← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ في أن يعطينا من فضله وقد تضمنت الآية آدابا جمة، إذ علمتنا الرضا بعطاء الله، والتوكل على الله وحده، وعلمتنا أن نرغب إلى الله وحده في التوفيق لطاعة رسول الله ﷺ ، وامتثال أوامره، وترك زواجره، وتصديق أخباره، والاقتفاء بآثاره، ولما ذكر الله تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي ﷺ ولمزهم إياه في قسم الصدقات، بين تعالى أنه هو الذي قسمها وحدد مصارفها وبين مواضعها التي توضع فيها فقال: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ الفقير هو الذي لا يسأل لأن عنده ما يكفيه للحال، والمسكين الذي يسأل لأنه لا يجد شيئا فهو أضعف حالا منه هذا فهم الحنفية وعند الشافعي العكس وَالْعامِلِينَ عَلَيْها أي هم السعاة الذين يقبضونها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ على الإسلام وهم زعماء في قبائلهم. كان رسول الله ﷺ يتألفهم على أن يسلموا وقوم منهم أسلموا فيعطيهم تقريرا على الإسلام أو لتشجيع أمثالهم على الإسلام وَفِي الرِّقابِ أي المكاتبون على مذهب الشافعية والحنفية. وعند المالكية والحنابلة الرقاب يدخل فيها أن يشتري رقبة فيعتقها استقلالا قال ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة، والمكاتب: هو العبد الذي يتعاقد مع سيده على أن يشتري حريته في مقابل ثمن، فإذا أداه أصبح حرا وَالْغارِمِينَ أي الذين ركبتهم الديون بسبب مباح أو مندوب أو معصية وتابوا منها وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ أي فقراء الغزاة أو الحجيج المنقطع بهم، أو الغزاة الذين لا رواتب لهم وَابْنِ السَّبِيلِ أي المسافر المنقطع عن ماله ولو كان غنيا. قال ابن كثير: وهكذا الحكم فيمن أراد إنشاء سفر من بلده وليس معه شئ فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ أي فرض الله هذه الصدقات لهؤلاء الأصناف فريضة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالمصلحة وبما يسع العباد وبما لا يشق عليهم حَكِيمٌ في الفرض والتوزيع وفي كل شئ وإنما وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر المنافقين ليدل بكون هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم، حسما لأطماعهم وإشعارا بأنهم بعداء عنها وعن مصارفها، فما لهم وما لها وما سلطهم على التكلم فيها ولمز قاسمها؟ واستعمال كلمة إِنَّمَا في ابتداء الآية يفيد قصر جنس الصدقات على الأصناف المعدودة أي: هي مختصة بهم لا تتجاوز إلى غيرهم كأنه قيل إنما هي لهم لا لغيرهم، واستعمل (اللام) للأصناف الأربعة الأولى، (وفي) للأصناف الأربعة الثانية، وأعاد ذكر (في) قبل الصنفين الأخيرين، ليفيد أن الأربعة الأخيرة أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره فنبه باستعمال (في) على أنهم

стр. 2207

أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، ويجعلوا مظنة لها، وتكرير (في) يفيد فضل ترجيح صنفي: في سبيل الله، وابن السبيل، على الرقاب، والغارمين، وعلى هذا فأفضل ما تنفق فيه الزكاة: الإنفاق على الغزاة، وابن السبيل، هذا ما أفاده النسفي. وهل لا بد من صرف الزكاة إلى الأصناف الثمانية، أو أنه يكفي أن تصرف إلى بعضها؟ قولان. الحنفية والمالكية على الثاني، والشافعية على الأول. وقد أسقط الصحابة سهم المؤلفة قلوبهم في صدر خلافة أبي بكر ﵁ لأن الله أعز الإسلام وأغنى عنهم، فإذا عاد الإسلام إلى غربته ثم عادله سلطانه على ضعف فلا شك في جواز إعادة سهم المؤلفة قلوبهم، وبهذا ينتهي المعنى الحرفي لهذه المجموعة التي حددت مواصفات صنف من المنافقين، وجاءت آية الزكاة في سياق تحديد مواصفات هذا الصنف للحكمة التي رأيناها وقبل أن ننتقل إلى المجموعة الرابعة التي تحدد مواصفات صنف آخر من أصناف المنافقين نذكر ال فوائد التي لها علاقة بهذه المجموعة. فوائد: ١ - في سبب نزول قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ قال ابن كثير: (قال ابن جريج: أخبرني داود بن عاصم قال: أتي النبي ﷺ بصدقة فقسمها هاهنا وهاهنا حتى ذهبت، قال: ووراءه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل فنزلت هذه الآية، وقال قتادة في هذه الآية: وذكر لنا أن رجلا من أهل البادية حديث عهد بأعرابية أتى النبي ﷺ وهو يقسم ذهبا وفضة، فقال: يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت. فقال نبي الله ﷺ : «ويلك فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي؟» ثم قال نبي الله: «احذروا هذا وأشباهه فإن في أمتي أشباه هذا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم». وذكر لنا أن النبي ﷺ كان يقول: «والذي نفسي بيده ما أعطيكم شيئا ولا أمنعكموه إنما أنا خازن». وهذا الذي ذكره قتادة يشبه ما رواه الشيخان ... عن أبي سعيد في قصة ذي الخويصرة واسمه حرقوص لما اعترض على النبي ﷺ حين قسم غنائم حنين فقال له: اعدل فإنك لم تعدل. فقال: «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل». ثم قال رسول الله ﷺ وقد رآه مقفيا «إنه يخرج من ضئضيء هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنهم شر قتلى تحت أديم السماء).

стр. 2208

٢ - ومما يساعد على فهم آية الزكاة هذه النقول: أ- روى الإمام أبو داود .. عن زياد بن الحارث الصدائي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته فأتي رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال له: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك». ب- روى الإمام أحمد والترمذي وأبو داود .. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي». ج- روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد جيد قوي .. عن عبيد الله بن عدي ابن الخيار: أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي ﷺ يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر فرآهما جلدين فقال: «إن شئتما أعطيتكم ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب». د- قال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل: قرأ عمر ﵁ إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ قال: هم أهل الكتاب. أقول: هذا اتجاه لا يوافق عليه جماهير العلماء فالزكوات في المسلمين، وأما فقراء أهل الكتاب فيعطون من بيت مال المسلمين. هـ- روى الشيخان .. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان». قالوا: فما المسكين يا رسول الله ﷺ ؟ قال: «الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئا». و- ثبت في صحيح مسلم ... عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه انطلق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله ﷺ ليستعملهما على الصدقة فقال: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد إنما هي أوساخ الناس». ز- روى الإمام أحمد ... عن صفوان بن أمية قال: «أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي». ح- ثبت عنه ﷺ أنه قال: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله على وجهه في نار جهنم».

стр. 2209

ط- ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد: أن عليا بعث إلى النبي ﷺ بذهيبة في تربتها من اليمن فقسمها بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعيينة بن بدر، وعلقمة بن علاثة، وزيد الخير وقال: «أتألفهم». ي- روى مسلم ... عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها». قال ثم قال: «يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش- أو قال سدادا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قرابة قومه فيقولون: لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش- أو قال سدادا من عيش- فما سواهن من المسألة سحت يأكلها صاحبها سحتا». ك- روى مسلم ... عن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي ﷺ : «تصدقوا عليه» فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال النبي ﷺ لغرمائه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك». ل- روى الإمام أحمد ... عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال رسول الله ﷺ : «يدعو الله لصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يديه فيقول: يا ابن آدم فيم أخذت هذا الدين، وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يا رب إنك تعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع، ولكن أتى على يدي إما حرق وإما سرق وإما وضيعة، فيقول الله: صدق عبدي أنا أحق من قضى عنك اليوم، فيدعو الله بشيء فيضعه في كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته فيدخل الجنة بفضل الله ورحمته». م- روى الإمام أبو داود وابن ماجه ... عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى لغني». س- روى أبو داود .. عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، وابن السبيل، أو جار فقير فيهدي لك، أو يدعوك». ومما قاله الألوسي في آية الزكاة:

стр. 2210

«والمشهور أن اللام- أي في قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ- للملك عند الشافعية، وهو الذي يقتضيه مذهبهم حيث قالوا: لا بد من صرف الزكاة إلى جميع الأصناف إذا وجدت، ولا تصرف إلى صنف مثلا، ولا إلى أقل من ثلاثة من كل صنف، بل إلى ثلاثة أو أكثر إذا وجد ذلك، وعندنا يجوز للمالك أن يدفع الزكاة إلى كل واحد منهم وله أن يقتصر على صنف واحد لأن المراد بالآية بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم لا تعيين الدفع لهم، ويدل له قوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وإنه ﷺ أتاه مال من الصدقة فجعله في صنف واحد وهو المؤلفة قلوبهم، ثم أتاه مال آخر فجعله في الغارمين، فدل ذلك على أنه يجوز الاقتصار على صنف واحد، ودليل جواز الاقتصار على شخص واحد منه أن الجمع المعرف بال مجاز عن الجنس، فلو حلف لا يتزوج النساء، ولا يشتري العبيد يحنث بالواحد، فالمعنى في الآية: أن جنس الصدقة لجنس الفقير، فيجوز الصرف إلى واحد لأن الاستغراق ليس بمستقيم إذ يصير المعنى: إن كل صدقة لكل فقير وهو ظاهر الفساد، وليس هناك معهود ليرتكب العهد، ولا يرد- خالعني على ما في يدي من الدراهم، ولا شئ في يدها- فإنه يلزمها ثلاثة، ولو حلف لا يكلمه الأيام أو الشهور فإنه يقع على العشرة عند الإمام، وعلى الأسبوع والسنة عند الإمامين، لأنه أمكن العهد فلا يحمل على الجنس. فالحاصل أن حمل الجمع على الجنس مجاز، وعلى العهد أو الاستغراق حقيقة، ولا مساغ للخلف إلا عند تعذر الأصل، وعلى هذا ينصف الموصى به لزيد والفقراء كالوصية لزيد وفقير. وما ذهبنا إليه هو المروي عن عمر وابن عباس ﵃، وبه قال سعيد بن جبير. وعطاء. وسفيان الثوري. وأحمد بن حنبل. ومالك عليهم الرحمة وذكر ابن المنير أن جده أبا العباس أحمد بن فارس كان يستنبط من تغاير الحرفين المذكورين دليلا على أن الغرض بيان المصرف واللام لذلك فيقول: متعلق الجار الواقع خبرا عن الصدقات محذوف فإما أن يكون التقدير إنما الصدقات مصروفة للفقراء كما يقول مالك ومن معه، أو مملوكة للفقراء كما يقول الشافعي، لكن الأول متعين لأنه تقدير يكتفى به في الحرفين جميعا ويصح تعلق اللام (وفي) معا فيصح أن يقال: هذا الشئ مصروف في كذا ولكذا، بخلاف تقدير مملوكة، فإنه إنما يلتئم مع اللام عند الانتهاء إلى (في) يحتاج إلى تقدير مصروفة ليلتئم بها، فتقديره من الأول عام التعلق شامل الصحة متعين أ. هـ. وبالجملة لا يخفى قوة منزع الأئمة الثلاثة في الأخذ.

стр. 2211

ولذا اختار بعض الشافعية ما ذهبوا إليه، وكان والد العلامة البيضاوي عمر بن محمد- وهو مفتي الشافعية في عصره- يفتي به». وَابْنِ السَّبِيلِ وهو المسافر المنقطع عن ماله. والاستقراض له خير من قبول الصدقة على ما في الظهيرية. وفي فتح القدير أنه لا يحل له أن يأخذ أكثر من حاجته، وألحق به كل من هو غائب عن ماله وإن كان في بلده. وفي المحيط وإن كان تاجرا له دين على الناس لا يقدر على أخذه ولا يجد شيئا يحل له أخذ الزكاة، لأنه فقير يدا كابن السبيل. وفي الخانية تفصيل في هذا المقام قال: والذي له دين مؤجل على إنسان إذا احتاج إلى النفقة يجوز له أن يأخذ من الزكاة قدر كفايته إلى حلول الأجل، وإن كان الدين غير مؤجل فإن كان من عليه الدين معسرا يجوز له أن يأخذ الزكاة في أصح الأقاويل لأنه بمنزلة ابن السبيل، وإن كان المديون موسرا معترفا لا يحل أخذ الزكاة، وكذا إذا كان جاحدا وله عليه بينة عادلة، وإن لم تكن عادلة لا يحل له الأخذ أيضا ما لم يرفع الأمر إلى القاضي فيحلفه، فإذا حلفه يحل له الأخذ بعد ذلك أ. هـ. والمراد من الدين ما يبلغ نصابا كما لا يخفى. وفي فتح القدير ولو دفع إلى فقيرة لها مهر دين على زوجها يبلغ نصابا وهو موسر بحيث لو طلبت أعطاها لا يجوز، وإن كان بحيث لا يعطى لو طلبت جاز اه. وهو مقيد لعموم ما في الخانية، والمراد من المهر ما تعورف تأجيله فهو دين مؤجل لا يمنع أخذ الزكاة، ويكون في الأول عدم إعطائه بمنزلة إعساره، ويفرق بينه وبين سائر الديون بأن رفع الزوج للقاضي مما لا ينبغي للمرأة بخلاف غيره، ولكن في البزازية دفع الزكاة إلى أخته وهي تحت زوج إن كان مهرها المعجل أقل من النصاب، أو أكثر لكن الزوج معسر له أن يدفع إليها الزكاة، وإن كان موسرا والمعجل قدر النصاب لا يجوز عندهما، وبه يفتى للاحتياط، وعند الإمام يجوز مطلقا». وقال الألوسي: (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وهم كانوا ثلاثة أصناف. صنف كان يؤلفهم رسول الله ﷺ ليسلموا. وصنف أسلموا لكن على ضعف كعيينة بن حصن. والأقرع بن حابس. والعباس بن مرداس السلمي فكان ﵊ يعطيهم لتقوى نيتهم في الإسلام، وصنف كانوا يعطون لدفع شرهم عن المؤمنين، وعد منهم من يؤلف قلبه بإعطاء شئ من الصدقات على قتال الكفار ومانعي الزكاة).

стр. 2212

(وقال قوم: لم يسقط سهم هذا الصنف، وهو قول الزهري وأبي جعفر محمد بن علي. وأبي ثور، وروي ذلك عن الحسن، وقال أحمد: يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك). وقال الألوسي في كلامه عن سهم وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ (وذكر بعضهم أن التحقيق ما ذكره الجصاص في الأحكام، أن من كان غنيا في بلده بداره وخدمه وفرسه وله فضل دراهم حتى لا تحل له الصدقة فإذا عزم على سفر جهاد احتاج لعدة وسلاح لم يكن محتاجا له في إقامته فيجوز أن يعطى من الصدقة، وإن كان غنيا في مصره وهذا معنى قوله ﷺ : «الصدقة تحل للغازي الغني). ٣ - في كتابنا (الإسلام) في الفصل الأول منه، وفي الفصل الثالث منه بيان لكيفية الزكاة هي العمود الفقري في نظام الاقتصاد في الإسلام، وهي التي تبين بدقة الفوارق بين النظام الإسلامي وغيره من الأنظمة، كما أنها لو أحسن تطبيقها تحل المشاكل كلها، من مشكلة الفقر، إلى مشكلة الدراسة والعلم، إلى مشكلة السكن والبطالة، إلى مشكلة العزوبة، إلى مشكلة الجهاد، وإن أهم ما يجب أن يصرف فيه المسلمون زكاتهم ما يؤدي إلى إقامة الدعوة إلى الله، وإقامة الجهاد، ولعله من أجل هذا المعنى جاءت آية الزكاة في معرض سياق الأمر بالنفير، لأن كثيرا من احتياجات الجهاد تغطيها الزكاة، فلو أننا اشترينا لكل طالب بالغ غير غني- ولو كان أبوه غنيا- سلاحا، ولو أننا اشترينا لكل فقير سلاحا وملكناهم إياه من مال الزكاة جاز، ولو أننا اشترينا ذخيرة وملكناها للمجاهدين الذي لا يستطيعون شراء ذخيرة جاز، ولو أننا فرغنا ناسا وأعطيناهم رواتب من أجل الدعوة والجهاد من مال الزكاة جاز، ولو كانوا يملكون في الأصل نصابا، وقد أفتى الكثيرون بجواز إعطاء الزكاة للحركات الجهادية، لكني أقول: إن على هذه الحركات إذا عرفت أن شيئا من مال الزكاة أصبح في يدها أن تراعى الدفة الفقهية في الإنفاق. ولننتقل الآن إلى المجموعة الخامسة في هذا المقطع وهي تحدد مواصفات صنف ثالث من المنافقين وهذه هي: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ أي ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله بالكلام فيه وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قولهم هذا هو إيذاؤهم له، والأذن: هو الرجل يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد سمي بالجارحة التي هي آلة السماع، كأن جملته أذن سامعة

стр. 2213

قُلْ ردا عليهم أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ قصدوا بهذا التعبير مذمته ﵊، وأنه من أهل سلامة القلوب والغرة، ففسره الله تعالى بما هو مدح وثناء عليه، كأنه قيل نعم هو أذن ولكن نعم الأذن، إذ هو أذن في الحق والخير وفيما يجب سماعه وقبوله، وليس بأذن في غير ذلك. ثم فسر الله تعالى كيف أنه ﵊ أذن خير فقال: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أي يصدق بالله لما عرفه من عظمته وجلاله وآياته وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ أي ويقبل من المؤمنين الخلص من المهاجرين والأنصار كلامهم والملاحظ أنه قال يُؤْمِنُ بِاللَّهِ فعدى يؤمن هنا بالباء وقال وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ فعدى الفعل يؤمن باللام لأنه ضمن يؤمن الأولى معنى التصديق الذي هو ضد الكفر، وضمن يؤمن الثانية معنى السماع من المؤمنين وأنه يسلم لهم ما يقولونه ويصدقه؛ لكونهم صادقين عنده وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ معطوفة على قوله هُوَ أُذُنٌ أي هو أذن، ورحمة للذين آمنوا منكم، فكما أنه شديد الإصغاء للمؤمنين مع التصديق لهم فهو رحمة خالصة بهم، فبه استنقذهم الله من الكفر إلى الإيمان، وبه طهرهم الله من نجاسة الشرك وأدران الحيوانية وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الدارين، دار الدنيا ودار الآخرة. فائدة: إن الإصغاء الشديد من أبرز صفات القادة العظام، والمهذبين الكبار، وقد أبرز ما للإصغاء من أثر عظيم في تأليف القلوب كاتب أمريكي في كتاب صدر تحت عنوان «كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس» ولكن المنافقين عليهم اللعنة يرون الميزة نقيصة، وقد رأينا من الآية كيف أن الله وصف رسوله ﷺ بالإصغاء الشديد مع الاحتراس، فلا يصدق إلا أهل الإيمان، ووصفه بالرحمة الكاملة لهؤلاء. وعلى الدعاة إلى الله أن يلاحظوا هذين الخلقين، ثم أكمل الله تصوير الصنف المشار إليه من أهل النفاق فقال: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ يا مسلمون لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ أي إن كنتم مؤمنين كما تزعمون فأحق من أرضيتم الله ورسوله بالطاعة والوفاق، ولكنهم يجهلون- جهل عمى وعمه- عظمة الله ومقام رسوله؛ فيحرصون على إرضاء المسلمين بالأيمان الكاذبة خداعا لهم أَلَمْ يَعْلَمُوا أي ألم يتحققوا أَنَّهُ أي أن الأمر والشأن مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي يشاقق ويحارب ويخالف

стр. 2214

ويجاوز الحد في الخلاف بأن يكون في حياته محاربا لله ورسوله ﷺ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ أي فحقت له خالِداً فِيها جزاء على جرمه الذي لا جرم أعظم منه ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ وأي ذلة أكبر من دخول جهنم والخلود فيها؟ ثم وصف الله حال هؤلاء المنافقين في خشيتهم من الفضيحة فقال: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ أي تخبرهم بِما فِي قُلُوبِهِمْ أي من الكفر والنفاق والمشاقة لله والرسول ﷺ قُلِ اسْتَهْزِؤُا هذا تهديد لهم إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ أي مظهر ما كنتم تحذرونه أي ما كنتم تحذرون إظهاره من نفاقكم، وكانوا يحذرون أن يفضحهم الله بالوحي فيهم وفي استهزائهم بالإسلام وأهله وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ عما قالوه لكان جوابهم لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ فعليهم لعنة الله أي حرم يهتكون؟ قُلْ يا محمد أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ لم يعبأ باعتذارهم الكاذب لأنه حتى على فرض صدقهم فإن جلال الله ومقام آياته ومقام رسوله ﵊ لا يعتدى عليه جدا أو هزلا، ثم خاطبهم الله موبخا لا تَعْتَذِرُوا أي لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة فإنها لا تنفعكم بعد ظهور سركم قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ أي قد أظهرتم كفركم باستهزائكم بعد إظهاركم الإيمان إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ بتوبتهم وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ بإصرارهم على النفاق وعدم توبتهم منه. وهكذا انتهت هذه المجموعة بعد أن حددت مواصفات نوع من أنواع المنافقين في سياق وصف من يتخلف عن النفير العام بالنفاق، فمن تتبع أقوال وأحوال من يتخلف عن النفير فإنه يجدهم واحدا من هذه الأصناف التي مرت والتي ستمر معنا في هذه السورة بكل خصائصه، وقبل أن ننتقل إلى المجموعة السادسة التي تحدد بدقة شاملة صفات المنافقين بشكل عام، وصفات المؤمنين، وما أعد الله لكل، ننقل الفوائد التي لها علاقة بهذه المجموعة. الفوائد: ١ - هذه المجموعة تحدثت عن منافقين يطعنون في القيادة النبوية، ويتظاهرون بأعلى درجات الانتماء، ويحرصون على إرضاء الصف الإسلامي، وإذا حوسبوا على كثير من تصرفاتهم، ادعوا أنهم يفعلونها من قبيل اللطف والظرف والنكتة، هؤلاء لا يمكن أن يكونوا مقاتلين في سبيل الله، وهؤلاء منافقون، من حيث إن إرضاءهم للصف

стр. 2215

مصطنع؛ ما داموا يحاربون الله ورسوله، ومن حيث كفرهم بالاعتداء على مقام الله ورسوله ﷺ . ٢ - قال قتادة في سبب نزول قوله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ .. قال: ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقا لهم شر من الحمير، قال فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله إن ما يقول محمد حق ولأنت شر من الحمار قال: فسعى بها الرجل [أي المسلم الصالح] إلى النبي ﷺ فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال: «ما حملك على الذي قلت؟» فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدق الصادق، وكذب الكاذب، فأنزل الله الآية. [والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب]. ٣ - وهذه روايات منها ما هو سبب نزول ومنها ما يفسر بعض آيات المجموعة فلنرها: روى عبد الله بن وهب بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المسجد: كذبت ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن فقال عبد الله ابن عمر وأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله: إنما كنا نخوض ونلعب ورسول الله ﷺ يقول: أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ. - وقال ابن إسحاق: وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت، أخو بني أمية ابن زيد، من بني عمرو بن عوف، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مخشي ابن حمير يشيرون إلى رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا- والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال- إرجافا وترهيبا للمؤمنين- فقال مخشي بن حمير: والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وأننا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، وقال رسول الله ﷺ لعمار بن ياسر: «أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى قلتم كذا وكذا». فانطلق إليهم عمار فقال: ذلك لهم، فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت- ورسول الله واقف على راحلته- فجعل يقول وهو آخذ بحقبها: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، فقال

стр. 2216

مخشي بن حمير: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي، فكان الذي عفي عنه في هذه الآية مخشي بن حمير فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة، ولم يوجد له أثر». وقبل أن ننتقل إلى المجموعة السادسة نحب أن نذكر ببعض ما مر: في المقطع الأول من القسم الثاني جاءت حتى الآية الأخيرة التي عرضناها خمس مجموعات: المجموعة الأولى: حضت على النفير. المجموعة الثانية: حكمت على الذين يستأذنون في ترك الجهاد بالنفاق. المجموعة الثالثة: حدثتنا عن نوع من المنافقين يعتذرون عن الجهاد بعذر ظاهره شرعي. المجموعة الرابعة: حدثتنا عن نوع من المنافقين طماع لماز. المجموعة الخامسة: حدثتنا عن نوع من المنافقين يؤذون رسول الله ﷺ ويحاولون إرضاء المؤمنين ويبررون أفعالهم بأنها مزاح. وها نحن وصلنا إلى المجموعة السادسة في المقطع. وهي المجموعة الأخيرة فيه، وفيها تحديد لصفات المنافقين والمؤمنين، فليتأملها القارئ بدقة: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أي كأنهم نفس واحدة، وفيه نفي أن يكونوا من المؤمنين، وتكذيب لهم في ادعائهم أنهم من المسلمين، فإذا رأيت إنسانا مستور الحال يوالي منافقا مكشوف النفاق فاعلم أنه مظنة النفاق يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ أي بالكفر والعصيان والمخالفة وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ أي عن الطاعة والإيمان، فإذا رأوا خيرا نهوا عنه، وإذا أقبل إنسان على تطبيق سنة أنكروا عليه، وإذا دعوا فإنهم يدعون إلى شر وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ شحا بالمبار والصدقات والإنفاق في سبيل الله ولا ينفي هذا أن يكون عندهم كرم جاهلي، وإنما المنفي أن يكونوا كرماء في سبيل الله نَسُوا اللَّهَ أي تركوا أمره أو أغفلوا ذكره فَنَسِيَهُمْ أي فتركهم من رحمته وفضله إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي هم الكاملون في الفسق، الذي هو التمرد، والانسلاخ عن كل خير، وكفى المسلم زاجرا أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش، الذي هو اسم الفاسق الذي وصف به المنافقون حين بالغ النص في ذمهم، وهكذا وصف المنافقون بما يستطيع المسلم أن يكتشفهم من

стр. 2217

خلال أوصافهم: ولاؤهم لبعضهم، أمرهم بالمنكر، نهيهم عن المعروف، بخلهم عن الإنفاق في سبيل الله، نسيانهم ربهم بترك الصلاة أو بالكسل فيها. وبعد أن حدد الله صفات المنافقين ذكر ما أعد لهم وللكافرين من العذاب وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ في قوله تعالى (هي حسبهم) ما يدل على عظم عذابها وأنه بحيث لا يزاد عليه وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ أي وأهانهم مع التعذيب، وجعلهم مذمومين ملحقين بالشياطين الملعونين وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ أي دائم معهم في العاجل والآجل لا ينفكون عنه، والعذاب العاجل هو ما يقاسون من تعب النفاق، والظاهر المخالف للباطن؛ خوفا من المسلمين وما يحذرونه أبدا من الفضيحة ونول العذاب إن اطلع على أسرارهم، وبعد أن وصفهم الله وذكر ما أعده لهم ضرب لهم مثلا فقال كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي أنتم أيها المنافقون مثل الذين من قبلكم، أو فعلتم مثل الذين من قبلكم كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً كانت أجسامهم أمتن، وأعمارهم أطول، وأولادهم أكثر، وجمعهم أكثر فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ أي تلذذوا بملاذ الدنيا، والخلاق: النصيب فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ أي فتلذذتم بحظكم من الدنيا كما تلذذ الذي من قبلكم بحظهم من الدنيا وبعضهم فسر الخلاق هنا بالدين، فيكون استمتاعهم بدينهم جعلهم إياه متعة يتمتعون بها استهزاء ومحل نكتة وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا الخوض: الدخول في الباطل واللهو، والمعنى: وخضتم في اللهو والباطل كالفوج الذي خاضوا، أو كالخوض الذي خاضوه، وإنما قدم فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ مع أن قوله تعالى: كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ مغن عنه ليذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا، والتهائهم بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي بطلت مساعيهم فلا ثواب لهم عليها لأنها فاسدة وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ أي قوم شعيب وَالْمُؤْتَفِكاتِ أي مدائن قوم لوط ومعنى ائتفاكهن: انقلاب أحوالهن عن الخير إلى الشر أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أي فما صح منه أن يظلمهم بإهلاكهم؛ لأنه حكيم فلا يعاقبهم بغير جرم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بالكفر وتكذيب الرسل، وبعد أن وصف الله المنافقين وجعل مثلهم مثل من قبلهم في الخوض بالباطل والاستمتاع، ولفت نظرهم إلى

стр. 2218

ما أصاب الأمم الظالمة، بعد هذا كله وصف الله المؤمنين الخلص وما أعد لهم فقال وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي في التناصر والتراحم، فهم يد على من سواهم، يتناصرون فيما بينهم، ويحاربون من عداهم، ونعوذ بالله من حال أهل عصرنا، فقد أصبح أبناء المسلمين بعضهم أعداء بعض، كل ينصر طبقة من طبقات الكفر والنفاق والفسوق يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ يحبون المعروف ويأمرون به، ويكرهون المنكر وينهون عنه، ونعوذ بالله من حال لا يدعى فيه إلى خير، ولا ينهى فيها عن شر وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ في كل ظرف، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ لأهلها، ونعوذ بالله من حال تقام بها الصلاة على الكسل والظرف، وتؤدى الزكاة- إن أديت- لغير أهلها وَيُطِيعُونَ اللَّهَ في كتابه وَرَسُولَهُ في أمره وسنته أُولئِكَ أي من اتصف بهذه الصفات سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ في الدنيا والآخرة، ومن رحمته إياهم في الدنيا أن يؤلف بين قلوبهم. ومن رأى حال المسلمين في عصرنا في تقصير عامة أفرادهم بمجموع هذه الصفات، عرف سبب تردي أحوالهم وكثرة اختلافهم. إن علينا أن نراعي في تربية أنفسنا وغيرنا التحقق بمجموع هذه الصفات، ووجود السين في قوله تعالى سَيَرْحَمُهُمُ يفيد وجود الرحمة لا محالة إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي غالب على كل شئ، قادر عليه، فهو يقدر على الثواب والعقاب حَكِيمٌ أي واضع كلا من الثواب والعقاب موضعه وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً أي يطيب فيها العيش لحسنها وما فيها فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ أي إقامة، وعدن: اسم مدينة في الجنة على القول الراجح وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ أي وشئ من رضوان الله أكبر من ذلك كله، لأن رضاه سبب كل فوز وسعادة ذلِكَ إشارة إلى ما وعد أو إلى الرضوان هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ دون ما يعده الناس فوزا، وهكذا بدأ المقطع في خطاب المؤمنين، وانتهى بوصف المؤمنين الخلص، وما أعده الله لهم. فوائد: ١ - في هذه المجموعة والمجموعات التي قبلها تحددت المعالم الكثيرة للشخصية المؤمنة، والشخصية المنافقة، وتحديد معالم الشخصية المنافقة يأتي بين يدي الأمر الأول في المقطع اللاحق، الذي يأمر بجهاد الكافرين والمنافقين، وتحديد معالم الشخصية المؤمنة يأتي في سياق الأمر بالنفير؛ ليعرف من هم هؤلاء الذين يستجيبون للنفير في سبيل الله، وهي معان يحتاجها القائد، ويحتاجها المسلم، وعلى المربين أن يلاحظوها.

стр. 2219

٢ - تذكر بعض الروايات أن المنافقين الذين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر كانوا تسعة وثلاثين رجلا، ولقد شارك بعض المنافقين بالنفير- كما رأينا وكما سنرى- وأيا كان العدد فإن هذه النماذج التي ذكرتها السورة نماذج مستمرة في الحياة البشرية، ولذلك فإنه من خلال إدراك طبيعتها وأقوالها وأفعالها نستطيع أن نتعرف على أشباهها في كل جيل وعصر. ٣ - كل ما مر- وما سيمر- معنا في هذه السورة أمور تكتنف عملية الجهاد الإسلامي أولها صلة فيه، فمن عرف هذه السورة استطاع أن يكتشف- بنور القرآن- مواقع الناس من حوله في موضوع إقامة فريضة الجهاد. ٤ - بمناسبة قوله تعالى كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ نذكر ما رواه ابن جريج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، وباعا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: ومن هم يا رسول الله أهل الكتاب؟ قال: «فمن». ٥ - وبمناسبة قوله تعالى وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ .. نذكر ما جاء في الصحيح: أ- «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه. ب- «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». ٦ - وبمناسبة قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ .. نذكر بعض ما وصف به رسولنا ﵊ هذه الجنات: جاء في الصحيحين .. قال رسول الله ﷺ : «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن». وفي الصحيحين أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلا في السماء، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليها، لا يرى بعضهم بعضا». وفيهما أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، فإن حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها»

стр. 2220

قالوا: يا رسول الله أفلا نخبر الناس قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن». وفي الصحيحين .. عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة كما ترون الكوكب في السماء» وروى الإمام أحمد .. عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صليتم علي فسلوا الله لي الوسيلة» قيل: يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال: «أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو». وفي مسند الإمام أحمد ... عن أبي هريرة ﵁ قال: قلنا يا رسول الله: حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: «لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران: من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه». وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة لغرفا، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها» فقام أعرابي فقال: يا رسول الله لمن هي؟ فقال «لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام». وروى ابن ماجه ... عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا هل من مشمر إلى الجنة؟، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة، في محلة عالية بهية» قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال: «إن شاء الله» فقال القوم: إن شاء الله». وروى الإمام مالك رحمة الله عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شئ أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا». وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله هل تشتهون شيئا فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا ما خير مما أعطيتنا؟ قال: رضواني أكبر». رواه البزار وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه صفة الجنة: هذا عندي علي شرط الصحيح. وبهذا ننهي الكلام عن المقطع الأول من القسم الثاني

стр. 2221

المقطع الثاني من القسم الثاني يبدأ هذا المقطع بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ. وينتهي بقوله تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ. ويأتي بعده مباشرة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ. وهذه الآية هي بداية المقطع الثالث من القسم الثاني. وقد جاء المقطع الثاني مكملا للمقطع الأول في قسمه، من حيث إنه يفضح المنافقين، ويوضح صفات المؤمنين من خلال الموقف من النفير والجهاد والعدو. ويبدأ هذا المقطع بالأمر بجهاد الكفار والمنافقين، بعد أن تحددت معالم النفاق. في القسم الأول من السورة أوامر بقتال المشركين وأهل الكتاب، وفي القسم الثاني يأتي الأمر بقتال الكفار والمنافقين، وإذ استشرى النفاق في عصرنا، وإذ يغيب عن الكثيرين أن جهاد الكفار واجب، وجهاد المنافقين واجب، فإن علينا أن نزيد من تأملنا لآيات هذا المقطع. يمتد المقطع الثاني من الآية (٧٣) إلى نهاية الآية (١١٨) وهذا هو: [سورة التوبة (٩): الآيات ٧٣ الى ١١٨] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤) وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠) فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥) وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧) لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦) الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠) إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦) لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)

стр. 2222

المعنى العام: يبدأ المقطع بالأمر لرسول الله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، وأخبره بأن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة، ثم بين بعد ذلك سببا للأمر بجهاد المنافقين، وهو قولهم كلمة الكفر بعد إسلامهم، وإرادتهم الكيد للإسلام مع كثرة ما أنعمه الله عليهم، وإن تظاهروا بغير هذا، وحلفوا عليه. ثم ندبهم إلى التوبة النصوح، وهددهم بعذاب الدنيا والآخرة. ثم أخبر الله عن صنف من المنافقين، أعطى الله عهده وميثاقه، لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله وليكونن من الصالحين، فما وفى بما

стр. 2223

قال، ولا صدق بما ادعى، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقا سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون الله يوم القيامة عياذا بالله. وهكذا يعرض علينا السياق نموذجا جديدا للنفاق وأهله، ومن قبل أخبرنا الله عن المنافقين بأنهم يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ، وبعد ذكر النموذج من المنافقين ذكر الله صفة أخرى من صفاتهم، وهي أنه لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتى المتصدقون لا يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا هذا مراء، وإن جاء بشيء يسير قالوا إن الله لغني عن صدقة هذا. ثم أخبر تعالى رسوله ﷺ بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلا للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم رسول الله ﷺ سبعين مرة فلن يغفر الله لهم؛ بسبب كفرهم بالله ورسوله، ولأن سنة الله أنه لا يهدي القوم الفاسقين. وهكذا استمر السياق يصور لنا المنافقين في أحوالهم وأقوالهم، في سياق الأمر بالنفير وموقفهم منه. وبعد هذه الجولات الطويلة، تأتي الآن صورتان للتخلف عن النفير: صورة التخلف المنافق، وصورة التخلف الاضطراري للمؤمنين، فأما التخلف المنافق فتخلف يرافقه فرح، وكراهية للجهاد في سبيل الله، ومحاولة للتثبيط عن النفير، وأشر وبطر، ومن ثم فإن أمثال هؤلاء لا يستأهلون شرف الجهاد، ولا يستأهلون كرامة الصلاة عليهم إذا ماتوا، ولا يستأهلون أن ينظر الإنسان إلى شئ مما هم فيه بإعجاب، كيف وهم لا يستقبلون سور الجهاد إلا بالاستئذان عنه، والرغبة في القعود، فهؤلاء يفرون من جهاد الكفار، وهؤلاء هم الكاذبون، فهذه صورة التخلف الذي هو علامة نفاق، ثم بين تعالى أن أصحاب الأعذار الحقيقية لا حرج على من قعد منهم عن القتال مع وجود العواطف الإيمانية عندهم فبين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد، ومنه العمى، والعرج، ونحوهما، ولهذا بدأ السياق به، ومنها ما هو عارض، بسبب مرض عن لصاحبه في بدنه، شغله عن الخروج في سبيل الله، أو بسبب فقر لا يقدر معه صاحبه على التجهيز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس ولم يثبطوهم، وهم محسنون في أنفسهم، وحزانى على تركهم الجهاد، وعواطفهم مع المسلمين، فهؤلاء

стр. 2224

يمثلون ظاهرة التخلف الذي لا حرج فيه، وإنما ظاهرة التخلف التي فيها حرج هي ظاهرة التخلف الذي لا يرافقه عذر حقيقي جسمي أو مالي، فهذا الذي هو علامة أهل النفاق، الذين يتخلفون ويعتذرون ويحلفون، ثم أخبر تعالى أن في الأعراب كفارا ومنافقين، وأن كفر هؤلاء ونفاقهم أعظم من كفر ونفاق غيرهم وأشد، كما أنهم أحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ ، وأن من هؤلاء الأعراب من يعتبر ما ينفق في سبيل الله غرامة وخسارة، وينتظر بالمسلمين الحوادث، والآفات وأن تدور عليهم الدوائر، والأمر منعكس عليهم، وفي المقابل فهناك القسم الممدوح من الأعراب، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله، ويبتغون بذلك دعاء الرسول ﷺ لهم وقد حقق الله لهم ما أرادوه. وبعد أن ذكر الله التخلف المشروع، والتخلف المرذول، وبين وضع الأعراب ومواقفهم، أخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم. ثم أخبر تعالى أن في أحياء العرب ممن حول المدينة منافقين، وفي أهل المدينة أنفسهم منافقون، مرنوا على النفاق، واستمروا عليه، وقد تهدد الله هؤلاء المنافقين بالعذاب الدنيوي مرة بعد مرة، ثم بالعذاب الأخروي. ثم ذكر الله تعالى نوعا آخر من التخلف غير ما مر، فالذي مر معنا نوعان: تخلف أهل النفاق، وتخلف أهل العذر، والآن يحدثنا السياق عن الذين تأخروا عن الجهاد كسلا، وميلا إلى الراحة، مع إيمانهم وتصديقهم بالحق، وقد أقروا واعترفوا، بينهم وبين ربهم بذنوبهم، ولهم أعمال أخر صالحة، خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله، وقد أمر الله رسوله ﷺ في هذا المقام أن يأخذ من أموال الناس صدقة، ليطهروا ويزكوا، ووجود هذا الأمر في هذا السياق فيه إشعار لهؤلاء المذنبين بأن طريق تكفيرهم ذنبهم العظيم بالتخلف هو هذا، وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يدعو لهؤلاء المتصدقين، ثم هيج الله عباده على التوبة والصدقة، بتذكيرهم بقبوله التوبة، وأخذه الصدقات، وأنه التواب الرحيم. ثم أمر الله تعالى عباده جميعا أن يعملوا، وأعلمهم أن أعمالهم معروضة عليه، ثم طمع الله بعض المتخلفين بأن أمرهم إليه، إن شاء تاب وعفا، وإن شاء عذب. وهكذا ذكرت أنواع التخلف عن النفير، وصفات كل نوع ومواصفاته وحكمه وطريقه، ثم بعد ذلك يستمر السياق في عرض قضية النفاق، لأن السياق الخاص في هذا المقطع هو الأمر بقتال المنافقين، فلا بد من تعريتهم.

стр. 2225

ومن ثم فإن السياق يقص علينا قصة مسجد الضرار، كنموذج على تصرفات المنافقين، إذ نجد هنا محاولة من محاولات المنافقين للتجمع للكيد للإسلام في ظل المسجد، فهم يريدون أن يستغلوا الإسلام للكيد للإسلام، وقد حرم الله على رسوله ﷺ أن يصلي في هذا المسجد، فهدمه رسول الله ﷺ وحرقه ليبقى الصف واحدا، ولتبقى مساجد المسلمين للمسلمين المؤمنين. ثم يختم الله هذا المقطع بإعلانه أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، في مقابل الجنة، ثم وصف المؤمنين الحقيقيين الذي هم مظنة الجهاد، ثم حرم على المؤمنين الاستغفار للمشركين، ثم بين سنته في إضلال من يستحق الضلال، ثم أعلن توبته عن كل من شارك في غزوة تبوك أي في النفير العام من المؤمنين. ثم أعلن توبته عن الثلاثة الذين خلفوا وبهذا انتهى المقطع. ملاحظة: يتألف المقطع من عدة مجموعات، وسنذكر في التفسير الحرفي كل مجموعة، ثم نقفي بالفوائد المتعلقة بها، وهكذا حتى نهاية المقطع. المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ فقد استأهلوا ذلك وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ وأي مصير أسوأ من النار يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا أي المنافقون إذا ووجهوا بما قالوه من مخالفات تبرءوا وحلفوا وهم في هذا وهذا يكذبون وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ كالاستهزاء بآيات الله، وبشعائر الإسلام وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ أي أظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام قال النسفي: وفيه دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد لأنه قال وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا من الكيد للإسلام وأهله مما فوته الله عليهم وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ أي وما أنكروا وما عابوا إلا منة الله عليهم، ومنة رسوله بما أوتوا فَإِنْ يَتُوبُوا أي عن النفاق يَكُ خَيْراً لَهُمْ أي يكن ثواب ذلك خيرا لهم في الدنيا والآخرة وَإِنْ يَتَوَلَّوْا عن التوبة بأن يصروا على النفاق يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً أي مؤلما فِي الدُّنْيا بأنواع العذاب ومن ذلك تسليط المؤمنين عليهم وَالْآخِرَةِ بالنار وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ينجيهم مما يريده الله بهم من العذاب.

стр. 2226

هذه هي مقدمة المقطع، وفيها أمر بجهاد الكافرين والمنافقين، وتعليل لما استحق به هؤلاء المنافقين أن يجاهدوا. وجهاد المنافقين إما أن يكون جهاد حجة وغلظة، وإما أن يكون بالقتل والقتال، وإما أن يكون بإفساد المخططات على حسب ما هم فيه، وما يحتاجه جهادهم. قال ابن كثير: أمر الله تعالى رسوله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، كما أمره أن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة. وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن قال: بعث رسول الله ﷺ بأربعة أسياف: سيف للمشركين فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ وسيف للكفار وأهل الكتاب قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ. وسيف للمنافقين جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ. وسيف للبغاة فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ. وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن جرير، وقال ابن مسعود في قوله تعالى جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ قال: بيده، فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه. وقال ابن عباس: أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم. وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف، واغلظ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم. وعن مقاتل والربيع مثله، وقال الحسن وقتادة ومجاهد: مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم، وقد يقال: إنه لا منافاة بين هذه الأقوال لأنه تارة يؤاخذهم بهذا وتارة بهذا، بحسب الأحوال. والله أعلم». اه. كلام ابن كثير. لاحظنا قوله ﵀ (وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن جرير) وقد أظهر المنافقون النفاق في عصرنا، وأصبحت لهم الشوكة والسلطان، وكل يوم يأتي يزداد الأمر شدة، والمسلمون متقاعسون عن القتال، متراخون عنه، يتهيبون في ذات الله، خوفا من لسان كافر أو منافق، فأين منهم قوله تعالى يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ. فوائد: - وفي سبب نزول قوله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ... نذكر هذه الروايات: قال عروة بن الزبير: نزلت هذه الآية في الجلاس بن سويد بن الصامت؛

стр. 2227

أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء، فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقا فنحن أشر من حمرنا هذه التي نحن عليها، فقال مصعب: أما والله يا عدو الله لأخبرن رسول الله ﷺ بما قلت، فأتيت النبي ﷺ ، وخفت أن ينزل في القرآن، أو تصيبني قارعة، أو أن أخلط بخطيئته، فقلت: يا رسول الله، أقبلت أنا والجلاس من قباء، فقال كذا وكذا، ولولا مخافة أن أخلط بخطيئته أو تصيبني قارعة ما أخبرتك، قال: فدعا الجلاس فقال: «يا جلاس أقلت الذي قاله مصعب؟» فحلف، فأنزل الله يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا الآية. وقال محمد بن إسحاق: كان الذي قال تلك المقالة- فيما بلغني- الجلاس بن سويد بن الصامت، فرفعها عليه رجل كان في حجره، يقال له عمير بن سعد، فأنكرها، فحلف بالله ما قالها، فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع، وحسنت توبته، فيما بلغني. وقال ابن جرير .. عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ جالسا في ظل شجرة، فقال: «إنه سيأتيكم إنسان، فينظر إليكم بعيني الشيطان، فإذا جاء فلا تكلموه» فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: «علام تشتمني أنت وأصحابك؟» فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا، حتى تجاوز عنهم فأنزل الله يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا الآية. وقوله تعالى: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا قيل: أنزلت في الجلاس بن سويد، وذلك أنه هم بقتل ابن امرأته حين قال لأخبرن رسول الله ﷺ ، وقيل في عبد الله بن أبي، هم بقتل رسول الله ﷺ ، وقال السدي: نزلت في أناس أرادوا أن يتوجوا عبد الله ابن أبي وإن لم يرض رسول الله ﷺ . وقد ورد أن نفرا من المنافقين هموا بالفتك بالنبي ﷺ ، وهو في غزوة تبوك، في بعض تلك الليالي، في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلا، قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الآية، وذلك بين فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة .. عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله ﷺ ، أقود به، وعمار يسوق الناقة- أو أنا أسوقه وعمار يقوده- حتى إذا كنا بالعقبة، فإذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوه فيها، قال فانبهت رسول الله ﷺ بهم، فصرخ بهم، فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله ﷺ : «هل عرفتم القوم؟» قلنا: لا يا رسول الله- وقد كانوا متلثمين- ولكنا قد عرفنا الركاب قال: «هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة. وهل تدرون ما أرادوا؟» قلنا: لا، قال «أرادوا أن يزاحموا رسول الله ﷺ في العقبة، فيلقوه فيها». قلنا: يا رسول الله أفلا نبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: «لا أكره أن

стр. 2228

تتحدث العرب بينهم أن محمدا قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم- ثم قال- اللهم ارمهم بالدبيلة» قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: «شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك». وروى الإمام أحمد ... عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك، أمر مناديا فنادى: إن رسول الله ﷺ أخذ العقبة، فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة، ويسوقه عمار، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله ﷺ ، فأقبل عمار ﵁ يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة «قد، قد (١)» حتى هبط رسول الله ﷺ ، فلما هبط نزل ورجع عمار فقال: «يا عمار، هل عرفت القوم؟» فقال: لقد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال: «هل تدري ما أرادوا؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «أرادوا أن ينفروا برسول الله ﷺ فيطرحوه، قال: فسأل عمار رجلا من أصحاب النبي ﷺ فقال: «نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلا، فقال: إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر، قال: فعد رسول الله ﷺ منهم ثلاثة، قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ . وما علمنا ما أراد القوم، فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. وهكذا روى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير نحو هذا وأن رسول الله ﷺ أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي، وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة، فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون، وهم متلثمون، فأرادوا سلوك العقبة، فأطلع الله على مرادهم رسول الله ﷺ ، فأمر حذيفة فرجع إليهم، فضرب وجوه رواحلهم، ففزعوا ورجعوا مقبوحين، وأعلم رسول الله ﷺ حذيفة وعمارا بأسمائهم، وما كانوا هموا به من الفتك به، صلوات الله وسلامه عليه، وأمرهما أن يكتما عليهم. وكذا روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق إلا أنه سمى جماعة منهم فالله أعلم. وكذا قد حكي في معجم الطبراني قاله البيهقي، ويشهد لهذه القصة بالصحة ما رواه مسلم .. عن أبي الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة، وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله كم أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذا سألك، فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب الله

стр. 2229

ولرسوله في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ، ولا علمنا بما أراد القوم، وقد كان في حرة فمشى فقال: إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد، فوجد قوما قد سبقوه، فلعنهم يومئذ. ويشهد لها أيضا ما رواه مسلم أيضا ... عن عمار بن ياسر قال: أخبرني حذيفة عن النبي ﷺ أنه قال: «في أصحابي اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها، حتى يلج الجمل في سم الخياط: ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة، سراج من نار، يظهر بين أكتافهم حتى ينجم في صدورهم» ولهذا كان حذيفة يقال له صاحب السر الذي لا يعلمه غيره- أي من تعيين جماعة من المنافقين وهم هؤلاء- قد أطلعه عليهم رسول الله ﷺ دون غيره، والله أعلم. وقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة ثم روى .. عن الزبير بن بكار أنه قال: هم معتب بن قشير، ووديعة بن ثابت، وجد بن عبد الله بن نبتل بن الحارث من بني عمرو بن عوف، والحارث بن يزيد الطائي، وأوس بن قيظى، والحارث بن سويد، وسعد بن زرارة، وقيس بن فهد، وسويد وداعس من بني الحبلى، وقيس بن عمرو بن سهل، وزيد بن اللصيت، وسلالة ابن الحمام، وهما من بني قينقاع أظهروا الإسلام. وبعد أن أمر الله رسوله ﷺ بجهاد المنافقين، وذكر موقفا من مواقفهم التي تهيج على جهادهم، يستمر السياق في عرض مواصفاتهم، وخصائصهم، وسماتهم: وَمِنْهُمْ أي ومن المنافقين مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ أي المال لَنَصَّدَّقَنَّ أي لنتصدقن أي لنخرجن الصدقة منه وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ بشكره بالإيمان والعمل الصالح على ما آتانا فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي أعطاهم الله المال ونالوا مناهم بَخِلُوا بِهِ أي منعوا حق الله ولم يفوا بالعهد وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ أي أعرضوا عن طاعة الله وهم مصرون على هذا الإعراض فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ أي فأورثهم البخل نفاقا متمكنا في قلوبهم، لأنه كان سببا فيه، فما أفظع العقاب، فليحذر أهل الإيمان من عمل يترتب عليه العقاب بالنفاق إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ أي أورثهم البخل نفاقا إلى يوم يلقونه جزاء فعلهم وهو يوم القيامة، ويمكن أن يكون المعنى: فأعقبهم هذا الطبع نفاقهم إلى يوم يلقون الله، ويمكن أن يكون فأعقبهم الله جزاء على فعلهم نفاقا إلى يوم يلقونه يوم القيامة بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ أي بسبب إخلافهم ما وعدوا الله من التصدق والصلاح وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ أي وبسبب كونهم كاذبين وقد جعل رسول الله ﷺ الإخلاف في الوعد والكذب علامتي

стр. 2230

نفاق أَلَمْ يَعْلَمُوا أي المنافقون أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ أي ما أسروه من النفاق بالعزم على إخلاف ما وعدوه وَنَجْواهُمْ أي ما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين، وتسمية الصدقة جزية، وتدبير منعها وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ فلا يخفى عليه شئ، وهكذا عرفنا من خلال هذه الآيات أن من صفات المنافقين منع الصدقة، وانعدام الصلاح، وإخلاف الوعد والكذب، وهم- عليهم اللعنة- لا يكتفون بمنعهم الصدقات، بل يعيبون أهلها، كما ستقص علينا الآية الآتية: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ أي الذين يعيبون المتطوعين المتبرعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المخلصين فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ أي: طاقتهم أي ويعيبون الذين لا يجدون إلا القليل فينفقون منه، فلا يسلم من لسانهم من أكثر من النفقة، ومن أقل فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ أي فيهزءون من المؤمنين المقلين، والمكثرين في الإنفاق سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ أي جازاهم على سخريتهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي مؤلم اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ لأنهم كفار، والله لا يغفر لمن كفر به، والمعنى: وإن بالغت في الاستغفار فلن يغفر الله لهم، وليس المراد بذكر السبعين التحديد والغاية، وإنما المراد التكثير، فالسبعون في لغة العرب تستعمل ويراد بها التكثير، ولا يراد منها عينها إلا إذا دل السياق على ذلك ذلِكَ أي عدم المغفرة بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي بسبب كفرهم بالله ورسوله، ولا غفران للكافرين وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي الخارجين عن الإيمان، ما داموا مختارين للكفر والطغيان. وبهذا تنتهي هذه المجموعة في هذا السياق، وقد حددت مواصفات للمنافقين، في سياق الأمر بجهادهم، وحددت ما يستحقون من عقاب، وحددت بعض ما يتنافى مع الأمر بجهادهم كالاستغفار لهم وسنرى في أسباب النزول نماذج لهؤلاء ولنلاحظ أن سبب النزول يعتبر إحدى حالات ما يدخل تحت عموم النص ويبقى النص على عمومه ليسع كل ما يدخل تحته من حالات. فوائد: ١ - في سبب نزول قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ .. يقول ابن كثير: قد ذكر كثير من المفسرين منهم ابن عباس والحسن البصري أن سبب نزول هذه الآية الكريمة في ثعلبة بن حاطب الأنصاري، وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير هاهنا وابن أبي حاتم .. عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال لرسول الله ﷺ : ادع الله أن يرزقني مالا، فقال رسول الله ﷺ : «ويحك يا ثعلبة

стр. 2231

قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه» قال: ثم قال مرة أخرى فقال: «أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟ فو الذي نفسي بيده لو شئت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت» قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فقال رسول الله ﷺ : «اللهم ارزق ثعلبة مالا» قال: فاتخذ غنما، فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، فنزل واديا، من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود، حتى ترك الجمعة، فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فقال رسول الله ﷺ : «ما فعل ثعلبة؟» فقالوا: يا رسول الله، اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة فأخبروه بأمره فقال: يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة وأنزل الله جل ثناؤه خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً الآية. قال: ونزلت عليه فرائض الصدقة، فبعث رسول الله ﷺ رجلين على الصدقة، رجلا من جهينة، ورجلا من سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال لهما: «مرا بثعلبة، وبفلان- رجل من بني سليم- فخذا صدقاتهما» فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرءاه كتاب رسول الله ﷺ ، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي، فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك، فقال: بلى فخذوها فإن نفسي بذلك طيبة. وإنما هي لي فأخذاها منه، فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة فقال: أروني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذه إلا أخت الجزية. انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى أتيا النبي ﷺ فلما رآهما قال: «يا ويح ثعلبة». قبل أن يكلمهما، ودعا للسلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، والذي صنع السلمي. فأنزل الله وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ الآية. قال وعند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي ﷺ ، فسأله أن يقبل منه صدقته، فقال: «إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك» فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال له رسول الله ﷺ : «هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني». فلما أبى رسول الله ﷺ أن يقبل صدقته رجع إلى منزله، فقبض رسول الله ﷺ ولم يقبل منه شيئا. ثم أتى أبا بكر ﵁ حين استخلف، فقال: قد علمت منزلتي

стр. 2232

من رسول الله، وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله ﷺ ، وأبى أن يقبلها، فقبض أبو بكر ولم يقبلها، فلما ولي عمر ﵁ أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر وأنا أقبلها منك؟ فقبض ولم يقبلها، ثم ولي عثمان ﵁ فأتاه فسأله أن يقبل صدقته فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها منه، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان». أقول: هناك صحابي شهد بدرا اسمه ثعلبة بن حاطب الأنصاري، فهذا حتما ليس هو صاحب القصة، فإما أن هناك وهما في اسم صاحب القصة وإما أن القصة كلها لا أصل لها فقد شكك بعضهم في أسانيدها وفي استقامة متنها، والآيات مستغنية عن القصة لفهمها. ٢ - في سبب نزول قوله تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ .. روى البخاري عن أبي مسعود ﵁ قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا: مرائي. وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فنزلت الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ الآية، وقد رواه مسلم أيضا في صحيحه وروى الإمام أحمد .. عن أبي السليل قال: وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع فقال: حدثني أبي أو عمي أنه رأى رسول الله ﷺ بالبقيع وهو يقول: «من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة» قال: فحللت من عمامتي لوثا أو لوثين، وأنا أريد أن أتصدق بهما، فأدركني ما يدرك ابن آدم، فعقدت على عمامتي، فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلا أشد سوادا ولا أصغر منه، ولا أذم، ببعير ساقه، لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها فقال يا رسول الله أصدقة؟ قال: «نعم» قال: دونك هذه الناقة. قال: فلمزه رجل، فقال، هذا يتصدق بهذه، فو الله لهي خير منه، قال فسمعها رسول الله ﷺ فقال: «كذبت بل هو خير منك ومنها» ثلاث مرات، ثم قال: «ويل لأصحاب المئين من الإبل» - ثلاثا- قالوا: إلا من يا رسول الله؟ قال: «إلا من قال بالمال هكذا وهكذا» وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله ثم قال: «فقد أفلح المزهد المجهد» ثلاثا- المزهد في العيش والمجهد في العبادة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول الله ﷺ ، وجاءه رجل من

стр. 2233

الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء، وقالوا إن الله ورسوله لغنيان عن هذا الصاع. وروى العوفي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج إلى الناس يوما، فنادى فيهم أن اجمعوا صدقاتكم، فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله هذا صاع من تمر، بت ليلتي أجر بالجرير (أي الحبل) الماء حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما، وأتيتك بالآخر، فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره في الصدقات، فسخر منه رجال وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا، وما يصنعان بصاعك من شئ، ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال لرسول الله ﷺ : هل بقي أحد من أهل الصدقات؟ فقال رسول الله ﷺ : «لم يبق أحد غيرك» فقال له عبد الرحمن بن عوف: فإن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات: فقال له عمر بن الخطاب ﵁: أمجنون أنت؟ قال: ليس بي جنون. قال: فعلت ما فعلت؟ قال: نعم؛ ما لي ثمانية آلاف. أما أربعة آلاف فأقرضها ربي، وأما أربعة آلاف فلي، فقال له رسول الله ﷺ : «بارك الله لك فيما أمسكت، وفيما أعطيت» ولمزه المنافقون فقالوا: والله ما أعطى عبد الرحمن عطيته إلا رياء، وهم كاذبون، إنما كان به متطوعا، فأنزل الله عذره وعذر صاحبه المسكين الذين جاء بالصاع من التمر. ٣ - في قال تعالى في كتابه اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ نقول: إن من كمال رحمة رسول الله ﷺ بالأمة أنه كان إذا وجد رخصة في موضوع سار بها، حتى ينزل نهي جازم، ولاحتمال الرخصة في قوله تعالى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ... فإنه ﵊ بقى يستغفر لأهل النفاق، ويصلي عليهم، حتى نزل الأمر الجازم بالمنع. قال ابن كثير: (روى العوفي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لما نزلت هذه الآية أسمع ربي وقد رخص لي فيهم، فو الله لأستغفرن لهم أكثر من سبعين مرة، لعل الله يغفر لهم» فقال الله من شدة غضبه عليهم: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ الآية. وقال الشعبي: لما ثقل عبد الله بن أبي، انطلق ابنه إلى النبي ﷺ ، فقال: إن أبي قد احتضر فأحب أن تشهده وتصلي عليه، فقال له النبي ﷺ : «ما اسمك؟» قال: الحباب بن عبد الله، قال: «بل أنت عبد الله بن عبد الله، إن الحباب اسم شيطان» قال: فانطلق معه حتى شهده وألبسه قميصه وهو

стр. 2234

عرق وصلى عليه، فقيل له: أتصلي عليه؟ فقال: «إن الله قال: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ولأستغفرن له سبعين وسبعين وسبعين». وكذا روي عن عروة بن الزبير ومجاهد وقتادة بن دعامة، ورواه ابن جرير بأسانيده. ٤ - وفي قوله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ قال النسفي: (والسبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير، وليس على التحديد والغاية. إذ لو استغفر لهم مدة حياته لن يغفر الله لهم، لأنهم كفار والله لا يغفر لمن كفر به. والمعنى: وإن بالغت في الاستغفار فلن يغفر الله لهم. وقد وردت الأخبار بذكر السبعين وكلها تدل على الكثرة لا على التحديد والغاية. ووجه تخصيص السبعين من بين سائر الأعداد أن العدد قليل وكثير، فالقليل ما دون الثلاث، والكثير الثلاث فما فوقها، وأدنى الكثير الثلاث وليس لأقصاه غاية. والعدد أيضا نوعان شفع ووتر، وأول الأشفاع اثنان، وأول الأوتار ثلاثة، والواحد ليس بعدد، والسبعة أول الجمع الكثير من النوعين، لأن فيها أوتارا ثلاثة وأشفاعا ثلاثة، والعشرة كمال الحساب، لأن ما جاوز العشرة فهو إضافة الآحاد إلى العشرة، كقولك اثنا عشر وثلاثة عشر إلى عشرين، والعشرون تكرير العشرة مرتين. والثلاثون تكريرها ثلاث مرات، وكذا إلى مائة. فالسبعون يجمع الكثرة والنوع والكثرة منه، وكمال الحساب والكثرة منه. فصار السبعون أدنى الكثير من العدد من كل وجه، ولا غاية لأقصاه، فجاز أن يكون تخصيص السبعين لهذا. والله أعلم). ثم تأتي الآن مجموعة ثانية في هذا المقطع تبين حال المنافقين حين يتخلفون عن الجهاد، وموقفهم من آيات الجهاد، وتذكر فيما بين ذلك ما يستأهلون من عقوبات معنوية فقال: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ المنافقون الذين خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان بِمَقْعَدِهِمْ أي بقعودهم عن الغزو خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ أي مخالفة لرسول الله، أي قعدوا لمخالفته، أو قعدوا مخالفين له وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فهم ليسوا كالمؤمنين الذين يسارعون إلى بذل أموالهم وأرواحهم في سبيل الله، وكيف لا يكرهونه وليس فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان، وداعي الإتيان وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ أي: قال بعضهم لبعض ذلك أو قالوا ذلك للمؤمنين

стр. 2235

تثبيطا قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ هذا استجهال لهم لأن من تصون من مشقة ساعة، فوقع بسبب ذلك التصون في مشقة الأبد، كان أجهل من كل جاهل فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً أي يضحكون قليلا على فرحهم بتخلفهم في الدنيا، ويبكون كثيرا جزاء في العقبى. إلا أنه أخرج بلفظ الأمر للدلالة على أنه حتم واجب، لا يكون غيره، وقد دلت الآية على أن فرحهم بالتخلف والقعود بالغ الغاية، فسيعاقبهم الله بما يقابل هذا الفرح جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي جزاء على كسبهم السيئ الذي هو أعمال النفاق فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ أي ردك من نفيرك إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ لم يقل إليهم جميعا لأن منهم من يتوب من النفاق ويصلح حاله فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ إلى غزوة أخرى فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا هذه أول العقوبات المعنوية: منعهم من شرف الجهاد إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي أول ما دعيتم إلى النفير فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ أي مع من سيتخلف وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ أي من المنافقين ماتَ أَبَداً هذه هي العقوبة الثانية ألا يصلي على المنافقين صلاة الجنازة وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ أي ولا تقف على قبره داعيا له إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ هذا تعليل للنهي عن الصلاة عليهم، والوقوف على قبرهم، أي إنهم ليسوا بأهل للصلاة عليهم، لأنهم كفروا بالله ورسوله، وماتوا على ذلك وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ هذه الآية قد تقدم مثلها، وفي حكمة تكريرها قال النسفي: التكرير للمبالغة والتأكيد وأن يكون على بال من المخاطب لا ينساه، وأن يعتقد أنه مهم، ولأن كل آية في فرقة غير الفرقة الأخرى فهذه العقوبة المعنوية الثالثة احتقار ما هم فيه من متاع، ثم زادنا الله بيانا عنهم وعن مواقفهم وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ يجوز أن يراد سورة بتمامها، وأن يراد بعضها، كما يقع القرآن والكتاب على كله وعلى بعضه أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ أي آمرة بذلك اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ أي ذو اليسار والسعة مِنْهُمْ أي من المنافقين وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ أي مع الذين لهم عذر في التخلف كالمرضى والزمنى رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ الخوالف جمع خالفة، والخالفة المرأة، أي رضوا بأن يكونوا مع النساء وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ أي ختم عليها لاختيارهم الكفر والنفاق فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ أي ما في الجهاد من الفوز والسعادة، وما في التخلف من الهلاك والشقاوة لكِنِ أي إن تخلف هؤلاء المنافقون عن الجهاد فقد نهض إلى الغزو

стр. 2236

من هو خير منهم الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فنالوا شرف الدنيا والآخرة وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ في الدنيا والآخرة وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الفائزون بكل مطلوب أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ نسأل الله ألا يحرمنا إياها وأن يجعلنا منها في الفردوس الأعلى. وهكذا وصفت هذه المجموعة من الآيات حال هؤلاء المنافقين في تخلفهم عن الجهاد، وما ينبغي أن يقابلوا به، وما هو حال الإيمان في مباشرة الجهاد. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا نذكر بالحديث الذي رواه الإمام مالك والبخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «نار بني آدم التي توقدونها جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» فقالوا: يا رسول الله: إن كانت لكافية؟ فقال: «فضلت عليها بتسعة وستين جزءا» أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به. ونذكر بالحديث الذي أخرجاه في الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لمن لا نعلان وشراكان من نار جهنم يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل، لا يرى أن أحدا من أهل النار أشد عذابا منه، وإنه أهونهم عذابا» أخرجاه في الصحيحين. ٢ - في سبب نزول قوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً روى البخاري عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ ، فسأله أن يعطيه قميصا يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنما خيرني الله فقال اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ وسأزيده على السبعين». قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله آية وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ وكذا رواه مسلم. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لما توفي عبد الله بن أبي، دعي رسول الله ﷺ فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة عليه، تحولت حتى قمت في صدره فقلت: يا رسول الله أعلى عدو الله عبد الله

стр. 2237

بن أبي، القائل يوم كذا، كذا وكذا- يعدد أيامه- قال: ورسول الله ﷺ يبتسم حتى إذا أكثرت عليه قال «أخر عني يا عمر» إني خيرت فاخترت، قد قيل لي اسْتَغْفِرْ لَهُمْ الآية، لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت» قال: ثم صلى عليه، ومشى معه، وقام على قبره، حتى فرغ منه، قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله ﷺ ،- والله ورسوله أعلم- قال فو الله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً الآية. فما صلى رسول الله ﷺ بعده على منافق، ولا قام على قبره، حتى قبضه الله . وهكذا رواه الترمذي في التفسير وقال: حسن صحيح. ٣ - بعد نزول قوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً كان رسول الله ﷺ لا يصلي على أحد من المنافقين، ولا يقوم على قبره، كما روى الإمام أحمد عن أبي قتادة قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعي إلى جنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خيرا قام فصلى عليها، وإن كان غير ذلك قال لأهلها: «شأنكم بها» ولم يصل عليها، وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله، حتى يصلي عليها حذيفة بن اليمان، لأنه كان يعلم أعيان المنافقين، قد أخبره بهم رسول الله ﷺ ، ولهذا كان يقال له صاحب السر الذي لا يعلمه غيره- أي من الصحابة-. ٤ - دل نهيه ﷻ عن الصلاة على المنافقين، والقيام على قبورهم للاستغفار لهم، أن هذا الصنيع من أكبر القربات في حق المؤمنين، كما ثبت في الصحاح وغيرها من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان» قيل: وما القيراطان؟ قال: «أصغرهما مثل أحد». وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات، فروى أبو داود ... عن عثمان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» انفرد بإخراجه أبو داود ﵀. ٥ - علينا أن ننتبه جيدا في عصرنا إلى موضوع الصلاة، والاستغفار للمنافقين- إذ في عصرنا كثر النفاق وليس لنا دليل عليه- إلا أن نتفهم النصوص في شأنهم، فنعرفهم من خلال صفاتهم، وأقوالهم، ومن النفاق الصريح ادعاء الإسلام مع الانخراط في كل تكتل غير مسلم، وإعطاء الولاء لأهله على أساس غير الإسلام، إلا بتكليف من أهل الإسلام والعاملين له.

стр. 2238

ثم تأتي الآن مجموعة ثالثة تحدد مسألة العذر عن النفير، متى تصح ومتى لا تصح وخلال ذلك نتعرف على طبيعة النفاق وصفات المنافقين: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ المعذر هو المقصر في الأمر المتواني عنه، الذي يوهم أن له عذرا فيما فعل، ولا عذر له، أو المعتذر، والمراد هنا الاعتذار بالباطل لِيُؤْذَنَ لَهُمْ أي في ترك الجهاد والقعود وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ هم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا، فظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان، فالمتخلفون ثلاثة: متخلف بعذر، ومتخلف بغير عذر ولكن يستأذن، ومتخلف بغير عذر ولا يستأذن أصلا، فهذا شرهم سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ من هؤلاء المتخلفين غير المعتذرين والمستأذنين غير المعذورين عَذابٌ أَلِيمٌ أي مؤلم في الدنيا وفي الآخرة، ثم بين الله تعالى من هم المتخلفون بحق وهم معذورون عند الله بل مأجورون على نياتهم فقال لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ أي الهرمى والزمنى وَلا عَلَى الْمَرْضى فهذا النوع الثاني المقبول العذر وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ أي هم الفقراء الذين لا يستطيعون الجهاز حَرَجٌ أي إثم وضيق إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ بأن آمنوا في السر والعلن وأطاعوا، كما يفعل الناصح بصاحبه ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ أي لا جناح عليهم ولا طريق للعتاب عليهم وَاللَّهُ غَفُورٌ يغفر لمن تخلف بعذر رَحِيمٌ بمن يستحق رحمته وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ أي لتعطيهم حمولة ليشاركوا في الجهاد قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ فهؤلاء كذلك معذورون إن كانوا صادقين كما وصفهم الله تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ تسيل حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ فهم يتخلفون وقلوبهم تفيض أسى على التخلف، على خلاف المنافقين، يتخلفون وقلوبهم فرحة لتخلفهم، فهذه الأصناف الأربعة لا حرج عليها، ولا إثم في تخلفها واستئذانها، وهؤلاء هم أصحاب الأعذار الحقيقية، وقد بدأ الله بالأعذار الملازمة للشخص التي لا تنفك عنه، وهي الضعف في التركيب الذي لا يستطيع صاحبه معه الجهاد، ومنه العمى، والعرج، ونحوهما، ثم ثنى بما هو عارض كالمرض الطارئ، ثم ثلث بالعجز الحكمي بسبب الفقر الذاتي، أو ضيق ذات يد الإمام، فلا يقدر على تجهيز من يريد الجهاز. ثم بين الله من لا يعذر بحال ممن ليس من هؤلاء إِنَّمَا السَّبِيلُ أي الإثم واستحقاق آثاره من عقوبات دنيوية وأخروية عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أي في

стр. 2239

التخلف وَهُمْ أَغْنِياءُ فليسوا ضعفاء ولا مرضى رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ أي رضوا بالانتظام في جملة الخوالف أي: النساء جمع خالفة وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ العلم النافع المؤدي إلى جنات النعيم يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ من غزوكم وحربكم، محاولين أن يقيموا لأنفسهم عذرا باطلا قُلْ لا تَعْتَذِرُوا بالباطل لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ أي لن نصدقكم، فلا فائدة لكم في اعتذاركم إذ غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به، ثم بين سبب عدم تصديقهم قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ هذه هي علة انتفاء تصديقهم أنه تعالى أوحى إلى رسوله بأخبارهم وما في ضمائرهم، فكيف يعقل بعد ذلك تصديقهم في معاذيرهم وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ أتتوبون أم تثبتون على كفركم وعملكم الكافر ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي تردون إليه وهو عالم كل سر وعلانية فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيجازيكم على حسب ذلك سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ أي رجعتم لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ أي لتتركوهم ولا توبخوهم فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ أي فاتركوهم وأهملوهم، ثم علل سبب الأمر بذلك بقوله إِنَّهُمْ رِجْسٌ فلا تنفعهم موعظة ولا يصلحهم شئ، لأنهم أنجاس لا سبيل إلى تطهيرهم وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي ومصيرهم النار أي وكفتهم النار عقوبة جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي يجزون بالنار جزاء كسبهم يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ أي هذا هو هدفهم الحقيقي بالحلف، طلب رضاكم لئلا تتضرر بغضبكم دنياهم فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ أي إن رضاكم لا ينفعهم إذا كان الله ساخطا عليهم وكانوا عرضة لعاجل عقوبته وآجلها، وإنما قيل ذلك لئلا يتوهم أن رضى المؤمنين يقتضي رضا الله عنهم، ولما كان المتخلفون من الأعراب بغير عذر قسمين، قسما اعتذر وقسما لم يكلف نفسه حتى عناء الاعتذار، فإن الله تعالى في هذا السياق أعطانا التصور الصحيح عن الأعراب خاصة وأن كثيرين من الناس قد يتوهمون أن أهل البادية أكثر صفاء ونقاء، وأجود استعدادا، فجاءت الآيات تبين أن هذا يصدق على القليل منهم الْأَعْرابُ أي أهل البدو أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً أي من أهل الحضر، لجفائهم وقسوتهم وبعدهم عن مجالس العلم وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا أي وأحق بألا يعلموا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ يعني حدود الدين، وما أنزل الله من الشرائع والأحكام وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوالهم حَكِيمٌ في إمهالهم وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ أي ما يتصدق به مَغْرَماً أي غرامة وخسرانا، لأنه لا يدفع زكاته ولا

стр. 2240

ينفق إلا تقية من المسلمين، ورياء لا لوجه الله، وابتغاء المثوبة عنده وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ أي ينتظر دوائر الزمان، وتبدل الأحوال، بدور الأيام، لتذهب غلبتكم عليهم، فيتملصوا من إعطاء الزكاة وغيرها. وقد ظهر مصداق ذلك بعد وفاة رسول الله ﷺ مباشرة، ففي الآية معجزة عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ أي عليهم تدور المصائب والحروب التي يتوقعون وقوعها في المسلمين وَاللَّهُ سَمِيعٌ لما يقولونه إذا توجهت عليهم الصدقة عَلِيمٌ بما يضمرونه غير أنه إذا كان الأعراب في الجملة كذلك، وبعضهم كما وصف، فإن منهم صالحين وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ في الجهاد والصدقات قُرُباتٍ أي أسبابا للقربة عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أي دعواته، لأنه ﵊ كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة أَلا إِنَّها أي النفقة أو صلوات الرسول. قُرْبَةٌ لَهُمْ هذه شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات، كما أنها تصديق لرجائه سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ أي جنته. قال النسفي: وما أدل هذا الكلام على رضا الله عن المتصدقين، وأن الصدقة منه بمكان إذا خلصت النية من صاحبها إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يستر عيب المخل رَحِيمٌ يقبل جهد المقل، وكما ختمت المجموعة السابقة بذكر الرسول، والمؤمنين الصادقين، وما أعد لهم، فإن هذه المجموعة كذلك تنتهي بهذه الآية وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ هم إما من صلى إلى القبلتين أو الذين شهدوا بدرا أو بيعة الرضوان وَالْأَنْصارِ أي والسابقون الأولون من الأنصار وهم أهل بيعة العقبة الأولى والثانية وكان الأولون سبعة وأهل الثانية سبعين وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ دخل في ذلك من اتبعهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة ﵃ بأعمالهم الحسنة وَرَضُوا عَنْهُ بما أفاض عليهم من نعمته الدينية والدنيوية وَأَعَدَّ لَهُمْ مع الرضا جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وهكذا زادتنا هذه المجموعة والتي قبلها معرفة في موضوع النفاق من خلال المواقف من قضية الجهاد. الفوائد: ١ - في سبب نزول قوله تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ .. قال ابن إسحاق: وبلغني أنهم نفر من بني غفار، خفاف بن إيماء بن رحضة .. ٢ - بمناسبة قوله تعالى ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ روى ابن كثير هذه القصة:

стр. 2241

قال الأوزاعي: خرج الناس إلى الاستسقاء فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر من حضر، ألستم مقرين بالإساءة؟ قالوا: اللهم نعم، فقال: اللهم إنا نسمعك تقول: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ اللهم وقد أقررنا بالإساءة فاغفر لنا وارحمنا واسقنا، ورفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا) ٣ - في سبب نزول قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ .. ذكر ابن كثير ما ننقله دون ذكر الأسانيد قال (وقال قتادة نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني .. وعن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله ﷺ ، فكنت أكتب براءة، فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله ﷺ ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ الآية. وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مقرن المزني، فقالوا: يا رسول الله احملنا، فقال لهم: «والله لا أجد ما أحملكم عليه» فتولوا وهم يبكون، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملا، فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه فقال: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ إلى قوله فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وقال مجاهد في قوله وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ نزلت في بني مقرن بن مزينة، وقال محمد بن كعب: كانوا سبعة نفر: من بني عمرو بن عوف، سالم بن عوف. ومن بني واقف حرمي بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار عبد الرحمن بن كعب ويكنى أبا ليلى، ومن بني المعلى فضل الله، ومن بني سلمة عمرو بن عتبة، وعبد الله بن عمرو المزني. وقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ ، وهم البكاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار، وغيرهم من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعلية بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن ابن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمه، وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وحرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعياض بن سارية الفزاري، فاستحملوا رسول الله ﷺ ، وكانوا أهل حاجة، فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون». وروى ابن أبي حاتم .. عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد خلفتم بالمدينة أقواما ما أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم واديا، ولا

стр. 2242

نلتم من عدو نيلا، إلا وقد شركوكم في الأجر». ثم قرأ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ الآية. وأصل الحديث في الصحيحين من حديث أنس: أن رسول الله ﷺ قال: «إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا، ولا سرتم مسيرا، إلا وهم معكم» قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: «نعم حبسهم العذر» وروى الإمام أحمد .. عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد خلفتم بالمدينة رجالا، ما قطعتم واديا، ولا سلكتم طريقا، إلا شركوكم في الأجر، حبسهم المرض». ورواه مسلم وابن ماجه من طرق. ٤ - بمناسبة قوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً .. نذكر ما يلي: أ- روى الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله حديثك ليعجبني وإن يدك لتريبني، فقال زيد: ما يريبك من يدي إنها الشمال؟ فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال. فقال زيد بن صوحان: صدق الله الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ. ب- وروى الإمام أحمد عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن» ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن غريب. ج- قال ابن كثير: ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولا، وإنما كانت البعثة من أهل القرى، كما قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى. (سورة يوسف: ١٠٩) د- وروى الإمام مسلم عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم، قالوا: لكنا والله ما نقبل، فقال رسول الله ﷺ : «وأملك أن كان الله نزع منكم الرحمة؟» وقال ابن نمير: (من قلبك الرحمة). ٥ - وبمناسبة قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ نذكر أن هناك قراءة برفع الأنصار، وقراءة حفص التي عليها هذا التفسير بالخفض، وقد أشرنا إلى هذا لأننا سننقل كلام ابن كثير كله في هذه الآية، وقد أشار هو إلى هذا الموضوع.

стр. 2243

قال ابن كثير في الآية: (يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ورضاهم عنه، بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم. قال الشعبي: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية، وقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة: هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله ﷺ . وقال محمد بن كعب القرظي: مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ هذه الآية: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ فقال: أبي بن كعب، فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم: قال: وسمعتها من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قال: لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، فقال: أبي: تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وفي سورة الحشر وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ الآية. وفي الأنفال: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ الآية. رواه ابن جرير قال: وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤها برفع الأنصار عطفا على وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان: فيا ويل من أبغضهم، أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم- أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة ﵁ فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة، ويبغضونهم ويسبونهم- عياذا بالله من ذلك- وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من ﵃؟؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن ﵁، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدعون، وهؤلاء هم حزب الله المفلحون، وعباده المؤمنون». ا. هـ. كلام ابن كثير. أقول: نرجو أن يكون المسلمون- سنة وشيعة- على أبواب عهد جديد، يعتمد في التحقيق العلمي على الإنصاف، وفي الحركة السياسية على التحرر من عقد الماضي، وفي التعامل اليومي على الحب والإخاء، وأن لا يتكلفوا الخوض فيما لا يعني، وأن يعفوا ألسنتهم عما هو مظنة الإثم، وأن يلجموا الأهواء بنصوص الكتاب والسنة.

стр. 2244

كما نرجو من العلماء العاملين- سنة وشيعة- أن يتكلموا بما يؤلف القلوب، وبما يجمع على الحق، وأن يكتبوا جميعا بلغة التحقيق لا بلغة السب والشتم. ثم تأتي الآن مجموعة رابعة تزيدنا بيانا عن المنافقين ومواقفهم وطريقهم التي عليهم أن يسلكوها- إن أرادوا التوبة- كما تحدد في المقابل صفات المؤمنين. وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ أي حول بلدتكم أو داركم وهي المدينة عاصمة الإسلام الأولى مِنَ الْأَعْرابِ وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار. وكانوا نازلين حولها مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ منافقون كذلك مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ أي تمهروا فيه، مرنوا عليه واستمروا عليه لا تَعْلَمُهُمْ أي يخفون عليك مع فطنتك وصدق فراستك لفرط خبثهم واحتراسهم في تحامي ما يشكك في أمرهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ أي لا يعلمهم إلا الله ولا يطلع على سرهم غيره لأنهم يبطنون الكفر في سويداء قلوبهم ويبرزون لك ظاهرا كظاهر المخلصين من المؤمنين سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ هاتان المرتان قد يكون المراد بهما القتل وعذاب القبر، أو الفضيحة وعذاب القبر، أو أخذ الصدقات من أموالهم ونهك أبدانهم ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ أي عذاب النار بعد أن ذكر في هذه المجموعة المنافقين الخلص في سياق التخلف عن الجهاد، سيذكر الآن نوعا من المتخلفين لم يكن تخلفهم عن نفاق وإنما هي المعصية مع الإيمان وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ أي وقوم آخرون سوى المذكورين من قبل لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا وقد ندموا خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً أي خلطوا خروجا إلى الجهاد وتخلفا عنه، أو خلطوا التوبة والإثم عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ اعترافهم بالذنب توبة وختم الآية بما ختمت به تطميع لهم بقبولها، وبعد أن ذكر حالهم وطمعهم بقبول التوبة أمر رسوله ﷺ خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تكون كفارة لذنوبهم، ويمكن أن يكون المراد بالصدقة هنا الزكاة تُطَهِّرُهُمْ أي الصدقة عن الذنوب وَتُزَكِّيهِمْ بِها التزكية المبالغة في التطهير والزيادة فيه، ويمكن أن يراد بالتزكية هنا الإنماء والبركة في المال، ويمكن أن يكون المعنى تطهرهم من الإثم وتزكيهم بتحقيقهم بمكارم الأخلاق، وقد دلت الآية على فضيلة الصدقة إذ بها تمحى الخطايا ولو كانت تخلفا عن النفير وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي وادع لهم وترحم، ومن ثم كانت السنة أن يدعو جابي الصدقة لصاحب الصدقة إذا أخذها إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ أي سكينة وطمأنينة لقلوبهم وَاللَّهُ سَمِيعٌ لدعائك أو سميع لاعترافهم بذنوبهم ودعائهم عَلِيمٌ بما في

стр. 2245

ضمائرهم من الندم والغم لما فرط منهم، ثم هيجهم الله على التوبة والصدقة فقال: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ إذا صحت وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ أي ويقبلها إذا صدرت عن خلوص نية أي فاصدقوا بالتوبة وأخلصوا بالصدقة، وتفيد الآية أن التوبة والصدقة ليست لرسول الله ﷺ ولا لغيره بل هي لله، فإن شاء قبل، وإن شاء رد، فاقصدوه فيهما ووجهوهما إليه وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ أي الكثير قبول التوبة الرَّحِيمُ بمن علم منه صدق الإنابة والإخلاص في العمل، ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يقول لهم وَقُلِ أي لهؤلاء التائبين اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ أي فإن عملهم لا يخفى، خيرا كان أو شرا، على الله أو رسوله أو المؤمنين باطلاع الله المؤمنين على عملهم، وفي الآية حض لهم على العمل الصالح، ووعيد لهم وتحذير من عاقبة الإصرار والذهول عن التوبة وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ أي ما يغيب عن الناس وَالشَّهادَةِ أي ما يشاهدونه فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يخبركم به ويجازيكم عليه. وهكذا وصف الله لأهل الإيمان- إذا تخلفوا عن النفير- طريق العودة إلى الله، وهو التوبة النصوح والإنفاق والعمل الصالح، وقد دلتنا هذه الآيات الأربع على صنف من المتخلفين تخلفوا وصدقوا في التوبة غاية الصدق. وبالغوا في الشعور بالذنب والاعتراف فيه. فقبل الله توبتهم مباشرة، ودلهم على ما ينبغي فعله، والآن يحدثنا عن فريق آخر من المتخلفين المؤمنين لم يبالغوا في التوبة كالأولين فأرجأ الله قبول توبتهم، ثم قبلها كما ستحدثنا أواخر السورة وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ أي وآخرون من المتخلفين موقوفون إلى أن يظهر أمر الله فيهم، والإرجاء: التأخير إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ إن لم يقبل توبتهم وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ فلا يعذبهم إن قبل توبتهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ عليم بصدقهم أو كذبهم في توبتهم، حكيم في تأخير قبول توبتهم، وقد أظهر قبول توبتهم كما سنرى. وهكذا استمر السياق يحدثنا عن حال من تخلف عن النفير في سياق الأمر بالنفير، حتى إذا عرفنا كل ما ينبغي أن نعرفه عن موضوع التخلف عن النفير آن الأوان ليحدثنا السياق عما يسمى في اصطلاحات العصر الطابور الخامس: أي العدو الداخلي الذي ظاهره معنا وهو يعمل ضمن مخططات الأعداء ولصالحهم، وما ينبغي فعله بهؤلاء وبمخططاتهم من خلال قصة مسجد الضرار وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً أي مضارة للمسلمين وَكُفْراً أي وتقوية للنفاق وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ليجمعوا قسما منهم في مسجدهم ويشركوهم في مخططاتهم وَإِرْصاداً أي وإعدادا لِمَنْ
следующие страницы →