Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
المعنى العام:
انتهى القسم الأول من هذه السورة بوعد للمؤمنين أنهم إذا اتقوا الله فإن الله سيجعل لهم مخرجا ونجاة ونصرا، وفصلا بين الحق والباطل، ونورا يدرك به الحق من الباطل، ويأتي هذا المقطع، ويتألف من ثلاث مجموعات ويرتبط بالآية السابقة عليه مباشرة، وينتظم المجموعات الثلاث في سياقها الكلي أنها في موضوع الصراع مع الكفر وأهله، وفي موضوع القتال وضرورته، وأسبابه ومبرراته، وآثاره وفضل الله على المؤمنين فيه.
تتحدث المجموعة الأولى: عن كيد الكافرين لرسول الله ﷺ ، وحضيض الكيد الذي وصلوا إليه، وسخافة الكبر الذي عاملوا به دعوته، من وصفهم دعوة رسول الله والقرآن الذي أنزل عليه بأنه خرافات، ومن ذلك طلبهم عذاب الله إذا كان ما عند رسول الله ﷺ حقا، وهذا غاية الكفر والكبر، وتتحدث عن طرقهم الفاسدة في العبادة، والطواف، وكما تتحدث عما خططوا له من سجن لرسول الله ﷺ ، أو قتل أو إخراج، فأنجى الله رسوله ﷺ من هذا كله. وقتلهم يوم بدر. فهذه أمهات المعاني في المجموعة الأولي، وهي تصب في النهاية في مصب السياق العام للسورة، من أن الكافرين يستحقون أن يعذبوا وأن يقتلوا،
والمجموعة الثانية: تحدثنا عن إنفاق الكافرين الأموال ليصدوا عن سبيل الله، وكيف أن هذا الإنفاق ليس وراءه إلا إتلاف المال والهزيمة، والعذاب يوم القيامة. وهذا
كذلك من فعل الله للمتقين أن يجعل لهم فرقانا، وفيه مبرر من مبررات القتال.
стр. 2067
والمجموعة الثالثة: تبين أن الله يغفر للكافرين إن تابوا من كفرهم، وإن لم يتوبوا فسيصيبهم ما أصاب الكافرين من قبل، ثم أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الكافرين حتى لا يفتن أحد عن دينه. ثم بين الله أن الكافرين إن أعرضوا عن الاستجابة لأمر الله؛ فليعلم المؤمنون أن الله مولاهم، وهذا مظهر من مظاهر الفرقان الذي يعطيه الله تعالى المؤمنين في مقابل تقواهم، إنه بعد أن ذكر في المجموعتين السابقتين مبررات القتال، جاء في هذه المجموعة الأمر بالقتال، وإذ يستتبع القتال الغنيمة، فإن الله يأمر المؤمنين أن يعلموا حكم الله في الغنائم، وأن يطبقوه كجزء من التقوى، وعلامة على الإيمان، ثم يحدثنا الله عن يوم الفرقان أي: يوم بدر، مما يدل على أن الفرقان الذي وعد الله به عباده المتقين من مظاهره ما حصل يوم بدر، ومما ذكره الله عن يوم بدر في هذا المقام ما فعله الله للمؤمنين من جمع بين المسلمين والكافرين، ومن تهيئته لأسباب المعركة لينصر المؤمنين، ويرفع كلمة الحق على الباطل؛ ليصير الأمر ظاهرا، والحجة والبراهين ساطعة، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك، أي يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره أنه مبطل لقيام الحجة عليه، ومجئ هذا المعنى بعد الأمر بالقتال تذكير للمسلمين بفعل الله يوم بدر ليقاتلوا في كل معاركهم وهم مطمئنون، ومجئ هذه المعاني كلها بعد آية الفرقان يشير إلى أن المقطع كله في توضيح قضية الفرقان، وقد جاءت كلمة الفرقان مرة ثانية في سياق المقطع، مما يدل على أن مظاهر الفرقان متعددة، فقد يكون إنجاء أو قد يكون نصرا، وقد يكون خذلانا للكافرين، وقد يكون إفسادا لكيدهم.
المعنى الحرفي للمجموعة الأولى:
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي واذكر مكرهم بك وأنت في مكة لِيُثْبِتُوكَ أي ليحبسوك ويوثقوك أَوْ يَقْتُلُوكَ بسيوفهم قتلة تشترك بها جميع قبائلهم أَوْ يُخْرِجُوكَ أي أو ينفوك من مكة وَيَمْكُرُونَ أي ويخفون المكايد لك، أو ويخططون للقضاء عليك، أو ويتآمرون عليك وَيَمْكُرُ اللَّهُ أي يعاملهم مجازيا بمكرهم لهم فيخفي لهم ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة مستدرجين وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أي مكره أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيرا
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا أي القرآن قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا وهذا صلف منهم ووقاحة؛ لأنهم دعوا إلى أن يأتوا بسورة واحدة من مثل هذا القرآن فلم يأتوا به إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي ما هذا إلا خرافات السابقين
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا أي
стр. 2068
القرآن هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أي إن كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي بنوع آخر من جنس العذاب الأليم، وهذا من كثرة جهلهم، وشدة تكذيبهم وعنادهم وعتوهم، فبدلا من أن يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه قالوا ما قالوا
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ فيه دلالة على أن تعذيبهم ورسول الله بين أظهرهم غير مستقيم، لأنه بعث رحمة للعالمين، وسنته ألا يعذب قوما عذاب استئصال ما دام نبيهم بين أظهرهم، وفيه إشعار بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر، وهم المسلمون بين أظهرهم، ممن تخلف عن رسول الله ﷺ من المستضعفين، أو لو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم. أو معناه نفي الاستغفار عنهم، ولذلك عذبهم فيما بعد بتسليط المؤمنين عليهم يوم بدر
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام، ومن ذلك إخراجهم رسول الله ﷺ والمؤمنين منه، فذلك أعظم الصد وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ أي وما كان للمشركين مع إشراكهم وعداوتهم لدين الله، أن يستحقوا أن يكونوا ولاة أمر الحرم إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ أي إن أولياء الحرم إلا المسلمون، ويحتمل أن يكون المراد به وما كان المشركون أولياء الله، إن أولياء الله إلا المتقون وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ذلك أي من استحق ولاية الله، أو ولاية الحرم
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً أي صفيرا وَتَصْدِيَةً أي وتصفيقا فَذُوقُوا الْعَذابَ أي عذاب القتل والأسر بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي بسبب كفركم.
فوائد:
١ - يلاحظ أن هذه المجموعة قد عرضت نوعا من أنواع الفرقان، وذلك أن أمة كأهل مكة في سوء أدبها مع الله ومع كتبه، وفي مثل كبرها وتعنتها ومحاربتها للحق، وفي مثل كيدها لرسول الله ﷺ وتخطيطها ضده كيف كان عاقبة أمرها؟ إفساد كيدها وهزيمتها وقتل عظمائها وأسرهم، كل ذلك أنواع من الفرقان الذي وعد الله المتقين به في نهاية المقطع السابق، وفي المجموعة معان أخرى، منها ما يفيد استحقاق الكافرين للعذاب والقتل، ومنها ما يعرفنا على بعض سنن الله في موضوع العذاب وإنزاله، وكل هذه
стр. 2069
المعاني تمضي على نسق السياق العام للسورة، فيما فيه تفصيل لفريضة القتال، وأسبابها، وحكمها، وما تقتضيه، وما يلزم لتنفيذها.
٢ - في سبب نزول قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ .. يذكر ابن كثير عدة روايات يرد بعضها ويثبت بعضا فلنذكر ما أثبته:
روى الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي .. عن ابن عباس: أن نفرا من قريش من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا له: من أنت؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم رأيي ونصحي، قالوا: أجل أدخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، زهير، والنابغة، إنما هو كأحدهم. قال:
فصرخ- عدو الله- الشيخ النجدي فقال: والله ما هذا لكم برأي. والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، قالوا: صدق الشيخ، فانظروا في غير هذا. قال قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه؛ فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع، وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه، واسترحتم، وكان أمره في غيركم، فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب ليجتمعن عليه ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم، ويقتل أشرافكم قالوا: صدق والله، فانظروا رأيا غير هذا، قال أبو جهل- لعنه الله-: والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد لا أرى غيره، قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من كل قبيلة غلاما شابا وسيطا نهدا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فما أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه، قال: فقال الشيخ النجدي:
هذا والله الرأي، القول ما قال الفتى لا أرى غيره. قال: فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له، فأتى جبريل النبي ﷺ فأمره ألا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، أخبره بمكر القوم، فلم يبت رسول الله ﷺ في بيته تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك
стр. 2070
بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكر نعمه عليه وبلاءه عنده وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (الأنفال: ٣٠) وأنزل في قولهم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (الطور: ٣٠) فكان ذلك اليوم يسمى الزحمة للذي اجتمعوا من الرأي، وعن السدي: نحو هذا السياق، وأنزل الله في إرادتهم إخراجه قوله تعالى وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء: ٧٦) وكذا روى العوفي عن ابن عباس وروي عن مجاهد وعروة بن الزبير وموسى بن عقبة وقتادة ومقسم وغير واحد نحو ذلك. وروى يونس بن بكير عن ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ ينتظر أمر الله، حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت به، وأرادوا به ما أرادوا، أتاه جبريل ﵇، فأمره أن لا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، فأمره أن يبيت على فراشه، ويتسجى ببرد له أخضر، ففعل، ثم خرج رسول الله ﷺ على القوم وهم على بابه، وخرج معه بحفنة من تراب، فجعل يذرها على رءوسهم، وأخذ الله بأبصارهم عن نبيه محمد ﷺ ، وهو يقرأ: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إلى قوله فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ. (يس: ١: ٩) روى الحافظ أبو بكر البيهقي عن عكرمة ما يؤكد هذا. وقد روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه .. عن ابن عباس قال:
دخلت فاطمة على رسول الله ﷺ وهي تبكي قال: «وما يبكيك يا بنية؟» قالت: يا أبت وما لي لا أبكي وهؤلاء الملأ من قريش في الحجر، يتعاهدون باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك، فقال: «يا بنية ائتني بوضوء» فتوضأ رسول الله ﷺ ثم خرج إلى المسجد فلما رأوه قالوا: ها هو ذا فطأطئوا رءوسهم وسقطت رقابهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم فتناول رسول الله ﷺ قبضة من تراب فحصبهم بها وقال: «شاهت الوجوه» فما أصاب رجلا منهم حصاة من حصياته إلا قتل يوم بدر كافرا» ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وروى الإمام أحمد .. عن ابن عباس في قوله وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الآية قال: تشاورت قريش ليلة بمكة. فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق- يريدون النبي ﷺ وقال بعضهم بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فبات علي ﵁ على فراش رسول
стр. 2071
الله ﷺ ، وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه ﷺ ، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليا رد الله تعالى مكرهم. فقالوا:
أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال».
٣ - قص سعيد بن جبير والسدي وابن جريج وغيرهم أن القائل عن القرآن أنه أساطير الأولين، وأنه قادر على أن يأتي بمثله، هو النضر بن الحارث لعنه الله، فإنه كان قد ذهب إلى بلاد فارس، وتعلم من أخبار ملوكهم رستم وإسفنديار، ولما قدم وجد رسول الله ﷺ قد بعثه الله، وهو يتلو على الناس القرآن، فكان ﵊ إذا قام من مجلس، جلس فيه النضر، فحدثهم من أخبار أولئك ثم يقول: بالله أينا أحسن قصصا أنا أو محمد؟ ولهذا لما أمكن الله تعالى منه يوم بدر، ووقع في الأسارى أمر رسول الله ﷺ أن تضرب رقبته صبرا بين يديه، ففعل ذلك، ولله الحمد، وكان الذي أسره المقداد بن الأسود ﵁، كما روى ابن جرير .. عن سعيد بن جبير قال: قتل النبي ﷺ يوم بدر صبرا: عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر ابن الحارث، وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله قال المقداد: يا رسول الله أسيري؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول» فأمر رسول الله بقتله،
فقال المقداد: يا رسول الله أسيري؟. فقال رسول الله ﷺ «اللهم اغن المقداد من فضلك» فقال المقداد: هذا الذي أردت، قال: وفيه أنزلت هذه السورة وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. (الأنفال: ٣١)
٤ - وأما الذين قالوا: إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ وأشباه ذلك فيبدو أنهم كثيرون، منهم أبو جهل، كما تذكر بعض الروايات، ومنهم النضر كما تذكر روايات أخرى، ومنهم عمرو بن العاص، ﵁، وقد أسلم.
٥ - وبمناسبة قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، فيقول النبي ﷺ : «قد
стр. 2072
قد» ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك ويقولون: غفرانك فأنزل الله وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ الآية، قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: النبي ﷺ والاستغفار، فذهب النبي ﷺ وبقي الاستغفار، وروى الترمذي .. عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «أنزل الله علي أمانين لأمتي وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة».
ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه ... عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني». ثم قال الحاكم صحيح الإسناد، وروى الإمام أحمد .. عن فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ أنه قال: «العبد آمن من عذاب الله، ما استغفر الله ».
٦ - وبمناسبة قوله تعالى: إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ يذكر ابن كثير آثارا وأحاديث ننقلها مع حذف الأسانيد:
روى ابن مردويه عن أنس بن مالك ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ من أولياؤك؟ قال: «كل تقي» وتلا رسول الله ﷺ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ.
وروى الحاكم في مستدركه .. عن رفاعة قال: جمع رسول الله ﷺ قريشا فقال:
«هل فيكم من غيركم؟» فقالوا: فينا ابن أختنا، وفينا حليفنا، وفينا مولانا، فقال:
«حليفنا منا، وابن أختنا منا، ومولانا منا. إن أوليائي منكم المتقون». ثم قال: هذا صحيح. وقال عروة والسدي. ومحمد بن إسحاق في قوله تعالى: إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ: قال: هم محمد ﷺ وأصحابه ﵃، وقال مجاهد: هم المجاهدون من كانوا وحيث كانوا.
٧ - وقد فسر ابن عباس قوله تعالى: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً قال: كانت قريش تطوف بالبيت عراة، تصفر وتصفق. وقال ابن عمر في تفسيرها: إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض، ويصفقون ويصفرون. وحكى عطية فعل ابن عمر فصفر ابن عمر وأمال خده وصفق بيديه.
стр. 2073
المعنى الحرفى للمجموعة الثانية:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي ليمنعوا الناس عن اتباع محمد ﷺ ودينه فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً أي ثم تكون عاقبة إنفاقها ندما وحسرة، فكأن ذاتها تصير ندما وتنقلب حسرة ثُمَّ يُغْلَبُونَ أي آخر الأمر، وهذه من معجزات القرآن، لأنه أخبر عنها قبل وقوعها، وكان كما أخبر، والوعد دائم، والموعود حاصل وَالَّذِينَ كَفَرُوا أي منهم لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ فاجتمع عليهم ضياع المال، والغلبة في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وكل ذلك لصالح المؤمنين، وكل ذلك من الفرقان الذي وعد به المتقون
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ أي الفريق الخبيث وهم الكفار مِنَ الطَّيِّبِ أي من الفريق الطيب من المؤمنين. والمعنى أن هذا الحشر من أجل هذا وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ أي الفريق الخبيث بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً أي فيجمعه كله فَيَجْعَلَهُ أي الفريق الخبيث فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ أي جماعة الفريق الخبيث هُمُ الْخاسِرُونَ الذين خسروا أنفسهم وأموالهم. وفي هذه المجموعة من الآيات مظهر آخر من مظاهر الفرقان في الدنيا والآخرة لأهل الإيمان وحزب الرحمن على حزب الشيطان.
كما أن فيها مبررا آخر من مبررات القتال الذي فرضه الله على أهل الإيمان ليذلوا أهل الكفر والطغيان.
فائدة:
يروي ابن إسحاق سبب نزول هذه الآيات فيقول:
(لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش، أصيب آباؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة. فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا، ففعلوا. فقال:
ففيهم- كما ذكر ابن عباس- أنزل الله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ إلى قوله هُمُ الْخاسِرُونَ وكذا روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، والحكم بن عيينة، وقتادة، والسدي، وابن أبزى، أنها نزلت في أبي سفيان، ونفقته الأموال في أحد لقتال رسول الله ﷺ . وقال الضحاك: نزلت في أهل بدر. قال ابن كثير:
وعلى كل تقدير فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصا، فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون
стр. 2074
أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق. فسيفعلون ذلك. ثم تذهب أموالهم، ثم تكون عليهم حسرة (أي ندامة) حيث لم يجد شيئا، لأنهم أرادوا إطفاء نور الله وظهور كلمتهم على كلمة الحق. والله متم نوره ولو كره الكافرون، وناصر دينه، ومعل كلمته، ومظهر دينه على كل دين. فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوؤه، ومن قتل منهم، أو مات فإلى الخزي الأبدي، والعذاب السرمدي).
المعنى الحرفي للمجموعة الثالثة:
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا عن كفرهم وصدهم عن سبيل الله يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ من كفرهم وعملهم السيئ ومن ذلك صدهم وقتالهم وَإِنْ يَعُودُوا أي وإن يستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والصد والقتال فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ أي سنة الله فيهم بالعذاب في الدنيا، إما بأيدي المؤمنين، أو بالإهلاك ثم بالعذاب في الآخرة. والآية تدل على أن الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما قد سلف من الكفر والمعاصي، وبه احتج أبو حنيفة ﵀ في أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة.
وَقاتِلُوهُمْ أي: وقاتلوا الكفار حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي حتى لا يوجد مسلم يفتن عن دينه، وذلك لا يكون إلا إذا أصبح السلطان للمسلمين في العالم كله، فعلى المسلمين أن يفعلوا وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ أي ويضمحل عنهم كل دين باطل إما بانتهائه أو بخضوع أهله ويبقى فيهم دين الإسلام وحده له الكلمة العليا فَإِنِ انْتَهَوْا أي عن الكفر وأسلموا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيثيبهم على إسلامهم إن صدقوا فيه وأخلصوا
وَإِنْ تَوَلَّوْا أي: وإن أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ أي ناصركم ومعينكم فثقوا بولايته ونصرته نِعْمَ الْمَوْلى لأنه وحده لا يضيع من تولاه أبدا وَنِعْمَ النَّصِيرُ الذي لا يغلب من نصره. إن الأمر بهذا القول، والقتال، والعلم، كل ذلك من لوازم التقوى التي جزاؤها الفرقان، فإن تقول للكافرين ما أمرت به، وأن تقاتل، وأن تعلم أن الله هو المولى. كل ذلك من التقوى التي جزاؤها الفرقان، ومن ذلك أيضا
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ قليل أو كثير فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ أي فالحكم أن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ هكذا كان الخمس يقسم على عهد رسول الله ﷺ يقسم على خمسة أسهم، سهم لرسول الله ﷺ ، وسهم لذوي قرابته من بني هاشم، وبني المطلب، دون بني عبد شمس،
стр. 2075
وبني نوفل، وثلاثة أسهم لليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وأما بعده ﷺ فقد أجرى أبو بكر وعمر وعثمان وعلي الخمس على ثلاثة. وسنرى الخلاف في هذا الموضوع إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ أي يوم بدر يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ أي الفريقان من المسلمين والكفار، وما أنزله الله يوم التقى الجمعان هو الآيات، كالفتح، ومحاربة الملائكة، والمعنى إن كنتم تؤمنون بالله وآياته؛ فاعملوا بهذه القسمة، وارضوا بها، فالإيمان يوجب الرضا بالحكم والعمل بالعلم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومن ذلك قدرته على أن ينصر القليل على الكثير، كما فعل بكم يوم بدر، ثم فصل بعض ما كان يوم الفرقان، يوم بدر
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا العدوة: شط الوادي، والدنيا: أي القربى إلى جهة المدينة وَهُمْ أي:
المشركون بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى أي البعدى عن المدينة وَالرَّكْبُ أي العير والقافلة، وهو جمع راكب أَسْفَلَ مِنْكُمْ أي في مكان أسفل من مكانكم، وقد كانوا في أسفل الوادي بثلاثة أميال وَلَوْ تَواعَدْتُمْ أي أنتم وأهل مكة، وتوافقتم بينكم على موعد تلتقون فيه للقتال لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ أي لخالف بعضكم بعضا.
إذ قد تثبطكم قلتكم، أو تثبطهم سلامة قافلتهم أو غير ذلك، فلا يتفق لكم من التلاقي ما وفقه الله وسبب له وَلكِنْ جمع بينكم بلا ميعاد لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا من إعزاز دينه، وإعلاء كلمته، أو ليقضي الله أمرا ينبغي أن يفعل، وهو نصر أوليائه، وقهر أعدائه، أوليتم أمرا كان قد أراده، وهو عز الإسلام وأهله، وذل الكفر وحزبه لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ أي: ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة، لا عن مخالجة شبهة؛ حتى لا يبقى له على الله حجة، ويصدر إسلام من أسلم أيضا عن يقين وعلم، بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ للأقوال وغيرها عَلِيمٌ بكل شئ ومن ذلك كفر من كفر وعقابه، وإيمان من آمن وثوابه
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ أي في رؤياك قَلِيلًا وذلك أن الله تعالى أراه إياهم في رؤياه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه، فكان ذلك تشجيعا لهم على عدوهم وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ أي لجبنتم وهبتم الإقدام وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أي في أمر القتال وترددتم بين الثبات والفرار وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أي عصم وأنعم بالسلامة من الفشل والتنازع والاختلاف إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجبن، والصبر والجزع
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ أي وإذ يبصركم إياهم إِذِ الْتَقَيْتُمْ أي وقت اللقاء فِي أَعْيُنِكُمْ
стр. 2076
قَلِيلًا قللهم في أعينهم ليثبتوا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ليدفعهم إلى قتالكم لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا أي ليلقي بينكم وبينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد تمام النعمة عليه، ومعنى هذا أنه تعالى أغرى كلا من الفريقين بالآخر لينصر حزبه وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ فيحكم بما يريد وقد حكم لأهل الإيمان.
كلمة في السياق:
سبق هذا المقطع بوعد من الله للمتقين أن يكافئهم، بأن يجعل لهم فرقانا، وقد اختلف المفسرون في معنى كلمة الفرقان كما رأينا، ولكن المقطع نفسه يوضح ماهية الفرقان، وخاتمة المقطع توضح ماهية الفرقان، وتسمية يوم بدر بأنه يوم الفرقان يوضح كذلك ماهية هذا الفرقان.
وقد رأينا في المجموعة الأولى نموذجا على الفرقان: وهو إفساد كيد الكافرين لرسوله ﷺ ، وقد رأينا في المجموعة الثانية نموذجا على الفرقان بإضاعة مال الكافرين، وغلبتهم، وإدخالهم النار. وقد رأينا في المجموعة الثالثة نموذجا على الفرقان، بما فعل الله للمسلمين يوم بدر حتى أعطاهم الفرقان، وفي هذا المقطع تأتي أربعة أوامر.
الأمر الأول: أن يقول الرسول للكافرين إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
الأمر الثاني: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ .. وهو أعظم أوامر القتال في الإسلام وأبعدها غاية.
الأمر الثالث: أن يعلم المسلمون أن الله مولاهم.
والأمر الرابع: أن يعلم المسلمون حكم الله في الغنائم.
والأوامر الأربعة مهمة جدا في موضوع القتال، وكلها تحتاج إلى تقوى، وكلها تحتاج إلى معرفة بالله، وثقة بوعده، ومن ثم جاءت في خضم هذا المقطع المربي المهذب، الذي أكثر الله فيه من ضرب الأمثلة.
الأمر الأول أمر بالتبليغ، وللتبليغ مشقاته، والأمر الثاني فيه تكليف بالسيطرة على العالم ولهذا مشقاته وعقباته، والأمر الثالث أمر بالتوكل على الله، والقلب فيه قد لا يواتي الإنسان، والأمر الرابع في إعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم في الغنيمة، وهذا يحتاج إلى تقوى عظيمة، ومن ثم كان هذا المقطع يرفع الهمم إلى التقوى كما يذكر
стр. 2077
المسلمين بفعل الله لهم لتنفذ هذه الأوامر بملء الثقة وبكامل الطاعة.
ولا شك أن الأمة الإسلامية فرطت كثيرا في شأن القوة العسكرية. ولكن هذا لا يعفى من البداية الصحيحة.
مما مر ندرك صلة المقطع بالآية التي قبله مباشرة، ومن قبل عرضنا ما له صلة بوحدته، فلقد انتهى المقطع بالكلام عما فعل الله للمسلمين في بدر، وذلك بعد الآية التي أمرت المسلمين بتخميس الغنائم، مما يشير إلى أن تخميس الغنائم مظهر من مظاهر شكر الله على فعله وإنعامه، وقد جاء الأمر بتخميس الغنائم بعد الأمر بالقتال، لأن الغنائم أثر من آثار الحركة الجهادية، والأمر بالقتال قد جاء وفيه تعليل لسبب فرضية القتال، وهي فتنة المؤمنين عن دين الله، ومن قبل ذكر الله مجموعة من أفعال الكافرين التي تقتضي قتالهم من مثل مكرهم بالمؤمنين، وكبرهم وعنادهم، ومن مثل صدهم عن سبيل الله، وإنفاقهم الأموال من أجل ذلك، وكل ذلك يسبب فتنة المؤمنين عن دينهم، ولا تزول هذه الفتنة إلا بقتال، وإلا إذا كانت كلمة الله هي العليا، فالمقطع له وحدته، وهو مرتبط بالآية التي قبله مباشرة، وهو بمثابة المقدمة للمقطع اللاحق، الذي يعود السياق فيه إلى طريقة الخطاب المباشر بصيغة يا أَيُّهَا* للمؤمنين ولرسول الله ﷺ
وأما محله في السياق القرآني العام فواضح:
فمحور السورة هو ما رأيناه من سورة البقرة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ ... * يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ... إن المقطع يعلل لفرضية القتال، ويبين الطريق لإزالة الفتنة التي هي أكبر من القتل، ويبين أن المشركين ليسوا أصحاب الحق في المسجد الحرام.
فلنلاحظ الصلة بين قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وبين قوله تعالى وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ... وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً ثم مع قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثم قوله تعالى وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ* إن المقطع شديد التلاحم مع بعضه، شديد التلاحم مع الآية التي سبقته، شديد التلاحم مع مقدمة السورة وقسمها الأول، شديد التلاحم مع المحور.
стр. 2078
الفوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ يذكر ابن كثير حديثين صحيحين:
الأول: عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر».
والثاني: أن رسول الله ﷺ قال: «الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها».
٢ - وبمناسبة قوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ نذكر هذين الحديثين: ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ». وعن أبي موسى الأشعري قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في
سبيل الله ».
وهذا يفيد أن الهدف النهائي للقتال في الإسلام الوصول إلى وضع عالمي تكون فيه كلمة الله هي العليا، والسلطان للمسلمين، لا من أجل إكراه على دين. ولكن حتى لا تبقى سلطة أو وضع يحول بين إنسان وحرية الدخول في الإسلام، وإقامة شعائره.
٣ - وبمناسبة قوله تعالى: فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ذكر ابن كثير هذا الحديث الصحيح. قال: وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لأسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف فقال لا إله إلا الله، فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال لأسامة: «أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ وكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة؟». فقال يا رسول الله إنما قالها تعوذا. قال: «هلا شققت عن قلبه؟».
وجعل يقول ويكرر عليه «من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟» قال أسامة حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ.
٤ - وكنموذج على الفتنة ما حدث للمسلمين في ابتداء الإسلام كما روى ابن جرير عن عروة بسند صحيح أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء، فكتب إليه عروة (وفيما كتب نموذج على ما ذكرنا قال): سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنك كتبت إلي تسألني عن مخرج رسول الله ﷺ من مكة. وسأخبرك به ولا حول ولا قوة إلا بالله: كان من شأن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 2079
من مكة أن الله أعطاه النبوة: فنعم النبي، ونعم السيد، ونعم العشيرة. فجزاه الله خيرا، وعرفنا وجهه في الجنة، وأحيانا على ملته، وأماتنا وبعثنا عليها. وأنه لما دعا قومه لما بعثه الله به من الهدى والنور الذي أنزل عليه لم يبعدوا منه أول ما دعاهم إليه، وكانوا يسمعون له حتى إذا ذكر طواغيتهم، وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال أنكر ذلك عليه ناس، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال، وأغروا به من أطاعهم، فانعطف عنه عامة الناس، فتركوه إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل، فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث، ثم ائتمرت رءوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله، من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال، فافتتن من افتتن، وعصم الله من شاء منهم، فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يثنى عليه مع ذلك، وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش، يتجرون فيها، وكانت مساكن لتجارهم، يجدون فيها رفاغا من الرزق وأمنا، ومتجرا حسنا، فأمرهم بها النبي ﷺ ، فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخافوا عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم، ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم ومنعتهم، فلما رأوا ذلك استرخوا استرخاءة عن رسول الله ﷺ ، وعن أصحابه، وكانت الفتنة الأولى هي التي أخرجت من خرج من أصحاب رسول الله ﷺ قبل أرض الحبشة، مخافتها، وفرارا مما كانوا فيه من الفتن والزلزال، فلما استرخي عنهم، ودخل في الإسلام من دخل منهم، تحدث باسترخائهم عنهم، فبلغ من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ أنه قد استرخي عمن كان منهم بمكة، وأنهم لا يفتنون، فرجعوا إلى مكة، وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون ويكثرون، وأنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا الإسلام بالمدينة، وطفق أهل المدينة يأتون رسول الله ﷺ بمكة، فلما رأت قريش ذلك، تآمروا على أن يفتنوهم ويشتدوا، فأخذوهم، فحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، فكانت الفتنة الآخرة، فكانت فتنتان: فتنة أخرجت من خرج إلى أرض الحبشة حين أمرهم النبي ﷺ بها، وأذن لهم في الخروج إليها، وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة، ثم أنه جاء رسول الله ﷺ من المدينة سبعون نقيبا، رءوس الذين أسلموا فوافوه بالحج، فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم ومواثيقهم، على أنا منك وأنت منا، وعلى أن من جاء من أصحابك أو جئتنا، فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، فاشتدت عليهم
стр. 2080
قريش عند ذلك، فأمر رسول الله أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله ﷺ أصحابه، وخرج هو، وهي التي أنزل الله فيها وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ...
٥ - وفي آية الغنائم كلام كثير نجتزئ منه الفقرات التالية:
أ- قال ابن كثير: والغنيمة: هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب.
والفئ: ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها، أو يتوفون عنها، ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك، هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف والخلف، ومن العلماء من يطلق الفئ على ما تطلق عليه الغنيمة، وبالعكس أيضا. ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية الحشر ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى الآية. قال: فنسخت آية الأنفال تلك، وجعلت الغنائم: أربعة أخماس للمجاهدين وخمسا منها لهؤلاء المذكورين، وهذا الذي قاله بعيد لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، وتلك نزلت في بني النضير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة أن بني النضير بعد بدر، وهذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفئ والغنيمة يقول: تلك نزلت في أموال الفئ، وهذه في الغنائم، ومن يجعل أمر الغنائم والفئ راجعا إلى رأي الإمام يقول: لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس إذا رآه الإمام والله أعلم.
ب- اختلف المفسرون في قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ .. هل المراد بذكر لفظ الجلالة هنا أن يفرد سهم من الغنائم خاص للإنفاق على مثل الكعبة، أو أن ذكر لفظ الجلالة هنا للتبرك؟ الراجح أنه استفتاح كلام للتبرك؛ لأن الخمس كله لله، يشهد لذلك الحديث الصحيح الذي رواه البيهقي عن عبد الله بن شقيق عن رجل من بلقين قال: أتيت النبي ﷺ وهو بوادي القرى، وهو يعرض فرسا فقلت: يا رسول الله ما تقول في الغنيمة؟ فقال: «لله خمسها، وأربعة
أخماسها للجيش» قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: «لا، ولا السهم تستخرجه من جنبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم». واختلفوا في سهم رسول الله ﷺ بعد وفاته ﵊ قال ابن كثير: قال قائلون: يكون لمن يلي الأمر من بعده، وقال: آخرون يصرف في مصالح المسلمين، وقال آخرون: بل هو مردود على بقية الأصناف، ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وقال آخرون بل سهم النبي ﷺ ، وسهم ذوي القربى مردودان على اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. قال
стр. 2081
الأعمش عن إبراهيم: كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي ﷺ فى الكراع (أي الدواب المخصصة للحرب) والسلاح.
ج- روى الإمام أحمد عن المقدام بن معد يكرب الكندي أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي ﵃، فتذاكروا حديث رسول الله ﷺ فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة كلمات رسول الله ﷺ في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس فقال عبادة: إن رسول الله ﷺ صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلم قام رسول الله ﷺ فتناول وبرة بين أنملتين فقال: «إن هذه من غنائمكم وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر، وجاهدوا في الله؛ فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم، ينجي الله به من الهم والغم». قال ابن كثير: هذا حديث عظيم.
د- بوب البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان بابا سماه «باب أداء الخمس من الإيمان» ويشهد لهذا قوله تعالى في آخر آية الغنائم إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ .. * وذكر البخاري دليلا على ما بوب له الحديث الذي رواه مسلم أيضا عن عبد الله بن عباس في حديث وفد عبد القيس، أن رسول الله ﷺ قال لهم: «وآمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله- ثم قال-: هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم».
٦ - وبمناسبة قوله تعالى: يَوْمَ الْفُرْقانِ ننقل ما يلي:
روى عبد الرزاق عن عروة في قوله يَوْمَ الْفُرْقانِ يوم فرق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله ﷺ . وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة- أو سبع عشرة- مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله ﷺ يومئذ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، والمشركون ما بين الألف والتسعمائة، فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على السبعين، وأسر منهم مثل ذلك. وقد روى الحاكم في مستدركه ... عن ابن مسعود قال في ليلة القدر:
تحروها لإحدى عشر يبقين فإن في صبيحتها يوم بدر. وقال على شرطهما. وروى ابن
стр. 2082
جرير .. أن الحسن بن علي قال: كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان لسبع عشرة من رمضان. إسناده جيد قوي. وهو الصحيح عند أهل المغازي والسير.
٧ - وبمناسبة الكلام عن غزوة بدر في آخر هذا المقطع الذي مر معنا يذكر ابن كثير مجموعة روايات تفيد في فهم الآيات قال ابن كثير:
(وفي حديث كعب بن مالك قال: إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. وروى ابن جرير .. عن عمير ابن إسحاق قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله ﷺ وأصحابه، فالتقوا ببدر ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقت السقاة، ونهد الناس بعضهم لبعض. وروى محمد بن إسحاق في السيرة:
ومضى رسول الله ﷺ على وجهه ذلك حتى إذا كان قريبا من الصفراء، بعث بسبس ابن عمرو، وعدي بن أبي الزغباء الجهنيين، يلتمسان الخبر عن أبي سفيان، فانطلقا حتى إذا وردا بدرا، فأناخا بعيريهما إلى تل من البطحاء، فاستقيا في شن لهما من الماء، فسمعا جاريتين تختصمان تقول إحداهما لصاحبتها اقضيني حقي، وتقول الأخرى إنما تأتي العير غدا أو بعد غد؛ فأقضيك حقك، فخلص بينهما مجدي بن عمر؛ وقال:
صدقت، فسمع بذلك بسبس وعدي، فجلسا على بعيريهما حتى أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه الخبر، وأقبل أبو سفيان حين وليا وقد حذر، فتقدم أمام عيره وقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست على هذا الماء من أحد تنكره؟ فقال لا والله إلا أني قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل، فاستقيا من شن لهما، ثم انطلقا، فجاء أبو سفيان إلى مناخ بعيريهما، فأخذ من أبعارهما ففته، فإذا به النوى فقال: هذه والله علائف يثرب، ثم رجع سريعا فضرب وجه عيره، فانطلق بها للساحل، حتى إذا رأى أنه قد أحرز عيره بعث إلى قريش، فقال إن الله قد نجى عيركم وأموالكم ورجالكم فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نأتي بدرا- وكانت بدر سوقا من أسواق العرب- فنقيم بها ثلاثا، فنطعم بها الطعام، وننحر بها الجزر، ونسقي بها الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، وبمسيرنا، فلا يزالون يهابوننا بعدها أبدا، فقال الأخنس بن شريق: يا معشر بني زهرة، إن الله قد أنجى صاحبكم فارجعوا، فأطاعوه فرجعت بنو زهرة، فلم يشهدوها ولا بنو عدي. ثم روى محمد بن إسحاق ... عن عروة بن الزبير قال: وبعث رسول الله ﷺ حين دنا من بدر على بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام في نفر من أصحابه يتجسسون له الخبر فأصابوا سقاة لقريش
стр. 2083
غلاما لبني سعيد بن العاص، وغلاما لبني الحجاج، فأتوا بهما رسول الله ﷺ فوجدوه يصلي، فجعل أصحاب رسول الله ﷺ يسألونهما
لمن أنتما؟ فيقولان: نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما فلما أزلقوهما، قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتين ثم سلم وقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش أخبراني عن قريش» قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى (والكثيب: العقنقل) فقال لهما رسول الله ﷺ : «كم القوم؟»: قالا: كثير، قال ما عدتهم؟» قالا: ما ندري، قال: «كم ينحرون كل يوم؟» قالا: يوما تسعا ويوما عشرا. قال رسول الله ﷺ : «القوم ما بين التسعمائة إلى الألف» ثم قال لهما: «فمن فيهم من أشراف قريش؟» قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنضر بن الحارث، وزمعة ابن الأسود. وأبو جهل بن هشام. وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل ابن عمرو، وعمرو بن عبد ود. فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها». ثم روى محمد بن إسحاق ... أن سعد بن معاذ قال لرسول الله ﷺ لما التقى الناس يوم بدر: يا رسول الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه، وننيخ إليك ركائبك، ونلقى عدونا، فإن أظفرنا الله عليهم وأعزنا فذاك ما نحب، وإن تكن الأخرى فتجلس على ركائبك، وتلحق بمن وراءنا من قومنا، فقد- والله- تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبا منهم، لو علموا أنك تلقى حربا، ما تخلفوا عنك، ويوازرونك، وينصرونك، فأثنى عليهم رسول الله ﷺ خيرا ودعا له به، فبني له عريش، فكان فيه رسول الله ﷺ ، وأبو بكر ما معهما غيرهما. ثم قال ابن إسحاق: وارتحلت قريش حين أصبحت، فلما أقبلت ورآها رسول الله ﷺ تصوب من العقنقل (وهو الكثيب) الذي جاءوا منه إلى الوادي فقال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها، وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم أحنهم الغداة». ثم قال محمد ابن إسحاق في قوله تعالى لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ أي ليكفر من كفر بعد الحجة، لما رأى من الآية والعبرة، ويؤمن من آمن على مثل ذلك.
وهذا تفسير جيد).
٨ - وبمناسبة قوله تعالى وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ. قال الألوسي: (وإنما قللهم سبحانه في أعين المسلمين حتى قال ابن
стр. 2084
مسعود ﵁ إلى من بجنبه أتراهم سبعين فقال: أراهم مائة) تثبيتا لهم وتصديقا لرسوله ﵊ (ويقللكم في أعينهم) حتى قال أبو جهل: «إنما أصحاب محمد أكلة جزور» وكان هذا التقليل في ابتداء الأمر قبل التحام القتال؛ ليجترءوا عليهم، ويتركوا الاستعداد والاستمداد، ثم كثرهم سبحانه، حتى رأوهم مثليهم لتفاجئهم الكثرة؛ فيبهتوا ويهابوا).
وقال ابن كثير: (فلما التحم القتال، وأيد الله المؤمنين بألف من الملائكة مردفين، بقي حزب الكفار يرى حزب الإيمان ضعفيه كما قال تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين، فإن كلا منهما حق وصدق).
قضيتان مهمتان:
حدد قوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ الهدف النهائي للجهاد: وهو أن تنقطع فتنة المؤمنين عن دينهم، وأن تكون كلمة الله هي العليا في العالم، وكثيرون من الناس لا يعرفون المراد من كلمة الفتنة في هذا المقام، حتى إن الذين يفتنون المسلمين عن دينهم يتهمون المؤمنين بالفتنة، إذا ما طالبوا بإقامة شريعة الله، ولو أننا تأملنا السياق الذي وردت فيه الآية، لعرفنا أن المراد بالفتنة اضطهاد المسلمين، وصد الناس عن دين الله، بإنفاق الأموال، ولكن فتنة المسلم عن دينه لا تكون في هذا فقط، بل تكون كذلك عند ما تكون الجاهلية لها السلطان والدولة، فإنها في هذه الحالة تفتن بزخرفها الباطل الكثيرين عن دين الله، ولذلك فإن هدف الجهاد النهائي ألا تبقى فتنة، وأن يكون السلطان في هذا العالم للإسلام، وفي هذا يقول صاحب الظلال إن قوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ .. يقرر حكما دائما للحركة الإسلامية في مواجهة الواقع الجاهلي الدائم ولقد جاء الإسلام ليكون إعلانا عاما لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من العبودية للعباد- ومن العبودية لهواه أيضا وهي من العبودية للعباد- وذلك بإعلان ألوهية الله وحده- سبحانه وربوبيته للعالمين .. وأن معنى هذا الإعلان: الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض، الحكم فيه للبشر في صورة من الصور .. الخ.
ولا بد لتحقيق هذا الهدف الضخم من أمرين أساسيين:
стр. 2085
أولهما: دفع الأذى والفتنة عمن يعتنقون هذا الدين، ويعلنون تحررهم من حاكمية الإنسان، ويرجعون بعبوديتهم لله وحده، ويخرجون من العبودية للعبيد في جميع الصور والأشكال .. وهذا لا يتم إلا بوجود عصبة مؤمنة ذات تجمع حركي تحت قيادة تؤمن بهذا الإعلان العام، وتنفذه في عالم الواقع، وتجاهد كل طاغوت يعتدي بالأذى والفتنة على معتنقي هذا الدين، أو يصد بالقوة وبوسائل الضغط والقهر والتوجيه من يريدون اعتناقه ...
وثانيهما: تحطيم كل قوة في الأرض تقوم على أساس عبودية البشر للبشر- في صورة من الصور- وذلك لضمان الهدف الأول، ولإعلان ألوهية الله وحدها في الأرض كلها، بحيث لا تكون هناك دينونة إلا لله وحده- فالدين هنا بمعنى الدينونة لسلطان الله- وليس هو مجرد الاعتقاد. ولا بد هنا من بيان الشبهة التي قد تحيك في الصدور من هذا القول، على حين أن الله سبحانه يقول: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ.
ومع أن فيما سبق تقريره عن طبيعة الجهاد في الإسلام، ما يكفي للبيان الواضح ..
إلا أننا نزيد الأمر إيضاحا، وذلك لكثرة ما لبس الملبسون ومكر الماكرون من أعداء هذا الدين أن الذي يعنيه هذا النص: وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ هو إزالة الحواجز المادية، المتمثلة في سلطان الطواغيت، وفي الأوضاع القاهرة للأفراد، فلا يكون هناك- حينئذ- سلطان في الأرض لغير الله، ولا يدين العباد يومئذ لسلطان قاهر إلا سلطان الله .. فإذا أزيلت هذه الحواجز المادية ترك الناس أفرادا يختارون عقيدتهم أحرارا من كل ضغط. على ألا تتمثل العقيدة المخالفة للإسلام في تجمع له قوة مادية يضغط بها على الآخرين، ويحول بها دون اهتداء من يرغبون في الهدى، ويفتن بها الذين يتحررون فعلا من كل سلطان إلا سلطان الله .. إن الناس أحرار في اختيار عقيدتهم، على أن يعتنقوا هذه العقيدة أفرادا، فلا يكونون سلطة قاهرة يدين لها العباد. فالعباد لا يدينون إلا لسلطان رب العباد.
ولن تنال البشرية الكرامة التي وهبها لها الله، ولن يتحرر «الإنسان» في «الأرض» إلا حين يكون الدين كله لله، فلا تكون هنالك دينونة لسلطان سواه.
ولهذه الغاية الكبرى تقاتل العصبة المؤمنة: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
فمن قبل هذا المبدأ أو أعلن استسلامه له، قبل منه المسلمون إعلانه هذا واستسلامه، ولم يفتشوا عن نيته وما يخفي صدره، وتركوا هذا لله.
стр. 2086
فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ..
ومن تولى وأصر على مقاومة سلطان الله قاتله المسلمون معتمدين على نصرة الله.
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ. نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
هذه تكاليف هذا الدين؛ وهذه هي جديته وواقعيته وإيجابيته وهو يتحرك لتحقيق ذاته في عالم الواقع؛ ولتقرير ألوهية الله وحده في دنيا الناس ..
إن هذا الدين ليس نظرية يتعلمها الناس في كتاب؛ للترف الذهني والتكاثر بالعلم والمعرفة؛ وليس كذلك عقيدة سلبية يعيش بها الناس بينهم وبين ربهم وكفى! كما أنه ليس مجرد شعائر تعبدية يؤديها الناس لربهم فيما بينهم وبينه.
إن هذا الدين إعلان عام لتحرير الإنسان .. وهو منهج حركي واقعي يواجه واقع الناس بوسائل مكافئة ... يواجه حواجز الإدراك والرؤية بالتبليغ والبيان .. ويواجه حواجز الأوضاع والسلطة بالجهاد المادي لتحطيم سلطان الطواغيت وتقرير سلطان الله.
والحركة بهذا الدين حركة في واقع بشري. والصراع بينه وبين الجاهلية ليس مجرد صراع نظري يقابل بنظرية! إن الجاهلية تتمثل في مجتمع ووضع وسلطة، ولا بد- كي يقابلها هذا الدين بوسائل مكافئة- أن يتمثل في مجتمع ووضع وسلطة. ولا بد بعد ذلك أن يجاهد ليكون الدين كله لله، فلا تكون هناك دينونة لسواه.
هذا هو المنهج الواقعي الحركي الإيجابي لهذا الدين. لا ما يقوله المهزومون والمخدوعون. ولو كانوا من المخلصين الطيبين الذين يريدون أن يكونوا من «المسلمين»، ولكن تغيم في عقولهم وفي قلوبهم صورة هذا الدين.
هذه هي القضية المهمة الأولى التي أردنا أن تكون واضحة قبل أن ننتقل من هذا المقطع.
وأما القضية الثانية فهي قضية الغنائم إن آية الغنائم في المقطع صدرت بقوله تعالى:
وَاعْلَمُوا* مما يشير إلى أن موضوع الغنائم مما ينبغي علمه، لما يترتب على ذلك من خيرات وبركات، وإحقاق حق وإزهاق باطل، إن المسلمين قد فرض عليهم الجهاد، وأعطوا سلطانا على أموال الكافرين ونسائهم وذراريهم هذا حق لهم، وذلك في الوقت نفسه تحتاجه عملية الجهاد المستمرة، وهذا يحتاج إلى فقه، وذلك محله الكتب الفقهية
стр. 2087
الموسعة، ولكننا نكتفي هنا بكلام الألوسي- وهو حنفي- أثناء عرضه للآية ليزداد إدراكنا للنص:
قال الألوسي:
(وكيفية القسمة عند الأصحاب أنها كانت على عهد رسول الله ﷺ على خمسة أسهم. سهم له ﵊. وسهم للمذكورين من ذوي القربى. وثلاثة أسهم للأصناف الثلاثة الباقية، وأما بعد وفاته ﵊، فسقط سهمه ﷺ ، كما سقط الصفي وهو ما كان يصطفيه لنفسه من الغنيمة، مثل درع، وسيف، وجارية، بموته ﷺ ، وكذا سقط سهم ذوي القربى، وإنما يعطون بالفقر، وتقدم فقراؤهم على فقراء غيرهم، ولا حق للأغنياء لأن الخلفاء الأربعة الراشدين قسموه كذلك وكفى بهم قدوة، وروي عن أبي بكر ﵁ أنه منع بني هاشم الخمس وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم، ويزوج أيمكم، ويخدم ما لا خادم له منكم، فأما الغني منكم فهو لا يعطى من الصدقة شيئا، ولا يتيم موسر. وعن زيد بن علي كذلك قال: ليس لنا أن نبني منه القصور، ولا أن نركب منه البراذين، ولأن النبي ﷺ إنما أعطاهم للنصرة لا للقرابة، كما يشير إليه جوابه لعثمان وجبير، ﵄، وهو يدل على أن المراد بالقربى في النص قرب النصرة لا قرب القرابة، وحيث انتهت النصرة انتهى الإعطاء؛ لأن الحكم ينتهي بانتهاء علته، واليتيم صغير لا أب له، فيدخل فقراء اليتامى من ذوي القربى في سهم اليتامى المذكورين، دون أغنيائهم، والمسكين منهم في سهم المساكين، وفائدة ذكر اليتيم مع كون استحقاقه بالفقر والمسكنة لا باليتم دفع توهم أن اليتيم لا يستحق من الغنيمة شيئا، لأن استحقاقها بالجهاد واليتيم صغير فلا يستحقها.
وفي التأويلات لعلم الهدى الشيخ أبي منصور أن ذوي القربى إنما يستحقون بالفقر أيضا، وفائدة ذكرهم دفع ما يتوهم أن الفقير منهم لا يستحق، لأنه من قبيل الصدقة ولا تحل لهم، وفي الحاوي القدسي وعن أبي يوسف أن الخمس يصرف لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وبه نأخذ. انتهى، وهو يقتضي أن الفتوى على
الصرف إلى ذوي القرى الأغنياء فليحفظ، وفي التحفة أن هذه الثلاثة مصارف الخمس عندنا لا على سبيل الاستحقاق، حتى لو صرف إلى صنف واحد منهم جاز، كما في الصدقات كذا في فتح القدير، ومذهب الإمام مالك ﵁ أن الخمس لا يلزم تخميسه،
стр. 2088
وأنه مفوض إلى رأي الإمام، كما يشعر به كلام خليل، وبه صرح ابن الحاجب فقال:
ولا يخمس لزوما، بل يصرف منه لآله ﵊ بالاجتهاد، ومصالح المسلمين، ويبدءون استحبابا- كما نقل التتائي عن السنباطي- بالصرف على غيرهم، وذكر أنهم بنو هاشم، وأنهم يوفر نصيبهم لمنعهم من الزكاة حسبما يرى من قلة المال وكثرته، وكان عمر بن عبد العزيز يخص ولد فاطمة ﵂ كل عام باثني عشر ألف دينار سوى ما يعطي غيرهم من ذوي القربى، وقيل يساوي بين الغني والفقير، وهو فعل أبي بكر ﵁، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يعطي حسب ما يراه، وقيل: يخير لأن فعل كل من الشيخين حجة.
وقال عبد الوهاب: إن الإمام يبدأ بنفقته ونفقة عياله بغير تقدير، وظاهر كلام الجمهور أنه لا يبدأ بذلك، وبه قال ابن عبد الحكم، والمراد بذكر الله سبحانه عند هذا الإمام أن الخمس يصرف في وجوه القربات لله تعالى. والمذكور بعد ليس للتخصيص بل لتفضيله على غيره، ولا يرفع حكم المعمول الأول بل هو قار على حاله، وذلك كالعموم الثابت للملائكة، وإن خص جبريل وميكائيل ﵉ بعد. ومذهب الشافعي ﵁ في قسمة الغنيمة أن يقدم من أصل المال السلب، ثم يخرج منه حيث لا متطوع مئونة الحفظ والنقل وغيرهما، من المؤن اللازمة للحاجة إليها، ثم يخمس الباقي، فيجعل خمسة أقسام متساوية، ويكتب على رقعة لله تعالى، أو للمصالح، وعلى رقعة للغانمين، وتدرج في بنادق، فما خرج لله تعالى قسم على خمس مصالح المسلمين، كالثغور والمشتغلين بعلوم الشرع وآلاتها، ولو مبتدءين، والأئمة والمؤذنين ولو أغنياء، وسائر من يشتغل عن نحو كسبه بمصالح المسلمين؛ لعموم نفعهم، وألحق بهم العاجزون عن الكسب، والعطاء إلى رأي الإمام معتبرا سعة المال وضيقه، وهذا هو السهم الذي كان لرسول الله ﷺ في حياته، وكان ينفق منه على نفسه وعياله، ويدخر منه مئونة سنة، ويصرف الباقي في المصالح، وهل كان ﵊ مع هذا التصرف مالكا لذلك أو غير مالك؟ قولان: ذهب إلى الثاني الإمام الرافعي، وسبقه إليه جمع متقدمون. قال: إنه ﵊ مع تصرفه في الخمس المذكور لم يكن يملكه، ولا ينتقل منه إلى غيره إرثا. ورد بأن الصواب المنصوص أنه كان يملكه. وقد غلط الشيخ أبو حامد من قال: لم يكن ﷺ يملك شيئا، وإن أبيح له ما يحتاج إليه. وقد يؤول كلام الرافعي بأنه لم ينف الملك المطلق بل الملك المقتضي للإرث عنه.
стр. 2089
ويؤيد ذلك اقتضاء كلامه في الخصائص أنه يملك. وبنو هاشم والمطلب، والعبرة بالانتساب للآباء دون الأمهات، ويشترك فيه الغني والفقير لإطلاق الآية، وإعطائه ﵊ العباس- وكان غنيا- والنساء، ويفضل الذكر كالإرث، واليتامى، ولا يمنع وجود جد، ويدخل فيهم ولد الزنا والمنفى، لا للقيط على الأوجه، ويشترط فقره على المشهور، ولا بد في ثبوت اليتم والإسلام، والفقر هنا من البينة، وكذا في الهاشمي والمطلبي، واشترط جمع فيهما معها استفاضة النسبة، والمساكين وابن السبيل، ولو بقولهم بلا يمين. نعم يظهر في مدعي تلف مال له عرف، أو عيال أنه يكلف بينة. ويشترط الإسلام في الكل والفقر في ابن السبيل أيضا وتمامه في كتبهم.
وتعلق أبو العالية بظاهر الآية الكريمة فقال: يقسم ستة أسهم، ويصرف سهم الله تعالى لمصالح الكعبة، أي إن كانت قريبة، وإلا فإلى مسجد كل بلدة وقع فيها الخمس كما قاله ابن الهمام. وقد روى أبو داود في المراسيل وابن جرير عنه أنه ﵊ كان يأخذ منه قبضة فيجعلها لمصالح الكعبة ثم يقسم ما بقى خمسة أسهم، ومذهب الإمامية أنه ينقسم إلى ستة أسهم أيضا كمذهب أبي العالية، إلا أنهم قالوا: إن سهم الله تعالى، وسهم الرسول ﷺ ، وسهم ذوي القربى للإمام القائم مقام الرسول ﵊. وسهم ليتامى آل محمد ﷺ ، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم لا يشركهم في ذلك غيرهم ورووا ذلك عن زين العابدين. ومحمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنهم، وقيل: سهم الله تعالى لبيت المال، وقيل: هو مضموم لسهم الرسول ﷺ .
هذا ولم يبين سبحانه حال الأخماس الأربعة الباقية، وحيث بين جل شأنه حكم الخمس، ولم يبينها دل على أنها ملك الغانمين، وقسمتها عند أبي حنيفة للفارس سهمان وللراجل سهم واحد. لما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ فعل كذلك، والفارس في السفينة يستحق سهمين أيضا وإن لم يمكنه القتال عليها فيها للتأهب، والمتأهب للشئ كالمباشر كما في المحيط، ولا فرق بين الفرس المملوك والمستأجر والمستعار، وكذا المغصوب على تفصيل فيه، وذهب الشافعي ومالك إلى أن للفارس ثلاثة أسهم لما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ أسهم للفارس ذلك وهو قول الإمامين. وأجيب بأنه قد روي عن ابن عمر أيضا أن النبي ﷺ قسم للفارس سهمين، فإذا تعارضت روايتاه ترجح رواية غيره بسلامتها عن
стр. 2090
المعارضة فيعمل بها، وهذه الرواية رواية ابن عباس ﵄، وفي الهداية أنه ﵊ تعارض فعلاه في الفارس، فنرجع إلى قوله ﵊. وقد قال ﷺ : «للفارس سهمان وللراجل سهم». وتعقبه في العناية بأن طريقة استدلاله مخالفة لقواعد الأصول، فإن الأصل أن الدليلين إذا تعارضا، وتعذر التوفيق والترجيح يصار إلى ما بعده لا إلى ما قبله، وهو قال: فتعارض فعلاه فنرجع إلى قوله، والمسلك المعهود في مثله أن نستدل بقوله ونقول فعله لا يعارض قوله؛ لأن القول أقوى بالاتفاق، وذهب الإمام إلى أنه لا يسهم إلا لفرس واحد، وعند أبي يوسف يسهم لفرسين، وما يستدل به على ذلك محمول على التنفيل عند الإمام، كما أعطى ﵊ سلمة بن الأكوع سهمين وهو راجل ولا يسهم لثلاثة اتفاقا).
أقول: في عصرنا جدت ظروف جديدة تقتضي فتوى مكافئة ونرجو أن نتعرض لهذه الأمور بتفصيل أكثر في القسم الثاني من هذه السلسلة (الأساس في السنة وفقهها).
وقد آن أوان الانتقال إلى المقطع الثاني من القسم الثاني من السورة فلننتقل إليه.
المقطع الثاني من القسم الثاني
ويمتد من الآية (٤٥) إلى نهاية الآية (٧١) وهذا هو:
[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٥ الى ٧١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩)
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)
стр. 2091
كلمة في هذا المقطع
كما سبق المقطع الثاني من القسم الأول بمقطع تحدث عن غزوة بدر فكان بمثابة متكأ للمقطع الثاني وكما أن المقطع الثاني من القسم الأول كان فيه مجموعة نداءات لأهل الإيمان بصيغة «يا أيها» فإن هذا المقطع من القسم الثاني سبق بمقطع فيه حديث عن غزوة بدر ومقدمات أخرى سبقتها، وهو يتألف كذلك من مجموعة نداءات بصيغة «يا أيها» بنيت على المعاني التي تقدمتها في المقطع الأول وإذن فهناك تشابه من هذه الحيثية بين القسم الأول والقسم الثاني من السورة، كما أن هناك صلات بين مقدمة السورة وخاتمتها كما سنرى.
والمقطع كله في موضوع القتال، وآثاره ومستلزماته، والأحوال التي يمكن أن تمر على الأمة المسلمة فصلته بمحور السورة واضحة.
وفي المقطع أربعة نداءات نداء بصيغة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وثلاثة نداءات بصيغة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ* إنه مقطع يتوجه بالنداء إلى القيادة، وإلى الجند؛ ليعرف كل منهما واجبه في تحقيق فريضة القتال، فلنبدأ بعرض المعاني العامة للمقطع:
المعنى العام:
يبدأ المقطع بتعليم الله تعالى عباده المؤمنين آداب اللقاء عند مواجهة الأعداء، فيأمرهم بالثبات، ويأمرهم بذكر الله عند اللقاء، ويأمرهم بالطاعة، ويأمرهم بترك التنازع والاختلاف، ويحذرهم إن اختلفوا الفناء، ثم يأمرهم بالصبر والإخلاص، وأن يتحرروا من أن يكونوا كالكافرين في حربهم، إن في تصرفاتهم البطرة، أو في غاياتهم الخسيسة. إذ يقاتلون للصد عن سبيل الله، وبعد أن يأمر الله المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله، وكثرة ذكره، ناهيا لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم بطرا دفعا للحق ورئاء الناس، أي للمفاخرة والتكبر عليهم. يأمرنا الله أن نتذكر ما حدث للكافرين يوم بدر، بعد أن زين لهم الشيطان ما هم فيه. ونفخ في مناخرهم الغرور، موهما إياهم أنه معهم، ثم تخلى عنهم إذ قام سوق القتال في معركة ظن غير أهل الإيمان أن قتال المؤمنين فيها نوع من أنواع الغرور؛ إذ كيف يقاتل القليل
стр. 2092
الكثير، ناسين أن من توكل على الله كفاه. فكانت عاقبة الأمر أن الله أعان المؤمنين بملائكته، يعذبون الكافرين ويستلون أرواحهم ليعجلوا بهم إلى النار؛ بسبب كفرهم وظلمهم، وصدهم عن سبيل الله.
وفي التذكير بهذا الجانب من غزوة بدر، بعد الأمر بالثبات وغيره من أجل أن يبين الله للمؤمنين أنهم ما أقاموا أمر الله فإن سنته في الانتصار بهم من الكافرين قائمة، لأن سنته خذلان الكافرين وتعذيبهم، فإذا أقام المؤمنون أمر الله فإنهم أداة هذا العذاب.
وليؤكد الله هذه السنة، وليبين أنها سنته في كل العصور، ذكر بعد ذلك أن ما فعله بهؤلاء المشركين إنما هو كفعله في الأمم المكذبة قبلهم، فتلك سنته في المكذبين من آل فرعون ومن قبلهم من الأمم المكذبة بالرسل، الكافرين بآيات الله، أن يأخذهم الله بسبب ذنوبهم فيهلكهم، وهو الذي لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب، ثم يذكر الله بسنة أخرى من سننه، وهو أنه تعالى من تمام عدله وقسطه في حكمه إنه لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب. كصنعه بآل فرعون وأمثالهم حين كذبوا بآياته أهلكهم بسبب ذنوبهم، وسلبهم تلك النعم التي أسداها إليهم، من جنات، وعيون، وزروع، وكنوز، ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم الله في ذلك بل كانوا هم الظالمين. وبهذا استقر أن الكافرين ستصيبهم سنة الله بهم وهي العذاب، إما العذاب المباشر المستأصل من الله، وإما العذاب بأيدي المؤمنين، كما استقر أن على المؤمنين أن ينفذوا أمر الله، فيكونوا أهلا لأن ينتقم الله بهم من الكافرين. ثم إن السياق يفيدنا أن علينا ألا نكون كالكافرين في شئ لنستحق نصر الله. فالسياق بقدر ما فيه من رفع لمعنويات المؤمنين، فيه كذلك تحذير للمؤمنين أن يداخلهم شئ يستحقون به عذاب الله وزوال نعمه. فإذا ما استقرت آداب القتال في الأنفس، وحدث اطمئنان لوعود الله في شأن الكافرين في جو التحذير من مسببات الفشل. تأتي الآن مجموعة توجيهات مهمة في قضايا القتال. التوجيه الأول فيه إخبار أن شر ما دب على وجه الأرض الذين كفروا فهم لا يؤمنون، الذين من صفاتهم- والكافرون كلهم كذلك- أنهم كلما عاهدوا عهدا نقضوه، وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه، وهم لا يخافون الله في شئ ارتكبوه من الآثام، فهؤلاء اضربهم ضربة ساحقة، تكون عبرة لمن وراءهم، تلقي بها الرعب في قلب كل كافر، فيحذر أي واحد من الناس أن ينكث عهدك إن عاهد. نفهم من هذا التوجيه جواز عقد معاهدات تقتضيها مصلحة المسلمين مع
стр. 2093
المشركين، ولكن ينبغي أن تكون الضربة ساحقة إن حدث غدر، وهذا يقتضي أن يكون المسلمون دائما على حذر، وعلى استعداد، وإذ تقرر جواز العهد، وتقررت العقوبة على الغدر، فإن مسألة تطرح نفسها وهي: أنه قد يدخل المسلمون في معاهدة، ويكون الطرف الآخر يبيت عملية غدر، فماذا يفعل المسلمون ليقابلوا هذه الحالة؟ الجواب أنه متى أحس المسلمون بروح الخيانة والغدر، والنقض للمواثيق والعهود، فإن عليهم أن يعلموا خصمهم أن العهد لاغ؛ والاتفاقية منقوضة، وأنه لا عهد بينهم وبين الآخرين، وذلك حتى لا يرتكب المسلمون خيانة، لأن الله لا يحب الخيانة وأهلها، ولو كانت الخيانة في حق كافر، وإذن إذا حدث الغدر بعد العهد فالضربة القاصمة، وإذا خيف الغدر قبل وقوعه فالإعلام أنه لا عهد ولا عقد. ومن ثم نلاحظ أنه بعد نزول هذه الآيات عند ما غدرت قريش ببني خزاعة، ناقضة عهد الحديبية، باغتهم رسول الله ﷺ ، وفتح مكة، ولأن الضربة القاصمة تحتاج إلى جرأة، ولأن الإعلام بإلغاء المعاهدات قد يتسبب عنه ما يفوت على المسلمين فرصة المفاجأة. فقد أعلمنا الله في هذا المقام أن الكافرين مهما بلغوا من القوة فإنهم في قدرته وقبضته فلا يعجزونه، فلا يبالي المسلمون إذن إلا بتطبيق أمر الله.
ثم يأتي التوجيه الثاني في هذا المقام، وهذا التوجيه فيه أمر ببذل منتهى الجهد للإعداد المادي للقتال، والمتمثل بكل أدوات الرمي، وبكل آليات المعركة، من أجل إرهاب كل عدو لله عرفه المسلمون أو لم يعرفوه، وحض في هذا المقام على الإنفاق؛ لأن الإعداد لا يكون بلا مال، ووعد عليه الأجر. ولنفرض أنه بعد القتال مال الكافرون إلى السلام أي إلى المسالمة والمصالحة والمهادنة فما العمل؟ للمسألة صور وحالات وفي إحدى حالاتها يأمر الله رسوله ﷺ في هذه الحالة بالميل إليها والقبول منهم ذلك، ولنفرض أنهم يريدون بالصلح الخديعة، ليتقووا ويستعدوا، فليكن ذلك: صالح وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك، وكيف لا، وهو الذي فعل لرسوله ﷺ ببدر ما فعل، ونصره بالمؤمنين، وجمع بين قلوبهم على الإيمان وعلى الطاعة له ومناصرته ومؤازرته، بعد ما كان بينهم من العداوة والبغضاء، حتى لو أنفقت أموال الأرض كلها لإصلاح ذات بينهم لم تفد، ومع ذلك فإن الله جمع هذه القلوب، فهو العزيز الجناب الذي لا يخيب رجاء من توكل عليه، الحكيم في أفعاله وأحكامه، وباستكمال هذه المعاني تنتهي الفقرة الأولى في المقطع بعد أن أمر الله المؤمنين بها:
стр. 2094
١ - بالتخلق بمجموعة الأمور التي يستأهلون بها النصر في القتال.
٢ - ببذل منتهى الجهد للوصول لأقصى درجات الإعداد المادي.
٣ - بجواز المصالحة والمهادنة في بعض الحالات مع الضربة الساحقة إذا حدث غدر، وإلغاء المعاهدات إذا خيف الغدر.
وفي الفقرة تفصيلات كثيرة، ويحتاج فهمها إلى أشياء كثيرة، وتطبيقها على الواقع أمر مهم، ولعلنا نوفق إلى ذكر كل ما ينبغي في هذه الشئون، وبعد الفقرة التي بدأت بالنداء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تأتي فقرة مبدوءة بصيغة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ وفيها ثلاث نداءات بهذه الصيغة، وكأنها تحدثنا عن أدب القيادة في إقامة فريضة القتال.
تبدأ الفقرة بإخبار الله نبيه والمؤمنين أنه حسبهم أي: كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم وإن كثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم، ولو قل عدد المؤمنين. ثم يأمر الله رسوله ﷺ أن يحرض المؤمنين على القتال بأن يحثهم عليه، ويعدهم الله أن يغلب العشرة منهم على المائة، والمائة على الألف من الكافرين، إن صبروا؛ لأن الكافرين لا قلوب لهم، وإذ كان الوعد من الله فيه معنى التنجيز فقد فهم المسلمون من هذا الوعد الأمر بحرمة الفرار إذا كان الواحد يقابل عشرة، والعشرة تقابل مائة، ومن ثم فإن الله خفف الفرضية عنهم، فأجاز للواحد أن يفر من الثلاثة، وللعدد أن يفر إذا قابل أكثر من ضعفيه، وذكرهم بأن الله مع الصابرين.
فالبشارة والوعد بغلبة القليل للكثير قائمة، والفريضة على ما ذكرنا. ثم بين الله لرسوله ﷺ أن سنته أن لا يكون أسر حتى يتم الإثخان لأنبيائه في الأرض. وقد عرض الله هذه السنة في معرض العتب على المؤمنين يوم بدر، إذ قبلوا فداء الأسرى مع إعلامه بعفوه عن فعلهم، وإباحته لهم ما أخذوه من الفداء. وإذ أخذ الرسول ﷺ الفداء يوم بدر، فقد أمر الله رسوله ﷺ أن يقول للأسرى الذين دفعوا الفداء، بأن الله سيعوض عليهم- إن كان في قلوبهم خير- أكثر مما دفعوه فداء، ووعدهم كذلك بالمغفرة، ثم هددهم إن كان في قلوبهم نية سوء وإرادة خيانة بالتمكين منهم كما مكن من قبل. فالمقطع إذن فيه تهييج للمؤمنين على القتال في كل حال. وفيه مطالبة لهم بالتوكل، وبشارة لهم بالنصر، وإن قل العدد، وتحريض لهم على الإثخان في الأرض، دون النظر إلى المصالح المادية، وفي حالة الأسر وأخذ الفداء فقد علمنا الله ما نقوله للأسير في هذا المقام، وهذا يشعرنا أن علينا أن نبذل جهدا مع الأسرى لإدخالهم في الإسلام، أو لتخويفهم عن أن يقفوا موقفا ضدنا مرة
стр. 2095
ثانية، مع ملاحظة أن حكم الله في الأسير إذا وقع في الأسر مرة ثانية بعد إطلاق سراحه أن يقتل، ولو أننا قلنا إن هذه الفقرة فيها توجيه لقيادات المسلمين، ماذا عليها أن تفعل، وكيف ينبغي أن تكون، وكيف ينبغي أن تكون تطلعاتها وتصرفاتها لا نكون مبعدين.
المعنى الحرفي للفقرة الأولى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا أي إذا حاربتم جماعة فاثبتوا ولا تفروا واللقاء اسم غالب للقتال وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً في مواطن الحرب مستظهرين بذكره مستنصرين به، داعين له على عدوكم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لعلكم تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة، وفيه إشعار بأن على العبد ألا يفتر عن ذكر ربه، أشغل ما يكون قلبا، وأكثر ما يكون هما، وأن تكون نفسه مجتمعة لذلك، وإن كانت متوزعة عن غيره
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في كل شئ ومن ذلك أوامر الجهاد وأوامر المعركة وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ أي دولتكم وسلطانكم وَاصْبِرُوا أي في القتال مع العدو وغيره إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ أي يعينهم ويحفظهم
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ أي كمن جاء إلى بدر من المشركين في بطرهم وريائهم، نهى المسلمين أن يكون خروجهم للقتال كخروج هؤلاء بطرين مراءين بأعمالهم، وهذا يقتضي أن يكونوا في خروجهم من أهل التقوى والكآبة والحزن من خشية الله، مخلصين أعمالهم لله. والبطر: أن تشغل الإنسان كثرة النعم عن شكرها وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن دينه والمعنى: ولا تكونوا بخروجكم كهؤلاء البطرين المرائين الصادين عن سبيل الله وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ أي عالم بأعمالهم وهذا تهديد لهم ووعيد، وهكذا بدأ المقطع بتوجيه المؤمنين إلى الآداب الربانية في القتال، ليصل إلى الكلام عن أهل بدر من المشركين وخروجهم ونفسيتهم كنموذج للعقلية الكافرة والنفسية الفاجرة، التي طبيعتها البطر والفخر والكبر والصد عن سبيل الله. هذه النفسية نهانا الله أن نكون مثلها، وبعد أن صور لنا هذه النفسية يقص علينا ﷻ ما نعرف به هذه النفسية، وذلك من خلال عرضه صفحة من صفحات معركة بدر التي هي النموذج الخالد للصراع بين الكفر والإيمان وأهلهما:
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ أي واذكروا إذ زين لهم الشيطان أعمالهم التي عملوها في معاداة رسول الله ﷺ ، والخروج لحربه وما هم عليه من فسوق ومجون
стр. 2096
وضلال وكفر وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ أي لا غالب كائن لكم من الناس أبدا، وهذه طبيعة الشيطان الغرور وينمي عند أتباعه الغرور، وعلى المسلمين ألا يأبهوا لغرور أعداء الله وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ أي وإني مجير لكم فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ أي فلما تلاقى الفريقان نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ أي نكص الشيطان هاربا على عقبيه أي رجع القهقرى وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ أي رجعت عما ضمنت لكم من الأمان إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ أي الملائكة إِنِّي أَخافُ اللَّهَ أي أخشى عقوبته، وكذب عدو الله، ما به مخافة الله، ولكنه علم أنه لا قوة له ولا منعة، وتلك عادة عدو الله مع من أطاعه وانقاد له، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مسلم وتبرأ منهم وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن يريد أن يعاقبه
إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ في المدينة وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي المنافقون، أو الذين هم على حرف، ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ يعنون أن المسلمين غرر بهم دينهم، حتى تجرءوا على القتال، مع ما هم فيه من قلة وضعف، والجواب وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي يكل إليه أمره فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي غالب، ومن غلبته أنه يسلط القليل الضعيف على الكثير القوي حَكِيمٌ ومن حكمته أنه لا يسوي بين وليه وعدوه، ولذلك فإنه ينصر وليه
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ أي يقبضون أرواحهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ أى يضربون وجوههم إذا أقبلوا، وظهورهم وأستاههم إذا أدبروا وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي ويقولون لهم ذوقوا مقدمة عذاب النار، أو وذوقوا عذاب الآخرة بشارة لهم به، أو يقال لهم ذلك يوم القيامة والمعنى لو رأيت ذلك لرأيت أمرا فظيعا
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ أي بما كسبت وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي ذلك العذاب بسببين: بسبب كفركم ومعاصيكم، وبسبب أن الله عادل لأن تعذيب الكفار من العدل
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الدأب: العادة. والمعنى: دأب هؤلاء الكافرين مثل دأب آل فرعون والذين من قبلهم الذي دأبوا عليه أي داوموا عليه كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ والمعنى أن هؤلاء جروا على عادتهم في التكذيب فأجري عليهم مثل ما فعل بهم من التعذيب
ذلِكَ أي العذاب والانتقام بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ أي بسبب أن الله لم يصح في حكمته أن يغير نعمته عند قوم حتى يغيروا ما بهم من الحال. نعم لم يكن لآل فرعون وأمثالهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة. لكن كما تتغير الحال
стр. 2097
المرضية إلى المسخوطة تتغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها. ومشركو مكة كانوا قبل بعثة الرسول ﷺ إليهم كفرة عبدة أصنام، فلما بعث إليهم بالآيات فكذبوه وسعوا في إراقة دمه غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت، فغير الله ما أنعم به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما يقوله مكذبو الرسل عَلِيمٌ بما يفعلون
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ كرر ذلك للتأكيد وزاد هنا بيانا بتفصيل نوع العذاب وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ أي بماء البحر وَكُلٌّ أي من آل فرعون ومن قبلهم ومشركي مكة الذين عذبهم بيد المؤمنين يوم بدر كانُوا ظالِمِينَ أي أنفسهم بالكفر والمعاصي. وهكذا علمنا في هذا المقطع استحقاق الكافرين للعذاب الرباني، فإذا كان الأمر كذلك علمنا لماذا لا يجوز أن نكون مثلهم، وعلمنا لماذا أمرنا بقتالهم. فهذه الآيات في وسط المقطع هي تعليل لما قبلها وما بعدها. فما بعدها كلام عن الكافرين، وكون نقض العهد من صفاتهم وعقوبتهم على ذلك، وأن الكافرين لا يعجزون. وأمر بالإعداد المادي. وأمر بالتوكل على الله الذي يتولى أولياءه ويعذب أعداءه، وكل هذه المعاني مرتبطة بما مر.
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فلإصرارهم على الكفر لا يتوقع منهم الإيمان
الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أي في كل معاهدة وَهُمْ لا يَتَّقُونَ أي لا يخافون عاقبة الغدر، ولا يبالون بما في الغدر من العار والنار، جعل الذين كفروا شر الدواب، ثم خص منهم الناقضين للعهود. قال النسفي: وجعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار، وشر الكفار المصرون، وشر المصرين الناكثون للعهود. أليس هؤلاء يستحقون العذاب
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فإما تصادفنهم وتظفرن بهم فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ أي ففرق بقتلهم شر قتلة من وراءهم من الكفرة، حتى لا يجسر عليك بعدهم أحد؛ اعتبارا بهم واتعاظا بحالهم وبتعبير مختصر: افعل بهم ما تفرق به جمعهم وتطرد به من عداهم، وبتعبير أخصر:
اضربهم ضربة قاصمة تكون عبرة لغيرهم لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي لعل المشردين من ورائهم يتعظون. هذا هو الموقف الذى فرضه الله من الغادرين، وهو موقف لا يستطيعه المسلمون إلا إذا كانوا على أعظم أنواع الجاهزية للقتال بالعتاد والتخطيط والسلاح والتدريب، ومن ثم نلاحظ أنه في هذا السياق يأتي الأمر بالإعداد كما سنرى
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ أي معاهدين خِيانَةً أي نكثا بأمارات تلوح لك فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ أي فاطرح إليهم العهد عَلى سَواءٍ أي على استواء منك ومنهم في
стр. 2098
العلم بنقض العهد، أي حتى تكونوا أنتم وإياهم حاصلين على استواء في العلم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ أي الناقضين للعهود، وهذا الموقف كذلك يحتاج من المسلمين لأن يكونوا على أنواع الاستعداد للقتال، وأن يكون رصدهم لعدوهم قويا،
ثم ذكر الله المسلمين بشيئين: عجز الكافرين أمام قدرته، ووجوب الإعداد فقال وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا أي فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم، أو وصلوا إلى حال لا يغلبون معها إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ أي إنهم لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم، كيف والطالب الله ثم جنده، وهذه بشارة للمؤمنين وشحذ لهممهم فلا يبالون بالقوة الكافرة مهما بلغت، ثقة بنصر الله وتدبيره
وَأَعِدُّوا لَهُمْ أي للكافرين جميعا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أي مهما أمكنكم قال ابن كثير: أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، والقوة مدلولها واسع، وخص الرسول ﵊ بالذكر منها الرمي فقال: «ألا إن القوة الرمي» ويدخل في ذلك إعداد كل ما يرمى به من المدافع إلى القنبلة الذرية إلى غير ذلك وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ أي ومن جنس ما يركب للقتال كالخيل، فدخل في ذلك البارجة والطائرة والدبابة وغير ذلك تُرْهِبُونَ بِهِ أي بهذا الإعداد عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ أي الكافرين، وهذا عين ما يسمى حاليا الآن بمبدإ القوة من أجل السلام، ولكنه هنا سلام أهل الإسلام وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أي من غيرهم من المنافقين أو المعاهدين الذين يفكرون بنقض العهد أو غير ذلك لا تَعْلَمُونَهُمُ أي لا تعرفونهم بأعيانهم اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي يوفى لكم جزاؤه وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ أي في الجزاء بل تعطون على التمام. بدأ الآية في الأمر بالإعداد، وختمها بالأمر بالإنفاق؛ لأن الإعداد يحتاج إلى إنفاق
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ أي وإن مالوا للصلح فَاجْنَحْ لَها أي فمل إليها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم، فإن الله كافيك وعاصمك من مكرهم إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ للأقوال وغيرها الْعَلِيمُ بالأحوال كلها. بدأ بالموقف ممن ينقض الميثاق، ثم بالموقف ممن يخشى منه نقض الميثاق، وجعل المسلمين في الوضع المناسب لكل الاحتمالات. ثم أذن لهم بالمصالحة وعقد المعاهدات، متوكلين على الله بعد أخذ الأسباب كلها،
ثم قال مطمئنا وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ أي أن يمكروا ويغدروا فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ أي كافيك الله هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ أي قواك بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بعد التعادي الطويل بحيث لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي
стр. 2099
الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ أي بلغت عداوتهم مبلغا لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر عليه وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بفضله ورحمته،
وجمع بين كلمتهم بقدرته، فأحدث بينهم التواد والتحاب، وأماط عنهم التباغض والتماقت إِنَّهُ عَزِيزٌ أي يقهر من يخدعون المؤمنين حَكِيمٌ في إيصال المؤمنين إلى النصر، وإذ كان الأمر كذلك فاجنح إلى السلم مع ملاحظة كل ما مر.
وهكذا جاء المقطع ليضع المسلمين في أفضل وضع في قضايا الحرب والسلام، بما لا يجعل لكافر عليهم حجة في موضوع السلام، وبما لا يؤدي السلام إلى إضرار بوضع المسلمين العسكري، وهذه القضايا بمجموعها مهمة في عصرنا كثيرا، ففي عصرنا إذ يتشدق المتشدقون بالسلام، وفي عصرنا الذي يقدر معه الكثيرون على تضليل الشعوب بحجة السلام، وضعنا الإسلام على الطريق الأمثل في كل شئ، عند ما نكون في الوضع الأقوى أو الأضعف، عند ما نكون كما نحن في عصرنا، أو كما كنا في الماضي، أو كما يمكن أن نكون في المستقبل.
وهكذا ابتدأت الفقرة في تعليم آداب القتال الإسلامي، وانتهت بتعليم أحكام المعاهدات، وبين ذلك كلام يخدم البداية والنهاية، وكل ذلك تفصيل لمحور السورة من سورة البقرة، وقد استطردنا في ذكر المعنى الحرفي للفقرة دون ذكر فوائد كل آية على حدة؛ لتكتمل صورة الفقرة في الأذهان.
كلمة في آيات القتال:
ذكر من قبل كيف أن من أكبر ما يقع فيه الخطأ في عصرنا عدم وضع آيات القتال في مواضعها، بحيث تحمل آية على غير الحال التي تتحدث عنها، وفي ذلك من الخطر ما فيه، إما على تعطيل أحكام الجهاد، وإما على وضع المسلمين في وضع غير صحيح.
وفي عصرنا يفرط بعض حكام المسلمين، فيضعون المسلمين في المقام الأسوأ، ثم يحملونهم على قبول الأمر الواقع.
إنه لا بد للمسلمين من حكومة إسلامية، وعلى هذه الحكومة أن تقيم الإسلام، وعليها أن توجد القوة الإسلامية العسكرية، فإذا قام الإسلام، ووجد الإخلاص، ووجدت النفقة، ووجدت القوة، فعندئذ يأتي دور الموقف السياسي الحكيم الذي تحكمه القدرات والطاقات بموازين الإيمان. إن على القيادات الإسلامية أن تكون مدركة للطريق الذي تقيم به فريضة الجهاد في عصر ذي خصائص معينة، وهذا يقتضي منها
стр. 2100
فقها وعلما، كما يقتضي جرأة وشجاعة، كما يقتضي بعد نظر سياسي، كما يقتضي حكمة كبيرة.
نقول هذا بين يدي ال فوائد التي سننقلها حول آيات الفقرة التي مرت معنا:
فوائد:
١ - في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: «يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف». ثم قام النبي ﷺ وقال: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم». وروى عبد الرزاق ... عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا، واذكروا الله، فإن ضجوا وصاحوا فعليكم بالصمت». وروى الحافظ أبو القاسم الطبري ... عن زيد بن أرقم عن النبي ﷺ مرفوعا قال: «إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة». وفي الحديث الآخر المرفوع يقول الله تعالى: «إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه» أي لا يشغله ذلك الحال عن ذكري ودعائي واستعانتي.
يلاحظ فيما نقلناه في هذه الفائدة أن رسول الله ﷺ يأمر بالصمت عند الزحف، وهذه الوصية مهمة جدا، إذ الملاحظ أن كتب فن الحرب تشير إلى أن الصخب والهرج والضوضاء ليلة المعركة عند الجيش تدل على خوفه، وأنه لا يفعل ذلك إلا ليستر هذا الخوف، ويستشهدون على ذلك بحالات كثيرة، منها حالة جيش الفرس الذي كان يقوده دارا ضد الإسكندر المقدوني، فإنه كان في ليلة المعركة الفاصلة على غاية من الضوضاء، وحلت به الهزيمة في اليوم الثاني، فسبحان الله الذي علم رسوله ﷺ ، فهدانا إلى كل ما يلزمنا في أمر دنيانا وأخرانا. فلنتعلم الصمت، ولنبتعد عن الضجيج في شئوننا كلها.
٢ - البطر والرئاء الذي وصف الله به المشركين من أهل بدر هو ما عبر عنه أبو جهل عليه لعنة الله لما قيل له: إن العير قد نجت فارجعوا، فقال: لا، والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر، وننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، وتتحدث العرب
стр. 2101
بمكاننا فيها يومنا أبدا.
٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ... ذكر ابن كثير عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين، معه رايته في صورة رجل من بني مدلج، في سورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم، فلما اصطف الناس أخذ رسول الله ﷺ قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل ﵇ إلى إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع يده ثم ولى مدبرا وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة أتزعم أنك لنا جار، فقال:
إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله، والله شديد العقاب، وذلك حين رأى الملائكة.
وقد روى الإمام مالك عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله ﷺ قال: ما رؤي إبليس يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة، وذلك مما يرى من نزول الرحمة والعفو عن الذنوب، إلا ما رأى يوم بدر قالوا: يا رسول الله وما رأى يوم بدر قال: أما إنه رأى جبريل ﵇ يزع الملائكة).
٤ - وفي الذين قالوا: غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ .. قال ابن جريج: هم قوم كانوا من المنافقين بمكة، قالوه يوم بدر وقال عامر الشعبي: كان ناس من أهل مكة قد تكلموا بالإسلام فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: غر هؤلاء دينهم.
٥ - وبمناسبة قوله تعالى: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ نذكر الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى يقول: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما؛ فلا تظالموا، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه».
٦ - وبمناسبة قوله تعالى: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ نذكر ما رواه الإمام أحمد ..
عن سليم بن عامر قال: كان معاوية يسير في أرض الروم، وكان بينه وبينهم أمد، فأراد أن يدنو منهم، فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدرا، إن رسول الله ﷺ قال: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة، ولا يشدها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء» قال: فبلغ ذلك
стр. 2102
معاوية. فرجع فإذا بالشيخ عمرو بن عبسة ﵁. وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي. وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه. وقال الترمذي حسن صحيح. وروى الإمام أحمد أيضا ... عن سلمان الفارسي ﵁ أنه انتهى إلى حصن- أو مدينة- فقال لأصحابه: دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله ﷺ يدعوهم فقال: إنما كنت رجلا منكم فهداني الله للإسلام، فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون، وإن أبيتم نابذناكم على سواء إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها بإذن الله تعالى.
٧ - وبمناسبة قول الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ نقول: إن كثيرا من الناس يخطئون في فهم هذه الآية. فالآية شملت إعداد كل أنواع الرمي، وكل أنواع الآليات، لأن «من» في الآية لبيان الجنس. فمعنى الآية وأعدوا لهم ما استطعتم من جنس ما يرمى به، ومن جنس رباط الخيل، أي من جنس ما يركب للمعركة. فشمل هذا وهذا كل عتاد يتصور. والرمي في الإسلام له أهميته العظمى، لأن كل عتاد لا قيمة له إذا لم يكن إحسان في الرمي، ولذلك قال ﵊ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول- وهو على المنبر-: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي». وروى الإمام أحمد وأصحاب السنن عن رسول الله ﷺ : «ارموا واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا». وقد وردت آثار كثيرة في الندب على اقتناء الخيل. وقد تقلصت الحاجة إلى الخيل للقتال في عصرنا، وإن كانت لا تزال تستعمل نوع استعمال، ولكنه قليل، وعلى الأمة الإسلامية أن تبذل جهدا مضاعفا في صناعة السلاح، وأدوات القتال، وآلاته من المدفع إلى الصاروخ، ومن البارجة إلى الطائرة. وأن تتقن استعمال السلاح. وأن تتعمق في فهم فن الحرب؛ لتقف على أقدامها في عالم مدجج بأدوات الدمار. وعليها أن تفقه متى تقدم ومتى تحجم.
٨ - ذهب بعضهم إلى أن قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها منسوخ بآية القتال في سورة براءة قال ابن كثير: (وفيه نظر أيضا؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي ﷺ يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص).
стр. 2103
أقول هذه الآية تدور حول فهمها معارك كلامية كثيرة، قديما وحديثا، وقد أشار ابن كثير إلى ذلك، وقد لخص الألوسي الاتجاهات في شأنها فقال:
(والآية قيل مخصوصة بأهل الكتاب فإنها- كما قال مجاهد، والسدي- نزلت في بني قريظة، وهي متصلة بقصتهم؛ بناء على أنهم المعنيون بقوله تعالى: الَّذِينَ عاهَدْتَ الخ، والضمير في وَأَعِدُّوا لَهُمْ لهم، وقيل: هي عامة للكفار، لكنها منسوخة بآية السيف؛ لأن مشركي العرب ليس لهم إلا الإسلام أو السيف، بخلاف غيرهم فإنه تقبل منهم الجزية، وروى القول بالنسخ عن ابن عباس. ومجاهد. وقتادة.
وصحح أن الأمر فيمن تقبل منهم الجزية على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله من حرب أو سلم، وليس بحتم أن يقاتلوا أبدا أو يجابوا إلى الهدنة أبدا، وادعى بعضهم أنه لا يجوز للإمام أن يهادن أكثر من عشر سنين اقتداء برسول الله ﷺ ، فإنه صالح أهل مكة هذه المدة، ثم إنهم نقضوا قبل انقضائها كما مر فتذكر).
أقول: لقد رأينا أن ابن كثير يحمل الآية على ظاهرها، ولا يرى أنها تتعارض مع غيرها حتى تحتمل النسخ أو التخصيص، وهو يرى أنها على ظاهرها إذا كان العدو كثيفا، كما يحمل قوله تعالى في سورة القتال فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ على أن المراد بذلك القوة، فإذا كان المسلمون ضعفاء جاز لهم أن يدعوا إلى السلم، وإلا لم يجز لهم، وعلى هذا فإن ابن كثير يرى أن المسلمين إن كانوا ضعفاء جدا جاز لهم أن يدعوا إلى السلام، وإن كانوا في وضع لا يستطيعون فيه السيطرة على خصومهم، وإن كانوا يستطيعون قتاله جاز لهم أن يصالحوا وأن يعاهدوا، أما في حالة القدرة على الغلبة فإن العدو ليس أمامه إلا الإسلام أو الجزية أو القتال.
أقول: إن قضايا الحرب والسلام والمعاهدات تتحكم فيها معان متعددة وعلى أمير المؤمنين، وعلى الدولة المسلمة، أن تجري موازنات كثيرة على ضوء الكتاب والسنة قبل الإقدام على شئ من ذلك.
٩ - وفي قوله تعالى: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ يقول ابن مسعود بسند صحيح عنه: نزلت في المتحابين في الله، وبمناسبة هذه الآية نذكر ما يلي:
روى عبد الرزاق ... عن ابن عباس قال: إن الرحم لتقطع، وإن النعمة لتكفر، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شئ ثم قرأ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
стр. 2104
ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وروى أبو عمرو الأوزاعي .. أن عبدة بن أبي لبابة لقي مجاهدا فأخذ بيده، فقال مجاهد: إذا التقى المتحابان في الله، فأخذ أحدهما بيد صاحبه، وضحك إليه، تحاتت خطاياه، كما تحات ورق الشجر، قال عبدة: فقلت له: إن هذا ليسير. فقال: لا تقل ذلك فإن الله تعالى يقول: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني. وروى ابن جرير .. عن مجاهد قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غفر لهما، قال الوليد (أحد رجال سند الرواية):
قلت لمجاهد: بمصافحة يغفر لهما؟؟ قال مجاهد: أما سمعته يقول لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ فقال الوليد لمجاهد: أنت أعلم مني. وروى ابن عوف عن عمير بن إسحاق قال: كنا نتحدث أن أول ما يرفع من الناس الألفة. وروى الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني رحمه الله تعالى ..
عن سلمان الفارسي: أن رسول الله ﷺ قال: «إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما تحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحر».
فلتكن هذه المعاني على ذكر منا ولنحرص على الابتعاد عن كل ما يضعف أخوتنا ووحدة قلوبنا.
كلمة في السياق:
رأينا أن الفقرة بدأت بتعليم المسلمين ما ينبغي فعله إذا واجهوا، ومن ذلك ألا يكونوا كالكافرين في أخلاقهم إذا خرجوا للقتال، ثم ذكرت أخلاق الكافرين واستحقاقهم العذاب، وفي ذلك ما ينفر عن التشبه بهم، ويجرئ عليهم، ثم علمتنا كيف يكون موقفنا في العهد والصلح وغير ذلك، وأمرنا في سياق ذلك بالإعداد المادي في آية جامعة شملت كل أنواع الإعداد الذي يخطر ببال إنسان، وبهذا تكون هذه الفقرة قد شاركت في بناء صرح الجهاد في الإسلام، بتعليم بعض الأحكام المتعلقة به، وكل ذلك بما يحقق تفصيل محور هذه السورة من سورة البقرة. ولننتقل الآن إلى:
التفسير الحرفي للفقرة الثانية من المقطع الثاني من القسم الثاني:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي كفاك وكفى أتباعك من
стр. 2105
المؤمنين الله ناصرا، أو كفاك الله وكفاك أتباعك من المؤمنين، أي فقاتل بمن معك قلوا أو كثروا
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ أي أكثر من الحث على القتال، والتحريض في الأصل: المبالغة في الحث على الأمر إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا هذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله وتأييده بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ أي بسبب أن الكفار قوم جهلة، يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب، كالبهائم، فيقل ثباتهم، ويعدمون لجهلهم بالله نصرته، بخلاف من قاتل على بصيرة من الله فإنه يرجو النصر من الله على حسب وعده، ولما كان الوعد من الله لا يتخلف فإن على المؤمنين إذن أن يصبروا إذا قابلوا عشرة أضعافهم انتظارا لموعود الله، ومن ثم كانت البشارة السابقة فيها معنى الأمر بالثبات إذا قابل المسلمون عشرة أضعافهم،
وقد ثقل ذلك على المسلمين فأنزل الله يخفف عنهم فرضية الثبات في حالة المضاعفة المتعددة وأبقى البشارة والعدة الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً أي في أبدانكم فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وإذن فقد خفف الله الوجوب علينا، فلم يأذن بالفرار إذا قابل الواحد اثنين، وتكرير مقاومة الجماعة لأكثر منها بذكر عدد قليل وآخر كثير قبل التخفيف وبعده، للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة لا تتفاوت. فقد يظن ظان أن الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين، والمائة الألف، وكذلك بين مقاومة المائة المائتين والألف الألفين فذكر عدد قليل وعدد كثير وقد رأينا عند قوله تعالى: فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ..
تفصيلات مهمة في هذا الشأن
ما كانَ لِنَبِيٍّ أي ما صح له أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ الإثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه، من الثخانة: وهي الغلظ والكثافة، يعنى حتى يذل الكفر بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام بالاستيلاء والقهر، ثم الأسر بعد ذلك تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا أي متاعها بالرغبة في الفداء قبل الإثخان وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ أي يريد ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل وَاللَّهُ عَزِيزٌ يقهر أعداءه حَكِيمٌ في عتاب أوليائه، وفي الآية عتاب لرسول الله ﷺ والمؤمنين يوم بدر على أخذهم الفداء
لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أي لولا حكم من الله سبق أن لا يعذب أحدا على العمل بالاجتهاد في محله، وكان ما فعلوه اجتهادا منهم، لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سببا في إسلامهم، وأن
следующие страницы →