب الذي جاءهم من عند الله يؤمنون؟ وبأي كتاب يصدقون إذا لم يصدقوا بهذا، الحديث، وهذا القرآن الذي جاءهم به محمد ﷺ من عند الله؟ ولما كان من مثار العجب أن يبقى إنسان كافرا مع وضوح أن محمدا رسول الله، ومع وضوح الآيات التي تدل على الله في هذا الكون، فقد بين الله أن الأمر أمره، فإن من كتب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد، ولا يضل الله إلا من يستحق الضلال، فذلك الذي يتركه الله متخبطا في ظلمات الضلال، ثم بين الله لنا سخف هؤلاء إذ يتركون التفكير فيما ينبغي، ويتركون العمل فيما ينبغي، ويسألون عما لا تقدم أو تؤخر معرفته، فهم يسألون عن الساعة، عن وقت وقوعها، وهم في الأصل مكذبون، فسؤالهم في الحقيقة استبعاد لوقوعها وتكذيب بوجودها، ومع أنهم مستبعدون ومكذبون فهم يتساءلون عن محطها، وأول وقتها، يسألون رسول الله ﷺ عن ذلك كأنه هو من المتكلفين لمعرفة ما لم يرد الله أن يعرفه عليه، وهنا يأمر الله رسوله ﷺ أن يجيبهم جوابين: الجواب الأول: أن الساعة لا يعرف علمها أحد إلا الله، والجواب الثاني أنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا بل هو مفوض أموره كلها إلى الله، وهو تحت مشيئته، وأنه لا يعلم المستقبل ولا اطلاع له على شئ منه، إلا بما أطلعه الله عليه، وأنه لو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير، فإذا اشترى شيئا لا يشتري إلا ما يربح به، ولا يبيع إلا في ذروة الربح. ولأعد للسنة المجدبة من الخصبة، ولوقت الغلاء من الرخص، ولأجتنب ما يكون من الشر قبل أن يكون واتقاه، فإذا لم يكن كذلك فذلك دليل على أنه لا يعلم الغيب. ثم أمره أن يخبر أنما هو نذير للكافرين من العذاب وبشير للمؤمنين بالجنات، وهذا الإعلان في هذا المقام دليل على أن محمدا رسول الله، وهو الذي فات الكافرين التفكر فيه للوصول إليه. لفت نظرهم إلى التفكر في وضع رسول الله ﷺ . ثم أعطاهم دليلا من خلال إعلاناته عن نفسه بما يدل على أنه رسول الله ﷺ .

стр. 1970

وكما لفت نظرهم إلى التفكر في ملكوت السموات والأرض، مما يوصل إلى التوحيد فكذلك يلفت نظرهم مرة أخرى إلى ما يوصل إلى التوحيد، وكيف أن ما يوصل إلى التوحيد وصل ببعض الناس إلى الشرك. فذكر أنه هو الذي خلق جميع الناس من آدم، وأنه خلق منه زوجه حواء. وأنه خلق منهما كل الأزواج. وأن هؤلاء الأزواج إذا مارسوا ما خلقه الله فيهم وما هيأهم له مما فيه بقاء الجنس أنهم في شوقهم إلى الولد، وفي حالة رهبهم من مسخه أو حظره، كانوا يطلبون من الله ويعدون الله من أنفسهم الشكر، فإذا ما أعطاهما الله ما أرادا قابلاه بالشرك. وتعالى الله أن يكون له شريك في ملكه وسلطانه وفي ألوهيته وربوبيته. ومن خلال ما مر ويمر نلاحظ أن هذا القسم يعرض قضية الضلال والهداية بلغة العزة وجبروت الجلال، وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز في القرآن، أنك تشعر أن هذا القرآن يعرض ما يعرض ويظهر لك في كل ما يعرض آثار عزة الذات العلية القاهرة، فلا تحس فيه آثار الضعف البشري لا في الدفاع ولا في الهجوم. ولنعد إلى عرض معاني القسم: فبعد أن بين الله أن الإنسان يشرك مع وجود ما يستدعي منه التوحيد، يناقش هؤلاء المشركين وينكر عليهم أن يشركوا معه غيره من مخلوقاته المربوبة له، المصنوعة بقدرته، التي لا تملك شيئا من الأمر، ولا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر. وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم، سواء في ذلك الأصنام آلهة الوثنيين القدامى، وكثير من المعاصرين، أو الطبيعة كلها آلهة الملحدين، ثم يأمر الله رسوله ﷺ أن يتحدى هؤلاء المشركين بأن تستطيع آلهتهم أن تكيده شيئا، ثم أمره أن يعلن أن الله الذي أنزل عليه الكتاب هو يتولاه، ويتولى الصالحين، ومن تولاه الله فإن كل الخليقة لا تستطيع ضره إلا إذا شاء الله شيئا من ذلك؛ لحكمة هو يعلمها، ومن كان هذا شأنه في الغلبة والقهر والنصر فهو الإله الحق، لا هذه الآلهة المزعومة التي لا تستطيع نصرا لأنفسها ولا لعابديها، ولا تعي ولا تسمع ولا تبصر، وبعد هذا النقاش للمشركين، وإقامة الحجة عليهم يأمر الله رسوله ﷺ وأتباعه أربعة أوامر: الأمر الأول بالعفو، والثاني فعل المعروف، والأمر الثالث الإعراض عن الجاهلين، والأمر الرابع الاستعاذة من الشيطان الرجيم، وذكر الشيطان في آخر السورة تذكير ببدايتها. ثم بين الله تعالى أنه من رحمته بعباده المؤمنين المتقين، أنه إذا وسوس لهم الشيطان شيئا فإنه

стр. 1971

يجعلهم يتذكرون ما كانوا عنه غافلين، فمهما وسوس الشيطان للمتقين فإن ذلك يذوب أمام رعاية الله لهم. فبينما المشركون في عماهم يقترحون الآيات استهزاء وكبرا، فإن المتقين على بصيرة من نور الله، وهذا القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة للمؤمنين، فالمؤمنون على بصيرة في قلوبهم من الله، وعلى بصيرة من ربهم بهذا القرآن، ومن اجتمعت له بصيرتان فأنى يضل. أما المشركون فلا بصيرة لهم، وقياما بالشكر على نعمة الله بهذا القرآن فإن الله يأمر عباده أن يستمعوا إلى كتابه إذا تلي عليهم وهم في صلاتهم من أجل أن تصيبهم رحمة ربهم، ثم يأمر الله رسوله والمؤمنين أن يذكروا الله ربهم في أول نهارهم وآخره، مع الخشوع والإخلاص بالإسرار بذلك، ونهاهم أن يكونوا من الغافلين، وذكرهم بالملائكة في دوام عبادتهم لله، وخضوعهم له، وتسبيحهم له، وسجودهم للاقتداء بهم في هذا المقام. وبهذا المعنى ينتهي القسم وتنتهى السورة. هذه هي المعاني العامة للقسم وفيها: توضيح لقضية الهدى والضلال، ومناقشة للضالين، ومناقشة أهل الشرك الذي هو البداية لكل ضلال، وتحديد معالم البداية للهداية، من معرفة لله، وتفكر في شأن رسوله، ونظر في خلقه، وشكر له لا يخالطه شرك، ومعرفة، بسخافة الشرك، وتخلق بمكارم الأخلاق، واستعاذة من الشيطان، وأدب مع القرآن. وذكر دائم للرحمن، وتخلق بأخلاق الملائكة. وما بين بداية السورة ونهايتها ترابط. فالسورة تبدأ بالتحذير من الشيطان، وتنتهي بالمعاني الأولية التي ينبغي أن يراعيها أو يرفضها المسلم، كما تحدد معالم الطريق للسير إلى الله، وتحدد معالم أدب الدعاة، بهذا كانت السورة كلها تفصيلا لقوله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ومن ثم فإن سالكي الطريق إلى الله عليهم أن يتأملوا هذه السورة ويعملوا بما فيها، وأن يرجوا، وأن يحذروا، وأن يتحققوا. المعنى الحرفي: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أي وإذا أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم، ومعني أخذ ذريتهم من ظهورهم: إخراجهم من أصلاب آبائهم كما سنرى وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا للمفسرين في تفسير هذا النص اتجاهان:

стр. 1972

الاتجاه الأول: أن هذا من باب التمثيل ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الهدى والضلالة، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ وكأنهم قالوا بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك. الاتجاه الثاني: أن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهر آدم مثل الذر، وأخذ عليهم الميثاق أنه ربهم بقوله. أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ فأجابوه ببلى قالوا: وهي الفطرة التي فطر الله الناس عليها. وقال النسفي والحجة للأولين أنه قال مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل من ظهر آدم، ولأنا لا نتذكر ذلك فأنى يصير حجة؟ أَنْ تَقُولُوا أي: فعلنا ذلك من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول، وأخذ شهادة الأرواح كراهة أن تقولوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أي لم ننبه عليه أَوْ تَقُولُوا أي: أو كراهة أن تقولوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ. أي فاقتدينا بهم فذلك لا حجة فيه لأن نصب الأدلة على التوحيد وما نبهوا عليه قائم معهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه، والاقتداء بالآباء، كما لا عذر لآبائهم في الشرك، وأدلة التوحيد منصوبة لهم أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ أي لولا ما قامت عليهم به الحجة لقالوا هذا الكلام محتجين به على الله. والمعنى أنهم لولا ذاك لقالوا إن آباءنا كانوا السبب في شركنا. لتأسيسهم الشرك وتركه سنة لنا. ومن ثم أخذ الله من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ربوبيته وعبوديتهم وَكَذلِكَ أي ومثل ذلك التفصيل البليغ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي هذا التفصيل البليغ من أجل أن يرجعوا إلى مقامهم الأصيل مقام العبودية لله. ومن هاتين الآيتين نفهم أن الله لم يترك لأحد حجة عليه في الفرار من عبوديته، والعبودية إنما تكون باتباع وحيه ورسله. فوائد: رأينا أن للمفسرين اتجاهين في تفسير قوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ وابن كثير لم ير أن أيا من التفسيرين يعارض الآخر من حيث المبدأ: فقد جبل الله الفطرة على التوحيد، كما استخرج ذرية آدم من ظهورهم

стр. 1973

وأشهدهم على أنفسهم، ومن كلامه: «يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه، قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة- وفي رواية: على هذه الملة- فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء». وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ . «يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم». وقال الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀ ... عن الأسود بن سريع من بني سعد قال: غزوت مع رسول الله ﷺ أربع غزوات. قال: فتناول القوم الذرية بعد ما قتلوا المقاتلة. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فاشتد عليه ثم قال. «ما بال أقوام يتناولون الذرية؟ فقال رجل: يا رسول الله أليسوا أبناء المشركين؟ فقال: «إن خياركم أبناء المشركين؟ ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها». قال الحسن- أحد رجال سند الحديث- والله لقد قال الله في كتابه وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الآية وقد رواه الإمام أحمد وأخرجه النسائي في سننه ولم يذكر قول الحسن البصري واستحضاره الآية عند ذلك، وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم ﵇، وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وفي بعضها الاستشهاد عليهم بأن الله ربهم. روى الإمام أحمد ... عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شئ أكنت مفتديا به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي» أخرجاه في الصحيحين وروى الإمام أحمد أيضا ... عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ بنعمان- يعني عرفة- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قبلا قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ. وقد روى هذا الحديث النسائي، وابن جرير وابن أبي حاتم، وأخرجه الحاكم في

стр. 1974

مستدركه وقال صحيح الإسناد. وروى الإمام أحمد أيضا ... عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى. الآية فقال عمر ابن الخطاب: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها فقال: «إن الله خلق آدم ﵇، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية. قال خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون .. ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، قال خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون». فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ قال رسول الله ﷺ «إذا خلق الله العبد للجنة استعمله بأعمال أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بأعمال أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار» وهكذا رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: هذا حديث حسن. وروى الترمذي عند تفسيره هذه الآية ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عين كل إنسان منهم وبيصا (بريقا) من نور، ثم عرضهم على آدم فقال أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب، من هذا؟ قال هذا رجل من آخر الأمم في ذريتك، يقال له داود، قال رب وكم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة. قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة، فلما انقضى من عمر آدم جاءه ملك الموت، قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته». ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ورواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط مسلم، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره ... عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: «ثم عرضهم على آدم فقال يا آدم هؤلاء ذريتك وإذا فيهم الأجذم، والأبرص، والأعمى، وأنواع الأسقام، فقال آدم يا رب لم فعلت هذا بذريتي؟ قال كي تشكر نعمتي. وقال آدم يا رب من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نورا؟ قال هؤلاء الأنبياء يا آدم من ذريتك ثم ذكر قصة داود كنحو ما تقدم. وروي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد من علماء السلف سياقات توافق هذه الأحاديث، اكتفينا بإيرادها عن التطويل في تلك

стр. 1975

الآثار كلها والله المستعان، فهذه الأحاديث دالة على أن الله- استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وفي حديث عبد الله بن عمرو، وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم، ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد، كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن عمار المجاشعي، ومن رواية الحسن البصري عن الأسود ابن سريع وقد فسر الحسن الآية بذلك، قالوا: ولهذا قال: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ. ولم يقل من آدم. وقال مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل من ظهره وقال ذُرِّيَّتَهُمْ. أي جعل نسلهم جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن.» ولنعد إلى التفسير الحرفي: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ. على اليهود أو على الناس نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا. أي أعطيناه كرامات وفتحنا عليه في فهم آياتنا فَانْسَلَخَ مِنْها. أي فخرج من الآيات بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ. أي فلحقه الشيطان وصار قرينا له فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. أي فصار من الضالين الكافرين وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ. إلى منازل الأبرار من العلماء بِها أي بالآيات وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ. أي: مال إلى الدنيا ورغب فيها وَاتَّبَعَ هَواهُ. أي: فى إيثار الدنيا ولذاتها على الآخرة ونعيمها فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ أي إن تزجره وتطرده يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ غير مطرود يَلْهَثْ. والمعنى فصفته التي هي مثل في الخسة، هي صفة الكلب في أخس أحواله وأذلها وهي حال دوام اللهث به سواء حمل عليه أي شد عليه وهيج فطرد، أو ترك غير متعرض له بالحمل عليه، وذلك أن سائر الحيوان لا يكون منه اللهث إلا إذا حرك، أما الكلب فيلهث فى الحالين. وسياق الكلام يفهم منه أنه قد حط أبلغ حط حتى أصبح كمثل الكلب ذليلا دائم الذلة لاهثا في الحالين ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا. أي من الكافرين فَاقْصُصِ الْقَصَصَ. أي هذه القصة وغيرها مما فيه العظة لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فيحذرون مثل عاقبته إذا ساروا نحو سيرته ساءَ مَثَلًا أي ساء المثل مثلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ. أي الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم أو المعنى: أنهم بتكذيب الآيات خصوا أنفسهم بالظلم مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ

стр. 1976

الْمُهْتَدِي فلا هداية إلا بتوفيق الله وخلقه وَمَنْ يُضْلِلْ أي ومن يضلله فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ والآية رد على ما ذهب إليه المعتزلة من كون الهدى هو البيان، لأن البيان يستوي به الكافر والمؤمن، إذ البيان ثابت في حق الفريقين، فدل هذا على أن الهدى من الله يراد به توفيقه وعصمته ومعونته، ولو كان ذلك للكافر لاهتدى كما اهتدى المؤمن. فوائد: ١ - أكثر المفسرين- ومن ذلك عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس- على أن المراد بهذا الرجل النموذج بلعام بن باعوراء، وهو رجل من غير بني إسرائيل، كان مجاب الدعوة، فطالبه قومه أن يدعو على موسى فرفض أولا، ثم استجاب لهم فدعا فعوقب. وفي عرض هذا النموذج هنا تحذير وتذكير. فهو تذكير لبني إسرائيل ألا يكونوا مع محمد ﷺ كما كان بلعام بن باعوراء مع موسى، كما هو تحذير لكل إنسان أن يكون كهذا الرجل المنحرف، وهو نموذج يقتضيه السياق الخاص، والسياق العام في سورة تفصل موضوع الهدى المنزل، وموقف الناس منه، فهو نموذج لعالم كان مهتديا ثم زل وكفر فعوقب. ٢ - وقد ورد في معنى هذه الآية حديث رواه الحافظ أبو يعلى عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه، وكان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك» قال: قلت: يا نبي الله أيهما أولى بالشرك المرمي أو الرامي؟ قال: «بل الرامي». وإسناد هذا الحديث جيد. ٣ - وقصة بلعام بن باعوراء واردة في سفر العدد الإصحاح الثاني والعشرين. والثالث والعشرين والرابع والعشرين ثم تنقطع القصة، ثم يرد ذكر بلعام بن باعور في الإصحاح الحادي والثلاثين إذ يقال فيه (وبلعام بن بعور قتلوه بالسيف). ويرد ذكر قتله كذلك في سفر يشوع في الإصحاح الثالث عشر (وبلعام بن بعور العراف قتله بنو إسرائيل بالسيف مع قتلاهم). وإذا اقتصر الإنسان على رواية سفر العدد في قصة بلعام لا يجد مبررا لقتل بلعام. وما رواه علماء المسلمين في هذا الموضوع- ويبدو أن روايتهم منقولة عن نسخة قديمة لهذه الأسفار- هو الذي يعطي التصور الأكمل في هذا الموضوع، وهو الذي يوجد الربط ما بين الإصحاح الرابع والعشرين والإصحاح الخامس والعشرين

стр. 1977

في سفر العدد كما سنرى، وأجود ما ننقله من روايات علماء المسلمين في هذا الباب ما ذكره محمد بن إسحاق عن سالم أبي النضر: أنه حدث أن موسى ﵇ لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعام إليه فقالوا له: هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا، ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وإنا قومك، وليس لنا منزل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله عليهم قال: ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون كيف أذهب أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم؟ قالوا له ما لنا من منزل، فلم يزالوا به يرققونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن، فركب حمارة له متوجها إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل، وهو جبل حسبان: فلما سار عليها غير كثير ربضت به، فنزل عنها فضربها، حتى إذا أزلقها قامت فركبها، فلم تسر به كثيرا حتى ربضت به، فضربها حتى إذا أزلقها أذن لها فكلمته حجة عليه فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب؟ أما ترى الملائكة؟ أما تردني عن وجهي هذا؟ تذهب إلى نبي الله والمؤمنين لتدعو عليهم؟؟ فلم ينزع عنها فضربها فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك، فانطلقت به حتى إذا أشرفت به على رأس حسبان على عسكر موسى وبني إسرائيل، جعل يدعو عليهم، ولا يدعو عليهم بشر إلا صرف الله لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل. فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم، وتدعو علينا، قال: فهذا ما لا أملك. هذا شئ قد غلب الله عليه، قال: واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهب مني الآن الدنيا والآخرة ولم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جملوا النساء وأعطوهن من السلع ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إذا زنى رجل واحد منهم كفيتموهم، ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين اسمها: كسبتي- ابنة صور رأس أمته- برجل من عظماء بني إسرائيل وهو: زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، فلما رآها أعجبته، فقام، فأخذ بيدها وأتى بها موسى وقال: إني أظنك ستقول هذا حرام عليك لا تقربها. قال: أجل هذا حرام عليك. قال: فو الله لا أطيعك في هذا. فدخل بها قبته فوقع عليها، وأرسل الله الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، وكان غائبا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس فيهم، فأخبر الخبر فأخذ حربته وكانت من حديد كلها، ثم دخل القبة وهما متضاجعان، فانتظمهما بحربته ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء،

стр. 1978

والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته، وكان بكر العيزار، وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، ورفع الطاعون، فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون- فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص- فوجدوه قد هلك منهم سبعون ألفا. والمقلل لهم يقول عشرون ألفا في ساعة النهار، فمن هنا لك تعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها الرقبة والذراع واللحى، والبكر من كل أموالهم وأنفسها، لأنه كان بكر أبيه العيزار، ففي بلعام بن باعوراء أنزل الله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ* وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. فإذا استوعبنا هذه الرواية مع تحفظنا على بعض ما ورد فيها فلننظر بعض ما ورد في الإصحاحات المذكورة لتكتمل في أذهاننا القصة ورواية ابن إسحاق هي التي تفسر ما ورد بعد من قتل بلعام، كما أنها تخلص من التناقضات الكثيرة الموجودة في الأسفار، فهي تارة تزعم أن الله سمح لبلعام أن ينطلق مع وفد الملك، وتارة تزعم أن الله غضب لأنه انطلق معهم، في الإصحاح الثاني والعشرين (فأتى الله إلى بلعام ليلا وقال له إن أتى الرجال ليدعوك فقم اذهب معهم إنما تعمل الأمر الذي أكلمك به فقط. فقام بلعام صباحا وشد على أتانه وانطلق مع رؤساء موآب فحمي غضب الله لأنه منطلق) فكيف يأمره الله بالذهاب ثم يغضب لذهابه، وفي الإصحاحات نجد أن الله لا يجري على لسان بلعام إلا الدعاء لموسى ومن معه، والتبشير بانتصاره، فلماذا يقتل إذن من قبل موسى وجنده بعد ذلك. إن رواية ابن إسحاق- وهي حتما مأخوذة عن نسخ قديمة للأسفار- هي التي تعطي تعليلا لمقتل بلعام، لولا أن فيها مبالغة أن فنحاص قد رفع الزانية والزاني على رمحه، هذا مع ملاحظة أن ما ذكره ابن إسحاق هو تلخيص واقعي للإصحاحات، ولنكتف بنقل رواية الإصحاح الخامس والعشرين من سفر العدد لأنها تؤيد رواية ابن إسحاق. وندلل على أن نقل ابن إسحاق كان من نسخة أخرى لهذه الأسفار للمطابقة بين ما فيه وفيها دون الربط بين قصة بلعام وانتشار الزنى، الذي تمتاز به رواية ابن إسحاق، ومجريات الحوادث بعد ذلك تؤكد رواية ابن إسحاق وتصدقها. قال الإصحاح الخامس والعشرون: وأقام إسرائيل في شطيم وابتدأ الشعب يزنون مع

стр. 1979

بنات موآب، فدعون الشعب إلى ذبائح آلهتهن: فأكل الشعب وسجدوا لآلهتهن. وتعلق إسرائيل ببعل فغور. فحمي غضب الرب على إسرائيل. فقال الرب لموسى خذ جميع رءوس الشعب وعلقهم للرب مقابل الشمس فيرتد حمو غضب الرب عن إسرائيل. فقال موسى لقضاة إسرائيل اقتلوا كل واحد فوق المتعلقين ببعل فغور، وإذا رجل من بني إسرائيل جاء فقدم إلى إخوته المديانية أمام عيني موسى وأعين كل جماعة بني إسرائيل، وهم باكون لدى باب خيمة الاجتماع. فلما رأى ذلك فينحاس بن العازار بن هارون الكاهن، قام من وسط الجماعة وأخذ رمحا بيده ودخل وراء الرجل الإسرائيلي، إلى القبة وطعن كليهما الرجل الإسرائيلي والمرأة في بطنها، فامتنع الوباء عن بني إسرائيل. وكان الذين ماتوا بالوباء أربعة وعشرون ألفا. فكلم الرب موسى قائلا: فينحاس بن العازار بن هارون الكاهن قد رد سخطي عن بني إسرائيل بكونه غار غيرتي في وسطهم حتى لم أفن بني إسرائيل بغيرتي لذلك قل ها أنا ذا أعطيه ميثاقي. ميثاق السلام. فيكون له ولنسله من بعده ميثاق كهنوت أبدي، لأجل أنه غار لله، وكفر عن بني إسرائيل. وكان اسم الرجل الإسرائيلي المقتول الذي قتل مع المديانية زمري بن شلوم رئيس بيت آب من الشمعونيين. واسم المرأة المديانية المقتولة كزبي بنت صور. هو رئيس قبائل بيت آب في مديان. ثم كلم الرب موسى قائلا: ضايقوا المديانيين واضربوهم، لأنهم ضايقوكم بمكايدهم التي كادوكم بها في أمر فغور وأمر كزبي أختهم بنت رئيس لمديان التي قتلت يوم الوباء بسبب فغور. ٤ - تشبيه المنسلخ عن آيات الله بالكلب وذم ذلك يعطيك معنى سنوضحه فيما بعد وهو أن الإسلام تطهير للإنسان من الأخلاق الحيوانية كلها، وصبغه بالأخلاق الربانية ومن ذلك ما ورد في الحديث الصحيح «ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» ولنعد إلى التفسير الحرفي: وَلَقَدْ ذَرَأْنا أي خلقنا وجعلنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. هم الكفار من الفريقين المعرضون عن تدبر آيات الله، والله تعالى علم منهم اختيار الكفر، فشاء منهم الكفر، وخلق فيهم ذلك، وجعل مصيرهم جهنم لذلك لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها أي لا يعقلون بها الحق ولا يتفكرون فيه وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها

стр. 1980

الرشد وآيات الله وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الوعظ أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ في عدم الفقه والنظر للاعتبار والاستماع للتفكر بَلْ هُمْ أَضَلُّ أي من الأنعام لأنهم كابروا العقول، وعاندوا الرسول، وارتكبوا الفضول، فالأنعام تطلب منافعها وتهرب عن مضارها، وهم لا يعلمون مضارهم حيث اختاروا النار. قال النسفي: كيف يستوي المكلف المأمور والمخلى المعذور، فالآدمي روحاني شهواني، سماوي أرضي، فإن غلب روحه هواه فاق ملائكة السموات. وإن غلب هواه روحه فاقته بهائم الأرض أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ أي الكاملون في الغفلة عن الله وآياته وشريعته، وعما أعد لأهل طاعته ومعصيته وفي هذا السياق- سياق الكلام عن خلق الكافرين للنار والكلام عن غفلة هؤلاء- يذكرنا الله بأسمائه وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى أي التي هي أحسن الأسماء لأنها تدل على معان حسنة فَادْعُوهُ بِها أي فسموه بتلك الأسماء وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ أي واتركوا الذين يكذبون في أسمائه سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ هذا تهديد لهم على إلحادهم وفي مقابلة من خلق لجهنم وَمِمَّنْ خَلَقْنا أي للجنة فكما خلق للنار أهلها فقد خلق للجنة أهلها أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ أي يدعون إليه وَبِهِ يَعْدِلُونَ أي وبالحق يحكمون فيعدلون في أحكامهم، ولا شك أنه يدخل في هؤلاء العلماء العاملون، والدعاة المخلصون. قال النسفي: وفيه دلالة على أن إجماع كل عصر حجة. وبمناسبة هذه الآيتين التاليتين يقول صاحب الظلال: (وما كانت البشرية لتستحق التكريم لو لم تكن فيها دائما- وفي أحلك الظروف- تلك الجماعة التي يسميها الله «أمة» بالمصطلح الإسلامي للأمة ... فهذه الأمة الثابتة على الحق، العاملة به في كل حين، هي الحارسة لأمانة الله في الأرض، الشاهدة بعهده على الناس، التي تقوم بها حجة الله على الضالين المتنكرين لعهده في كل جيل. ونقف لحظة أمام صفة هذه الأمة: يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ .. إن صفة هذه الأمة التي لا ينقطع وجودها من الأرض- أيا كان عددها- أنهم يَهْدُونَ بِالْحَقِّ فهم دعاة إلى الحق لا يسكتون عن الدعوة به وإليه، ولا يتقوقعون على أنفسهم، ولا ينزوون بالحق الذي يعرفونه، ولكنهم يهدون به غيرهم، من الضالين عن هذا الحق، المتنكرين لذلك العهد، ولهم عمل إيجابي لا يقتصر على معرفة الحق إنما

стр. 1981

يتجاوزه إلى الهداية والدعوة إليه .. باسمه. وَبِهِ يَعْدِلُونَ .. فيتجاوزون معرفة الحق والهداية به إلى تحقيق هذا الحق في حياة الناس والحكم به بينهم تحقيقا للعدل الذي لا يقوم إلا بالحكم بهذا الحق .. فما جاء هذا الحق ليكون مجرد علم يعرف ويدرس. ولا مجرد وعظ يهدى به ويعرف! إنما جاء هذا الحق ليحكم أمر الناس كله. يحكم تصوراتهم الاعتقادية فيصححها ويقيمها على وفقه. ويحكم شعائرهم التعبدية فيجعلها ترجمة عنه في صلة العبد بربه. ويحكم حياتهم الواقعية فيقيم نظامها وأوضاعها وفق منهجه ومبادئه، ويقضي فيها بشريعته وقوانينه المستمدة من هذه الشريعة، ويحكم عاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم وسلوكهم فيقيمها كلها على التصورات الصحيحة المستمدة منه. ويحكم مناهج تفكيرهم وعلومهم وثقافاتهم كلها ويضبطها بموازينه ... وبهذا كله يوجد هذا الحق في حياة الناس، ويقوم العدل الذي لا يقوم إلا بهذا الحق .. وهذا ما تزاوله تلك الأمة بعد التعريف بالحق والهداية به .. إن طبيعة هذا الدين واضحة لا تحتمل التلبيس. صلبة لا تقبل التمييع. والذين يلحدون في هذا الدين يجدون مشقة في تحويله عن طبيعته هذه الواضحة الصلبة .. وهم من أجل ذلك يوجهون إليه جهودا لا تكل وحملات لا تنقطع ويستخدمون في تحريفه عن وجهته وفي تمييع طبيعته، كل الوسائل وكل الأجهزة وكل التجارب .. هم يسحقون سحقا وحشيا كل طلائع البعث والحيوية الصلبة الصامدة في كل مكان على وجه الأرض، عن طريق الأوضاع التي يقيمونها ويكفلونها في كل بقاع الأرض، وهم يسلطون المحترفين من علماء هذا الدين عليه، يحرفون الكلم عن مواضعه، ويحلون ما حرم الله، ويميعون ما شرعه، ويباركون الفجور والفاحشة، ويرفعون عليها رايات الدين وعناوينه، وهم يزحلقون المخدوعين في الحضارات المادية المأخوذين بنظرياتها وأوضاعها ليحاولوا زحلقة الإسلام في التشبه بهذه النظريات وهذه الأوضاع، ورفع شعاراتها أو الاقتباس من نظرياتها وشرائعها ومناهجها، وهم يصورون الإسلام الذي يحكم الحياة حادثا تاريخيا مضى ولا يمكن إعادته، ويشيدون بعظمة هذا الماضي ليخدروا مشاعر المسلمين ثم ليقولوا لهم- في ظل هذا التخدير- إن الإسلام اليوم يجب أن يعيش في نفوس أهله عقيدة وعبادة لا شريعة ونظاما، وحسبه وحسبهم ذلك المجد التاريخي القديم هذا وإلا فإن على هذا الدين أن «يتطور» فيصبح محكوما بواقع البشر يبصم لهم على كل ما يقدمونه له من تصورات وقوانين، وهم يضعون للأوضاع التي يقيمونها في العالم- الذي كان

стр. 1982

إسلاميا- نظريات تأخذ شكل العقيدة والدين، لتحل محل ذلك الدين القديم- كما يحاولون تغيير طبيعة هذا الدين كوسيلة أخيرة حتى لا يجد هذا الدين قلوبا تصلح للهداية به فيحولون المجتمعات إلى فئات غارقة في وحل الجنس والفاحشة والفجور مشغولة بلقمة العيش لا تجدها إلا بالكد والعسر والجهد كيلا تفيق بعد اللقمة والجنس لتستمع إلى هدى، أو يفئ إلى دين. إن المعركة الضارية مع هذا الدين والأمة التي تهدي به وتحاول أن تعدل به .. المعركة التي تستخدم فيها جميع الأسلحة بلا تحرج وجميع الوسائل بلا حساب والتي تجند لها القوى والكفايات وأجهزة الإعلام العالمية والتي تسخر لها الأجهزة والتشكيلات الدولية، والتي توجد من أجلها أوضاع ما كانت لتبقى يوما واحدا لولا هذه الكفالة العالمية؟ ولكن طبيعة هذا الدين الواضحة الصلبة ما تزال صامدة لهذه المعركة الضارية. والأمة المسلمة القائمة على هذا الحق- على قلة العدد وضعف العدة- ما تزال صامدة لعمليات السحق الوحشية .. والله غالب على أمره. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ* وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ. وهذه هي القوة التي لا يحسبون حسابها وهم يشنون هذه المعركة الضارية ضد هذا الدين وضد الأمة المستمسكة به الملتقية عليه المتجمعة على آصرته .. هذه هي القوة التي يغفلها المكذبون بآيات الله .. إنهم لا يتصورون أبدا إنه استدراج الله لهم من حيث لا يعلمون، ولا يحسبون أنه إملاء الله لهم إلى حين .. فهم لا يؤمنون بأن كيد الله متين، إنهم يتولى بعضهم بعضا ويرون قوة أوليائهم ظاهرة في الأرض فينسون القوة الكبرى .. إنها سنة الله مع المكذبين .. يرخي لهم العنان ويملي لهم في المعصية والطغيان استدراجا لهم في طريق الهلكة وإمعانا في الكيد لهم والتدبير. ومن الذي يكيد؟ إنه الجبار ذو القوة المتين. ولكنهم غافلون والعاقبة للمتقين. والذين يهدون بالحق وبه يعدلون). ولنعد إلى التفسير الحرفي: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ أي سنستدرجهم قليلا قليلا وذلك بأن يواتر الله نعمه عليهم مع انهماكهم في الفحشاء، فكلما جدد الله عليهم نعمه ازدادوا بطرا وجددوا معصيته فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم ظانين أن ترادف النعم

стр. 1983

أثرة من الله وتقريب وإنما هو خذلان وتبعيد، وصيغة الاستدراج في اللغة مشتقة من الدرجة وتفيد إما الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أي ما يراد بهم وَأُمْلِي لَهُمْ أي وأمهلهم إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي أخذي قوي شديد سماه كيدا لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في شأن محمد ﷺ فإنه ليس مجنونا حاشاه ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ أي ليس رسول الله ﷺ بمجنون وما به جنون إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ أي منذر من الله مُبِينٌ أي موضح إنذاره أَوَلَمْ يَنْظُرُوا نظرا استدلال فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي في هذا الملك العظيم وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ أي وفيما خلق الله وما يقع عليه اسم الشئ من أجناس لا يحصرها العدد وَأَنْ عَسى أي وأنه عسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ أي أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ولعلهم يموتون عما قريب فليسارعوا إلى النظر وطلب الحق وما ينجيهم قبل مفاجأة الأجل وحلول العقاب فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ أي بعد القرآن يُؤْمِنُونَ أي إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي شئ يمكن أن يؤمنوا والقرآن هو الغاية فى الهداية والمعنى: لعل أجلهم قد اقترب فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت؟ وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا به؟ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ أي من يضلله فَلا هادِيَ لَهُ أي لا يهديه أحد وَيَذَرُهُمْ أي وهو يتركهم فِي طُغْيانِهِمْ أي في كفرهم يَعْمَهُونَ أي يتحيرون يَسْئَلُونَكَ السائلون هم اليهود أو قريش عَنِ السَّاعَةِ أي القيامة وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة، أو لسرعة ما يجزى فيها، أو لأنها عند الله على بعدها كساعة من الساعات عند الخلق أَيَّانَ مُرْساها أي وقت إرسائها أي متى إثباتها والمعنى متى يرسيها الله قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي أي علم وقت إرسائها عنده قد استأثر به لم يخبر به أحدا من ملك مقرب ولا نبي مرسل ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى الأجل الخاص وهو وقت الموت لذلك لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ أي لا يظهر أمرها ولا يكشف خفاء علمها إلا هو وحده ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي كل من أهلهما من الملائكة والثقلين أهمه شأن الساعة ويتمنى أن يتجلى له علمها وشق عليه خفاؤها وثقل عليه، أو ثقلت فيهما لأن أهلهما يخافون شدائدها، وأهوالها لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً أي فجأة على غفلة منكم يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ كرر (يسألونك وعلمها

стр. 1984

عند الله) للتأكيد ولزيادة: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها وهذا أصل في تكرير العلماء في كتبهم لا يخلون المكرر من فائدة، ومعنى (كأنك حفي عنها) أي كأنك مبالغ في السؤال عنها لأن من بالغ في المسألة عن الشئ أو التنفير عنه استحكم علمه فيه، وأصل هذا التركيب المبالغة. ومنه إحفاء الشارب. والمعنى الدقيق يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم بها. وما كان للرسول ﷺ أن يتكلف وهو في ذروة الأدب مع الله في شئ لا يعلمه إلا الله، واقتضت حكمته ألا يطلع عليه أحدا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنه المختص بالعلم بها قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ هذا أمر لرسول الله أن يظهر العبودية والبراءة عن دعوى ما يختص بالذات الإلهية من علم الغيب. والمعنى قل أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضرر كالمماليك إلا ما شاء الله مالكي من النفع لي والدفع عني وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ أي المستقبل لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ أي لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير واجتناب السوء والمضار حتى لا يمسني شئ منها، ولم أكن غالبا مرة ومغلوبا أخرى في الحروب، ولأعددت من الخصب إلى الجدب وأمثال ذلك إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ أي إن أنا إلا عبد أرسلت نذيرا وبشيرا وما من شأني أن أعلم الغيب فأنا بشير ونذير لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فإنهم وحدهم تنفع فيهم النذارة والبشارة هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هي نفس آدم ﵇ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها حواء خلقها من جسد آدم من ضلع من أضلاعه لِيَسْكُنَ إِلَيْها أي ليطمئن ويميل لأن الجنس إلى الجنس أميل خصوصا إذا كان بعضا منه، كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه لكونه بضعة منه فَلَمَّا تَغَشَّاها أي جامعها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً أي خف عليها ولم تلق منه ما يلقى بعض الحبالى من الكرب والأذى ولم تستثقله كما يستثقلنه فَمَرَّتْ بِهِ أي فمضت به واستمرت إلى وقت ميلاده من غير نقصان ولا إجهاض. ويمكن أن يكون المراد بالحمل الخفيف النطفة، وبمرورها به قيامها وقعودها فَلَمَّا أَثْقَلَتْ أي فلما حان وقت ثقل حملها دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما أي دعا آدم وحواء ربهما ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً أي لئن وهبت لنا ولدا سويا قد صلح بدنه، أو ولدا ذكرا، أو ولدا متصفا بصفة الصلاح لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لك نحن وهو ومن يتناسل من ذرياتنا فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً أي أعطاهما ما طلباه من الولد الصالح السوي جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ الكلام هنا انتقل عن آدم وزوجه إلى ذريتهما رجلا وامرأة والمعنى

стр. 1985

جعل أولادهما له شركاء فِيما آتاهُما أي فيما آتى أولادهما، وآدم وحواء بريئان من الشرك، وهذا المكان من القرآن مما تدور حول تفسيره معارك كلامية كثيرة وللكلام تتمة، ويمكن أن يكون الخطاب من ابتداء الآية لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ وهم آل قصي، أي هو الذي خلقكم من نفس واحدة قصي، وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة: بعبد مناف، وعبد العزى، وعبد قصي، وعبد الدار فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أن تعاظم وتنزه أن يكون له شريك أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً كالأصنام والطبيعة أو أجزائها وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي هذه الآلهة المزعومة هي نفسها مخلوقة. والمعنى أيشركون ما لا يقدر على خلق شئ وهم يخلقون لأن الله خالقهم. أو أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم مخلوقو الله فليعبدوا خالقهم، أو أيشركون ما لا يخلق شيئا، والجميع من عابدين ومعبودين مخلوقون لله فأين عقولهم؟ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً أي لعبدتهم وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ فيدفعون عنها ما ينوبها من الحوادث كالكسر وغيره، بل عبدتهم الذين يدفعون عنهم وَإِنْ تَدْعُوهُمْ أي وإن تدعوا هذه الأصنام إِلَى الْهُدى أي إلى ما هو هدى ورشاد، أو إلى أن يهدوكم أي وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير والهدى لا يَتَّبِعُوكُمْ أي إلى مرادكم وطلبتكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ عن دعائهم، فدعوتكم وصمتكم سواء في أنه لا فلاح معهم ولا يجيبونكم. إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي تعبدونهم وتسمونهم آلهة عِبادٌ أَمْثالُكُمْ أي مخلوقون مملوكون أمثالكم فَادْعُوهُمْ لجلب نفع أو دفع ضر فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ أي فليجيبوا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في زعمكم أنهم آلهة، ثم أبطل أن يكونوا عبادا أمثالهم فضلا عن أن يكونوا آلهة فقال أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أي مثل مشيكم أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أي يتناولون بها مثل تناولكم أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها مثل إبصاركم أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها مثل سمعكم فلم تعبدون ما هو دونكم قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ أي واستعينوا بهم في عدواني فإني لا أبالي بكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ أي ابذلوا جهدكم في الكيد لي أنتم وشركاؤكم جميعا دون أن تعطوني أي مهلة إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ أي إن ناصري عليكم هو الله الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ أي الذي أوحى إلي وأعزني برسالته وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ أي ومن سنته أن ينصر الصالحين من عبادة ولا يخذلهم وَالَّذِينَ تَدْعُونَ

стр. 1986

مِنْ دُونِهِ أي والذين تعبدون من دون الله لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا أي لا نصرة عندهم لا لأنفسهم ولا لعبادهم ولا استجابة لهدى، لأنهم لا عقل عندهم ولا حياة وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ أي وترى هذه الأصنام ناظرة إليك أي يشبهون من ينظر لأنهم صوروا أصنامهم بصورة من يحدد نظره إلى الشئ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ أي المرئيات خُذِ الْعَفْوَ أي ما عفا لك من أخلاق الناس وأفعالهم ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم، أو ضم العفو كله إليك، وأنفق منه على الناس بالعفو عنهم وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي بالمعروف والجميل من الأفعال. أو وأمر بكل فعلة يرتضيها العقل ويقبلها الشرع وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ أي ولا تكافئ السفهاء بمثل سفههم ولا تمارهم واحلم عليهم وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ أي وإما ينخسنك منه نخس أي فإن يحملك بوسوسته على خلاف ما أمرت به فالنزغ النخس كأنه ينخس الناس حين يغريهم على المعاصي، ويدخل في نزغ الشيطان اعتراء الغضب فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي فاستجر به بذكر الاستعاذة إِنَّهُ سَمِيعٌ لنزغه عَلِيمٌ بدفعه فإذا التجأت إليه فاستعذت علم ذلك وفعل كرما منه واستجاب إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ أي لمسة ووسوسة تَذَكَّرُوا ما أمر الله به ونهى عنه فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ أي فأبصروا السداد ودفعوا وسوسته. بأن يفروا منه إلى الله فيزدادوا بصيرة من الله بالله وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ أي وأما إخوان الشياطين من شياطين الإنس فإن الشياطين يمدونهم في الغي أي يكونون مددا لهم فيه ويعضونهم، وجاز أن يكون المراد والشياطين يمدون الجاهلين ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ أي ثم لا يمسكون عن إغوائهم ليصروا ولا يرجعوا وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ من الآيات التي يقترحونها قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها أي لولا اجتمعتها أي اختلقتها كما اختلقت ما قبلها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي فأنا متبع ولست متكلفا ولا أقترح على ربي شيئا هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ أي هذا القرآن دلائل وآيات تبصركم وجوه الحق وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي بهذا القرآن وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ظاهره وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن في الصلاة وغيرها، وذهب بعضهم أن المعنى أنه إذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له، وجمهور الصحابة ﵃ على أنه في استماع المؤتم في الصلاة، وحملها بعضهم على استماع خطبة الجمعة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي من أجل أن تنالكم الرحمة وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ هو عام في

стр. 1987

الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك تَضَرُّعاً وَخِيفَةً أي متضرعا وخائفا وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ أي ومتكلما كلاما دون الجهر لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب إلى حسن التفكر بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ أي بالصباح والمساء لفضل هذين الوقتين. ومعنى بالغدو أي بأوقات الغدو وهو الصباح، والآصال جمع أصل والأصل جمع أصيل وهو العشي وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ أي من الذين يغفلون عن ذكر الله ويلهون عنه إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ أي الملائكة لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ أي لا يتعظمون عنها وَيُسَبِّحُونَهُ أي وينزهونه عما لا يليق به وَلَهُ يَسْجُدُونَ أي ويختصونه بالعبادة لا يشركون به غيره. نقول: ١ - بمناسبة قوله تعالى هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. قال صاحب الظلال: «إنه هذا القرآن .. بصائر تهدي، ورحمة تفيض .. لمن يؤمن به، ويغتنم هذا الخير العميم .. إنه هذا القرآن الذي كان الجاهلون من العرب- في جاهليتهم- يعرضون عنه، ويطلبون خارقة من الخوارق المادية مثل التي جرت على أيدي الرسل من قبل، في طفولة البشرية، وفي الرسالات المحلية غير العالمية والتي لا تصلح إلا لزمانها ومكانها، ولا تواجه إلا الذين يشاهدونها، فكيف بمن بعدهم من الأجيال، وكيف بمن وراءهم من الأقوام الذين لم يروا هذه الخارقة. إنه هذا القرآن الذي لا تبلغ خارقة مادية من الإعجاز ما يبلغه .. من أي جانب من الجوانب شاء الناس المعجزة في أي زمان وفي أي مكان .. لا يستثنى من ذلك من كان من الناس ومن يكون إلى آخر الزمان. فهذا جانبه التعبيري .. ولعله كان بالقياس إلى العرب في جاهليتهم أظهر جوانبه- بالنسبة لما كانوا يحفلون به من الأداء البياني، ويتفاخرون به في أسواقهم! - ها هو ذا كان وما يزال إلى اليوم معجزا لا يتطاول إليه أحد من البشر. تحداهم الله به وما يزال هذا التحدي قائما. والذين يزاولون فن التعبير من البشر، ويدركون مدى الطاقة البشرية فيه، هم أعرف الناس بأن هذا الأداء القرآني معجز معجز .. سواء كانوا يؤمنون بهذا الدين عقيدة أو لا يؤمنون .. فالتحدي في هذا الجانب قائم على أسس

стр. 1988

موضوعية يستوي أمامها المؤمنون والجاحدون .. وكما كان كبراء قريش يجدون من هذا القرآن- في جاهليتهم- ما لا قبل لهم بدفعه عن أنفسهم. وهم جاحدون كارهون- كذلك يجد اليوم وغدا كل جاهلي جاحد كاره ما وجد الجاهليون الأولون. ويبقى وراء ذلك السر المعجز في هذا الكتاب الفريد .. يبقى ذلك السلطان الذي له على الفطرة- متى خلي بينها وبينه لحظة- وحتى الذين رانت على قلوبهم الحجب، وثقل فوقها الركام، تنتفض قلوبهم أحيانا؛ وهم يستمعون إلى هذا القرآن. إن الذين يقولون كثيرون .. وقد يقولون كلاما يحتوي مبادئ ومذاهب وأفكارا واتجاهات .. ولكن هذا القرآن يتفرد في إيقاعاته على فطرة البشر وقلوبهم فيما يقول! إنه قاهر غلاب بذلك السلطان الغلاب! .. ولقد كان كبراء قريش يقولون لأتباعهم الذين يستخفونهم ويقولون لأنفسهم في الحقيقة .. لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ .. لما كانوا يجدونه هم في نفوسهم من مس هذا القرآن وإيقاعه الذي لا يقاوم وما يزال كبراء اليوم يحاولون أن يصرفوا القلوب عن هذا القرآن بما ينزلونه لهم من مكاتيب! غير أن هذا القرآن يظل- مع ذلك كله- غلابا .. وما إن تعرض الآية منه أو الآيات في ثنايا قول البشر، حتى تتميز وتنفرد بإيقاعها وتستولي على الحس الداخلي للسامعين، وتنحى ما عداها من قول البشر المحبر الذي تعب فيه القائلون. ثم يبقى وراء ذلك مادة هذا القرآن وموضوعه .. وما تتسع صفحات عابرة- في ظلال القرآن- للحديث عن مادة هذا القرآن وموضوعه .. فالقول لا ينتهي والمجال لا يحد! وماذا الذي يمكن أن يقال في صفحات؟! منهج هذا القرآن العجيب، في مخاطبة الكينونة البشرية بحقائق الوجود .. وهو منهج يواجه هذه الكينونة بجملتها، لا يدع جانبا واحدا منها لا يخاطبه في السياق الواحد. ولا يدع نافذة واحدة من نوافذها لا يدخل منها إليها؛ ولا يدع خاطرا فيها لا يجاوبه ولا يدع هاتفا فيها لا يلبيه. منهج هذا القرآن العجيب، وهو يتناول قضايا هذا الوجود، فيكشف منها ما تتلقاه فطرة الإنسان وقلبه وعقله بالتسليم المطلق. والتجاوب الحي والرؤية الواضحة. وما يطابق كذلك حاجات هذه الفطرة، ويوقظ فيها طاقاتها المكنونة، ويوجهها الوجهة الصحيحة. منهج هذا القرآن العجيب، وهو يأخذ بيد الفطرة الإنسانية خطوة خطوة، ومرحلة مرحلة، ويصعد بها- في هينة ورفق، وفي حيوية كذلك وحرارة،

стр. 1989

وفي وضوح وعلى بصيرة- درجات السلم في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة .. في المعرفة والرؤية، وفي الانفعال والاستجابة، وفي التكيف والاستقامة، وفي اليقين والثقة، وفي الراحة والطمأنينة ... إلى حقائق هذا الوجود الصغيرة والكبيرة. منهج هذا القرآن العجيب، وهو يلمس الفطرة الإنسانية، من حيث لا يحتسب أحد من البشر أن يكون هذا موضع لمسة، أو أن يكون هذا وتر استجابة فإذا الفطرة تنتفض وتصوت وتستجيب. ذلك أن منزل هذا القرآن هو خالق هذا الإنسان الذي يعلم من خلق وهو أقرب إليه من حبل الوريد. ذلك المنهج؟ .. أم المادة ذاتها التي يعرضها القرآن في هذا المنهج وهنا ذلك الانفساح الذي لا يبلغ منه القول شيئا .. قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً .. وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ. إن الذي يكتب هذه الكلمات، قضى .. - ولله الحمد والمنة- في الصحبة الواعية الدارسة لهذا الكتاب خمسة وعشرين عاما. يجول في جنبات الحقائق الموضوعية لهذا الكتاب. في شتى حقول المعرفة الإنسانية- ما طرقته معارف البشر وما لم تطرقه- ويقرأ في الوقت ذاته ما يحاوله البشر من بعض هذه الجوانب .. ويرى .. يرى ذلك الفيض الغامر المنفسح الواسع في هذا القرآن؛ وإلى جانبه تلك البحيرات المنعزلة، وتلك النقرة الصغيرة .. وتلك المستنقعات الآسنة أيضا: في النظرة الكلية في هذا الوجود، وطبيعته، وحقيقته، وجوانبه، وأصله، ونشأته، وما وراءه من أسرار؛ وما في كيانه من خبايا ومكنونات، وما يضمه من أحياء وأشياء .. الموضوعات التي تطرق جوانب منها «فلسفة» البشر. في النظرة الكلية إلى «الإنسان» ونفسه، وأصله، ونشأته، ومكنونات طاقته، ومجالات نشاطه، وطبيعة تركيبه، وانفعالاته، واستجاباته، وأحواله، وأسراره،. الموضوعات التي تطرق جوانب منها علوم الحياة والنفس والتربية والاجتماع والعقائد والأديان. في النظرة إلى نظام الحياة الإنسانية وجوانب النشاط الواقعي فيها، ومجالات الارتباط والاحتكاك، والحاجات المتجددة وتنظيم هذه الحاجات، الموضوعات التي تطرق

стр. 1990

جوانب منها النظريات والمذاهب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .. وفي كل حقل من هذه الحقول يجد الدارس الواعي لهذا القرآن وفرة من النصوص والتوجيهات يحار في كثرتها ووفرتها، فوق ما في هذه الوفرة من أصالة وصدق وعمق وإحاطة ونفاسة. إننى لم أجد نفسي مرة واحدة- في مواجهة هذه الموضوعات الأساسية- في حاجة إلى نص واحد من خارج هذا القرآن. فيما عدا قول رسول الله ﷺ وهو من آثار هذا القرآن- بل إن أي قول آخر ليبدو هزيلا- حتى لو كان صحيحا- إلى جانب ما يجده الباحث في هذا الكتاب العجيب. إنها الممارسة الفعلية التي تنطق بهذه التقريرات؛ والصحبة الطويلة في ظل حاجات الرؤية والبحث والنظر في هذه الموضوعات .. وما بي أن أثني على هذا الكتاب .. ومن أنا ومن هؤلاء البشر جميعا ليضيفوا إلى كتاب الله شيئا بما يملكون من هذا الثناء. لقد كان هذا الكتاب هو مصدر المعرفة والتربية والتوجيه والتكوين الوحيد لجيل من البشر فريد .. جيل لم يتكرر بعد في تاريخ البشرية- لا من قبل ولا من بعد- جيل الصحابة الكرام الذين أحدثوا في تاريخ البشرية ذلك الحدث الهائل العميق الممجد، الذي لم يدرس حق دراسته إلى الآن. لقد كان هذا المصدر هو الذي أنشأ- بمشيئة الله وقدره- هذه المعجزة المجسمة في عالم البشر. وهي المعجزة التي لا تطاولها جميع المعجزات والخوارق التي صحبت الرسالات جميعا .. وهي معجزة واقعة مشهودة .. أن كان ذلك الجيل الفريد ظاهرة تاريخية فريدة. ولقد كان المجتمع الذي تألف من ذلك الجيل أول مرة، والذي ظل امتداده أكثر من ألف عام، تحكمه الشريعة التي جاء بها هذا الكتاب، ويقوم على قاعدة من قيمه وموازينه وتوجيهاته وإيحاءاته كان هذا المجتمع معجزة أخرى في تاريخ البشرية. حين تقارن إليه صور المجتمعات البشرية، التي تفوقه في الامكانيات المادية- بحكم نمو التجربة البشرية في عالم المادة- ولكنها لا تطاوله في «الحضارة الإنسانية». إن الناس اليوم،- في الجاهلية الحديثة- يطلبون حاجات نفوسهم ومجتمعاتهم وحياتهم خارج هذا القرآن كما كان الناس في الجاهلية العربية يطلبون خوارق غير هذا

стр. 1991

القرآن! .. فأما هؤلاء فقد كانت تحول جاهليتهم الساذجة وجهالتهم العميقة- كما تحول أهواؤهم ومصالحهم الذاتية كذلك- دون رؤية الخارقة الهائلة في هذا الكتاب العجيب! .. فأما أهل الجاهلية الحاضرة فيحول بينهم وبين هذا القرآن غرور «العلم البشري» الذي فتحه الله عليهم في عالم المادة. وغرور التنظيمات والتشكيلات المعقدة بتعقيد الحياة البشرية اليوم ونموها ونضجها من ناحية التنظيم والتشكيل. وهو أمر طبيعي مع امتداد الحياة وتراكم التجارب وتجدد الحاجات- وتعقدها كذلك- كما يحول بينهم وبين هذا القرآن كيد أربعة عشر قرنا من الحقد اليهودي، والصليبي، الذي لم يكف لحظة واحدة عن حرب هذا الدين وكتابه القويم وعن محاولة إلهاء أهله عنه وإبعادهم عن توجيهه المباشر بعد ما علم اليهود والصليبيون من تجاربهم الطويلة: أن لا طاقة لهم بأهل هذا الدين ما ظلوا عاكفين على هذا الكتاب عكوف الجيل الأول لا عكوف التغني بآياته وحياتهم كلها بعيدة عن توجيهاته، هو كيد مطرد مصر لئيم خبيث .. ثمرته النهائية هذه الأوضاع التي يعيش فيها الناس الذين يسمون اليوم بالمسلمين- وهذه المحاولات الأخرى في كل مكان، للتعفية على آثار هذا الدين ولتدارس قرآن غير قرآنه يرجع إليه في تنظيم الحياة كلها، ويرد إليه كل اختلاف وكل نزاع في التشريع والتقنين لهذه الحياة كما كان المسلمون يرجعون إلى كتاب الله في هذه الشئون!!!. إنه هذا القرآن الذى يجهله أهله اليوم لأنهم لا يعرفونه إلا تراتيل وترانيم وتعاويذ وتهاويم بعد ما صرفتهم عنه قرون من الكيد اللئيم ومن الجهل المزري ومن التعالم المغرور ومن الفساد الشامل للفكر والقلب والواقع النكد الخبيث. إنه هذا القرآن الذي كان الجاهليون القدامى يصرفون عنه الجماهير بطلب الخوارق المادية والذي يصرف عنه الجاهليون المحدثون الجماهير بالقرآن الجديد الذي يفترونه وبشتى وسائل الإعلام والتوجيه إنه هذا القرآن الذي يقول عنه العليم الخبير: هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. بصائر تكشف وتنير وهدى يرشد ويهدي ورحمة تغمر وتفيض لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فهم الذين يجدون هذا كله في هذا القرآن الكريم». ٢ - .. وبمناسبة قوله تعالى وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ

стр. 1992

تُرْحَمُونَ. قال الألوسي وهو من الحنفية: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي لكي تفوزوا بالرحمة التي هي أقصى ثمراته، والآية دليل لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه في أن المأموم لا يقرأ في سرية ولا جهرية؛ لأنها تقتضي وجوب الاستماع عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها؛ وقد قام الدليل في غيرها على جواز الاستماع وتركه فبقي فيها على حاله في الإنصات للجهر وكذا في الإخفاء لعلمنا بأنه يقرأ، ويؤيد ذلك أخبار جمة، فقد أخرج عبد بن حميد. وابن أبي حاتم. والبيهقي في سننه عن مجاهد قال: قرأ رجل من الأنصار خلف رسول الله ﷺ في الصلاة فنزلت وإذا قرئ القرآن الخ. وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن مسعود أنه صلى بأصحابه فسمع أناسا يقرءون خلفه فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا، أما آن لكم أن تعقلوا وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا كما أمركم الله تعالى. وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن ثابت قال: لا قراءة خلف الإمام. وأخرج أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» وهذا الحديث إذا صح وجب أن يخص عموم قوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ. وقوله ﷺ : «لا صلاة إلا بقراءة» على طريقة الخصم مطلقا فيخرج المقتدي، وعلى طريقتنا أيضا، لأن ذلك العموم قد خص منه البعض وهو المدرك في الركوع إجماعا فجاز التخصيص بعده بالمقتدي بالحديث المذكور، وكذا يحمل قوله ﵊ للمسيئ صلاته: «فكبر ثم اقرأ ما معك من القرآن» على غير حالة الاقتداء جمعا بين الأدلة، بل قد يقال: إن القراءة ثابتة من المقتدي شرعا فإن قراءة الإمام قراءة له فلو قرأ لكان له قراءتان في صلاة واحدة وهو غير مشروع. بقي الكلام في تصحيح الخبر، وقد روي من طرق عديدة مرفوعا عن جابر ﵁، عنه ﵊ وقد ضعف. واعترف المضعفون لرفعه كالدارقطني. والبيهقي. وابن عدي بأن الصحيح أنه مرسل لأن الحفاظ كالسفيانين. وأبي الأحوص وشعبة. وإسرائيل. وشريك. وجرير. وأبي الزبير. وعبد بن حميد وخلق آخرين رووه عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبي ﷺ فأرسلوه، وقد أرسله مرة أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: وحينئذ لنا أن نقول المرسل حجة عند أكثر أهل العلم فيكفينا فيما يرجع إلى العمل على رأينا وعلى طريق الإلزام أيضا بإقامة الدليل على حجية المرسل أيضا، وعلى تقدير التنزل عن حجيته فقد رفعه الإمام بسند صحيح.

стр. 1993

روى محمد بن الحسن في موطئه قال: أنبأنا أبو حنيفة حدثنا أبو الحسن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة». وقولهم: إن الحفاظ الذين عدوهم لم يرفعوه غير صحيح. فقد قال أحمد بن منيع في مسنده: أخبرنا إسحاق الأزرق حدثنا سفيان. وشريك عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر عن رسول الله ﷺ : «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة». ثم قال: وحدثنا جرير عن موسى عن عبد الله عن النبي ﷺ فذكره ولم يذكر جابرا- ورواه عبد بن حميد قال: حدثنا أبو نعيم حدثنا الحسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ فذكره، وإسناد حديث جابر الأول على شرط الشيخين والثاني على شرط مسلم، فهؤلاء سفيان وشريك. وجرير. وأبو الزبير رفعوه بالطرق الصحيحة فبطل عدهم فيمن لم يرفعه، ولو تفرد الثقة وجب قبوله لأن الرفع زيادة وزيادة الثقة مقبولة فكيف ولم ينفرد، والثقة قد يسند الحديث تارة ويرسله أخرى. وأخرجه ابن عدي عن الإمام رضي الله تعالى عنه في ترجمته وذكر فيها قصة وبها أخرجه أبو عبد الله الحاكم قال: حدثنا أبو محمد بن بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي حدثنا عبد الصمد بن الفضل البلخي حدثنا مكي بن إبراهيم عن أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن جابر ابن عبد الله «أن النبي ﷺ صلى ورجل خلفه يقرأ فجعل رجل من أصحاب النبي ﷺ ينهاه عن القراءة في الصلاة فلما انصرف أقبل عليه الرجل قال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله ﷺ فتنازعا حتى ذكرا ذلك النبي ﷺ فقال ﷺ : «من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة» وفي رواية لأبي حنيفة: «إن ذلك كان في الظهر أو العصر» وهي أن رجلا قرأ خلف رسول الله ﷺ في الظهر أو العصر فأومأ إليه رجل فنهاه فلما انصرف قال: أتنهاني الحديث. نعم إن جابرا روى منه محل الحكم فقط تارة والمجموع تارة ويتضمن رد القراءة خلف الإمام لأنه خرج تأييدا لنهي ذلك الصحابي عنها مطلقا في السرية والجهرية خصوصا في رواية أبي حنيفة أن القصة كانت في السرية لا إباحة فعلها وتركها فيعارض بما روي في بعض روايات حديث «ما لي أنازع في القرآن» أنه قال: أنه لا بد ففي الفاتحة، وكذا ما رواه أبو داود. والترمذي عن عبادة بن الصامت قال: كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر فقرأ رسول الله ﷺ فثقلت عليه القراءة فلما فرغ قال: لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم هذا، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها؛ ويقدم لتقدم المنع على الإطلاق عند التعارض

стр. 1994

ولقوة السند فإن حديث المنع أصح فبطل رد المتعصبين، وتضعيف بعضهم لمثل الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه مع تضييقه في الرواية إلى الغاية حتى أنه شرط التذكر لجوازها بعد علم الراوي أن ذلك المروي خطه، ولم يشترط الحفاظ هذا ولم يوافقه صاحباه، على أن الخبر قد عضد بروايات كثيرة عن جابر غير هذه وإن ضعفت وبمذاهب الصحابة أيضا كابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت وابن مسعود. وأخرج محمد عن داود بن قيس بن عجلان أن عمر ﵁ قال: ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجرا، وروي مثل ذلك عن سعد بن أبي وقاص وروي عن علي كرم الله وجهه إلا أن فيه مقالا أنه قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة، وقال الشعبي: أدركت سبعين بدريا كلهم يمنعون المقتدي عن القراءة خلف الإمام، وقد ادعى بعض أصحابنا إجماع الصحابة ﵃ على ذلك، ولعل مراده بذلك إجماع كثير من كبارهم، وإلا ففيه نظر وكون مراده الإجماع السكوتي ليس بشيء أيضا.». أقول: نقلت هذا النقل الطويل في مناقشة هذا الموضوع الفرعي من باب التعريف على مناقشات الفقهاء ومن باب التعويد على أسلوبهم. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قال النسفي: (ولا تنافي بين هذا وبين قوله تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ لأنه إنما خلق منهم للعبادة من علم أنه يعبده، وأما من علم أنه يكفر به فإنما خلقه لما علم أنه يكون منه فالحاصل أن من علم منه في الأزل أنه يكون منه العبادة خلقه للعبادة. ومن علم منه أنه يكون منه الكفر خلقه لذلك. وبمناسبة هذه الآية يقول ابن كثير: فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق على ما هم عاملون قبل كونهم فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». وفي صحيح مسلم أيضا .. عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: دعي النبي ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله

стр. 1995

طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال رسول الله ﷺ «أو غير ذلك يا عائشة. إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم». وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود: «ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد». وتقدم أن الله لما استخرج ذرية آدم من صلبه وجعلهم فريقين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال قال: «هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي». والأحاديث في هذا كثيرة ومسألة القدر كبيرة ليس هذا موضع بسطها. أقول: إن قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى الآية التي بعد الآية السابقة هي التي تبين الحكمة من الآية السابقة عليها وذلك أن مظاهر الكون بما فيه هي التي تدل على أسماء الله الحسنى، وأسماؤه تدل على صفاته ثم على ذاته، وكون الكون فيه ذنب وفيه خطيئة وفيه كفر وفيه وفيه. فإنه بذلك تعرف أسماء الله، ويعرف الله، فمن أين يعرف أن الله صبور لولا كفر الكافرين؟ ومن أين يعلم أنه غفور لولا توبة التائبين؟ وهكذا فخلق الخلق على ما هم عليه، به نتعرف على ذاته حق المعرفة ومن عرف الله حق المعرفة عبده حق العبادة على أن وجود الكفر والذنب من الخلق باختيارهم وكون الله أراده وأبرزه بقدرته، فليس ذلك ظلما لهم ينفي اختيارهم بل إنه علم ما هم فاعلون فأراده فأبرزه. ٢ - وبمناسبة قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ننقل ما يلي: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما. مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر» أخرجاه في الصحيحين وأخرجه الترمذي في جامعه. وزاد بعد قوله: «يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، العليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق،

стр. 1996

الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، الغفور، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور». ثم قال الترمذي هذا حديث غريب وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء. إلا في هذا الحديث. والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه. ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسع وتسعين، بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده .. عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدل مكانه فرحا» فقيل يا رسول الله أفلا نتعلمها؟ فقال: «بل ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها». وذكر الفقيه الإمام أبو بكر ابن العربي أحد أئمة المالكية في كتابه الأحوذي في شرح الترمذي أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم فالله أعلم. ٣ - وبمناسبة قوله تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ يقول ابن كثير: وقد جاء في الآثار أن المراد بهذه الأمة المذكورة في الآية هي هذه الأمة المحمدية، قال سعيد عن قتادة في تفسير هذه الآية بلغني أن النبي ﷺ كان يقول إذا قرأ هذه الآية: «هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم متى ما نزل». وفي الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة» وفي رواية «حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وفي رواية «بالشام». وبهذه المناسبة أقول: إن من اجتمع له الدعوة إلى الله ودينه، وإذا حكم في أمر

стр. 1997

صغيرا كان أو كبيرا في القضايا العادية وغير العادية في أهله وأولاده وجيرانه وأسرته حكم بالعدل الذي هو حكم الله دون تحيز فذلك من هذه الأمة فلنحرص على ذلك. ٤ - وفي سبب نزول قوله تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ يقول قتادة بن دعامة: ذكر لنا أن النبي ﷺ كان على الصفا فدعا قريشا فجعل يفخذهم فخذا فخذا يا بني فلان يا بني فلان فحذرهم بأس الله ووقائع الله فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا المجنون بات يصوت إلى الصباح- أو حتى أصبح- فأنزل الله تعالى أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ. ٥ - وبمناسبة قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ نقول: إن رسولنا ﵊ كان يسأل عن الساعة من كافر ومؤمن وكان إذا سأله المؤمنون عن ذلك ينفي علمه أو يلفت نظر السائل إلى ساعته أي موته، أو موت جيله. ويروي ابن كثير بمناسبة هذه الآية أحاديث كثيرة ويعلق على بعضها فلننقل من كلامه بما يتفق مع عادتنا فى التصرف ضمن ما لا يخل بالمعني: روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون. فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها». ولما جاء جبريل ﵇ في صورة أعرابي ليعلم الناس أمر دينهم فجلس من رسول الله ﷺ مجلس السائل المسترشد وسأله عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان ثم قال: فمتى الساعة؟ قال له رسول الله ﷺ : ما المسئول عنها بأعلم من السائل». أي لست أعلم بها منك ولا أحد أعلم بها من أحد ثم قرأ النبي ﷺ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. الآية. وفي رواية: فسأله عن أشراط الساعة فبين له أشراط الساعة، ثم قال: «في خمسة لا يعلمهن إلا الله» وقرأ هذه الآية، وفي هذا كله يقول له بعد كل جواب صدقت. ولهذا عجب الصحابة من هذا السائل يسأله ويصدقه، ثم لما انصرف قال رسول الله ﷺ : «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». وفى رواية قال: «وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا صورته هذه». ولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جهوري فقال يا محمد. قال

стр. 1998

رسول الله ﷺ «هاؤم» على نحو من صوته قال: يا محمد متى الساعة؟ فقال له رسول الله ﷺ «ويحك إن الساعة آتية فما أعددت لها؟» قال: ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام ولكني أحب الله ورسوله: فقال له رسول الله ﷺ «المرء مع من أحب» فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث. ففي هذا الحديث أنه عليه الصلاة السلام كان إذا سئل عن هذا الذي لا يحتاجون إلى علمه أرشدهم إلى ما هو الأهم في حقهم، وهو الاستعداد لوقوع ذلك والتهيؤ له قبل نزوله، وإن لم يعرفوا تعيين وقته ولهذا قال مسلم في صحيحة وحدثنا .... عن عائشة ﵂ قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ سألوه عن الساعة متى الساعة فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول: «إن يعش هذا لم يدركه الهرم حتى قامت عليكم ساعتكم». يعني بذلك موتهم الذي يفضي بهم إلى الحصول في برزخ الدار الآخرة. وروى ابن جريج ما رواه مسلم .... أن جابر بن عبد الله سمع رسول الله ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: «تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على ظهر الأرض اليوم من نفس منفوسة تأتي عليها مائة عام». وفي الصحيحين عن ابن عمر مثله. قال ابن عمر: وإنما أراد رسول الله ﷺ انخرام ذلك القرن. وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا أمر الساعة» قال فردوا أمرهم إلى إبراهيم ﵇ فقال لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى. فقال عيسى: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله ، وفيما عهد إلي ربي أن الدجال خارج. وقال. فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافرا فتعال فاقتله. قال: «فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم. قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون. فيطئون بلادهم لا يأتون على شئ إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه. قال: ثم يرجع الناس إلي فيشكونهم فأدعو الله فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم (أي تنتن) قال: فينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ثم قال: ففيما عهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادتها ليلا أو نهارا، فهؤلاء أكابر أولي العزم من المرسلين ليس عندهم علم بوقت الساعة على التعيين وإنما ردوا الأمر إلى عيسى ﵇ فتكلم على أشراطها لأنه

стр. 1999

ينزل في آخر هذه الأمة منفذا لأحكام رسول الله ﷺ ويقتل المسيح الدجال ويجعل الله هلاك يأجوج ببركة دعائه، فأخبر بما أعلمه الله تعالى به، وروى الإمام أحمد ... عن حذيفة قال: سئل رسول الله ﷺ عن الساعة فقال: «علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن سأخبركم بمشاريطها وما يكون بين يديها: إن بين يديها فتنة وهرجا» قالوا يا رسول الله الفتنة قد عرفناها فما الهرج؟ قال: «بلسان الحبشة القتل» قال «ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحدا». وروى وكيع بإسناد جيد قوي .... عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله ﷺ لا يزال يذكر «من شأن الساعة حتى نزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قال ابن كثير: فهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وسلامه، نبي الرحمة، ونبي التوبة ونبي الملحمة، والعاقب والمقفي والحاشر الذي تحشر الناس على قدميه مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس وسهل بن سعد ﵄ «بعثت أنا والساعة كهاتين» وقرن بين إصبعيه السبابة والتي تليها، ومع هذا كله قد أمره الله أن يرد علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها، فقال: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. ٦ - وبمناسبة قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ..... يرد ابن كثير كل اتجاه يزعم أن الشرك قد وقع من آدم ﵇ وزوجه لأن ذلك يتنافى مع العصمة، ويعتبر أن كل ما ورد في ذلك- حتى مما ظنه الناس حديثا إنما هو مروي عن أهل الكتاب، ويطعن في صحة الحديث المروي في ذلك ثم يقول كلاما من أنفس الكلام ينتظم مجموعة موضوعات كلها نفيس منها الموقف من روايات أهل الكتاب وهذا هو كلامه. قال: (وهذه الآثار يظهر عليها- والله أعلم- أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم»، ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام: فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله ﵇: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله: «فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم». وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر. فأما من حدث به

стр. 2000

من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، وأنه ليس المراد في هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد في ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال الله فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ثم قال: فذكر آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس كقوله: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ الآية، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما استطرد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن. والله أعلم). ونقول تعليقا على الجزء من كلام ابن كثير الذي له علاقة في الإسرائيليات: أن ما ذكره يدل على جواز دراسة كتبهم لنقدها، من قبل من عنده علم يميز بين ما هو حق وما هو باطل وما هو محتمل، كما جاز النقل عن كتبهم مع البيان وهذا الذي درجنا عليه في هذا الكتاب. ٧ - وبمناسبة قوله تعالى عن الأصنام وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ يذكر ابن كثير هذه القصة (وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن جبل ﵄ وكانا شابين، قد أسلما- لما قدم رسول الله ﷺ المدينة فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل ليعتبر قومهما بذلك ويرتئوا لأنفسهم، فكان لعمرو بن الجموح- وكان سيدا في قومه- صنم يعبده ويطيبه فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجئ عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا ويقول له انتصر. ثم يعودان لمثل ذلك ويعود إلى صنيعه أيضا حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك. فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل وقال: تالله لو كنت إلها مستدن ... لم تك والكلب جميعا في قرن ثم أسلم فحسن إسلامه وقتل يوم أحد شهيدا رضى الله عنه وأرضاه وجعل جنة الفردوس مأواه. ٨ - وبمناسبة قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ نذكر هذه الروايات. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة عن أبي قال: لما أنزل الله على نبيه ﷺ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ قال رسول الله ﷺ : «ما هذا يا جبريل؟» قال: «إن الله أمرك أن تعفو عمن
следующие страницы →