فهو الأب والابن وروح القدس». إنجيل متى الإصحاح عدد ١، ٢
قال البوذيون: «ولما كان بوذا على الأرض في أواخر أيامه بدلت هيئته وهو إذ ذاك على جبل «بندافا» أي الأصفر في سيلان ونزل عليه بغتة نور أحاط برأسه على شكل إكليل ويقولون إن جسده أضاء منه نور عظيم وصار كتمثال من ذهب براق مضئ كالشمس أو كالقمر، وحينئذ تحول إلى ثلاثة أقسام مضيئة وحينما رأى الحاضرون هذا التحول في هيئته قالوا ما هذا بشر إن هو إلا إله عظيم». كتاب الملاك المسيح ص ٤٥
وقال النصارى: «لما كان يسوع على الأرض بدلت هيئته وبعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه وصعد بهم إلى جبل عال منفردين وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور».
قال البوذيون: «وعمل بوذا عجائب وآيات مدهشة لخير الناس وكافة القصص المختصة فيه حاوية لذكرى أعظم العجائب مما يمكن تصوره». دوان ص ٢٩٣
وقال النصارى: «وعمل يسوع عجائب وآيات مدهشة لخير الناس لذكرى أعظم العجائب مما يمكن تصوره». إنجيل متى الإصحاح ٨ عدد ٢٨ - ٣٤ وغيره
قال البوذيون: «وفي صلاتهم لبوذا يتأمل المؤمنون به دخول الفردوس».
دوان ص ٢٩٣
وقال النصارى: «وفي صلاتهم ليسوع يتأمل المؤمنون بألوهيته دخول الفردوس».
دوان ص ٢٩٣
قال البوذيون: «لما مات بوذا ودفن انحلت الأكفان وفتح غطاء التابوت بقوة طبيعية «أي بقوة إلهية». كتاب بنصن الملاك المسيح ٤٩
وقال النصارى: «لما مات يسوع ودفن انحلت الأكفان وفتح القبر بقوة إلهية».
إنجيل متى الإصحاح ٢٨ وإنجيل يوحنا الإصحاح ٢٠
стр. 2172
قال البوذيون: «وصعد بوذا إلى السماء بجسده لما أكمل عمله على الأرض».
دوان ص ٢٩٣
وقال النصارى: «وصعد يسوع إلى السماء من بعد صلبه لما كمل عمله في الأرض». أعمال الرسل الإصحاح الأول عدد ١ - ١٢
قال البوذيون: «ولسوف يأتي بوذا مرة ثانية إلى الأرض ويعيد السلام والبركة فيها». دوان ص ٢٩٣
وقال النصارى: «ولسوف يأتي يسوع مرة ثانية إلى الأرض ويعيد السلام والبركة فيها». أعمال الرسل الإصحاح الأول
قال البوذيون: «وسيدين بوذا الأموات». دوان ص ٢٩٣
وقال النصارى: «وسيدين يسوع الأموات». إنجيل متى الإصحاح ٦ عدد ٢٢
قال البوذيون: «وبوذا الألف والباء ليس له انتهاء وهو الكائن العظيم، والواحد الأبدي». إنجيل يوحنا الإصحاح ١ عدد ١
قال البوذيون: «قال بوذا: فلتكن الذنوب التي ارتكبت في هذه الدنيا علي، ليخلص العالم من الخطيئة». كتاب مولر المدعو تاريخ الآداب السنسكرتية ص ٨٠
وقال النصارى: «يسوع هو مخلص العالم وكافة الذنوب التي ارتكبت في العالم تقع عليه عن الذين اقترفوها ويخلص العالم». دوان ص ٩٣، وكذلك التعليم المسيحي
قال البوذيون: «قال بوذا: أخفوا الأعمال الحسنة التي تفعلونها. واعترفوا
стр. 2173
بذنوبكم علانية» مولر كتابه المدعو العلوم الدينية ص ٢٨
وقال النصارى: «أخفوا الأعمال الحسنة التي تفعلونها واعترفوا بذنوبكم علانية». إنجيل متى الإصحاح ٦ عدد ١ ورسالة يعقوب
قال البوذيون: «ويصفون بوذا أنه ذات من نور غير طبيعية والشرير مارا «ويدعونه أيضا الحية» ذات مظلمة غير طبيعية».
بنصن الملاك المسيح ص ٣٩ ودوان ص ٢٩٤
وقال النصارى: «ويصفون يسوع أنه ذات من نور طبيعية شمس بر وعدوا الشيطان الحية القديمة». إنجيل يوحنا الإصحاح ٤ العدد ١ وإنجيل لوقا
قال البوذيون: «وفي أحد الأيام التقى أناندا تلميذ بوذا وهو سائر في البلاد بالمرأة «مناجي» وهي سبط الكندلاس المرذولين قرب بئر ماء. فطلب منها قليلا من الماء فأخبرته عن سبطها وأنه لا يجوز لها أن يقترب منها، لأنها من سبط محتقر فقال لها يا أختي إني لم أسألك عن سبطك وعن عائلتك. إنما سألتك شربة ماء فصارت من ذاك الحين تلميذة بوذية». كتاب مولر المدعو العلوم الدينية ص ٤٠
وقال النصارى: «وفي أحد الأيام قعد يسوع قرب بئر ماء بعد ما سار مسافة، حتى كاد ينهكه التعب، وبينما هو قرب البئر عند مدينة السامرة أتت امرأة سامرية لتملأ جرتها من البئر فقال لها يسوع اسقني شربة ماء فقالت له المرأة السامرية أنت يهودي وكيف تطلب مني شربة ماء فإن اليهود لا يستحلون معاملة السامريين».
إنجيل يوحنا الإصحاح ٤ عدد ١: ١١
قال البوذيون: «قال بوذا أنه لم يأت لينقض الناموس كلا بل أتى ليكمله وقد سره عد نفسه حلقة في سلسلة المعلمين الحكماء».
كتاب بنصن الملاك المسيح ص ٤٧ - ٤٨
وقال النصارى: «قال يسوع لا تظنوا أني جئت لا نقض الناموس أو الأنبياء ما جئت
стр. 2174
لأنقض بل لأكمل». إنجيل متى الإصحاح ٥ عدد ١٧
قال البوذيون: «وبحسب تعليم بوذا يجب أن تكون كافة أعمالنا مع أهلنا وجيراننا بالمحبة والحسنى»
وقال النصارى: «وقال يسوع أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم». إنجيل متى الإصحاح ٥ عدد ٤٤
قال البوذيون: «وفي أوائل أيام بوذا التي علم وبشر وفيها ذهب إلى مدينة بينارس وعلم فيها فتبعه كوندينا ثم تبعه أربعة رجال آخرين وصاروا جميعهم تلامذة له ومن ذلك الحين صار أينما علم وكرز يتبعه رجال ونساء كثيرون ويصيرون من أتباعه وتلاميذه».
وقال النصارى: «في أوائل أيام يسوع التي علم وبشر فيها ذهب إلى مدينة كفر ناحوم وعلم فيها فتبعه من ذاك الحين أربعة رجال صيادين وصاروا تلاميذ له ومن هذا
الحين صار أينما كرز يتبعه رجال ونساء كثيرون يؤمنون به».
إنجيل متى الإصحاح ٤ عدد ١٣ - ٢٥
قال البوذيون: «وقال بوذا للذين صاروا تلامذة ليتركوا الدنيا وغناهم وينذروا عيشة الفقر والفاقة». هاردي في كتابه المدعو الرهبانية في الشرق ص ٥ - ٦
وقال النصارى: «وقال يسوع للذين صاروا تلامذة ليتركوا الدنيا وغناهم وينذروا عيشة الفقر والفاقة».
إنجيل متى الإصحاح ٨ عدد ١٩ - ٢٠ والإصحاح ١٦ عدد ٣٥ - ٢٦
قال البوذيون: «وجاء في كتاب البوذية القانونية المقدسة أن الجموع طلبوا من بوذا علامة «أي آية ليؤمنوا به». كتاب علم الأديان ص ٣٧ تأليف مولر
وقال النصارى: «وجاء في كتب النصارى المقدسة أن الجموع طلبوا من يسوع آية كي يؤمنوا به». إنجيل متى الإصحاح ١٢ عدد ١٢
стр. 2175
قال البوذيون: «لما اقترب انتهاء أيام بوذا على الأرض وعلم الحوادث المقبلة التي ستقع قال لتلميذه أناندا ما يأتي: يا أناندا متى أنا ذهبت لا تظن أنه لم يعد لبوذا وجود كلا، فالكلام الذي قلته والفرائض التي افترضتها تكون خلفا عني وهي لك كذاتي أنا». كتاب الموناشيزم الشرقية ص ٣٢٠ تأليف هاردي
وقال النصارى: «لما اقترب انتهاء أيام يسوع على الأرض أخبر عن الحوادث التي ستقع من بعده وقال لتلاميذه: اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم. وعلموهم أن يحفظوا هم جميع ما أوصيتكم به وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر».
إنجيل متى ٢٤ وإنجيل مرقس الإصحاح ٨ عدد ٣١
قال البوذيون: «وجاء في التعاليم البوذية أن إنفاق الإنسان لماله من أعظم الصعوبات ومن ينفق غناه هو أشبه بمن يهب روحه، لأن النفس تبخل بالمال وتتمسك به وبوذا قد وهب ونذر حياته شفقة وحنوا لخير الناس، فلماذا نتمسك بغناء الدنيا الزهيد لما تخلص بوذا من حب المشتهيات الدنيوية وملذاتها نال المعرفة الإلهية وصار الرأس فليعمل الرجل الحكيم الهاجر لملذات الدنيا الخير مع كل أحد حتى تقديم نفسه فداء عن الغير، عندها يصل إلى المعرفة الحقيقية». مولر في كتاب علوم الدين ص ٢٤٤
وقال النصارى: «وإذا واحد تقدم وقال له أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل ليكون الحياة الأبدية قال له يسوع: إن أردت أن تكون عاملا فاذهب اعط ربع أملاكك الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني، لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ وحيث ينقب السارقون ويسرقون بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون». إنجيل متى الإصحاح ٦ عدد ١٩، ٢٠
قال البوذيون: «وكان قصد بوذا تشييد مملكة دينية أي مملكة سماوية».
بيل تاريخ البوذية ص ١٠
وقال النصارى: «ومن ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول توبوا لأنه اقترب ملكوت السموات». إنجيل متى الإصحاح ٤ عدد ٧
стр. 2176
قال البوذيون: «وقال بوذا الآن أحببت إدارة دولاب الشريعة العظيم ومن أجل هذا فإني ذاهب إلى مدينة بينارس لأهب نورا للتائهين في الظلام وأفتح باب الحياة الإنسانية». بيل تاريخ البوذية ص ١٤٤
وقال النصارى: «من بعد تجربة الشيطان ليسوع ابتدأ يسوع بتأسيس مملكة دينية ومن أجل هذا الغرض ذهب إلى مدينة كفر ناحوم ومن ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول توبوا لأنه قد اقترب ملكوت الله الشعب الجالس في ظلمة أبصر نورا عظيما والجالسون في كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نور».
إنجيل متى الإصحاح ٤ عدد ٢١، ١٧
قال البوذيون: «وقال بوذا للتلميذ الحبيب أناندا إن كلامي لا ريب فيه فلا يزول قطعيا ولو وقعت السموات على الأرض وابتلع العالم وجفت البحار واندك جبل سومر وصار قطعا». بيل تاريخ البوذية ص ١١
وقال النصارى: «الناموس أعطى لموسى أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صار الحق أقول لكم السماء والأرض تزول ولكن كلامي لا يزول».
إنجيل يوحنا الإصحاح الأول عدد ١٧ وإنجيل لوقا
قال البوذيون: «لا يوجد شئ أعظم فعلا في الإنسان من الاشتهاء والهواء الشهواني ولحسن الحظ والسعادة لا يوجد سوى اشتهاء شهواني واحد ولو كان يوجد اشتهاء آخر لما كان على وجه الأرض رجل يتبع الحق فاحترسوا من تحقيق بصركم في النساء وإن كنتم مجتمعين معهن فاجعلوا اجتماعكم كأنكم غير حاضرين معهن وإذا كلمتموهن فاحترسوا على قلوبكم». كتاب تقديم الأفكار الدينية المجلد الأول ص ٢٢٨
وقال النصارى: «قال يسوع: قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن. وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها قلبه».
إنجيل متى الإصحاح الخامس عدد ٢٧، ٢٨
стр. 2177
قال البوذيون: «وقال بوذا الرجل العاقل الحكيم لا يتزوج قط ويرى الحياة الزوجية كأتون نار متأججة ومن لم يقدر على العيشة الرهبانية يجب عليه الابتعاد عن الزنى».
ريس دانس في كتابه المدعو البوذية ص ١٠٣
قال النصارى: «فحسن للرجل أن لا يمس امرأة ولكن إن لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا لأن التزويج أصلح من التحرق».
رسالة كورنثوس الأولى الإصحاح ٧ عدد ١ - ٩
قال البوذيون: «ومن جملة التعاليم البوذية قولهم إذا أصاب الإنسان حزن وآلام وبؤس وقنوط فإن ذلك يدل على أنه ارتكب آثاما، وهذه الآلام جزاء عليها، وإذا لم يكن ارتكب شيئا من الآثام في هذا الدور الحاضر من حياته لا بد أن يكون قد ارتكبه في أحد الأدوار السابقة من ظهوره «أي في أحد أدوار تقمصه».
ريس دانس في كتابه المدعو البوذية ص ١٠٤
وقال النصارى: «وفيما هو مجتاز رأى إنسانا أعمى منذ ولادته فسأله تلاميذه قائلين: يا معلم من أخطأ .. هذا أم أبواه حتى ولد أعمى».
إنجيل يوحنا الإصحاح التاسع عدد ١، ٢
قال البوذيون: «كان بوذا يعلم أفكار الناس عند ما يدير تصوراته نحوهم وأنه قادر على معرفة أفكار المخلوقات كلها». هردي في كتابه المدعو خرافات البوذيين ص ١٨
قال النصارى: «كان يسوع يعلم أفكار الناس عند ما يدير تصوراته نحوهم وأنه قادر على معرفة أفكار المخلوقات كلها».
إنجيل يوحنا الإصحاح الرابع كلامه مع المرأة السامرية
قال البوذيون: «وجاء في كتاب الصوماديفا حكاية منسوبة لأحد القديسين البوذيين أنه قلع عينه ورماها لأنها شككته».
كتاب مولر المسمى العلوم الدينية ص ٥٤٢
стр. 2178
وقال النصارى: «قال يسوع فإن كانت عينك اليمين تعثرك فاقلعها وألقها عنك».
إنجيل متى الإصحاح ٥ عدد ٢٩
قال البوذيون: «لما عزم بوذا على التنسك كان راكبا جوادا يدعى كنتاكو ففرشت الملائكة طريقه بالزهر». هردي في كتابه المسمى خرافات البوذيين ص ١٣
قال النصارى: «لما كان يسوع داخلا أورشليم راكبا على حمار فرشت له الجموع الطريق بأغصان النخيل». إنجيل متى الإصحاح ٢١ عدد ١، ٩
هذا ما نقله الشيخ أبو زهرة من مقارنات، ولقد نقلناها لتتضح المعجزة في قوله تعالى يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ وليعرف كيف سرى الضلال إلى الديانة النصرانية ولتعرف ميزة هذه الشريعة.
٥ - وبمناسبة قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً .. ذكر ابن كثير ما يلي:
(روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير- من طرق- عن عدي بن حاتم ﵁ أنه لما بلغته دعوة رسول الله ﷺ فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم من رسول الله ﷺ على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله ﷺ ، فقدم عدي إلى المدينة وكان رئيسا في قومه طيئ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله ﷺ وفي عنق عدي صليب من فضة، وهو يقرأ هذه الآية اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم فقال: «بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم». وقال رسول الله ﷺ : «يا عدي ما تقول؟ أيفرك (١) أن يقال الله أكبر؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ ما يفرك؟ أيفرك أن يقال لا إله إلا الله؟ فهل تعلم إلها غير الله؟» ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق، قال: فلقد رأيت وجهه
стр. 2179
استبشر ثم قال: «إن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون». وهكذا قال حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسير اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا. وقال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم)
٦ - وبمناسبة قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ نقول: إن من قرأ كتاب الغارة على العالم الإسلامى.
وكتاب التبشير والاستعمار. يجد صورة من صور إرادة النصارى إطفاء نور هذا الإسلام، ومن قرأ كتاب بروتوكولات حكماء صهيون، عرف مظهرا من مظاهر إرادة اليهود إطفاء نور الله، ومن قرأ تاريخ الاستعمار في العالم الإسلامي، عرف صورة أخرى من صور الرغبة في إطفاء نور الله، والأمر واسع جدا، فما من لحظة من التاريخ من زمن رسول الله ﷺ حتى عصرنا هذا إلا والتآمر على هذا الدين قائم. والرد العملي على ذلك كله هو الجهاد. ولذلك فإن الله ذكر هذا المعنى في كتابه هاهنا في سياق الأمر بالقتال.
٧ - وبمناسبة قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ نقول:
إن كثيرين من المسلمين في عصرنا يظنون ظنا خاطئا أن الإسلام قد انتهى دوره وغرب هلاله، وبعضهم ينتظر ظهور المهدي وقيام الساعة، وقد ناقشنا هذا النوع من
التفكير في كتابنا جند الله ثقافة وأخلاقا، وقد بينا من السنة الصحيحة خطل هذا الفهم. وذكرنا ما ورد في الحديث الصحيح من التبشير بفتح المسلمين روما بعد القسطنطينية، ولم تفتح روما بعد. وهي مفتوحة بإذن الله. وذكرنا قوله ﵊ هناك: «أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره» مما يدل على أن الإسلام بعد فتوره سينشط، وإني لأرجو ألا يموت جيلنا إلا وقد وضع الأساس لبداية عظيمة، نهايتها نشر ظل الإسلام على العالم كله بإذن الله. وبهذه المناسبة نذكر ما ذكره ابن كثير مع حذف الأسانيد:
في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها». وروى الإمام أحمد .. عن مسعود بن قبيصة بن مسعود يقول: صلى هذا الحي من محارب الصبح، فلما صلوا قال شاب
стр. 2180
منهم سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار إلا من اتقى الله وأدى الأمانة». وروى الإمام أحمد أيضا .. عن تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، يعز عزيزا ويذل ذليلا، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر». فكان تميم الداري يقول:
قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرا الذل والصغار والجزية» وروى الإمام أحمد أيضا .. عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهم فيدينون لها». وفي المسند أيضا .. عن عدي بن حاتم قال: دخلت على رسول الله ﷺ فقال: «يا عدي أسلم تسلم». فقلت: إني من أهل دين. قال: «أنا أعلم بدينك منك» فقلت: أنت أعلم بديني مني؟! قال:
«نعم. ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك؟» قلت: بلى، قال: «فإن هذا لا يحل لك في دينك» قال: فلم يعد أن قالها فتواضعت لها، وقال: «أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟». قلت لم أرها، وقد سمعت بها. قال: «فو الذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة، حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز» قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد». قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله ﷺ قد قالها.
وروى مسلم .. عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى» فقلت: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ إلى قوله وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ أن ذلك تام. قال: «سيكون من ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله ريحا طيبة فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم».
стр. 2181
وهذه البشائر طريق تحقيقها الجهاد، والبشارة القرآنية جاءت في معرض الأمر في القتال.
ولنعد إلى التفسير الحرفي:
لقد مر معنا في المقطع الثالث، أمر بقتال أهل الكتاب، كما مر معنا في المقطع الأول أمر بقتال المشركين، وذكر فيما بين المقطعين مقطع حدد معاني لا بد منها ليقوم القتال الإسلامي. ونحن لا زلنا في المقطع الثالث:
لقد مرت الفقرة الأولى منه، وفيها مظاهر من انحراف أهل الكتاب التي استوجبت قتالهم، وتأتي بعد ذلك فقرة وفيها نموذج على ضلال أهل الكتاب، ونموذج على ضلال مشركي العرب، وفي ذكر هذين النموذجين بيان لموجبات أخرى تستوجب قتال هؤلاء وهؤلاء، وفي ذلك بعث لهمم المسلمين أن يقاتلوا المشركين وأهل الكتاب.
المعنى الحرفي للفقرة الثانية من المقطع الثالث:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ أي ليأخذونها عن غير طريق ما أحل الله وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي ويمنعون الناس عن سلوك طريق الله أي عن دينه الحق وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ يحتمل هذا النص أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان للدلالة على اجتماع خصلتين ذميمتين فيهم: أخذ الرشا، وكنز الأموال، والضن بها عن الإنفاق في سبيل الخير، ومن أشركهم في صفتهم الذميمة هذه من المسلمين، يدخل في حكمهم، ويحتمل أن يراد بالنص المسلمون الكانزون غير المنفقين، وقد قرن بينهم وبين المرتشين من أهل الكتاب تغليظا، والمراد بالكنز هنا على القول الراجح هو ما لم يؤد زكاته كما سنرى وَلا يُنْفِقُونَها أي هذه الكنوز والأموال فِي سَبِيلِ اللَّهِ فيما شرع وكما أمر فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وأي عذاب أشد من النار
يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ أي يوم تحمى النار على الكنوز أي توقد فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ وخصت هذه الأعضاء لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه وتولوا بأركانهم وولوه ظهروهم، أو معناه يكوون على الجهات الأربع مقاديمهم ومآخيرهم وجنوبهم هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أي يقال لهم: أهذا ما كنزتموه لتنتفع به نفوسكم وما علمتم أنكم كنزتموه لتستضر به أنفسكم؟ وهو توبيخ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ أي فذوقوا وبال المال
الذي كنتم تكنزونه أو وبال
стр. 2182
كونكم كانزين
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً من غير زيادة والمراد بيان أن أحكام الشرع تبتنى على الشهور القمرية المحسوبة بالأهلة دون الشمسية فِي كِتابِ اللَّهِ أي فيما أثبته وأوجبه من حكمه أو في اللوح يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثلاثة سرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي الدين المستقيم لا ما يفعله أهل الجاهلية، يعنى أن تحريم الأربعة الأشهر هو الدين المستقيم، ودين إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب تمسكت به، فكانوا يعظمونها ويحرمون القتال فيها حتى أحدثت النسئ فغيروا فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ أي فلا تظلموا في الأشهر الحرم أو في مجموع الأشهر أنفسكم بارتكاب المعاصي وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً أي جميعا كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً أي جميعا وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ينصرهم ويعينهم، حثهم على التقوى، وضمن لهم النصرة إن كانوا من أهل التقوى. وقد جاء الأمر بالقتال في معرض ذكر تحريم الأشهر الحرم؛ للدلالة على أن الله الذي حرم الأشهر الحرم هو الذي فرض على المسلمين قتال المشركين فيهن وفي غيرهن، فلا تقوم للمشركين حجة بالاحتجاج على المسلمين في القتال بالأشهر الحرم، كما فعلوا فيما قصه الله علينا من ذلك في سورة البقرة بعد آية فرضية القتال، وليقيم عليهم الله ﷻ الحجة في كذبهم في تعظيم الأشهر الحرم، قص علينا قصة النسئ عندهم مما يدل على تلاعبهم في الأشهر الحرم، فأي تعظيم لهذه الأشهر مع هذا التلاعب
إِنَّمَا النَّسِيءُ النسئ عندهم هو تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة، فيحلونه ويحرمون مكانه شهرا آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، فكانوا يحرمون من بين شهور العام أربعة أشهر زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ أي هذا الفعل منهم زيادة في كفرهم يُضَلُّ بِهِ أي بالنسئ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً أي يحلون النسئ عاما، ويحرمونه عاما، أي إذا أحلوا شهرا من الأشهر عاما رجعوا فحرموه في العام المقبل لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها، وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ أي فيحلوا بمواطأة العدة وحدها من غير تخصيص- كما أمر الله- ما حرم الله من ترك الاختصاص زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ أي زين لهم الشيطان ذلك فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ حال اختيارهم الثبات على الباطل. وهكذا ذكر في هذه
стр. 2183
الفقرة نموذج على انحراف أهل الكتاب، ونموذج على تحريف المشركين، وبين ذلك تهديد لمن يكنز، وأمر بالقتال الشامل للمشركين، والصلة بين الإنفاق والقتال واضحة، والصلة بين فضح انحرافات المشركين والكتابيين، وبين الأمر بالقتال واضحة، وبهذا انتهى المقطع بعد أن وضح كل ما له علاقة بقتال المشركين والكتابيين، وبماذا استأهل الجميع أن يقاتلوا، وبانتهاء المقطع الثالث ينتهى القسم الأول من أقسام سورة براءة بعد أن فصل في ثلاثة أمور:
١ - في وجوب قتال المشركين وأهل الكتاب.
٢ - في موجبات ذلك ومبرراته.
٣ - في الأخلاق التي لا بد منها لإقامة الجهاد الإسلامي.
حتى إذا استقرت هذه المعاني كلها يأتي بعد ذلك القسم الثاني الذي يأمر بالنفير العام ويحذر المتقاعسين وينذرهم.
فوائد:
١ - لقد حدثنا الله عن فساد الأحبار والرهبان، وفي ذلك تحذير لنا أن نصبح مثلهم، قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى، وفي الحديث الصحيح: «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» - وفي رواية:
فارس والروم؟. قال: «فمن الناس إلا هؤلاء».
٢ - وبمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ .. نذكر هذه الأحاديث والآثار:
أ- قال ابن عمر: «ما أدي زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وما كان ظاهرا لا تؤدى زكاته فهو كنز». وقد روي هذا عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة وغيرهم.
ب- روى ابن أبي حاتم .. عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ الآية. كبر ذلك على المسلمين وقالوا: ما يستطيع أحد منا أن يترك لولده مالا يبقى بعده، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق عمر واتبعه ثوبان، فأتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية. فقال رسول
стр. 2184
الله ﷺ : «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم» قال: فكبر عمر ثم قال له النبي ﷺ : «ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته». ورواه الحاكم، وقال صحيح على شرطهما.
ج- روى الإمام أحمد ... عن حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس ﵁ في سفر فنزل منزلا فقال لغلامه: ائتنا بالشفرة (١) نعبث بها، فأنكرت عليه، فقال:
ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها (٢) وأزمها غير كلمتي هذه فلا تحفظوها علي واحفظوا ما أقول لكم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كنز
الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما، وأسألك لسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب».
٣ - وبمناسبة قوله تعالى: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ .. ننقل هذه النقول:
أخرج ابن جرير .. عن ثوبان أن رسول الله ﷺ كان يقول: «من ترك بعده كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يتبعه ويقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك، ولا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها، ثم يتبعها سائر جسده». وأصل هذا الحديث في الصحيح .. عن أبي هريرة ﵁.
وفي صحيح مسلم ... عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار، فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار». وذكر تمام الحديث. وروى البخاري في تفسير هذه الآية .. عن زيد بن وهب قال: مررت على أبي ذر بالربذة فقلت: ما أنزلك بهذه الأرض؟ قال: كنا بالشام فقرأت وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فقال معاوية: ما هذه فينا، ما هذه إلا في
стр. 2185
أهل الكتاب قال: قلت: إنها لفينا وفيهم». وهكذا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنها عامة. وقال السدي: هي في أهل القبلة. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر: «ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبا يمر عليه ثلاثة أيام وعندي منه شئ إلا دينار أرصده لدين». وروى الإمام أحمد ... عن عبد الله بن الصامت ﵁ أنه كان مع أبي ذر فخرج عطاؤه ومعه جارية، فجعلت تقضي حوائجه، ففضلت معها سبعة، فأمرها أن تشتري به فلوسا قال: قلت: لو ادخرته لحاجة وللضيف ينزل بك.
قال: إن خليلي عهد إلي أن أيما ذهب أو فضة أو كي (١) عليه فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله .
٤ - قال ابن كثير: (كان من مذهب أبي ذر ﵁ تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال. وكان يفتي بذلك، ويحثهم عليه، ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه. فنهاه معاوية، فلم ينته، فخشي أن يضر بالناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان، وأن يأخذه إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة، وأنزله بالربذة (٢) وحده، وبها مات ﵁ في خلافة عثمان. وقد اختبره معاوية ﵁ وهو عنده، هل يوافق عمله قوله، فبعث إليه بألف دينار ففرقها من يومه، ثم بعث إليه الذي أتاه بها فقال: إن معاوية إنما بعثني إلى غيرك فأخطأت، فهات الذهب، فقال: ويحك إنها خرجت. ولكن إذا جاء مالي حاسبناك به).
٥ - وبمناسبة قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً .. ننقل هذا الحديث: أخرج الإمام أحمد عن أبي بكرة أن النبي ﷺ خطب في حجته فقال: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان» ثم قال: «أي يوم هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أن سيسميه بغير اسمه قال: «أليس يوم النحر» قلنا: بلى ثم قال:
«أي شهر هذا؟». قلنا الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: «أليس ذا الحجة؟» قلنا بلى، ثم قال: «أي بلد هذا؟» قلنا الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: «أليست البلدة؟» قلنا بلى،
стр. 2186
قال: «فإن دماءكم وأموالكم- وأحسبه قال- وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟
ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه».
ومعنى قوله ﷺ : «إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض .. » أي إن هذا الشهر الذي حج فيه رسول الله ﷺ هو ذو الحجة كما هو عند الله، ومن الآن فصاعدا فعلينا أن نحافظ على هذا التقويم من غير تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقص، ولا نسئ ولا تبديل وأما قوله «ثلاثة متواليات، ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان». فإنما أضافه إلى مضر ليبين صحة قولهم في رجب إنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان لا كما تظن ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال وهو رمضان اليوم فبين ﷺ أنه رجب مضر لا رجب ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة، ثلاث سرد وواحد فرد؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل أشهر الحج شهرا وهو ذو القعدة لأنهم يقعدون عن القتال، وحرم ذا الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج، ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرم بعده شهرا آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين.
وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا.
وقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام هل هو منسوخ أو محكم؟
على قولين: أحدهما وهو الأشهر أنه منسوخ، فالقتال في سبيل الله مفروض في كل الشهور وجائز في كل الشهور.
٦ - وأما قصة النسئ الذي عابه الله على أهله فهذه نقول تفسره: كانت العرب قبل الإسلام بمدة قد أحدثت تحليل المحرم فأخروه إلى صفر، فيحلون الشهر الحرام ويحرمون الشهر الحلال.
- وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس أنه قال في النسئ: أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم في كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يحاب (١) ولا يعاب وإن صفر العام الأول العام حلال، فيحله للناس، فيحرم
стр. 2187
صفرا عاما، ويحرم المحرم عاما. فذلك قول الله ﵎ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يقول: يتركون المحرم عاما، وعاما يحرمونه.
- وقال محمد بن إسحاق: (كان أول من نسأ الشهور على العرب فأحل منها ما حرم الله، وحرم منها ما أحل الله- ، القلمس وهو: حذيفة بن عبد فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن عدنان، ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد، ثم من بعد عباد ابنه قلع بن عباد، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنة عوف بن أمية، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف، وكان آخرهم، وعليه قام الإسلام، فكانت العرب إذا ما فرغت من حجها، اجتمعت إليه فقام فيهم خطيبا، فحرم رجبا، وذا القعدة، وذا الحجة، ويحل المحرم عاما، ويجعل مكانه صفر، ويحرمه عاما ليواطئ عدة ما حرم الله فيحل ما حرم الله. يعني: ويحرم ما أحل الله).
كلمة في السياق:
رأينا أن سورة براءة امتداد لسورة الأنفال، وأن محور السورتين واحد، هو آية فريضة القتال في سورة البقرة، والآيتان بعدها، وقد رأينا أن هذا القسم قد فصل في موضوع القتال، بإيجاب قتال المشركين، وأهل الكتاب، كما وضعنا على الطريق لتنفيذ فريضة القتال، فإذا ما استقر في هذا القسم أن فريضة القتال تقتضي قتال العالم كله في مداها الواسع، وكان هذا يقتضي تعبئة، فإن القسم الثاني في هذه السورة يبتدئ بالأمر بوجوب الاستجابة لصوت النفير العام. وهكذا يأتي القسم الثاني:
***
المعنى العام:
كما رأينا في سورة الأنفال فقد وجدت نماذج تطبيقية من غزوة بدر على المعاني المرادة هناك، وكذلك هنا. فإن الكلام عن ضرورة النفير العام وعن موقف الناس منه يأتي من خلال غزوة تبوك، التي حدث فيها النفير الأقسى في تاريخ الدعوة النبوية، إن ما حدث قبل غزوة تبوك وخلالها وبعدها هي النماذج التطبيقية على مواقف الناس من النفير، فالإنسان هو الإنسان والإيمان هو الإيمان والنفاق هو النفاق، ومن خلال النماذج يأتي الدرس والتوجيه والتربية والتعليم:
يبدأ المقطع بعتاب المؤمنين أن يتكاسلوا أو يميلوا إلى المقام في الدعة والأمن وطيب الثمار، إذا دعوا إلى النفير للجهاد في سبيل الله، ثم سألهم عما إذا كانوا يفعلون ذلك رضا منهم بالدنيا بدل الآخرة، ثم زهدهم ﵎ في الدنيا ورغبهم في الآخرة بأن الدنيا بالنسبة للآخرة لا تساوي شيئا. ثم توعد تعالى من ترك الجهاد بالعذاب الأليم، والاستبدال بقوم آخرين ينصرون دين الله، مبينا لهؤلاء الناكلين عن الجهاد بأنهم لا
стр. 2190
يضرون الله شيئا بتوليهم عن الجهاد ونكولهم وتثاقلهم عنه، ومبينا لهم أن الله قادر على الانتصار من أعداء الله ورسوله بدونهم، قادر على الاستبدال، قادر على التعذيب، ثم بين لهم تعالى أنهم إن لم ينصروا رسوله ﷺ فإن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه، كما تولى نصره عام الهجرة لما هم المشركون بقتله، أو حبسه، أو نفيه، فخرج منهم هاربا بصحبة صديقه وصاحبه أبي بكر، فلجئا إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم، ثم يسيروا نحو المدينة، فخاف أبو بكر ﵁ أن يطلع عليهم أحد فيخلص إلى رسول الله ﷺ منهم أذى فجعل النبي ﷺ يسكنه ويثبته ويقول:
«يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» فأنزل الله على رسوله ﷺ طمأنينته ونصره وتأييده، وأيده بالملائكة وجعل الشرك هو الأسفل والتوحيد هو الأعلى؛ وذلك كله أثر عن عزة الله في انتقامه وانتصاره حتى لا يضام من لاذ ببابه، واحتمى بجنابه، وذلك أثر حكمة الله في أقواله وأفعاله، ثم أمر الله بالنفير العام لمن كان ثقيلا أو خفيفا، شابا أو كهلا، غنيا أو فقيرا، نشيطا أو غير نشيط، معسرا أو موسرا، راكبا أو راجلا، قويا أو ضعيفا، ثم رغب تعالى في النفقة في سبيله، وبذل المهج في مرضاته، مبينا أن هذا خير لأصحاب ذلك في الدنيا والآخرة، لأنهم يغرمون في النفقة قليلا فيغنمهم الله أموال عدوهم في الدنيا مع ما يدخر لهم من الكرامة في الآخرة.
وبعد أن قرر الله هذه المعاني ذكر ما حدث يوم تبوك من طلب الكثير الإذن لهم بالتخلف ليبين الله لرسوله ﷺ أن هؤلاء الذين طلبوا الإذن بالتخلف ما طلبوا هذا الإذن إلا فرارا من المشقة لا لأنهم عاجزون حقيقة، بدليل لو أن سفره ﵊ كان لغنيمة قريبة ولمكان قريب، ما تخلفوا ولا طلبوا الإذن. فهؤلاء هم الكاذبون في إيمانهم، الكاذبون في كلامهم، الذين سيستقبلون المسلمين بعد عودتهم بالأيمان الكاذبة، أنهم ما خلفهم عنهم إلا العذر، وما هم بمعذورين، ثم عاتب الله رسوله ﷺ على إذنه لمن أذن له، مبينا له أنه كان عليه ألا يأذن، ليتبين صدق المستأذن في استئذانه هل يتخلف أو يذهب إذا لم يكن إذن؟
وليظهر الصادق في إيمانه من الكاذب في إيمانه، ثم بين الله تعالى لرسوله ﷺ أن المؤمنين الصادقين لا يستأذنون في القعود عن الغزو لأنهم يرون الجهاد قربة يتقربون بها إلى الله، فكيف يتخلون عنها؟ ثم بين تعالى أن الذين يستأذنون في القعود ممن لا عذر لهم في الحقيقة هم الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة
стр. 2191
على أعمالهم وشكت قلوبهم في صحة الإسلام حتى أصبحوا في شكهم يتحيرون، يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى، ثم دلل الله على كذبهم في استئذانهم وأنهم ما تخلفوا بسبب الإذن بل لأنهم من الأصل لا يريدون القتال والخروج أذن لهم رسول الله ﷺ أو لم يأذن، بأنهم ما أظهروا أي علامة صدق للخروج فلم يستعدوا ويعدوا له أصلا، فلو كانوا صادقين لتأهبوا، ثم بين الله لرسوله ﷺ أن عدم خروج أمثال هؤلاء فيه مصلحة للمسلمين لأنهم لو خرجوا مع المؤمنين لم يكن دورهم إلا دور المخلخل للصف، الباث فيه الفتنة، خاصة وأن بعضا من المؤمنين مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم، لأنهم لا يعلمون حالهم، فيؤدي ذلك إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير، ومن ثم فإن الله كره خروجهم مع المؤمنين فلم يوفقهم للخروج، بل قدر عليهم أن يتخلفوا؛ لعلمه بهم أنهم ظالمون، ولعلمه بهم أنهم لو خرجوا ما زادوا المسلمين إلا خبالا، ثم دلل الله تعالى على ما سيفعلونه لو خرجوا بما فعلوه قبل ذلك: من إعمالهم فكرهم! وإجالتهم آراءهم في كيد الرسول ﷺ وأصحابه، وخذلان الإسلام وإخماده مدة طويلة، حتى إذا أعز الله دينه دخلوا فيه نفاقا، وغاظهم كل موقف أعز الله به جنده.
وهكذا أجمل الله حال هؤلاء المستأذنين عن الجهاد يوم يكون نفير، حاكما عليهم بالنفاق بشكل عام، ثم بدأ يذكر أصناف هؤلاء المنافقين من خلال كلامهم الذي يعبر عن نفاقهم، فبدأ بالنموذج الأول من هؤلاء المنافقين المستأذنين الذين يستأذنون ويعتذرون بما ليس عذرا إذ يطلبون الإذن بحجة أنهم إذا خرجوا للجهاد ورأوا النساء لا يصبرون عنهن فيقعون في الحرام، فأي عذر هذا! عذر يقودهم إلى النار التي لا محيد لهم عنها ولا محيص ولا مهرب، وهكذا نجد أن النفير العام هو المحك الحقيقي للإيمان، وهو المظهر العملي للنفاق وأهله، وأن هذا النفاق يعبر عن نفسه بنماذج شتى، وقد رأيناه كيف عبر عن نفسه عند النموذج الأول بهذا النوع من الاستئذان السخيف والاعتذار السمج، وبعد أن تحددت صفات هذا النموذج وأعيانهم أعلم الله ﵎ رسوله ﷺ بعداوة هؤلاء له لأنه مهما أصابه من حسنة- أي فتح ونصر وظفر على الأعداء مما يسره ويسر أصحابه- ساءهم ذلك، وإذا كان العكس فرحوا بموقفهم الاحترازي من المتابعة والسير والغزو، ثم أرشد الله رسوله ﷺ والمؤمنين إلى ما يقولونه لهؤلاء جوابا على عداوتهم التامة بالإعلان عن إيمانهم بقدر الله، ورضاهم عن الله فيما
стр. 2192
يقدره عليهم، كيف وأنه هو مولى المؤمنين، والمؤمنون عليه متوكلون، وليس عند الله للمؤمنين إلا الخير مهما كان ظاهر الأمر خلاف ذلك، ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يقول لهؤلاء أنهم لا ينتظرون بالمؤمنين إلا النصر أو الشهادة، غير أن المؤمنين ينتظرون بالمنافقين عذاب الله المباشر، أو عذاب الله بأيدي المؤمنين، فلينتظروا إذن والمؤمنون منتظرون، وشتان بين الانتظارين، ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يقول لهؤلاء أنهم مهما أنفقوا من نفقة طائعين أو مكرهين فإن الله لا يقبلها بسبب كفرهم بالله والرسول ﷺ ، والأعمال إنما تقبل وتصح بالإيمان، وبسبب كسلهم إذا قاموا إلى الصلاة، مما يدل على أنه ليس لهم قدم صحيح ولا همة في العمل، وبسبب كونهم لا ينفقون نفقة إلا وهم كارهون، فلهذا لا يقبل الله من هؤلاء نفقة ولا عملا؛ لأنه إنما يتقبل من المتقين، ثم نهى الله رسوله ﷺ أن يعجبه ما هم فيه من أموال أو أولاد، فما هي إلا نوع عذاب لهم، ثم عاقبتهم أن يميتهم الله- حين يميتهم- على الكفر ليكون ذلك أنكى لهم وأشد لعذابهم، فما أموالهم ولا أولادهم إلا استدراج لهم، ثم فضح الله تعالى ما يتظاهرون فيه من كونهم يحلفون الأيمان المؤكدة للمؤمنين أنهم منهم وما هم من المؤمنين، ثم بين أن حلفهم أثر عن جزعهم وخوفهم، وأنهم يودون أن لو وجدوا حصنا يتحصنون به، وحرزا يتحرزون به، أو مقامات في الجبال يلجئون إليها، أو سربا ونفقا في الأرض يسرعون إليه كيلا يخالطوا المؤمنين ولا يروهم ولا يروا من سلطانهم وعزهم، فهم يخالطون المؤمنين ويعيشون في دولتهم كرها لا محبة، وودوا أنهم لا يخالطونهم. ولهذا لا يزالون في هم وحزن وغم؛ لأن الإسلام لا يزال في عز ونصر ورفعة، فلهذا فإن كل ما سر المؤمنين يسوؤهم، فهم يودون ألا يخالطوا المؤمنين، فلا يغرن المؤمنون بأيمانهم أنهم مع المؤمنين، وبعد أن ذكر الله هذا النموذج المار ذكره من المنافقين ثنى بذكر نموذج آخر منهم.
هذا النموذج الثاني من المنافقين نموذج طامع لماز، يعيب على رسول الله ﷺ تقسيمه الصدقات ويتهمه في عدله، فعليهم لعائن الله؛ إذ أنهم لا يعلنون ذلك إلا لحظ النفس والشيطان، ولا يمكن أن يكون فعلهم إلا حظا للنفس والشيطان، بدليل أنهم إذا أعطوا من هذا الزكوات رضوا، وإذا لم يعطوا منها أظهروا سخطهم، ولما ذكر الله تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي ﷺ ولمزهم إياه في قسمه الصدقات، بين تعالى مصارف الزكوات؛ ليعلم هؤلاء المنافقون أن الله هو الذي قسمها وبين حكمها وتولى
стр. 2193
أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره، وقد حدد الله مصارفها بأنهم ثمانية أصناف: الفقراء، والمساكين، والعاملون عليها وهم: الجباة والسعاة، والمؤلفة قلوبهم
وهم أقسام: فمنهم من يعطى ليسلم، ومنهم من يعطى لما يرجى من إسلام نظرائه، ومنهم من يعطى ليجبي الصدقات ممن يليه، أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد، أو ليكف ضرره، والصنف الخامس من مصارف الزكاة هم الرقاب من مكاتبين أو غير ذلك على خلاف بين الفقهاء- كما سنرى- والصنف السادس:
الغارمون وهم أقسام: فمنهم من تحمل حمالة، أو ضمن دينا فلزمه فأجحف بماله أو غرم في أداء دينه أو في معصية ثم تاب، وتفصيل ذلك سيأتي، والصنف السابع: في سبيل الله ويدخل فيهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان وغير ذلك مما سيأتي، والصنف الثامن: ابن السبيل: وهو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شئ يستعين به على سفره فيعطى من الصدقات ما يكفيه إلى بلده وإن كان له مال، وهكذا الحكم فيمن أراد إنشاء سفر من بلده وليس معه شئ فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه، ثم ختم الله آية الزكاة بتبيان أن هذا فرض فرضه الله، فهو حكم مقدر بتقدير الله وفرضه وقسمه، والله عليم بظواهر الأمور وبواطنها وبمصالح عباده، حكيم فيما يقوله ويفعله ويشرعه ويحكم به لا إله إلا هو ولا رب سواه.
وهكذا حدد الله مصارف الزكاة في معرض السياق العام في الأمر بالنفير، وفي معرض قطع طمع المنافقين في الزكاة في السياق الخاص، ومجيئها في السياق العام واضح الحكمة لما في الزكاة من إعانة على الجهاد، ومجيئها في السياق الخاص واضح الحكمة.
ثم يذكر الله نموذجا ثالثا من نماذج المنافقين: وهو النموذج الذي يؤذي رسول الله ﷺ بالكلام، ويصف ما هو حسن فيه فيجعله غير حسن، ومن ذلك قولهم عن رسول الله ﷺ بأنه أذن أي: يصدق كل ما يقال له، وقد رد الله عليهم بأن الرسول ﷺ شديد الإصغاء لمستمعه، وليس ذلك شرا بل هو خير لصالح المؤمنين ولكنه ﵊ يعرف الصادق من الكاذب، فيصدق الصادق ويصدق المؤمنين، وهو ﵊ الرحمة الكاملة الخالصة للمؤمنين، ثم هدد الله هؤلاء الذين يؤذون رسوله ﵊ بالعذاب الأليم، ثم زادنا الله بصيرة بحال هذا الصنف من المنافقين، وكيف أنهم يحلفون للمسلمين ليرضوا المسلمين، مع أن الأجدر بهم أن يرضوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين حقا، ولكنهم ليسوا مؤمنين،
стр. 2194
ولذلك لم يعلموا ولم يتحققوا أنه من حارب الله ورسوله فإن له عذاب جهنم خالدا فيها، مهانا معذبا، وهذا هو الذل العظيم والشقاء الكبير، وبعد أن بين الله في بداية المقطع أن المحك الذي يظهر المنافق من المؤمن هو الموقف من النفير العام، وأن الذين يستأذنون ولا عذر لهم هم المنافقون. وبعد أن ذكر لنا ثلاثة نماذج من نماذجهم بين الله كيف أن المنافق يبقى دائما خائفا أن يفتضح أمره بأن ينزل الله سورة تتحدث عما في قلبه، كما بين أن هؤلاء المنافقين من طبيعتهم الاستهزاء، وقد هددهم الله بأن الله سينزل على رسوله ﷺ ما يفضحهم، ويبين أمرهم، وقد كان ذلك بهذه السورة، ولهذا قال قتادة: كانت تسمى هذه السورة الفاضحة، فاضحة المنافقين.
وإذن وفي هذا السياق بين لنا الله طبيعة من طبائع المنافقين وهي استهزاؤهم بالإسلام وأهله، واستهزاؤهم بالله وآياته، ولكنهم من جبنهم إذا ووجهوا بأقوالهم تظاهروا بأنهم قالوا ما قالوه من باب المداعبات والملاطفات والتنكيتات، وقد رد الله عليهم أن تكون آيات الله محل استهزاء في مزاح أو جد، وجعل ذلك كفرا وفتح باب التوبة لمن يتوب وهدد بالعذاب لمن أصر.
وهكذا تكشفت لنا طبيعة أخرى من طبائع المنافقين، وظهر لنا نموذج من نماذجهم ثم ختم الله هذا المقطع بأن عرف لنا المنافقين والمؤمنين الصادقين.
أما المنافقون فقد وصفهم بأنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وأنهم بخلاء عن الإنفاق في سبيل الله، وأنهم ينسون ذكر الله، وأنهم فاسقون خارجون عن طريق الحق، داخلون في طريق الضلالة، ثم ذكر الله ما أعده لهم من العذاب المقيم الخالد في نار جهنم. ثم ذكر الله أن ما سيصيبهم قد أصاب أمثالهم من السابقين، وقد كانوا أشد قوة وأكثر أموالا وأولادا فأحبط الله أعمالهم وجعل عاقبتهم النار. وهؤلاء يسيرون على طريق أولئك في التمتع في الدنيا، والخوض في الكذب والباطل، فالطريق واحدة والنهاية واحدة: النار وبطلان العمل، ثم وعظ الله هؤلاء المنافقين بأن ذكرهم بما أصاب الأمم السابقة عدلا منه، فليحذروا أن يصيبهم ما أصابهم.
ثم عرف الله المؤمنين بأنهم متناصرون متعاضدون فيما بينهم، وأنهم أمرة بالمعروف، نهاة عن المنكر، مقيمون للصلاة، مؤتون للزكاة، طائعون لله والرسول فيما أمر ونهى، هؤلاء هم المؤمنون الصادقون، وقد وعدهم الله أن يرحمهم بما اتصفوا
стр. 2195
من هذه الصفات، ثم ذكر الله بعزته وحكمته في هذا المقام فهو المعز لمن أطاعه، المعز لمن اتصف بهذه الصفات، الحكيم في قسمته هذه الصفات لهؤلاء، وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة، فإنه له الحكمة في جميع ما يفعله ﵎، ثم أخبر الله بما أعده للمؤمنين والمؤمنات من الخيرات والنعيم المقيم في الجنات من مساكن وما حوت، ومن رضوان الله، وهو أعظم من كل نعيم وأي فوز أعظم من هذا الفوز.
وبهذا ينتهى المقطع الأول من القسم الثاني في هذه السورة ليأتي المقطع الثاني مبتدئا بالأمر بجهاد الكافرين والمنافقين، بعد أن وصف المنافقين كما رأينا، وإذ كان الأمر الجديد بجهاد المنافقين مع جهاد الكافرين يقتضي مزيدا من وصف المنافقين فإن المقطع اللاحق سيكون امتدادا لوصف المنافقين وأحوالهم من خلال استكمال عرض ما حدث في غزوة تبوك، وهذا شئ سنراه في المقطع الثاني.
كلمة في السياق:
١ - في القسم الأول من السورة جاء أمر بقتال المشركين، وأمر بقتال أهل الكتاب، ثم جاء القسم الثاني فأظهر لنا من خلال الموقف من النفير أن هناك منافقين، وإذن فليس المظهر الوحيد للكفر هو الشرك وانحرافات أهل الكتاب ولذلك فإن المقطع الأول من القسم الثاني أوصلنا إلى المقطع الثاني في القسم الثاني والذي بدايته يا
أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ
فليس المشركون العرب وحدهم محل القتال، وليس أهل الكتاب وحدهم محل قتال، بل المشركون وأهل الكتاب وكل كافر ومنافق، إن عملية الجهاد يجب أن تبقى مستمرة حتى يخضع العالم كله لكلمة الله، ولا يعني هذا الإكراه على الدخول في دين الله، إلا مشركي العرب.
٢ - عرفنا من السياق أن النفير العام هو الذي يظهر فيه النفاق، كما يظهر الإيمان، ورأينا أن المنافقين من شأنهم في النفير العام الاستئذان من غير ما عذر، والطمع، وأن من شأنهم التشكيك في القيادة، والتشكيك في تصرفات المؤمنين.
٣ - عرفنا السياق على صفات المؤمنين الحقيقيين، كما عرفنا على صفات المنافقين، وإذ كان المنافق في الأصل يكتم سره، ويتظاهر بالإيمان وإذ سيصدر أمر بجهاد المنافقين، فإن
стр. 2196
الله في هذه السورة بين لنا ما نستطيع به من خلال المواقف والأفعال أن نتعرف به على هؤلاء المنافقين.
٤ - من هذه السورة ندرك مضمون الحديث الشريف «من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق» إن المسلم مكلف بمهمات كبرى، طريقها القتال، ولذلك فإن كل مسلم يجب أن يكون إما في قتال أو في نية قتال، وهذه السورة تكشف لنا مظاهر النفاق من خلال الموقف من أوامر القتال. فلننتبه كثيرا ونحن نقرأ تفسير هذا القسم.
فإلى التفسير الحرفي للمقطع الأول من القسم الثاني.
التفسير الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا أي اخرجوا للقتال فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أي تثاقلتم أي تباطأتم وملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه، أو ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ أي بدلها فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ أي في جنب الآخرة إِلَّا قَلِيلٌ روى الإمام أحمد عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول الله ﷺ «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم فلينظر بم يرجع». وأشار بالسبابة ورواه مسلم.
إِلَّا تَنْفِرُوا أي إلا تنفروا إلى الحرب يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً إما عذابا كونيا أو عذابا بأيدي أعدائكم يذلونكم ويضطهدونكم وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ أي لنصرة دينه وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً أي ولا تضروا الله شيئا بتوليكم عن الجهاد ونكولكم وتثاقلكم عنه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومن ذلك التبديل والتعذيب والانتصار من الأعداء بدونكم، وفي الآية تهديد عظيم للمتثاقلين عن الجهاد حيث أوعدهم كما قال النسفي: (بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدارين) يهلكهم ويستبدل بهم قوما آخرين خيرا منهم وأطوع، وأنه غني عنهم في نصرة دينه فلا يضر دين الله تثاقل من تثاقل، وإنما يضر المتثاقل نفسه، ولو نظرنا إلى حال العرب خلال العصور- كمثال- فإننا نجد كيف أنه عند ما تموت روح الجهاد فيهم ويتركون القيام به فإن الله يستذلهم ويهيئ لرفع لواء الإسلام أمما أخرى كالأتراك وغيرهم
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ أي إلا تنصروا رسوله فإن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه كما تولى
стр. 2197
نصره إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا حين هموا بقتله فأذن الله له بالخروج، فكان همهم بقتله إخراجهم إياه ثانِيَ اثْنَيْنِ أي أحد اثنين وهما رسول الله ﷺ وأبو بكر والمعنى: إلا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد. ودل بقوله فقد نصره الله على أنه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت إِذْ هُما فِي الْغارِ هو ثقب في أعلى جبل ثور وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة، مكثا فيه ثلاثة أيام إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا أي بالنصرة والحفظ وبهذه الآية استدلوا على من أنكر صحبة أبي بكر، روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: «قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه قال: فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ أي على النبي ﷺ على الأرجح، وقيل على أبي بكر لأن الرسول ﷺ لم تزل معه سكينته لكن هذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال، والسكينة: ما ألقي في قلبه من الأمنة التي سكن عندها وعلم أنهم لا يصلون إليه وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها أي الملائكة فإن كان المراد يوم الغار فبصرف وجوه الكفار وأبصارهم عن أن يروه، وإن كان فيما بعد فيكون المراد ما أمد به ﵊ من مثل يوم بدر والأحزاب وحنين وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى أي دعوتهم أو شعاراتهم المشركة وَكَلِمَةُ اللَّهِ أي دعوته أو شعار المسلمين الأول لا إله إلا الله هِيَ الْعُلْيا وكلمة الله لم تزل عالية لذلك رفعت في قراءة حفص وَاللَّهُ عَزِيزٌ يعز بنصره أهل كلمته حَكِيمٌ يذل أهل الشرك بحكمته.
فوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى: فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ذكر ابن كثير ما قاله عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه قال: لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة قال: ائتوني بكفني الذي أكفن فيه انظر إليه، فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال: أما لي من كبير ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولى ظهره فبكى وهو يقول: أف لك من دار إن كان كثيرك لقليل، وإن كان قليلك لقصير، وإن كنا منك لفي غرور.
٢ - وبمناسبة قوله تعالى: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا نذكر الحديث الوارد في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن
стр. 2198
الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».
وبعد أن بين الله تعالى عاقبة ترك النفر واستغناء الله ورسوله عن نصرة من لم يشارك بالنفر أصدر الله أمره الجازم بالنفر فقال: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا أي كلكم إلا من كان ذا عذر، وقد دارت عبارات المفسرين بما يفيد ذلك ومما قالوه: أي خفافا في النفور لنشاطكم وثقالا عنه لمشقته عليكم، أو خفافا لقلة عيالكم وثقالا لكثرتها، أو خفافا من السلاح وثقالا منه، أو ركبانا ومشاة، أو شبابا وشيوخا، أو مهازيل وسمانا، أو صحاحا ومراضا، والمهم أن النفرة إذا جاء الاستنفار واجبة على الجميع إلا ما استثنى الله في سورة الفتح أو ما ذكره الله في هذه السورة من قوله لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ... كما سنرى وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هذا إيجاب للجهاد بالمال والنفس إن أمكن، أو بأحدهما على حسب الحالة والحاجة والاستطاعة ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ أي الجهاد خير لكم من تركه إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فمن لم يعلم أن الجهاد خير، ومن لم يجاهد، فإنه جاهل.
فوائد:
بمناسبة قوله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا نذكر هاتين الحادثتين:
أ- قرأ أبو طلحة سورة براءة فأتى على هذه الآية انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبابا، جهزوني يا بني، فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير فدفنوه فيها.
ب- أخرج ابن جرير قال حدثني حبان بن زيد قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو- وكان واليا على حمص قبل الأفسوس- إلى الجراجمة فرأيت شيخا كبيرا هرما قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار فأقبلت إليه فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك، قال: فرفع حاجبيه فقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا ألا إنه
стр. 2199
من يحبه الله يبتليه ثم يعيده الله فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله »
وبمناسبة هذه الآية نذكر هذا الحديث عنه ﵊ قال: «تكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرده إلى منزله بما نال من أجر أو غنيمة». ولنفرض أن أحدا وجد كراهة في نفسه للجهاد وتثاقلا عنه، فعليه في هذه الحالة أن يجاهد نفسه ويحملها على الجهاد، كما ينبغي أن يفعل ذلك في كل شئ فرضه الله عليه، روى الإمام أحمد عن أنس عن رسول الله ﷺ قال لرجل: «أسلم قال:
أجدني كارها. قال أسلم وإن كنت كارها».
وبعد أن بين الله عاقبة ترك النفر وعقوبته، وأمر بالنفير العام. بدأ يعالج ظاهرة التخلف وما يحيط بها من خلال ما حدث في غزوة تبوك التي كانت النفير الأقسى في زمن رسول الله ﷺ ، فما حدث يومها من تخلف، وما حدث خلالها من وقائع إنما هي النماذج الخالدة لما يحدث عند إعلان النفير، وما يكون خلاله، ولذلك يستمر بعرض هذه النماذج إلى نهاية السورة تقريبا.
إن الناس يواجهون عادة النفير بأحد موقفين. إما بالاندفاع له، وإما بالاستئذان عن المشاركة فيه، وهذا ما حدث يوم تبوك إذ استأذن الكثير عن الخروج، واندفع المؤمنون الصادقون للخروج، وقد حكم الله على الذين استأذنوا دون عذر بالنفاق وفتح لهم باب التوبة، ولم يستثن من الحكم بالنفاق إلا ثلاثة كانوا صادقي الإيمان، فعوملوا معاملة العصاة كما سنرى، والمقطع يعرض ظاهرة- فيما يعرض- الاستئذان وكيف قابلها رسول الله ﷺ وعتاب الله له ﵊ على إذنه لمن استأذن وحكم هؤلاء المستأذنين فقال:
لَوْ كانَ عَرَضاً العرض هو ما يعرض للإنسان من منافع الدنيا قَرِيباً أي سهل المأخذ وَسَفَراً قاصِداً أي وسطا مقاربا، والسفر القاصد هو المعتدل والمعنى:
لو كان إلى مغنم سهل وسفر معتدل لَاتَّبَعُوكَ أي لوافقوك في الخروج وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ أي المسافة الشاطة الشاقة وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ أي سيحلف المتخلفون عند رجوعك من الغزوة معتذرين لَوِ اسْتَطَعْنا استطاعة عدة أو
стр. 2200
استطاعة أبدان لَخَرَجْنا مَعَكُمْ وفي الآية دليل من دلائل النبوة لأنه أخبر بما سيكون بعد القفول فقالوا كما أخبر يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ أي بالحلف الكاذب وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أي فيما يقولون
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ هذا من لطف العتاب إذ صدر بالعفو الخطاب لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ هذا بيان لما استحق به أن يخاطب بالعفو الذي يفيد سبق ما يحتاج إلى عفو، ومعناه: ما لك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلوا لك بعللهم وهلا استأنيت بالإذن حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ أي حتى يتبين لك الصادق في العذر من الكاذب فيه
لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا أي ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا في الجهاد أو في القعود عنه، فالمؤمن يندفع نحو الجهاد اندفاعا تلقائيا، فكيف إذا صدر الأمر بالنفير؟ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ قدم الجهاد بالأموال على الأنفس لأن الجهاد بالنفس لا يقوم إذا لم يسبقه جهاد بالمال وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ فليجاهدوا إذن وما دام الله يعلم جهادهم فأجرهم عنده حاصل
إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعنى المنافقين فهم الذين لا يرجون ثواب الله وهم الذين يستأذنون بالقعود عن الجهاد وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ أي شكوا
في دينهم واضطربوا في عقيدتهم فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ أي في شكهم وحيرتهم يَتَرَدَّدُونَ أي يتحيرون لأن التردد ديدن المتحير، كما أن الثبات ديدن المتبصر
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ أي الجهاد أو للخروج عُدَّةً أي أهبة، فدل ذلك على أنهم من الأصل قد نووا القعود، أذن لهم رسول الله ﷺ أو لم يأذن وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ أي نهوضهم للخروج فَثَبَّطَهُمْ أي فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث؛ عقوبة لهم ونظرا للمسلمين لأن ذلك في صالحهم والتثبيط التوقيف عن الأمر بالتزهيد فيه وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ أي قال بعضهم لبعض، أو قاله الشيطان بالوسوسة لهم وفي النص ذم لهم، وإلحاق لهم بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم القعود في البيوت،
ثم بين تعالى وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين، وأن في ذلك مصلحة المؤمنين لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا أي إلا فسادا وشرا لأنهم جبناء مخذولون وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ أي ولسعوا بينكم بالنمائم وإفساد ذات البين يطلبون بذلك أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلاف فيما بينكم ويفسدوا نياتكم في مغزاكم وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ تحتمل وجهين: الأول: أي سماعون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم، والثاني: أي وفيكم مطيعون لهم ومستحسنون
стр. 2201
لحديثهم وكلامهم يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم فيؤدي إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ هذا وصف للمنافقين بالظلم والنص فيه تهديد لهم
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ بصد الناس وبرجوعهم يوم أحد وغير ذلك من فعلهم القبيح في الكيد للإسلام ورسوله وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ أي ودبروا لك الحيل والمكايد، ودوروا الآراء في إبطال الإسلام، ونفوذ أمر رسوله حَتَّى جاءَ الْحَقُّ أي النصر والتأييد وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ أي وغلب دينه وعلا شرعه وَهُمْ كارِهُونَ أي علا أمر الله على رغم منهم، وبهذه المجموعة من الآيات تحدد حال المعتذرين عن الجهاد، وتحدد وضعهم، وتحددت العوامل التي أقعدتهم، وتبين أن عدم وجودهم في الصف لمصلحة الصف، ولئن عوتب رسول الله ﷺ في الإذن لهم فذلك من أجل فضحهم، وإلا فقد كانت الحكمة ظاهرة في قعودهم.
الفوائد:
١ - قال الألوسي في قوله تعالى: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تنبيه على أنه ينبغي أن يستدل ﵊ باستئذانهم على حالهم ولا يأذن لهم أي ليس من شأن المؤمنين وعادتهم أن يستأذنوك في أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فإن الخلص منهم يبادرون إليه من غير توقف على الإذن فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف عنه، أخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من خير معاش الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعا طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانه).
وقال الألوسي في قوله تعالى: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ أي في التخلف الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تخصيص الإيمان بهما في الموضعين للإيذان بأن الباعث على الجهاد والمانع عنه الإيمان بهما وعدم الإيمان فمن آمن بهما قاتل في سبيل دينه وتوحيده وهان عليه القتل فيه لما يرجوه في اليوم الآخر من النعيم المقيم ومن لم يؤمن بمعزل عن ذلك، على أن الإيمان بهما مستلزم للإيمان بسائر ما يجب الإيمان به وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ عطف على الصلة، وإيثار صيغة الماضي للدلالة على تحقق الريب وتقرره فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ وشكهم المستمر في قلوبهم يَتَرَدَّدُونَ أي يتحيرون» أقول:
دلت الآية الأولى على أن الجهاد- إذا تعين- لا يحتاج إلى استئذان وهذا موضوع مهم في عصرنا.
стр. 2202
لقد رأينا مذهب الإمام مالك، أنه إذا لم يبلغ المجاهدون اثني عشر ألفا لا يفترض عليهم أن يقاتلوا من غير أحكام الله وبدلها ولكن إذا لم يفترض عليهم فإنه جائز لهم، فإذا ما رغب أفراد أن يقاتلوا الذين غيروا وبدلوا فإن لهم ذلك، ولا يحتاجون إلى إذن أحد في ذلك إلا إذا ترتب على ذلك أن تستضر جهات مسلمة غيرهم بسبب ذلك فعليهم أن يستأذنوها أو يعملوا على ألا يلحق غيرهم ضرر بسببهم، وهو موضوع يحتاج إلى فتوى أهلها وتحتاج الفتوى فيه إلى موازنات متعددة.
٢ - قال النسفي: (وقيل شيئان فعلهما رسول الله ﷺ ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه الفدية من الأسارى فعاتبه الله، وفيه دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء ﵈ لأنه ﵊ إنما فعل ذلك بالاجتهاد وإنما عوتب- مع أن له ذلك- لتركه الأفضل، وهم يعاتبون على ترك الأفضل).
٣ - وفي قوله تعالى: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ قال محمد بن إسحاق: كان الذين استأذنوا فيما بلغني من ذوي الشرف منهم عبد الله بن أبي بن سلول، والجد بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم فثبطهم الله لعلمه بهم إن يخرجوا معه فيفسدوا عليه جنده وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم فقال: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ.
٤ - إن من المجمع عليه ألا يكتب المصحف إلا برسم الصحابة له وذلك لأن هذا الرسم هو الذي يستوعب قراءات القرآن، وهو الذي حفظ به القرآن أول مرة، وهو الذي لا اختلاف عليه، وهو الذي منع الاختلاف أول مرة، وبإبقائه على ما هو عليه تبقى الأمة غير مختلفة فيه وهذا سبب وجود بعض الأحرف وبعض أنواع الرسم الذي يختلف عن إملائنا الحالي ومن ذلك ما ذكره النسفي في كلمة في النص السابق قال: وخط في المصحف ولا أوضعوا بزيادة الألف لأن الفتحة كانت تكتب ألفا قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريبا من نزول القرآن، وقد بقي من تلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفا وفتحها ألفا أخرى، ونحو (أولا أذبحنه).
٥ - وفي قوله تعالى عن المنافقين يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ قال الألوسي: أي يطلبون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم وتهويل أمر العدو عليكم، وإلقاء الرعب في قلوبكم،
وهذا هو المروي عن الضحاك. وعن الحسن أن الفتنة بمعنى الشرك أي يريدون أن تكونوا مشركين.
стр. 2203
وبعد أن أجملت المجموعة السابقة موقف المنافقين جملة من النفير تأتي الآن مجموعات كل مجموعة تتحدث عن نموذج من نماذج النفاق من خلال موقفهم من النفير. النموذج الأول: نموذج يعتذر عن الجهاد بحجة ظاهرها أنها حجة يمليها الدين وهو كاذب منافق.
وهذا هو النموذج
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي أي في التخلف عن الجهاد والنفير وَلا تَفْتِنِّي أي ولا توقعني في الفتنة- وهي الإثم- بألا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت، أو لا تلقني في الهلكة فإني إذا خرجت معك هلك مالي وعيالي، والآية عامة تدخل فيها صور كثيرة وسبب النزول يحدد أحد معانيها وسنذكره أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها بتخلفهم عما فرضه الله وأي فتنة أعظم من القعود عن الجهاد وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ أي لا محيد لهم عنها ولا محيص ولا مهرب لأن أسباب الإحاطة معهم، هذا هو النموذج الأول وأصحابه يعتذرون عن الجهاد بصورة عذر ظاهره شرعي وهم منافقون في الحقيقة بدليل عواطفهم التي عبرت عنها الآية اللاحقة وهي
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ أي ظفر وغنيمة في غزوة تَسُؤْهُمْ لأن عواطفهم كافرة لا تفرح لفرح أهل الإيمان وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ أي نكبة وشدة في بعض غزواتك يَقُولُوا مفتخرين بشدة احتراسهم، راغبين بأنفسهم أن يصيبهم ما أصاب المؤمنين قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا الذي نحن متسمون به من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم مِنْ قَبْلُ أي من قبل ما حدث من النكبة والشدة وَيَتَوَلَّوْا أي ويعرضوا وَهُمْ فَرِحُونَ أي مسرورون
وهنا يأمر الله رسوله ﷺ أن يقول لهؤلاء ثلاثة معان. المعني الأول قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا أي ما قضى لنا من خير وشر هُوَ مَوْلانا الذي يتولانا ونتولاه وهو الذي يرعى شأننا كله، ومهما أصابنا من شئ فهو- وإن كان ظاهره شرا فإنه في النهاية- خير لنا في دنيانا وأخرانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي وحق المؤمنين ألا يتكلوا على غير الله ونحن متوكلون على ربنا ومنفذون أمره فلا تشمتوا بما يصيبنا فهو الذي يعوض علينا ويبدل عسرنا يسرا وهزيمتنا انتصارا.
المعنى الثاني قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا أي تنتظرون بنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ تثنية حسنى وهما هنا النصر أو الشهادة وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ إحدى السوءيين وهما أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ كما عذب غيركم من الكافرين أَوْ بِأَيْدِينا بأن نقتلكم بكفركم فَتَرَبَّصُوا أي بنا ما ذكرنا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ أي منتظرون ما هو عاقبتكم.
المعنى الثالث الذي أمر الله رسوله أن يقوله لهؤلاء المنافقين قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً أي طائعين أو
стр. 2204
مكرهين لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ أي إنفاقكم سواء أنفقتم طوعا أو كرها. ثم علل سبب عدم قبول نفقتهم بقوله: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ والله إنما يتقبل من المتقين ومعنى فاسقين: أي متمردين عاتين ومعنى قوله: طوعا في الآية أي: من غير إلزام من الله ورسوله، ومعنى قوله كرها: أي ملزمين، وسمي الإلزام إكراها لأنهم منافقون فكان إلزامهم الإنفاق شاقا عليهم كالإكراه،
ثم ذكر سببا آخر لعدم قبول نفقاتهم فقال:
وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أي وما منعهم قبول نفقاتهم إلا ما يأتي أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ أي كفرهم وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى جمع كسلان. فكفرهم أولا وكسلهم عن الصلاة ثانيا، ورياؤهم بالنفقة ثالثا وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ هذه الأسباب الثلاثة منعتهم قبول صدقتهم، وقد وصفهم من قبل بالإنفاق الطوعي أحيانا، وسلب الإنفاق الطوعي عنهم أصلا هنا لأن المراد بطوعهم هناك أنهم يبذلونه من غير إلزام من رسول الله ﷺ أو من رؤسائهم وما طوعهم إلا عن كراهية واضطرار، لا عن رغبة واختيار،
وبعد أن أمر الله رسوله ﷺ أن يقول لهؤلاء المنافقين ما رأيناه نهاه بعد ذلك أن يعجبه ما هم فيه من الدنيا فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ أي لا تستحسن ما أوتوا من زينة الدنيا ومعنى الإعجاب أن تسر بالشئ سرور راض به، متعجب من حسنه، ثم بين أن ما أوتوه ما هو إلا عذاب لهم فقال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي فإن الله أعطاهم ما أعطاهم ليعذبهم بالمصائب فيها أو بالإنفاق منه في أبواب الخير وهم كارهون له، أو بنهب أموالهم وسبي أولادهم، أو بجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والخوف عليها وكل هذا عذاب ومع هذا العذاب عذاب آخر وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ أصل الزهوق: الخروج بصعوبة. أي وتخرج أرواحهم وهم كفرة، وفي ذلك العذاب الأكبر، وفي الآية دليل على بطلان قول المعتزلة بوجوب الأصلح على الله وبأن المعاصي ليست بإرادة الله، لأن الآية أخبرت أن إعطاء الأموال والأولاد لهم للتعذيب، والإماتة على الكفر، وإرادة العذاب إرادة لما يعذب به صاحبه وكل ذلك حجة على المعتزلة. ولنرجع إلى السياق:
فبعد أن صور الله لنا هذا النموذج وأخبرنا عما يقول وعما نجيبه، ونهانا عن الإعجاب بما هم فيه أكمل وصفهم بآيتين فقال:
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ أي لمن جملة المسلمين وَما هُمْ مِنْكُمْ لأن عواطفهم مع الكافرين وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ أي يخافون فمن جبنهم وخوفهم أن تقتلوهم، يتظاهرون بالإسلام تقية
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أي مكانا يلجئون إليه متحصنين في
стр. 2205
رأس جبل أو قلعة أو جزيرة أَوْ مَغاراتٍ أي أو غيران جمع غار وهي التي في رأس الجبل أَوْ مُدَّخَلًا أو نفقا يندسون فيه لَوَلَّوْا إِلَيْهِ أي لأقبلوا نحوه وَهُمْ يَجْمَحُونَ أي
وهم يسرعون إسراعا لا يردهم شئ ولكنهم لا يجدون مهربا منكم فيتظاهرون بغير الحقيقة لكم.
فائدة:
النموذج العملي لهذا الصنف تحدده أسباب النزول وقد أخرج محمد بن إسحاق عن الزهري وغيره قالوا: قال رسول الله ﷺ ذات يوم وهو في جهازه للجد بن قيس أخي بني سلمة: هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر؟ فقال يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني، فو الله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: «قد أذنت لك». ففي الجد بن قيس نزلت هذه وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي الآية:
أي إن كان إنما يخشى من نساء بني الأصفر وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله ﷺ والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم. وقد كان الجد بن قيس هذا من أشراف بني سلمة، وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لهم: «من سيدكم يا بني سلمة» قالوا: الجد بن قيس على أنا نبخله، فقال رسول الله ﷺ : «وأي داء أدوأ من البخل؟ ولكن سيدكم الفتى الجعد الأبيض بشر بن البراء بن معرور».
ولنعد إلى السياق:
لاحظنا أن المجموعة الأولى من هذا المقطع كانت دعوة إلى النفير، وأن المجموعة الثانية كانت في وصف من يتخلف عن النفير، وجاءت المجموعة الثالثة تحدد مواصفات نموذج من نماذج المنافقين الذين يتخلفون عن النفير، والآن تأتي مجموعة رابعة تحدد مواصفات صنف ثان من المنافقين وهذه هي:
وَمِنْهُمْ أي ومن المنافقين مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ أي يعيبك في قسمة الصدقات ويطعن عليك فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ أي وإن لم يعطوا منها فاجئوا بالسخط، وصفهم بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم، لا للدين وما فيه صلاح أهله،
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أي ولو أنهم رضوا ما أصابهم به الرسول وطابت به نفوسهم وإن قل نصيبهم لكان خيرا لهم وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أي كفانا فضل الله وصنعه سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ أي سيرزق الله، ويؤتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 2206
إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ في أن يعطينا من فضله وقد تضمنت الآية آدابا جمة، إذ علمتنا الرضا بعطاء الله، والتوكل على الله وحده، وعلمتنا أن نرغب إلى الله وحده في التوفيق لطاعة رسول الله ﷺ ، وامتثال أوامره، وترك زواجره، وتصديق أخباره، والاقتفاء بآثاره،
ولما ذكر الله تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي ﷺ ولمزهم إياه في قسم الصدقات، بين تعالى أنه هو الذي قسمها وحدد مصارفها وبين مواضعها التي توضع فيها فقال: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ الفقير هو الذي لا يسأل لأن عنده ما يكفيه للحال، والمسكين الذي يسأل لأنه لا يجد شيئا فهو أضعف حالا منه هذا فهم الحنفية وعند الشافعي العكس وَالْعامِلِينَ عَلَيْها أي هم السعاة الذين يقبضونها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ على الإسلام وهم زعماء في قبائلهم. كان رسول الله ﷺ يتألفهم على أن يسلموا وقوم منهم أسلموا فيعطيهم تقريرا على الإسلام أو لتشجيع أمثالهم على الإسلام وَفِي الرِّقابِ أي المكاتبون على مذهب الشافعية والحنفية. وعند المالكية والحنابلة الرقاب يدخل فيها أن يشتري رقبة فيعتقها استقلالا قال ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة، والمكاتب: هو العبد الذي يتعاقد مع سيده على أن يشتري حريته في مقابل ثمن، فإذا أداه أصبح حرا وَالْغارِمِينَ أي الذين ركبتهم الديون بسبب مباح أو مندوب أو معصية وتابوا منها وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ أي فقراء الغزاة أو الحجيج المنقطع بهم، أو الغزاة الذين لا رواتب لهم وَابْنِ السَّبِيلِ أي المسافر المنقطع عن ماله ولو كان غنيا. قال ابن كثير:
وهكذا الحكم فيمن أراد إنشاء سفر من بلده وليس معه شئ فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ أي فرض الله هذه الصدقات لهؤلاء الأصناف فريضة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالمصلحة وبما يسع العباد وبما لا يشق عليهم حَكِيمٌ في الفرض والتوزيع وفي كل شئ وإنما وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر المنافقين ليدل بكون هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم، حسما لأطماعهم وإشعارا بأنهم بعداء عنها وعن مصارفها، فما لهم وما لها وما سلطهم على التكلم فيها ولمز قاسمها؟ واستعمال كلمة إِنَّمَا في ابتداء الآية يفيد قصر جنس الصدقات على الأصناف المعدودة أي: هي مختصة بهم لا تتجاوز إلى غيرهم كأنه قيل إنما هي لهم لا لغيرهم، واستعمل (اللام) للأصناف الأربعة الأولى، (وفي) للأصناف الأربعة الثانية، وأعاد ذكر (في) قبل الصنفين الأخيرين، ليفيد أن الأربعة الأخيرة أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره فنبه باستعمال (في) على أنهم
стр. 2207
أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، ويجعلوا مظنة لها، وتكرير (في) يفيد فضل ترجيح صنفي: في سبيل الله، وابن السبيل، على الرقاب، والغارمين، وعلى هذا فأفضل ما تنفق فيه الزكاة: الإنفاق على الغزاة، وابن السبيل، هذا ما أفاده النسفي. وهل لا بد من صرف الزكاة إلى الأصناف الثمانية، أو أنه يكفي أن تصرف إلى بعضها؟ قولان.
الحنفية والمالكية على الثاني، والشافعية على الأول. وقد أسقط الصحابة سهم المؤلفة قلوبهم في صدر خلافة أبي بكر ﵁ لأن الله أعز الإسلام وأغنى عنهم، فإذا عاد الإسلام إلى غربته ثم عادله سلطانه على ضعف فلا شك في جواز إعادة سهم المؤلفة قلوبهم، وبهذا ينتهي المعنى الحرفي لهذه المجموعة التي حددت مواصفات صنف من المنافقين، وجاءت آية الزكاة في سياق تحديد مواصفات هذا الصنف للحكمة التي رأيناها وقبل أن ننتقل إلى المجموعة الرابعة التي تحدد مواصفات صنف آخر من أصناف المنافقين نذكر ال فوائد التي لها علاقة بهذه المجموعة.
فوائد:
١ - في سبب نزول قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ قال ابن كثير:
(قال ابن جريج: أخبرني داود بن عاصم قال: أتي النبي ﷺ بصدقة فقسمها هاهنا وهاهنا حتى ذهبت، قال: ووراءه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل فنزلت هذه الآية، وقال قتادة في هذه الآية: وذكر لنا أن رجلا من أهل البادية حديث عهد بأعرابية أتى النبي ﷺ وهو يقسم ذهبا وفضة، فقال: يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت. فقال نبي الله ﷺ : «ويلك فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي؟» ثم قال نبي الله: «احذروا هذا وأشباهه فإن في أمتي أشباه هذا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم».
وذكر لنا أن النبي ﷺ كان يقول: «والذي نفسي بيده ما أعطيكم شيئا ولا أمنعكموه إنما أنا خازن». وهذا الذي ذكره قتادة يشبه ما رواه الشيخان ... عن أبي سعيد في قصة ذي الخويصرة واسمه حرقوص لما اعترض على النبي ﷺ حين قسم غنائم حنين فقال له: اعدل فإنك لم تعدل. فقال: «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل». ثم قال رسول الله ﷺ وقد رآه مقفيا «إنه يخرج من ضئضيء هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنهم شر قتلى تحت أديم السماء).
стр. 2208
٢ - ومما يساعد على فهم آية الزكاة هذه النقول:
أ- روى الإمام أبو داود .. عن زياد بن الحارث الصدائي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته فأتي رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال له: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك».
ب- روى الإمام أحمد والترمذي وأبو داود .. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي».
ج- روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد جيد قوي .. عن عبيد الله بن عدي ابن الخيار: أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي ﷺ يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر فرآهما جلدين فقال: «إن شئتما أعطيتكم ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب».
د- قال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل: قرأ عمر ﵁ إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ قال: هم أهل الكتاب. أقول: هذا اتجاه لا يوافق عليه جماهير العلماء فالزكوات في المسلمين، وأما فقراء أهل الكتاب فيعطون من بيت مال المسلمين.
هـ- روى الشيخان .. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان». قالوا: فما المسكين يا رسول الله ﷺ ؟ قال: «الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئا».
و- ثبت في صحيح مسلم ... عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه انطلق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله ﷺ ليستعملهما على الصدقة فقال: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد إنما هي أوساخ الناس».
ز- روى الإمام أحمد ... عن صفوان بن أمية قال: «أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي».
ح- ثبت عنه ﷺ أنه قال: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله على وجهه في نار جهنم».
стр. 2209
ط- ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد: أن عليا بعث إلى النبي ﷺ بذهيبة في تربتها من اليمن فقسمها بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعيينة بن بدر، وعلقمة بن علاثة، وزيد الخير وقال: «أتألفهم».
ي- روى مسلم ... عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها». قال ثم قال: «يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش- أو قال سدادا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قرابة قومه فيقولون: لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش- أو قال سدادا من عيش- فما سواهن من المسألة سحت يأكلها صاحبها سحتا».
ك- روى مسلم ... عن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي ﷺ : «تصدقوا عليه» فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال النبي ﷺ لغرمائه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك».
ل- روى الإمام أحمد ... عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال رسول الله ﷺ :
«يدعو الله لصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يديه فيقول: يا ابن آدم فيم أخذت هذا الدين، وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يا رب إنك تعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع، ولكن أتى على يدي إما حرق وإما سرق وإما وضيعة، فيقول الله: صدق عبدي أنا أحق من قضى عنك اليوم، فيدعو الله بشيء فيضعه في كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته فيدخل الجنة بفضل الله ورحمته».
م- روى الإمام أبو داود وابن ماجه ... عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى لغني».
س- روى أبو داود .. عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، وابن السبيل، أو جار فقير فيهدي لك، أو يدعوك».
ومما قاله الألوسي في آية الزكاة:
стр. 2210
«والمشهور أن اللام- أي في قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ- للملك عند الشافعية، وهو الذي يقتضيه مذهبهم حيث قالوا: لا بد من صرف الزكاة إلى جميع الأصناف إذا وجدت، ولا تصرف إلى صنف مثلا، ولا إلى أقل من ثلاثة من كل صنف، بل إلى ثلاثة أو أكثر إذا وجد ذلك، وعندنا يجوز للمالك أن يدفع الزكاة إلى كل واحد منهم وله أن يقتصر على صنف واحد لأن المراد بالآية بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم لا تعيين الدفع لهم، ويدل له قوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وإنه ﷺ أتاه مال من الصدقة فجعله في صنف واحد وهو المؤلفة قلوبهم، ثم أتاه مال آخر فجعله في الغارمين، فدل ذلك على أنه يجوز الاقتصار على صنف واحد، ودليل جواز الاقتصار على شخص واحد منه أن الجمع المعرف بال مجاز عن الجنس، فلو حلف لا يتزوج النساء، ولا يشتري العبيد يحنث بالواحد، فالمعنى في الآية: أن جنس الصدقة لجنس الفقير، فيجوز الصرف إلى واحد لأن الاستغراق ليس بمستقيم إذ يصير المعنى: إن كل صدقة لكل فقير وهو ظاهر الفساد، وليس هناك معهود ليرتكب العهد، ولا يرد- خالعني على ما في يدي من الدراهم، ولا شئ في يدها- فإنه يلزمها ثلاثة، ولو حلف لا يكلمه الأيام أو الشهور فإنه يقع على العشرة عند الإمام، وعلى الأسبوع والسنة عند الإمامين، لأنه أمكن العهد فلا يحمل على الجنس. فالحاصل أن حمل الجمع على الجنس مجاز، وعلى العهد أو الاستغراق حقيقة، ولا مساغ للخلف إلا عند تعذر الأصل، وعلى هذا ينصف الموصى به لزيد والفقراء كالوصية لزيد وفقير.
وما ذهبنا إليه هو المروي عن عمر وابن عباس ﵃، وبه قال سعيد بن جبير. وعطاء. وسفيان الثوري. وأحمد بن حنبل. ومالك عليهم الرحمة وذكر ابن المنير أن جده أبا العباس أحمد بن فارس كان يستنبط من تغاير الحرفين المذكورين دليلا على أن الغرض بيان المصرف واللام لذلك فيقول: متعلق الجار الواقع خبرا عن الصدقات محذوف فإما أن يكون التقدير إنما الصدقات مصروفة للفقراء كما يقول مالك ومن معه، أو مملوكة للفقراء كما يقول الشافعي، لكن الأول متعين لأنه تقدير يكتفى به في الحرفين جميعا ويصح تعلق اللام (وفي) معا فيصح أن يقال: هذا الشئ مصروف في كذا ولكذا، بخلاف تقدير مملوكة، فإنه إنما يلتئم مع اللام عند الانتهاء إلى (في) يحتاج إلى تقدير مصروفة ليلتئم بها، فتقديره من الأول عام التعلق شامل الصحة متعين أ. هـ. وبالجملة لا يخفى قوة منزع الأئمة الثلاثة في الأخذ.