وبمناسبة قوله تعالى وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً قال ابن كثير- وهو شافعي-: (وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأمة، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد).
وقال النسفي وهو حنفي: (وعن الحسن ﵀ أن رجلا سأله أمؤمن أنت؟ قال إن كنت تسألني عن الإيمان بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، والجنة، والنار، والبعث، والحساب، فأنا مؤمن. وإن كنت تسألني عن قوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الآية فلا أدري أنا منهم أم لا. وعن الثوري: من زعم أنه مؤمن بالله حقا ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية. أي كما لا يقطع بأنه من أهل ثواب المؤمنين حقا فلا يقطع بأنه مؤمن حقا، وبهذا يتشبث من يقول أنا مؤمن إن شاء الله، وكان أبو حنيفة ﵀ لا يقول ذلك. وقال لقتادة لم تستثني في إيمانك؟ قال اتباعا لإبراهيم في قوله والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين. فقال هلا اقتديت به في قوله أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وعن إبراهيم التيمي: قل أنا مؤمن حقا فإن صدقت أثبت عليه، وإن كذبت فكفرك أشد من كذبك. وعن ابن عباس ﵄: من لم يكن منافقا فهو مؤمن حقا. وقد احتج عبد الله على أحمد فقال: أيش اسمك؟ فقال: أحمد، فقال: أتقول أنا أحمد حقا؟ أو أنا أحمد إن شاء الله؟ فقال: أنا أحمد حقا. فقال: حيث سماك والداك لا تستثني وقد سماك الله في القرآن مؤمنا تستثني!).
ومن خلال هذين النقلين نعرف وجهة نظر المتجادلين في القضيتين اللتين ذكرناهما.
٦ - وبمناسبة قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا يذكر ابن كثير حديثا رواه الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله ﷺ فقال: «كيف أصبحت يا حارث؟» قال أصبحت مؤمنا حقا. قال: «انظر ما تقول فإن لكل شئ حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» فقال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني انظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني انظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني انظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال: «يا حارث عرفت فالزم» ثلاثا.
٧ - وبمناسبة قوله تعالى: لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال ابن كثير: وقال الضحاك في قوله لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد،
стр. 2032
ولهذا جاء في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء» قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم فقال: «بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين». وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن ... عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الدرجات العلى كما تراءون الكوكب الغابر في أفق السماء. وإن أبا بكر وعمر منهما»
٨ - من المهم جدا فقه قضية الأنفال والغنائم في القتال، وقضية التربية الإيمانية، إن فقه الغنائم وفقه التصرف فيها، والترغيب في الجهاد من خلالها، قضية مهمة في عملية الجهاد واستمراريته. فالجهاد والتفرغ له، والاستمرارية فيه، يحتاج إلى مال. وفقه الأمير، والقائد، والإمام للحدود المستطاعة له، والتي يستطيع على ضوئها أن يتصرف في أموال الكافرين شئ رئيسى لاستمرار عملية الجهاد، كما أن التربية الإيمانية العالية هي الطريق الوحيد للقدرة على الجهاد وتحمل تبعاته، واستسهال آثاره، واحتسابه. ومن ثم نلاحظ أن هذه السورة- وهي سورة الجهاد- حوت مقدمتها هاتين القضيتين كما حوت غيرهما مما يحتاجه الجهاد في سبيل الله
كلمة في السياق:
لاحظنا أن سورة الأنفال تأتي تفصيلا لقوله تعالى في سورة البقرة: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ... فكما جاءت بعد آية فريضة القتال سؤال حول موضوع من مواضيع القتال فإن سورة الأنفال بدأت هذه البداءة التي رأيناها في ذكر مجموعة قضايا رئيسية لها علاقة في القتال، فإذا ما استقرت هذه القضايا الرئيسية فإنه يأتينا الآن مقطع. هذا المقطع يعطينا نموذجا
عمليا واقعيا لكراهة المؤمنين للقتال، وكيف أن الخير كان فيه، ومن تأمل هذا المقطع أدرك إدراكا تاما صلة سورة الأنفال بمحورها الذي ذكرناه من سورة البقرة. واستأنس بهذا على صحة ما ذهبنا إليه في موضوع الوحدة القرآنية: التي لا ندرك منها إلا القليل، ولكنه قليل كاف ليرى الإنسان آيات الله في هذا القرآن، بما يشبه آيات الله في هذا الكون من حيث إن آيات الله في هذا الكون تربط بينها وحدة كبرى وارتباط واضح.
يدرك أبعاده العلماء على قدر علومهم. وهكذا كتاب الله ولله المثل الأعلى ولكتابه
فائدة: هناك خلاف حول الكاف في قوله تعالى كَما أَخْرَجَكَ ونقدم بين يدي المعني العام نقلين عن الألوسي في هذه الكاف كمقدمة للدخول إلى معاني المقطع.
قال الألوسي: (والكاف يستدعي مشبها وهو غير مصرح به في الآية وفيه خفاء، ومن هنا اختلفوا في بيانه، وكذا في إعرابه على وجوه، فاختار بعضهم أنه خبر مبتدأ محذوف هو المشبه، أي حالهم هذه في كراهة ما وقع في أمر الأنفال كحال إخراجك من بيتك في كراهتهم له، وإلى هذا يشير كلام الفراء حيث قال: الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه ﷺ من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال وكراهتهم لما وقع فيها مع أنه أولى بحالهم، أو أنه صفة مصدر الفعل المقدر في «لله والرسول» أي الأنفال ثبتت لله تعالى وللرسول ﵊ مع كراهتهم ثباتا كثبات إخراجك وضعف هذا ابن الشجري».
«وقال أبو حيان: خطر لي في المنام أن هنا محذوفا وهو نصرك، والكاف فيها معنى التعليل أي لأجل أن خرجت لإعزاز دين الله تعالى نصرك وأمدك بالملائكة، ودل على هذا المحذوف قوله سبحانه بعد: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ الآيات ولو قيل: إن هذا مرتبط بقوله سبحانه رِزْقٌ كَرِيمٌ على معنى رزق حسن كحسن إخراجك من بيتك لم يكن بأبعد من كثير من هذه الوجوه).
المعنى العام:
يذكر الله في هذا المقطع نموذجا لكيفية كون القتال فيه الخير للمسلمين، وإن كانت الأنفس في الأصل تكره القتال، هذا النموذج هو ما حدث يوم بدر؛ إذ كره بعض المسلمين الخروج لقتال الأعداء أصحاب الشوكة وهم النفير الذين خرجوا لنصرة الكفر وإحراز عيرهم، فكان أن قدر الله القتال، وجمع به بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، فكان عاقبة ذلك رشدا وهدى، ونصرا وفتحا، وآثارا قريبة لصالح الإسلام والمسلمين، وآثارا بعيدة فيها صالح الإسلام والمسلمين، وذلك أن المسلمين بعد بدر كانت بدر هي قدوتهم، وهي التي تجرّئهم على القتال، وإن قل العدد وقلت العدد.
стр. 2035
بدأ المقطع بالتذكير بكراهية المؤمنين للقتال قبيل بدر؛ لأنهم كانوا يطمعون بعير قريش فلما فاتتهم العير، وأيقنوا القتال مع الجيش المشرك الذي جاء لإنقاذ قافلة قريش، وتيقن المسلمون القتال، كرهوا ذلك وأخذوا يجادلون رسول الله ﷺ في موضوع القتال، محتجين أنهم ليسوا على استعداد له، وهالهم القتال لدرجة أنهم ظنوا القتال هو الموت بعينه، وإذا بالمسألة خلاف ذلك، فكان قتال وكان نصر، وكانت هزيمة للمشركين. وقتل من المشركين سبعون وأسر سبعون، ولم يقتل من المسلمين إلا القليل على قلة العدد والعدد، وكان في ذلك عز الإسلام والمسلمين والانطلاقة الأولى لمجد الإسلام والمسلمين.
وفي هذا السياق نفسه ذكر الله المسلمين كيف أنه وعد رسوله ﷺ والجماعة المؤمنة أحد شيئين في خروجهم ذلك، إما أن يعطيهم قافلة المشركين بما فيها، وإما أن ينصرهم على جيش المشركين، وقد رغبت أنفس المسلمين بالقافلة إذ لا قتال ولا مشقة ولا مخاطرة، فهم يحبون إذن أن يكون لقاؤهم مع الطائفة التي لا حول لها ولا منعة ولا قتال، وهي القافلة التي فيها عير قريش وتجارتها، ولكن مراد الله كان غير ذلك، فالله أراد أن يجمع بينهم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال لينصر المسلمين عليهم، فيظهر دينه، ويرفع كلمة الإسلام، ويجعله عاليا على الأديان. وهو أعلم بعواقب الأمور. وهو الذي يدبر للمسلمين فيحسن التدبير. وإن كان العباد يحبون السلامة فيما يظهر لهم؛ وكان أن تحقق بمراد الله إلقاء الرعب في قلوب المشركين، وتحصيل الهيبة للمسلمين، وتشجيع المسلمين على خوض غمار كل حرب، واستئصال شوكة الشرك، وقتل زعمائه، وفتح الطريق للفتوحات العسكرية الكبرى فيما بعد.
فهل الخير كان في القتال يوم بدر أو في غيره؟ هل الخير كان فيما أحبوه أو كرهوه؟
إذن فالقتال في سبيل الله هو الذي يجب أن يألفه المسلمون، وأن يحملوا أنفسهم عليه.
ثم ذكر الله المسلمين بموقف من مواقف بدر، كيف أنه استجاب دعاء المسلمين وأمدهم بالملائكة، وأنزل عليهم النعاس ليلة المعركة، وأنزل المطر صبيحة المعركة، وكان ذلك لصالحهم. وألقى في قلوب الكافرين الرعب بسبب حربهم لله ورسوله، وكان من آثار ذلك كله النصر للمؤمنين، والهزيمة للكافرين؛ عقوبة لهم، ولعقوبة الله يوم القيامة أكبر. وبالتذكير بهذه المعاني تظهر حكمة أخرى من حكم فرضية القتال، وهي تحقيق النصر للإسلام والمسلمين، وإنزال الهزيمة بالكفر والكافرين، وتعذيب الكافرين بأيدي
стр. 2036
المؤمنين؛ جزاء لهم على مواقفهم من دعوة الله ودينه، وفي كل ذلك خير لا يحصل بدون القتال، فأنت ترى أنه من خلال استعراض هذه المعاني المرتبطة بقضية بدر تظهر حكمة فرضية القتال، وكيف أن الخير فيها رغم كراهية الأنفس للقتال، لما فيه من مخاطرة ومغامرة. وفي المقطع معان أخرى ستظهر من خلال ما يأتي من أسباب نزول، أو تفسير حرفي، أو فوائد، وقبل أن نبدأ بذكر المعنى الحرفي نحب أن نذكر رواية ابن إسحاق في الكلام عن المرحلة التي سبقت موقعة بدر.
رواية ابن إسحاق: لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم. وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها، فانتدب الناس، فخف بعضهم، وثقل بعضهم. وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا، وكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أمر الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى أهله مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة، وخرج رسول الله ﷺ في أصحابه حتى بلغ واديا يقال له ذفران، فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار رسول الله ﷺ الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر ﵁ فقال فأحسن.
ثم قام عمر ﵁ فقال فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله به فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد، (مدينة في الحبشة) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير، ثم قال رسول الله ﷺ : «اشيروا علي أيها الناس». وإنما يريد الأنصار. وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، وكان رسول الله ﷺ يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، فلما قال
стр. 2037
رسول الله ﷺ ذلك قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال:
«أجل» فقال: لقد أمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك علي ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أمرك الله، فو الذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقربه عينك، فسر بنا على بركة الله، فسر رسول الله ﷺ بقول سعد، ونشطه ذلك ثم قال: «سيروا على بركة الله، وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن انظر إلى مصارع القوم» ..
المعنى الحرفي:
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ أي من دارك في المدينة، أو من المدينة نفسها لأنها مهاجرة ومسكنه فهي في اختصاصها كاختصاص البيت بساكنه بِالْحَقِّ أي إخراجا ملتبسا بالحكمة والصواب وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ أي: أخرجك في حال كراهتهم، وإنما كانت كراهتهم كراهة طبع، لأنهم غير مستعدين نفسيا، ولهم ظاهر حجة، وهي أنهم غير متأهبين
يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ الحق الذي جادلوا فيه رسول الله ﷺ تلقي الجيش لإيثارهم عليه تلقي العير والقافلة، وجدالهم من مثل قولهم ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا قلت لنا لنستعد، وذلك لكراهتهم للقتال بَعْدَ ما تَبَيَّنَ أي يجادلونك بعد إعلامك إياهم بأنهم ينصرون، أي بعد ما تبين لهم الحق في القتال، ووعدوا النصرة فيه بقوا يجادلون كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ شبه حالهم في فرط فزعهم وهم يسار بهم إلى الظفر والغنيمة، بحال من يحمل إلى القتل ويساق على الصغار إلى الموت، وهو مشاهد لأسبابه ناظر إليه لا يشك فيها، وإنما كان خوفهم لقلة العدد، وأنهم كانوا رجالة، وما كان فيهم إلا فارسان، فهذه حالة كره فيها المسلمون القتال، وكان في القتال كل الخير للإسلام والمسلمين.
فوائد:
١ - كنا ألقينا في المدينة المنورة محاضرة تحت عنوان «عبرة بدر» بينا فيها قوانين النصر المادي، وقوانين النصر الرباني، ورأينا كيف أن الله ينصر المؤمنين إذا شاء
على تخلف بعض أسباب النصر المادية، من تكافؤ بالعدة والعدد، وكيف أن معركة بدر هي
стр. 2038
النموذج على النصر الرباني، ولو تخلفت بعض أسباب النصر المادية، كما بينا كيف أن معركة بدر قد تركت آثارها البعيدة على عقلية المسلمين القتالية من يومها حتى هذه اللحظة، فمن يومها لم يعد المسلمون يكترثون بعدة أو عدد، مع بذلهم الجهد لتحصيل العدة والعدد؛ ثقة بنصر الله، فانظر أي خير للإسلام والمسلمين تولد عن هذه الغزوة، مع كراهة المسلمين يومها لدخولها.
٢ - في فن الحرب يقال: أنك إذا أردت أن ترفع معنويات الجند، فاجعلهم أول معركة يدخلونها يحققون نصرا، ولو كان نصرا بسيطا، فإن ذلك يرفع معنوياتهم، والملاحظ أن الله قد رزق المسلمين نصرا عظيما في أول معاركهم، وكان في ذلك ارتفاع لمعنويات هذه الأمة، ليس فقط في جيلها الأول، بل في كل أجيالها، فليلاحظ المجاهدون هذا المعنى.
٣ - وكنموذج على الجدال الدال على كراهة القتال يوم بدر يروي ابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة «إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله يغنمناها؟» فقلنا: نعم، فخرج وخرجنا، فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا: «ما ترون في قتال القوم؟ فإنهم قد أخبروا بخروجكم؟ فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو ولكننا أردنا العير، ثم قال ما ترون في قتال القوم؟» فقلنا مثل ذلك فقال المقداد بن عمرو: إنا لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ قال فتمنينا معشر الأنصار أن لو قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم. قال: فأنزل الله على رسوله ﷺ كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ وذكر تمام الحديث.
كلمة في السياق:
من أعظم ما يدل على صواب ما اتجهنا إليه في سيرنا هذا في ربط القرآن بعضه ببعض، وإظهار وحدته الكبرى مجئ الكاف في قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ وبيان ما قلناه: أن ننظر ما قاله المفسرون عند هذه الكاف وما نقوله.
стр. 2039
قال ابن جرير- كما نقله ابن كثير-: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ فقال بعضهم شبه به في الصلاح للمؤمنين اتقاؤهم ربهم، وإصلاحهم ذات بينهم، وطاعتهم لله ورسوله، ثم روى عن عكرمة نحو هذا. قال ابن كثير: ومعنى هذا أن الله تعالى يقول: كما أنكم لما اختلفتم في المغانم، وتشاححتم فيها، فانتزعها الله منكم، وجعلها إلى قسمة رسول الله ﷺ ، فقسمها على العدل والتسوية، فكان هذا هو المصلحة التامة لكم وكذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء من قتال ذات الشوكة- وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم وإحراز عيرهم- فكان عاقبة كراهتكم للقتال بأن قدره، لكم وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد؛ رشدا وهدى، ونصرا وفتحا، كما قال تعالى في سورة البقرة: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
وقال النسفي في تقدير هذه الكاف: والتقدير قل الأنفال استقرت لله والرسول وثبتت مع كراهتهم ثباتا مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون.
وذكر ابن كثير عن ابن جرير أقوالا أخرى لتخريج هذه الكاف.
وأقول: لو أنك قرأت الآيات هكذا:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ... ألا ترى الربط على أتمه وأحكمه، فهذه الآيات مثل على ما يحب وهو شر، وعلى ما يكره وهو خير، وفي شأن القتال بالذات، وعلى هذا الاتجاه أقول: إن المحذوف الذي ترتبط به الكاف في الآية هو ما تتعلق به الكاف لو أن آية البقرة قد سبقتها.
إن من أبغض الأمور إلى نفسي أن أتكلف أو أتعسف في فهم القرآن، أو أن أحمل كتاب الله ما لا يحتمل، وهذا الذي اتجهت إليه في إبراز الوحدة في السورة الواحدة، وإبراز الوحدة ما بين سور القرآن كلها على نسق واحد، ونظام واحد، وإن لم أسبق إليه فإني أسأل الله ألا أكون متعسفا أو متكلفا.
стр. 2040
ولنعد إلى التفسير الحرفي:
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أي العير أو النفير، القافلة أو الجيش، الكسب المادي أو النصر العسكري وما يستتبعه أَنَّها لَكُمْ التقدير واذكروا إذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم وَتَوَدُّونَ أي وترغبون وتريدون أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ أي غير ذات السلاح أي العير أي القافلة تَكُونُ لَكُمْ أي تتمنون أن تكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا سلاح لها، ولا تريدون الطائفة الأخرى ذات الشوكة، والشوكة كانت في النفير لعددهم وعدتهم وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ أي يثبته ويعليه بِكَلِماتِهِ أي بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة وبما أمر الملائكة من نزولهم للنصرة، وبما قضى من قتل المشركين وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ أي آخرهم وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال، يعني إنكم تريدون الفائدة العاجلة، وسفساف الأمور والله تعالى يريد معالي الأمور، ونصرة الحق، وعلو الكلمة. وشتان ما بين المرادين، ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة، وكسر قوتهم بضعفكم، وأعزكم وأذلهم
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ أي يريد قطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل، أو ما فعل الله ذلك إلا لإحقاق الحق، وإبطال الباطل، وإحقاق الحق إثبات الإسلام
وإظهاره، وإبطال الباطل إبطال الكفر ومحقه، ميز في الآية السابقة بين إرادته تعالى وإرادتهم، وبين في هذه الآية حكمته فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم ونصرهم عليها وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ أي ولو كره المشركون والكافرون، إحقاق الحق وإبطال الباطل.
فوائد:
١ - في سياق الكلام عن غزوة بدر ومواقفها بين الله تعالى حكمته في فرضية القتال على المسلمين، وكون الخير كله في ذلك، إذ أن الحق لا يثبت بلا قتال، وأن الباطل لا يضمحل بلا قتال. وأن الكافرين لا يستأصلون ولا يذلون إلا بجهاد، وإذ كان الأمر كذلك فالخير كل الخير في القتال، والشر كل الشر في النكوص عما فرضه الله من جهاد، وما أسخف الذين يتعللون في عصرنا لترك القتال بدلا من أن يرتفعوا ويرفعوا أممهم إلى مستوى القتال على مستوى العصر.
стр. 2041
٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ .. يذكر ابن كثير ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس بإسناد جيد قال: قيل لرسول الله ﷺ حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شئ، فناداه العباس بن عبد المطلب- قال عبد الرزاق- وهو أسير في وثاقه-: إنه لا يصلح لك، قال: «ولم؟» قال: لأن الله إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك الله ما وعدك.
ويظهر أن الرسول ﷺ حدث عمه بما وعده الله، أو أن عمه عرف بطريقة ما فاستبق القوم إلى تبيان هذا المعنى، وهو جدير به أليس من آل هاشم في حدة ذكائهم وجودة رأيهم.
ولنعد إلى السياق
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ الاستغاثة: طلب الغوث، وهو التخلص من المكروه لما علموا أنه لا بد من القتال استغاثوا لعلمهم بضعفهم وقوة خصمهم. وهو أدب المسلم في كل حال، ولكن السياق يبين من خلال هذا العرض أنه مع كونهم في منتهى الضعف كان النصر، فالخير في القتال، فإن الله الذي شرع القتال لعباده لا يخذلهم إذا لم يرتكبوا أسباب الخذلان فَاسْتَجابَ لَكُمْ أي استغثتموه فأجاب. ومن استجابته ما أمدهم به من الملائكة كما ذكر ذلك بقوله أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ أي لكم، أي نجدة لكم، أو بعضهم على أثر بعض متتابعين
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى أي وما جعل الإمداد إلا بشارة لكم بالنصر وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ أي ولتسكن قلوبكم.
والمعنى: إنكم استغثتم وتضرعتم لقلتكم، فكان الإمداد بشارة لكم بالنصر، وتسكينا لكم وربطا على قلوبكم وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي لا تحسبوا النصر بعدة أو عدد، ولا تحسبوا النصر من الملائكة أو غيرهم، فإن الناصر هو الله لكم وللملائكة، أو ما النصر الذي أيدكم به بسبب الملائكة وغيرها إلا من عند الله، فإن المنصور من نصره هو ﷻ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ينصر أولياءه حَكِيمٌ إذ شرع الجهاد لقهر أعدائه.
стр. 2042
فوائد:
١ - من خلال هذه الآيات نفهم أن علينا أن نقاتل، وأن النصر من عند الله، وأن من أدب القتال الدعاء، وأن الله يستجيب. ولكن ما أكثر الذين يتركون القتال، ويهملون الجهاد، وهو مفروض عليهم، ويكتفون بالدعاء، ألا ما أجهل هؤلاء ولو ظهروا بغير مظهر الجهل.
٢ - روى الإمام أحمد وغيره حديثا طويلا فيه ذكر استغاثة الرسول ﵊ ربه يوم بدر وهذه هي القطعة من الحديث في ذلك:
عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﷺ القبلة، وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال، «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض أبدا». قال:
فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده، ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ فلما كان يومئذ التقوا، فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا، وأسر منهم سبعون رجلا».
وجاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ لما كان يوم بدر مع الصديق ﵁ وهما يدعوان، أخذت رسول الله ﷺ سنة من النوم، ثم استيقظ مبتسما فقال: أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع، ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قوله تعالى سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ.
٣ - وفي شأن حضور الملائكة يوم بدر قال ابن كثير:
(والمشهور ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: «وأمد الله نبيه ﷺ والمؤمنين بألف من الملائكة فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة» وروى الإمام أبو جعفر ابن جرير ومسلم .. عن ابن عباس عن عمر الحديث المتقدم ثم قال أبو زميل (أحد رجال سند الحديث): حدثني ابن عباس قال:
بينا رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط
стр. 2043
فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم. إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا.
قال: فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله ﷺ فقال: «صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة». فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. وروى البخاري في باب شهود الملائكة بدرا .. عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه- وكان أبوه من أهل بدر- قال:
جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ فقال: «من أفضل المسلمين» أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة).
ولنعد إلى التفسير الحرفي:
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ النعاس: النوم. والأمنة: الأمن، يذكرهم الله تعالى بما أنعم عليهم من إلقائه عليهم أمانا، وأمنهم به من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فالنوم يزيح الرعب ويريح النفس إذا لم يؤد إلى غرة. وإذا قام المقاتل ليلة المعركة فإن ذلك أقوى له، وأنشط وأروح وأكثر إعانة على الجلاد في المعركة، إذ لم يكن تفريط من قبل الحرس والمراقبين، بحيث يؤخذ الجيش على غرة، روى أبو يعلى عن علي ﵁ قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً أي مطرا لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ أي ليطهركم بالماء من الحدث والجنابة وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ أي وسوسته إليهم، وتخويفه إياهم من العطش، ويمكن أن يراد بالرجز الجنابة من الاحتلام لأنه من الشيطان وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ أي بالصبر وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ أي ويثبت بالماء الأقدام لأن الأقدام تسوخ في الرمل، أو يثبت بالربط الأقدام، لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر يثبت القدم في مواطن القتال، قد كان هذا كله لمن دخل معركة بدر، وفي هذا تذكير للمسلمين الذين فرض الله عليهم القتال بما يمكن أن يفعله الله لهم إن قاتلوا فليقاتلوا في سبيله، وليتوكلوا عليه.
فائدة:
روى ابن إسحاق عن عروة في وصف ما حدث قبيل معركة بدر. قال بعث الله السماء، وكان الوادي دهسا فأصاب رسول الله ﷺ وأصحابه ما لبد لهم الأرض، ولم يمنعهم من السير، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه. وقال مجاهد: أنزل
стр. 2044
الله عليهم المطر قبيل النعاس، فأطفأ بالمطر الغبار، وتلبدت به الأرض، وطابت نفوسهم، وثبتت به أقدامهم. وروى ابن جرير عن علي ﵁ قال: أصابنا من الليل طش من المطر- يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر، فانطلقنا تحت الشجرة والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ وحرض على القتال.
وبعد أن ذكر الله ما فعل للمسلمين قبيل المعركة ذكرهم بنعمة أخرى خفية أظهرها الله لهم ليشكروه عليها، ولتتذكرها الأجيال، فيتقاتلوا ويتوكلوا على الله، واثقين بنصره وتأييده.
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ أي بالتأييد والنصرة فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا إما بتقوية قلوبهم بما يلقونه فيها، وإما بتكثير سوادهم، وإما بتبشيرهم بأن يتمثل الملك للصحابي رجلا يقول له ما يثبت به فؤاده سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ الرعب هو: امتلاء القلب من الخوف، ولا شئ أقتل للجيوش من الرعب، إذ لا سلاح ولا عتاد ولا كثرة تنفع معه، وما من سلاح أقوى من هذا السلاح في نصرة الله عباده، إذ يقذفه في قلوب أعدائهم، ولذلك كان رسولنا ﵇ يقول: نصرت بالرعب مسيرة شهر فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ أي ضربوا الهام ففلقوها واحتزوا الرقاب فقطعوها وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ البنان الإصبع، والمراد هنا الأطراف، ويضرب الأطراف يشل المقاتل، وبشله يضعف صفه، وهل هذا الأمر للمؤمنين، أو للملائكة. قولان، والراجح أنه للملائكة لأنهم قاتلوا يوم بدر. قال الربيع بن أنس كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم، بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به
ذلِكَ أي ما أصابهم من الضرب والقتل والعقاب العاجل بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ أي ذلك العقاب وقع عليهم بسبب مشاقتهم أي مخالفتهم ومعاداتهم ومخاصمتهم لله ورسوله
ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ أي ذوقوا هذا العذاب العاجل وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ في الآخرة. وبهذا ينتهي المقطع بعد أن بين الله فيه أن الخير في القتال ولو كرهته الأنفس، وبعد أن بين حكمته في تشريع القتال، وبعد أن بين سبب تسليط الله جنده على الكافرين، فالمقطع تفصيل لشئون لها علاقة بالقتال الذي هو الموضوع الرئيسي في سورتي الأنفال وبراءة.
стр. 2045
فوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ ... ينقل ابن كثير عن مغازي الأموي أن رسول الله ﷺ جعل يمر بين القتلى يوم بدر فيقول:
نفلق هاما .. فيقول أبو بكر مكملا البيت:
من رجال أعزة علينا ... وهم كانوا أعق وأظلما
٢ - ذكر ابن كثير أن ما عوقب به المشركون يوم بدر هو من نوع عقوبات الله للمكذبين بل هو أشفى: كما أهلك قوم نوح بالطوفان، وعادا الأولى بالدبور، وثمود
بالصيحة، وقوم لوط بالخسف، والقلب، وحجارة السجيل، وقوم شعيب بيوم الظلة، فلما بعث الله تعالى موسى وأهلك عدوه فرعون وقومه بالغرق في اليم، ثم أنزل على موسى التوراة، وشرع فيها قتال الكفار، واستمر الحكم في بقية الشرائع بعده على ذلك كما قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ وقتل المؤمنين للكافرين أشد إهانة للكافرين وأشفى لصدور المؤمنين، كما قال تعالى للمؤمنين من هذه الأمة قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ولهذا كان قتل صناديد قريش بأيدي أعدائهم الذين ينظرون إليهم بأعين ازدرائهم أنكى لهم وأشفى لصدور حزب الإيمان. فقتل أبي جهل في معركة القتال وحومة الوغى أشد إهانة له من موته على فراشه بقارعة أو صاعقة أو نحو ذلك. كما مات أبو لهب لعنه الله بالعدسة (١) بحيث لم يقربه أحد من أقاربه وإنما غسلوه بالماء قذفا من بعيد ورجموه حتى دفنوه.
كلمة في السياق:
رأينا أن محور هذه السورة آية القتال في البقرة والآيتين بعدها، وكما رأينا في كل سورة من قبل من أن لها سياقها الخاص، فهذه السورة كذلك. فها نحن رأينا مقدمة السورة ترفع همم المؤمنين إلى الكمال، ثم رأينا هذا المقطع يرفع همم المؤمنين إلى القتال من خلال تذكيرهم بما فعل لهم في غزوة بدر، ومن خلال إثارة البغضاء في قلوبهم لأعدائه، ومن خلال استجاشة حب الموت من أجل إحقاق الحق وغير ذلك. وهذه المعاني وغيرها مما مر معنا يخدم السياق العام للقرآن؛ إذ تفصل هذه السورة بمقدمتها
стр. 2046
وبمقطعها هذا وبمقاطعها الآتية ما له علاقة بالقتال في سبيل الله، وإذ بينت المقدمة صفات المؤمنين، وعرف المؤمنون ضرورة القتال، واستوثقوا من نصر الله إذا أدوا ثمنه، فإن المقطع الثاني يوجه المؤمنين توجيهات مباشرة بنداءات مباشرة نحو ما ينبغي أن يعلموه، وأن يلتزموه، ويعملوه ليحققوا فريضة القتال وهكذا يأتي المقطع الثاني.
ولقد جاءت مقدمة السورة لتبين حقيقة الإيمان، ثم جاء المقطع الأول ليعرض علينا صفحة عما حدث يوم بدر، ثم يأتي المقطع الثاني وفيه خمسة نداءات لأهل الإيمان بصيغة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* آخرها نداء فيه معنى الوعد بأن يجعل الله لنا في كل مرة بدرا جديدة إذا اتقينا.
إنه مقطع ذو نداءات توجيهية لأهل الإيمان، تستند إلى أرضية دروس بدر، ولكنها في الوقت نفسه تضع دستور الحركة الجهادية المفروضة على المسلمين، وتضع دستور النجاح في هذه الحركة، وتحدد الأساسيات التي تحتاجها إقامة فريضة الجهاد: الثبات في المعركة، الطاعة، الاستجابة المباشرة للأمر، الحذر من الخيانة، التقوى.
ولنر المقطع:
*** المقطع الثاني من القسم الأول:
ويمتد من الآية (١٥) إلى نهاية الآية (٢٩) وهذا هو:
[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٥ الى ٢٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
стр. 2047
المعنى العام:
بعد أن استقر معنا في المقطع السابق ضرورة القتال، وأن فيه الخير، وتبينت لنا حكمته من خلال ما حدث في غزوة بدر. بدأ المقطع الثاني بتوجيه الذين آمنوا أولا إلى عدم الفرار من الزحف، وتوعد الفارين من الزحف بغضب الله، ونار جهنم، ولا
стр. 2048
يرخص في الفرار إلا في حالتين: الفرار الذي تقتضيه حيلة القتال، والفرار الذي يلتحق به المسلم بفئته وجيشه، ومما يشجع على الثبات، وترك الفرار أن يعلم الإنسان
أن الله هو الفاعل، وأن من سننه أن ينعم على المؤمنين، وأن من سننه أن يوهن كيد الكافرين. فإذا علم المسلم هذا ثبت في القتال ثقة بالله، وانتظارا لموعوده. وقد عرض الله هذه المعاني الثلاثة من خلال قصة بدر، إذ بين في آيتين أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير؛ لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم عليه، ومن ذلك ما حدث من رمي رسول الله ﷺ التراب يوم بدر، وما كان من آثار ذلك، ومن ذلك قتل المشركين يوم بدر، فإنه ليس بحول المسلمين ولا قوتهم قتلوا أعداءهم مع كثرة عددهم، بل هو الله الذي أظفرهم عليهم ليعرف المؤمنين نعمته عليهم من إظهارهم على عدوهم، مع كثرة عدوهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته. ثم بشر الله المؤمنين بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، ومصغر أمرهم، وأنهم إلى تبار ودمار، ولزيادة تمتين الثقة عند المسلمين ليثبتوا، خاطب الله الكافرين مبينا لهم أنهم إن يستنصروا الله ويطلبوا قضاءه وحكمه أن يفصل بينهم وبين أعدائهم المؤمنين فقد حكم الله، بأن نصر المؤمنين وهزم الكافرين. ثم بين للكافرين أنهم إن ينتهوا عن الكفر فإن ذلك خير لهم في الدنيا والآخرة، وأنهم إن عادوا إلى كفرهم وضلالتهم، يعود الله عليهم بالخذلان والهزيمة، وعلى المؤمنين بالنصر. وهذا الخطاب من الله للكافرين في هذا المقام بيان للمؤمنين ألا يؤثر في معنوياتهم دعاء الكافرين الله، فإن الله ليس مع الكافرين بل هو خاذلهم، ولو جمعوا من الجموع ما عسى أن يجمعوا؛ فإن من كان الله معه فلا غالب له، والله مع المؤمنين فهم حزبه وأهله.
ثم يأتي التوجيه الثاني في هذا المقطع، وفيه يأمر الله المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، ويزجرهم عن مخالفته، والتشبه بالكافرين المعاندين له، ثم ينهاهم أن يتركوا طاعته، وامتثال أوامره، وترك زواجره، وهم يعلمونها ويسمعونها وتصلهم، ثم نهاهم أن يكونوا كالمنافقين الذين يتظاهرون بالسماع والاستجابة وليسوا كذلك. ثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من الناس هم شر الخلق والخليقة؛ لأنهم صم عن سماع الحق، بكم عن فهمه غير عقلاء، فهؤلاء شر البرية لأن كل دابة سواهم مطيعة لله فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا؛ ولذلك عاقبهم الله بصرف قلوبهم وأسماعهم عن
стр. 2049
الحق؛ لأنه لا خير فيهم. ولذلك فلم يرزقهم بفهم لأنه تعالى يعلم منهم أنه لو أسمعهم وأفهمهم لتولوا عن الحق قصدا وعنادا. وهذا التوجيه الثاني في هذا المقطع له أهميته الخاصة في موضوع الجهاد والقتال، فقتال المسلمين إنما هو طاعة لله ورسوله. فإذا لم يكن المسلم مطيعا لله ورسوله لم يعد للقتال صفته الإسلامية، والانضباط والطاعة في القتال شرطان رئيسيان لدخول معركة منتصرة، كما رأينا ذلك في عبرة أحد من سورة آل عمران، وهذا شئ يجمع عليه كل عسكريي العالم، فلا جيش ولا قتال إلا بطاعة وانضباط، ومن ثم ركز الله في هذا التوجيه على الطاعة له ولرسوله، وصور الذين لا يسمعون بأنهم شر دواب الأرض، ولم يذكر هنا إلا طاعة الله ورسوله، مع أن طاعة الأمير المسلم في كل قتال ضرورية، لأن المهم هو طاعة الله ورسوله من قبل الجميع، وطاعة المسلمين لأمرائهم جزء من طاعة الله والرسول، عند ما يكون الجميع مطيعين لله والرسول. في التوجيه الأول طالب بالثبات، وفي التوجيه الثاني طالب بالطاعة، وكلاهما ضروري للقتال، ثم يجئ التوجيه الثالث في هذا المقطع، وفيه الأمر للمؤمنين بالاستجابة لله والرسول، لأن الاستجابة لله والرسول فيها حياة هذه الأمة، ومما دعانا إليه الله والرسول وفيه حياتنا: الإسلام والقتال. فلا حياة إلا بإسلام، ولا حياة للإسلام والمسلمين إلا بقتال. ثم أمرهم أن يعلموا أن القلوب بيد الله. وأن المرجع إليه فليحذروا أن يتركوا الاستجابة لله والرسول؛ حذرا من أن يفتنوا؛ وخشية أن يصيبهم العذاب يوم القيامة، ثم يحذر الله المؤمنين جميعا أن ينزل بهم فتنة أي: اختبارا ومحنة، يعم بها المسئ وغيره، لا يخص بها أهل المعاصي، ولا من باشر الذنب بل يعمهما حيث لم تدفع المعاصي ولم ترفع. وأمرهم أن يعلموا أن الله شديد العقاب.
وهذه المعاني في هذا السياق يفهم منها أنه لا بد من تطبيق الإسلام كله بالاستجابة لله ورسوله، ولا بد من قتال، وإذ لا يكون استجابة ولا أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر، ولا قتال من أجل الإسلام فإن المسلمين جميعا معرضون لكارثة، ثم يأمر الله عباده المؤمنين أن يتذكروا نعمه عليهم، وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات.
وطالبهم بالشكر فأطاعوه، وامتثلوا جميع ما أمرهم؛ فكافأهم، ومجئ هذه الآية فيه تذكير لهذه الأمة بأن طريقها هو الاستجابة لله والرسول، ففيه القوة، وفيه الرزق والرفاه، فإذا فكرت هذه الأمة في غير هذا فقد انحرفت وهذا حال الناس اليوم، وفي هذا التوجيه ما يشعر بضرورة التجاوب السريع مع الأمر القتالي.
стр. 2050
ثم يأتي التوجيه الرابع في هذا المقطع؛ وفيه نهي المؤمنين عن أن يخونوا الله والرسول، ويخونوا ما ائتمنوا عليه، وخيانة الله والرسول تكون بمعصيتهما بالذنوب الصغيرة والكبيرة، وخيانة الأمانة تكون بإفشاء الأسرار. وقد أمر الله المسلم أن يعلم في هذا المقام أن المال والأولاد فتنة، وأن الله عنده أجر عظيم. والتذكير في هذا المقام بهذا المعنى، لأنه في الغالب لا يدفع الإنسان إلى ترك القتال، أو إلى المعصية، أو إلى إفشاء السر إلا رجاء مال، أو خشية على العيال، أو حبا للأولاد، أو نسيانا لما عند الله، وهكذا ذكر المقطع حتى التوجيه الرابع أربعة معان تحتاجها المعركة. ١ - الثبات في المعركة ٢ - السمع والطاعة ٣ - الاستجابة لداعي الله في تطبيق الإسلام كله وفي القتال ٤ - كتمان السر.
وقد جاء كل ذلك ضمن سياق حوى معاني كثيرة كلها تخدم هذه المعاني. ثم يأتي التوجيه الخامس: وفيه أمر بالتقوى، ووعد للمؤمنين إذا اتقوا الله فإن الله سيجعل لهم مخرجا ونجاة ونصرا، وفصلا بين الحق والباطل، ووعدهم مع هذا أن يعطيهم من فضله العظيم، فالمهم إذن أن يتحقق المسلمون بالتقوى، والله هو الذي يأخذ بيدهم في مسارب الطريق، ولكنها التقوى في مفهومها القرآني، وليست في مفهومها العامي الذي عليه الكثيرون من الناس، ولقد كان الوعد بصيغة يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ولقد سميت معركة بدر في القرآن بيوم الفرقان، ومن ثم فهمنا أنه يدخل في الوعد أن يجعل الله لنا كل زمن بدرا إذا ما اتقينا.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً أي متزاحفين أنتم وهم، أو المعنى إذا لقيتم الذين كفروا وهم زاحفون، والزحف: الجيش الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيبا. فصار المعنى إذا لقيتم الكافرين للقتال وهم كثير وأنتم قليل فلا تفروا، فكيف إذا كنتم مثلهم أو أكثر منهم فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ أي فلا تنصرفوا عنهم منهزمين بإعطائكم إياهم ظهوركم
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً أي مائلا لِقِتالٍ كأن يكر ليفر؛ ليخيل لعدوه أنه منهزم، ثم يعطف عليه، وغير ذلك من خدع الحرب أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ أي أو منضما إلى جماعة من المسلمين، فئته أو فئة أخرى فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي رجع بغضب من ربه وَمَأْواهُ
стр. 2051
جَهَنَّمُ أي هي منقلبه ومصيره يوم معاده وَبِئْسَ الْمَصِيرُ هذا المصير الذي صار إليه بسبب توليه يوم الزحف، وإذ استقر وجوب عدم الفرار إلا في حالتين: حالة المخادعة. وحالة الالتحاق.
فقد بين الله بعد ذلك أنه هو الفاعل من خلال ما حدث يوم بدر، ليعطي المسلم ثقة وطمأنينة بالثبات فقال فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ رميتك التي فعلت ما فعلت وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وفي هذا والذي قبله في هذه الآية دليل لأهل السنة والجماعة على أن كل شئ بقدرة الله وفعله كما هو بإرادته وعلمه وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ أي وليعطيهم منه بَلاءً حَسَناً أي عطاء جميلا والمعنى: وللإحسان إلى المؤمنين فعل ما فعل، وما فعل ما فعل إلا لذلك إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ أي لدعاء المؤمنين وشكرهم عَلِيمٌ بما عليه الخلق أجمعون،
ثم بشر الله المؤمنين بقوله ذلِكُمْ أي البلاء الحسن للمؤمنين وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ أي مضعف كَيْدِ الْكافِرِينَ أي حقدهم وتخطيطهم، دل هذا والذي قبله على أن سنة الله إبلاء المؤمنين أي إعطاؤهم، وتوهين كيد الكافرين، ولترتفع معنويات المؤمنين فيثبتوا، خاطب الله الكافرين ليعلم المؤمنين
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر عليكم وَإِنْ تَنْتَهُوا عن عداوة الإسلام وأهله فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أي فالانتهاء خير لكم وأسلم وَإِنْ تَعُودُوا لمحاربة الإسلام وأهله نَعُدْ أي لنصرة الإسلام وأهله عليكم وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً أي جمعكم مهما جمعتم شيئا وَلَوْ كَثُرَتْ أي عددا وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ أي ولأن الله مع المؤمنين بالنصر كان ذلك.
مسألة مهمة:
من المسائل التي ينبغي أن يعرفها كل مسلم مسألة «متى يجوز للمسلم أن يولي الكافرين ظهره» فالآية ذكرت حالتين: حالة التحرف للقتال من باب خديعة العدو، وحالة التحيز إلى فئة، وهذه الحالة من أكثر القضايا غموضا، ولذلك فإننا سنذكر في شأنها مختصرا ثم ننقل ما نقله صاحب الظلال عن الجصاص ثم نكر على هذا الموضوع في الفوائد ليتضح:
لنفرض أن للمسلمين دولة وإماما، وأن لهم عاصمة، ولنفرض أن جيشا للمسلمين لا يبلغ اثني عشر ألفا، ووجه بما لا طاقة له به، كأن كان عدده خمسة آلاف، وكان عدد الخصم أحد عشر ألفا، وكان القتال يدور بعيدا عن عاصمة المسلمين، ففي هذه
стр. 2052
الحالة يجوز للجيش المسلم أن ينسحب؛ لأن عاصمة المسلمين تعتبر في حقه فئة، يجوز له أن يتحيز إليها، أما إذا أصبحت العاصمة نفسها مستهدفة، ولم يعد وراءها معقل يتحيز إليه الإمام، أو أصبح المسلمون في المعقل الأخير، فعليهم أن يقاتلوا حتى الشهادة، ولا يصح لأحد منهم أن يفر، لأنه يفر إلى غير فئة، وهناك اتجاه يقول: إذا بلغ الجيش المسلم اثني عشر ألفا فلا يجوز له الفرار مهما كثر عدد المقاتلين. وفيما يلي كلام للجصاص نقله صاحب الظلال نرى من خلاله بعض فهوم الفقهاء لآية: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ ...
قال الجصاص عند قوله تعالى:
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ (روى أبو نضرة عن أبي سعيد أن ذلك إنما كان يوم بدر. قال أبو نضرة: لأنهم لو انحازوا يومئذ لانحازوا إلى المشركين، ولم يكن يومئذ مسلم غيرهم .. وهذا الذي قاله أبو نضرة ليس بسديد، لأنه قد كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار، ولم يأمرهم النبي ﵊ بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه يكون قتال، وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول الله ﷺ فيمن خف معه. فقول أبي نضرة إنه لم يكن هناك مسلم غيرهم، وإنهم لو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، غلط لما وصفنا .. وقد قيل: إنه لم يكن جائزا لهم الانحياز يومئذ لأنهم كانوا مع رسول الله ﷺ ولم يكن الانحياز جائزا لهم عنه، قال الله تعالى: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ: فلم يكن يجوز لهم أن يخذلوا نبيهم ﷺ وينصرفوا عنه ويسلموه، وإن كان الله قد تكفل بنصره وعصمه من الناس، كما قال تعالى:
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ وكان ذلك فرضا عليهم، قلت أعداؤهم أو كثروا، وأيضا فإن النبي ﷺ كان فئة المسلمين يومئذ، ومن كان ينحاز عن القتال فإنما كان يجوز له الانحياز على شرط أن يكون انحيازه إلى فئة، وكان النبي ﷺ فئتهم يومئذ، ولم تكن فئة غيره، قال ابن عمر: كنت في جيش فحاص الناس حيصة واحدة ورجعنا إلى المدينة، فقلنا: نحن الفرارون. فقال النبي ﵊: «أنا فئتكم». فمن كان بالبعد من النبي ﷺ إذا انحاز عن الكفار فإنما كان يجوز له الانحياز إلى فئة النبي ﷺ وإذا كان معهم في القتال لم يكن هناك فئة غيره ينحازون إليه، فلم يكن يجوز لهم الفرار. وقال
الحسن في قوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ. قال: شددت على أهل بدر وقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ
стр. 2053
الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وذلك لأنهم فروا عن النبي ﷺ ، وكذلك يوم حنين فروا عن النبي ﷺ فعاتبهم الله على ذلك في قوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. فهذا كان حكمهم إذا كانوا مع النبي ﷺ قل العدو أو كثر، وقال الله تعالى في آية أخرى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهذا- والله أعلم- في الحال التي لم يكن النبي ﷺ حاضرا معهم، فكان على العشرين أن يقاتلوا المائتين لا يهربوا عنهم، فإذا كان عدد العدو أكثر من ذلك أباح لهم التحيز إلى فئة من المسلمين فيهم نصرة لمعاودة القتال، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ فروي عن ابن عباس أنه قال:
كتب عليكم ألا يفر واحد من عشرة: ثم قلت: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً .. الآية. فكتب عليكم ألا يفر مائة من مائتين. وقال ابن عباس: إن فر رجل من رجلين فقد فر، وإن فر من ثلاثة فلم يفر- قال الشيخ يعني بقوله: فقد فر.
الفرار من الزحف المراد بالآية، والذي في الآية إيجاب فرض القتال على الواحد لرجلين من الكفار، فإن زاد عدد الكفار على اثنين فجائز حينئذ للواحد التحيز إلى فئة من المسلمين فيها نصرة، فأما إن أراد الفرار ليلحق بقوم من المسلمين لا نصرة معهم فهو من أهل الوعيد المذكور في قوله تعالى وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ولذلك قال النبي ﷺ : «أنا فئة كل مسلم». وقال عمر بن الخطاب لما بلغه أن أبا عبيد بن مسعود استقتل يوم الحشر حتى قتل ولم ينهزم: «رحم الله أبا عبيد! لو انحاز إلي لكنت له فئة». فلما رجع إليه أصحاب أبي عبيدة قال: «أنا فئة لكم». ولم يعنفهم ... وهذا الحكم عندنا (يعني عند الحنفية) ثابت، ما لم يبلغ عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفا، لا يجوز لهم أن ينهزموا عن مثليهم إلا متحرفين لقتال: وهو أن يصيروا من موضع إلى غيره مكايدين لعدوهم، ونحو ذلك، مما لا يكون فيه انصراف عن الحرب، أو متحيزين إلى فئة من المسلمين يقاتلونهم معهم. فإذا بلغوا اثني عشر ألفا فإن محمدا بن الحسن ذكر أن الجيش إذا بلغوا كذلك فليس لهم أن يفروا من عدوهم، وإن كثر عددهم، ولم يذكر خلافا بين أصحابنا فيه (يعني الحنفية) واحتج بحديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أن ابن
стр. 2054
عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الأصحاب أربعة. وخير السرايا أربع مائة.
وخير الجيوش أربعة آلاف. ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة ولن يغلبوا». وفي بعضها «ما غلب قوم يبلغون اثني عشر ألفا إذا اجتمعت كلمتهم». وذكر الطحاوي أن مالكا سئل فقيل له: أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله وحكم بغيرها؟ فقال مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك التخلف: وإلا فأنت في سعة من التخلف، وكان السائل له عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر وهذا المذهب موافق لما ذكر محمد بن الحسن. والذي روي عن النبي ﷺ في اثني عشر ألفا فهو أصل في هذا الباب، وإن كثر عدد المشركين فغير جائز لهم أن يفروا منهم وإن كانوا أضعافهم لقوله: «إذا اجتمعت كلمتهم». وقد أوجب عليهم بذلك جمع كلمتهم).
انتهى.
ذكرنا هذا الكلام هنا لتعرف بعض اتجاهات الفقهاء في هذا الشأن، ونحب هنا أن نلفت النظر إلى كلمة الإمام مالك مجيبا على السؤال «أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله وحكم بغيره؟» إن هذا السؤال الذي وجه للإمام مالك من قرون هو واقعة عصرنا، ففي كل قطر من أقطار هذه الأمة تقريبا يحكم بغير ما أنزل الله، ولذلك فإن السؤال مهم، والجواب عليه مهم كذلك، فماذا كان جواب الإمام مالك؟ قال: «إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك التخلف» وهذا هو الأصل الذي اعتمده الأستاذ البنا ﵀، أنه متى وجد هذا العدد فلا بد من إقامة حكم الله، ومنابذة كل من يقف في وجه ذلك، ولننتقل إلى ذكر بعض ال فوائد حول التوجيه الذي مر معنا وهو التوجيه الأول في المقطع الثاني.
فوائد:
١ - هذا هو التوجيه الأول في هذا المقطع في شأن القتال، وهذا التوجيه يقتضي أن لا نفر إلا لخدعة أو لالتحاق بفئة. وقد ذكر الله في هذا التوجيه المعاني التي تساعد على الثبات وتبعد عن الفرار.
أ- حذر من الفرار حذار سخط الله في الآخرة.
ب- ثم بين أنه هو الفاعل لا غيره، وأن سنته نصر المؤمنين وتوهين الكافرين، فليثبت المؤمن ليحقق الله به سنته، ثم بين أنه هازم الكافرين ولو دعوه، وأنه سيعود عليهم
стр. 2055
بالهزيمة كلما عادوا للكيد لأوليائه، وفي ذلك ما يثبت المؤمنين، ويستدعي منهم الثبات انتظارا لتحقيق الله موعوده فيهم وفي الكافرين.
٢ - روي البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «اجتنبوا السبع الموبقات قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال:
الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». وقد استدل ابن كثير بهذا الحديث على أن قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ عامة في بدر وغيرها؛ دفعا لمن قال إنها في أهل بدر خاصة. قال بعد ذكر كل الأقوال. وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر، وإن كان سبب نزول الآية فيهم، كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم، من أن الفرار من الزحف من الموبقات كما هو مذهب الجماهير.
٣ - إن التحيز إلى فئة يختلف باختلاف الأحوال، فهناك حالات الاضطرار، وقد يصل الاضطرار إلى درجة يعتبر فيها التحيز إلى الإمام الأعظم- أي إلى عاصمة المسلمين- تحيزا إلى فئة، وبعده ليس تحيزا، إلا إلى حيث يكون الإمام، أو يأمر به، فإذا ما أصبحت المسألة كذلك لم يعد إلا القتال حتى الموت، والدليل أن التحيز إذا كان هناك اضطرار يمكن أن يكون بالتراجع إلى حيث يكون أميره أو الإمام الأعظم ما يلي:
روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة ثم تبنا: ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ ، فإن كان لنا توبة، وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: «من القوم؟» فقلنا: نحن الفرارون فقال: «لا بل أنتم العكارون أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين». قال: فأتيناه حتى قبلنا يده. وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن ورواه ابن أبي حاتم وزاد في آخره وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ قال أهل العلم: معنى قوله «العكارون» أي العرافون، وكذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ في أبي عبيد لما قتل على الجسر بأرض فارس؛ لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر: لو تحيز إلي لكنت له فئة. هكذا رواه محمد بن سيرين عن عمر، وفي رواية أبي عثمان النهدي عن
стр. 2056
عمر قال: لما قتل أبو عبيد: قال عمر: أيها الناس أنا فئتكم. وقال مجاهد: قال عمر:
أنا فئة كل مسلم.
٤ - وفي سبب نزول قوله تعالى فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى قال ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: رفع رسول الله ﷺ يديه- يعني يوم بدر- فقال: يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في أرض أبدا». فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم. فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه وفمه تراب من تلك القبضة؛ فولوا مدبرين. وقال السدي. قال رسول الله ﷺ لعلي ﵁ يوم بدر: «أعطني حصبا من الأرض» فناوله حصبا عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شئ. ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم وأنزل الله فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وروى أبو معشر المدني عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله ﷺ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال: «شاهت الوجوه» فدخلت في أعينهم كلهم. وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله ﷺ فأنزل الله وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى قال: هذا يوم بدر، أخذ رسول الله ﷺ ثلاث حصيات، فرمى بحصبات ميمنة القوم، وحصيات في ميسرة القوم، وحصيات بين أظهرهم وقال: «شاهت الوجوه»، فانهزموا. وقد روي في هذه القصة عن عروة ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنها نزلت في رمية النبي ﷺ يوم بدر وإن كان قد فعل ذلك يوم حنين أيضا.
أقول: وقد كان لرسول الله ﷺ أكثر من رمية فيها معجزة، ولكن الآية نزلت في حادثة بدر. وقد غلط من ظن أن هذا لم يكن إلا يوم حنين.
٥ - وفي سبب نزول قوله تعالى إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ نذكر ما يلي:
روى الإمام أحمد .. عن عبد الله بن ثعلبة: أن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللهم أقطعنا الرحم، وآتانا بما لا نعرف فاحنه الغداة. فكان المستفتح. وأخرجه النسائي
стр. 2057
وكذا رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين. وقال السدي:
كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة، فاستنصروا الله وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين. فقال الله: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ يقول: قد نصرت ما قلتم وهو محمد ﷺ .
ولنعد إلى التفسير الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في كل شئ ومن ذلك القتال وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ ولا تتولوا عنه أي ولا تعرضوا عن طاعته وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ أي وأنتم تسمعونه
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا أي ادعوا السمع والطاعة وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ولا يطيعون في الحقيقة كالمنافقين والمعنى: أنكم أيها المؤمنون تصدقون بالقرآن والنبوة، فإذا توليتم عن طاعة الرسول- وخاصة في القتال الذي هو موضوع السورة أشبه سماعكم سماع من لا يؤمن
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ أي إن شر من يدب على وجه الأرض البهائم، وإن شر البهائم الذين هم صم عن الحق لا يعقلونه، خرس عن الحق لا ينطقون به، ولا يتكلمون فيه، ولا يدعون إليه، جعلهم من جنس البهائم
ثم جعلهم شرها لأنهم عاندوا بعد الفهم وكابروا بعد العقل وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ أي في هؤلاء الصم البكم خَيْراً أي صدقا ورغبة لَأَسْمَعَهُمْ أي لجعلهم سامعين حتى يسمعوا سماع المصدقين وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا أي ولو أسمعهم وصدقوا لارتدوا بعد ذلك ولم يستقيموا وَهُمْ مُعْرِضُونَ أي عن الإيمان.
فائدة:
هذا هو التوجيه الثاني في هذا المقطع. وهو أمر بالطاعة المطلقة لله والرسول، وأمر بالسماع الدقيق لرسول الله ﷺ في شأن القتال وغيره في الظاهر والباطن. وبدون ذلك لا يكون نصره رباني. فالنصر الرباني مفتاحه، وشرطه وسببه الطاعة الكاملة لله والرسول ﷺ ، وقد كان هذا في حياة رسول الله ﷺ واضحا، وأما بعد وفاته عليه الصلاة السلام، فالطاعة لله ورسوله تكون بالتزام كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من قبل المسلمين أمراء وجند، ومن ثم طاعة الأمراء في الله، وبدون ذلك لا يقوم قتال ولا جهاد رباني.
стр. 2058
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ الاستجابة: الطاعة والامتثال، والدعوة: البعث والتحريض لِما يُحْيِيكُمْ اختلف المفسرون في المراد بما يحيي هنا هل هو كل ما أنزل الله من وحي، أو هو الجهاد، لأنه بدون جهاد يتغلب الكافرون فيقتلون المسلمين ويذلونهم ويحرفونهم، ولأن الجهاد هو طريق الشهادة التي هي طريق الحياة؟ والذي أرجحه أن المراد بذلك الاستجابة المطلقة، ومنها الاستجابة إلى الحرب خاصة، وما الفارق بين هذا التوجيه والتوجيه السابق؟ الذي يبدو أن الاستجابة تدخل فيها حالات خاصة فهي جزء من الطاعة، ولكن لها مضمونها، فالاستجابة تفيد قوة التجاوب مع الاستنفار للحرب وغيره، ومما يؤكد أن الاستجابة في الآية يدخل فيها الاستجابة لأمر الحرب ما رواه محمد بن إسحاق عن عروة بن الزبير في تفسير قوله تعالى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ قال أي للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم. اه. وإذن فالآية تحض حضا خاصا على الاستجابة لأمر رسول الله ﷺ في شأن القتال، مع ملاحظة وجوب الاستجابة لله والرسول في كل شئ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ إما بتقليب قلبه عقوبة له، وإما بفرار قلبه عن المعاني الإيمانية الصالحة لعدم استقامة الجوارح، وإما بتفويت الفرصة على الإنسان حتى يصل إلى التمكن من إخلاص القلب لله بالموت أو بالصوارف، ومن ثم فعليكم بالاستجابة لله والرسول ليوفق قلوبكم إلى الخير وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي: واعلموا أنكم تحشرون إليه فيثيبكم على حسب سلامة القلوب وإخلاص الطاعة، وكما يترتب على عدم الاستجابة لله والرسول صرف القلب عن الخير أو الإيمان فإنه يترتب على ذلك نزول عذاب
وَاتَّقُوا فِتْنَةً أي اختبارا ومحنة يعم بها المسئ وغيره، ولا يخص بها أهل المعاصي ولا من باشر الذنب بل يعمهما حيث لم تدفع المعاصي وترفع لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً أي إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة ولكنها تعمكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إذا عاقب، ولكي تكون الاستجابة كاملة لله ولرسوله ﷺ بالقتال وما يشبهه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، ذكرهم بحالهم قبل بدر وحالهم بعده
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ أي واذكروا وقت كونكم قلة أذلة مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ لأن الناس كلهم كانوا لهم أعداء مضادين فَآواكُمْ أي في المدينة وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ يوم بدر وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ كالغنائم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ هذه النعم فتستجيبون لله
стр. 2059
وللرسول في كل شئ، وصف الله حالهم الأول- حال مقامهم بمكة- قليلين مستخفين مضطهدين، يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد الله، من مشرك ومجوسي ورومي، وكلهم أعداء لهم لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة، فآواهم إليها، وقيض لهم أهلها أووا ونصروا يوم بدر وغيره، وواسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ . قال قتادة بن دعامة السدوسي ﵀ في قوله تعالى: واذكروا إذا أنتم قليل مستضعفون في الأرض قال: (كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا، وأبينه ضلالا، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات منهم ردي في النار. يؤكلون ولا يأكلون. والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كان أشر منزلا منهم، حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد.
ووسع به في الرزق. وجعل به ملوكا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر. وأهل الشكر في مزيد من الله» يفهم من هذا أن قتادة اعتبر هذا الخطاب خطابا عاما للعرب، وهو اتجاه طيب إذا أريد به العرب المؤمنون يوم لم يكن غيرهم يحمل هذا الإسلام، على أن الخطاب فيما يبدو لأهل الإيمان بعد بدر، وهو خطاب يشمل كل حالة مشابهة إلى قيام الساعة.
فوائد:
١ - الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيهما حياة الإسلام وحياة المسلمين. وقد جاء هذا التوجيه حاضا على الجهاد، مخوفا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مذكرا بحال المؤمنين قبل القتال، وحالهم بعده، والإشارة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً يشير إلى أن مما يكمل الأمر بالقتال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) بيان هذا وتفصيله، وفي هذا التوجيه- الذي هو التوجيه الثالث في هذا المقطع- رأينا كيف أن على المسلمين أن يسارعوا إذا دعوا للقتال من قبل رسول الله ﷺ ، وكذلك إذا دعوا من قبل الأئمة من بعده، أو الأمراء، وبهذا نكون قد أدركنا محل هذا التوجيه ضمن هذا المقطع بما يتفق مع السياق، ولكنا كنا ذكرنا أن وجوب الاستجابة لله والرسول ﷺ ليس في هذا الشأن فقط. بل هو في كل شئ، وإن كنا فهمنا من السياق خصوصية هذا النداء في شأن القتال، ولذلك نلاحظ أن الرسول ﵊ قد استشهد بهذه الآية في مقام آخر كدليل على
стр. 2060
وجوب الاستجابة له في كل شئ، كما في هذا الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: كنت أصلي فمر بي النبي ﷺ فدعاني فلم آته حتى صليت ثم أتيته، فقال: «ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ثم قال: «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج» فذهب رسول الله ﷺ ليخرج فذكرت له ..
٢ - وبمناسبة قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يذكر ابن كثير مجموعة أحاديث كلها تدور حول معنى واحد نجتزئ منها ثلاثة أحاديث:
أ- روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». قال: فقلنا: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: «نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها». وهكذا رواه الترمذي في كتاب (القدر) من جامعه ثم قال: حسن.
ب- وروى الإمام أحمد أيضا ... أن أم سلمة كانت تحدث أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه يقول: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قالت: فقلت:
يا رسول الله أو إن القلوب لتقلب؟ قال: «نعم ما خلق الله من بشر من بني آدم إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله ، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب» قالت: فقلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: «بلى قولي:
اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني».
ج- وروى الإمام أحمد أيضا .. عن عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء». ثم قال رسول الله ﷺ : «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك».
٣ - وبمناسبة قوله تعالى وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ننقل هذه الأحاديث والآثار:
стр. 2061
روى الإمام أحمد عن مطرف قال: «قلنا للزبير: يا أبا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير ﵁: إنا قرأنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت». وقد رواه البزار وروى النسائي نحوه.
وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: «أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم الله بالعذاب». قال ابن كثير: وهذا تفسير حسن جدا. ثم قال ابن كثير: ومن أخص ما يذكر هاهنا ما رواه .. ثم ذكر مجموعة روايات وأحاديث نكتفي منها بما لا يؤدي إلى التكرار:
روى الإمام أحمد .. عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ قال «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم». ورواه عن أبي سعيد عن إسماعيل بن جعفر وقال:
«أو ليبعثن عليكم قوما ثم تدعونه فلا يستجيب لكم». وروى الإمام أحمد أيضا ..
عن أبي الرقاد قال: «خرجت مع مولاي فدفعت إلى حذيفة وهو يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيصير منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتحاضن على الخير، أو ليسحتكم الله جميعا بعذاب، أو ليؤمرن عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم. وروى الإمام أحمد أيضا .. عن عامر ﵁ قال: سمعت النعمان ابن بشير ﵁ يخطب يقول- وأومأ بأصبعين إلى إذنه يقول: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها- والمدهن فيها- كمثل قوم ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم؛ فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقا فاستقينا منه ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا». انفرد بإخراجه البخاري والترمذي. وروى الإمام أحمد أيضا .. عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده» فقلت يا رسول الله أما فيهم أناس صالحون؟ قال: «بلى» قالت: فكيف يصنع أولئكم؟ قال: «يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان» .. وروى الإمام أحمد أيضا .. عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: قال
стр. 2062
رسول الله ﷺ : «ما من قوم يعملون بالمعاصي، وفيهم رجل أعز منهم وأمنع، لا يغيره، إلا عمهم الله بعقاب، أو أصابهم العقاب». رواه أبو داود أيضا. وروى الإمام أحمد أيضا .. عن عبيد الله بن جرير عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر فمن يعملون، ثم لم يغيروه، إلا عمهم الله بعقاب». وأخرجه ابن ماجه أيضا.
ولنلاحظ أن الحديث الأخير جعل استحقاق العذاب للجميع إذا وجدت القدرة في العزة والكثرة عند أهل الخير ثم لا يمنعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا شك أنه في كل زمان ومكان إذا كان بالإمكان أن يجتمع أهل الحق على حقهم، ويتغلبوا على الباطل وأهله فعليهم أن يفعلوا. ولننتقل إلى التوجيه الرابع:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ بترك الطاعة وارتكاب المعصية وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ بإفشاء أسرار المؤمنين للكافرين والمنافقين. قال السدي في هذه الآية: كانوا يسمعون من النبي ﷺ الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين أي: فهذه خيانة فلا ترتكبوها، وهذه قضية مهمة جدا في موضوع القتال. فمن
المعروف أن العدو يستفيد من أي كلمة تقال، فعلى المسلم أن يعتبر كل أسرار المؤمنين، ودولتهم، وجماعتهم أمانة عنده، فلا يفشيها، ولا ينقلها، ولا يحدث بها وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي تبعة ذلك الإفشاء ووباله، أو وأنتم تعلمون أنكم تخونون، يعني: أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو، أو وأنتم علماء تعلمون حسن الحسن، وقبح القبيح، والخيانة لله والرسول، وخيانة الأمانة، كل ذلك قبيح تعرفونه
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ أي سبب الوقوع في الفتنة: وهي الإثم والعذاب، أو محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون فيهم على حدوده، فاعلموا هذا حتى لا يستجركم مال، أو ولد، إلى خيانة لله والرسول، والأمانة وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ أي اعلموا ذلك من أجل أن تحرصوا على طلب ذلك، وتزهدوا في الدنيا، ولا تحرصوا على جمع المال، وحب الولد، فيخرجكم ذلكم عن الأمانة إلى الخيانة. فإن ثواب الله وعطاءه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد، فإنه قد يوجد منهم عدو وأكثرهم لا يغني عنكم من الله شيئا ..
فوائد:
١ - لاحظنا أن هذا التوجيه الذي هو التوجيه الرابع في سياقه ينصب على قضية رئيسية
стр. 2063
في شئون القتال، وهي عدم الخيانة لله ورسوله، وعدم الخيانة لأسرار المسلمين ولكنا كنا تحدثنا أن النص القرآني يعطينا من خلال سياقه الجزئي مدلولا، ومن خلال سياقه العام مدلولا، ومن خلال ما تحتمله ألفاظه مدلولا، كل منهم يكمل الآخر ولا يناقضه، وهذا ما نجده في هذه الآيات، فإذا كان السياق يفهمنا ألا نفشي أسرار المسلمين العسكرية، فإن لفظ الأمانة أوسع من هذا، ومن ثم فإن غيره يدخل فيه، فكل سر ائتمنك عليه أخوك ما لم يكن في كتمانه إثم فهو أمانة، وما ائتمنك عليه الله من تكليف أمانة وعليك ألا تخون.
٢ - القول الأقوى في سبب نزول هاتين الآيتين أنهما نزلتا في أبي لبابة بن عبد المنذر هذا ما ذكره عبد الرزاق عن قتادة والزهري قالا: أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فاستشاروه في ذلك فأشار عليهم بذلك، وأشار بيده إلى حلقه أي إنه الذبح. ثم فطن أبو لبابة ورأى أنه قد خان الله ورسوله، فحلف لا يذوق ذواقا حتى يموت أو يتوب الله عليه، وانطلق إلى مسجد المدينة فربط نفسه في سارية منه، فمكث كذلك تسعة أيام، حتى كان يخر مغشيا عليه من الجهد، حتى أنزل الله توبته على رسوله ﷺ ، فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا أن يحلوه من السارية فحلف لا يحله منها إلا رسول الله ﷺ بيده فحله، فقال: يا رسول الله إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة فقال:
«يجزيك الثلث أن تصدق به».
٣ - ومما يدل على أن الخيانة للأمانة يدخل فيها إفشاء أسرار المؤمنين، الحوار الوارد في الصحيحين في قصة حاطب بن أبي بلتعة، لما كتب إلى قريش يعلمها بقصد رسول الله ﷺ إياهم عام الفتح، فأطلع الله رسوله ﷺ على ذلك، فبعث في إثر الكتاب، فاسترجعه، واستحضر حاطبا، فأقر بما صنع، وفيها: فقام عمر بن الخطاب فقال:
يا رسول الله ألا أضرب عنقه؛ فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين؟ فقال: «دعه فإنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
قال ابن كثير: والصحيح أن الآية عامة وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء.
٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ
стр. 2064
عَظِيمٌ قال ابن كثير: وفي الأثر يقول الله تعالى: يا ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شئ، وإن فتك فاتك كل شئ، وأنا أحب إليك من كل شئ» وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان:
من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذا انقذه الله منه». بل حب رسول الله ﷺ مقدم على الأولاد والأموال والنفوس، كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين».
ولننتقل إلى التوجيه الخامس:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً أي نصرا لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الكفر بإذلال حزبه، والإسلام بإعزاز أهله، أو بيانا وظهورا يشهر أمركم ويبث صيتكم وآثاركم في أقطار الأرض، أو مخرجا من الشبهات، وشرحا للصدور، أو تفرقة بينكم وبين غيركم من أهل الأديان، وفضلا ومزية في الدنيا والآخرة أو هذا كله، ولوجود هذه الأقوال كلها فسرنا الآية بأنه وعد ببدر كل حين وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي يمحوها وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذنوبكم فيسترها عن أعين الناس وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ على عباده.
كلمة في السياق:
لاحظنا أن السورة تفصيل لما له علاقة في فرضية القتال، وفي هذا المقطع ذكرت مجموعة أمور كلها مهمة في شأن القتال لإحراز النصر: الثبات والانضباط والمسارعة
إلى النفير والكتمان والتقوى، في خمسة توجيهات كل منها مبدوء بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. وكل منها شرط رئيسي لإحراز النصر. إذ أنك عند ما تكون مكشوفا لعدوك ما أسهل أن يكيدك عدوك، وعند ما لا تكون مسارعة للقتال، ما أسرع أن يضربك عدوك، وعند ما لا يكون انضباط ما أسرع أن تنتهي معركتك بالفشل.
وبدون صبر على القتال لا يكون إلا الاستسلام، وعند ما لا تكون تقوى فلا جهاد ربانيا موجود أصلا. والدول في عصرنا تدرب جندها تدريبا عاليا، وتضعهم في الظروف الصعبة أثناء التدريب ليثبتوا في المعركة، والدول الآن تركز في جيوشها على الانضباط والطاعة، واستحدثت لذلك النظام المنضم والرتب العسكرية، والعقوبات
стр. 2065
الزاجرة ومجموعة من الأنظمة، لتحقيق هذا الغرض، وتبذل الدول جهدا كبيرا في تحسين طرق الإدارة والتعبئة، للاستجابة السريعة للنفير، لتضمن تعبئة سريعة بأسرع وقت، وتحيط شعبها وعناصر جيشها بمجموعة من الأمور وقضايا الأمن، لضمان عدم تسرب أخبار أمنها، وجيشها إلى عدوها، وقد جمع هذا المقطع هذه المعاني مع معان أخرى كثيرة. فأين الصورة العملية لهذه التعليمات؟ أين الجيش المسلم، والدولة المسلمة، والفرد المسلم .. ؟
وبهذا ننهي الكلام عن المقطع الثاني وبانتهاء المقطع الثاني ينتهي القسم الأول من أقسام سورة الأنفال، وقد تألف من مقدمة السورة ومقطعين، المقطع الأول وقد بدأ بخطاب رسول الله ﷺ في شأن بدر، ثم جاء المقطع الثاني وفيه نداءات للمؤمنين، والآن يأتي القسم الثاني ويتألف من مقطعين، وخاتمة هي خاتمة السورة. المقطع الأول ويبدأ بخطاب رسول الله ﷺ ، والمقطع الثاني وفيه نداءات للمؤمنين ولرسول الله ﷺ ، ثم تأتي الخاتمة وفيها مجموعة تقريرات فإلى المقطع الأول من القسم الثاني .
*** [القسم الثاني]
المقطع الأول من القسم الثاني
ويمتد من الآية (٣٠) إلى نهاية الآية (٤٤) وهذا هو:
[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٠ الى ٤٤]
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤)
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)
стр. 2066
المعنى العام:
انتهى القسم الأول من هذه السورة بوعد للمؤمنين أنهم إذا اتقوا الله فإن الله سيجعل لهم مخرجا ونجاة ونصرا، وفصلا بين الحق والباطل، ونورا يدرك به الحق من الباطل، ويأتي هذا المقطع، ويتألف من ثلاث مجموعات ويرتبط بالآية السابقة عليه مباشرة، وينتظم المجموعات الثلاث في سياقها الكلي أنها في موضوع الصراع مع الكفر وأهله، وفي موضوع القتال وضرورته، وأسبابه ومبرراته، وآثاره وفضل الله على المؤمنين فيه.
تتحدث المجموعة الأولى: عن كيد الكافرين لرسول الله ﷺ ، وحضيض الكيد الذي وصلوا إليه، وسخافة الكبر الذي عاملوا به دعوته، من وصفهم دعوة رسول الله والقرآن الذي أنزل عليه بأنه خرافات، ومن ذلك طلبهم عذاب الله إذا كان ما عند رسول الله ﷺ حقا، وهذا غاية الكفر والكبر، وتتحدث عن طرقهم الفاسدة في العبادة، والطواف، وكما تتحدث عما خططوا له من سجن لرسول الله ﷺ ، أو قتل أو إخراج، فأنجى الله رسوله ﷺ من هذا كله. وقتلهم يوم بدر. فهذه أمهات المعاني في المجموعة الأولي، وهي تصب في النهاية في مصب السياق العام للسورة، من أن الكافرين يستحقون أن يعذبوا وأن يقتلوا،
والمجموعة الثانية: تحدثنا عن إنفاق الكافرين الأموال ليصدوا عن سبيل الله، وكيف أن هذا الإنفاق ليس وراءه إلا إتلاف المال والهزيمة، والعذاب يوم القيامة. وهذا
كذلك من فعل الله للمتقين أن يجعل لهم فرقانا، وفيه مبرر من مبررات القتال.
стр. 2067
والمجموعة الثالثة: تبين أن الله يغفر للكافرين إن تابوا من كفرهم، وإن لم يتوبوا فسيصيبهم ما أصاب الكافرين من قبل، ثم أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الكافرين حتى لا يفتن أحد عن دينه. ثم بين الله أن الكافرين إن أعرضوا عن الاستجابة لأمر الله؛ فليعلم المؤمنون أن الله مولاهم، وهذا مظهر من مظاهر الفرقان الذي يعطيه الله تعالى المؤمنين في مقابل تقواهم، إنه بعد أن ذكر في المجموعتين السابقتين مبررات القتال، جاء في هذه المجموعة الأمر بالقتال، وإذ يستتبع القتال الغنيمة، فإن الله يأمر المؤمنين أن يعلموا حكم الله في الغنائم، وأن يطبقوه كجزء من التقوى، وعلامة على الإيمان، ثم يحدثنا الله عن يوم الفرقان أي: يوم بدر، مما يدل على أن الفرقان الذي وعد الله به عباده المتقين من مظاهره ما حصل يوم بدر، ومما ذكره الله عن يوم بدر في هذا المقام ما فعله الله للمؤمنين من جمع بين المسلمين والكافرين، ومن تهيئته لأسباب المعركة لينصر المؤمنين، ويرفع كلمة الحق على الباطل؛ ليصير الأمر ظاهرا، والحجة والبراهين ساطعة، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك، أي يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره أنه مبطل لقيام الحجة عليه، ومجئ هذا المعنى بعد الأمر بالقتال تذكير للمسلمين بفعل الله يوم بدر ليقاتلوا في كل معاركهم وهم مطمئنون، ومجئ هذه المعاني كلها بعد آية الفرقان يشير إلى أن المقطع كله في توضيح قضية الفرقان، وقد جاءت كلمة الفرقان مرة ثانية في سياق المقطع، مما يدل على أن مظاهر الفرقان متعددة، فقد يكون إنجاء أو قد يكون نصرا، وقد يكون خذلانا للكافرين، وقد يكون إفسادا لكيدهم.
المعنى الحرفي للمجموعة الأولى:
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي واذكر مكرهم بك وأنت في مكة لِيُثْبِتُوكَ أي ليحبسوك ويوثقوك أَوْ يَقْتُلُوكَ بسيوفهم قتلة تشترك بها جميع قبائلهم أَوْ يُخْرِجُوكَ أي أو ينفوك من مكة وَيَمْكُرُونَ أي ويخفون المكايد لك، أو ويخططون للقضاء عليك، أو ويتآمرون عليك وَيَمْكُرُ اللَّهُ أي يعاملهم مجازيا بمكرهم لهم فيخفي لهم ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة مستدرجين وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أي مكره أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيرا
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا أي القرآن قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا وهذا صلف منهم ووقاحة؛ لأنهم دعوا إلى أن يأتوا بسورة واحدة من مثل هذا القرآن فلم يأتوا به إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي ما هذا إلا خرافات السابقين
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا أي
стр. 2068
القرآن هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أي إن كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي بنوع آخر من جنس العذاب الأليم، وهذا من كثرة جهلهم، وشدة تكذيبهم وعنادهم وعتوهم، فبدلا من أن يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه قالوا ما قالوا
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ فيه دلالة على أن تعذيبهم ورسول الله بين أظهرهم غير مستقيم، لأنه بعث رحمة للعالمين، وسنته ألا يعذب قوما عذاب استئصال ما دام نبيهم بين أظهرهم، وفيه إشعار بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر، وهم المسلمون بين أظهرهم، ممن تخلف عن رسول الله ﷺ من المستضعفين، أو لو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم. أو معناه نفي الاستغفار عنهم، ولذلك عذبهم فيما بعد بتسليط المؤمنين عليهم يوم بدر
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام، ومن ذلك إخراجهم رسول الله ﷺ والمؤمنين منه، فذلك أعظم الصد وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ أي وما كان للمشركين مع إشراكهم وعداوتهم لدين الله، أن يستحقوا أن يكونوا ولاة أمر الحرم إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ أي إن أولياء الحرم إلا المسلمون، ويحتمل أن يكون المراد به وما كان المشركون أولياء الله، إن أولياء الله إلا المتقون وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ذلك أي من استحق ولاية الله، أو ولاية الحرم
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً أي صفيرا وَتَصْدِيَةً أي وتصفيقا فَذُوقُوا الْعَذابَ أي عذاب القتل والأسر بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي بسبب كفركم.
فوائد:
١ - يلاحظ أن هذه المجموعة قد عرضت نوعا من أنواع الفرقان، وذلك أن أمة كأهل مكة في سوء أدبها مع الله ومع كتبه، وفي مثل كبرها وتعنتها ومحاربتها للحق، وفي مثل كيدها لرسول الله ﷺ وتخطيطها ضده كيف كان عاقبة أمرها؟ إفساد كيدها وهزيمتها وقتل عظمائها وأسرهم، كل ذلك أنواع من الفرقان الذي وعد الله المتقين به في نهاية المقطع السابق، وفي المجموعة معان أخرى، منها ما يفيد استحقاق الكافرين للعذاب والقتل، ومنها ما يعرفنا على بعض سنن الله في موضوع العذاب وإنزاله، وكل هذه
стр. 2069
المعاني تمضي على نسق السياق العام للسورة، فيما فيه تفصيل لفريضة القتال، وأسبابها، وحكمها، وما تقتضيه، وما يلزم لتنفيذها.
٢ - في سبب نزول قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ .. يذكر ابن كثير عدة روايات يرد بعضها ويثبت بعضا فلنذكر ما أثبته:
روى الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي .. عن ابن عباس: أن نفرا من قريش من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا له: من أنت؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم رأيي ونصحي، قالوا: أجل أدخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، زهير، والنابغة، إنما هو كأحدهم. قال:
فصرخ- عدو الله- الشيخ النجدي فقال: والله ما هذا لكم برأي. والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، قالوا: صدق الشيخ، فانظروا في غير هذا. قال قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه؛ فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع، وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه، واسترحتم، وكان أمره في غيركم، فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب ليجتمعن عليه ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم، ويقتل أشرافكم قالوا: صدق والله، فانظروا رأيا غير هذا، قال أبو جهل- لعنه الله-: والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد لا أرى غيره، قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من كل قبيلة غلاما شابا وسيطا نهدا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فما أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه، قال: فقال الشيخ النجدي:
هذا والله الرأي، القول ما قال الفتى لا أرى غيره. قال: فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له، فأتى جبريل النبي ﷺ فأمره ألا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، أخبره بمكر القوم، فلم يبت رسول الله ﷺ في بيته تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك
стр. 2070
بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكر نعمه عليه وبلاءه عنده وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (الأنفال: ٣٠) وأنزل في قولهم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (الطور: ٣٠) فكان ذلك اليوم يسمى الزحمة للذي اجتمعوا من الرأي، وعن السدي: نحو هذا السياق، وأنزل الله في إرادتهم إخراجه قوله تعالى وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء: ٧٦) وكذا روى العوفي عن ابن عباس وروي عن مجاهد وعروة بن الزبير وموسى بن عقبة وقتادة ومقسم وغير واحد نحو ذلك. وروى يونس بن بكير عن ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ ينتظر أمر الله، حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت به، وأرادوا به ما أرادوا، أتاه جبريل ﵇، فأمره أن لا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، فأمره أن يبيت على فراشه، ويتسجى ببرد له أخضر، ففعل، ثم خرج رسول الله ﷺ على القوم وهم على بابه، وخرج معه بحفنة من تراب، فجعل يذرها على رءوسهم، وأخذ الله بأبصارهم عن نبيه محمد ﷺ ، وهو يقرأ: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إلى قوله فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ. (يس: ١: ٩) روى الحافظ أبو بكر البيهقي عن عكرمة ما يؤكد هذا. وقد روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه .. عن ابن عباس قال:
دخلت فاطمة على رسول الله ﷺ وهي تبكي قال: «وما يبكيك يا بنية؟» قالت: يا أبت وما لي لا أبكي وهؤلاء الملأ من قريش في الحجر، يتعاهدون باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك، فقال: «يا بنية ائتني بوضوء» فتوضأ رسول الله ﷺ ثم خرج إلى المسجد فلما رأوه قالوا: ها هو ذا فطأطئوا رءوسهم وسقطت رقابهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم فتناول رسول الله ﷺ قبضة من تراب فحصبهم بها وقال: «شاهت الوجوه» فما أصاب رجلا منهم حصاة من حصياته إلا قتل يوم بدر كافرا» ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وروى الإمام أحمد .. عن ابن عباس في قوله وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الآية قال: تشاورت قريش ليلة بمكة. فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق- يريدون النبي ﷺ وقال بعضهم بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فبات علي ﵁ على فراش رسول