Полный текст (6 440 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ومكر وتورية، إنهم قد جربوا حماسة المسلمين لدينهم وعقيدتهم حين واجهوهم تحت راية العقيدة، ومن ثم استدار الأعداء العريقون فغيروا أعلام المعركة. لم يعلنوها حربا باسم العقيدة- على حقيقتها- خوفا من حماسة العقيدة وجيشانها، إنما أعلنوها باسم الأرض والاقتصاد والسياسة والمراكز العسكرية وما إليها، وألقوا في روع المخدوعين الغافلين منا، أن حكاية العقيدة قد صارت حكاية قديمة لا معنى لها، ولا يجوز رفع رايتها. وخوض المعركة باسمها، فهذه سمة المتخلفين المتعصبين، ذلك كي يأمنوا جيشان العقيدة وحماستها، بينما هم في قرارة نفوسهم: الصهيونية العالمية، والصليبية العالمية- بإضافة الشيوعية العالمية- جميعا يخوضون المعركة أولا وقبل كل شئ لتحطيم هذه الصخرة العاتية التي نطحوها طويلا فأدمتهم جميعا.
إنها معركة العقيدة، إنها ليست معركة الأرض، ولا القلة، ولا المراكز العسكرية، ولا هذه الروايات المزيفة كلها، إنهم يزيفونها علينا لغرض في نفوسهم دفين ليخدعونا عن حقيقة المعركة وطبيعتها، فإذا نحن خدعنا بخديعتهم لنا فلا نلومن إلا أنفسنا ونحن نبعد عن توجيه الله لنبيه ﷺ ولأمته وهو سبحانه أصدق القائلين وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ فذلك هو الثمن الوحيد الذي يرتضونه وما سواه فمرفوض ومردود! ولكن الأمر الحازم والتوجيه الصادق: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى على سبيل القصر والحصر، هدى الله هو الهدى، وما عداه ليس بهدى، فلا براح منه ولا فكاك عنه، ولا محاولة فيه ولا ترضية على حسابه، ولا مساومة في شئ منه قليل أو كثير، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ... ».
أقول: إنه في فترات الضعف الإسلامي الأخيرة لم يزل العالم يتعامل معنا على أساس مصالح بمبادئ ومصالح، ونحن الخاسرون في كل صفقة، وعلينا أن نعمل لنكون أقوياء، فنفرض على العالم أن يتعامل معنا مصالح بمصالح، وضمن موازين عادلة، وحيث تجيز شريعتنا.
فصل خاتم في المعجزات وخوارق العادات:
لاحظنا من خلال مقطع بني إسرائيل كثرة المعجزات وخوارق العادات في حياة بني إسرائيل، وفي حياة أمتنا منذ عهد رسول الله ﷺ ، حتى عصرنا ظهرت معجزات وكرامات، وخوارق عادات كثيرة، حتى إن بعض أولياء هذه الأمة ظهرت على أيديهم خوارق للعادات كثيرة، هذا الشيخ عبد القادر الجيلاني يقول عنه ابن تيمية ﵀:
стр. 247
إن كراماته منقولة تواترا وابن تيمية معروف تدقيقه في هذه الشئون.
ومن عرف الله لم يستغرب وقوع المعجزة أو الكرامة، فالله الذي خلق السموات والأرض بكلمة (كن) والذي خلق الأسباب والقوانين؛ لا يعجزه أن يخرق السبب والقانون؛ معجزة لنبي أو كرامة لولي، ولكن علينا في الحالتين أن نتثبت من الوقوع.
فإذا ما حدثنا القرآن عن الوقوع فإن من البدهيات أن يوجد عندنا التسليم، وكذلك إذا حدثتنا السنة، وفي كرامات الصحابة والتابعين والأولياء حتى عصرنا، علينا أن نتثبت، فإذا صح النقل ولم يكن ثمة مبرر شرعي للرفض فالأصل التصديق، وقد حدثنا الله في القرآن عن أولياء أكرموا بكرامات كمريم، وجليس سليمان الذي عنده علم من الكتاب. والعجيب أن يسري الإنكار من المجتمعات الكافرة إلينا في هذه الشئون، إن المجتمعات الكافرة لا تظهر فيها كرامات؛ لأنها كافرة ولذلك فهي ترفض مبدأ خرق القانون، أما نحن فالأمر يختلف، فعندنا بفضل الله أولياء وعباد وزهاد، ولم تزل الكرامات تجري على أيديهم، وقد رأينا من كرامات بعض شيوخنا ما نجزم به، ولكن الأعجب من ذلك أن يسري هذا الإنكار حتى على المعجزات التي أخبر عنها القرآن، فيظهر ذلك بمحاولات التأويل لظواهر الآيات، بحيث تؤول كل المعجزات على أنها عادات، وذلك من عمى القلب وضعف اليقين بل هو الكفر نسأل الله العافية.
وليكن هذا الفصل خاتمة الفصول. ولنعد إلى سياق السورة حيث وصلنا إلى المقطع الرابع في القسم الأول من سورة البقرة وهو مقطع الحديث عن إبراهيم ﵊.
المقطع الرابع من القسم الأول من سورة البقرة:
يمتد هذا المقطع من الآية (١٢٤) إلى نهاية الآية (١٤١) يبدأ بقوله تعالى وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ... وينتهي بقوله تعالى: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى، قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ.
стр. 248
يبدأ المقطع بالكلام عن إبراهيم، وينتهي بالكلام عن إبراهيم، ومن أدنى تأمل للمقطع يرى أن المقطع يتألف من ثلاث فقرات واضحة المعالم تضمها وحدة جامعة، والفقرتان الثانية والثالثة تنتهيان بآية واحدة هي قوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ* وهذا هو المقطع في فقراته الثلاث.
الفقرة الأولى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٤ الى ١٢٩]
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)
стр. 249
الفقرة الثانية:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٠ الى ١٣٤]
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)
الفقرة الثالثة:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٥ الى ١٤١]
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)
стр. 250
كلمة في هذا المقطع وسياقه:
١ - ختمت قصة آدم ﵊ بالقاعدة:
فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
стр. 251
وجاء مقطع بني إسرائيل ليعرض علينا نموذجا لأمة أنزل عليها هدى فانحرفت عنه، ويأتي الآن مقطع إبراهيم ﵊، ليقص علينا قصة النموذج الكامل لإنسان أنزل عليه هدى فقام به قياما كاملا وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قال البيضاوي: فأداهن كملا وقام بهن حق القيام لقوله تعالى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (سورة النجم) لاحظ الآن الصلة بين قوله تعالى في أول آية في مقطع آدم ﵇: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
وبين قوله تعالى في أول آية من مقطع إبراهيم ﵇: قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً. فالذي جعل آدم خليفة، جعل إبراهيم إماما فهو النموذج الكامل على الخليفة الكامل.
٢ - وقبل مقطع آدم في سورة البقرة يأتي مقطع الدعوة إلى التوحيد يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ .... فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
وفي مقطع إبراهيم نرى النموذج الأعلى على التوحيد متمثلا بإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ* وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ .... أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فمقطع إبراهيم يعمق سياقه المعاني التي وردت في مقطع الدعوة إلى العبادة والتوحيد.
٣ - ومن قبل المقطع الأول في هذا القسم جاءت مقدمة سورة البقرة وفيها: قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وفي مقطع إبراهيم ﵊ يأتي الأمر المفصل: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
٤ - ومن قبل جاءت الفاتحة وكانت الفقرة الخاتمة فيها: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ* غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. وقد رأينا في مقطع بني إسرائيل بعض صراط المغضوب عليهم والضالين، وفي مقطع إبراهيم نرى صراط الذين أنعم الله عليهم. ومع ذلك كله الحوار مع المغضوب عليهم والضالين وإقامة الحجة.
стр. 252
٥ - وكما أن مقطع إبراهيم ﵇ يخدم في سياقه ما مر من السورة، فإنه الأساس والمقدمة للمقطع اللاحق من السورة، وهو مقطع القبلة، إن القبلة التي هي مرتكز من مرتكزات العبادة لله ستتحدد في المقطع اللاحق، ولكن مقطع إبراهيم جاء بمثابة الترشيح للكلام في شأنها، وجاء بمثابة المقدمة لتقريرها أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ .. وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ .. وَأَرِنا مَناسِكَنا ....
وهكذا نرى أن مقطع إبراهيم ﵇ في محله يخدم سياق الفاتحة، ومقدمة سورة البقرة، ومقطع التوحيد، ومقطع آدم، والمقطع اللاحق، فما صلته بالمقطع السابق عليه مباشرة مقطع بني إسرائيل؟
٦ - قلنا من قبل: إن الحوار مع بني إسرائيل لا زال مفتوحا، وإن ختم مقطع بني إسرائيل، ذلك لأنه لا زال لليهود. كلام يقولونه، متكئين عليه في رفض الإيمان بالإسلام، وفي مقطع إبراهيم يستكمل جزء من الحوار، إذ الإمامة في ذرية إبراهيم مشروطة، وقد أخل اليهود بالشرط فلا حجة لهم في أن تستمر الإمامة فيهم، ولذلك تنتقل الإمامة إلى أمة تقوم بحق الله، وذلك مقتضى دعوة إبراهيم وإسماعيل وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ... وبعثة محمد ﷺ مقتضى دعوة إبراهيم ﵇ لأبناء إسماعيل وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ... والمقطع يقرر أن دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب هو الإسلام، فإن يرغب بنو إسرائيل عن الإسلام فذلك سفه فيهم.
وكما أنه في مقطع بني إسرائيل أعطيت أمتنا دروسا، فكذلك في مقطع إبراهيم، وكما أن أمتنا قد علمت كيف ترد على الدعوات الباطلة في المقطع السابق فكذلك الحال هنا في هذا المقطع.
٧ - في مدخل الكلام عن بني إسرائيل رأينا أنه وجهت لبني إسرائيل أوامر ونواه، وأن المقطع جاء بعد ذلك بمثابة تعليل لتوجيه هذه الأوامر والنواهي، ورأينا أن الفصل الثاني من مقطع بني إسرائيل مرتبط بقوله تعالى في المدخل وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وأن الحوار في الفقرتين الأخيرتين من الفصل الثاني انصب على هذه المعاني، وقلنا في هذه الكلمة إن مقطع إبراهيم ﵇ يكمل الحوار في هذا الشأن، والآن نقول إن مقطع إبراهيم زيادة على تكملة الحوار فإنه يضع أساسا لنقطة تعرض لها مدخل مقطع بني
стр. 253
إسرائيل، وهي القضية المذكورة بعد الآية التي ذكرناها آنفا، إن الآية اللاحقة لهذه الآية هي قوله تعالى وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ إذ الملاحظ أن مقطع إبراهيم يرد فيه قبل الآية الأخيرة وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وسنرى أن مقاطع لاحقه ستتعرض بشكل أوسع لموضوع كتمان ما أنزل الله
إن تعانق المقطع مع ما قبله ومع ما بعده كثير كبير شديد، وتعانق فقراته مع بعضها كثير شديد كما سنرى.
ولنطرز هذه المقدمة عن سياق المقطع بخاتمة ما قدم سيد قطب لهذا المقطع. يقول:
وفي ثنايا هذا العرض التاريخي (الذي عرضه النص وتحدث عنه سيد) يبرز السياق أن الإسلام بمعنى إسلام الوجه لله وحده، كان هو الرسالة الأولى وكان هو الرسالة الأخيرة، هكذا اعتقد إبراهيم، وهكذا اعتقد من بعده إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط حتى أسلموا هذه العقيدة ذاتها إلى موسى وعيسى، ثم آلت أخيرا إلى ورثه إبراهيم من المسلمين، فمن استقام على هذه العقيدة الواحدة فهو وريثها ووريث عهودها وبشاراتها، ومن فسق عنها ورغب بنفسه عن ملة إبراهيم، فقد فسق عن عهد الله، وقد فقد وراثته لهذا العهد وبشارته. عندئذ تسقط كل دعاوى اليهود والنصارى في اصطفائهم واجتبائهم لمجرد أنهم أبناء إبراهيم وحفدته، وهم ورثته وخلفاؤه، لقد سقطت عنهم الوراثة منذ ما انحرفوا عن هذه العقيدة، وعندئذ تسقط كذلك كل دعاوى قريش في الاستئثار بالبيت الحرام وشرف القيام عليه وعمارته، لأنهم قد فقدوا حقهم في وراثه باني هذا البيت ورافع قواعده؛ بانحرافهم عن عقيدته، ثم تسقط كل دعاوى اليهود فيما يختص بالقبلة التي ينبغي أن يتجه إليها المسلمون، فالكعبة هي قبلتهم وقبلة أبيهم إبراهيم، كل ذلك في نسق من العرض والأداء والتعبير عجيب حافل بالإشارات الموحية، والوقفات العميقة الدلالة، والإيضاح القوي التأثير».
ولنبدأ عرض وتفسير المقطع:
الفقرة الأولى وتفسيرها:
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ أي: واذكر إذ اختبر إبراهيم ربه بأوامر ونواه فَأَتَمَّهُنَّ أي: قام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية، من غير تفريط ولا توان، والابتلاء: هو الاختبار والاختبار منا لظهور ما لم نعلم، ومن الله لإظهار ما قد
стр. 254
علم، وعاقبة الابتلاء ظهور الأمر الخفي في الشاهد والغائب جميعا، فلذا تجوز إضافته إلى الله تعالى، وللمفسرين في الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم ﵇ كلام
كثير، وكل أقوالهم استنباط، إما من خلال السياق، أو من خلال قصة إبراهيم في القرآن، أو من خلال ما قصه رسول الله ﷺ عن أبينا إبراهيم وهو كلام مفيد ولذلك سنعقد له فصلا. أما هاهنا فنقول: «لقد وردت كلمة (بكلمات) منكرة للإشعار بأن الهدف من السياق هو تبيان قيام إبراهيم بما كلف به لا تبيان التكليف، على أنه من الفقرة، سنرى نموذجا على قيام إبراهيم بما يكلف به من خلال قيامه ببناء البيت قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً الإمام هو: من يؤتم به ويقتدى، وإمامة إبراهيم مؤبدة يجمع عليها حتى المختلفون من أبناء الديانات الكتابية، والظاهر أن إتمام إبراهيم ﵊ الكلمات سبب الإمامة، فكأنه كان نبيا ثم بإتمامه الكلمات أعطي منصب الرسالة مكافأة، فالقيام بأمر الله كاملا هو الذي يرشح لمنصب الإمامة في دين الله، فما أكثر خطأ الذين يتصدرون للإمامة عن غير طريقها. قالَ إبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أي واجعل من ذريتي أئمة يقتدى بهم، وذرية الرجل: أولاده ذكورهم وإناثهم فيه سواء قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ اختلف المفسرون في تفسير العهد والظلم في هذه الآية، فقد فسر الظلم: هنا بالكفر والشرك، وفسر:
بالظلم الذي هو مخالفة الشريعة، فعلى الأول يكون المعنى لا ينال عهدي كافر. وعلى الثاني: لا ينال عهدي فاسق، وفسر العهد: بالنبوة والدين والأمر والطاعة والنجاة في الآخرة، كما فسر بالوعد بالإمامة وهو أحقها بالاعتماد. فالمعنى: أنه لا ينال الإمامة فى الدين ظالم، والظلم نوعان: ظلم يتعدى الإنسان إلى غيره، وظلم لنفسه، وسنعقد من أجل إبراز ما يدخل في هذا النص أو من أجل رد الفهوم الخاطئة فيه فصولا.
قال ابن كثير: وقال ابن خويزمنداد المالكي: «الظالم لا يصلح أن يكون خليفة، ولا حاكما، ولا مفتيا، ولا شاهدا، ولا راويا».
فالمعنى العام للآية كما يفهم من مجموع كلام ابن كثير:
واذكر لهؤلاء المشركين، وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم وليسوا عليها، واذكر لهؤلاء وتذكر ابتلاء الله إبراهيم أي: اختباره بما كلفه به من الأوامر والنواهي، فأتمهن: أي: قام بهن كلهن؛ فاستحق بذلك منصب الإمامة جزاء على ما فعل، فكما قام بالأوامر وترك الزواجر؛ جعله الله قدوة وإماما يقتدى به في الخير،
стр. 255
فرغب إلى الله أن تكون الإمامة في بعض ذريته كذلك فأجيب لذلك، لكنه أخبر بأنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة؛ فلا يقتدى بهم.
وبعد الآية الأولى تأتي في الفقرة هذه الآية:
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.
كلمة في سياق هذه الآية:
تأتي هذه الآية بعد إعطاء إبراهيم منصب الإمامة، وبعد إعطائه الوعد بأن يكون من ذريته أئمة، فترينا هذه الآية مظهرا من مظاهر إمامة إبراهيم وواحد من ذريته، وترينا نموذجا على قيام إبراهيم وإسماعيل بما كلفا به، وترينا كذلك أن البيت الذي سيكون قبلة للمسلمين ومحجا لهم إنما وجد بإرادة تشريفية من الله وبأمره، كما ترينا الحكمة من بناء البيت، وترينا أنه في الأصل بني للطواف والعكوف والسجود، وترينا أن الأمر صدر لإبراهيم وإسماعيل بتطهيره، ففي الآية تصحيح لمفاهيم أهل الكتاب والمشركين في شأن البيت، وتأسيس للرد على اليهود في شأن القبلة، وتأنيب لمن ينجس البيت بالشرك بعد أن بني في الأصل للتوحيد، وفي ذلك تأنيب لمن روع المؤمنين وآذاهم وفتنهم، حتى اضطروا أن يخرجوا من جواره، وقد جعله الله مثابة للناس جميعا وأمنا، وفي ذلك دروس لما يستقبل من الزمان.
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً البيت: الكعبة، والمثابة: المباءة والمرجع للحجاج والعمار يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه، والأمن هنا: مكان السلام. وقد فسر ابن عباس كون هذا البيت مثابة بقوله: «لا يقضون منه وطرا يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه»، وقال غيره: «لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا»، وقال ابن زيد: «يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه»، وقال كثيرون من أئمة التفسير: إن المثابة: المجمع، وعلى هذا القول يكون المعنى: أن الله أراد أن يكون هذا البيت ملتقى للشعوب كلها، وللأجناس كلها، يجتمعون فيه، فيتعارفون وينتفعون، قائمين بأمر الله، عابدين له موحدين معظمين شعائره، وأما كون البيت أمنا فمن حيث: إن من دخله كان آمنا، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف
стр. 256
الناس من حولهم وهم آمنون، واستدل الحنفية بهذه الآية على مذهبهم بأن الجاني إذا أوى الحرم فلا يتعرض له حتى يخرج، لكنه يلجأ إلى الخروج بمقاطعته. وسنعقد لموضوع الأمن عند البيت وحدوده واتجاهات العلماء فصلا.
ذكر في هذا النص: شرف هذا البيت، وما جعله موصوفا به شرعا وقدرا من كونه مجمعا للناس من كل أقطار العالم، يعرف فيه بعضهم بعضا، ويألف فيه بعضهم بعضا، ويستمع فيه بعضهم إلى بعض، وينفع فيه بعضهم بعضا، وهو كذلك، المكان الذي تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرا ولو ترددت إليه كل عام؛ استجابة لدعوة إبراهيم ﵇. فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ (سورة إبراهيم) كما وصفه تعالى بأنه جعله آمنا لمن دخله حتى الرجل في الجاهلية يلقى قاتل أخيه أو أبيه فلا يهيجه، وقد فسر ابن عباس الأمن هنا بأن هذا البيت والقيام بحقه أمن لهذا العالم كله فلا يخرب، قال ابن عباس: «لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض» قال ابن كثير: وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أولا وهو خليل الرحمن.
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى اختلف المفسرون في المراد بمقام إبراهيم ما هو: قال ابن عباس: «مقام إبراهيم الحرم كله، مقام إبراهيم الحج كله». وقال سعيد بن جبير: «الحجر مقام إبراهيم فقد جعله الله رحمة، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة» وقال السدي: «المقام الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه» وهذا القول يلتقي مع الذي قبله في أن المراد بمقام إبراهيم هو الحجر الذي غاصت فيه قدما إبراهيم، فكان آية، وهو الحجر المعروف الآن، والأدلة
التي تعضد أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء البيت كثيرة، من جملتها، أنه هو الذي عليه عمل الناس وفهمهم خلال العصور، إذ يطبقون هذا الأمر بصلاتهم عند الحجر الذي عليه آثار قدمي إبراهيم، ومنها ما ورد في الحديث الصحيح عن عمر: «قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ومنها ما في صحيح مسلم عن جابر قال: «استلم رسول الله ﷺ الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى ركعتين» ومنها ظاهر قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وعلى هذا الاتجاه يكون المعنى: وقلنا اتخذوا من مقام إبراهيم موضع صلاة تصلون فيه.
стр. 257
وهل الحجر الآن في محله حيث تركه إبراهيم؟ يذكر ابن كثير: أن الذي وضعه محله الآن إنما هو عمر بن الخطاب ﵁، أما قبل ذلك فقد كان ملصقا بجدار الكعبة، فدل فعل عمر، وصنيع الناس أن الحجر أيا كان من الكعبة، فذلك مقام إبراهيم وعنده تكون الصلاة التي أمر الله بها في هذه الآية.
وفي فقه الحنفية «يجب على من طاف بالبيت أن يصلي ركعتين لكل طواف، ويسن أن تكون هاتان الركعتان وراء مقام إبراهيم، فإذا لم يتمكن الإنسان من الصلاة عند مقام إبراهيم صلى حيث أمكنه».
وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ أي: أمرناهما أن يطهراه من الأوثان والخبائث والأنجاس كلها، للدائرين حوله، والمجاورين الذين عكفوا عنده، أي: أقاموا لا يبرحونه، أو المعتكفين والمصلين راكعين وساجدين. فالعهد هنا بمعنى الأمر، وإنما عدي بإلى لأنه بمعنى: تقدمنا وأوحينا فتقدير الكلام: وتقدمنا بوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي من الشرك والريب، وابنياه خالصا لله، معقلا للطائفين والعاكفين والراكعين الساجدين. وقد فهم من ذلك أن الطواف والعكوف والركوع والسجود كلها مما يتعبد الله به في الحرم، وقد اختلف الفقهاء أيهما أفضل عند البيت الصلاة النافلة أو الطواف النافلة؟. قال مالك: الطواف به لأهل الأمصار أفضل وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطلقا.
قال العلماء: وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية الكريمة ومن قوله تعالى في سورة النور: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... ومن السنة من أحاديث كثيرة في الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك، ولهذا قال ﵇: «إنما بنيت المساجد لما بنيت له» ومن قوله تعالى وَالْعاكِفِينَ استدلوا على جواز النوم في المسجد: قال ثابت: قلنا لعبد الله ابن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مكلم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم يجنبون ويحدثون: قال: لا تفعل فإن ابن عمر سئل عنهم فقال هم العاكفون قال ابن كثير: «وقد ثبت في الصحيح أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول ﷺ وهو عزب».
وهكذا رأينا في الآية ثلاث قضايا معطوفا بعضها على بعض ومرتبطا بعضها ببعض إذ
стр. 258
التقدير: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وقلنا: اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى.
ثم بين تعليل الأمر الثاني وكيف تم تنفيذ القضية الأولى:
وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ومن العبارة الثالثة عرفنا لم جعل البيت مثابة وأمنا، وذلك من أجل الطواف والعكوف والركوع والسجود، فمن كان في مكة أو ذهب إليها فعليه أن يلاحظ ذلك. وسنرى أنه بعد مقطع إبراهيم ومقطع القبلة سيأتي قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ وذلك استكمالا للسياق في عبادات الحرم. ولكن بعد أن يأخذ السياق مجراه في استكمال التقرير والحوار في القضايا الرئيسية التي يحتاجها السياق.
وهكذا رأينا في الآية الأولى من مقطع إبراهيم كيف قررت إمامة إبراهيم وسببها، ورأينا في الآية الثانية إمامة الكعبة واختصاصها بشرف عظيم، فلله خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص، يخص من شاء وما شاء بما شاء، وإذ تتقرر إمامة البيت وإمامة إبراهيم؛ يأتي الأمر لهذه الأمة باتخاذ مقام إبراهيم مصلى وصلة ذلك بإمامة إبراهيم واضحة: ثم يأتي قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
المعنى الحرفي:
واذكر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا البلد أو هذا المكان بلدا ذا أمن، وارزق المؤمنين بالله واليوم الآخر من أهله من الثمرات فقال الله تعالى جوابا له وَمَنْ كَفَرَ أي: وأرزق من كفر فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا أي فأمتعه تمتيعا قليلا، أو زمانا قليلا إلى حين أجله ثُمَّ أَضْطَرُّهُ أي ألجئه إلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الذي يصير إليه وهو النار. قاس إبراهيم ﵇ الرزق على الإمامة، فإذ أعلمه الله بخصوصية الإمامة في المؤمنين، فإنه قطع كل عاطفة تربطه بغيرهم فلم يدع الله بالرزق إلا لهم، فأخبره الله أنه يرزق الكافرين كما يرزق المؤمنين، قال ابن إسحاق: «لما عن لإبراهيم الدعوة على من أبى الله أن يجعل له الولاية، انقطاعا إلى الله ومحبة وفراقا لمن خالف
стр. 259
أمره، وإن كانوا من ذريته حين عرف أنه كائن منهم ظالم لا يناله عهده بخبر الله له بذلك، قال الله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلا» أقول:
ولذلك لم يكن الرزق علامة على القرب، فكان ذلك استدراجا في حق الكافر، ومحل اعتبار من المؤمن، وقد وافق دعاء إبراهيم بالأمن للبيت تقدير الله، فكان البيت
آمنا، واستجاب الله دعوة إبراهيم في رزق سكان الحرم، قال الألوسي: «حتى إنه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد».
كلمة في السياق:
جاءت هذه الآية بعد آية العهد لإبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت، وبعد آية إعطاء الإمامة لإبراهيم، وقبل الآية التي تذكر الشروع ببناء البيت، فدلتنا على أن إبراهيم ﵇ وقد علم مكان البيت بالنسبة للعالم دعى لأهله بالأمن والرزق، كما أرتنا نموذجا على قيام إبراهيم بأمر الله، فإنه لما علم أن عهد الله لا يناله الظالمون لم يدع إلا للمؤمنين بالرزق، فالآية ترينا في سياقها نموذجا على مسارعة إبراهيم في تنفيذ الأمر وقيامه بالأوامر والنواهي. وبعد أن عرفنا الله على إرادته في جعل البيت مثابة وأمنا، وعرفنا على رغبة إبراهيم في أن يعطي أهل الحرم رزقا وأمنا، تأتي الآية اللاحقة لتقص علينا بناء البيت، ورغبات إبراهيم وإسماعيل وهما يبنيانه، ورغبتهما إلى الله في ذلك مما حققه الله فيما بعد، ومما يعاند أهل الكفر في شأنه بعد ذلك كما سنرى.
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
المعنى الكلي: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل ﵉ البيت، ورفعهما القواعد منه، وهما يدعوان هذه الدعوات، فهما في عمل صالح، ويدعوان الله، إذ الدعاء والإنسان في طاعة أمر الله مظنة إجابة، ومجموع هذه الدعوات تعبر عن العواطف التي كانت تثور في أنفسهما آنذاك، ومجموع ذلك هو: الرغبة في قبول العمل، وفي قبول الذات بتوفيقها للإسلام في شأنها كله، والرغبة في استمرار الإسلام في الذرية،
стр. 260
وذلك تعبير عن الحرص على بقاء الإسلام، والرغبة في التعرف على الشعائر التي يحبها الله، والرغبة في مغفرة الله، والرغبة في أن يبعث الله للذرية رسولا يتلو عليها آيات الله، ويعلمها كتاب الله وسنن الأنبياء، ويطهرها من الأدران الحسية والمعنوية، وقد استجاب الله لهما ذلك كله:
المعنى الحرفي:
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ البيت: الكعبة والقواعد:
جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه ومعناها: الثابتة، ورفع الأساس: البناء عليه، لأنه إذا بني على القاعدة نقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر، وذكر القواعد مبهمة أولا ثم تبيانها بقوله مِنَ الْبَيْتِ تفخيم لشأن المبين، وإسماعيل معطوف على إبراهيم، وكان إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة.
قال الألوسي: «وآثر صيغة المضارع أي في قوله تعالى وَإِذْ يَرْفَعُ مع أن القصة ماضية .. استحضارا لهذا الأمر؛ ليقتدي الناس به في إتيان الطاعات الشاقة مع الابتهال في قبولها، وليعلموا عظمة البيت المبني فيعظموه» وفي العرض من خلال الفعل المضارع يَرْفَعُ مع الابتهالات: «ما يرينا مشهد تنفيذ إبراهيم وإسماعيل للأمر الذي تلقياه من ربهما بإعداد البيت وتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود، يرينا إياه مشهودا كما لو كانت الأعين تراهما اللحظة وتسمعهما في آن» عن الظلال بتصرف رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي قائلين: يا ربنا إنا تقربنا إليك ببناء هذا البيت، فتقبل عملنا؛ إنك أنت السميع لدعائنا، العليم بضمائرنا ونياتنا.
قرأ وهيب بن الورد مرة هذه الآية ثم بكى وقال: «يا خليل الرحمن ترفع قوائم بيت الرحمن، وأنت مشفق أن لا يتقبل منك» ذكره ابن كثير ثم قال: «وهذا كما حكى الله عن حال المؤمنين الخلص في قوله تعالى (في سورة: المؤمنون) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا أي يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أي خائفة أن لا يقبل منهم كما جاء به الحديث الصحيح عن عائشة عن رسول الله ﷺ » كما سيأتي في موضعه
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ أي اجعلنا مستسلمين لك يقال:
أسلم له واستسلم إذا خضع وأذعن، قال ابن جرير: «واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدا سواك، ولا في العبادة غيرك».
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ قال السدي: يعنيان العرب. قال ابن كثير
стр. 261
«والسياق إنما هو في العرب ولهذا قال بعده رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ... قال النسفي: «وإنما خصا بالدعاء ذريتهما لأنهم أولى بالشفقة» أقول: والذين لا يعطون العواطف البشرية العميقة في النفس البشرية حقها مخطئون، فالحرج أن تتجاوز العواطف البشرية حدودها المشروعة، أو تؤثر على النكوص عن أمر أو الوقوع في نهي وَأَرِنا مَناسِكَنا أي وبصرنا متعبداتنا في الحج، أو عرفنا إياها وواحد المناسك: منسك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ولهذا قيل للعابد ناسك أقول: وقد عرف الله إبراهيم على المناسك، وإن حجنا الحالي كله له صلة بإبراهيم وآله ﵈ كما سنرى ذلك. وَتُبْ عَلَيْنا ما فرط منا من التقصير. قالا ذلك هضما لنفسيهما وإرشادا لذريتهما وللخلق إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ لمن تاب الرَّحِيمُ بعباده
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أي من الذرية أي وأرسل فيهم رسولا لهم من أنفسهم، وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد ﷺ رسولا في الأميين إليهم، وإلى سائر الأعجمين من الإنس والجن، فكانت دعوة مستجابة يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ أي يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل وحدانيتك، وصدق أنبيائك ورسلك وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ، قال الألوسي «بأن يفهمهم ألفاظه ويبين لهم كيفية أدائه ويوقفهم على حقائقه وأسراره، والظاهر أن مقصودهما من هذه الدعوة أن يكون- الرسول- صاحب كتاب يخرجهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، وقد أجاب سبحانه هذه الدعوة بالقرآن» أقول: كانت هذه الدعوة قبل إنزال التوراة على موسى ﵇ بسنين طويلة، وهذا يقتضي إما أنهما دعوا بذلك بإخبار من الله تعالى أنه سينزل كتبا، أو بمعرفة عن الكتب، وعلى القول
الثاني فإن احتمال أن يكون هناك كتب منزلة من الله قبل التوراة والزبور والإنجيل يبقى قائما، وإن كثيرا من الأمم كأهل الهند وفارس تدعي وجود كتب مقدسة عندها، فهل لهذه الكتب أصل، ثم طرأ عليه ما طرأ؟ موضوع قابل للدراسة، وإن دراسة مستوعبة مقارنة شاملة يمكن أن توصلنا إلى بعض الحقائق مع الاحتراس الكثير وَالْحِكْمَةَ أي: ويعلمهم الحكمة وهي: وضع الأشياء في مواضعها: سواء كانت دنيوية أو أخروية، وإذ كانت الحكمة هي ما سوى الكتاب من تعليم الرسل، فإن كل ما علمنا إياه رسول الله ﷺ يسمى حكمة، ومن ثم فسر بعضهم الحكمة بالسنة وفسر ابن إسحاق دعوة إبراهيم وإسماعيل بتعليم الكتاب والحكمة بقوله: «يعلمهم الخير فيعقلوه، والشر فيتقوه، ويخبرهم برضى الله عنهم إذا أطاعوه، ليستكثروا من طاعته، ويجتنبوا ما يسخطه من معصيته» أقول فكأنه فسر
стр. 262
الكتاب بالفرائض والحكمة بالسلوك الصحيح وَيُزَكِّيهِمْ أي: ويطهرهم من الشرك وسائر الأرجاس الحسية والمعنوية أقول: دل ذلك على أن شأن الوارث الكامل للرسل أن يعلم الكتاب، ويربي على السلوك الحكيم، ويطهر الأنفس من شركها وأمراضها، فمن فاته شئ من ذلك؛ فاته شئ من الوراثة إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ أي الغالب الذي لا يغلب، والذي لا يعجزه شئ، وهو قادر على كل شئ الْحَكِيمُ في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محالها لعلمه وحكمته وعدله.
وبهذا تنتهي الفقرة الأولى من مقطع إبراهيم «وقد أعطتنا دلالات وإيحاءات، وعلى ضوء هذه الدلالات والإيحاءات تأتي الفقرة الثانية لتواجه الذين ينازعون الأمة المسلمة الإمامة، وينازعون الرسول ﷺ النبوة والرسالة، ويجادلون في حقيقة دين الله الأصيلة الصحيحة» عن الظلال بتصرف.
فوائد:
١ - قال ابن كثير: «وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة فقيل: الملائكة قبل آدم ... وقيل: آدم ... وروي عن ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة وعن وهب ابن منبه أن أول من بناه شيث ﵇، وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب، وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها، وأما إذا صح حديث من ذلك فعلى الرأس والعين».
٢ - روى البخاري عن ابن عباس ﵁ قصة إسماعيل وإبراهيم ومنها ما له علاقة ببناء البيت. «قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا (وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
٣ - أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة قال: «قلت يا رسول الله .. ما كان أول بدء أمرك؟ قال: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام .. » قال ابن كثير: وقوله: (ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام) قيل: كان مناما رأته حين حملت به، وقصته على قومها
стр. 263
فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئة، وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه ونبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى ابن مريم، إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها، ولهذا جاء في الصحيحين «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» وفي صحيح البخاري «وهم بالشام» .. اه. أقول: والمراد ببدء أمره ﵊ أي بدء ظهور أمره في هذا العالم وأقول: إن للشام لرسالة وإن على أهلها لواجبا.
٤ - وقال صاحب الظلال تعليقا على دعوة إبراهيم وإسماعيل في أن يبعث الله في ذريتهما رسولا: «وكانت الاستجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل هي بعثة هذا الرسول الكريم بعد قرون وقرون .... إن الدعوة المستجابة تستجاب ولكنها تتحقق في أوانها الذي يقدره الله بحكمته، غير أن الناس يستعجلون، وغير الواصلين يملون ويقنطون».
كلمة في السياق:
انتهت الفقرة الأولى من مقطع إبراهيم وقد تقررت فيها إمامة إبراهيم وسببها، وإمامة بعض ذريته، وتقررت فيها إمامة البيت، وبعض الآداب فيه ومعه، وتقررت فيها مجموعة الرغبات التي كانت في قلب إبراهيم وإسماعيل، والتي تمثلت بدعوات، وإذ كان إبراهيم إماما فإن هذه الرغبات لكل منها وزنه العظيم.
والقضيتان الكبيرتان في الفقرة هما الإسلام والبيت، والفقرتان اللاحقتان في هذا المقطع تناقشان الراغبين عن الإسلام والداعين لغيره. وسيأتي المقطع اللاحق ليكون فيه كلام عن اتخاذ البيت قبلة ولم نخرج من الفقرة الأولى إلا وقد اتضح موضوع الإسلام، والأمة المسلمة، التي سيتجدد ظهورها فيما بعد، بذرية إبراهيم وإسماعيل من العرب، ليشكلوا نواة الأمة الإسلامية في العالم بعد غياب، بالقائد والمنشئ والمربي رسول الله محمد ﷺ .
الفقرة الثانية في مقطع إبراهيم ﵇:
قلنا الفقرتين التاليتين في مقطع إبراهيم كلتاهما تناقش موضوع الإسلام.
стр. 264
إحداهما تناقش الراغبين عنه؛ ولذلك تبدأ بقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ.
والثانية: تناقش الداعين إلى غيره؛ ولذلك فإنها تبدأ بقوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ..
فنحن الآن إذن في الفقرة التي تناقش الراغبين عن الإسلام: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ هذا استفهام فيه معنى الإنكار والاستبعاد أن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح، الذي هو ملة إبراهيم، والملة: هي السنة والطريقة وقوله إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ أي جهل نفسه فظلمها بسفهه، وسوء تدبيره؛ بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفاه الله في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنة، إلى أن اتخذه الله خليلا، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء، فمن ترك طريقه ومسلكه وملته، واتبع طرق الضلالة والغي، فأي سفه أعظم من سفهه؛ أم أي ظلم أكبر من ظلمه؛ كما قال تعالى (في سورة لقمان): إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ هذا بيان لخطأ رأي من يرغب عن ملة إبراهيم، لأن من جمع كرامة الدارين لم يكن أحد أولى بالرغبة في طريقته منه
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ. هذا بيان لسبب الاصطفاء أنه أمر بالإسلام والاستسلام لله فأسلم واستسلم، والإسلام فيه معنى التسليم والإذعان والطاعة والإخلاص لله.
فوائد:
١ - اصطفاء إبراهيم في الدنيا أي: اختياره بالرسالة واجتباؤه من سائر المخلوقات، وكونه في الآخرة من الصالحين شهادة له بفعل الصلاح، والثبات على الاستقامة والخير والصلاح، فاجمع له الكمالات الدنيوية والأخروية. فالسفيه وحده أي: الجاهل الخفيف العقل هو الذي يرغب عن طريق فيه خير الدنيا والآخرة.
٢ - ذهب أبو العالية وقتادة: «أن هذه الآية نزلت في اليهود؛ أحدثوا طريقا ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه» والقاعدة أن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ، فما من إنسان يرغب عن ملة إبراهيم إلا جاهل لنفسه، إذ الوضع الصحيح للنفس أن تكون مستسلمة لله علما وحالا وسلوكا، وكان إبراهيم إماما في ذلك، فالرغبة عن هذه الطريقة لا تكون إلا أثرا عن الجهل والسفه والطيش.
стр. 265
كلمة في السياق:
١ - مر معنا في مقدمة سورة البقرة عن المنافقين قوله تعالى:
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ وسيأتي معنا في أول المقطع اللاحق مقطع القبلة قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها. وفي هذه الفقرة تحدد معنا معنى السفهاء بما لا يقبل لبسا، ألا وإنهم الراغبون عن الإسلام لله رب العالمين.
٢ - إن الاستسلام لله رب العالمين هو ملة إبراهيم ﵊، فمهما أمر به الله أو نهى عنه أو اختاره، فعلى الإنسان أن يستسلم له، وقد اختار الله محمدا ﷺ وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وعلى الإنسان أن يستسلم لله في ذلك، ومن لم يفعل فإنه من السفهاء كائنا من كان.
٣ - ولقد احتج اليهود من قبل في رفضهم الإيمان بالقرآن؛ بأنهم يؤمنون بما أنزل عليهم، وتستكمل الحجة عليهم فيما يأتي من هذه الفقرة، بأن وصية إبراهيم وإسحاق ويعقوب، الإسلام والتوحيد، فعليهم أن يسلموا، ولا ينفعهم انتسابهم للصالحين إن كانوا كافرين.
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ أي وصى بهذه الملة وهي الإسلام لله، أو وصى بهذه الكلمة وهي (أسلمت لله رب العالمين) إبراهيم بنيه لحرصه عليها ومحبته لها، حافظ عليها إلى حين الوفاة، ووصى بنيه بها من بعده كقوله تعالى (في سورة الزخرف) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وَيَعْقُوبُ هو معطوف على إبراهيم داخل في حكمه والمعنى: ووصى بها يعقوب بنيه أيضا، يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ هذه هي الوصية للأبناء، وإذن يقدر قبل: يا بَنِيَّ قول محذوف فيكون التقدير: قال «يا بني إن ... » ومعنى هذه الوصية: إن الله أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان وهو دين الإسلام، ووفقكم للأخذ به، فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام، قال ابن كثير في تفسير هذه الوصية: «أي: أحسنوا في حال الحياة والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه، فإن المرء يموت غالبا على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه، وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد الخير وفق له ويسر عليه، ومن نوى صالحا ثبت عليه، وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة
стр. 266
حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع- أو ذراع- فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع- أو ذراع- فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: «ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس»، وقد قال الله تعالى (في سورة الليل) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى اهـ. كلام ابن كثير.
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
أَمْ على الراجح في الآية أنها منقطعة بمعنى بل، والهمزة للإنكار، ومعنى (بل) الانتقال عن الكلام الأول وهو التوصية- إلى توبيخ اليهود على ادعائهم أن يعقوب وأبناءه دينهم اليهودية، وفائدته الانتقال من جملة إلى أخرى: أي ما كُنْتُمْ شُهَداءَ أي حاضرين إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ حين احتضاره ﵊، وسؤاله بنيه عن الدين فلم تدعون ما تدعون؟! قال ابن كثير في الآية: «يقول تعالى محتجا على المشركين من العرب- أبناء إسماعيل- وعلى الكفار من بني إسرائيل- وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ﵈ بأن يعقوب لما حضرته الوفاة إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ وصى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وهذا من باب التغليب لأن إسماعيل عمه، قال النحاس: والعرب تسمي العم أبا نقله القرطبي ... إِلهاً واحِداً أي نوحده
بالألوهية ولا نشرك به غيره وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أي مطيعون خاضعون ... والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم» اه.
ثم قال تعالى تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ الإشارة في تِلْكَ إلى إبراهيم ﵇ وأولاده والأمة هنا بمعنى: الجماعة قَدْ خَلَتْ أي قد مضت لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين، لا ينفعكم انتسابكم إليهم؛ إذا لم تفعلوا خيرا يعود نفعه عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ أي لا تؤاخذون بأعمالهم، نصت الآية على أن الكافر لا ينفعه كسب غيره متقدما كان أم متأخرا، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم
стр. 267
إلا ما اكتسبتم؛ وذلك لافتخارهم بآبائهم. وفي الحديث الذي رواه مسلم «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه».
وبهذا استكملت الحجة على الراغبين عن دين إبراهيم، ومن رغب عن الإسلام الذي أنزل على محمد ﷺ فقد رغب عن ملة إبراهيم. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ.
فائدة:
- استدل بقوله تعالى قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ من جعل الجد أبا (في حال وفاة الأب) وحجب به الإخوة في الإرث، كما هو قول الصديق، حكاه البخاري عنه، من طريق ابن عباس وابن الزبير ثم قال البخاري: ولم يختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين، وبه يقول الحسن البصري وطاوس وعطاء، وهو مذهب أبي حنيفة وغير واحد من السلف والخلف، وقال مالك والشافعي وأحمد فى المشهور عنه: إنه يقاسم الإخوة واختاره صاحبا أبي حنيفة: أبو يوسف ومحمد بن الحسن.
كلمة في السياق:
بالفقرة السابقة تنتهي مناقشة الراغبين عن دين إبراهيم، وخاصة أصحاب دعوى الانتساب إليه، مع انحرافهم عن التوحيد والإسلام والعبادة الخالصة. وقد ذكرنا قوله تعالى- حكاية عن أبناء يعقوب ﵇: نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ببداية هذا القسم كله يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ .... فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فالأمر الذي وجه للناس جميعا بالعبادة والتوحيد تأتي المقاطع لتعمقه، ولم يبق من مقطع إبراهيم إلا الفقرة الأخيرة، وهي التي تناقش الداعين إلى غير ملة إبراهيم، بعد أن ناقشت الفقرة السابقة الراغبين عن ملته، وتختم بالآية نفسها التي ختمت بها الفقرة السابقة:
الفقرة الثالثة في مقطع إبراهيم ﵇:
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ
стр. 268
الْمُشْرِكِينَ أي قالت اليهود: كونوا يهودا تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا، والجواب قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً الحنيف: هو المائل عن كل دين باطل إلى الدين الحق، وقد رأينا في الفقرة السابقة أن ملة إبراهيم هي الإسلام، فالاستسلام لله واتباع هداه هو الهدى لا دعاواهم وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بل من الموحدين، هذا تعريض بأهل الكتاب وغيرهم، لأن كلا منهم يدعي اتباع ملة إبراهيم وهو على الشرك، بينت الآية أن الهداية في الاستسلام لله وعدم الشرك به، وبدون ذلك فلا هداية، وهؤلاء وهؤلاء ليسوا مسلمين وليسوا موحدين، فأنى يكونون مهتدين، وكيف يزعمون أن الهداية عندهم ويدعون إليها، روى محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله ﷺ : ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا ... قال قتادة: «الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله، يدخل فيها تحريم الأمهات، والبنات، والخالات، والعمات، وما حرم الله- والختان» أقول: الحنيفية: هي موافقة الفطرة بالتوحيد، وترك ما نهى الله عنه، وفعل ما أمر به، ذلك مقتضى العهد الأول.
كلمة في السياق:
في هذه الآية الأولى من هذه الفقرة جاء الرد على زعم اليهود والنصارى، أن الهدى عندهم فجاء الرد عليهم: بأن الهداية في ملة إبراهيم، واستكمالا للرد واستكمالا لإقامة الحجة، يأمر الله هذه الأمة أن تعلن إيمانها بكل هدى أنزله الله، من لدن إبراهيم إلى محمد ﷺ إلى ما قبل ذلك، وأن تعلن استسلامها لله ، تلك هي الهداية الكاملة لا مزاعم اليهود والنصارى.
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا الخطاب للمؤمنين، وما أنزل إلينا هو القرآن وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ السبط: هو الحفيد والأسباط: هم حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر. قال البخاري: الأسباط: قبائل بني إسرائيل وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط هاهنا شعوب بني إسرائيل، ونحن مأمورون بأن نؤمن بالوحي الذي أنزل على أنبيائهم وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى أوتي موسى التوراة؛ فنحن نؤمن بذلك، وأوتي عيسى الإنجيل؛ فنحن نؤمن بذلك، أخرج ابن أبي حاتم ..
عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : «آمنوا بالتوراة والإنجيل وليسعكم القرآن» وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ أرشد الله عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم
стр. 269
بواسطة رسوله محمد ﷺ مفصلا، وما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أي نؤمن بهم جميعا فلا نفعل ما فعلت اليهود والنصارى آمنوا ببعض وكفروا ببعض وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أي ونحن لله مستسلمون، والاستسلام لله هو ذروة الإخلاص.
يقول صاحب الظلال تعليقا على هذه الآية: «تلك الوحدة الكبرى بين الرسالات جميعا، وبين الرسل جميعا، هي قاعدة التصور الإسلامي، وهي التي تجعل من الأمة المسلمة، الأمة الوارثة لتراث العقيدة القائمة على دين الله في الأرض، الموصولة بهذا الأصل العريق، السائرة في الدرب على هدى ونور، والتي تجعل من النظام الإسلامي النظام العالمي، الذي يملك الجميع الحياة في ظله، دون تعصب ولا اضطهاد، والتي تجعل من المجتمع الإسلامي مجتمعا مفتوحا للناس جميعا في مودة وسلام، ومن ثم يقرر السياق الحقيقة الكبيرة، ويثبت عليها المؤمنين بهذه العقيدة حقيقة أن هذه العقيدة هي الهدى من اتبعها فقد اهتدى، ومن أعرض عنها فلن يستقر على أصل ثابت، ومن ثم يظل في شقاق مع الشيع المختلفة التي لا تلتقي على قرار».
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا قال ابن كثير: يقول تعالى: فإن آمنوا يعني الكفار من أهل الكتاب وغيرهم بمثل ما آمنتم به يا أيها المؤمنون من الإيمان بجميع كتب الله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم، فقد اهتدوا أي: فقد أصابوا الحق وأرشدوا إليه وَإِنْ تَوَلَّوْا عن الحق إلى الباطل بعد قيام الحجة عليهم فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ أي في خلاف وعداوة فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ أي فسينصرك عليهم ويظفرك بهم، هذا ضمان من الله لإظهار رسوله عليهم، وقد أنجز وعده بقتل بعضهم وإجلاء بعضهم، والوعد لا زال مستمرا ومعنى (السين) أن ذلك كائن لا محالة ولو تأخر إلى حين وَهُوَ السَّمِيعُ لما يضمرون من الحسد والغل، وهو معاقبهم عليه، فهو وعيد لهم، أو وعد لرسول الله ﷺ ، أي يسمع ما تدعو به، ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين الحق، وهو مستجيب لك، وموصلك إلى مرادك
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ
هذه تتمة الحجة في الرد على الداعين إلى ترك ملة إبراهيم إلى يهودية أو نصرانية، فتقدير الكلام على رأي بعض المفسرين إما: قولوا صبغنا الله صبغة أو قولوا: صبغة الله، أو بل صبغة الله، على البدل من ملة إبراهيم أي: بل ملة إبراهيم، بل صبغة الله، وعلى كل هذه الأقوال فإن هذه الآية استمرار للرد على دعاة اليهودية والنصرانية ومزاعمهم، أن الهدى عندهم، أمرنا أن نعلن أن الهداية في ملة إبراهيم ونحن عليها، وأمرنا أن نعلن إيماننا بكل
стр. 270
وحي أنزله، وأمرنا أن نعلن أن ما نحن عليه هو صبغة الله، وأنه لا أحسن من ذلك، وأننا مخلصون له العبادة فمن اجتمع له ذلك فهو على الهداية الكاملة، لا من زعم أن الهداية عنده بلا دليل.
من عادات النصارى أنهم يغمسون أولادهم بماء يسمونه: المعمودية، ويقولون عنه:
إنه تطهير لهم فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال الآن صار نصرانيا حقا. يقول شارل جنيبير في كتابه (المسيحية وتطورها) عن التعميد هذا: «فإذا ما آمن الإنسان به (أي بالمسيح) أقيمت له مراسم التعميد، وهي طقوس يهودية الأصل تبناها المسيحيون .... تعقد الدخول في الكنيسة المسيحية بفعل نمو الطقوس التي شملت شيئا فشيئا جميع المجالات الدينية .... وأصبح التعميد نفسه احتفالا معقدا يشتمل- على أقل تقدير- على مجموعة من التعليمات الخاصة، وعلى الغسل بالماء الذي يكرر ثلاثا، وعلى إجراء اللمس باليد الذي يصاحبه المسح بالزيت المقدس (المسح بالزيت تقليد من تقاليد اليهود كما يقول المؤلف) ثم ينتهي إلى طقوس القربان الأول .... وليس من العسير علينا أن نكشف عن روح الأسرار الهيلينية فى هذا التعليم التدريجى .... » فأمر المسلمون بهذه الآيات أن يقولوا لهم: آمنا بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغته، فعلى هذا الاتجاه في الفهم تكون صِبْغَةَ اللَّهِ هنا حديثا عن أثر الإيمان الذى أمر به المسلمون في الآية قُولُوا آمَنَّا .... فالإيمان الصحيح الشامل يطهر النفوس، فتصبح هذه الأنفس بالإيمان ذات لون رباني. قال البيضاوي ذاكرا بعض اتجاهات المفسرين في تفسير صِبْغَةَ اللَّهِ « .... أو طهر قلوبنا بالإيمان تطهيره وسماه: صبغة، لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ، وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب، أو للمشاكلة فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون: هو تطهير لهم وبه تتحقق نصرانيتهم .... » وهناك اتجاه في تفسير الآية أن المراد بصبغة الله دينه، فهذا الدين الذى أنزله على محمد ﷺ هو الذي صبغه هذه الصبغة، فهو أثر مباشر عن الله
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً
أي: لا دين أحسن من دينه، أولا تطهير أحسن من تطهيره الذي تأخذ به الأنفس لونها الصحيح وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ قال البيضاوي: (هذا) تعريض لهم أي: لا نشرك به كشرككم .. ، فنحن قائمون بعبادته كما أمر، معطون العبودية له كما يحب، وهذا مفترق الطريق بين المسلم وغيره، المسلم يعتبر أن مقامه الصحيح هو في العبودية لله، وغير المسلم يعتبر نفسه حرا، فلا عبودية ولا عبادة، أو عبودية وعبادة في
стр. 271
غير محلهما الصحيحين. لقد صبغنا الله بالإيمان صبغته، فالحمد لله رب العالمين.
كلمة في السياق:
لقد رأينا أن هذه الفقرة رد على الداعين لغير ملة إبراهيم، وهذا الرد يأتي على مرحلتين: المرحلة الأولى هي ما مر معنا، ثم بعد ذلك تأتي المرحلة الثانية: وهي الآيات الأخيرة في الفقرة فصار التسلسل: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا ...
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ .... قُولُوا آمَنَّا .... صِبْغَةَ اللَّهِ ....
هذه المرحلة الأولى في الرد، والمرحلة الثانية تبدأ بقوله تعالى:
قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ ... فهذا وما بعده من الفقرة تتمة الجواب على قولهم الذي بدأت به الفقرة فلنر تفسير تتمة الفقرة:
قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ أي أتجادلوننا وتناظروننا في شأن الله وهدايته واصطفائه من شاء، كاصطفائه النبي ﷺ من العرب دونكم، وتقولون لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا، وترون أنكم أحق بالنبوة منا وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ أي نشترك جميعا في أننا عباده، وهو ربنا، وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ يعني أن العمل علامة ودليل، أنتم لكم أعمال ولنا أعمال، ومن تأمل أعمالنا وأعمالكم عرف المستقيم على أمر الله من المنحرف وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ هذه هي العلامة الثانية على أننا أهل الهداية لا أنتم والمعنى: ونحن له موحدون، نخصه بالإيمان وأنتم به مشركون، والمخلص أحرى بالكرامة وأولى بالهداية، فنحن المهتدون لا أنتم، قال البيضاوي: «روي أن أهل الكتاب قالوا: الأنبياء كلهم منا فلو كنت نبيا لكنت منا، فنزلت: قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لا اختصاص له بقوم دون قوم، يصيب برحمته من يشاء من عباده وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا، كأنه ألزمهم (أي الحجة) على كل مذهب ينتحونه إفحاما وتبكيتا، فإن كرامة النبوة إما تفضل من الله على من يشاء- والكل فيه سواء- وإما إفاضة حق على المستعدين لها بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالإخلاص، فكما أن لكم أعمالا ربما يعتبرها الله في إعطائها، فلنا أيضا أعمال وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ أي:
موحدون نخلص بالإيمان والطاعة دونكم». وقد رد الألوسي اتجاه البيضاوي هذا،
стр. 272
معتبرا أن القول الأقوى، هو في كون اليهود والنصارى ادعوا أن الدين الحق اليهودية والنصرانية، وبنوا دخول الجنة والاهتداء عليهما، فجاء الرد عليهم من خلال الحديث عن ربوبيته، وصلاح أعمالنا وفساد أعمالهم، وإخلاصنا في العمل له» ومما يمكن أن يقال: إن الله علمنا إلزامهم الحجة من خلال الإخلاص وحده في الآية، وذلك أنهم مشركون، وأنهم يعملون رياء وسمعة، وخضوعا لضغوط اجتماعية وغيرها، فالله رب الجميع، ولكل عمله، ولكنا مخلصون وأنتم غير مخلصين، فلا تدعوا أن الله لكم ومعكم وأنتم كذلك، وتكون المحاجة بيننا وبينهم في أن الله معنا أو معهم، لنا أو لهم، ومن تأمل لغة اليهود والنصارى حتى الآن، أدرك أن لغتهم الحديثة، هي لغتهم القديمة، في دعوى أن الله لهم ومعهم، مع أن إيمانهم بالربوبية مخدوش، وأعمالهم منقوضة، وإخلاصهم معدوم؛ لأن الإخلاص عمل لله وبالله، وفيما شرع الله، وأنى لهم ذلك كله، ثم تأتي الآية اللاحقة فتستكمل الحجة:
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى أي: أتحاجوننا في الله ... فأنتم مغلوبون في زعمكم أنكم المهتدون، أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ ......... كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى حتى تنحصر الهداية فيكم فأنتم كاذبون لأن هؤلاء كانوا قبل اليهودية والنصرانية، والله شهد بأن دينهم الإسلام، هذا إذا اعتبرنا أن (أم) في هذه الآية معادلة للهمزة الموجودة في الآية السابقة عليها، وهو اتجاه للمفسرين، وعلى هذا الاتجاه يكون الاستفهام في الآية السابقة وهذه الآية إنكاريا. قال الألوسي: «والمراد بالاستفهام إنكارهما معا بمعنى: كل من الأمرين منكر ينبغي ألا يكون إقامة الحجة وتدوير البرهان على حقية ما أنتم عليه- والحال ما ذكر- والتشبث بذيل التقليد والافتراء على الأنبياء ﵈».
وفائدة هذا الأسلوب- مع أن العلم حاصل بثبوت أحد الأمرين، الإشارة إلى أن أحدهما كاف في الذم، فكيف إذا اجتمعا، كما تقول لمن أخطأ تدبيرا ومقالا: «أتدبيرك أم تقريرك». وعلى القول بأن (أم) منقطعة أي بمعنى الهمزة وبل، يكون التقدير:
«بل أتقولون إن إبراهيم وإسماعيل ... » فيكون المعنى أنكم تحاجون في الله من خلال دعواكم أنكم على الهداية، فأنتم في هذه الدعوى تزعمون أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط عليهم الصلاة والسلام، كانوا هودا أو نصارى؛ لأنكم تعتقدون هدايتهم، فذلك زعم منكم أن هؤلاء كانوا على اليهودية أو النصرانية، وذلك زعم باطل وسنرى في سورة (آل عمران) التي هي تغطية لمعان في
стр. 273
سورة البقرة كيف يأتي قوله تعالى ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا .. وبهذا استكملت الحجة على اليهود والنصارى، في زعمهم أن الهداية عندهم و (أم) على القول الراجح معادلة للهمزة في (أتحاجوننا)، يعني: أي الأمرين تأتون؟ المحاجة في الله، أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء المذكورين، فإذا حاججتمونا في الله تبين أننا المهتدون، وإذا ادعيتم أن الهداية محصورة في اليهودية والنصرانية فهذا كذب، فهل كان هؤلاء المذكورون على يهودية أو نصرانية؟ ولا يهودية إلا من بعد موسى، ولا نصرانية إلا من بعد عيسى، فالهداية إذن هداية الله التي يخص بها من شاء، الأمر أمره والوحي وحيه، ثم قال: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ بل الله أعلم بمن اهتدى، وأعلم بمن يهدي، وأعلم بخبر أنبيائه المذكورين، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هودا ولا نصارى.
قال الألوسي: أي لستم أعلم بحال إبراهيم ﵇ في باب الدين، بل الله تعالى أعلم بذلك، وقد أخبر سبحانه بنفي اليهودية والنصرانية عنه، واحتج على انتفائهما عنه بقوله وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ وهؤلاء المعطوفون عليه أتباعه في الدين وفاقا، فحالهم حاله فلم تدعون له ولهم ما نفى الله تعالى؟ فما ذلك إلا جهل غال ولجاج محض، ثم قال تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ أي: لا أحد أظلم ممن كتم شهادة ثابتة عنده، واصلة من الله إليه، وهي شهادته تعالى لإبراهيم بالحنيفية، أو شهادتهم التي عليهم أن يؤدوها في حق محمد ﷺ الذي بشرت به التوراة والإنجيل، وعلى كل فالآية فيها تعريض بهم؛ إذ إنهم يعرفون أن محمدا رسول الله، بشرت به التوراة والإنجيل، وكان عليهم أن يشهدوا له ويتابعوه فلم يفعلوا فليس أشد في الظلم من هذا، أن يكتم الشهادة الشهود.
عرفوه وأنكروه وظلما ... كتمته الشهادة الشهداء.
وهم يعرفون أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ... كانوا على الإسلام لله، وهم يكتمون هذا، ويدعون أن هؤلاء كانوا يهودا أو نصارى، فلا أظلم منهم، حملهم الله الشهادة
فكتموها، أو شهد الله في كتبهم على أشياء فأنكروا شهادة الله؛ فمن أظلم منهم؟ لا أحد وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ من تكذيب الرسل، وكتمان الشهادة، والدعوة إلى الباطل، وادعاء الهداية، وصرف الناس عن الدين الحق، هذا تهديد ووعيد لأهل الكتاب، أي: إن الله تعالى لا يترك أمركم سدى، بل هو محصل لأعمالكم، محيط بجميع ما تأتون وتذرون، فيعاقبكم بذلك أشد عقاب. وبنفس الخاتمة التي ختمت بها الفقرة السابقة تختم هذه الفقرة.
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
стр. 274
وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ.
قال الألوسي: (هذا) تكرير لما تقدم، للمبالغة في التحذير، عما استحكم في الطباع، من الافتخار بالآباء والاتكال عليهم ... ، أو تأكيد وتقرير للوعيد، يعني:
أن الله يجازيكم على أعمالكم، ولا تنفعكم آباؤكم، ولا تسألون يوم القيامة عن أعمالهم، بل عن أعمال أنفسكم» فكما لا يسألون عن أعمالكم السيئة، فلا يغني عنكم انتسابكم إليهم، من غير متابعة منكم لهم، فلا تغتروا بمجرد النسبة إليهم، حتى تكونوا منقادين مثلهم لأوامر الله، واتباع رسله الذين بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه من كفر بنبي واحد فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما بسيد الأنبياء، وخاتم المرسلين، ورسول رب العالمين، إلى جميع الإنس والجن ﷺ ، أقول كررت الآية للتأكيد، وعلامة على نهاية الفقرة، فمما يستدل به على نهاية بعض الفقرات، أو بعض المقاطع، أو بعض الأقسام، التشابه، مع نهايات سابقة أو لاحقة، كما سنرى في هذا التفسير.
والمعاني هي التي تحدد.
كلمة في السياق:
١ - بدأت سورة البقرة بمقدمة حددت صفات المتقين والكافرين والمنافقين، ثم جاء القسم الأول من السورة داعيا إلى عبادة الله وحده وتوحيده، ثم سار السياق حتى وصلنا إلى مقطع إبراهيم، فعلمنا من خلال المقطع أن ما دعينا إليه وما طولبنا به هو الإسلام دين إبراهيم.
وبهذا نرى كيف أن السورة تبني الشخصية الإسلامية شيئا فشيئا، وتتكامل معانيها شيئا فشيئا، وتتلاحم المعاني بشكل هو وحده معجز.
٢ - وإذا تأملت الفقرة الأخيرة في عرض القول ورده، تجد في ذلك نموذجا على نوع من الإعجاز، يستحيل أن يصدر من بشر، على مثل هذه الطريقة وهذا الأسلوب، وهكذا الشأن في رؤيتك تلاحم الفقرات في مقطعها، واتصال المقاطع ببعضها.
٣ - ومن قبل رأينا محل مقطع إبراهيم في السياق:
فإبراهيم هو النموذج الكامل على اتباع الهدى المنزل عليه، ومن قبل كانت قصة بني إسرائيل نموذجا على أمة انحرفت، وجاء المقطعان بعد مقطع آدم، الذي قرر أن
стр. 275
وظيفة الانسان هي اتباع ما أنزل الله، جاء ذلك كله بعد دعوة الناس جميعا للسير في طريق التقوى، التي أحد أركانها، الاهتداء بكتاب الله ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ أليس مقطع إبراهيم درسا في أن كلمات الله ينبغي أن تقام على الوجه الأمثل، وأن اتباع هدى الله هو الطريق الأمثل، وبالتالي فإن هذا القرآن يجب أن يقام.
٤ - وكما قلنا من قبل فإن مقطع إبراهيم هو مقدمة الحديث عن القبلة، وعن وجوب التوجه إلى الكعبة، الذي هو مرتكز كبير من مرتكزات العبادة لله رب العالمين، في سياق القسم الذي يأمر بعبادة الله رب العالمين، وهكذا نصل إلى المقطع الخامس في القسم الأول من سورة البقرة، وهو مقطع القبلة، وقبل أن نبدأ عرضه فلنذكر بعض الفصول التي وعدنا بعقدها هنا، أو اقتضاها المرور على بعض المعاني.
فصول شتى وفوائد:
فصل في الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم ﵇:
للمفسرين في الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم ﵊ كلام كثير، وكل أقوالهم استنباط، إما من خلال ما قصة الله علينا في القرآن، أو من خلال ما قصة رسول الله ﷺ عن أبينا إبراهيم، أو من خلال فهم قضية الفطرة، ومجموع ما ذكروه في الكلمات أنها: شرائع الإسلام، وبعضهم قال: ابتلاه الله بالمناسك، وقال آخرون: ابتلاه بالطهارة: خمس في الرأس وخمس في الجسد، في الرأس، قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وفي الجسد، تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء، وبعضهم ذكر بدل فرق الشعر غسل البراجم وهي: عقد الأصابع، وذكر بدل الاستنجاء الاستحداد وهو: حلق العانة، وقال بعضهم: الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن، فراق قومه في الله، حين أمر بمفارقتهم ومحاجته نمرود في الله، حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه، وصبره على قذفه إياه في النار على هول ذلك من أمرهم، والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في الله، حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله، وما ابتلي به من ذبح ابنه، حين أمره بذبحه، وبعضهم قال: ابتلاه بالكوكب، وبالشمس، وبالقمر، فأحسن في ذلك وعرف أن ربه دائم، ابتلاه بعمارة البيت فقام به، وبعضهم
стр. 276
قال: ابتلي بالكلمات: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ... هذا مجموع ما فسر به المفسرون الكلمات تقريبا. قال ابن جرير ما حاصله «إنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا نجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين، إلا بحديث أو إجماع، ولم يصح في ذلك خبر، بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له» وقال ابن كثير: وقوله تعالى بِكَلِماتٍ أي بشرائع وأوامر ونواه، فإن الكلمات تطلق ويراد بها الكلمات القدرية كقوله تعالى عن مريم ﵍ (في
سورة التحريم) وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ. وتطلق ويراد بها الشرعية، كقوله تعالى (في سورة الأنعام) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا أي كلماته الشرعية، وهي إما خبر صدق، وإما طلب عدل إن كان أمرا ونهيا، ومن ذلك هذه الآية الكريمة.
فصل في قريش والإمامة:
قال تعالى:
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فهم بعضهم من هذا النص أن الإمامة ينبغي أن تكون في بني إسماعيل لأنهم من ذرية إبراهيم ﵇، فقد انتقلت الإمامة بعد بعثة رسولنا ﵇ من بني إسرائيل من ذرية إبراهيم إلى بني إسماعيل من ذريته باصطفاء الله محمدا ﷺ منهم، ثم هي في ذريته النسبية وفيه قوله ﵇ «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا:
كتاب الله وعترتي- أهل بيتي- لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» ولكن الفاسق منهم والمبتدع- بله الكافر- ليس أهلا لها ثم هي في ذرية إبراهيم من المسلمين أي في قريش، ومن ثم كانت الأئمة منهم، قال ﵇ «الأئمة من قريش» ولكن لا يستأهلها منهم فاسق أو مبتدع أو كافر، وبعضهم قال: إنه لا تلازم بين الإمامة في الدين ومنصب الخلافة بالذات، ومنذ عصر الصحابة وجد في موضوع الخلافة ثلاث اتجاهات رئيسية:
الأول: أنها في آل البيت، والثاني: أنها في قريش، والثالث: أنها في الأكفاء من مجموع الأمة، وفي كلام عمر ﵁ ما يؤيد الاتجاه الأخير، ولكن أقوى الاتجاهات أنها في قريش، والمفروض بالنسبة للمستقبل أن يعطى كل اتجاه من هذه الاتجاهات حقه
стр. 277
في الترشيح، ويبقى للأمة حق الاختيار، ولن يفوت الأمة الإسلامية أن تختار الأرضى لله. قال تعالى (في سورة الشورى) وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ويا حبذا من خلال الشورى إمامة هاشمي عدل: فإن لم يكن فإمامة قرشي عدل: فإن لم يكن فإمامة مسلم عدل، ويا للأسف لم يعد في عصرنا للمسلمين خليفة يجمعهم.
فصل في أن قوله تعالى لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ نص في أن الباطنين على باطل:
في العالم الآن فرق باطنية تدعي أن للقرآن ظاهرا يخالف الباطن، وأن أئمتهم هم الذين يعرفون هذا الباطن، وبناء على أقوال أئمتهم ظالمون في زعمهم عطلوا الصلاة والصوم والزكاة والحج، وغير ذلك من شعائر الإسلام، وبذلك ثبت أن أئمتهم ظالمون، وبذلك ثبت أنهم لا يستحقون الإمامة، وبذلك ثبت أن هؤلاء على باطل، والأمر أوضح من أن يتكلم به.
فصل: في الظلم الذي لا يستحق به صاحبه منصب الخلافة:
في شريعة الله الظلم ظلمان: ظلم الإنسان لنفسه، وظلمه لغيره، وظلم الإنسان لنفسه يتمثل فى الشرك والكفر، ويتمثل في البدعة والفسوق، وكلها تخرج صاحبها عن استحقاقه الإمامة في الوضع العادي، وإذا انعقدت الإمامة ثم فسق من انعقدت له ينعزل تلقائيا بفسوقه أو يستحق العزل؟ القول الأقوى عند الحنفية: أنه يستحق العزل من أهل الحل والعقد.
قال القرطبي: «استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل والإحسان والفضل، مع القوة على القيام بذلك، وهو الذي أمر النبي ﷺ ألا ينازعوا الأمر أهله على ما تقدم من القول فيه، فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل لقوله تعالى لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ولهذا خرج ابن الزبير، والحسين بن علي ﵁، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم، على الحجاج. وأخرج أهل المدينة بني أمية وقاموا عليهم، فكانت الحرة التي أوقعها بهم عقبة بن مسلم. والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على المسلمين والفساد في الأرض، والأول مذهب طائفة من المعتزلة، وهو مذهب الخوارج فاعلمه». أقول وهو مذهب كبار في أئمة أهل السنة والجماعة، ويكفي من ذكر،
стр. 278
كالحسين وابن الزبير وسعيد بن جبير وأقول: تبقى الموازنة بين الخروج على الظالمين وعدمه قائمة، إلا إذا كفروا وكنا قادرين. وأقول: إن علينا أن نعمل لإيجاد أنظمة إسلامية، لا يجد فيها الفاسق والظالم أحدا يتجاوب معه من الأمة، فضلا عن أهل الحل والعقد، وبالتالي فإذا فسق أو جار حاكمته محكمتنا العليا، أو مؤسساتنا العليا، ثم طرد من منصبه غير مأسوف عليه، لقد استطاع الغريبون أن يوجدوا نوعا من الأنظمة لا يستطيع معها زعيم أو قائد أن يستمر إذا ما وقع في خطأ أو خلل. فكيف نعجز نحن عن ذلك؟ والإسلام هو الإسلام، لقد سقط إيدن في بريطانيا لأنه ارتكب خطأ سياسيا، وسقط نيكسون في أمريكا لأنه استغل أجهزة الحكم لصالح تجديد انتخابه رئيسا للولايات المتحدة.
ولنعد إلى القرطبي:
قال القرطبي: قال ابن خويزمنداد: «وكل من كان ظالما لم يكن نبيا، ولا خليفة، ولا حاكما، ولا مفتيا، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام، غير أنه لا يعزل بفسقه حتى يعزله أهل الحل والعقد، وما تقدم من أحكامه موافقا للصواب ماض غير منقوض، وقد نص مالك على هذا في الخوارج والبغاة، أن أحكامهم لا تنقض إذا أصابوا بها وجها من الاجتهاد، ولم يخرقوا الإجماع، أو يخالفوا النصوص، وإنما قلنا ذلك لإجماع الصحابة، وذلك أن الخوارج قد خرجوا في أيامهم، ولم ينقل أن الأئمة تتبعوا أحكامهم، ولا نقضوا شيئا منها، ولا أعادوا أخذ الزكاة، ولا إقامة الحدود التي أخذوا بها وأقاموا، فدل على أنهم إذا أصابوا وجه الاجتهاد لم يتعرض لأحكامهم».
أقول: ومن قبل لم يتعرض رسول الله ﷺ إلى ما كان في شأن الجاهلية إلا في قضية قائمة، كإسقاطه ربا العباس، ومن ثم فالحركة الإسلامية إذا استلمت الحكم فإنها لن تنظر إلا في قضية قائمة، ومن هنا يعرف أننا لن نتعرض لماض، وإنما سنعالج الحاضر على ضوء الإسلام، وبالتالي فإننا لن نتعرض لمواضيع الإصلاح الزراعي وغيرها، مما حدث في مراحل سابقة على حكمنا وانتهى الأمر فيه، وسنحاول أن نعطي كل الناس مما يسعهم ويغنيهم، فالإسلام يزيد ولا ينقص، وسنربي الناس على المسامحة، وعلى أن يتخلصوا من مظالمهم على ضوء الفتوى المعتبرة من أهلها، ونعود إلى القرطبي.
وقال القرطبي: قال ابن خويزمنداد: «وأما أخذ الأرزاق من الأئمة الظلمة فلذلك ثلاثة أحوال: إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذا على موجب الشريعة فجائز أخذه، وقد
стр. 279
أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجاج وغيره، وإن كان مختلطا حلالا وظلما كما في أيدي الأمراء اليوم فالورع تركه، ويجوز للمحتاج أخذه ... ، وإن كان ما في أيديهم، ظلما صراحا فلا يجوز أن يؤخذ من أيديهم، ولو كان ما في أيديهم من المال مغصوبا، غير أنه لا يعرف له صاحب ولا مطالب، فهو كما لو وجد في أيدي اللصوص وقطاع الطريق ويجعل في بيت المال، وينتظر طالبه بقدر الاجتهاد، فإذا لم يعرف صرفه الإمام في مصالح المسلمين».
أقول: في خطبة الوداع قال رسول الله ﷺ «ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون» ومن هنا نفهم أن الحركة الإسلامية إذا ورثت الحكم ففي القضايا المعلقة ستطبق الإسلام، فلا يعطى إنسان- كان قد وضع ماله في بنك ولا يزال- ربا، ولن يؤخذ من أحد ربا، ولكن في القضايا المنتهية لا مراجعة، فكل الأموال التي ترثها الحكومة الإسلامية ستتصرف بها في مصالح المسلمين، أما ما قبل ذلك فالمسلم أحق من غيره في خزينة الدولة سواء كانت كافرة، أو فاسقة، على ألا يسرق، أو يخون، أو يضر بآخرين، أو يغش، وللمقاتلين حيث- يجوز القتال- أحكام خاصة، ولقيادة الحركة الإسلامية حقوق في الحركة على ضوء الفتوى المعتبرة من أهلها، لأنها هي الأحق بالتصرف في أموال الأمة فليلاحظ ذلك، ولكنه مقام دقيق ومزلة قدم إن لم يكن ذلك على ضوء العلم والفتوى من أهلهما.
فصل في الحاكمين بغير ما أنزل الله:
بنص كتاب الله فإن الذين لا يحكمون بما أنزل الله ظالمون، قال تعالى: (في سورة المائدة) وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وبنص كتاب الله فهؤلاء لا يستحقون الإمامة فكيف يعطيهم مسلم تأييده وولاءه، وكيف لا يضع يده بيد أهل الله للوصول إلى حكم الله!؟ غير أننا نحب أن نوضح أن الحركة الإسلامية وهي تواجه أوضاعا متعددة، قد ترى شرا أهون من شر، وضررا أهون من ضرر، وظلما دون ظلم، وبالتالي فإنها على ضوء الموازنة والمقايسة تختار أهون الشرين، وأخف الضررين مبقية على نظام- إذا كان الذي بعده سيكون شرا منه- ما دامت لا تستطيع أن تغير النظام إلى إسلام كامل، فليس المهم أن تسقط نظاما، ولكن المهم أن يكون النظام البديل إما أحسن لإسلامنا، أو هو إسلامي خالص، وهذه قضية خطيرة، وموازناتها صعبة، وحكم الله أولا، ثم الشورى ثانيا هما عصام الحركة عن الزلل الشرعي، أو السياسي الاستراتيجي، أو التكتيكي.
стр. 280
فصل: في الأمن عند البيت:
١ - وردت أحاديث تدل على أن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، ووردت أحاديث تدل على أن إبراهيم حرم مكة والجمع بينها: أن إبراهيم بلغ عن الله حكمه فيها وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلدا حراما عند الله قبل بناء إبراهيم ﵇ لها.
٢ - في صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح» أي لقتال، فدل هذا وغيره مما سنرى على تحريم القتال في الحرم. جاء في الصحيحين عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها (أي لا يجز ولا يقلع كلؤها) فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال: إلا الإذخر» وهذا لفظ مسلم.
وأخرج مسلم عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما، وإني حرمت المدينة، حراما ما بين مأزميها أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف، اللهم بارك لنا في مدينتنا اللهم بارك لنا في صاعنا اللهم بارك لنا في مدنا اللهم اجعل مع البركة بركتين».
فصل في دلالة ذكر الذرية في مقطع إبراهيم ﵇:
يلاحظ أن إبراهيم ﵇ رغب أن تكون الإمامة في ذريته فلما قال الله تعالى إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي وقص الله علينا دعاء إبراهيم وإسماعيل ﵉ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ولذلك دلالاته: قال صاحب الظلال تعليقا على النص الأول:
«عندئذ تدرك إبراهيم فطرة البشر: الرغبة في الامتداد عن طريق الذراري والأحفاد، ذلك الشعور الفطري العميق الذي أودعه الله فطرة البشر لتنمو الحياة، وتمضي في طريقها المرسوم، ويكمل اللاحق ما بدأه السابق، وتتعاون الأجيال كلها وتتساوق، ذلك الشعور الذي يحاول بعضهم تحطيمه أو تعويقه وتكبيله (كالحركة الشيوعية)، وهو مركوز في أصل الفطرة لتحقيق تلك (الحكمة) البعيدة المدى وعلى
стр. 281
أساسه يقرر الإسلام شريعة الميراث (انسجاما مع تلك الفطرة) وتنشيطا لها لتعمل ولتبذل أقصى ما في طوقها من جهد، وما المحاولات التي تبذل لتحطيم هذه القاعدة إلا محاولة لتحطيم الفطرة البشرية في أساسها، وإلا تكلف وقصر نظر واعتساف في معالجة بعض عيوب الأوضاع الاجتماعية المنحرفة، وكل علاج يصادم الفطرة لا يفلح ولا يصلح ولا يبقى، وهناك غيره من العلاج الذي يصلح الانحراف ولا يحطم الفطرة.
ولكنه يحتاج إلى هدى وإيمان، وإلى خبرة بالنفس البشرية أعمق، وفكرة عن تكوينها أدق، وإلى نظرة خالية من الأحقاد الوبيلة التي تنزع إلى التحطيم والتنكيل أكثر مما ترمي إلى البناء والإصلاح» عن الظلال بتصرف.
فصل: في إقامة الحدود في الحرم:
قال القرطبي وهو مالكي عند قوله تعالى وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً استدل به أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الأمصار على ترك إقامة الحد في الحرم على المحصن والسارق إذا لجأ إليه، وعضدوا ذلك بقوله تعالى: (في سورة آل العمران) وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً قال: آمنوا من دخل البيت والصحيح (في ترجيح القرطبي) إقامة الحدود في الحرم، وأن ذلك من المنسوخ؛ لأن الاتفاق حاصل أنه لا يقتل في البيت ويقتل خارج البيت، وإنما الخلاف هل يقتل في الحرم أم لا، والحرم لا يقع عليه اسم البيت حقيقة، وقد أجمعوا على أنه لو قتل في الحرم قتل به، ولو أتى حدا أقيد منه فيه، ولو حارب فيه حورب وقتل مكانه، وقال أبو حنيفة: «من لجأ إلى الحرم لا يقتل فيه، ولا يتابع، ولا يزال يضيق عليه حتى يموت أو يخرج، فنحن (أي المالكية) نقتله بالسيف، وهو يقتله بالجوع والصد، فأي قتل أشد من هذا؟. وفي قوله أَمْناً تأكيد للأمر باستقبال الكعبة، أي ليس في بيت المقدس هذه الفضيلة، ولا يحج إليه الناس، ومن استعاذ بالحرم أمن من أن يغار عليه» أقول: نقلت الكلام الأخير لأن له صلة في السياق إذ مقطع إبراهيم مقدمة لمقطع القبلة الآتي.
فصل في أبناء إبراهيم:
رأينا أن الله قال وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ هكذا بالجمع فمن هم أبناء إبراهيم سوى إسماعيل وإسحاق؟ قال القرطبي: «ثم لما توفيت سارة، تزوج إبراهيم ﵇ قنطورا بنت يقطن الكنعانية، فولدت له مدين ومدائن ونهشان وزمران
стр. 282
ونشيعه وشيوخ» وقد ذكر الطبري وابن الأثير ست أولاد لإبراهيم ﵇ سوى إسماعيل وإسحاق، ولكن كلا منهم أورد الأسماء إيرادا يختلف عن الآخر وكلاهما يختلف مع القرطبي، ولا شك أن مرجع الجميع روايات أهل الكتاب وقد تحدث سفر التكوين مما يسمى بالتوراة الحالية عن هذا الموضوع في الإصحاح (الخامس والعشرين)، فقال: «وعاد إبراهيم فأخذ زوجة اسمها قطورة فولدت له زمران ويقشان ومدان ومديان ويشاق وشوحا» وهذه الرواية تتفق إلى حد كبير مع رواية الطبري، ومما قاله الإصحاح الخامس والعشرون: «وأعطى إبراهيم إسحاق كل ما كان له، وأما بنو السراري اللواتي كانت لإبراهيم فأعطاهم إبراهيم عطايا، وصرفهم عن إسحاق ابنه شرقا إلى أرض المشرق، وهو بعد بقيد الحياة».
فهذا النص يفيد أن لإبراهيم أبناء من سرار بينما النص السابق يفيد أن له ست أبناء من زوجة واحدة تزوجها بعد سارة، وليس في كل ذلك ما يفيد القطع سوى أن لإبراهيم بنين فهم أكثر من أن يكونوا اثنين، وسيأتي كلام في سورة البقرة عن إبراهيم ﵇ مرة أخرى وهناك سننقل اتجاهات الدارسين عن عصر إبراهيم واحتمالاته، وزمن وجوده، والدول التي عاشها، وليس في ذلك كله ما يصلح أن يجزم به.
فصل في أن أعلى مقام للإنسان هو الإسلام لله رب العالمين:
بحث بعضهم موضوع أيهما أرقى الإسلام أو الإيمان، وذلك بسبب قوله تعالى:
(في سورة الحجرات) قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ونقول: إن الإسلام الكامل والإيمان الكامل مترادفان، إذ يدخل في الإسلام الكامل إسلام القلب والجوارح، ويدخل في الإيمان الكامل تصديق القلب والجوارح، ولذلك نجد قوله تعالى (في سورة الذاريات) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فههنا المؤمنون هم المسلمون، فالإيمان الكامل هو الإسلام الكامل، غير أن في الإسلام معنى أتم لما يفيده من الخضوع الزائد على مجرد التصديق، ولذلك نرى أن الكلام في قصة إبراهيم ينصب على الثناء على إسلامه إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ (سورة النساء)، قال القرطبي عند قوله تعالى إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ، والإسلام هنا على أتم وجوهه، والإسلام في كلام العرب الخضوع والانقياد وليس كل إسلام إيمانا، وكل إيمان إسلام، لأن من آمن بالله
стр. 283
فقد انقاد واستسلم لله، وليس كل من أسلم آمن بالله، لأنه قد يتكلم فرقا من السيف، ولا يكون ذلك إيمانا، خلافا للقدرية والخوارج حيث قالوا: إن الإسلام هو الإيمان فكل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن، لقوله تعالى: (في سورة آل عمران) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ فدل على أن الإسلام هو الدين، وأن من ليس بمسلم فليس بمؤمن ودليلنا (أي أهل السنة والجماعة)، قوله تعالى (في سورة الحجرات) قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فأخبر الله تعالى أنه ليس كل من أسلم مؤمنا، فدل على أنه ليس كل مسلم مؤمنا وقال ﷺ لسعد بن أبي وقاص لما قال له: «اعط فلانا فإنه مؤمن، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم أو مسلم .. الحديث أخرجه مسلم. فدل على أن الإيمان ليس الإسلام، فإن الإيمان باطن والإسلام ظاهر، وهذا بين، والإسلام ويراد به الإيمان للزوم أحدهما الآخر، وصدوره عنه، كالإسلام الذي هو ثمرة الإيمان ودلالة على صحته فاعلمه».
كلمة أخيرة في مقطع إبراهيم ﵇:
١ - نحن لا زلنا في القسم الأول من أقسام سورة البقرة، والذي بدايته المقطع الأول، الذي حدد الطريق إلى التقوى، وحدد الطريق إلى الكفر والنفاق، ثم جاء مقطع آدم، ومقطع بني إسرائيل، ومقطع إبراهيم، وكل من هذه المقاطع بين في الطريق إلى التقوى، وفصل في الطريق إلى الكفر لتجتنب، وإذ كان الطريق إلى التقوى هو عبادة الله وحده، فإن مقطع إبراهيم عمق ذلك، وعرفنا من خلاله أن الطواف بالبيت والعكوف فيه والركوع والسجود كل ذلك من العبادة. وإذ كان الركوع والسجود يحتاج إلى قبلة، وإذ كانت كل المقدمات تشير إلى أن كعبة إبراهيم التي حولها يكون الطواف، وإليها يكون الحج، هي المرشحة لأن تكون قبلة المسلمين في صلاتهم، فإن قلب محمد ﷺ كان يتطلع إلى ذلك ومن ثم كان المقطع اللاحق (في القبلة).
٢ - وبمقطع إبراهيم ﵇، ومن قبله مقطع بني إسرائيل، اتضح الكثير من صراط المغضوب عليهم والضالين، وصراط الذين أنعم الله عليهم، في سياق تعليم العبادة والاستعانة بالله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ألا ترى كيف يبني إبراهيم وإسماعيل البيت وهما يدعوان.
وليكن هذا خاتمة الكلام عن مقطع إبراهيم لننتقل إلى الحديث عن مقطع القبلة:
стр. 284
المقطع الخامس من القسم الأول من سورة البقرة:
يمتد هذا المقطع من الآية (١٤٢) إلى نهاية الآية (١٥٢) وهذا هو:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٢ الى ١٥٢]
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)
стр. 285
كلمة في هذا المقطع وسياقه:
- مر معنا في مقطع إبراهيم قصة بناء إبراهيم وإسماعيل ﵉ الكعبة، ويأتي هذا المقطع ليكون الشئ الرئيسي فيه هو الكلام عن جعل الله هذه الكعبة هي قبلة المسلمين في صلاتهم، ورأينا في مقطع إبراهيم ﵇ كيف أن إبراهيم وإسماعيل ﵉ دعوا بدعوات وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ... رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ونجد في بداية هذا المقطع قوله تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ونجد في نهايته كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ ... فمقطع القبلة يرينا استجابة الله لإبراهيم وإسماعيل في شأن الأمة والرسول ﷺ .
следующие страницы →