Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
بمكاننا فيها يومنا أبدا.
٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ... ذكر ابن كثير عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين، معه رايته في صورة رجل من بني مدلج، في سورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم، فلما اصطف الناس أخذ رسول الله ﷺ قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل ﵇ إلى إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع يده ثم ولى مدبرا وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة أتزعم أنك لنا جار، فقال:
إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله، والله شديد العقاب، وذلك حين رأى الملائكة.
وقد روى الإمام مالك عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله ﷺ قال: ما رؤي إبليس يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة، وذلك مما يرى من نزول الرحمة والعفو عن الذنوب، إلا ما رأى يوم بدر قالوا: يا رسول الله وما رأى يوم بدر قال: أما إنه رأى جبريل ﵇ يزع الملائكة).
٤ - وفي الذين قالوا: غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ .. قال ابن جريج: هم قوم كانوا من المنافقين بمكة، قالوه يوم بدر وقال عامر الشعبي: كان ناس من أهل مكة قد تكلموا بالإسلام فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: غر هؤلاء دينهم.
٥ - وبمناسبة قوله تعالى: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ نذكر الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى يقول: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما؛ فلا تظالموا، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه».
٦ - وبمناسبة قوله تعالى: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ نذكر ما رواه الإمام أحمد ..
عن سليم بن عامر قال: كان معاوية يسير في أرض الروم، وكان بينه وبينهم أمد، فأراد أن يدنو منهم، فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدرا، إن رسول الله ﷺ قال: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة، ولا يشدها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء» قال: فبلغ ذلك
стр. 2102
معاوية. فرجع فإذا بالشيخ عمرو بن عبسة ﵁. وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي. وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه. وقال الترمذي حسن صحيح. وروى الإمام أحمد أيضا ... عن سلمان الفارسي ﵁ أنه انتهى إلى حصن- أو مدينة- فقال لأصحابه: دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله ﷺ يدعوهم فقال: إنما كنت رجلا منكم فهداني الله للإسلام، فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون، وإن أبيتم نابذناكم على سواء إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها بإذن الله تعالى.
٧ - وبمناسبة قول الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ نقول: إن كثيرا من الناس يخطئون في فهم هذه الآية. فالآية شملت إعداد كل أنواع الرمي، وكل أنواع الآليات، لأن «من» في الآية لبيان الجنس. فمعنى الآية وأعدوا لهم ما استطعتم من جنس ما يرمى به، ومن جنس رباط الخيل، أي من جنس ما يركب للمعركة. فشمل هذا وهذا كل عتاد يتصور. والرمي في الإسلام له أهميته العظمى، لأن كل عتاد لا قيمة له إذا لم يكن إحسان في الرمي، ولذلك قال ﵊ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول- وهو على المنبر-: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي». وروى الإمام أحمد وأصحاب السنن عن رسول الله ﷺ : «ارموا واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا». وقد وردت آثار كثيرة في الندب على اقتناء الخيل. وقد تقلصت الحاجة إلى الخيل للقتال في عصرنا، وإن كانت لا تزال تستعمل نوع استعمال، ولكنه قليل، وعلى الأمة الإسلامية أن تبذل جهدا مضاعفا في صناعة السلاح، وأدوات القتال، وآلاته من المدفع إلى الصاروخ، ومن البارجة إلى الطائرة. وأن تتقن استعمال السلاح. وأن تتعمق في فهم فن الحرب؛ لتقف على أقدامها في عالم مدجج بأدوات الدمار. وعليها أن تفقه متى تقدم ومتى تحجم.
٨ - ذهب بعضهم إلى أن قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها منسوخ بآية القتال في سورة براءة قال ابن كثير: (وفيه نظر أيضا؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي ﷺ يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص).
стр. 2103
أقول هذه الآية تدور حول فهمها معارك كلامية كثيرة، قديما وحديثا، وقد أشار ابن كثير إلى ذلك، وقد لخص الألوسي الاتجاهات في شأنها فقال:
(والآية قيل مخصوصة بأهل الكتاب فإنها- كما قال مجاهد، والسدي- نزلت في بني قريظة، وهي متصلة بقصتهم؛ بناء على أنهم المعنيون بقوله تعالى: الَّذِينَ عاهَدْتَ الخ، والضمير في وَأَعِدُّوا لَهُمْ لهم، وقيل: هي عامة للكفار، لكنها منسوخة بآية السيف؛ لأن مشركي العرب ليس لهم إلا الإسلام أو السيف، بخلاف غيرهم فإنه تقبل منهم الجزية، وروى القول بالنسخ عن ابن عباس. ومجاهد. وقتادة.
وصحح أن الأمر فيمن تقبل منهم الجزية على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله من حرب أو سلم، وليس بحتم أن يقاتلوا أبدا أو يجابوا إلى الهدنة أبدا، وادعى بعضهم أنه لا يجوز للإمام أن يهادن أكثر من عشر سنين اقتداء برسول الله ﷺ ، فإنه صالح أهل مكة هذه المدة، ثم إنهم نقضوا قبل انقضائها كما مر فتذكر).
أقول: لقد رأينا أن ابن كثير يحمل الآية على ظاهرها، ولا يرى أنها تتعارض مع غيرها حتى تحتمل النسخ أو التخصيص، وهو يرى أنها على ظاهرها إذا كان العدو كثيفا، كما يحمل قوله تعالى في سورة القتال فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ على أن المراد بذلك القوة، فإذا كان المسلمون ضعفاء جاز لهم أن يدعوا إلى السلم، وإلا لم يجز لهم، وعلى هذا فإن ابن كثير يرى أن المسلمين إن كانوا ضعفاء جدا جاز لهم أن يدعوا إلى السلام، وإن كانوا في وضع لا يستطيعون فيه السيطرة على خصومهم، وإن كانوا يستطيعون قتاله جاز لهم أن يصالحوا وأن يعاهدوا، أما في حالة القدرة على الغلبة فإن العدو ليس أمامه إلا الإسلام أو الجزية أو القتال.
أقول: إن قضايا الحرب والسلام والمعاهدات تتحكم فيها معان متعددة وعلى أمير المؤمنين، وعلى الدولة المسلمة، أن تجري موازنات كثيرة على ضوء الكتاب والسنة قبل الإقدام على شئ من ذلك.
٩ - وفي قوله تعالى: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ يقول ابن مسعود بسند صحيح عنه: نزلت في المتحابين في الله، وبمناسبة هذه الآية نذكر ما يلي:
روى عبد الرزاق ... عن ابن عباس قال: إن الرحم لتقطع، وإن النعمة لتكفر، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شئ ثم قرأ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
стр. 2104
ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وروى أبو عمرو الأوزاعي .. أن عبدة بن أبي لبابة لقي مجاهدا فأخذ بيده، فقال مجاهد: إذا التقى المتحابان في الله، فأخذ أحدهما بيد صاحبه، وضحك إليه، تحاتت خطاياه، كما تحات ورق الشجر، قال عبدة: فقلت له: إن هذا ليسير. فقال: لا تقل ذلك فإن الله تعالى يقول: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني. وروى ابن جرير .. عن مجاهد قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غفر لهما، قال الوليد (أحد رجال سند الرواية):
قلت لمجاهد: بمصافحة يغفر لهما؟؟ قال مجاهد: أما سمعته يقول لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ فقال الوليد لمجاهد: أنت أعلم مني. وروى ابن عوف عن عمير بن إسحاق قال: كنا نتحدث أن أول ما يرفع من الناس الألفة. وروى الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني رحمه الله تعالى ..
عن سلمان الفارسي: أن رسول الله ﷺ قال: «إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما تحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحر».
فلتكن هذه المعاني على ذكر منا ولنحرص على الابتعاد عن كل ما يضعف أخوتنا ووحدة قلوبنا.
كلمة في السياق:
رأينا أن الفقرة بدأت بتعليم المسلمين ما ينبغي فعله إذا واجهوا، ومن ذلك ألا يكونوا كالكافرين في أخلاقهم إذا خرجوا للقتال، ثم ذكرت أخلاق الكافرين واستحقاقهم العذاب، وفي ذلك ما ينفر عن التشبه بهم، ويجرئ عليهم، ثم علمتنا كيف يكون موقفنا في العهد والصلح وغير ذلك، وأمرنا في سياق ذلك بالإعداد المادي في آية جامعة شملت كل أنواع الإعداد الذي يخطر ببال إنسان، وبهذا تكون هذه الفقرة قد شاركت في بناء صرح الجهاد في الإسلام، بتعليم بعض الأحكام المتعلقة به، وكل ذلك بما يحقق تفصيل محور هذه السورة من سورة البقرة. ولننتقل الآن إلى:
التفسير الحرفي للفقرة الثانية من المقطع الثاني من القسم الثاني:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي كفاك وكفى أتباعك من
стр. 2105
المؤمنين الله ناصرا، أو كفاك الله وكفاك أتباعك من المؤمنين، أي فقاتل بمن معك قلوا أو كثروا
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ أي أكثر من الحث على القتال، والتحريض في الأصل: المبالغة في الحث على الأمر إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا هذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله وتأييده بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ أي بسبب أن الكفار قوم جهلة، يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب، كالبهائم، فيقل ثباتهم، ويعدمون لجهلهم بالله نصرته، بخلاف من قاتل على بصيرة من الله فإنه يرجو النصر من الله على حسب وعده، ولما كان الوعد من الله لا يتخلف فإن على المؤمنين إذن أن يصبروا إذا قابلوا عشرة أضعافهم انتظارا لموعود الله، ومن ثم كانت البشارة السابقة فيها معنى الأمر بالثبات إذا قابل المسلمون عشرة أضعافهم،
وقد ثقل ذلك على المسلمين فأنزل الله يخفف عنهم فرضية الثبات في حالة المضاعفة المتعددة وأبقى البشارة والعدة الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً أي في أبدانكم فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وإذن فقد خفف الله الوجوب علينا، فلم يأذن بالفرار إذا قابل الواحد اثنين، وتكرير مقاومة الجماعة لأكثر منها بذكر عدد قليل وآخر كثير قبل التخفيف وبعده، للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة لا تتفاوت. فقد يظن ظان أن الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين، والمائة الألف، وكذلك بين مقاومة المائة المائتين والألف الألفين فذكر عدد قليل وعدد كثير وقد رأينا عند قوله تعالى: فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ..
تفصيلات مهمة في هذا الشأن
ما كانَ لِنَبِيٍّ أي ما صح له أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ الإثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه، من الثخانة: وهي الغلظ والكثافة، يعنى حتى يذل الكفر بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام بالاستيلاء والقهر، ثم الأسر بعد ذلك تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا أي متاعها بالرغبة في الفداء قبل الإثخان وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ أي يريد ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل وَاللَّهُ عَزِيزٌ يقهر أعداءه حَكِيمٌ في عتاب أوليائه، وفي الآية عتاب لرسول الله ﷺ والمؤمنين يوم بدر على أخذهم الفداء
لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أي لولا حكم من الله سبق أن لا يعذب أحدا على العمل بالاجتهاد في محله، وكان ما فعلوه اجتهادا منهم، لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سببا في إسلامهم، وأن
стр. 2106
فداءهم يتقوى به على الجهاد، وخفي عليهم أن قتلهم أعز للإسلام، وأهيب لمن وراءهم. ويمكن أن يكون المعنى: لولا كتاب ثابت من الله ألا يؤاخذ قبل البيان والإعذار لَمَسَّكُمْ أي لنالكم وأصابكم فِيما أَخَذْتُمْ أي من فداء الأسرى عَذابٌ عَظِيمٌ ولكن رحمة الله واسعة
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حتى لا يفهم من العتاب حرمة ما عوتبوا به ذكر لهم إباحة الأكل من الغنائم، والأسرى من الغنائم حَلالًا أي مطلقا عن العتاب والعقاب طَيِّباً أي لذيذا هنيئا، أو حلالا بالشرع، طيبا بالطبع وَاتَّقُوا اللَّهَ أي فلا تقدموا على شئ لم يعهد إليكم فيه إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما فعلتم من قبل رَحِيمٌ بإحلال ما غنمتم
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ أي في حوزتكم وفي ملكتكم مِنَ الْأَسْرى جمع أسير إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً أي خلوص إيمان وصحة نية يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ أي من الفداء إما أن يخلفكم في الدنيا أضعافه، أو يثيبكم في الآخرة، ومع هذا وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا يعاقب على الكفر وعمله، بعد الإسلام وعمله
وَإِنْ يُرِيدُوا أي الأسرى خِيانَتَكَ بالكيد لك أو بنقض ما قالوه عند إطلاق سراحهم فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ أي في كفرهم به، ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ أي فأمكنك منهم أي: أظفرك بهم، أي وسيمكن منهم إن عادوا إلى الخيانة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالمآل حَكِيمٌ فيم أمر في الحال.
وبهذا انتهى المقطع.
ملاحظة: نلاحظ أنه في مقدمة هذه السورة- أو في مقاطعها- صور لها علاقة بغزوة بدر، تخدم السياق الذي جاءت فيه، وذلك أن معركة بدر هي النموذج العملي لتنفيذ فريضة القتال، وما يحيط به، وما يستتبع ذلك.
كلمة في السياق:
رأينا في هذه الفقرة ثلاثة نداءات موجهة لرسول الله ﷺ :
١ - أمر بالاعتماد على الله وحده، وذلك يفيد أن قرار القتال لا ينبغي أن يتوقف إلا على ضرورته وفريضته.
٢ - أمر لرسول الله ﷺ بالتحريض على القتال، وهذا أدب القيادة في استبقاء الجاهزية القتالية كاملة بشكل دائم.
стр. 2107
٣ - أمر لرسول الله ﷺ في أن يقول للأسرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وهذا أدب القيادة في أن تجري مع الأسرى حوارا، خاصة عند إطلاق سراحهم.
فوائد:
١ - تنفيذا لقوله ﷻ : حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ فقد كان رسول الله ﷺ يحرض أصحابه على القتال عند صفهم ومواجهة العدو، كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في عددهم وعددهم: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض». فقال عمير بن الحمام: عرضها السموات والأرض؟ فقال رسول الله ﷺ «نعم». فقال: بخ بخ، فقال: «ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال:
رجاء أن أكون من أهلها. فقال: «فإنك من أهلها» فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ثم ألقى بقيتهن من يده وقال: لئن أنا حييت حتى آكلهن إنها لحياة طويلة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل ﵁.
٢ - وبمناسبة قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ... نذكر ما يلي:
ا- عن الإمام أحمد ... عن أنس رضي الله قال: استشار النبي ﷺ الناس في الأسارى يوم بدر فقال: «إن الله قد أمكنكم منهم» فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ ، ثم عاد رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس». فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ ، ثم عاد النبي ﷺ فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق ﵁ فقال: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء قال: فذهب عن وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغم فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، قال: وأنزل الله لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
ب- روى الأعمش .. عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ :
«ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله ائت في واد كثير الحطب
стр. 2108
فأضرم الوادي عليهم نارا ثم ألقهم فيه، قال: فسكت رسول الله ﷺ فلم يرد عليهم شيئا، ثم قام فدخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: «إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ﵇ قال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ﵇ قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وإن مثلك يا عمر كمثل موسى ﵇ قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ وإن مثلك يا عمر كمثل نوح ﵇ قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً أنتم عالة فلا ينفكن أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق». قال ابن مسعود: قلت: يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فإنه يذكر الإسلام، فسكت رسول الله ﷺ فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله ﷺ : «إلا سهيل بن بيضاء». فأنزل الله ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى إلى آخر الآية. رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم في مستدركه. وقال صحيح الإسناد. ومن الفائدة اللاحقة لهذه الفائدة ندرك أن حق الإثخان لكل من يقود هذه الأمة قائم، فليلاحظ من يعطيه الله قيادة للمسلمين كيف يفعل إذا بدأ الجهاد.
٣ - قال ابن كثير: وقد استمر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء أن الإمام مخير فيهم، إن شاء قتل كما فعل ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسرى بدر، أو بمن أسر من المسلمين كما فعل رسول الله ﷺ في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر. وهذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة من العلماء.
٤ - وفي سبب نزول قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى قال الزهري: بعثت قريش إلى رسول الله ﷺ في فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس: يا رسول الله ﷺ كنت مسلما. فقال رسول الله ﷺ : «الله أعلم بإسلامك فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك، وأما ظاهرك فقد
стр. 2109
كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث بن فهر». قال:
ما ذاك عندي يا رسول الله. فقال: «فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل؟ فقلت لها: إن أصبت في سفري هذا فهذا المال الذي دفنته لبني الفضل، وعبد الله وقثم» قال: والله يا رسول الله إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا لشئ ما علمه أحد غيري، وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي.
فقال رسول الله ﷺ : «لا ذاك شئ أعطانا الله تعالى منك» ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه فأنزل الله فيه يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدا، كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله .
وفي إنجاز وعده تعالى: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ نذكر الرواية التالية عن حميد بن هلال قال: بعث ابن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ من البحرين ثمانين ألفا. ما أتاه مال أكثر منه، لا قبل ولا بعد. قال: فنثرت على حصير ونودي بالصلاة. قال: وجاء رسول الله ﷺ فمثل قائما على المال، وجاء أهل المسجد، فما كان يومئذ عدد ولا وزن ما كان إلا فيضا، وجاء العباس بن عبد المطلب فحثا في خميصة عليه وذهب يقوم فلم يستطع، قال: فرفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: ارفع علي، قال: فتبسم رسول الله ﷺ حتى خرج ضاحكه أو نابه وقال له: «أعد من المال طائفة وقم بما تطيق» قال: ففعل، وجعل العباس يقول: وهو منطلق: أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزنا، وما ندري ما يصنع في الأخرى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى الآية ثم قال: هذا خير مما أخذ منا، وما أدري ما يصنع الله في الأخرى، فما زال رسول الله ﷺ ماثلا على ذلك المال حتى ما تبقي منه درهم، وما بعث إلى أهله بدرهم، ثم أتى الصلاة فصلى وفي مثل هذه الحادثة، وفي مثل هذه الآية يجد الإنسان نموذجا أو لونا من ألوان الإعجاز في القرآن.
كلمة في السياق:
رأينا أن محور سورة الأنفال هو آيات سورة البقرة:
стр. 2110
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وقد رأينا كيف أن سورة الأنفال كانت في مقاطعها كلها تفصيلا لقضايا القتال، وكيف أن كل مقطع من مقاطعها اعتمد مشهدا من مشاهد بدر، فكان هذا المشهد هو النموذج العملي لما يراد تقريره. وكانت السورة من الوضوح في تفصيل محورها، بحيث لم نضطر لأن نتكلم كثيرا عن ذلك، وحتى نهاية المقطع الذي مر معنا لم نجد ذكرا للهجرة، مع أننا قلنا إن سورة الأنفال هي تفصيل للآيات الثلاث في سورة البقرة فما السبب؟ السبب أن الآية الأخيرة في الثلاث الآيات يأتي تفصيلها في خاتمة سورة الأنفال .
إن هناك تلازما بين القتال والهجرة، وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس، والهجرة تقتضي من أهل دار الهجرة أن يؤووا وأن ينصروا. إن هذه المعاني وغيرها نراها في خاتمة سورة الأنفال:
ومقدمة سورة الأنفال قدمت وصفا لحقيقة الإيمان، وخاتمة سورة الأنفال ترينا نموذج ذلك.
*** خاتمة سورة الأنفال
وتمتد من الآية (٧٢) إلى نهاية الآية (٧٥) وهذه هي:
[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٢ الى ٧٥]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)
стр. 2111
المعنى العام:
قسم الناس في الآيات أربعة أقسام: قسم آمنوا وهاجروا. وقسم آمنوا ونصروا.
وقسم آمنوا ولم يهاجروا. وقسم كفروا ولم يؤمنوا. فبدأ بذكر المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاءوا لنصرة الله ورسوله ﷺ وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك. وثنى بذكر الأنصار: وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم، وواسوهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء قضى الله بأن بعضهم ولي بعض أي: كل منهم أحق بالآخر من كل أحد، حتى إن أحدهم ليرث الآخر، إلى أن نسخ ذلك بآيات المواريث، ثم ذكر الله الصنف الثالث من المؤمنين وهم: الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل أقاموا في بواديهم أو في أمكنتهم التي ليست دار إسلام. فهؤلاء قضى الله أنه ليس لنا من ولايتهم من شئ، ومن ثم فليس لهم في المغانم نصيب، ولا في الخمس إلا ما حضروا فيه القتال، وكان ذلك عند ما كانت الهجرة مفروضة إلى دار الإسلام. ثم بين الله أن هؤلاء
стр. 2112
الذين لم يهاجروا إذا استنصرونا على قوم من الكفار بيننا وبينهم مهادنة إلى مدة فعلينا ألا نخفر ذمتنا، وألا ننقض مواثيقنا مع الذين عاهدناهم. وإذ قرر الله الولاية المطلقة بين المهاجرين والأنصار- أي: بين رعايا دار الإسلام وقتذاك- والولاية الجزئية بيننا وبين المؤمنين من غير سكان دار الإسلام، فقد قطع الله الموالاة بين المؤمنين والكفار. وعلمنا أن الكافرين يوالي بعضهم بعضا في عدائنا، ثم قرر أنه إن لم نجانب المشركين، ونوالي المؤمنين، فإن فتنة ستكون، والفتنة هنا هي التباس الأمر، واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل. وبعد أن ذكر الله تعالى حكم الإيمان ومقتضاه، بين من هم أهله في الدنيا، فوصف المهاجرين والأنصار بأنهم المؤمنين حقا، وأخبر بما لهم في الآخرة، وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن الذنوب إن كانت، وبالرزق الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف، الدائم المستمر أبدا، الذي لا ينقطع ولا ينقضي، ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه. ثم ذكر تعالى أن الذين ساروا على أثرهم أنهم معهم في الآخرة، ثم ذكر الله قاعدة عامة: أن أولي الأرحام بعضهم أحق ببعض، ثم ذكر الله بعلمه بكل شئ. وبهذا المعنى تنتهي السورة.
المعنى الحرفي:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هؤلاء المهاجرون وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أي والذين آووهم إلى ديارهم، ونصروهم على أعدائهم وهم الأنصار، وبإجماع الأمة أن الهجرة أفضل من النصرة، والمهاجرون أفضل من الأنصار أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي ينصرون بعضهم بعضا، ويعينون بعضهم بعضا، وكانوا في الابتداء يتوارثون بالهجرة والنصرة، دون ذوي القرابات حتى نسخ ذلك بقوله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ فإذا تضمنت الآية الميراث كان المعنى- زيادة على ما مر- ويرث بعضهم بعضا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا إلى المدينة حين كانت الهجرة إليها مفروضة ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ فهم لا يستطيعون لكم نصرة، ولا إعانة لكونهم في دار الحرب. ثم هم لم يكونوا يرثون. فكان لا يرث المؤمن الذي لم يهاجر ممن آمن وهاجر، ثم ليس لهم في الغنيمة والفئ نصيب حَتَّى يُهاجِرُوا وعندئذ تكون لهم حقوق المسلم المقيم في دار الإسلام كاملة وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ أي: إن وقع بينهم وبين الكفار قتال، وطلبوا معونة، فواجب عليكم أن
стр. 2113
تنصروهم على الكافرين إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فإنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم، لأنهم لا يبتدءون بالقتال إذ الميثاق مانع من ذلك وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فاحذروا أن تتعدوا حدود ما شرع لكم
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي بعضهم ينصر بعضا، ويرث بعضهم بعضا. ومعناه نهي المسلمين عن موالاة الكفار، وإيجاب مباعدتهم ومفاصلتهم وإن كانوا أقارب إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ أي: إلا تفعلوا ما أمرتكم به، من تواصل المسلمين، وتولي بعضهم بعضا، واعتبار الكافرين أمة واحدة، تحصل فتنة في الأرض، ومفسدة عظيمة؛ لأن المسلمين ما لم يصيروا يدا واحدة على الكفر، ويعتبروا الكفر يدا واحدة عليهم، يكون الكفر ظاهرا والفساد زائدا
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لأنهم صدقوا إيمانهم، وحققوه بتحصيل مقتضياته، من هجرة الوطن، ومفارقة الأهل والسكن، والانسلاخ من المال والدنيا؛ لأجل الدين والعقيدة. وإذا تذكرنا بداية السورة، عند ما وصف الله المؤمنين بأنهم:
الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ... وكيف أنه وصف المتصفين بهذه الصفات بأنهم هم المؤمنون حقا، فإذا ذكر الله تعالى هنا الهاجرين والأنصار بأنهم هم المؤمنون حقا، نعرف أن الذين تحققوا بصفات الإيمان العليا هم المهاجرين والأنصار، وهم القدوة في ذلك لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ الرزق الكريم: هو الذي لا انقطاع فيه، ولا تنغيص، وقد يخطر ببال بعضهم أن هذه الآية تكرار للتي قبلها، ولا تكرار؛ لأن هذه الآية واردة للثناء عليهم، مع الوعد الكريم، والأولى للأمر بالتواصل، وتحقيق الولاء على أساس الإسلام
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ أي: اللاحقون بعد السابقين إلى الهجرة وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ جعلهم منهم تفضيلا وترغيبا وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ أي: وأولو القرابات أولى ببعضهم في الإرث، وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة فِي كِتابِ اللَّهِ أي في حكمه وقسمه، أو في اللوح، أو في القرآن، وقد فصلت آية المواريث، ونصوصها هذه الأولوية إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو الذي يقضي بين عباده بما شاء من أحكامه.
فوائد:
١ - المهاجرون والأنصار في المدينة المنورة هم الذين يمثلون سابقة المواطنين المسلمين في دار الإسلام، فلكل منهم حقوق المسلم كاملة، والمؤمنون الذين يعيشون في دار الحرب حيث تفترض عليهم الهجرة، هم الذين تمثلهم السابقة التي ذكرها الله في المؤمنين الذين
стр. 2114
لم يهاجروا، وقد حكم الله لمن عاش في دار الإسلام مهاجرا أو من أهلها الأصليين بأنهم هم المؤمنون الحقيقيون، سواء كانوا سابقين أو لاحقين، فهؤلاء عليهم فيما بينهم الولاء لبعضهم بعضا، والأقارب فيما بينهم لهم حقوق زائدة على حق الولاء ضمن هذا المجتمع، كحق الإرث. أما المؤمنون الذين يعيشون في دار الحرب، فهؤلاء ليس لهم حقوق المواطن المسلم في دار الإسلام كاملة، فمثلا: المسلمون عدول، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم ... ولكن ليس للمسلم المقيم في دار الحرب أن يجير، كما أن الاعتداء عليه لا يعتبر كالاعتداء على المسلم المقيم؛ لأن الاعتداء على المسلم في دار الإسلام يعتبر اعتداء على هذه الدار كلها، ومن ثم فعلى الدار كلها أن تحارب من أجله، كما يعتبر الاعتداء عليه غدرا ونقضا للمواثيق. أما الاعتداء على المسلم المقيم في دار الحرب، فلا يعتبر غدرا أو نقضا للمواثيق، إلا إذا كان منصوصا على ذلك، ومن ثم فإننا لا ندخل معركة من أجله، مع معاهدين بيننا وبينهم مواثيق. أما إذا لم تكن المسألة كذلك فعلينا نصره إن كان في طاقتنا ذلك. وتبقى قضية الميراث، فهل هناك توارث بين المسلمين في دار الحرب ودار الإسلام؟ الإجماع على أنه في أول الإسلام لم يكن توارث، أما بعد نزول آيات المواريث فالإجماع منعقد على أن المسلمين يرثون بعضهم حيث كانوا، وهناك مجموعة مواضيع تطرح نفسها من خلال المقطع:
(دار الحرب، ودار الإسلام)، (الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام)، (مسئولية دار الإسلام عن المسلمين في كل مكان) وإذا تعارضت هذه المسئولية مع عهود دار الإسلام فما الحكم؟ مبدئيا نستطيع أن نقول ما يلي:
نتيجة للتاريخ الطويل للمسلمين، والتعقيدات الكثيرة التي حدثت، والتعقيدات الكثيرة لأوضاع عالمنا المعاصر، وانتقال من الأوطان من حال إلى حال، وتتابع الأوضاع المختلفة على القطر الواحد، وفقدان الخلافة الإسلامية فقد أصبحت هناك مجموعة اصطلاحات، دار إسلام. دار حرب. دار عهد. ودار الإسلام منها دار ردة، ودار بغي، ودار فسوق، ودار بدعة، ودار عدل. ولكل منها حكمة. والذي نقوله إن دار العدل الآن: التي تحكم بالإسلام، ويقوم فيها نظام الإسلام، وتتبنى أمور الإسلام، وتبني علاقاتها الخارجية على أساس الإسلام. هذه الدار مفقودة تقريبا، وعلى المسلمين أن يقيموها، فإذا قامت هل تجب الهجرة إليها من بقية دار الإسلام، كدار البدعة، أو الردة، أو الفسوق ... ؟ الحنفية يرون وجوب ذلك. وبعض الفقهاء يفصلون وهل الهجرة إليها من دار الحرب أو العهد واجبة؟ الحنفية يرون ذلك، وبعض
стр. 2115
الفقهاء يفصل. فنحن نعلم أنه في كثير من بلدان العالم تعطى حرية العبادة لكل من يقيم فيها. وهناك بلاد تلاحق الإنسان في عقيدته، وتفتنه عنها، فحيثما كانت الفتنة محققة للإنسان أو لأهله وذريته فقد وجبت الهجرة بالإجماع، وحيثما تكون الحرية متوفرة، فالشافعية يندبون إلى الإقامة.
وعلى كل حال فحيثما وجد مسلمون مؤمنون فعليهم أن يوالي بعضهم بعضا، وأن يكونوا يدا واحدة على من سواهم بالحق والعدل.
ولإقامة دار العدل لا بد أن تقام دولة الإسلام في هذا العالم، أي دولة الخلافة الراشدة فتقيم الإسلام حق القيام، ومن أجل ذلك فعلى المسلمين بقلوب فتية أن يعملوا من أجل إقامة هذه الدولة، وأن يهاجروا إليها إذا اقتضت مصلحة الإسلام والمسلمين ذلك أو كان الحكم الشرعي ذلك.
٢ - ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار، كل اثنين أخوان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثا مقدما على القرابة، حتى نسخ الله ذلك بآيات المواريث. فهذا النوع من الولاء بين المؤمنين منسوخ، أما الولاء العام من نصرة وتعاون فذلك الذي بقي. روى أبو يعلى عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهاجرون، والأنصار، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة» ومن على قدمهم فهو معهم ومنهم إلى يوم القيامة.
٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا يروي ابن كثير ما رواه الإمام أحمد عن بريدة بن الخصيب الأسلمي ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرا. وقال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال- أو خلال- فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفئ والغنيمة
стр. 2116
نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم» وأخرجه مسلم.
٤ - وبمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ نذكر أن كل أنواع الولاء بين المؤمنين والكافرين منتفية حتى الولاء المؤدي إلى الإرث. ولذلك لا إرث بين المسلم والكافر، فضلا عن غير ذلك من أنواع الولاء، وانظر هذه الأحاديث: روى الحاكم في مستدركه ... عن أسامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرا، ولا كافر مسلما، ثم قرأ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد. وروى ابن جرير ... عن الزهري حديثا مرسلا.
روي متصلا من وجه آخر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أنا برئ من كل مسلم بين ظهراني المشركين» ثم قال: «لا يتراءى ناراهما». وروى أبو داود .. عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله». أقول:
وهذه المسألة فيها تفصيل.
٥ - وبمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ نذكر بالحديث المتفق عليه بل المتواتر من طرق صحيحة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المرء مع من أحب» وفي الحديث الآخر: «من أحب قوما فهو منهم» وفي رواية «حشر معهم».
٦ - لكلمة ذوي الأرحام معنيان. المعنى العام وهو القرابات، ومعنى أخص عند علماء الفرائض- أي المواريث- ويطلقونها على الذين لا فرض لهم، ولا هم عصبة، بل يدلون بوارث، كالخال، والخالة، وأولاد البنات، وأولاد الأخوات، ونحوهم.
وقد فسر الحنفية قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ بأن جعلوها شاملة للمعنى العام، والمعنى الأخص، وأبقاها كثير من المفسرين كابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وغير واحد على أنها في القرابات عامة، وأنها نسخت الإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولا، وبناء على هذا الاختلاف، فإن ترتيب الأحقية في التركة يختلف نتيجة لذلك فعند الحنفية: يرث أصحاب الفروض، ثم العصبات، ثم ذوو الأرحام- بالمعنى الأخص الذي ذكرناه- ثم مولى الموالاة، ثم المقر له بنسب على الغير، ثم تنفيذ الوصايا فيما زاد على الثلث، ثم
стр. 2117
بيت المال.
وعند الشافعية أصحاب الفروض، ثم العصبات، ثم بيت المال.
كلمة في سورة الأنفال:
رأينا أن سورة الأنفال هي تفصيل للثلاث الآيات من سورة البقرة، من الآية التي فرض فيها القتال، إلى آخر الآيتين بعدها، وقد فصلت هذه السورة، أن القتال فيه الخير للمسلمين، كما فصلت في القضايا الرئيسية اللازمة للقتال، من طاعة، وانضباط، وثبات، وكتمان، وتقوى، وفي آداب اللقاء، والصلح وما يلزم لكل من إعداد كامل، كما فصلت في واجبات القيادة الإسلامية، كما فصلت في أحكام الدار وأهلها التي تتحمل مسئولية إقامة الإسلام ونصرة المسلمين، وهي دار الإسلام بمواطنيها المهاجرين والسكان الأصليين، وهي مواضيع لها صلة بفرضية القتال، وقد فصلت السورة في ما سوى ذلك، مما مر معنا، وكنا ذكرنا من قبل: أن سورة براءة إنما هي امتداد لسورة الأنفال، وهي تشارك في تفصيل الآيات المذكورة في سورة البقرة، وإذا كانت سورة الأنفال هي تفصيل لما رأيناه من قضايا نظرية وعملية في القتال، فإن سورة براءة هي تفصيل للمواقف اللازمة وأمر بها، وتحليل لما يكتنف تنفيذ هذه الأوامر وغير ذلك، وكما قلنا من قبل إن سورة الأنفال وضعت الأسس اللازمة للقتال، وتأتي بعد ذلك سورة (براءة) وهي بمثابة منشور القتال فلننتقل إلى سورة التوبة.
***
стр. 2118
سورة التوبة
وهي السورة التاسعة بحسب الرسم القرآني وهي مع سورة الأنفال تعتبران السورة السابعة من قسم الطوال وآياتها مائة وتسع وعشرون وهي مدنية (وسورة التوبة خاتمة قسم الطوال)
стр. 2119
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 2120
كلمة في سورة التوبة:
قال النسفي عن هذه السورة: (لها أسماء: براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة، المشردة، المخزية، الفاضحة، المثيرة، الحافرة، المنكلة، المدمدمة، لأن فيها التوبة على المؤمنين، وهي تقشقش من النفاق أي: تبرئ منه، وتبعثر عن أسرار المنافقين، وتبحث عنها، وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم، وتنكلهم، وتشردهم، وتخزيهم وتدمدم عليهم، وفي ترك التسمية في ابتدائها أقوال: فعن علي، وابن عباس ﵃، أن بسم الله أمان، وبراءة نزلت لرفع الأمان. وعن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه سورة أو آية قال اجعلوها في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا. وتوفي رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أين نضعها، وكانت قصتها تشبه قصة الأنفال، لأن فيها ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فلذلك قرنت بينهما، وكانتا تدعيان القرينتين، وتعدان السابعة من الطول وهي سبع. وقيل اختلف أصحاب رسول الله ﷺ فقال بعضهم: الأنفال وبراءة سورة واحدة نزلت في القتال. وقال بعضهم: هما سورتان وتركت بسم الله لقول من قال هما سورة واحدة).
وقال ابن كثير في مقدمة الكلام عنها:
(هذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول الله ﷺ كما روى البخاري ...
عن البراء يقول: آخر آية نزلت يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ وآخر سورة نزلت براءة، وإنما لم يبسمل في أولها لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في
المصحف الإمام، بل اقتدوا في ذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ كما روى الترمذي .. عن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة، وهي من المئين، وقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطربسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموهما في السبع الطول، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان (أي الطويل) وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشئ دعا بعض من كان يكتب فيقول:
ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وخشيت أنها منها، وقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطربسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها في السبع الطول.
стр. 2121
وكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد. وأول هذه السورة الكريمة نزل على رسول الله ﷺ لما رجع من تبوك وهم بالحج. ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك، وأنهم يطوفون بالبيت عراة، فكره مخالطتهم، وبعث أبا بكر الصديق ﵁ أميرا على الحج تلك السنة، ليقيم للناس مناسكهم، ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا، وأن ينادي في الناس بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فلما قفل أتبعه بعلي ابن أبي طالب ليكون مبلغا عن رسول الله ﷺ لكونه عصبة له كما سيأتي بيانه).
من كلام النسفي وابن كثير نرى: أن براءة من السبع الطول، ولا تكون من السبع الطول إلا إذا كانت هي والأنفال بمنزلة سورة واحدة، لأن الأنفال وحدها ليست من الطول، ففيما بعدها من سوى سورة التوبة ما هو أطول منها، وإذن فالأنفال وبراءة بمنزلة سورة واحدة، يشهد لذلك إجماع الصحابة على حذف البسملة بينهما في الكتابة في المصحف الإمام.
وكلا السورتين تفصيل لما ذكرناه من آيات البقرة الثلاث اللواتي ذكرناهن كثيرا، وباستكمال فهم سورة براءة مع سورة الأنفال نكون قد فهمنا تفصيل ما له علاقة بآيات القتال الثلاث في سورة البقرة.
فمن أراد أن يحقق فرضية القتال علما وعملا فعليه أن يفهم سورتي الأنفال والتوبة، وعليه أن يلتزم بما فيهما، ويعمل بما فيهما، ويتحقق بما فيهما، ويسعى مع المسلمين لتنفيذ ما أمر الله به فيهما.
تتألف السورة من ثلاثة أقسام.
القسم الأول منها: ويمتد من الآية الأولى حتى نهاية الآية (٣٧).
القسم الثاني منها: ويمتد من الآية (٣٨) حتى نهاية الآية (١٢٢).
القسم الثالث: ويمتد حتى نهاية السورة أي نهاية الآية (١٢٩).
وسنعرض القسم الأول بمقاطعه كلها دفعة واحدة، وهو القسم الذي فيه الأمر بالبراءة من المشركين، وتحريم إعطاء الولاء للكافرين، والأمر بقتال المشركين جميعا، والأمر بقتال أهل الكتاب، إنه القسم الذي يذكر المقدمات الكبرى التي ترتكز عليها انطلاقة الجهاد، ولذلك فهو يأتي بين يدي القسم الذي يطالب بالنفير العام، الذي يأتي بين يدي الأمر بقتال الأقرب فالأقرب.
стр. 2122
القسم الأول
ويمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٣٧) وهذا هو:
[سورة التوبة (٩): الآيات ١ الى ٣٧]
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
(١٣) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦) ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤) لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)
стр. 2123
بين يدي هذا القسم:
يأتي هذا القسم بين يدي القسم الثاني الذي يطالب بالنفير العام للقتال في سبيل الله، ولذلك فهو يقدم المبررات لهذا النفير. كما يضع المرتكزات التي على أساسها يكون الانطلاق، فأهل الكتاب انحرفوا وعلماؤهم فسدوا، والمشركون نجس وهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، والولاء منعدم بين المسلم والكافر، إلى غير ذلك.
المعنى العام:
تبدأ السورة بإعلان براءة الله ورسوله من كل من له عهد مطلق من المشركين، (والمراد بهم مشركو جزيرة العرب) وكل من له عهد دون أربعة أشهر، فهؤلاء وهؤلاء يعطون فرصة أربعة أشهر من تاريخ الإعلان، ثم لا عهد بعد ذلك، وأما من له عهد مؤقت فعهده إلى تأقيته، ما لم يغدر، أو يحس منه الغدر، ومع هذا الإعلان تهديد لهم بانتقام الله منهم، وتهديد لهم بأن الله سيذلهم.
ثم تثني السورة بالأمر بالإعلان في أعظم موسم من مواسم العالم- موسم الحج- وفي أعظم يوم من أيامه- يوم النحر- عن براءة الله ورسوله من كل مشرك، ثم يندب الله المشركين إلى التوبة والإيمان، ويعدهم على ذلك خيري الدنيا والآخرة، ويهددهم إن أصروا على شركهم وكفرهم.
وبهذا استقرت براءة الله ورسوله من المشركين، وبراءة من عهودهم المطلقة، وأعطوا لذلك مهلة أربعة أشهر، أما من له عهد مؤقت فقد ذكر الله بعد ذلك أنه
стр. 2124
مستثنى من هذا الإطلاق، وأن له أجله إلى مدته المضروبة له، وذلك بشرط أن لا ينقض المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين أحدا، أي بشرط ألا يمالئ عليهم من سواهم، فهذا الذي يوفى له بذمته وعهده إلى مدته، وقد حرض الله تعالى في هذا المقام على الوفاء لهؤلاء بعهودهم.
ثم بين تعالى أنه إذا انقضت هذه الأشهر الأربعة التي أعطاها فرصة للمشركين فحيثما وجد المشركون، فعلينا أن نقتلهم، ثم أمرنا أن نقصدهم بالحصار في معاقلهم، وحصونهم، وأن نترصدهم في طرقهم ومسالكهم؛ حتى نضيق عليهم الواسع، ونضطرهم إلى القتل أو الإسلام، بإعلان التوبة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم بين تعالى: أنه لو أن أحدا من هؤلاء المشركين الذين أمرنا بقتلهم، وأحل لنا استباحة نفوسهم وأموالهم، طلب الأمان، فإن علينا أن نجيبه إلى طلبته حتى يسمع القرآن، ويعلم الإسلام؛ لتقوم عليه حجة الله، ثم بعد ذلك نبلغه مأمنه، وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه، وإنما شرع الله أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله،
وتنتشر دعوة الله في عباده.
ثم بين تعالى حكمته في البراءة من المشركين، ونظرته إياهم أربعة أشهر، ثم بعد ذلك القتل أين ما وجدوا، بأنه لا يصح أن يكون لهؤلاء أمان، فيتركوا فيما هم فيه وهم مشركون بالله، كافرون به وبرسوله، واستثنى الله من هؤلاء المشركين الذين عاهدونا وعاقدونا عند المسجد الحرام، فهؤلاء مهما تمسكوا بما عاقدونا عليه وعاهدونا فإن علينا أن نفي لهم.
ثم بين الله حكمة أخرى من حكم فريضة قتل المشركين وقتالهم، بعد أن ذكر أنهم لا يستحقون الأمن والأمان؛ لشركهم وكفرهم برسول الله ﷺ ، هذه الحكمة هي أن هؤلاء المشركين لو أنهم ظهروا على المسلمين، وأديلوا عليهم، لم يبقوا ولم يذروا، ولا راقبوا فيهم قرابة ولا عهدا، بل منتهى ما يقدمونه الكلمة المنافقة، بينما قلوبهم ممتلئة حقدا، وأعمالهم شريرة.
ثم حث الله المسلمين على قتل المشركين بسبب أنهم اعتاضوا عن اتباع آيات الله بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة، ومنعوا المؤمنين من اتباع الحق بإيذائهم لهم، أمر الله بقتل هؤلاء لإرهاب غيرهم، لقد اجتمع لهم من العمل السيئ ما يوجب قتلهم وقتالهم، فكيف نتردد في قتالهم؟؟ ثم أكد الله استحقاقهم للقتل والقتال بسبب أنهم لا يخافون
стр. 2125
الله؛ فلا يبالون أن يؤذوا المؤمنين، غير ملتفتين إلى عهد أو قرابة، أفيتردد المؤمن في قتلهم وقتالهم وهم على هذه الصفة من الاعتداء؟؟ إن هؤلاء ليس أمامهم إلا طريقان:
إما التوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، أو القتل، فإن أئمة الكفر لا ينتهون عن ما هم فيه إلا بقتل وقتال، ثم هيج الله المؤمنين، وحضهم، وأغراهم على قتال المشركين بتذكيرهم بما فعلوه برسول الله ﷺ ، وبما بدءوا المؤمنين فيه من إيذاء وقتال، أفهؤلاء في حقارتهم وحقدهم وكفرهم يستأهلون أن يخشى منهم؟ والمؤمن لا يخشى إلا الله، ثم أمر الله بقتالهم أمرا جازما، ووعد المؤمنين إن قاتلوهم أن يعذبهم بأيديهم، وأن يذلهم وأن ينصر المؤمنين عليهم، فتشفى بذلك صدورهم، ويذهب غيظها، وعلينا أن نعلم أن الله لم يشرع شيئا إلا على مقتضى العلم والحكمة.
وبهذا استقر القسم على ضرورة القتال للمشركين، وضرورة قتلهم، مع بيان حكمة ذلك وحكمه.
والكلام كله في مشركي العرب، فهؤلاء لا بد من قتلهم واستئصالهم، إنه ليس أمامهم إلا السيف أو الإسلام، ومن كان له عهد مؤقت يوفى له بمدته، ثم يكون حكمه كالآخرين، وقد وعد الله عباده أن ينصرهم، وقد فعل المسلمون ما أمروا به، وقد وفى الله لهم بوعده وعهده، فأذل الشرك وأهله، ونصر الإيمان وحزبه، ولا يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أوله. وكثيرون من الناس يتصورون أن الله لا يكلف إلا بما هو مريح لعباده، وكثيرون من الناس ليس عندهم عزم على الجهاد، ولذلك أنكر الله في هذا السياق على من يتصور أن الله يتركنا مهملين، فلا يختبرنا بأمر يظهر فيه أهل العزم الصادق من الكاذب، وأهل الإيمان الصادق من الكاذب، بالجهاد وترك اتخاذ بطانة دخيلة من غير المؤمنين، فالحاصل أنه تعالى لما شرع الجهاد والقتال، وأمر بقتل المشركين، بين أن له في ذلك حكمة: وهي اختبار عبيده، من يطيعه ممن يعصيه، وهو تعالى العالم بما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
وبعد بيان حكم الله في المشركين وأنه القتل، وبعد الإنكار على من يتصور عدم تكليف الله عباده بالجهاد، وإخلاص الولاء لله والرسول والمؤمنين في الظاهر والباطن، بين تعالى أن هؤلاء المشركين ما كان لهم أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، وهم على حالهم من الشرك لم يتوبوا منه، فهؤلاء أعمالهم غير مقبولة، والنار لهم قرار دائم، ثم بين صفات المستحقين أن يعمروا مساجد الله بالعبادة
стр. 2126
والذكر، وهم الذين اجتمعت لهم معاني الإيمان، والصلاة، والزكاة، ولم يخشوا إلا الله، فهؤلاء هم المهتدون الجديرون بمساجد الله، وليحطم الله كل مظهر من مظاهر الشرك، وليحطم دعاوى المشركين في زعمهم أنهم على خير بسبب بعض صور الخير التي يفعلونها، وحتى لا يتوهم المسلمون ويخدعون ببعض صور الأعمال، بين تعالى أنه لا يستوي أهل الإيمان والجهاد بأهل سقاية الحج، وسكن المسجد الحرام، مع الشرك، ثم بين أن المؤمنين المجاهدين هم الفائزون وهم المبشرون بالجنة والرضوان.
وبهذه المعاني ينتهي المقطع الأول من هذا القسم وقد استقر فيه وجوب البراءة من المشركين، ووجوب قتلهم وقتالهم أينما كانوا وحيثما كانوا، وكيف ظهروا ومهما كانت أعمالهم.
ثم يأتي المقطع الثاني في هذا القسم وفيه يأمر الله تعالى بمباينة الكفار، وإن كانوا آباء أو أبناء، كما نهى عن موالاتهم ما داموا قد اختاروا الكفر على الإيمان. ثم توعد ﷻ من آثر أهله وقرابته وعشيرته، أو آثر الأزواج والأولاد والأموال والتجارة والمسكن على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله أن ينتظر ما يحل به من العقاب والنكال.
فلا ولاء إلا لله ولرسوله وللمؤمنين. ولا شئ مقدم على حب الله والرسول وحب الجهاد.
وفي هذا السياق يحذر ﷻ من العجب والاغترار بالكثرة من خلال ما حدث يوم حنين، كما يأمر بالتوكل من خلال هذه القصة.
وهكذا يتقرر في هذا المقطع مجموعة أمور كلها مهم في موضوع القتال.
ثم يأتي المقطع الثالث: فيقرر أن المشركين نجس، وأن على المؤمنين أن ينفوا المشركين عن المسجد الحرام، وأن يمنعوهم من قربانه، وحتى لا يخشى المسلمون من
انقطاع مورد من موارد الرزق عنهم بسبب منع المشركين من الحج إلى المسجد الحرام، فقد وعدهم الله أن يغنيهم من فضله، وبهذا تكون قد اتضحت أحكام الشرك والمشركين في وجوب قتالهم ومنعهم من الحج، ليأتي الأمر بقتال أهل الكتاب الذين لهم أحكام خاصة، فالمشركون العرب ليس أمامهم إلا الإسلام أو الاستئصال، فأما أهل الكتاب فالأمر في حقهم أوسع، فإما القتل، وإما الإسلام، وإما الجزية، وقد ذكر الله
стр. 2127
في هذا السياق مجموعة الأمور التي يستحقون بها القتل والجزية، من كفرهم ونسبتهم إلى الله ما لا يليق به، وحرص على إطفاء نور الله، وفساد عند علمائهم.
ثم هدد الله الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، والصلة ما بين القتال والإنفاق واضحة.
ثم قرر الله موضوع السنة القمرية، والأشهر الحرم فيها، وتلاعب المشركين في الأشهر الحرم، مما يدل على أنهم كاذبون في احترامها في الوقت الذي يثيرون فيه النكير على المسلمين يوم قتلوا في الأشهر الحرم. فإذا ما تذكرنا أن سورتي الأنفال وبراءة تفصلان الآيات الثلاث من سورة البقرة كما رأينا، عرفنا الصلة بين ذكر الأشهر الحرم هنا والأشهر الحرم هناك.
وينتهي القسم الأول عند هذا الحد بعد أن بين الله فيه وجوب قتال المشركين وأهل الكتاب، وأمر بكل ما يلزم لتحقيق هذا المعنى.
كلمة في السياق:
بدأ هذا القسم بالكلام عن قتال المشركين، وانتهى بالكلام عن قتال المشركين، وفي الوسط تكلم عن قتال أهل الكتاب، وذكر في سياق ذلك مبررات قتال المشركين وأهل الكتاب، وحرر في هذا السياق المسلم من كل ما يحول بينه وبين القتال، وصلة ذلك كله بمحور سورة براءة من سورة البقرة واضحة: ففي المحور قال ﷻ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ* وهاهنا تفصيل في موضوع القتال: من نقاتل؟ ولماذا نقاتل؟
وفي المحور ورد قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وهاهنا يرد كلام عن الأشهر الحرم، وتلاعب المشركين بها، كما يرد أحقية المسلمين بالمسجد الحرام، كما يرد كيف أن المشركين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، إلى غير ذلك مما له ارتباط بالمحور، وفي المحور ورد قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وهاهنا يرد قوله تعالى:
الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ فهذه كلها مظاهر لتفصيل سورة براءة لآيات المحور، إن
стр. 2128
التفصيل الأول لآيات المحور جاء في سورة الأنفال، وجاءت سورة براءة بمثابة منشور قتال ولكنه كذلك يفصل في المحور الذي فصلت في سورة الأنفال.
فائدة:
تحدث القسم الأول في هذه السورة عن قتال المشركين، وقتال أهل الكتاب، ورأينا أن أهل الكتاب مخيرون بين ثلاثة أشياء: الإسلام، أو القتال، أو الجزية، وأما المشركون فلا خيار أمامهم، إما القتل، أو الإسلام، وهذا في مشركي العرب، لا خلاف عليه- تقريبا- وأما مشركو غير العرب فما حكمهم؟ هل يعاملون معاملة أهل الكتاب؟ أو يعاملون معاملة مشركي العرب؟
لقد أجمع الصحابة على أن يأخذوا الجزية من المجوس، وهذا يفيد أنهم عاملوا المجوس معاملة أهل الكتاب، ولذلك فقد جرى العمل خلال التاريخ على أن يعامل غير مشركي العرب معاملة أهل الكتاب، على خلاف بين الفقهاء في ذلك. وإذن فإن القسم الذي مر معنا، أمرنا أن نقاتل كل الناس، مع ملاحظة أن الناس نوعان: نوع تقبل منه الجزية ونوع لا تقبل منه، وعلى هذا فإن هذا القسم فصل في موضوع فرضية القتال، وحدد الجهات التي يفترض علينا أن نقاتلها، وحدد ما نقبله من كل جهة وما لا نقبله.
ولعل من نافلة القولة أن نقول: إن أكثر المسلمين عن مثل هذا غافلون، بل يستغربون إذا فاتحهم أحد بمثل ذلك، بل يستنكر الكثيرون منهم أن يطالبهم أحد بالسير في الطريق العملي لإقامة هذه الأحكام، على أن العلم بالإسلام- بفضل الله- بدأ ينتشر، والملتزمون بكل ما يطلبه منهم الإسلام بدءوا يكثرون، وإن هذه الأمة لإلى خير بإذن الله.
المعنى الحرفي للمقطع الأول:
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين والمعنى: أن الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين، وأنه منبوذ إليهم. والمشركون إما أن يكونوا معاهدين أو لا، والمعاهدون إما أن يكون عهدهم إلى مدة محددة، أو لا، والذين عهدهم إلى مدة محددة إما أن تكون هذه المدة أقل من أربعة أشهر، أو أكثر، والتي هي أكثر إما أن يكون أصحابها وافين بالتزاماتهم غير مبيتين نية غدر أو لا. فمن بيت نية غدر، فقد مر
стр. 2129
معنا في سورة الأنفال حكمه، ومن وفى بالتزاماته ولا يخشى منه غدر، وعهده إلى أجل محدد زائد على أربعة أشهر، فهذا سيأتي حكمه، وواجب في حقنا له الوفاء، ومن كان عهده مطلقا، أو كان عهده دون أربعة أشهر، فهؤلاء أعطوا فرصة أربعة أشهر- كما سنرى-، ثم لا عهد بيننا وبينهم، وإنما هو القتال. ثم المعاهدين إلى أجل متى
انتهى الأجل فليس بيننا وبينهم إلا القتال، وأما المشركون غير المعاهدون فلا سلام بيننا وبينهم، ما دمنا قادرين على قتالهم بل هو القتال حتى يحكم الله بيننا. وهل هذا خاص بمشركي العرب؟ الإجماع منعقد على أن المشرك العربي- أي غير اليهودي أو النصراني أو المجوسي- لا تقبل منه الجزية، فإما القتل وإما الإسلام. أما اليهودي أو النصراني أو المجوسي من العرب فتقبل منه الجزية، أو الإسلام، وإلا القتال. أما غير العرب فإن كانوا يهودا أو نصارى أو مجوسا فكذلك. أما غير هؤلاء فقد اختلف العلماء هل تقبل منهم الجزية أو هو الإسلام أو القتل؟ قولان والذي عليه العمل خلال العصور قبول الجزية من كل الناس ما سوى العرب المشركين، والجزية هي رمز الخضوع لسلطان المسلمين بالإسلام
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ السيح: هو السير على مهل، والمعنى: فسيروا في الأرض كيف شئتم أربعة أشهر، أمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين لا يتعرض لهم. وهل هذه الأربعة أشهر من تاريخ الإعلام بهذا الأمر- وهو يوم النحر في عام نزول هذه السورة- أو المراد بذلك الأربعة الأشهر الحرم، والتي لم يبق منها يوم الإعلام إلا خمسون ليلة؟ قولان. رجح ابن كثير أنها من تاريخ الإعلام، وقال رادا القول الثاني: وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها، وإنما ظهر لهم أمرها يوم النحر، حين نادى أصحاب رسول الله ﷺ بذلك، وإذن فقد أعطي المشركون فرصة أربعة أشهر على التفصيل الذي ذكرناه، ثم إما الاستئصال أو الإسلام وَاعْلَمُوا أي أيها المشركون أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أي لا تفوتونه وإن أمهلكم وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ أي مذلهم في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالعذاب
وَأَذانٌ أي وإعلام مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أي يوم عرفة، لأن الوقوف بعرفة معظم أفعال الحج أو يوم النحر، لأن فيه تمام الحج من الطواف والنحر والحلق والرمي، ووصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ أي ورسوله برئ منهم، في الآية الأولى من السورة: إخبار بثبوت البراءة، وهذه إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت، وإنما علقت البراءة بالذين عوهدوا من المشركين، وعلق الأذان بالناس؛ لأن البراءة مختصة
стр. 2130
بالمعاهدين على التفصيل الذي ذكرناه، وأما الأذان فعام لجميع الناس، من عاهد، ومن لم يعاهد، ومن نكث من المعاهدين، ومن لم ينكث فَإِنْ تُبْتُمْ أيها المشركون مما أنتم فيه من الكفر وعمله فَهُوَ أي التوبة خَيْرٌ لَكُمْ أي من الإصرار على الكفر في الدنيا وفي الآخرة وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي عن التوبة أي: إن أعرضتم عنها بأن ثبتم على الشرك والإعراض عن الإسلام فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أي غير سابقين الله، ولا فائتين أخذه وعقابه وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ جزاء على كفرهم
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً أي ثم لم ينكثوا، ولم ينقصوكم من شروط العهد بمعنى: أنهم وفوا بالعهد ولم ينقضوه وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً أي ولم يعاونوا عليكم عدوا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ أي فأدوه إليهم تاما كاملا إِلى مُدَّتِهِمْ أي إلى تمام مدتهم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين يفون بعهودهم، هذه الآية استثناء من الأمر بالسيح أربعة أشهر.
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ هل المراد بالأشهر الحرم هنا الأشهر الحرم بالمعنى المشهور أي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، أو المراد بها هنا الأشهر الأربعة التي أعطيها المشركون كمهلة؟ قولان. والذي رجحه ابن كثير أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة التي أمهلوا فيها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ممن لا عهد محددا بينكم وبينهم حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ أي في حل أو في حرم وَخُذُوهُمْ أي وأسروهم وَاحْصُرُوهُمْ أي واسجنوهم وقيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ أي كل ممر ومجتاز ترصدونهم به فَإِنْ تابُوا أي عن الشرك وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ اللتان هما علامتا الإسلام فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ أي فأطلقوا عنهم قيد الأسر والحصر، أو فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غفور يستر ما حدث قبل الإسلام من كفر وغدر، رحيم برفع القتل بعد الإسلام، ومجئ ذكر اسم الله الرحيم في هذا المقام إشعار بأن الله ذا الرحمة هو الذي يأمر بمعاملة المشركين هذه المعاملة، فإياكم أن تظنوا أن الرحمة تتنافى مع هذه الأحكام
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ أي وإن جاءك أحد من المشركين بعد الأشهر الأربعة، ولا عهد بينك وبينه، واستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن، فأمنه حتى يسمع كلام الله ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر ثُمَّ أَبْلِغْهُ أي بعد ذلك مَأْمَنَهُ أي داره التي يأمن فيها إن لم يسلم، ثم قاتله إن شئت، وفيه دليل على أن المستأمن لا يؤذى، وليس له الإقامة في دارنا، ويمكن من العود ذلِكَ أي الأمر بالإجارة
стр. 2131
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ أي بسبب أنهم قوم جهلة لا يعلمون ما الإسلام وما حقيقة ما تدعو إليه، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا أو يفهموا الحق.
وبعد إعلان البراءة وإيجاب القتل والقتال بين الله الحكمة في ذلك وذلك كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يستنكر الله أن يثبت لهؤلاء المشركين عهد وفي هذا الاستنكار نهي عن تحديث النفس أصلا في إعطائهم الأمن بل هو القتل، ولكن استثنى من ذلك من عوهدوا عند المسجد الحرام، فهؤلاء قال الله فيهم فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ أي فما أقاموا على وفاء العهد ولم يظهر نكث فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ أي على الوفاء إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين لا يغدرون
كَيْفَ أي كيف يكون للمشركين عهد ينالون به أمانا وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ وحالهم إن يظفروا بكم لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا أي حلفا أو قرابة وَلا ذِمَّةً أي ولا عهدا يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ يتظاهرون بما لا يبطنون، وبواطنهم مملوءة حقدا وغيظا وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ناقضون للعهد، أو متمردون في الكفر، لا مروءة تمنعهم عن الكذب، ولا شمائل تردعهم عن النكث، ولم يقل كلهم لوجود القليل الذي يتحامى عن بعض ما لا يستقيم في العقول
اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ أي استبدلوا بالقرآن ثَمَناً قَلِيلًا أي عرضا يسيرا وهو اتباع الأهواء والشهوات فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ عملا وحالا، وعدلوا عنه وصرفوا غيرهم إِنَّهُمْ ساءَ
ما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي بئس الصنيع صنيعهم
لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ أي مؤمن، خصص في المرة الأولى أصحاب الرسول ﷺ ثم عمم كل مؤمن إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ أي المجاوزون الغاية في الظلم والشر، فمن كان هذا شأنهم كيف يستحقون أمنا؟ وكيف نكف أيدينا عنهم فلا نقتلهم شر قتلة؟
فَإِنْ تابُوا عن الكفر وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ أي فهم إخوانكم في الدين لا في النسب إذا اجتمع لهم الإسلام علما وعملا وَنُفَصِّلُ الْآياتِ أي ونبينها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي يفهمون فيتفكرون فيها، وفي النص تحريض على تأمل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين وعلى المحافظة عليها، إذ النص أفهم أن من تأمل تفصيل هذه الآيات فهو العالم
وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ أي وإن نكث المشركون المعاهدون إلى مدة محددة مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ أي من بعد عهودهم ومواثيقهم وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ أي عابوه وانتقصوه فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أي زعماءه ورؤساء أهله إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ أثبت لهم الأيمان في أول الآية، ونفاها عنهم هنا، مريدا في
стр. 2132
ابتداء الآية أيمانهم التي أظهروها، وهاهنا أيمانهم على الحقيقة، فإنها لا تساوي شيئا لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ فليس هناك من طريق لانتهائهم عن الفساد إلا القتال، ألا فليعقل المسلمون ذلك،
ثم حرض على القتال فقال أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ التي حلفوها في المعاهدة وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ من مكة، يذكرهم بفعلهم برسولهم وبهم فكيف يترددون في القتل والقتال وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ والبادئ أظلم، فما يمنعكم من قتالهم وفي الآية توبيخ على ترك القتال، وحض عليه، وتذكير بما يوجب القتال، من نكث العهد، وإخراج الرسول، والبدء بالقتال من غير موجب أَتَخْشَوْنَهُمْ هذا توبيخ على الخشية منهم فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ أي فالله أحق أن تخشوه فقاتلوا أعداءه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي إن قضية الإيمان الكامل ألا يخشى المؤمن إلا ربه، ولا يبالي بمن سواه،
ولما وبخهم الله على ترك القتال جدد لهم الأمر به قاتِلُوهُمْ ووعدهم النصر ليثبت قلوبهم ويصحح نياتهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ بالقتل وَيُخْزِهِمْ بالأسر وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ أي ويغلبكم عليهم وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ مما أصابهم من أذيتهم
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ لما لقوا منهم من المكروه، وقد حصلت هذه المواعيد كلها فكانت معجزة خاصة زائدة على ما في القرآن كله من إعجاز عام وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ هذا إخبار بأن بعضا من المشركين يتوب ويدخل في الإسلام وَاللَّهُ عَلِيمٌ يعلم ما سيكون كما يعلم ما قد كان حَكِيمٌ في قبول التوبة.
وبعد أن فرض القتال، وأعلن البراءة، وبين حكمة القتال وضرورته، بدأ السياق يصحح التصورات أَمْ حَسِبْتُمْ هذا توبيخ على وجود مثل هذا التصور أَنْ تُتْرَكُوا أي أن نترككم مهملين لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب، ولهذا جاء بعده وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً أي: بطانة ودخيلة، ففي الآية أمر بالجهاد، ونهي عن اتخاذ الذين يضادون رسول الله ﷺ والمؤمنين بطانة ودخيلة، وخلانا وأصفياء والمعنى: أظننتم هذا الحسب الخاطئ أن تتركوا ولا مجاهدة ولا براءة من المشركين. والمعنى: لا تتركون على ما أنتم عليه حتى يتبين المخلصون منكم، وهم الذين جاهدوا في سبيل الله لوجه الله، ولم يتخذوا بطانة من دون المؤمنين ودل قوله تعالى وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا .. على أن الذين لم يخلصوا دينهم لله سيميز الله بينهم وبين المخلصين ويعرفون وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي من خير أو شر فيجازيكم
стр. 2133
عليه. فالآية أكدت أنه لا بد من جهاد ولا بد من مفاصلة لأهل الكفر والشرك والنفاق.
وبعد أن استقر هذا كله يقرر الله حكما جديدا وهو وجوب منع المشركين من الحج فيقول: ما كانَ أي ما صح لهم وما استقام لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ وخاصة إمام المساجد: المسجد الحرام شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ باعترافهم أنهم غير مسلمين والمعنى: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متضادين عمارة متعبدات الله، مع الكفر بالله وبعبادته أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فلا يؤجرون عليها وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ أي دائمون،
ثم بين الله المستحقين لأن يعمروا مساجد الله إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ العمارة المعنوية: بالعبادة والذكر والعلم، والعمارة الحسية من رم ما تهدم منها وتنظيفها، وتنويرها، وصيانتها وبنائها أصلا، وكل ذلك داخل في الآية مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ فاجتمع له الإيمان والعمل بالأركان وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ من صنم أو إله مزعوم أو بشر أو غير ذلك، والمراد الخشية في أبواب الدين، بألا يختار على رضا الله رضا غيره لتوقع مخوف؛ إذ المؤمن قد يخشى المحاذير خشية طبع، ولا يتمالك ألا يخشاها فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ المعنى: إن أولئك هم المهتدون، قال ابن كثير: كل عسى في القرآن فهي واجبة، ولكن ذكرها هنا يفيد تبعيد الهداية للمشركين، وحسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم؛ لأن إذا كان من ذكروا عسى أن يكونوا من المهتدين فكيف يكون حال المشركين.
وكما صحح السياق بعد فرضية قتال المشركين مفهوما خاطئا، فههنا كذلك بعد تحريم الحج على المشركين يصحح مفهوما أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ مع الشرك وهي من مكارم قريش في الجاهلية كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي أجعلتم أهل سقاية الحج، وعمارة المسجد الحرام أي سكناه، كالمؤمنين بالله المجاهدين في سبيله، وفي ذلك إنكار أن يشبه المشركون بالمؤمنين، وأعمالهم المحبطة بأعمالهم المثبتة، وأن يسوى بينهم، وقد جعل الله جل
جلاله تسويتهم ظلما بعد ظلمهم بالكفر، لأنهم وضعوا المدح والفخر في غير موضعيهما لذلك قال لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
ثم أكد عدم الاستواء فقال الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً
стр. 2134
عِنْدَ اللَّهِ من أهل السقاية والعمارة وَأُولئِكَ أي المؤمنون المجاهدون هُمُ الْفائِزُونَ لا أهل السقاية والسكنى مع الشرك والكفر
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ أي لهؤلاء المؤمنين المجاهدين بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ فما أعظم ما اجتمع لهم لَهُمْ فِيها أي في الجنات نَعِيمٌ مُقِيمٌ أي دائم
خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ومن عظمته أنه لا ينقطع، وبهذا يكون المقطع الأول من هذا القسم قد انتهى بعد أن تحدد الموقف النهائي من المشركين.
فوائد:
١ - نلاحظ أن في القرآن تسجيلا إلى حد ما، للسيرة النبوية، وللبيئة العربية، عصر نزول القرآن، ولكن هذا يأتي في سياق تحقق الأهداف الخالدة، وبما يسع العصور أن تأخذ توجيهات منه، فمثلا مجموعة الآيات التي مرت معنا، هي في ظاهرها مرتبطة بمرحلة زمنية معينة هي حالة الشرك التي كانت في زمن رسول الله ﷺ ، والتي صفيت تصفية تامة في زمن أبي بكر ﵁، ولكنا سنرى في ما يأتي من الفوائد كيف أن النص القرآني لكل العصور.
٢ - يلخص هذه المجموعة من الآيات التي مرت معنا ما رواه الترمذي عن علي ﵁ بسند حسن صحيح ورواه الإمام أحمد عن زيد بن يثيع (رجل من همدان):
سألنا عليا بأي شئ بعثت؟ يعني يوم بعثه النبي ﷺ مع أبي بكر في الحجة قال:
بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج المشركون بعد عامهم هذا. وقال أبو معشر المدني حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرا على الموسم سنة تسع، وبعث علي بن أبي طالب بثلاثين آية- أو أربعين آية- من براءة، فقرأها على الناس، يؤجل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض فقرأها عليهم يوم عرفة أجلهم عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم وقال: لا يحجن بعد عامنا هذا مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
٣ - وأما كيفية عملية الإعلام التي أمر الله بها رسوله بقوله وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فتفسرها هذه النصوص:
روى الإمام أحمد .. عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت مع علي بن أبي طالب
стр. 2135
حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة فقال: ما كنتم تنادون؟ قال: كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجله ومدته إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله برئ من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد عامنا هذا مشرك، قال:
فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
روى محمد بن إسحاق .. عن أبي جعفر محمد بن الحسين قال: لما نزلت براءة على رسول الله ﷺ وقد كان بعث أبا بكر ليقيم الحج للناس، فقيل: يا رسول الله لو بعثت إلى أبي بكر. فقال «لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي». ثم دعا عليا فقال:
«اذهب بهذه القصة من سورة براءة، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى: أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو إلى مدته» فخرج علي ﵁ على ناقة رسول الله ﷺ العضباء حتى أدرك أبا بكر في الطريق، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن بالناس بالذي أمره رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس إنه لا يدخل الجنة كافر، فلم يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو إلى مدته. ولا يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله ﷺ ، فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام، وأهل المدة إلى الأجل المسمى.
روى ابن جرير .. عن أبي الصهباء البكري قال: سألت عليا عن الحج الأكبر فقال: إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إلي فقال: قم يا علي فأد رسالة رسول الله ﷺ فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة، ثم صدرنا فأتينا منى، فرميت الجمرة ونحرت البدنة، ثم حلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا كلهم حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة، فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرأها عليهم، فمن ثم إخال حسبتم أنه يوم النحر، ألا وهو يوم عرفة».
٤ - وفي تفسير قوله تعالى يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ خلاف حول هل هو يوم النحر أو
стр. 2136
يوم عرفة؟ وقد روى ابن جرير بإسناد صحيح عن أبي بكرة قال: لما كان ذلك اليوم قعد رسول الله ﷺ على بعير له، وأخذ الناس- بخطامه أو زمامه- فقال: «أي يوم هذا؟» قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه فقال: «أليس هذا يوم الحج الأكبر». وهذا اليوم الذي قعد فيه رسول الله ﷺ والذي ذكره أبو بكرة يوم النحر كما روى شعبة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قام فينا رسول الله ﷺ على ناقة حمراء مخضرمة. فقال: «أ
تدرون أي يوم يومكم هذا؟ قالوا يوم النحر. قال: صدقتم يوم الحج الأكبر».
٥ - اعتمد الصديق في قتال مانعي الزكاة على مثل قوله تعالى: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ. وفَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ. إذ إن حرمة قتالهم علقت على وجود هذه الأفعال. وهي الدخول في الإسلام، والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف أركان الإسلام- بعد الشهادتين- الصلاة التي هي حق الله ، وبعدها أداء الزكاة، التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، لهذا كثيرا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة. وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة».
الحديث. وروى أبو إسحاق ... عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «أمرتم بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. ومن لم يزك فلا صلاة له». وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة، وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه». وروى الإمام أحمد ... عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم، وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم».
ورواه البخاري في صحيحه وأهل السنن إلا ابن ماجه.
أقول: وفي عصرنا والناس يرفضون تطبيق حكم الإسلام، والقليل الذي يقيم الصلاة، والنادر الذي يؤتي الزكاة. من لنا بأبي بكر جديد؟ فقد أباح من يرفض الإسلام، ولا يقيم الصلاة، ولا يؤتي الزكاة- إن كان مسلما في الأصل أو من أبناء
стр. 2137
المسلمين- دمه وماله، وأما أهل الذمة في عصرنا فإذا رفضوا جهارا الخضوع للإسلام، فهؤلاء لم يبق بيننا وبينهم عهد.
٦ - قال علي بن أبي طالب: بعث النبي ﷺ بأربعة أسياف في المشركين من العرب قال الله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ قال ابن كثير: وأظن أن السيف الثاني هو قتال أهل الكتاب بقوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ والسيف الثالث: قتال المنافقين في قوله:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ الآية. والرابع قتال الباغين في قوله: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ.
٧ - روى ابن جرير عن الربيع بن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته، لا يشرك به شيئا، فارقها والله عنه راض». قال:
وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل، وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله، وفي آخر ما أنزل، قال الله تعالى: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ قال: توبتهم خلع الأوثان، وعبادة ربهم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ ورواه ابن مردويه ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة له.
٨ - ومن قبل أن ينزل قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ .. كان رسول الله ﷺ يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدا أو في رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش، منهم عروة بن مسعود، ومكرز بن حفص، وسهيل بن عمرو، وغيرهم واحدا بعد واحد، يترددون في القضية بينه وبين المشركين، فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله ﷺ ما بهرهم، وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم، وكانت هذه سنته في الرسل، ولهذا لما قدم رسول مسيلمة الكذاب على رسول الله ﷺ قال له: أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟
قال نعم، فقال رسول الله ﷺ : «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك؟». وقد
стр. 2138
قيض الله لهذا الإنسان ضرب العنق في إمارة ابن مسعود على الكوفة. وكان يقال له ابن النواحة ظهر عنه في زمان ابن مسعود أنه يشهد لمسيلمة بالرسالة، فأرسل إليه ابن مسعود فقال له: إنك الآن لست في رسالة وأمر به فضربت عنقه، لا ﵀ ولعنه.
وقد استقر الحكم أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة، أو تجارة، أو طلب صلح، أو مهادنة، أو حمل جزية، أو نحو ذلك من الأسباب وطلب من الإمام أو نائبه أمانا، أعطي أمانا ما دام مترددا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه. ولكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر. وفيما بين ذلك، فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن السنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء ﵏.
٩ - في قوله تعالى: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ قال حذيفة (ما قوتل أهل هذه الآية بعد). وروي عن علي بن أبي طالب مثله. فالآية عامة وإن كان سبب نزولها مشركي قريش فهي عامة لهم ولغيرهم. وقد روى الوليد بن مسلم .. عن عبد الرحمن بن جبير ابن نفير أنه كان في عهد (أي وصية) أبي بكر ﵁ إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال: إنكم ستجدون قوما مجوفة رءوسهم، فاضربوا معاقد الشيطان منهم بالسيوف فو الله لأن أقتل رجلا منهم أحب إلى من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك بأن الله
يقول فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ رواه ابن أبي حاتم. ولعلنا لو قرأنا الآية ندرك سر كلام حذيفة وعلي ﵄. وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ إن الآية تنطبق على عصرنا، ولها تطبيقاتها في كل عصر. ألا ترى أنه في عصرنا قد كثر الطعن في الإسلام، ووجد للكفر أئمة في كل مكان، حتى انتقض كل شئ.
وفي تفسير قوله تعالى: وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ قال الألوسي:
وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ قدحوا فيه، بأن عابوه وقبحوا أحكامه علانية، وجعل ابن المنير طعن الذمي في ديننا بين أهل دينه إذا بلغنا كذلك، وعد هذا كثير ومنهم الفاضل المذكور نقضا للعهد، فالعطف من عطف الخاص على العام، وبه ينحل ما يقال: كان الظاهر أو طعنوا لأن كلا من الطعن وما قبله كاف في استحقاق القتل والقتال، وكون الواو بمعنى أو بعيد، وقيل: العطف للتفسير كما في قولك. استخف فلان بي وفعل معي كذا، على معنى وإن نكثوا أيمانهم بطعنهم في دينكم والأول أولى، ولا فرق بين توجيه
стр. 2139
الطعن إلى الدين نفسه إجمالا، وبين توجيهه إلى بعض تفاصيله كالصلاة والحج مثلا، ومن ذلك الطعن بالقرآن وذكر النبي ﷺ وحاشاه- بسوء فيقتل الذمي به عند جمع، مستدلين بالآية سواء شرط انتقاض العهد به أم لا. وممن قال بقتله إذا أظهر الشتم- والعياذ بالله- مالك، والشافعي، وهو قول الليث، وأفتى به ابن الهمام، ولا يخفى حسن موقع الطعن مع القتال المدلول عليه بقوله تعالى. فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أي فقاتلوهم، ووضع فيه الظاهر موضع الضمير؛ وسموا أئمة لأنهم صاروا رؤساء متقدمين على غيرهم بزعمهم، فهم أحقاء بالقتال والقتل. وروى ذلك عن الحسن، وقيل: المراد بأئمتهم رؤساؤهم وصناديدهم مثل أبي سفيان. والحرث بن هشام، وتخصيصهم بالذكر لأن قتلهم أهم، لا لأنه لا يقتل غيرهم، وأخرج ابن أبي شيبة، وغيره عن حذيفة ﵁ أنه قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد، وما أدري ما مراده، والله تعالى أعلم بمراده» أقول: لقد وجد أهل هذه الآية في عصرنا.
١٠ - وبمناسبة قوله تعالى: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ قال الألوسي: «والحاصل أن الإمام الأعظم يقول بالمنع عن الحج والعمرة ويحمل النهي عليه، ولا يمنعون من دخول المسجد الحرام وسائر المساجد عنده، ومذهب الشافعي. وأحمد ومالك رضي الله تعالى عنهم- كما قال الخازن- أنه لا يجوز للكافر ذميا كان أو مستأمنا أن يدخل المسجد الحرام بحال من الأحوال: فلو جاء رسول من دار الكفر والإمام فيه لم يأذن له في دخوله، بل يخرج إليه بنفسه، أو يبعث إليه من يستمع رسالته خارجه، ويجوز دخوله سائر المساجد عند الشافعي عليه الرحمة، وعن مالك كل المساجد سواء في منع الكافر عن دخولها، وزعم بعضهم أن المنع في الآية إنما هو عن تولي المسجد الحرام والقيام بمصالحه، وهو خلاف الظاهر جدا، والظاهر النهي على ما علمت، وكون العلة فيه نجاستهم إن لم نقل بأنها ذاتية لا يقتضي جواز الفعل، ممن اغتسل ولبس ثيابا طاهرة لأن خصوص العلة لا يخصص الحكم كما في الاستبراء، والكلام على حد- لا أرينك هنا- فهو كناية عن نهي المؤمنين عن تمكينهم مما ذكر بدليل أن ما قبل وما بعد خطاب للمؤمنين، ومن حمله على ظاهره استدل به على أن الكفار مخاطبون بالفروع حيث إنهم نهوا فيه والنهي من الأحكام، وكونهم لا ينزجرون به لا يضر بعد معرفة معنى مخاطبتهم بها».
١١ - وبمناسبة قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ..
стр. 2140
نذكر هذه الأحاديث. روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان. قال الله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ورواه الترمذي وابن مردويه والحاكم في مستدركه وروى عبد بن حميد في مسنده .. عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما عمار المساجد هم أهل الله» وروى الإمام أحمد .. عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد».
وروى عبد الرزاق ... عن عمرو بن ميمون الأزدي قال: أدركت أصحاب محمد ﷺ وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها».
١٢ - وفي قوله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ .. قولان للمفسرين هل المراد بالخطاب المسلمون أو المشركون؟ وفي أسباب النزول ما يصلح لهذا وهذا، فهناك روايات تفيد أن الخطاب للمسلمين. أخرج الإمام مسلم في صحيحه وأبو داود وابن جرير- وهذا لفظه- وابن مردويه وابن أبي حاتم في تفاسيرهم وابن حبان في صحيحه عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر بن الخطاب ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ ، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله ﷺ فأستفتيه فيما اختلفتم فيه. قال: ففعل فأنزل الله أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إلى قوله وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وهناك رواية تفيد أن الخطاب للمشركين فقد ذكر ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: قال: قد نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر ببدر. قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي ونفك العاني، قال الله أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إلى قوله وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني أن ذلك كله كان في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك.
وعلى الرواية التي تفيد أن الخطاب للمسلمين يمكن أن نستخرج من الآية معنى
следующие страницы →