← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، الغفور، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور». ثم قال الترمذي هذا حديث غريب وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء. إلا في هذا الحديث. والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه. ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسع وتسعين، بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده .. عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدل مكانه فرحا» فقيل يا رسول الله أفلا نتعلمها؟ فقال: «بل ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها». وذكر الفقيه الإمام أبو بكر ابن العربي أحد أئمة المالكية في كتابه الأحوذي في شرح الترمذي أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم فالله أعلم. ٣ - وبمناسبة قوله تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ يقول ابن كثير: وقد جاء في الآثار أن المراد بهذه الأمة المذكورة في الآية هي هذه الأمة المحمدية، قال سعيد عن قتادة في تفسير هذه الآية بلغني أن النبي ﷺ كان يقول إذا قرأ هذه الآية: «هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم متى ما نزل». وفي الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة» وفي رواية «حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وفي رواية «بالشام». وبهذه المناسبة أقول: إن من اجتمع له الدعوة إلى الله ودينه، وإذا حكم في أمر

стр. 1997

صغيرا كان أو كبيرا في القضايا العادية وغير العادية في أهله وأولاده وجيرانه وأسرته حكم بالعدل الذي هو حكم الله دون تحيز فذلك من هذه الأمة فلنحرص على ذلك. ٤ - وفي سبب نزول قوله تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ يقول قتادة بن دعامة: ذكر لنا أن النبي ﷺ كان على الصفا فدعا قريشا فجعل يفخذهم فخذا فخذا يا بني فلان يا بني فلان فحذرهم بأس الله ووقائع الله فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا المجنون بات يصوت إلى الصباح- أو حتى أصبح- فأنزل الله تعالى أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ. ٥ - وبمناسبة قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ نقول: إن رسولنا ﵊ كان يسأل عن الساعة من كافر ومؤمن وكان إذا سأله المؤمنون عن ذلك ينفي علمه أو يلفت نظر السائل إلى ساعته أي موته، أو موت جيله. ويروي ابن كثير بمناسبة هذه الآية أحاديث كثيرة ويعلق على بعضها فلننقل من كلامه بما يتفق مع عادتنا فى التصرف ضمن ما لا يخل بالمعني: روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون. فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها». ولما جاء جبريل ﵇ في صورة أعرابي ليعلم الناس أمر دينهم فجلس من رسول الله ﷺ مجلس السائل المسترشد وسأله عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان ثم قال: فمتى الساعة؟ قال له رسول الله ﷺ : ما المسئول عنها بأعلم من السائل». أي لست أعلم بها منك ولا أحد أعلم بها من أحد ثم قرأ النبي ﷺ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. الآية. وفي رواية: فسأله عن أشراط الساعة فبين له أشراط الساعة، ثم قال: «في خمسة لا يعلمهن إلا الله» وقرأ هذه الآية، وفي هذا كله يقول له بعد كل جواب صدقت. ولهذا عجب الصحابة من هذا السائل يسأله ويصدقه، ثم لما انصرف قال رسول الله ﷺ : «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». وفى رواية قال: «وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا صورته هذه». ولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جهوري فقال يا محمد. قال

стр. 1998

رسول الله ﷺ «هاؤم» على نحو من صوته قال: يا محمد متى الساعة؟ فقال له رسول الله ﷺ «ويحك إن الساعة آتية فما أعددت لها؟» قال: ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام ولكني أحب الله ورسوله: فقال له رسول الله ﷺ «المرء مع من أحب» فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث. ففي هذا الحديث أنه عليه الصلاة السلام كان إذا سئل عن هذا الذي لا يحتاجون إلى علمه أرشدهم إلى ما هو الأهم في حقهم، وهو الاستعداد لوقوع ذلك والتهيؤ له قبل نزوله، وإن لم يعرفوا تعيين وقته ولهذا قال مسلم في صحيحة وحدثنا .... عن عائشة ﵂ قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ سألوه عن الساعة متى الساعة فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول: «إن يعش هذا لم يدركه الهرم حتى قامت عليكم ساعتكم». يعني بذلك موتهم الذي يفضي بهم إلى الحصول في برزخ الدار الآخرة. وروى ابن جريج ما رواه مسلم .... أن جابر بن عبد الله سمع رسول الله ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: «تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على ظهر الأرض اليوم من نفس منفوسة تأتي عليها مائة عام». وفي الصحيحين عن ابن عمر مثله. قال ابن عمر: وإنما أراد رسول الله ﷺ انخرام ذلك القرن. وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا أمر الساعة» قال فردوا أمرهم إلى إبراهيم ﵇ فقال لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى. فقال عيسى: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله ، وفيما عهد إلي ربي أن الدجال خارج. وقال. فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافرا فتعال فاقتله. قال: «فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم. قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون. فيطئون بلادهم لا يأتون على شئ إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه. قال: ثم يرجع الناس إلي فيشكونهم فأدعو الله فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم (أي تنتن) قال: فينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ثم قال: ففيما عهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادتها ليلا أو نهارا، فهؤلاء أكابر أولي العزم من المرسلين ليس عندهم علم بوقت الساعة على التعيين وإنما ردوا الأمر إلى عيسى ﵇ فتكلم على أشراطها لأنه

стр. 1999

ينزل في آخر هذه الأمة منفذا لأحكام رسول الله ﷺ ويقتل المسيح الدجال ويجعل الله هلاك يأجوج ببركة دعائه، فأخبر بما أعلمه الله تعالى به، وروى الإمام أحمد ... عن حذيفة قال: سئل رسول الله ﷺ عن الساعة فقال: «علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن سأخبركم بمشاريطها وما يكون بين يديها: إن بين يديها فتنة وهرجا» قالوا يا رسول الله الفتنة قد عرفناها فما الهرج؟ قال: «بلسان الحبشة القتل» قال «ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحدا». وروى وكيع بإسناد جيد قوي .... عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله ﷺ لا يزال يذكر «من شأن الساعة حتى نزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قال ابن كثير: فهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وسلامه، نبي الرحمة، ونبي التوبة ونبي الملحمة، والعاقب والمقفي والحاشر الذي تحشر الناس على قدميه مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس وسهل بن سعد ﵄ «بعثت أنا والساعة كهاتين» وقرن بين إصبعيه السبابة والتي تليها، ومع هذا كله قد أمره الله أن يرد علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها، فقال: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. ٦ - وبمناسبة قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ..... يرد ابن كثير كل اتجاه يزعم أن الشرك قد وقع من آدم ﵇ وزوجه لأن ذلك يتنافى مع العصمة، ويعتبر أن كل ما ورد في ذلك- حتى مما ظنه الناس حديثا إنما هو مروي عن أهل الكتاب، ويطعن في صحة الحديث المروي في ذلك ثم يقول كلاما من أنفس الكلام ينتظم مجموعة موضوعات كلها نفيس منها الموقف من روايات أهل الكتاب وهذا هو كلامه. قال: (وهذه الآثار يظهر عليها- والله أعلم- أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم»، ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام: فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله ﵇: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله: «فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم». وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر. فأما من حدث به

стр. 2000

من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، وأنه ليس المراد في هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد في ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال الله فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ثم قال: فذكر آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس كقوله: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ الآية، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما استطرد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن. والله أعلم). ونقول تعليقا على الجزء من كلام ابن كثير الذي له علاقة في الإسرائيليات: أن ما ذكره يدل على جواز دراسة كتبهم لنقدها، من قبل من عنده علم يميز بين ما هو حق وما هو باطل وما هو محتمل، كما جاز النقل عن كتبهم مع البيان وهذا الذي درجنا عليه في هذا الكتاب. ٧ - وبمناسبة قوله تعالى عن الأصنام وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ يذكر ابن كثير هذه القصة (وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن جبل ﵄ وكانا شابين، قد أسلما- لما قدم رسول الله ﷺ المدينة فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل ليعتبر قومهما بذلك ويرتئوا لأنفسهم، فكان لعمرو بن الجموح- وكان سيدا في قومه- صنم يعبده ويطيبه فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجئ عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا ويقول له انتصر. ثم يعودان لمثل ذلك ويعود إلى صنيعه أيضا حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك. فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل وقال: تالله لو كنت إلها مستدن ... لم تك والكلب جميعا في قرن ثم أسلم فحسن إسلامه وقتل يوم أحد شهيدا رضى الله عنه وأرضاه وجعل جنة الفردوس مأواه. ٨ - وبمناسبة قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ نذكر هذه الروايات. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة عن أبي قال: لما أنزل الله على نبيه ﷺ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ قال رسول الله ﷺ : «ما هذا يا جبريل؟» قال: «إن الله أمرك أن تعفو عمن

стр. 2001

ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك» وقد رواه ابن أبي حاتم أيضا. كما روي له شواهد من وجوه أخر، وقد رواه ابن مردويه مرفوعا عن جابر وقيس بن سعد ابن عبادة عن النبي ﷺ . وروى الإمام أحمد ... عن عقبة بن عامر ﵁ قال: لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته، فأخذت بيده. فقلت: يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال. فقال: «يا عقبة صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك» وروى الترمذي نحوه وقال حسن صحيح. وروى البخاري ... أن ابن عباس ﵄ قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس- وكان من النفر الذين يدنيهم عمر- وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر. فلما دخل عليه، قال هي يا ابن الخطاب فو الله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله . وقال بعض العلماء: الناس رجلان، فرجل محسن فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا تكلفه فوق طاقته ولا ما يحرجه، وإما سيئ فمره بالمعروف فإن تمادى على ضلاله واستعصى عليك واستمر في جهله فأعرض عنه فلعل ذلك أن يرد كيده. ٩ - بمناسبة قوله تعالى وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ... يلاحظ ابن كثير أنه ما من مرة ورد الأمر بالاستعاذة من شيطان الجن إلا وكان في سياقها الإرشاد، إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف أي بالتي هي أحسن، فإن ذلك يكفه عما هو فيه من التمرد بإذنه تعالى. ثم يرشد تعالى إلى الاستعاذة به من شيطان الجن فإنه لا يكفه عنك الإحسان وإنما يريد هلاكك ودمارك بالكلية؛ فإنه عدو لك ولأبيك من قبلك. ويذكر ابن كثير بهذه المناسبة ما ذكره عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: لما نزلت خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ قال يا رب كيف بالغضب فأنزل الله وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ثم ذكر حديث الرجلين اللذين تسابا بحضرة النبى ﷺ ، فغضب أحدهما حتى جعل أنفه يتمزع غضبا فقال رسول الله ﷺ : «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» فقيل له فقال: ما بي من جنون.

стр. 2002

١٠ - وبمناسبة قوله تعالي: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا .. أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه هاهنا حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ وبها طيف، فقالت يا رسول ادع الله أن يشفيني فقال: «إن شئت دعوت الله فشفاك وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك» فقالت بل أصبر ولا حساب علي. ورواه غير واحد من أهل السنن. وعندهم قالت: يا رسول الله إني أصرع وأتكشف فادع الله أن يشفيني فقال: «إن شئت دعوت الله أن يشفيك وإن شئت صبرت ولك الجنة» فقالت: بل أصبر ولي الجنة. ولكن ادع الله أن لا أتكشف. فدعا لها فكانت لا تتكشف. وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عمرو بن جامع من تاريخه أن شابا كان يتعبد في المسجد فهويته امرأة فدعته إلى نفسها فما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل فذكر هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ فخر مغشيا عليه ثم أفاق فأعادها فمات، فجاء عمرو فعزى فيه أباه وكان قد دفن ليلا فذهب فصلى على قبره بمن معه ثم ناداه عمرو فقال يا فتى وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فأجابه الفتى من داخل القبر يا عمرو قد أعطانيهما ربي في الجنة مرتين.» ذكر هذه القصة ابن كثير فإن صحت فهي كرامة لعمرو أن يسمع صوت ميت ١١ - وعند قوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يدور نقاش كثير بين العلماء حول ما نصت عليه، إذ استدل بها الحنفية على ما ذهبوا إليه أنه يكره للمأموم أن يقرأ وراء الإمام مطلقا. واستدل من ذهب إلى أن المأموم لا يقرأ وراء الإمام في الجهرية ويقرأ في السرية. وقد عرض ابن كثير وهو شافعي المذهب هذه الاتجاهات وغيرها في فهم الآية وأشعر بما يفيد أنه يرجح مذهب الشافعية في هذا الموضوع ولكل من الأئمة وجهة نظره التي تقوم عليها الأدلة، والأمر فيه سعة، وهذا كلام ابن كثير وهو شافعي ننقله مع حذف الأسانيد وكنا من قبل نقلنا كلام الألوسي من الحنفية: (لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظاما له واحتراما، لا كما كان يعتمده كفار قريش المشركون في قولهم لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ الآية ولكن يتأكد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة كما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعرى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا اقرأ

стр. 2003

فأنصتوا» وكذا رواه أهل السنن. وروى إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة فلما نزلت هذه الآية وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا والآية الأخرى أمروا بالإنصات. وروى ابن جرير ... أن ابن مسعود قال: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة فجاء القرآن وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وروى ابن جرير أيضا ... عن بشير بن جابر قال: صلى ابن مسعود فسمع ناسا يقرءون مع الإمام، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا، أما آن لكم أن تعقلوا وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا كما أمركم الله. وروى أيضا ... عن الزهري قال: نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار كان رسول الله ﷺ كلما قرأ شيئا قرأه فنزلت وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن ... عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من «صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ أحد منكم معي آنفا؟» قال رجل نعم يا رسول الله. قال: «إني أقول ما لي أنازع القرآن» قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ . وقال الترمذي هذا حديث حسن وصححه أبو حاتم الرازي وروى عبد الله بن المبارك .... عن الزهري قال: لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر به الإمام، تكفيهم قراءة الإمام، وإن لم يسمعهم صوته ولكنهم يقرءون فيما لا يجهر به سرا في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرا ولا علانية فإن الله تعالى قال وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قلت:- القائل ابن كثير- هذا مذهب طائفة من العلماء، أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما جهر به الإمام الفاتحة ولا غيرها. وهو أحد قولي الشافعى، وهو القديم كمذهب مالك ورواية عن أحمد بن حنبل كما ذكرناه من الأدلة المتقدمة. وقال في الجديد: يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل لا يجب على المأموم قراءة أصلا في السرية ولا الجهرية بما ورد في الحديث: «من كان له إمام فقراءته قراءة له» وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر مرفوعا، وهو في موطأ مالك عن جابر موقوفا، وهذا أصح. وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع، وقد أفرد لها الإمام أبو عبد الله البخاري مصنفا على حدة واختار وجوب القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية أيضا والله أعلم. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قوله

стр. 2004

وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا يعني في الصلاة المفروضة. وكذا روي عن عبد الله بن المفضل. وروى ابن جرير .... عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاص يقص. فقلت ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ قال فنظرا إلي ثم أقبلا على حديثهما. قال: فأعدت فنظرا إلي وأقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثالثة. قال: فنظرا إلي فقالا: إنما ذلك في الصلاة وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا. وكذا روى سفيان الثوري ... عن مجاهد في قوله وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قال: في الصلاة. وكذا رواه غير واحد عن مجاهد، وروى عبد الرزاق ... عن مجاهد قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم. وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم النخعي وقتادة والشعبي والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن المراد بذلك في الصلاة، وروى شعبة ... أن مجاهدا كان يقول في هذه الآية وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة، وكذا روى ابن جرير عن عطاء مثله، وروى هشيم ... عن الحسن قال: في الصلاة وعند الذكر، وروى ابن المبارك ... أن سعيد بن جبير كان يقول في قوله وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قال: الإنصات يوم الأضحى، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة. وهذا اختيار ابن جرير أن المراد من ذلك الإنصات في الصلاة وفي الخطبة كما جاء في الأحاديث من الأمر بالإنصات خلف الإمام وحال الخطبة. وروى عبد الرزاق ... عن مجاهد أنه كره إذا مر الإمام بآية خوف أو بآية رحمة أن يقول أحد من خلفه شيئا. قال: السكوت. وروى مبارك بن فضالة عن الحسن: إذا جلست إلى القرآن فأنصت له. وروى الإمام أحمد .... عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة». ١٢ - ومن كلام ابن كثير عند الآية قبل الأخيرة في هذه السورة وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً .... وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداء وجهرا بليغا، لهذا لما سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي ﷺ : «يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم

стр. 2005

لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». وقد يكون المراد من هذه الآية كما في قوله تعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبوه وسبوا من أنزله وسبوا من جاء به، فأمره الله تعالى أن لا يجهر به لئلا ينال منه المشركون، ولا يخافت به عن أصحابه فلا يسمعهم وليتخذ بين الجهر والإسرار، وكذا قال في هذه الآية الكريمة وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ثم قال ابن كثير في تبيان المراد من الآية: بل المراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال؛ لئلا يكونوا من الغافلين. ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون. فقال: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ الآية، وإنما ذكرهم بهذا ليقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم، ولهذا شرع لنا السجود هاهنا لما ذكر سجودهم لله كما جاء في الحديث: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها يتمون الصفوف الأول فالأول ويتراصون في الصف» وهذه أول سجدة في القرآن مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع، وقد ورد في حديث رواه ابن ماجه عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه عدها في سجدات القرآن. كلمة في سياق هذا القسم: اتضح لنا من خلال عرض المعنى العام ارتباط هذا القسم ببقية السورة في سياقها الخاص وضمن محورها العام والشئ الذي يمكن أن نذكره هنا. هو أن هذا القسم وضح أن موضوع الهداية والضلال مرتبط بمشيئة الله، فالضلال بإرادته والهداية بإرادته. غير إن للهداية سننا وللضلال سننا. فنقطة البداية في الضلال ترك النظر والتدبر والتفكر والاعتبار والإعراض عن الاستماع للحق والخير. وأن الشرك هو مرتكز الضلال. وأن منطلقات الهداية معرفة الله بأسمائه الحسنى والإعراض عن الكافرين به، والتوكل عليه، والتخلق بمكارم الأخلاق والالتجاء إليه، والفرار إليه من كيد الشيطان والإنصات إلى كتابه، وكثرة ذكره وعبادته. كما أن القسم بين أنه لا حجة لكفر كما لا حجة لشرك، بل الحجة قائمة على الكافرين بأنواعهم. كما أن القسم أعطانا نموذجا على أنواع من الضلال والضالين. وعرفنا على أن الهدى

стр. 2006

مستقر في الفطرة وأن رسالة الرسل مستجمعة لأسباب الهدى مع ما أودعه الله في أصل الفطرة وهكذا انطلقت سورة الأعراف آمرة باتباع الكتاب، ووصلت إلى أن بينت أن هذا هو أصل الفطرة، ودلتنا على البدايات والنهايات في السير إلى الله. كلمة في سورة الأعراف: رأينا أن محور سورة الأعراف هو قوله تعالى في سورة البقرة: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. وقد رأينا أن سورة الأعراف تفصيل لهذا المحور: فقد جاءت السورة مفصلة للأمر من بدايته. ضاربة في أعماق التاريخ حتى الرسالة الخاتمة. عارضة أصل المسألة وقاعدتها بداية القصة والتعليقات عليها، والتطبيقات لها، والنماذج عليها حتى أوصلت إلى الرسالة الخاتمة، فحذرت وأنذرت، ثم قبحت الغفلة وأهلها، وأقامت الحجة على المعرضين. وحددت معالم الطريق لأهل الهداية. والآية اللاحقة فيها تكمل السابقة، وجميع الآيات تبني صرح اليقين برسالة محمد ﷺ ، ووجوب اتباعه، واتباع الهدى المنزل عليه، واتباع دعوته ودينه وشريعته. ولنلاحظ الصلات ما بين أول السورة وخاتمها: في أول السورة كلام عن اتباع القرآن والتحذير من الشيطان، ووصف ملائكة الرحمن بالطاعة المطلقة. وفي آخر السورة أمر بالاستماع للقرآن، وأمر بالاستعاذة من الشيطان، وثناء على ملائكة الرحمن لترتفع الهمم للعودة إلى الجنان، فيا رب العرش العظيم: أكرمنا بالفردوس الأعلى، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ***

стр. 2007

سورتا الأنفال وبراءة وهما السورتان الثامنة والتاسعة بحسب رسم القرآن وهما بمثابة السورة الواحدة ولذلك فقد اعتبرهما بعضهم أنهما السورة السابعة من قسم السبع الطوال

стр. 2008

كلمة في محل السورتين ضمن السياق القرآني العام تحدث الألوسي عن وجه مناسبة سورة الأنفال للأعراف فقال: «ووجه مناسبتها لسورة الأعراف أن فيها «وأمر بالعرف» وفي هذه كثير من أفراد المأمور به، وفي تلك ذكر قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم، وفي هذه ذكر النبي ﷺ وذكر ما جرى بينه وبين قومه، وقد فصل في تلك قصص آل فرعون وأضرابهم وما حل بهم، وأجمل في هذه ذلك فقال كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ وأشار هناك إلى سوء زعم الكفرة في القرآن بقوله تعالى وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها وصرح بذلك هنا بقوله جل وعلا وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وبين جل شأنه فيما تقدم أن القرآن هدى ورحمة لقوم يؤمنون، وأردف ذلك بالأمر بالاستماع له، والأمر بذكره تعالى، وهنا بين جل وعلا حال المؤمنين عند تلاوته، وحالهم إذا ذكر الله تبارك اسمه بقوله عزّ من قائل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إلى غير ذلك من المناسبات، والظاهر أن وضعها هنا توقيفي وكذا وضع براءة بعدها وهما من هذه الحيثية كسائر السور وإلى ذلك ذهب غير واحد كما مر في المقدمات). وتحدث الألوسي كذلك عن وجه مناسبة سورة [براءة] للأنفال فقال: (ووجه مناسبتها للأنفال أن في الأولى قسمة الغنائم وجعل خمسها لخمسة أصناف- على ما علمت- وفي هذه قسمة الصدقات وجعلها لثمانية أصناف- على ما ستعلم إن شاء الله تعالى- وفي الأولى أيضا ذكر العهود، وهنا نبذها، وأنه تعالى أمر في الأولى بالإعداد فقال سبحانه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ونعى هنا على المنافقين عدم الإعداد بقوله : وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً. وأنه سبحانه ختم الأولى بإيجاب أن يوالي المؤمنين بعضهم بعضا، وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية، وصرح جل شأنه في هذه بهذا المعنى بقوله ﵎: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الخ إلى غير ذلك من وجوه المناسبة). وقال الألوسي: في الأنفال وبراءة: «وعن قتادة، وغيره أنها (سورة التوبة) مع الأنفال سورة واحدة ولهذا لم تكتب بينهما البسملة وقيل: في وجه عدم كتابتها أن

стр. 2009

الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في كونها سورة أو بعض سورة، ففصلوا بينها وبين الأنفال رعاية لمن يقول هما سورتان، ولم يكتبوا البسملة رعاية لمن يقول هما سورة واحدة، والحق أنهما سورتان إلا أنهم لم يكتبوا البسملة بينهما لما رواه أبو الشيخ. وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ عن علي كرم الله وجهه من أن البسملة أمان، وبراءة نزلت بالسيف، ومثله عن محمد بن الحنفية وسفيان بن عيينة، ومرجع ذلك إلى أنها لم تنزل في هذه السورة كأخواتها لما ذكر، ويؤيد القول بالاستقلال تسميتها بما مر.» أقول: إن الأنفال وبراءة سورتان ولكنهما في حكم السورة الواحدة، فالأنفال تفصيل لفرضية القتال وما يحيط به، والثانية هي منشور القتال في الإسلام. فبعد إذ تستقر أحكام القتال ولوازمه وأسبابه وما يترتب عليه وما يحتاجه في سورة الأنفال، تأتي سورة التوبة وكأنها منشور مبني علي ذلك. وقد لاحظنا من خلال كلام الألوسي عن وجه مناسبة سورة الأنفال والأعراف، وعن وجه سورة براءة للأنفال أنه نظر إلى الصلة بين السور من خلال ما عبر عنه في عصرنا بالوحدة الموضوعية للقرآن، فقد رأى أن مواضيع طرقتها السورة السابقة أكملتها السورة اللاحقة. ونحن نضيف إلى ذلك ما له صلة بما فتح الله به من نظريتنا في الوحدة القرآنية. فنقول عارضين الأمر من بدايته: رأينا أن سورة آل عمران كانت تفصيلا لمقدمة سورة البقرة. أي للعشرين آية الأولى فيها، وأن سور: النساء والمائدة والأنعام كانت تفصيلا للتسع الآيات التالية. وأن سورة الأعراف كانت تفصيلا للقاعدة التي استقرت عليها قصة آدم التي جاءت في سورة البقرة بعد الآيات التسع السابقة، ثم نجد في سورتي الأنفال وبراءة تفصيلا لموضوع طرقته سورة البقرة في آياتها (٢١٦) - (٢١٧) - (٢١٨). فكأن ما بين ذلك كان تفصيلا يقتضيه سياق سورة البقرة، وكأنه امتداد لمعاني الآيات التي جاءت من قبل، ففصلت في السور السابقة، ولم تعد تحتاج إلى تفصيل في القسم الأول من أقسام القرآن، ومثل ذلك الآيات التي تأتي بعد هذه الآيات الثلاث، ولذلك فبانتهاء سورتي الأنفال وبراءة يأتي القسم الثاني من أقسام القرآن ليفصل ما أجمل في سورة البقرة تفصيلا جديدا، على نفس النسق والتسلسل الوارد في سورة البقرة، مما يدل على

стр. 2010

أن ما يأتي ثانيا مبني على ما جاء أولا، وما يأتي ثالثا مبني على ما ورد ثانيا، كما يدل على أهمية التفصيل المتجدد والجديد. والمهم أن نعرف هنا أن التفصيل الأول لسورة البقرة يتم بانتهاء سورتي الأنفال وبراءة. في عصرنا هذا تعتمد الدول ذات العقائد الخاصة نظرية غسيل المخ، وتعتمد وسائل التربية ومدارسها فكرة الإجمال، ثم التفصيل، وتقديم البدهيات على غيرها، والتدرج في التربية والتعليم، وكلها معان أوصلت إليها التجربة والاستقراء، فإن تجد القرآن يصنع النفس البشرية بالحق، من خلال البناء المتدرج تدرك شيئا من عظمة هذا القرآن، وشيئا من كماله وإعجازه. في الدول الديكتاتورية ذات العقائد الخاصة تقوم عملية غسيل المخ على وضع الإنسان أو الشعب في ظروف صعبة تجعل عنده استعدادا لتقبل ما يلقى إليه، ثم تبدأ عملية الإلقاء المتكرر المتجدد، حتى تصاغ نفسية الفرد أو الشعب بالشكل الذي يريده الحاكم، وفي نظم التربية المعاصرة ينقل الإنسان من طور إلى طور أوسع منه حتى يكمل وفي الصورة الأولى تجد باطلا بربى عليه الإنسان، وفي الصورة الثانية نجد خطأ أو قصورا في تربية الإنسان، والقرآن وضع الإنسان في الظرف الذي ينبغي أن يكون فيه، ظرف العبودية لله، ثم أجمل وفصل وعرض الموضوع الواحد على طرائق شتى من العرض، وكرر الموضوع الواحد بشكل متجدد، وكل ذلك بما لا يشبه شيئا مما ألفه الناس وعرفوه، وكل ذلك بمستوى رفيع من البيان والإحاطة، فإذا ما وسع هذا القرآن مع هذا كل شئ. وإذا كان كل شئ فيه حقا، فإن هذا كله يدلنا على أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون كما هو عليه إلا إذا كان منزله رب السموات والأرض ومن فيهن. *** إن سورتي الأنفال وبراءة تكملان بعضهما، ومن ثم نلاحظ أنه لم يفصل الصحابة بين السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم. والسورتان موضوعهما القتال والجهاد وما يتعلق به. وسنرى بأكثر من دليل أنهما تفصيل للآيات الثلاثة التي ذكرنا أرقامها من سورة البقرة. فلنر الآيات الثلاثة:

стр. 2011

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فههنا أمر بالقتال وإعلام بفرضيته وسؤال عن حالة من حالاته، ثم تقرير لما يرجو أهله من مغفرة الله ورحمته. الآية الأولى: كُتِبَ .... الآية الثانية: يَسْئَلُونَكَ ... الآية الثالثة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا ... ولا شك أن فرضية القتال ترتبط بها موضوعات متعددة، منها النفسي، ومنها المادي، ومنها غير ذلك، ومن ثم نلاحظ أن سورة الأنفال تبدأ ب يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ... تبدأ بنفس الكلمة التي صدرت بها الآية التي جاءت بعد آية القتال مباشرة من سورة البقرة، ثم تستمر سورة الأنفال في تفصيل قضايا متعلقة بالقتال، ثم تأتي سورة براءة في نفس الاتجاه، وعلى نفس المحور، فهما تفصيل لهذا الجزء من سورة البقرة، ولكنه ليس تفصيل المناطقة، ولا تفصيل القانونيين، ولا تفصيل الشعراء، وإنما تفصيل العليم الخبير المحيط علما بكل شئ، يفصل ما يحتاج إلى تفصيل بما يستوعب التربية والتشريع والتعليم، وحالات النفس وحاجاتها، وغير ذلك، مما لا يحيط به إلا الله. وسنحاول أثناء عرض السورتين أن نبرهن على أن السورتين تفصيل للآيات الثلاثة التي ذكرناها ولكنا هنا نكتفي بإشارات سريعة: أول الآيات الثلاث هي قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وبعد مقدمة سورة الأنفال مباشرة يأتي قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ

стр. 2012

بِالْحَقِّ .. وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ لاحظ الصلة بين قوله تعالى وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وبين قوله تعالى وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ. ويأتي في الآيات الثلاث قوله تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وفي وسط سورة الأنفال يأتي قوله تعالى. وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ لاحظ كلمة الفتنة في الآيتين ثم إن الآية الثانية تبدأ بكلمة «يسألونك» وسورة الأنفال تبدأ بكلمة «يسألونك». وثالث الآيات في سورة البقرة هي: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وآخر صفحة في سورة الأنفال تبدأ بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا ... والآيتان الأخيرتان في السورة هما: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ* وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ألا ترى أن سورة الأنفال تفصيل للآيات الثلاث بشكل واضح وبعد أن تفصل سورة الأنفال الآيات الثلاث، وموضوعات القتال وما يحيط به، تأتي سورة براءة كمنشور قتال، وإن على كل مسلم أن يعرف سورة الأنفال لمعرفة فرضية القتال وأن يعرف سورة براءة لاستيعاب منشور القتال ولإدراك الصلة بين سورة براءة والآيات الثلاث التي ذكرناها يكفي: أن نذكر أن في الآيات الثلاث يرد قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وفي سورة براءة يرد قوله تعالى: ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ وفى الآيات الثلاث يرد قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ وفي سورة براءة يرد قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ وفي الآيات الثلاث يرد قوله تعالى: وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وفي سورة براءة يرد قوله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ...

стр. 2013

إن هذه الاختيارات كافية للإشارة إلى ما ذكرنا من كون سورتي الأنفال وبراءة تفصيلا للآيات الثلاث من سورة البقرة، وسيأتي مزيد بيان أثناء عرضنا للسورتين. إن هذا القرآن يتألف من أربعة أقسام- كما نص على ذلك الحديث- والقسم الأول ينتهي بنهاية سورة براءة، وإن كل سورة جاءت بعد سورة البقرة لها محورها في سورة البقرة، وهي إذ تفصل في هذا المحور، تفصل فيه، وفي امتداداته، وفي ارتباطاته، وهكذا فإن كل سورة من السور السبع التي جاءت بعد سورة البقرة من هذا القسم فصلت في أكثر من المحور، فكأن كل محور جذب إليه المعاني الأكثر لصوقا، ثم جاءت سورة تفصل في ذلك كله، وبهذا الذي قلناه ندرك لم كان تباعد بين محور سورتي الأنفال وبراءة، وبين محور سورة الأعراف، كما ندرك لم لم تأت سورة بعد براءة سور تفصل في محاور أخرى تأتي بعد الآيات الثلاث، وما ذلك- والله أعلم- إلا لأن معاني سورة البقرة قد فصلت التفصيل الأول في سور القسم، لأن كل سورة- كما قلنا- جذبت إلى محورها امتدادات هذا المحور وفصلت فيه وقد رأينا براهين ذلك، وهذه واحدة لا ينقضي منها العجب في شأن هذا القرآن ولكنها واحدة من كثير، إن قلبا لا يؤمن بهذا القرآن أعمى، وإن قلبا لا ينصت لهذا القرآن غافل، وإن قلبا لا يتدبر معاني هذا القرآن مريض، ولننتقل إلى عرض سورة الأنفال: ***

стр. 2014

سورة الأنفال وهي السورة الثامنة بحسب الرسم القرآني وهي مع سورة التوبة تعتبران السورة السابعة من قسم الطوال وآياتها خمس وسبعون وهي مدنية

стр. 2015

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 2016

سورة الأنفال مدنية، آياتها خمس وسبعون، وكلماتها ألف وستمائة وإحدى وثلاثون كلمة، وحروفها خمسة آلاف ومائتان وأربعة وتسعون حرفا، وقد رأينا في الصفحات السابقة محل السورة في السياق القرآني العام ومحورها. وككل سورة في القرآن فإن لسورة الأنفال سياقها الخاص، ووحدتها الخاصة، زيادة على ارتباطها في السياق العام للقرآن، ولذلك فإننا نلاحظ أن مقدمة السورة تقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لاحظ قوله تعالى: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ثم تسير السورة لنرى في خاتمتها- وذلك قبل الآية الأخيرة- قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لاحظ كذلك قوله تعالى: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا من هذا وأمثاله ندرك وحدة السورة، وترابط آياتها، وترابط فقراتها ومقاطعها، وترابط مقدماتها مع خاتمتها، وهذا كله سيتضح لنا أثناء العرض. ولقد قدم صاحب الظلال لهذه السورة بعشرات الصفحات، ونجد أنفسنا أسرى كلماته ولذلك فسننقل مقتطفات من كلامه الذي قدم فيه لهذه السورة، مع نقل عنه من مكان آخر نرى أنه من المناسب أن ندخله في هذه المقتطفات: قال ﵀: «نزلت سورة الأنفال التي نعرض لها هنا بعد سورة البقرة .. نزلت في غزوة بدر الكبرى في شهر رمضان من العام الثاني للهجرة بعد تسعة عشر شهرا من الهجرة على الأرجح .. ولكن القول بأن هذه السورة نزلت بعد سورة البقرة لا يمثل حقيقة نهائية. فسورة البقرة لم تنزل دفعة واحدة، بل إن منها ما نزل في أوائل العهد بالمدينة، ومنها ما نزل في أواخر هذا العهد. وبين هذه الأوائل وهذه الأواخر نحو تسع سنوات! ومن المؤكد أن سورة الأنفال نزلت بين هذين الموعدين؛ وأن سورة البقرة قبلها وبعدها ظلت مفتوحة؛ تنزل الآيات ذوات العدد منها بين هذين الموعدين، وتضم إليها وفق الأمر النبوي التوقيفي.» «هذه السورة نزلت في غزوة بدر الكبرى .. وغزوة بدر- بملابساتها وبما ترتب عليها في تاريخ الحركة الإسلامية وفي التاريخ البشري جملة- تقوم معلما في طريق تلك الحركة وفي طريق هذا التاريخ.

стр. 2017

وقد سمى الله سبحانه .. يومها يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ .. كما أنه جعلها مفرق الطريق بين الناس في الآخرة كذلك، لا في هذه الأرض وحدها؛ ولا في التاريخ البشري على هذه الأرض في الحياة الدنيا وحدها. فقال سبحانه: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ، يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ* يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ* وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ* كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها .. مِنْ غَمٍّ .. أُعِيدُوا فِيها، وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ* إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ* وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ .. الحج (١٩ - ٢٤) وقد ورد أن هذه الآيات نزلت في الفريقين اللذين التقيا يوم بدر .. يوم الفرقان .. لا في الدنيا وحدها ولا في التاريخ البشري على الأرض وحدها؛ ولكن كذلك في الآخرة وفي الأبد الطويل .. وتكفي هذه الشهادة من الجليل- سبحانه- لتصوير ذلك اليوم وتقديره .. «لم تكن غزوة بدر الكبرى هي أولى حركات الجهاد الإسلامي فقد سبقتها عدة سرايا، لم يقع قتال إلا في واحدة منها، هي سرية عبد الله بن جحش في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة .. وكانت كلها تمشيا مع القاعدة التي يقوم عليها الجهاد في الإسلام .. نعم إنها كلها كانت موجهة إلى قريش التي أخرجت رسول الله ﷺ . والمسلمين الكرام؛ ولم تحفظ حرمة البيت الحرام المحرمة في الجاهلية وفي الإسلام. ولكن هذا ليس الأصل في انطلاقة الجهاد الإسلامي. إنما الأصل هو إعلان الإسلام العام بتحرير الإنسان من العبودية لغير الله وبتقرير ألوهية الله في الأرض؛ وتحطيم الطواغيت التي تعبد الناس، وإخراج الناس من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده .. وقريش كانت هي الطاغوت المباشر الذي يحول بين الناس في الجزيرة وبين التوجه إلى عبادة الله وحده؛ والدخول في سلطانه وحده. فلم يكن بد أن يناجز الإسلام هذا الطاغوت، تمشيا مع خطته العامة؛ وانتصافا- في الوقت ذاته- من الظلم والطغيان اللذين وقعا بالفعل على المسلمين الكرام؛ ووقاية كذلك لدار الإسلام في المدينة من الغزو والعدوان .. وإن كان ينبغي دائما ونحن نقرر هذه الأسباب المحلية القريبة أن نتذكر- ولا ننسى- طبيعة هذا الدين نفسه وخطته التي تحتمها طبيعته هذه. وهي ألا يترك في الأرض طاغوتا يغتصب سلطان الله؛ ويعبد الناس لغير ألوهيته وشرعه بحال من الأحوال»

стр. 2018

«في هذه الغزوة .. نزلت سورة الأنفال نزلت تعرض وقائع الغزوة الظاهرة، وتعرض وراءها فعل القدرة المدبرة، وتكشف عن قدر الله وتدبيره في وقائع الغزوة، وفيما وراءها من خط سير التاريخ البشري كله؛ وتحدث عن هذا كله بلغة القرآن الفريدة وبأسلوب القرآن المعجز.» أقول: وفي هذه الغزوة ينكشف للإنسان أن هناك قوانين وسننا أوسع مما يظنه الجاهلون وأن لله قدرا وأن لله تدبيرا فوق كل تدبير. يقول صاحب الظلال: «ولقد ظلت الجاهلية «العلمية» الحديثة تلج فيما تسميه «حتمية القوانين الطبيعية». وذلك لتنفي «قدر الله» وتنفي «غيب الله». حتى وقفت في النهاية- عن طريق وسائلها وتجاربها ذاتها- أمام غيب الله وقدر الله وقفة العاجز عن التنبؤ الحتمي! ولجأت إلى نظرية «الاحتمالات» في عالم المادة. فكل ما كان حتميا صار احتماليا. وبقي «الغيب» سرا محترما. وبقي قدر الله هو الحقيقة الوحيدة المستيقنة، وبقي قول الله- سبحانه- لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً هو القانون الحتمي الوحيد، الذي يتحدث بصدق عن طلاقة المشيئة الإلهية من وراء القوانين الكونية التي يدبر الله بها هذا الكون، بقدره النافذ الطليق. يقول سير جيمس جينز الإنجليزي الأستاذ في الطبيعيات والرياضيات. «لقد كان العلم القديم يقرر تقرير الواثق، أن الطبيعة لا تستطيع أن تسلك إلا طريقا واحدا، وهو الطريق الذي رسم من قبل لتسير فيه من بداية الزمن إلى نهايته، وفي تسلسل مستمر بين علة ومعلول، وأن لا مناص من أن الحالة (ا) تتبعها الحالة (ب) .. أما العلم الحديث فكل ما يستطيع أن يقوله حتى الآن، هو أن الحالة (ا) يحتمل أن تتبعها الحالة (ب) أو (ج) أو (د) أو غيرها من الحالات الأخرى التي يخطئها الحصر. نعم إن في استطاعته أن يقول: إن حدوث الحالة (ب) أكثر احتمالا من حدوث الحالة (ج) وإن الحالة (ج) أكثر احتمالا من (د) وهكذا. بل إن في مقدوره أن يحدد درجة احتمال كل حالة من الحالات (ب) و (ج) و (د) بعضها بالنسبة إلى بعض. ولكنه لا يستطيع أن يتنبأ عن يقين: أي الحالات تتبع الأخرى. لأنه يتحدث دائما عما يحتمل. أما ما يجب أن يحدث، فأمره موكول إلى الأقدار، مهما تكن حقيقة هذه الأقدار». وقال صاحب الظلال: «ولأن المعركة- كل معركة- يخوضها المؤمنون .. من صنع الله وتدبيره. بقيادته وتوجيهه. بعونه ومدده. وقدره. له وفي سبيله. تتكرر الدعوة

стр. 2019

في السورة إلى الثبات فيها، والمضي معها، والاستعداد لها، والاطمئنان إلى تولي الله فيها، والحذر من المعوقات عنها من فتنة الأموال والأولاد، والاستمساك بآدابها، وعدم الخروج لها بطرا ورئاء الناس. ويؤمر رسول الله ﷺ .. بتحريض المؤمنين عليها». «وفي ذات الوقت الذي تتكرر الأوامر بالتثبيت في المعركة يتجه السياق إلى توضيح معالم العقيدة وتعميقها ورد كل أمر وكل حكم وكل توجيه إليها. فلا تبقى الأوامر معلقة في الفراغ، وإنما ترتكز على ذلك الأصل الواضح الثابت العميق: «ا» في مسألة الأنفال يردون إلى تقوى الله، والوجل عند ذكره، وتعلق الإيمان بطاعة الله وطاعة رسوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. «ب» وفي خطة المعركة يردون إلى قدرة الله وتدبيره، وتصريفه لمراحلها جميعا: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا .. «ج» وفي أحداثها ونتائجها يردون إلى قيادة الله لها، ومدده وعونه فيها: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً .... «د» وفي الأمر بالثبات فيها يردون إلى ما يريده الله لهم بها من حياة، وإلى قدرته على الحيلولة بينهم وبين قلوبهم، وإلى تكفله بنصر من يتوكل عليه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ... يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. «هـ» وفي تحديد الهدف من وراء المعركة يقرر: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ .. ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ .. وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ

стр. 2020

لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ* لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. «و» وفي تنظيم العلاقات في المجتمع المسلم بينه وبين غيره من المجتمعات الأخرى تبرز العقيدة قاعدة للتجمع وللتميز، وتجعل القيم العقيدية هي التي تقدم في الصف أو تؤخر .. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ* وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ... «ويبرز في سياق السورة بصفة خاصة- إلى جانب العقيدة- خط آخر وهو خط الجهاد، وبيان قيمته الإيمانية والحركية. وتجريده كذلك من كل شائبة شخصية، وإعطاؤه مبرراته الذاتية العليا التي ينطلق بها المجاهدون في ثقة وطمأنينة واستعلاء إلى آخر الزمان.» «وأخيرا فإن السورة تنظم ارتباطات الجماعة المسلمة على أساس العقيدة كما أسلفنا؛ وبيان الأحكام التي تتعامل بها مع غيرها من الجماعات الأخرى في الحرب والسلم وأحكام الغنائم والمعاهدات، وتضع خطوطا أصلية في تنظيم تلك الروابط وهذه الأحكام.» «هذا مجمل لخطوط السورة الرئيسية .. فإذا كانت السورة بجملتها إنما نزلت في غزوة بدر، وفي التعقيب عليها، فإننا ندرك من هذا طرفا من منهج القرآن في تربية الجماعة المسلمة، وإعدادها لقيادة البشرية وجانبا من نظرة هذا الدين إلى حقيقة ما يجرى في الأرض وفي حياة البشرية؛ مما يقوم منه تصور صحيح لهذه الحقيقة:

стр. 2021

لقد كانت هذه الغزوة هي أول وقعة كبيرة لقى فيها المسلمون أعداءهم من المشركين، فهزموهم تلك الهزيمة الكبيرة .. ولكن المسلمين لم يكونوا قد خرجوا لهذه الغاية .. لقد كانوا إنما خرجوا ليأخذوا الطريق على قافلة قريش الذين أخرجوا المهاجرين من ديارهم وأموالهم فأراد الله للعصبة المسلمة غير ما أرادت لنفسها من الغنيمة .. أراد لها أن تنفلت منها القافلة وأن تلقى عدوها من عتاة قريش الذين جمدوا الدعوة في مكة ومكروا مكرهم لقتل رسول الله ﷺ ؛ بعد ما بلغوا بأصحابه الذين تابعوه على الهدى غاية التعذيب والتنكيل والأذى. لقد أراد الله سبحانه أن تكون هذه الوقعة فرقانا بين الحق والباطل؛ وفرقانا في خط سير التاريخ الإسلامي. ومن ثم فرقانا في خط سير التاريخ الإنساني .. وأراد أن يظهر فيها الآماد البعيدة بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير لهم. وتدبير رب البشر لهم ولو كرهوه في أول الأمر. كما أراد أن تتعلم العصبة المؤمنة عوامل النصر وعوامل الهزيمة، وتتلقاها مباشرة من يدربها، وهي في ميدان المعركة وأمام مشاهدها. وتضمنت السورة التوجيهات الموحية إلى هذه المعاني الكبيرة؛ وإلى هذه الحقائق الضخمة الخطيرة. كما تضمنت الكثير من دستور السلم والحرب والغنائم والأسرى، والمعاهدات والمواثيق، وعوامل النصر وعوامل الهزيمة كلها مصنوعة في أسلوب التوجيه المربي، الذي ينشئ التصور الاعتقادي ويجعله هو المحرك الأول والأكبر في النشاط الإنساني .. وهذه هي سمة المنهج القرآني في عرض الأحداث وتوجيهها. ثم إنها تضمنت مشاهد من الموقعة، ومشاهد من حركات النفوس قبل المعركة وفي ثناياها وبعدها .. مشاهد حية تعيد إلى المشاعر وقع المعركة وصورها وسماتها؛ كأن قارئ القرآن يراها فيتجاوب معها تجاوبا عميقا. واستطرد السياق أحيانا إلى صور من حياة الرسول. ﷺ .. وحياة أصحابه في مكة، وهم قلة مستضعفون في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس. ذلك ليذكروا فضل الله عليهم في ساعة النصر، ويعلموا أنهم إنما سينصرون بنصر الله، وبهذا الدين الذي آثروه على المال والحياة. وإلى صور من حياة المشركين قبل هجرة رسول الله ﷺ . وبعدها. وإلى أمثلة من مصائر الكافرين من قبل كدأب آل فرعون والذين من قبلهم، لتقرير سنة الله التي لا تتخلف في الانتصار لأوليائه والتدمير على أعدائه»

стр. 2022

أقول: وهذه الإشارات التي أشارت إليها السورة مما له صلة بالعهد المكي جعلت بعض العلماء يتجهون إلى أن بعض آيات السورة مكية وقد رد هذا الاتجاه صاحب الظلال مستدلا ومبرهنا فقال: (وقد ذكر ابن إسحاق. عن عبد الله بن أبي نجيح. عن مجاهد. عن ابن عباس- وعنه كذلك من طريق آخر- حديثا طويلا عن تبييت قريش ومكرهم هذا، جاء في نهايته قوله: « .. وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه- بعد قدومه المدينة- «الأنفال» يذكره نعمه عليه، وبلاءه عنده: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ. وهذه الرواية عن ابن عباس. ﵄. هي التي تتفق مع السياق القرآني قبل هذه الآيات وبعدها. من تذكير الله سبحانه لنبيه- ﷺ وللمؤمنين بما أسلف إليهم من فضله؛ في معرض تحريضهم على الجهاد في سبيل الله والاستجابة لما يدعوهم إليه منه، والثبات يوم الزحف .. إلى آخر ما تعالجه السورة من هذا الأمر كما سنبين .. والقول بأن هذه الآيات مدنية كالسورة كلها هو الأولى ... ) وقد آن الأوان للبدء في عرض السورة: تتألف سورة الأنفال من قسمين رئيسيين: القسم الأول: ويتألف من مقدمة السورة ومقطعين، القسم الثاني: ويتألف من مقطعين، وخاتمة للسورة، وتتألف مقدمة السورة من أربع آيات، ثم يأتي المقطع الأول فيعرض علينا صفحة من غزوة بدر، ويبدأ بقوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وبعد أن يعرض علينا المقطع الأول صفحة من صفحات بدر، يأتي المقطع الثاني وفيه خمسة نداءات للمؤمنين كل منها بصيغة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* ثم يأتي القسم الثاني: ويبدأ المقطع الأول منه بخطاب رسول الله ﷺ كما بدأ المقطع الأول في القسم الأول- وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... وكما عرض علينا القسم الأول صفحة من صفحات بدر، وكما كان في القسم الأول كلام عن الغنائم، فإن المقطع الأول من القسم الثاني يحدثنا عن أفعال الكافرين برسول الله ﷺ قبل بدر، وينتهي بالكلام عن بدر، ثم يأتي المقطع الثاني في القسم الثاني وهو يشبه المقطع الثاني في القسم الأول، إذ فيه مجموعة نداءات ولكنها في

стр. 2023

هذه المرة متنوعة، فمنها ما هو بصيغة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* ومنها ما هو بصيغة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ* ثم تأتي الخاتمة وفيها مجموعة تقريرات ولنبدأ بعرض مقدمة السورة. ***

стр. 2024

[القسم الاول] مقدمة السورة وهي أربع آيات وهذه هي: [سورة الأنفال (٨): الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) المعنى العام: تبدأ السورة بتبيان حكم أثر من آثار القتال وهو الغنائم، فتبين أن المرجع في هذه الغنائم لله والرسول، فالله هو مالك كل شئ، ورسوله هو خليفته، ثم أمر الله المؤمنين ثلاثة أوامر: بالتقوى، وإصلاح ذات البين، والطاعة لله والرسول ﷺ ، وهي أوامر مهمة جدا في موضوع الجهاد. فالجهاد إذا لم ينشأ عن تقوى فليس جهادا، والجهاد يحتاج إلى وحدة صف، ومن ثم فلا بد من إصلاح ذات البين، والانضباط هو الأساس في الجهاد. إذ لا جهاد بلا انضباط. ثم بين الله أن الطاعة لله والرسول ﷺ علامة الإيمان. ثم حدد الله صفات المؤمنين الحقيقيين، وهذا الوصف والتحديد مهمان في موضوع الجهاد الإسلامي، لأن الإيمان الحقيقي هو الذي يقوم به الجهاد الإسلامي، لقد حدد الله صفات المؤمنين، بأنهم الذين إذا ذكر الله فزعت قلوبهم،

стр. 2025

وخافت وفرقت. وإذا قرئ عليهم القرآن ازداد إيمانهم ونما. والصفة الثالثة: هي التوكل على الله، فلا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الخلق وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإيمان. والصفة الرابعة: إقامة الصلاة، بالمحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها، ومن ذلك إسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ . والصفة الخامسة: الإنفاق مما رزقهم الله، وذلك يشمل إخراج الزكاة وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب، والخلق كلهم عباد الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه، ثم بين الله أن المتصفين بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان، وأن لهم عند الله منازل ومقامات ودرجات في الجنات، وأن الله سيغفر لهم السيئات، ويشكر الحسنات، وسيجزيهم على الخيرات. وبهذا تنتهي مقدمة السورة بعد أن رفعت الهمم لكل لوازم الجهاد، ونفت كل عوامل الخذلان، من اختلاف على غنائم، أو خلاف بسبب شئ. داعية إلى الطاعة، والارتفاع إلى منازل الإيمان الكامل. المعنى الحرفي: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ أي عن الغنائم، فالنفل: الغنيمة لأنها من فضل الله وعطائه، قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي قل حكمها مختص بالله ورسوله، يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته، ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوضا إلى رأي أحد فَاتَّقُوا اللَّهَ في تنفيذ أوامره واجتناب مناهيه، ومن ذلك الاختلاف والتخاصم والتدابر والطمع والجشع والغول وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي وأصلحوا بينكم. أي وأصلحوا حقيقة وصلكم حتى تكون ما بينكم من الأحوال، أحوال ألفة ومحبة واتفاق، والمعنى فاتقوا الله وكونوا مجتمعين على ما أمر الله ورسوله وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي في كل ما يأمر به الله ورسوله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إذ كمال الإيمان ومقتضاه كمال الطاعة لله ورسوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أي الكاملون في إيمانهم الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ أي فزعت لذكره استعظاما له وتهيبا من جلاله وعزه وسلطانه وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ أي القرآن زادَتْهُمْ إِيماناً أي ازدادوا بها يقينا وطمأنينة لأن تظاهر الأدلة أقوى للاستشعار بالمدلول عليه وَعَلى رَبِّهِمْ

стр. 2026

يَتَوَكَّلُونَ أي يعتمدون عليه ولا يفوضون أمورهم إلى غير ربهم ولا يخشون ولا يرجون إلا إياه الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي يجمعون بين أعمال القلوب من الوجل والإخلاص والتوكل وبين أعمال الجوارح من الصلاة والصدقة أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا أي أولئك هم المؤمنون إيمانا حقا. أو أولئك هم المؤمنون إيمانا لا شك فيه ولا تردد لَهُمْ دَرَجاتٌ أي مراتب بعضها فوق بعض على قدر الأعمال عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ أي وتجاوز لسيئاتهم وَرِزْقٌ كَرِيمٌ في الجنة صاف عن كد الاكتساب وخوف الحساب فوائد: ١ - عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ﵄ سورة الأنفال. قال: نزلت في بدر، رواه البخاري. وقد حدث كثير من الصحابة عن واقعة حدثت له أو لغيره في موضوع الغنائم يوم بدر وكل ذلك له علاقة في سبب نزول الآية الأولى من سورة الأنفال. وهذه مجموعة من الآثار في هذا الموضوع ا- قال مجاهد في سبب نزولها إنهم سألوا رسول الله ﷺ عن الخمس بعد الأربعة من الأخماس فنزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ... ب- روى الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر وقتل أخي عمير قتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكتيفة، فأتيت به النبي ﷺ فقال: «اذهب فاطرحه في القبض» قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، قال فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت سورة الأنفال. فقال لي رسول الله ﷺ : «اذهب فخذ سلبك» وروى الإمام أحمد ... عن سعيد بن مالك قال: قلت يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من المشركين فهب لي هذا السيف. فقال: «إن هذا السيف لا لك ولا لي، ضعه» قال: فوضعته فقلت عسى أن يعطى هذا السيف من لا يبلى بلائي قال: فإذا رجل يدعوني من ورائي قال: قلت قد أنزل الله في شيئا؟ قال كنت سألتني السيف وليس هو لي وإنه قد وهب لي فهو لك، قال: وأنزل الله هذه الآية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ورواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح. وروى الإمام أحمد ... عن أبي أمامة قال: سألت عبادة عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه

стр. 2027

أخلاقنا فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله ﷺ فقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بواء (يقول عن سواء). وروى الإمام أحمد أيضا عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فشهدت معه بدرا فالتقى الناس فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض. قال الذين جمعوا الغنائم نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب. وقال الذين خرجوا في طلب العدو لستم بأحق بها منا؛ نحن منعنا عنه العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به. فنزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ فقسمها رسول الله ﷺ بين المسلمين وكان رسول الله ﷺ إذا أغار في أرض العدو نفل الربع، فإذا أقبل راجعا نفل الثلث. وكان يكره الأنفال. ورواه الترمذي وقال: حديث صحيح، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. وروى أبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه واللفظ له. وابن حبان والحاكم ... عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ : «من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا» فتسارع في ذلك شبان القوم وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت المغانم جاءوا يطلبون الذي جعل لهم فقال الشيوخ لا تستأثروا علينا فإنا كنا ردءا لكم لو انكشفتم لفئتم إلينا، فتنازعوا. فأنزل الله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ إلى قوله وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وروى الثوري ... عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ : «من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أتى بأسير فله كذا وكذا» فجاء أبو اليسر بأسيرين فقال يا رسول الله صلى الله عليك أنت وعدتنا، فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إنك لو أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شئ، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك مخافة أن يأتوك من ورائك، فتشاجروا ونزل القرآن يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ قال: ونزل القرآن وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ إلى آخر الآية. قال صاحب الظلال تعليقا على ما حدث من خلاف بسبب الغنائم يوم بدر: «ولقد يدهش الإنسان حين يرى أهل بدر يتكلمون في الغنائم؛ وهم إما من

стр. 2028

المهاجرين السابقين الذين تركوا وراءهم كل شئ، وهاجروا إلى الله بعقيدتهم، لا يلوون على شئ من أعراض هذه الحياة الدنيا؛ وإما من الأنصار الذين آووا المهاجرين، وشاركوهم ديارهم وأموالهم، لا يبخلون بشيء من أعراض هذه الحياة الدنيا أو كما قال فيهم ربهم يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ. ولكننا نجد بعض التفسير لهذه الظاهرة في الروايات نفسها لقد كانت الأنفال مرتبطة في الوقت ذاته بحسن لبلاء في المعركة وكانت بذلك شهادة على حسن البلاء؛ وكان الناس- يومئذ- حريصين على هذه الشهادة من رسول الله ﷺ ومن الله في أول وقعة يشفي الله فيها صدورهم من المشركين! .. ولقد غطى هذا الحرص وغلب على أمر آخر نسيه من تكلموا في الأنفال حتى ذكرهم الله سبحانه به، وردهم إليه .. ذلك هو ضرورة السماحة فيما بينهم في التعامل، والصلاح بين قلوبهم في المشاعر؛ حتى أحسوا ذلك في مثل ما قاله عبادة بن الصامت- ﵁ .. «فينا أصحاب بدر- نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله ﷺ .. » ولقد أخذهم الله سبحانه بالتربية الربانية قولا وعملا .. نزع أمر الأنفال كله منهم ورده إلى رسول الله ﷺ حتى أنزل حكمه في قسمة الغنائم بجملتها، فلم يعد الأمر حقا لهم يتنازعون عليه؛ إنما أصبح فضلا من الله عليهم، يقسمه رسول الله بينهم كما علمه ربه ... ». أقول: وصف الله النفس البشرية بقوله: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وهو وصف معجز فالنفس البشرية شحها حاضر عند كل تصرف من تصرفاتها، والمسلم الذي أخذ حظه من التزكية يتغلب على شحه بمجاهدته نفسه وبحملها على الحق، ولم يكن الحق في شأن الغنائم واضحا، وإن أصحاب رسول الله ﷺ هم أكثر خلق الله فيئة فبمجرد أن وضح الله لهم من هو صاحب الحق في الغنائم فاءوا. ٢ - رأينا أن الأنفال في الآية فسرت بالغنائم، إلا أن كلمة نفل تستعمل في هذا الباب أكثر من استعمال وقد نقل ابن كثير عن أبي عبيد في كتاب الأموال ( ... والأنفال أصلها جماع الغنائم، إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة، ومعنى الأنفال في كلام العرب كل إحسان فعله فاعل تفضلا، من غير أن يجب

стр. 2029

ذلك عليه، فذلك النفل الذي أحله الله للمؤمنين من أموال عدوهم، وإنما هو شئ خصهم الله به تفضلا منه عليهم بعد أن كانت الغنائم محرمة على الأمم قبلهم، فنفلها الله تعالى هذه الأمة، فهذا أصل النفل. قلت: شاهد هذا ما في الصحيحين عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي- فذكر الحديث إلى أن قال- وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي». وذكر تمام الحديث، ثم قال أبو عبيد: ولهذا سمي ما جعل الإمام للمقاتلة نفلا، وهو تفضيله بعض الجيش على بعض بشيء سوى سهامهم، يفعل ذلك بهم على قدر الفناء عن الإسلام والنكاية في العدو، وفي النفل الذي ينفله الإمام سنن أربع، لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى (فإحداهن) في النفل لا خمس فيه وذلك السلب (والثانية) النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس، وهو أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب فتأتي بالغنائم فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث بعد الخمس (الثالثة) في النفل من الخمس نفسه وهو أن تحاز الغنيمة كلها ثم تخمس فإذا صار الخمس في يدي الإمام نفل منه على قدر ما يرى (والرابعة) في النفل في جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شئ، وهو أن يعطى الأدلاء ورعاة الماشية والسواق منها، وفي كل ذلك اختلاف. قال الربيع: قال الشافعي: الأنفال أن لا يخرج من رأس الغنيمة قبل الخمس شئ غير السلب. قال أبو عبيد: والوجه الثاني من النفل: هو شئ زيدوه غير الذي كان لهم، وذلك من خمس النبي ﷺ ، فإن له خمس الخمس من كل غنيمة، فينبغي للإمام أن يجتهد، فإذا كثر العدو واشتدت شوكتهم وقل من بإزائه من المسلمين نفل منه اتباعا لسنة رسول الله ﷺ وإذا لم يكن ذلك لم ينفل والوجه الثالث من النفل: إذا بعث الإمام سرية أو جيشا فقال لهم قبل اللقاء: من غنم شيئا فهو له بعد الخمس فهو لهم على ما شرط الإمام لأنهم على ذلك غزوا وبه رضوا. وقال ابن مسعود ومسروق: لا نفل يوم الزحف إنما النفل قبل التقاء الصفوف. «وهذا يفيد أن مذهبهما أن للإمام أن يشجع بإعطاء النفل قبل المعركة كالتشجيع على المبارزة والاستطلاع» .. ويرى الشعبي للإمام أن ينفل بعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش) أقول: إن للقيادة الإسلامية أن تأخذ بقول أي إمام مجتهد إذا رأت المصلحة في ذلك ٣ - بمناسبة قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ يذكر ابن كثير قصة يرويها عبد الرزاق وفيها آداب فليفطن لها القارئ: روى عبد الرزاق عن القاسم بن محمد قال: قال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا سئل عن شئ قال لا آمرك ولا

стр. 2030

أنهاك. ثم قال ابن عباس: والله ما بعث الله نبيه ﷺ إلا زاجرا آمرا محللا محرما، قال القاسم: فسلط على ابن عباس رجل فسأله عن الأنفال فقال ابن عباس كان الرجل ينفل فرس الرجل وسلاحه، فأعاد عليه الرجل فقال له مثل ذلك، ثم عاد عليه حتى أغضبه فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب حتى سالت الدماء على عقبيه أو على رجليه، فقال الرجل. أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس» أقول: يفهم من هذه القصة أن ابن عباس يرى أن السلب الذي يعطى للمقاتل المجاهد هو فرس القتيل وسلاحه فقط، وهي قضية خلافية كما رأينا: والشافعية يرون أن السلب للقاتل ولو لم يشترطه الإمام، والحنفية لا يرون ذلك إلا إذا قاله القائد للجندي أو أعلن عنه. ٤ - وبمناسبة قوله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ يذكر ابن كثير حديثا رواه أبو يعلى في مسنده عن أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ فقال: «رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة ﵎، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي. قال الله تعالى: اعط أخاك مظلمته. قال: يا رب لم يبق من حسناتي شئ، قال: رب فليحمل عني من أوزاري» قال: ففاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء ثم قال: «إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى من يتحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك في الجنان، فرفع رأسه، فقال: يا رب أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ. لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى ثمنه، قال رب ومن يملك ثمنه؟ قال: أنت تملكه، قال: ماذا يا رب؟ قال: تعفو عن أخيك قال: يا رب فإني قد عفوت عنه، قال الله تعالى: خذ بيد أخيك، فأدخله الجنة» ثم قال رسول الله ﷺ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة. ٥ - هناك خلاف لفظي حول زيادة الإيمان ونقصه، وإنما قلنا لفظي لأنه ما من أحد يشك أن عدم الجزم بالإيمان كفر، ولا أحد يشك أن المشاعر الإيمانية تزيد وتنقص، وهناك خلاف كذلك حول جواز أن يقول الإنسان أنا مؤمن إن شاء الله، ولا شك كذلك أن الخلاف حولها لفظي إذ الجميع متفقون على أن التردد في الإيمان كفر، ولا أحد يستطيع الجزم بأنه من أهل الجنة أو أهل النار إلا بإخبار قطعي عن الله ورسوله،

стр. 2031

وبمناسبة قوله تعالى وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً قال ابن كثير- وهو شافعي-: (وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأمة، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد). وقال النسفي وهو حنفي: (وعن الحسن ﵀ أن رجلا سأله أمؤمن أنت؟ قال إن كنت تسألني عن الإيمان بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، والجنة، والنار، والبعث، والحساب، فأنا مؤمن. وإن كنت تسألني عن قوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الآية فلا أدري أنا منهم أم لا. وعن الثوري: من زعم أنه مؤمن بالله حقا ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية. أي كما لا يقطع بأنه من أهل ثواب المؤمنين حقا فلا يقطع بأنه مؤمن حقا، وبهذا يتشبث من يقول أنا مؤمن إن شاء الله، وكان أبو حنيفة ﵀ لا يقول ذلك. وقال لقتادة لم تستثني في إيمانك؟ قال اتباعا لإبراهيم في قوله والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين. فقال هلا اقتديت به في قوله أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وعن إبراهيم التيمي: قل أنا مؤمن حقا فإن صدقت أثبت عليه، وإن كذبت فكفرك أشد من كذبك. وعن ابن عباس ﵄: من لم يكن منافقا فهو مؤمن حقا. وقد احتج عبد الله على أحمد فقال: أيش اسمك؟ فقال: أحمد، فقال: أتقول أنا أحمد حقا؟ أو أنا أحمد إن شاء الله؟ فقال: أنا أحمد حقا. فقال: حيث سماك والداك لا تستثني وقد سماك الله في القرآن مؤمنا تستثني!). ومن خلال هذين النقلين نعرف وجهة نظر المتجادلين في القضيتين اللتين ذكرناهما. ٦ - وبمناسبة قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا يذكر ابن كثير حديثا رواه الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله ﷺ فقال: «كيف أصبحت يا حارث؟» قال أصبحت مؤمنا حقا. قال: «انظر ما تقول فإن لكل شئ حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» فقال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني انظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني انظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني انظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال: «يا حارث عرفت فالزم» ثلاثا. ٧ - وبمناسبة قوله تعالى: لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال ابن كثير: وقال الضحاك في قوله لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد،

стр. 2032

ولهذا جاء في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء» قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم فقال: «بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين». وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن ... عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الدرجات العلى كما تراءون الكوكب الغابر في أفق السماء. وإن أبا بكر وعمر منهما» ٨ - من المهم جدا فقه قضية الأنفال والغنائم في القتال، وقضية التربية الإيمانية، إن فقه الغنائم وفقه التصرف فيها، والترغيب في الجهاد من خلالها، قضية مهمة في عملية الجهاد واستمراريته. فالجهاد والتفرغ له، والاستمرارية فيه، يحتاج إلى مال. وفقه الأمير، والقائد، والإمام للحدود المستطاعة له، والتي يستطيع على ضوئها أن يتصرف في أموال الكافرين شئ رئيسى لاستمرار عملية الجهاد، كما أن التربية الإيمانية العالية هي الطريق الوحيد للقدرة على الجهاد وتحمل تبعاته، واستسهال آثاره، واحتسابه. ومن ثم نلاحظ أن هذه السورة- وهي سورة الجهاد- حوت مقدمتها هاتين القضيتين كما حوت غيرهما مما يحتاجه الجهاد في سبيل الله كلمة في السياق: لاحظنا أن سورة الأنفال تأتي تفصيلا لقوله تعالى في سورة البقرة: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ... فكما جاءت بعد آية فريضة القتال سؤال حول موضوع من مواضيع القتال فإن سورة الأنفال بدأت هذه البداءة التي رأيناها في ذكر مجموعة قضايا رئيسية لها علاقة في القتال، فإذا ما استقرت هذه القضايا الرئيسية فإنه يأتينا الآن مقطع. هذا المقطع يعطينا نموذجا عمليا واقعيا لكراهة المؤمنين للقتال، وكيف أن الخير كان فيه، ومن تأمل هذا المقطع أدرك إدراكا تاما صلة سورة الأنفال بمحورها الذي ذكرناه من سورة البقرة. واستأنس بهذا على صحة ما ذهبنا إليه في موضوع الوحدة القرآنية: التي لا ندرك منها إلا القليل، ولكنه قليل كاف ليرى الإنسان آيات الله في هذا القرآن، بما يشبه آيات الله في هذا الكون من حيث إن آيات الله في هذا الكون تربط بينها وحدة كبرى وارتباط واضح. يدرك أبعاده العلماء على قدر علومهم. وهكذا كتاب الله ولله المثل الأعلى ولكتابه

стр. 2033

كذلك. ولنر المقطع الأول ولنقف بعد ذلك عنده وقفات المقطع الأول من القسم الأول ويمتد من الآية (٥) إلى نهاية الآية (١٤) وهذا هو: [سورة الأنفال (٨): الآيات ٥ الى ١٤] كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤)

стр. 2034

فائدة: هناك خلاف حول الكاف في قوله تعالى كَما أَخْرَجَكَ ونقدم بين يدي المعني العام نقلين عن الألوسي في هذه الكاف كمقدمة للدخول إلى معاني المقطع. قال الألوسي: (والكاف يستدعي مشبها وهو غير مصرح به في الآية وفيه خفاء، ومن هنا اختلفوا في بيانه، وكذا في إعرابه على وجوه، فاختار بعضهم أنه خبر مبتدأ محذوف هو المشبه، أي حالهم هذه في كراهة ما وقع في أمر الأنفال كحال إخراجك من بيتك في كراهتهم له، وإلى هذا يشير كلام الفراء حيث قال: الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه ﷺ من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال وكراهتهم لما وقع فيها مع أنه أولى بحالهم، أو أنه صفة مصدر الفعل المقدر في «لله والرسول» أي الأنفال ثبتت لله تعالى وللرسول ﵊ مع كراهتهم ثباتا كثبات إخراجك وضعف هذا ابن الشجري». «وقال أبو حيان: خطر لي في المنام أن هنا محذوفا وهو نصرك، والكاف فيها معنى التعليل أي لأجل أن خرجت لإعزاز دين الله تعالى نصرك وأمدك بالملائكة، ودل على هذا المحذوف قوله سبحانه بعد: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ الآيات ولو قيل: إن هذا مرتبط بقوله سبحانه رِزْقٌ كَرِيمٌ على معنى رزق حسن كحسن إخراجك من بيتك لم يكن بأبعد من كثير من هذه الوجوه). المعنى العام: يذكر الله في هذا المقطع نموذجا لكيفية كون القتال فيه الخير للمسلمين، وإن كانت الأنفس في الأصل تكره القتال، هذا النموذج هو ما حدث يوم بدر؛ إذ كره بعض المسلمين الخروج لقتال الأعداء أصحاب الشوكة وهم النفير الذين خرجوا لنصرة الكفر وإحراز عيرهم، فكان أن قدر الله القتال، وجمع به بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، فكان عاقبة ذلك رشدا وهدى، ونصرا وفتحا، وآثارا قريبة لصالح الإسلام والمسلمين، وآثارا بعيدة فيها صالح الإسلام والمسلمين، وذلك أن المسلمين بعد بدر كانت بدر هي قدوتهم، وهي التي تجرّئهم على القتال، وإن قل العدد وقلت العدد.

стр. 2035

بدأ المقطع بالتذكير بكراهية المؤمنين للقتال قبيل بدر؛ لأنهم كانوا يطمعون بعير قريش فلما فاتتهم العير، وأيقنوا القتال مع الجيش المشرك الذي جاء لإنقاذ قافلة قريش، وتيقن المسلمون القتال، كرهوا ذلك وأخذوا يجادلون رسول الله ﷺ في موضوع القتال، محتجين أنهم ليسوا على استعداد له، وهالهم القتال لدرجة أنهم ظنوا القتال هو الموت بعينه، وإذا بالمسألة خلاف ذلك، فكان قتال وكان نصر، وكانت هزيمة للمشركين. وقتل من المشركين سبعون وأسر سبعون، ولم يقتل من المسلمين إلا القليل على قلة العدد والعدد، وكان في ذلك عز الإسلام والمسلمين والانطلاقة الأولى لمجد الإسلام والمسلمين. وفي هذا السياق نفسه ذكر الله المسلمين كيف أنه وعد رسوله ﷺ والجماعة المؤمنة أحد شيئين في خروجهم ذلك، إما أن يعطيهم قافلة المشركين بما فيها، وإما أن ينصرهم على جيش المشركين، وقد رغبت أنفس المسلمين بالقافلة إذ لا قتال ولا مشقة ولا مخاطرة، فهم يحبون إذن أن يكون لقاؤهم مع الطائفة التي لا حول لها ولا منعة ولا قتال، وهي القافلة التي فيها عير قريش وتجارتها، ولكن مراد الله كان غير ذلك، فالله أراد أن يجمع بينهم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال لينصر المسلمين عليهم، فيظهر دينه، ويرفع كلمة الإسلام، ويجعله عاليا على الأديان. وهو أعلم بعواقب الأمور. وهو الذي يدبر للمسلمين فيحسن التدبير. وإن كان العباد يحبون السلامة فيما يظهر لهم؛ وكان أن تحقق بمراد الله إلقاء الرعب في قلوب المشركين، وتحصيل الهيبة للمسلمين، وتشجيع المسلمين على خوض غمار كل حرب، واستئصال شوكة الشرك، وقتل زعمائه، وفتح الطريق للفتوحات العسكرية الكبرى فيما بعد. فهل الخير كان في القتال يوم بدر أو في غيره؟ هل الخير كان فيما أحبوه أو كرهوه؟ إذن فالقتال في سبيل الله هو الذي يجب أن يألفه المسلمون، وأن يحملوا أنفسهم عليه. ثم ذكر الله المسلمين بموقف من مواقف بدر، كيف أنه استجاب دعاء المسلمين وأمدهم بالملائكة، وأنزل عليهم النعاس ليلة المعركة، وأنزل المطر صبيحة المعركة، وكان ذلك لصالحهم. وألقى في قلوب الكافرين الرعب بسبب حربهم لله ورسوله، وكان من آثار ذلك كله النصر للمؤمنين، والهزيمة للكافرين؛ عقوبة لهم، ولعقوبة الله يوم القيامة أكبر. وبالتذكير بهذه المعاني تظهر حكمة أخرى من حكم فرضية القتال، وهي تحقيق النصر للإسلام والمسلمين، وإنزال الهزيمة بالكفر والكافرين، وتعذيب الكافرين بأيدي
следующие страницы →