قال الأوزاعي: خرج الناس إلى الاستسقاء فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر من حضر، ألستم مقرين بالإساءة؟ قالوا: اللهم نعم، فقال:
اللهم إنا نسمعك تقول: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ اللهم وقد أقررنا بالإساءة فاغفر لنا وارحمنا واسقنا، ورفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا)
٣ - في سبب نزول قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ .. ذكر ابن كثير ما ننقله دون ذكر الأسانيد قال (وقال
قتادة نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني .. وعن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله ﷺ ، فكنت أكتب براءة، فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله ﷺ ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ الآية. وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مقرن المزني، فقالوا: يا رسول الله احملنا، فقال لهم: «والله لا أجد ما أحملكم عليه» فتولوا وهم يبكون، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملا، فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه فقال: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ إلى قوله فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وقال مجاهد في قوله وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ نزلت في بني مقرن بن مزينة، وقال محمد بن كعب: كانوا سبعة نفر: من بني عمرو بن عوف، سالم بن عوف. ومن بني واقف حرمي بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار عبد الرحمن بن كعب ويكنى أبا ليلى، ومن بني المعلى فضل الله، ومن بني سلمة عمرو بن عتبة، وعبد الله بن عمرو المزني. وقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ ، وهم البكاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار، وغيرهم من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعلية بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن ابن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمه، وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وحرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعياض بن سارية الفزاري، فاستحملوا رسول الله ﷺ ، وكانوا أهل حاجة، فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون». وروى ابن أبي حاتم .. عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد خلفتم بالمدينة أقواما ما أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم واديا، ولا
стр. 2242
نلتم من عدو نيلا، إلا وقد شركوكم في الأجر». ثم قرأ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ الآية. وأصل الحديث في الصحيحين من حديث أنس: أن رسول الله ﷺ قال: «إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا، ولا سرتم مسيرا، إلا وهم معكم» قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: «نعم حبسهم العذر» وروى الإمام أحمد .. عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد خلفتم بالمدينة رجالا، ما قطعتم واديا، ولا سلكتم طريقا، إلا شركوكم في الأجر، حبسهم المرض». ورواه مسلم وابن ماجه من طرق.
٤ - بمناسبة قوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً .. نذكر ما يلي:
أ- روى الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله حديثك ليعجبني وإن يدك لتريبني، فقال زيد: ما يريبك من يدي إنها الشمال؟ فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال. فقال زيد بن صوحان: صدق الله الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ.
ب- وروى الإمام أحمد عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن» ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن غريب.
ج- قال ابن كثير: ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولا، وإنما كانت البعثة من أهل القرى، كما قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى. (سورة يوسف: ١٠٩)
د- وروى الإمام مسلم عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم، قالوا: لكنا والله ما نقبل، فقال رسول الله ﷺ : «وأملك أن كان الله نزع منكم الرحمة؟» وقال ابن نمير: (من قلبك الرحمة).
٥ - وبمناسبة قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ نذكر أن هناك قراءة برفع الأنصار، وقراءة حفص التي عليها هذا التفسير بالخفض، وقد أشرنا إلى هذا لأننا سننقل كلام ابن كثير كله في هذه الآية، وقد أشار هو إلى هذا الموضوع.
стр. 2243
قال ابن كثير في الآية: (يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ورضاهم عنه، بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم. قال الشعبي: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية، وقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة: هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله ﷺ . وقال محمد بن كعب القرظي: مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ هذه الآية: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ فقال: أبي بن كعب، فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم: قال: وسمعتها من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قال: لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، فقال: أبي: تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وفي سورة الحشر وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ الآية. وفي الأنفال: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ الآية. رواه ابن جرير قال: وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤها برفع الأنصار عطفا على وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان: فيا ويل من أبغضهم، أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم- أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة ﵁ فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة، ويبغضونهم
ويسبونهم- عياذا بالله من ذلك- وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من ﵃؟؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن ﵁، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدعون، وهؤلاء هم حزب الله المفلحون، وعباده المؤمنون». ا. هـ. كلام ابن كثير.
أقول: نرجو أن يكون المسلمون- سنة وشيعة- على أبواب عهد جديد، يعتمد في التحقيق العلمي على الإنصاف، وفي الحركة السياسية على التحرر من عقد الماضي، وفي التعامل اليومي على الحب والإخاء، وأن لا يتكلفوا الخوض فيما لا يعني، وأن يعفوا ألسنتهم عما هو مظنة الإثم، وأن يلجموا الأهواء بنصوص الكتاب والسنة.
стр. 2244
كما نرجو من العلماء العاملين- سنة وشيعة- أن يتكلموا بما يؤلف القلوب، وبما يجمع على الحق، وأن يكتبوا جميعا بلغة التحقيق لا بلغة السب والشتم.
ثم تأتي الآن مجموعة رابعة تزيدنا بيانا عن المنافقين ومواقفهم وطريقهم التي عليهم أن يسلكوها- إن أرادوا التوبة- كما تحدد في المقابل صفات المؤمنين.
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ أي حول بلدتكم أو داركم وهي المدينة عاصمة الإسلام الأولى مِنَ الْأَعْرابِ وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار. وكانوا نازلين حولها مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ منافقون كذلك مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ أي تمهروا فيه، مرنوا عليه واستمروا عليه لا تَعْلَمُهُمْ أي يخفون عليك مع فطنتك وصدق فراستك لفرط خبثهم واحتراسهم في تحامي ما يشكك في أمرهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ أي لا يعلمهم إلا الله ولا يطلع على سرهم غيره لأنهم يبطنون الكفر في سويداء قلوبهم ويبرزون لك ظاهرا كظاهر المخلصين من المؤمنين سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ هاتان المرتان قد يكون المراد بهما القتل وعذاب القبر، أو الفضيحة وعذاب القبر، أو أخذ الصدقات من أموالهم ونهك أبدانهم ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ أي عذاب النار بعد أن ذكر في هذه المجموعة المنافقين الخلص في سياق التخلف عن الجهاد،
سيذكر الآن نوعا من المتخلفين لم يكن تخلفهم عن نفاق وإنما هي المعصية مع الإيمان وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ أي وقوم آخرون سوى المذكورين من قبل لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا وقد ندموا خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً أي خلطوا خروجا إلى الجهاد وتخلفا عنه، أو خلطوا التوبة والإثم عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ اعترافهم بالذنب توبة وختم الآية بما ختمت به تطميع لهم بقبولها،
وبعد أن ذكر حالهم وطمعهم بقبول التوبة أمر رسوله ﷺ خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تكون كفارة لذنوبهم، ويمكن أن يكون المراد بالصدقة هنا الزكاة تُطَهِّرُهُمْ أي الصدقة عن الذنوب وَتُزَكِّيهِمْ بِها التزكية المبالغة في التطهير والزيادة فيه، ويمكن أن يراد بالتزكية هنا الإنماء والبركة في المال، ويمكن أن يكون المعنى تطهرهم من الإثم وتزكيهم بتحقيقهم بمكارم الأخلاق، وقد دلت الآية على فضيلة الصدقة إذ بها تمحى الخطايا ولو كانت تخلفا عن النفير وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي وادع لهم وترحم، ومن ثم كانت السنة أن يدعو جابي الصدقة لصاحب الصدقة إذا أخذها إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ أي سكينة وطمأنينة لقلوبهم وَاللَّهُ سَمِيعٌ لدعائك أو سميع لاعترافهم بذنوبهم ودعائهم عَلِيمٌ بما في
стр. 2245
ضمائرهم من الندم والغم لما فرط منهم،
ثم هيجهم الله على التوبة والصدقة فقال:
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ إذا صحت وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ أي ويقبلها إذا صدرت عن خلوص نية أي فاصدقوا بالتوبة وأخلصوا بالصدقة، وتفيد الآية أن التوبة والصدقة ليست لرسول الله ﷺ ولا لغيره بل هي لله، فإن شاء قبل، وإن شاء رد، فاقصدوه فيهما ووجهوهما إليه وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ أي الكثير قبول التوبة الرَّحِيمُ بمن علم منه صدق الإنابة والإخلاص في العمل،
ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يقول لهم وَقُلِ أي لهؤلاء التائبين اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ أي فإن عملهم لا يخفى، خيرا كان أو شرا، على الله أو رسوله أو المؤمنين باطلاع الله المؤمنين على عملهم، وفي الآية حض لهم على العمل الصالح، ووعيد لهم وتحذير من عاقبة الإصرار والذهول عن التوبة وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ أي ما يغيب عن الناس وَالشَّهادَةِ أي ما يشاهدونه فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يخبركم به ويجازيكم عليه. وهكذا وصف الله لأهل الإيمان- إذا تخلفوا عن النفير- طريق العودة إلى الله، وهو التوبة النصوح والإنفاق والعمل الصالح، وقد دلتنا هذه الآيات الأربع على صنف من المتخلفين تخلفوا وصدقوا في التوبة غاية الصدق. وبالغوا في الشعور بالذنب والاعتراف فيه. فقبل الله توبتهم مباشرة، ودلهم على ما ينبغي فعله، والآن يحدثنا عن فريق آخر من المتخلفين المؤمنين لم يبالغوا في التوبة كالأولين فأرجأ الله قبول توبتهم،
ثم قبلها كما ستحدثنا أواخر السورة وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ أي وآخرون من المتخلفين موقوفون إلى أن يظهر أمر الله فيهم، والإرجاء: التأخير إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ إن لم يقبل توبتهم وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ فلا يعذبهم إن قبل توبتهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ عليم بصدقهم أو كذبهم في توبتهم، حكيم في تأخير قبول توبتهم، وقد أظهر قبول توبتهم كما سنرى.
وهكذا استمر السياق يحدثنا عن حال من تخلف عن النفير في سياق الأمر بالنفير، حتى إذا عرفنا كل ما ينبغي أن نعرفه عن موضوع التخلف عن النفير آن الأوان ليحدثنا السياق عما يسمى في اصطلاحات العصر الطابور الخامس: أي العدو الداخلي الذي ظاهره معنا وهو يعمل ضمن مخططات الأعداء ولصالحهم،
وما ينبغي فعله بهؤلاء وبمخططاتهم من خلال قصة مسجد الضرار وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً أي مضارة للمسلمين وَكُفْراً أي وتقوية للنفاق وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ
ليجمعوا قسما منهم في مسجدهم ويشركوهم في مخططاتهم وَإِرْصاداً أي وإعدادا لِمَنْ
стр. 2246
حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي لأجله مِنْ قَبْلُ بناء المسجد وَلَيَحْلِفُنَّ. وهم كاذبون في حلفهم إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى أي ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أي في حلفهم
لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً أي لا تصل فيه لهم لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ من أيام وجوده أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ أي مصليا فِيهِ أي في المسجد المؤسس على التقوى رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا من النجاسات كلها ومعنى محبتهم للتطهير أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه حرص المحب للشئ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ فهو يرضى عنهم ويحسن إليهم
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ أي وضع أساس ما يبنيه عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أي أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة محكمة وهي تقوى الله ورضوانه خير أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا أي حرف وشفير جُرُفٍ جرف الوادي جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول فيبقى واهنا هارٍ أي هائر وهو المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط والمعنى: أفمن أسس على قاعدة محكمة وهي تقوى الله ورضوانه، خير أم من أسس على قاعدة هي أضعف القواعد وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار في قلة الثبات والاستمساك فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ أي وطاح به الباطل في نار جهنم وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي لا يوفقهم للخير عقوبة لهم على نفاقهم
لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ أي شكا ونفاقا بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع، فإنه أورثهم نفاقا فى قلوبهم أو لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوه سبب شك ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم لما غاظهم من ذلك وعظم عليهم إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ أي إلا أن تتقطع قلوبهم قطعا وتتفرق أجزاء، فحينئذ يسلون عنه وأما دامت سالمة مجتمعة فالريبة باقية متمكنة ويمكن أن يكون المعنى: إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بعزائمهم حَكِيمٌ في جزاء جرائمهم، ثم ختم الله هذه المجموعة بما ختم المجموعات السابقة بالتذكير بما أعد الله للمؤمنين إذا قاموا بما عاهدوا
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ مثل الله إثابة المؤمنين بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشراء يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هذا بيان لمحل التسليم وهو مواطن القتال وممارسته فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ أي تارة يقتلون العدو وطورا يقتلهم العدو وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا أي وعدهم بذلك وعدا ثابتا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ أخبر تعالى بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد
стр. 2247
ثابت قد أثبته في التوراة والإنجيل والقرآن وهو دليل على أن كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ لا أحد أوفى بعهده من الله لأن إخلاف الميعاد قبيح لا يقدم عليه الكريم منا فكيف بأكرم الأكرمين، وأي ترغيب في الجهاد هذا الترغيب؟ وأين البائعون؟ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ أي فافرحوا غاية الفرح بهذا البيع، فإنكم تبيعون فانيا بباق وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وأي ربح أعظم من الجنة؟ ولكن من هم المرشحون لهذا البيع؟
التَّائِبُونَ الذين تابوا من الشرك وتبرءوا من النفاق وإذا واقعوا المعصية أنابوا مباشرة الْعابِدُونَ أي الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له العبادة الْحامِدُونَ الله على نعمة الإسلام وعلى كل نعمة السَّائِحُونَ أي الصائمون، أو طلبة العلم؛ لأنهم يسيحون في الأرض يطلبونه من مظانه، أو السائرون في الأرض للاعتبار الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ أي المحافظون على الصلوات الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي والآمرون بالإيمان والمعرفة والطاعة والعمل الصالح وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي عن الشرك والمعاصي وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ أي أوامره ونواهيه أو معالم الشرع وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي المتصفين بهذه الصفات، فهذه صفات عشر: الإيمان، وحفظ حدود الله، والنهي عن المنكر، والأمر بالمعروف، والسجود، والركوع، والسياحة، والحمد، والعبادة، والتوبة، من تحقق بها فهو المرشح للبيع، وعلى هذا فإن على المربين في هذه الأمة أن يربوا على هذه الخصال إذا ما أرادوا جيلا يستسهل البيع والجهاد والقتال، وإذا وزنا الناس بهذه الصفات العشر، وفتبين لنا نقصانها في المسلمين عرفنا لم لا نرى جهادا أو قتالا وبيعا للأنفس في سبيل الله ولم لا نرى مسارعة لذلك.
وبهذا تنتهي المجموعة الرابعة من هذا المقطع وقد فصلت أحوال أصناف من الناس.
الفوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ نذكر هذه الروايات:
أ- روى الإمام أحمد عن جبير بن مطعم ﵁ قال: قلت يا رسول الله إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة، فقال «لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب»
стр. 2248
وأصغى إلي رسول الله ﷺ برأسه فقال: «وإن في أصحابي منافقين» ومعناه أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين من الكلام بما لا صحة له، ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم.
ب- روى الحافظ ابن عساكر عن أبي الدرداء: أن رجلا يقال له حرملة أتى النبي ﷺ فقال: «الإيمان هاهنا» وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق هاهنا وأشار بيده إلى قلبه «ولم يذكر الله إلا قليلا) فقال رسول الله ﷺ «اللهم اجعل له لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وارزقه حبي وحب من يحبني، وصير أمره إلى
خير» فقال: يا رسول الله إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأسا فيهم، أفلا آتيك بهم؟ قال: «من أتانا استغفرنا له، ومن أصر فالله أولى به، ولا تخرقن على أحد سترا» قال: وكذا رواه أبو أحمد الحاكم.
ج- قال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في هذه الآية قال: قام رسول الله ﷺ خطيبا يوم الجمعة فقال «اخرج يا فلان فإنك منافق، واخرج يا فلان فإنك منافق» فأخرج من المسجد ناسا منهم، فضحهم، فجاء عمر وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة، وظن أن الناس قد انصرفوا واختبئوا هم من عمر ظنوا قد علم بأمرهم، فجاء عمر فدخل المسجد فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر يا عمر فقد فضح الله المنافقين اليوم قال ابن عباس: فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد. والعذاب الثاني عذاب القبر.
وقال سعيد عن قتادة في قوله تعالى: سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ عذاب الدنيا وعذاب القبر، ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ وذكر لنا أن نبي الله ﷺ أسر إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين فقال: ستة منهم تكفيهم الدبيلة- سراج من نار جهنم يأخذ كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره- وستة يموتون موتا. وذكر لنا أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا مات رجل ممن يرى أنه منهم نظر إلى حذيفة، فإن صلى عليه، وإلا تركه. وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة أنشدك الله أمنهم أنا؟ قال: لا ولا أؤمن منها أحدا بعدك.
د- وروى عبد الرزاق عن قتادة في هذه الآية أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون علم الناس فلان في الجنة وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري، لعمري أنت بنصيبك أعلم منك بأحوال الناس، وقد تكلفت شيئا ما تكلفه الأنبياء
стр. 2249
قبلك، قال نبي الله نوح ﵇ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وقال نبي الله شعيب ﵇ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ وقال الله تعالى لنبيه ﷺ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ.
٢ - في سبب نزول قوله تعالى وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة إنه الذبح وأشار بيده إلى حلقه، وقال ابن عباس وَآخَرُونَ نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه وقيل: وسبعة معه، وقيل: تسعة معه فلما رجع رسول الله ﷺ من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله ﷺ ، فلما أنزل الله هذه الآية وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ أطلقهم رسول الله ﷺ وعفا عنهم.
وبمناسبة هذه الآية قال النسفي: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً خروجا إلى الجهاد وَآخَرَ سَيِّئاً تخلفا عنه، أو التوبة والإثم، وهو قولهم بعت الشاء شاة ودرهما أي شاة بدرهم قالوا وبمعنى الباء، لأن الواو للجمع، والباء للالتصاق، أو المعنى خلط كل واحد منهما بالآخر: فكل واحد منهما مخلوط ومخلوط به كقولك: خلطت الماء واللبن، تريد خلطت كل واحد منهما بصاحبه بخلاف قولك: خلطت الماء باللبن لأنك جعلت الماء مخلوطا واللبن مخلوطا به. وإذا قلته بالواو فقد جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطا بهما كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.
وبمناسبة هذه الآية نقل ابن كثير ما رواه البخاري مختصرا ... عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ لنا: أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فتلقانا رجال شطر من خلقكم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك عنهم فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك، قالا وأما القوم الذين كان شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم.
٣ - اعتقد بعض ما نعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة لا يكون إلى الإمام وإنما كان هذا خاصا بالرسول ﷺ محتجين بقول تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
стр. 2250
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ... وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد أبو بكر الصديق وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ ، حتى قال الصديق: والله لو منعوني عناقا- وفي رواية عقالا- كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتلنهم على منعه.
٤ - تنفيذا لقوله تعالى وَصَلِّ عَلَيْهِمْ بعد قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ كان النبي ﷺ إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم فأتاه أبي (أي والد الراوي وهو عبد الله بن أبي أوفى) بصدقة فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» رواه مسلم. وفي الحديث الآخر أن امرأة قالت يا رسول الله صل علي وعلى زوجي فقال: «صلى الله عليك وعلى زوجك» ومعنى الصلاة هنا الدعاء والاستغفار.
وروى الإمام أحمد ... عن ابن لحذيفة عن أبيه: أن النبي ﷺ كان إذا دعا لرجل أصابته وأصابت ولده وولد ولده.
٥ - وبمناسبة قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ننقل ما يلي:
روى الثوري ووكيع عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتكون مثل أحد» وتصديق ذلك في كتاب الله : أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ. وقوله يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ. وروى الثوري والأعمش ... عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ هذه الآية أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ. وقد روى ابن عساكر في تاريخه قال: غزا الناس في زمن معاوية ﵁، وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فغل رجل من
المسلمين مائة دينار رومية، فلما قفل الجيش ندم وأتى الأمير، فأبى أن يقبلها منه فقال:
قد تفرق الناس ولن أقبلها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة، فجعل الرجل يستقري الصحابة فيقولون له مثل ذلك. فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه فأبي عليه فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي فقال: ما يبكيك؟ فذكر له أمره، فقال أو مطيعي أنت؟ فقال: نعم: فقال: اذهب إلى معاوية
стр. 2251
فقل له: اقبل خمسك، فادفع إليه عشرين دينارا، وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم، ففعل الرجل، فقال معاوية ﵁ لأن أكون أفتيته بها أحب إلي من كل شئ أملكه، أحسن الرجل.
٦ - وبمناسبة قوله تعالى وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ننقل ما ذكره ابن كثير مع حذف الأسانيد:
(روى الإمام أحمد ... عن أبي سعيد مرفوعا إلى رسول الله ﷺ أنه قال «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء، ليس لها باب ولا كوة، لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان». وقد ورد: أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما روى أبو داود الطيالسي ... عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ :
«إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيرا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك». وروى الإمام أحمد ...
عمن سمع أنسا يقول: قال النبي ﷺ : «إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيرا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا).
وروى البخاري أن عائشة ﵂ قالت: إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم فقل اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وقد ورد في الحديث شبيه بهذا فقد روى الإمام أحمد ... عن أنس أن رسول الله ﷺ قال «لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنتظروا بم يختم له، فإن العامل يعمل زمانا من عمره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملا سيئا وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملا صالحا، وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله قبل موته» قالوا: يا رسول الله وكيف يستعمله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه»).
٧ - أفهم من ذكر المؤمنين في قوله تعالى وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ أن المؤمنين إذا لم يروا عملا صالحا ممن عمل سوءا فإن الأصل ألا يغيروا رأيهم فيه، وأنهم معذورون إذا عاملوه بما ظهر لهم منه
٨ - وتفسيرا لقوله تعالى: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ
стр. 2252
عَلَيْهِمْ قال ابن كثير: (قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغير واحد: هم الثلاثة الذين خلفوا- أي عن التوبة- .. وهم مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد، كسلا وميلا إلى الدعة، والحفظ وطيب الثمار والظلال، لا شكا ونفاقا، فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك، وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء وأرجئ هؤلاء عن التوبة حتى نزلت الآية الآتية وهي قوله تعالى لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الآية وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ... الآية كما سيأتي في حديث كعب بن مالك.
٩ - وفي سبب نزول آيات مسجد الضرار في قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً ... قال ابن كثير: سبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله ﷺ مهاجرا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصارت للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة، وظاهر بها، وخرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول الله ﷺ فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام أحد، فكان من أمر المسلمين ما كان وامتحنهم الله . وكانت العاقبة للمتقين، وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله ﷺ وأصيب ذلك اليوم فجرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى وشج رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه، فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شر، وكان رسول الله ﷺ قد دعاه إلى الله قبل فراره، وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد، فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يموت بعيدا طريدا، فنالته هذه الدعوة.
وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد، ورأى أمر الرسول ﷺ في ارتفاع وظهور ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي ﷺ ، فوعده ومناه وأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله
стр. 2253
صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا لهم معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك.
فشرعوا في بناء مسجد في قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله ﷺ إلى تبوك. وجاءوا فسألوا رسول الله ﷺ أن يأتي إليهم في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: «إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله» فلما قفل ﵊ راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم- مسجد قباء- الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله ﷺ إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: هم أناس من الأنصار بنوا مسجدا، فقال لهم أبو عامر الراهب: ابنوا مسجدا واستعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجنود من الروم، وأخرج محمدا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﷺ فقالوا قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة. فأنزل الله لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً إلى قوله الظَّالِمِينَ وكذا روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وقتادة، وغير واحد من العلماء، وقال محمد بن إسحاق بن يسار عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن قتادة، وغيرهم قالوا: أقبل رسول الله ﷺ يعني من تبوك- حتى نزل بذي أوان- بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار- وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذي العلة، والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: «إني على جناح سفر وحال شغل» أو كما قال رسول الله ﷺ :
«ولو قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه» فلما نزل بذي أوان، أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم أحابني سالم بن عوف، ومعن بن عدي- أو أخاه عامر بن عدي- أخا بلعجلان فقال: «انطلقا إلى هذا المسجد الظالم، فاهدماه وحرقاه» فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف- وهم رهط مالك بن الدخشم- فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله،
стр. 2254
فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً إلى آخر القصة. وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا: خذام بن خالد، من بني عبيد بن زيد، أحد بني عوف،- ومن داره أخرج مسجد الشقاق- وثعلبة ابن حاطب من بني عبيد موالي بني أمية بن زيد، ومعتب بن قشير، من بني ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن زيد، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، من بني عوف، وحارثة بن عامر وابناه، مجمع بن حارثة، وزيد بن حارثة، ونبتل الحارث، وهو من بني ضبيعة، ومخرج وهو من بني ضبيعة، وبجاد بن عمران وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت، موالي بني أمية رهط أبي لبابة بن عبد المنذر.
ومن هذه القصة نفهم أنه لا ينبغي أن نتردد في استئصال كل ما يعكر أمن المسلمين ووحدتهم، وأن علينا أن نسارع إلى تحطيم مخططات أهل الكفر والنفاق.
١٠ - وأما المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فالسياق يدل على أنه مسجد قباء، وعلى ذلك كثير من الآثار والأحاديث، وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله ﷺ الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى قال ابن كثير: وهذا صحيح ولا منافاة بين القول الأول وبين هذا لأنه إن كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى، ولمسجد قباء فضله، ولمسجد رسول الله ﷺ زيادة فضل. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة في مسجد قباء كعمرة». وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يزور مسجد قباء راكبا وماشيا. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو بن عوف كان جبريل هو الذي عين له جهة القبلة، فالله أعلم.
١١ - ومما أثنى الله على أهل قباء في هذه الآيات: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ وقد روى البراز ... عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ فسألهم رسول الله ﷺ فقالوا: إنا نتبع الحجارة بالماء.
وفي الآية دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة، المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له. وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء والتنزه عن ملامسة القاذورات. ذكره ابن كثير،
стр. 2255
وقد ورد ما يدل على أن كمال الطهارة يسهل القيام بالعبادة، ويعين على إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها. وروى الإمام أحمد عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ صلى بهم الصبح فقرأ الروم فيها. فأوهم، فلما انصرف قال: «يلبس علينا القرآن، إن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء».
١٢ - وفي سبب نزول قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ... ذكر ابن كثير عن محمد بن كعب القرظي وغيره قال عبد الله بن رواحة ﵁ لرسول الله ﷺ ليلة العقبة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم» قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال «الجنة» قالوا:
ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ ...
الآية.
وتعليقا على الآية قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم الله فأغلى ثمنهم، وقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله في عنقه بيعة، وفى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية ولهذا يقال: من حمل في سبيل الله بايع الله- أي قبل هذا العقد ووفى به-
وسواء قتلوا، أو قتلوا، أو اجتمع لهم هذا وهذا، فقد وجبت لهم الجنة. ولهذا جاء في الصحيحين: «وتكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد في سبيلي، وتصديق برسلي بأن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة.
١٣ - وفي تفسير السياحة في قوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ ... قال ابن كثير ما يأتي نذكره مع حذف الأسانيد: (بيان أن المراد بالسياحة الصيام). قال سفيان الثوري .... عن عبد الله بن مسعود قال:
السَّائِحُونَ. الصائمون. وكذا روي عن سعيد بن جبير والعوفي عن ابن عباس:
وقال علي بن طلحة عن ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن السياحة هم الصائمون، وكذا قال الضحاك ﵀ وروى ابن جرير ... عن عائشة ﵂ قالت:
سياحة هذه الأمة الصيام. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعبد الرحمن السلمي والضحاك بن مزاحم وسفيان بن عيينة وغيرهم أن المراد بالسائحين الصائمون.
стр. 2256
قال الحسن البصري: السَّائِحُونَ. الصائمون شهر رمضان. وقال أبو عمرو العبدي: السَّائِحُونَ الذين يديمون الصيام من المؤمنين. وقد ورد في حديث مرفوع نحو هذا وروى ابن جرير ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
السَّائِحُونَ هم الصائمون، وهذا مرسل جيد، وهذا أصح الأقوال وأشهرها.
وجاء ما يدل على أن السياحة الجهاد. وهو ما روى أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة. فقال النبي ﷺ : «سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله». وروى ابن المبارك ... عن عمارة بن غزية أن السياحة ذكرت عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «أبدلنا الله بذلك الجهاد في سبيل الله والتكبير على كل شرف». وعن عكرمة أنه قال: هم طلبة العلم. قال عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم: هم المهاجرون. رواهما ابن أبي حاتم. وليس المراد السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض، والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» اه.
كلام ابن كثير
أقول: من أهم ما يلزم لإحكام أمر القتال معرفة الأرض، ولذلك فإن كثيرا من كتب فن الحرب تذكر موضوع التعرف على الأرض التي سيجري عليها القتال، على أنه ركن من أركان اتخاذ قرار القتال، وممن ذكر ذلك (صن تزو) أحد حكماء الصين الأقدمين في كتابه (فن الحرب) وهو كتاب لا زال يحتفظ بالكثير من الأهمية، لقد ذكر في هذا الكتاب: أن قرار الحرب يقتضي مجموعة أمور: ثقة بين الحكومة والشعب، وقيادة قادرة على إدارة المعركة المطلوبة، وروحا معنوية عالية عند الجند، وتعرفا على الأرض التي ستدور عليها المعارك، ومعرفة الطقس الذي ستكون فيه المعارك.
ولأهمية معرفة الأرض في القتال، ولأن الأصل في السياحة أن تكون سفرا وتعرفا على الأرض، فإنني لا أستبعد أن يكون المراد بالسياحة في الآية معناها الأصلي، وهو التعرف على الأرض لصالح المعركة، خاصة وأن النص قد جاء في سياق الأمر بالنفير والجهاد. وعندئذ يكون ما فسرت به السياحة فيما سوى ذلك إنما هو من باب المجاز، فالصائم مسافر نوع سفر إذ تجوب روحه في ملكوت الله، وطالب العلم سائح إن في رحلته الحسية أو المعنوية في سفره للتعرف على الحقيقة.
стр. 2257
ولننتقل إلى عرض المجموعة الخامسة من المقطع الثاني، وهي المجموعة الأخيرة فيه:
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى أي ما صح لهم الاستغفار للمشركين في حكم الله وحكمته ولو كانوا أقرباء لهم مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ أي من بعد ما ظهر لهم أنهم ماتوا على الشرك: لقد فصلت العقيدة بين أهل الإيمان والشرك في الدنيا والآخرة،
ثم ذكر عذر إبراهيم إذ استغفر لأبيه وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ أي هو وعد أباه أن يستغفر له فاستغفر، تنفيذا لذلك الوعد ومعنى استغفاره: سؤاله المغفرة له ليسلم، أو سؤاله أن يعطيه الله الإسلام الذي به يغفر له فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ أي فلما تبين من جهة الوحي لإبراهيم أن أباه يموت كافرا، وانقطع رجاؤه عنه، تبرأ منه، وقطع استغفاره إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ أي كثير التأوه شفقا وفرقا لفرط ترحمه ورقته حَلِيمٌ أي: صبور على البلاء، صفوح عن الأذى، ومن حلمه أنه كان يدعو لأبيه وأبوه يتهدده ويتوعده بالرجم.
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ أي وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال، بعد إذ رزقكم الهداية، ووفقكم للإيمان به وبرسوله ﷺ حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأما قبل أن يبين لكم كراهة ذلك بالنهي عنه ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان بعد بيان المأمور والمنهي، أما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعا أو عاصيا فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه.
وعلى هذا فالقاعدة أن الله لا يؤاخذ عباده على شئ إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره، وعلمهم بأنه واجب الاجتناب، أما قبل العلم والبيان فلا، فالآية إذن فيها تطمين
لمن خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل نزول النهي.
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ هذا تذكير من الله لعباده بصفاته، وهو في هذا السياق يفيد الحض على التقوى، والتحريض على الجهاد. قال ابن جرير: (هذا تحريض من الله تعالى لعباده المؤمنين في قتال المشركين، وملوك الكفر، وأن يثقوا بنصر الله مالك السموات والأرض، ولا يرهبوا من أعدائه، فإنه لا ولي لهم من دون الله ولا نصير لهم سواه) ثم ختم الله هذا المقطع وهذه المجموعة بتبيان ما كافأ به من خرج للنفير يوم تبوك وتبيان قبوله توبة من أرجأ الله قبول توبته ليمحصهم فقال:
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِ
стр. 2258
وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ أي في غزوة تبوك، أي اتبعوا رسول الله ﷺ في وقتها، مع ما أحاط الغزوة من عسرة في المال والعتاد، والطقس والقلة، وبعد الطريق، وكثرة العدو وشدة بأسه، فكوفئوا على الاستجابة بتكفير الذنوب، وفي الآية بعث للمؤمنين على التوبة، وسلوك الطريق المؤدي إلى تطهير الذنوب كالجهاد مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أي عن الثبات على الإيمان أو عن اتباع الرسول ﷺ في تلك الغزوة والخروج معه ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ تاب عليهم إذ تابعوا وتاب عليهم إذ رجعوا إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ إذ ثبتهم وإذ تاب عليهم
وَعَلَى الثَّلاثَةِ وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، الَّذِينَ خُلِّفُوا أي أرجئوا عن قبول التوبة، وهم الذين قال الله فيهم وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ ... فههنا أعلن الله قبول توبتهم.
حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ أي برحبها أي مع سعتها، وهو مثل لحيرتهم في أمرهم، حتى كأنهم لا يجدون في الأرض مكانا يقرون فيه قلقا وجزعا وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور، لأنها حرجت من فرط الوحشة والغم وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ أي وعلموا أن لا ملجأ من سخط الله إلا إلى استغفاره ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ بعد خمسين يوما لِيَتُوبُوا أي ليكونوا من جملة التوابين إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يقبل التوبة ويرحم أهلها.
قال أبو بكر الوراق: التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض وتضيق عليه نفسه كتوبة هؤلاء. وهكذا انتهت هذه المجموعة وانتهى المقطع الثاني من القسم الثاني ليأتي المقطع الثالث فيه وهو استمرار لسياق الأمر بالنفير.
الفوائد:
١ - في سبب نزول قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى ... روى الإمام أحمد ... عن علي ﵁ قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ فنزلت: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية.
٢ - قال عطاء بن أبي رباح: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة ولو كانت حبشية حبلى من الزنا، لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين، يقول الله : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية:
стр. 2259
أقول: قد مر النهي عن الصلاة على المنافقين فإذا كان مراده بالصلاة الاستغفار للحي فالأمر واسع.
٣ - وقد فسر الأواه في قوله تعالى عن إبراهيم إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ بتفسيرات شتى: قال ابن جرير: وأولى الأقوال من قال: (إنه الدعاء وهو المناسب للسياق ... ) ولنذكر هذه النصوص بهذه المناسبة لعل الله يحققنا بما فيها: روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال لرجل يقال له ذو النجادين: «إنه أواه» وذلك أنه رجل كان إذا ذكر الله في القرآن رفع صوته بالدعاء. ورواه ابن جرير. وقال سعيد بن جبير والشعبي: «الأواه المسبح» وقال ابن وهب ... عن أبي الدرداء ﵁ قال: «لا يحافظ على سبحة الضحى إلا الأواه» قال شفي بن ماتع عن أبي أيوب: «الأواه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها» وعن مجاهد: «الأواه الحفيظ الرجل يذنب الذنب سرا ثم يتوب منه سرا» ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم ﵀. وروى ابن جرير ... عن الحسن بن مسلم بن بيان أن رجلا كان يكثر ذكر الله ويسبح، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «إنه أواه». وروى ابن جرير ... عن ابن عباس أن النبي ﷺ دفن ميتا فقال: «رحمك الله إن كنت لأواها» يعني تلاء للقرآن.
٤ - وفي سبب نزول قوله تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ ... قال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مجدبة، وحر شديد، وعسر من الزاد والماء. قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر، على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم، يمصها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم. وأقفلهم من غزوتهم.
وبمناسبة ذكر في العسرة في الآية ذكر ابن جرير ... عن ابن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا، فأصابنا عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، وحتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا
فادع لنا فقال: «تحب
стр. 2260
ذلك؟» قال: فرفع يديه فلم يرجعهما حتى سالت السماء، فأهطلت ثم سكنت فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ذكر ابن كثير رواية كعب بن مالك أحد الثلاثة للحادث ثم علق عليها وسننقل ذلك كله مع حذف الأسانيد:
قال الإمام أحمد ... أن عبيد الله كعب بن مالك- وكان قائد كعب من بنيه حين عمي- قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزاة غيرها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنها.
وإنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام. وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله ﷺ قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز، واستقبل عدوا كثيرا فجلى للمسلمين، أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ- يريد الديوان- قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من الله ، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال، وأنا إليها أصعر (١)، فتجهز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه، فطفقت أغد لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا، فأقول لنفسي:
أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا.
стр. 2261
وقلت: أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه، فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا من جهازي فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط (١) الغزو، فهممت أن أرتحل فألحقهم- وليت أني فعلت- ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله ﷺ فطفت فيهم يحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، (٢) أو رجلا ممن عذره الله ، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال: وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟» فقال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت، والله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله ﷺ ، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا من تبوك، حضرني بثي وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما، زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، فأصبح رسول الله ﷺ ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له- وكانوا بضعة وثمانين رجلا- فيقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي: «تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه: فقال لي: «ما خلفك، ألم تكن قد اشتريت ظهرا؟» فقلت:
يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلا، ولكنه والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك بصدق تجد علي فيه إني لأرجو عقبى ذلك من الله ﵎، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال: فقال رسول الله ﷺ : «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقض الله فيك» فقمت وقام إلي رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك،
стр. 2262
قال: فو الله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، قال: ثم قلت لهم:
هل لقي هذا معي أحد؟، قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: فمن هما؟ قالوا مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة، قال:- فمضيت حين ذكروهما لي- قال: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا- أيها
الثلاثة- من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي، فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق، فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم، وأقول في نفسي: أحرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، وأسارقه النظر، فإذا التفت على صلاتي نظر إلي، فإذا التقت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين، مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فو الله ما رد علي السلام. فقلت له يا أبا قتادة أنشدك الله: هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟
قال: فسكت قال: فعدت فنشدته فسكت، فعدت فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم. قال: ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب ابن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إلي، حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا، فإذا فيه: أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، وإن الله لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. قال: فقلت حين قرأته: وهذا أيضا من البلاء، قال فتيممت به التنور فسجرته به، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله ﷺ يأتيني يقول: يأمرك رسول الله ﷺ أن تعتزل امرأتك، قال: قلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: بل اعتزلها ولا تقربها. قال:
وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما يشاء. قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن هلالا شيخ ضعيف ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا ولكن لا يقربك» قالت: والله ما به من حركة إلى شئ، وإنه والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، قال: فقال لي بعض أهلي:
стр. 2263
لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه قال:
فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما أدري ما يقول فيها رسول الله ﷺ إذا استأذنته، وأنا رجل شاب. قال فلبثنا عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال: ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى مناقد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع، يقول بأعلى صوته: أبشر يا كعب بن مالك، قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء الفرج من الله بالتوبة علينا، فآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجل فرسا وسعى ساع من أسلم، وأوفى على الجبل،
فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول الله ﷺ ، وتلقاني الناس فوجا، فوجا يهنئونني بتوبة الله يقولون: ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد، والناس حوله، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قال قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا بل من عند الله» قال: وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله، وإلى رسوله، قال: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك.» قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت:
يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، قال: فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي.
(قال) وأنزل الله تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ، إِنَّهُ
стр. 2264
بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ* وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ إلى آخر الآيات. قال كعب: فو الله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ يومئذ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال تعالى: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ* يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ قال: وكنا أيها الثلاثة الذين خلفنا عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا، فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه، فلذلك قال الله وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخليفنا عن الغزو، وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. قال ابن كثير: هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته، رواه صاحبا الصحيح البخاري ومسلم، فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الآية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها، وكذا روي عن غير واحد من السلف في تفسيرها، كما رواه الأعمش عن جابر بن عبد الله في
قوله تعالى وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا قال: هم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكلهم من الأنصار، وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد وكلهم قال: مرارة بن ربيعة، وكذا في مسلم: ابن ربيعة في بعض نسخه، وفي بعضها مرارة بن الربيع، وفي رواية عن الضحاك: مرارة بن الربيع كما وقع في الصحيحين وهو الصواب، وقوله: فسموا رجلين شهدا بدرا قيل: إنه خطأ من الزهري، فإنه لا يعرف شهود واحد من هؤلاء الثلاثة بدرا، والله أعلم. ولما ذكر تعالى ما فرج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب من هجر المسلمين إياهم نحوا من خمسين ليلة بأيامها، وضاقت عليهم أنفسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، أي مع سعتها، فسدت عليهم المسالك والمذاهب، فلا يهتدون ما يصنعون، فصبروا لأمر الله، واستكانوا لأمر الله، وثبتوا حتى فرج الله عنهم بسبب صدقهم رسول الله ﷺ في تخلفهم، وأنه كان من غير عذر، فعوقبوا على ذلك هذه المدة، ثم تاب الله عليهم، فكان عاقبة صدقهم خيرا وتوبة عليهم.
стр. 2265
كلمة في السياق:
يتألف القسم الثاني من ثلاثة مقاطع، كلها آتية في موضوع النفير والموقف منه أو القتال وما يحيط به، وقد مر معنا مقطعان وبقي مقطع واحد. والمقطع الثالث في هذا القسم، يتحدث عن ثلاثة معان رئيسية:
١ - الكينونة مع الصادقين.
٢ - وجوب النفير على الحاضر والبادي.
٣ - استثناء المتفقهة من النفير العام في بعض الأحوال.
وكل ذلك مرتبط بسياق القسم، إنه في كثير من الأحيان، يختلط الأمر على المسلم، هل يلتحق بالصف أو لا؟ وفي كثير من الأحيان، يقع المسلم في حيرة وتردد في أي جماعة يكون؟ يظهر ذلك في عصرنا كثيرا بسبب من فقدان منصب الخلافة الجامع، ولأن هذا الموضوع من الأهمية بمكان في عصرنا فسنعقد له فصلا يكون بمثابة مقدمة للمقطع الثالث.
فصل: في الكينونة مع الصادقين:
لقد أمر الله تعالى في بداية المقطع الثالث بالكينونة مع الصادقين فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ وما أكثر الذين يدعون مقام الصادقين، ويدعون الناس إلى أنفسهم بحجة أنهم صادقون، وحتى الذين يعطلون معاني الجهاد في هذه الأمة، يزعمون أنهم صادقون، ويدعون الناس إلى أنفسهم. لقد جاء الأمر بالكينونة مع الصادقين في سياق سورة تتحدث عن الجهاد، وهذا وحده كاف لأن نعرف ارتباط صفة الصادق بموضوع الجهاد.
ولكن النصوص القرآنية لم تكتف بأن نفهم هذا الفهم من مجرد السياق، بل نصت عليه نصا، وحددت مفهوم الصادقين بما يقطع الدعاوى.
قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. فهذا نص في أن الصادقين هم الذين اجتمع لهم إيمان، وجهاد بالمال والنفس.
وقال تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ،
стр. 2266
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ، أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ فالذين صدقوا هم من اجتمعت لهم هذه الصفات التي من جملتها الصبر حين البأس، أي في القتال.
قال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. فهؤلاء هم الصادقون، أخذوا الإسلام كله، ولم يدخلوا عليه تغييرا، وهم بين شهيد ومنتظر للشهادة. فعلى ضوء هذه الآيات يعرف المسلم الصادقين، ومجئ قوله تعالى فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ في سياق الأمر بالكينونة مع الصادقين يفهم منه أنه حيث لا يكون النفير فرض عين فطلب العلم جهاد، ويدخل في الصادقين العلماء وعلى هذا فالصادقون مجاهد أو عالم.
***
стр. 2267
المقطع الثالث من القسم الثاني
كلمة بين يدي هذا المقطع:
إن هذا المقطع يكمل المقطعين اللذين قبله، فالمقطعان يحدثاننا عن قضية النفير العام، ومواقف الناس منه، وأحكام هؤلاء الناس وحقيقتهم، وكل ذلك من خلال الواقع الذي حدث يوم تبوك، فهذا القرآن يحدثنا عن كل قضية، ويعطينا النموذج لها، حتى يظهر لنا من خلال التقرير والتمثيل الأمر على غاية الظهور، وقد أدركنا من خلال هذه السورة كلها كيف أن الأمر بقتال الكافرين والمشركين والمنافقين جزم، ولم يبق عندنا من القسم الثاني إلا مقطع واحد وهذا هو:
ويمتد من الآية (١١٩) إلى نهاية الآية (١٢٢) [سورة التوبة (٩): الآيات ١١٩ الى ١٢٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)
стр. 2268
المعنى العام:
بعد أن استقر معنا في السورة ضرورة الجهاد والقتال ووصف المتخلفين، تبدأ هذه الآيات بأمر المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين، والصادقون هم المؤمنون المجاهدون، والعلماء العاملون وبعد الأمر بالكون مع الصادقين، تذكر الآيات أنه ما كان لأحد من أهل المدينة ومن حولها- أي ممن يشملهم الأمر بالنفير- أن يتخلفوا عن رسول الله ﷺ ؛ راغبين بأنفسهم عن نفسه، ثم بين لهم: أن ما يصيبهم من ظمأ أو تعب أو جوع، أو ما يفعلونه من إغاظة لكافر، كل ذلك سيكافئهم الله عليه، وأنه ما من نفقة قليلة أو كثيرة، ولا حركة أو سير، إلا وسيكافئهم الله عليه، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يكون تخلفا؟!
ثم بين الله أن هناك نفيرا آخر، يجب أن يعطى أهمية، وأن يتفرغ له ناس، وهو النفير لطلب العلم.
المعنى الحرفي .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ بإقامة شرعه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ في إيمانهم دون المنافقين، أي كونوا مع الذين صدقوا في دين الله قولا ونية وعملا، وقد عرف الله هؤلاء الصادقين في أكثر من مكان في كتابه، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الحجرات إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ فمن اجتمع له الإيمان والجهاد بأنواعه كما ذكرناها في كتاب «جند الله ثقافة وأخلاقا» فهو الصادق وهو الذي أمرنا الله أن نكون معه، وما أكثر ما غفل المؤمنون عن هذا المعنى، وما أكثر ما ادعى الصدق غير أهله.
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ هذا نفي يراد به النهي، وخص هؤلاء بالذكر- وإن استوى كل الناس في ذلك- لقربهم، ولكونهم لا يخفى عليهم أمر النفير وَلا يَرْغَبُوا أي ولا أن يضنوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ أي عما يصيب نفسه، أي لا يختاروا إبقاء أنفسهم في الشدائد، بل أمروا بأن يصحبوه في البأساء والضراء، ويلقوا أنفسهم بين يديه في كل شدة، وهكذا أدب المسلم مع قيادته الراشدة، وشأن القيادة كذلك الإمامة في الجهاد وغيره، والقدوة في الجهاد وغيره.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ أي النهي عن التخلف بسبب أنهم لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ أي عطش
стр. 2269
وَلا نَصَبٌ أي تعب وَلا مَخْمَصَةٌ أي مجاعة فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في الجهاد وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ أي ولا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم، وأخفاف رواحلهم وأرجلهم، يغيظ الكفار وطئوه، ويغضبهم، ويضيق صدورهم، لا يتحركون حركة تغيظ الكفار وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا أي ولا يصيبون منهم إصابة بقتل أو أسر أو جرح أو كسر أو هزيمة، أو غير ذلك مما يسوؤهم إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ أي بهذه الأعمال عَمَلٌ صالِحٌ أي عمل لهم ثوابه إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي إنهم محسنون، والله لا يبطل ثوابهم، وفيه دليل على أن من قصد خيرا كان سعيه فيه مشكورا، من قيام وقعود، ومشي وكلام وغير ذلك.
وَلا يُنْفِقُونَ أي هؤلاء المجاهدون في سبيل الله نَفَقَةً صَغِيرَةً أي قليلة وَلا كَبِيرَةً أي ولا كثيرة وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً أي أرضا في ذهابهم ومجيئهم وحركتهم للجهاد، والوادي في الأصل: هو كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسيل إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ أي ذلك الإنفاق والحركة، أي أثبت في صحائفهم. لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي ليجزيهم على كل واحد جزاء أحسن عمل كان لهم، فيلحق به ما دونه توفيرا لأجرهم.
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً إلى الجهاد إذا كان الجهاد فرض كفاية، لما يترتب على ذلك من تعطيل مصالح، وخاصة مصلحة طلب العلم الشرعي. فَلَوْلا أي فهلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ أي من كل جماعة كثيرة، جماعة قليلة منهم لطلب العلم الشرعي لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ أي ليتكلفوا الفقاهة في الدين، ويتجشموا المشاق في تحصيلها وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ أي ليجعلوا مرمى همتهم في الفقه إنذار قومهم، وإرشادهم إذا رجعوا إليهم، دون الأغراض الخسيسة من التصدر والترؤس والتشبه بالظلمة في المراكب والملابس. لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ أي ما يجب اجتنابه، ويمكن أن تفهم الآية فهوما أخرى، قال به مفسرون، وأيا كان فهم الآية فإن مجيئها في هذا السياق يدل على أن الفقه فى دين الله والجهاد متلازمان؛ إذ لا يمكن أن يقوم جهاد حقيقي بلا فقه، ومن ثم فإننا نرى جيشا كالجيش الانكشاري بدأ متدينا وكيف آل أمره عند ما انفصل فيه الجهاد عن الفقه.
стр. 2270
الفوائد:
١ - استدل النسفي بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ على أن الإجماع حجة، لأنه أمر بالكون مع الصادقين، فلزم قبول قولهم.
واستدل ابن مسعود بهذه الآية بأن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل. وقال الحسن البصري في الآية: إن أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا، والكف عن أهل الملة.
٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. ذكر ابن كثير ما أنفقه عثمان يوم العسرة، فذكر هاتين الروايتين:
أ- روى عبد الله ابن الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن حباب السلمي، قال: خطب رسول الله ﷺ فحث على جيش العسرة. فقال عثمان بن عفان ﵁: علي مائة بعير بأحلاسها (١) وأقتابها. قال: ثم حث، فقال: عثمان: علي مائة بعير أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث، فقال: عثمان بن عفان: علي مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله ﷺ قال بيده هكذا يحركها (وأخرج عبد الصمد- أحد رجال سند الحديث- يده كالمتعجب): «ما على عثمان ما عمل بعد هذا».
ب- وروى عبد الله ابن الإمام أحمد أيضا ... عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان ﵁ إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي ﷺ جيش العسرة، قال: فصبها في حجر النبي ﷺ ، فرأيت النبي ﷺ يقلبها بيده، ويقول:
«ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم» يرددها مرارا.
٣ - وبمناسبة قوله تعالى: وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ، وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ قال النسفي: وفيه دليل على أن من قصد خيرا كان سعيه فيه مشكورا، من قيام وقعود ومشي وكلام وغير ذلك، وعلى أن المدد
стр. 2271
يشارك الجيش في الغنيمة بعد انقضاء الحرب، لأن وطء ديارهم مما يغيظهم، وقد أسهم النبي ﷺ لابني عامر وقد قدما بعد تقضي الحرب.
٤ - هناك حالات أجاز فيها الفقهاء لنوع من الناس ألا ينفروا، وهم الذين تحتاج الأمة إلى علمهم، ولا يغني عنهم غيرهم، أي هم الذين يعتبرون مراجع دينية للمسلمين، وعلى هذا فإن النص يمكن أن يكون في أمثال هؤلاء.
وبمناسبة قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ... الآية قال الألوسي: (قال حجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة: كان اسم الفقه في العصر الأول اسما لعلم الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب، وتدل عليه هذه الآية فما به الإنذار والتخويف هو الفقه، دون تعريفات الطلاق واللعان والسلم والإجارات، وسأل فرقد السنجي الحسن عن شئ فأجابه فقال: إن الفقهاء يخالفونك فقال الحسن: ثكلتك أمك هل رأيت فقيها بعينك؟ إنما الفقيه الزاهد في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع الكاف عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم، ولم يقل في جميع ذلك الحافظ لفروع الفتاوى) ا. هـ.
وهو من الحسن بمكان، لكن الشائع إطلاق الفقيه على من يحفظ الفروع مطلقا، سواء كانت بدلائلها أم لا، كما في (التحرير). وفي (البحر) عن (المنتقى) ما يوافقه، واعتبر في (القنية) الحفظ مع الأدلة، وذكر غير واحد أن تخصيص الإنذار بالذكر لأنه الأهم، وإلا فالمقصود الإرشاد الشامل لتعليم السنن والآداب، والواجبات والمباحات، والإنذار أخص منه، ودعوى أنهما متلازمان، وذكر أحدهما مغن عن الآخر غفلة أو تغافل، وذهب كثير من الناس إلى أن المراد من النفر: الخروج لطلب العلم، فالآية ليست متعلقة بما قبلها من أمر الجهاد، بل لما بين سبحانه وجوب الهجرة والجهاد، وكل منهما سفر لعبادة، فبعد ما فضل الجهاد، ذكر السفر الآخر وهو الهجرة لطلب العلم، فضمير يتفقهوا وينذروا للطائفة المذكورة لمذكورة، وهي النافرة، وهو الذي يقتضيه كلام مجاهد. فقد أخرج عنه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما أنه قال: إن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفا ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى. فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا! فوجدوا في أنفسهم من ذلك
стр. 2272
تحرجا، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي ﷺ فنزلت هذه الآية وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ الخ أي: لولا خرج بعض وقعد بعض يبتغون الخير ليتفقهوا في الدين، وليسمعوا ما أنزل، ولينذروا الناس إذا رجعوا إليهم. واستدل بذلك على أن التفقه في الدين من فروض الكفاية. وذكر بعضهم أن في الآية دلالة على أن خبر الآحاد حجة، لأن عموم كل فرقة يقتضي: أن ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى التفقه لتنذر قومها كي يتذكروا ويحذروا. فلو لم تعتبر الأخبار ما لم تتوافر لم يفد ذلك، وقرر بعضهم وجه الدلالة بأمرين: الأول أنه تعالى أمر الطائفة بالإنذار، وهو يقتضي فعل المأمور به، وإلا لم يكن إنذارا. والثاني أمره سبحانه القوم بالحذر عند الإنذار، لأن معنى قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ليحذروا، وذلك أيضا يتضمن لزوم العمل بخبر الواحد، وهذه الدلالة قائمة على أي تفسير شئت من التفسيرين ..... ) اه. كلام الألوسي.
كلمة في السياق:
بالمقطع الثالث من القسم الثاني ينتهي القسم، بعد أن تحدث عن كل ماله علاقة بالنفير، وبهذا تكون سورة التوبة قد حدثتنا عن وجوب قتال المشركين، وأهل الكتاب، والكفار عامة، والمنافقين إذا أظهروا نفاقهم. كما حدثتنا عن وجوب نوعين من النفير يحتاجهما بقاء الإسلام: النفير للقتال، والنفير لطلب العلم، وحدثتنا عن موقف الناس من النفير، وعرفتنا على المنافقين، وماذا يفعلون لخلخلة الصف، وتوهين المسلمين، والهروب من الجهاد، إلى غير ذلك. وعرفتنا على من هم مظنة للجهاد والقتال، وحضت وحرضت حتى لتكاد تكون منشور القتال لأهل الإسلام.
وبانتهاء هذا القسم، لا يبقى معنا إلا القسم الأخير، الذي هو بمثابة خاتمة السورة، ويتألف من سبع آيات، ويبدأ بآية تحدد استراتيجية الحركة الجهادية في الإسلام.
***
стр. 2273
القسم الثالث والأخير
ويتألف من مقطع واحد ويمتد من الآية (١٢٣) إلى نهاية الآية (١٢٩) وهذا هو:
[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٣ الى ١٢٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧)
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)
كلمة في هذه الآيات:
هذه الآيات تشكل خاتمة السورة، فتبدأ بوضع استراتيجية الحركة الجهادية، وإذ كانت هذه الاستراتيجية تستند إلى ما مر في السورة، فإن أربع آيات بعد ذلك تأتي لتصف موقف المؤمنين والمنافقين من القرآن. وحتى لا يفهم فاهم أن الأمر بالقتال تفريط بالمؤمنين، فإن الآية السادسة في المقطع تبين أن بعثة رسول الله ﷺ كانت خيرا وبركة، وأن رسول الله ﷺ لا يحب إعنات المؤمنين، بل هو حريص عليهم، ورءوف
стр. 2274
رحيم بهم، ثم تختم السورة بآية تأمر رسول الله ﷺ في حال إعراض المسلمين عن الجهاد أن يقول: حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
المعنى العام:
تبدأ خاتمة السورة بأمر للمؤمنين بأن يقاتلوا الكفار الأقرب فالأقرب، وهي الاستراتيجية التي لا يجوز للمسلمين أن يغفلوها إطلاقا، لأن إغفالها فيه قضاء على الإسلام، فأنت عند ما تنطلق لتجاهد الأبعدين تعطي فرصة للقريبين أن يجتثوك في المركز، وقد أمر الله المؤمنين مع هذا بأن يكونوا غلاظا في حربهم، وأن يعلموا أن الله معهم، والأمر الأخير في هذا المقام يفيد: ألا ينظر المسلمون إلى ما يمكن أن يقوله عنهم أعداؤهم، أو باصطلاح العصر ألا يبالوا بما يقوله الرأي العام، وهم يجاهدون أعداء الله.
ثم ختم الله السورة بالبيان أن سور القرآن تزيد المؤمن إيمانا، أما المنافق فلا تزيده إلا نفاقا، ثم ذكر الله هؤلاء المنافقين بأن ما يحدث لهم ينبغي أن يكون مذكرا لهم ليتوبوا وهيهات. ثم بين الله كيف أن موفق المنافقين مما يتنزل من القرآن الإعراض والفرار؛ لأن قلوبهم مصروفة عن الحق، ثم امتن الله على المؤمنين بما أكرمهم به من خصائص رسول الله ﷺ وصفاته، من حرصه عليهم، ورغبته عن كل ما يشق عليهم، ورأفته ورحمته بهم، ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يتوكل على الله وحده إذا صادف إعراضا. وهكذا وجهت هذه الآيات المؤمنين، وعرت المنافقين، وعلمت قيادات المسلمين كيف ينبغي أن تكون. وعلمت رسول الله ﷺ والقيادات الإسلامية ماذا تقول إذا رأت إعراضا من المسلمين عن القتال وغيره من أوامر الإسلام.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ أي يقربون منكم أي قاتلوا الأقرب فالأقرب، إن قتال كل الكافرين واجب، ولكن قتال الأقرب فالأقرب أوجب، ومن ثم كان قتال المسلمين الكفار المتسلطين من مرتدين وناكثين في أوطانهم أوجب، ولهذا التوجيه أهمية خاصة في الحركة الجهادية وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً أي شدة وعنفا في المقال والقتال، وهذا التوجيه مهم جدا، وخاصة في عصرنا، إذ يحاول الكثيرون أن يخدعونا عما تحتاجه الحرب من غلظة تحت شعاري: الإنسانية، أو مراعاة الرأي العام وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ أي بالنصرة والغلبة، وهذا التوجيه
стр. 2275
في هذا المقام فيه تحرير للنفسية الإسلامية من خوف الكفرة المجاورين، أو خوف الرأي العام في حالة الغلظة، وهكذا حددت السورة مع سورة الأنفال كل ما يلزم في شأن القتال والجهاد، فكيف تكون مواقف الناس بعد هذا البيان؟ هذا ما تحدده الآيات الأربع الآتية:
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ أي فمن المنافقين مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً أي هذا ما يقوله بعضهم لبعض إنكارا واستهزاء وتعليقا على السورة فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ أي السورة إِيماناً أي يقينا وثباتا، أو خشية والتزاما، ولنتذكر في هذا المقام ما بدأت به سورة الأنفال في وصف المؤمنين من كونهم إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا لنرى الصلة بين خاتمة براءة وبداية الأنفال، ولنرى بعد ذلك الصلة بين السورتين، وأن كلا منهما تكمل الأخرى، فهما في حكم سورة واحده كما رأينا
أكثر مرة وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ أي مع زيادة الإيمان هم يستبشرون بوعد الله مع قيامهم بحق الله، إذا أنهم يعدون زيادة التكليف بشارة التشريف
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك ونفاق فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ أي كفرا مضموما إلى كفرهم، إذ أنهم أضافوا كفرا بالسورة الجديدة إلى كفرهم بما سبق وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ فهم مصرون على الكفر حتى الموت
أَوَلا يَرَوْنَ أي هؤلاء المنافقون أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أي يبتلون بالقحط والمرض وغير ذلك في كل عام مرة أو مرتين، أو يمتحنون للتنفيذ والتطبيق مرة أو مرتين، ولا ينفذون، ولا يطبقون فيفتضحون ثُمَّ لا يَتُوبُونَ عن نفاقهم وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ أي ولا هم يعتبرون
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ أي تغامزوا بالعيون؛ إنكارا للوحي وسخرية به قائلين هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ أي من المسلمين لننصرف حتى لا نفتضح، أو حتى لا يرانا أحد إن انصرفنا ثُمَّ انْصَرَفُوا أي خلسة صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ أي عن فهم القرآن بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ أي لا يتدبرون حتى يفقهوا، وفي ذلك إشارة إلى أن الفقيه من تدبر كتاب الله وقام بحقوقه وإذ تبينت المواقف من التكليف الشاق في سور القرآن ختم الله السورة ببيان منته على المؤمنين، إذ أرسل لهم رسوله ﷺ مع البيان لرسوله ﷺ ما ينبغي أن يقوله في حالة إعراض أحد عن التكليف، وفي ذلك إشارة إلى أن الأمر بالجهاد هو عين الرحمة، وأن المتولي يغني الله عنه
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ هو محمد ﵊ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي من جنسكم ونسبكم أيها العرب المخاطبون الأول بهذا القرآن، أو من جنسكم أيها البشر لتقوم عليكم الحجة به أن ما جاء به
стр. 2276
مستطاع للبشر عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أي شديد عليه عنتكم أي لقاؤكم المكروه أي صعب على نفسه كل ما يرهقكم حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم، فما لكم لا تقومون بحق الله معه، وتجاهدون معه؟! بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ عظيم الرأفة والشفقة، كثير الرحمة بالمؤمنين.
تعلمنا الآية أن على قادة المسلمين- أي على خلفاء رسول الله ﷺ على أمته أن يتصفوا بهذه الصفات: من الشفقة، والحرص على المؤمنين، وكمال الرأفة بهم، ولا يكون ذلك إلا بتطبيق أمر الله كاملا، ومن ذلك الجهاد. فرسول الله ﷺ وهو أكمل الخلق في هذه الصفات- خاض بالمؤمنين غمرات الجهاد السنين الطوال.
فمن دعته رحمته وشفقته وحرصه على المؤمنين، ورغبته عن إعناتهم إلى ترك الجهاد فهو غير وارث. ومن ثم ندرك سر ختم هذه السورة بمثل هذه الآية والتي بعدها.
فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عما تدعوهم إليه من أمر الجهاد وغيره فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ أي الله يكفيني أي فاستعن بالله وفوض إليه أمورك، فهو كافيك لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي فوضت أمري إليه وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ومن كان رب العرش- الذي هو أعظم المخلوقات- فإن التوكل عليه يغني عن جميع المخلوقات. وبهذا انتهت السورة.
الفوائد:
١ - في تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ. قال ابن كثير: (أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام.
ولهذا بدأ رسول الله ﷺ بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم، وفتح الله عليه مكة والمدينة، والطائف، واليمن، واليمامة، وهجر، وخيبر، وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجا، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام، لكونهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك، ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال، وذلك سنة تسع من هجرته، ﵇، ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع، ثم عاجلته المنية- صلوات الله وسلامه عليه- بعد حجته بأحد وثمانين يوما، فاختاره الله لما عنده، وقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر الصديق ﵁، وقد مال الدين ميلة كاد أن
стр. 2277
ينجفل، فثبته الله تعالى به، فوطد القواعد، وثبت الدعائم، ورد شارد الدين وهو راغم، ورد أهل الردة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة، ممن منعها من الطغام، وبين الحق لمن جهله، وأدى عن الرسول ما حمله، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنفس كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد، وأنفق كنوزهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك رسول الله، وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولي عهده الفاروق الأواب، شهيد المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقا وغربا، وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعدا وقربا، ففرقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضي، ثم لما مات شهيدا وقد عاش حميدا، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار، على خلاقة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ شهيد الدار، فكسا الإسلام برئاسته حلة سابغة، وأمدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله، وظهر دينه، وبلغت الأمة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها. وكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار، امتثالا لقول تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وقوله تعالى وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً أي وليجد الكفار منكم غلظة عليهم في قتالكم لهم. فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رقيقا لأخيه المؤمن، غليظا على عدوه الكافر، كقوله تعالى فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
(المائدة: ٥٤) وقوله تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ، رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (الفتح: ٢٩) وقال تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ. (التحريم: ٩) وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: أنا الضحوك القتال يعني أنه ضحوك في وجه وليه قتال لهامة عدوه، وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ أي قاتلوا الكفار وتوكلوا على الله، واعلموا أن الله معكم إذا اتقيتموه وأطعتموه. وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خيرة هذه الأمة في غاية الاستقامة، والقيام بطاعة الله تعالى، لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرة، ولم تزل الأعداء في سفال وخسار، ثم لما وقعت الفتن والأهواء، والاختلافات بين الملوك، طمع الأعداء في أطراف البلاد، وتقدموا إليها، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام، ولله الأمر من قبل ومن
стр. 2278
بعد، فكلما قام ملك من ملوك الإسلام، وأطاع أوامر الله، وتوكل على الله، فتح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسبه، وبقدر ما فيه من ولاية الله، والله المسئول المأمول أن يمكن المسلمين نواصي أعدائه الكافرين، وأن يعلى كلمتهم في سائر الأقاليم إنه جواد كريم».
٢ - وبمناسبة قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً قال ابن كثير: (وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء، بل قد حكى غير واحد الإجماع على ذلك)
٣ - وبمناسبة قوله تعالى: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ... روى ابن جرير عن حذيفة في الآية قال: (ويظهر أن المراد بذلك قبول قلوب هؤلاء للشائعات ضد الإسلام والمسلمين وتجاوبهم معها).
٤ - وبمناسبة قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ .. إلى آخر السورة ننقل ما يلى:
أ- روى الإمام أحمد ... عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أتاه ملكان فيما يرى النائم: فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر، انتهوا إلى رأس مفازة (١)، ولم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة، ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك، إذ أتاهم رجل في حلة حبرة (٢)، فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة، وحياضا رواء تتبعوني؟ فقالوا نعم، قال: فانطلق بهم، فأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم، ألم ألقكم على تلك الحال، فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة، وحياضا رواء، أن تتبعوني؟ فقالوا: بلى.
قال: فإن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه، وحياضا هي أروى من هذه فاتبعوني، فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه»
стр. 2279
ب- وروى البزار عن عكرمة عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ ليستعينه في شئ، قال عكرمة: (أراه قال في دم) - فأعطاه رسول الله ﷺ شيئا ثم قال: «أحسنت إليك؟» قال الأعرابي: لا، ولا أجملت، فغضب بعض المسلمين، وهموا أن يقوموا إليه، فأشار رسول الله ﷺ إليهم أن كفوا، فلما قام رسول الله ﷺ ، وبلغ إلى منزله، دعا الأعرابي إلى البيت فقال: «إنك إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك، فقلت ما قلت» فزاده رسول الله ﷺ شيئا وقال: «أحسنت إليك؟» فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، قال النبي ﷺ :
«إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت، وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شئ، فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم» فقال:
نعم، فلما جاء الأعرابي قال رسول الله ﷺ : «إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه، فقال ما قال، وإنا قد دعوناه فأعطيناه، فزعم أنه قد رضي كذلك يا أعرابي؟» قال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، فقال النبي ﷺ :
«إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة، فشردت عليه، فاتبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورا، فقال لهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي، فأنا أرفق بها، وأنا أعلم بها، فتوجه إليها، وأخذ لها من قشام الأرض، ودعاها حتى جاءت واستجابت، وشد عليها رحلها، وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار».
وبمناسبة الكلام عن هاتين الآيتين، نذكر ما روي في الصحيح من أن زيدا المكلف بكتابة القرآن في زمن أبي بكر قال: فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت- أو أبي خزيمة- فسجلها زيد بناء على شهادته؛ لأن رسول الله ﷺ جعل شهادته بشهادة رجلين، ولا يعني هذا أن هاتين الآيتين ليستا متواترتين، بل هما متواترتان رواية، إذ كثير من الصحابة الحفاظ كانوا يحفظونهما ورووهما، ولكن هذه رواية حال، لا تنفي وجود رواة آخرين.
٥ - روى أبو داود عن أبي الدرداء. من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله لا إله هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات، إلا كفاه الله ما أهمه،
كلمة في أواخر سورة براءة
انتهت السورة بما رأينا من الأمر للمسلمين بالكون مع الصادقين أهل الجهاد، كما
стр. 2280
ذكرت ما أعد الله لأهل الجهاد، وكيف ينبغي أن يترافق الجهاد مع العلم؟ وكيف ينبغي أن يسير خط الجهاد من الدائرة الأقرب إلى ما وراءها؟ وكيف ينبغي أن يكون الموقف الإيماني من سور القرآن عامة بما في ذلك سور الجهاد، وما هو موقف أهل النفاق من هذه السور؟ ثم ذكرت بعض صفات رسول الله ﷺ ثم جاء توجيه له ﵊ لما ينبغي أن يقوله إذا رأى إعراضا، وهكذا استكملت قضية القتال والجهاد.
والذي نراه ان ما جاء بعد قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ إنما هو على الصادقين الذين ينبغي أن يكون المسلم معهم كما هو تعريف بالكاذبين الذين لا ينبغي أن يكون المسلم معهم:
فالكينونة ينبغي أن تكون مع الذين يزاولون الجهاد ومع العلماء ولا يصح أن تكون الكينونة مع أهل النفاق الذين عرفوا في السورة من مواقفهم وأقوالهم وذكرت أواخر السورة موقفين من مواقفهم، وختمت السورة بوصف رسول الله ﷺ ليقتدي به الصادقون في تعاملهم مع أتباعهم وليعرف بذلك من هم الصادقون الذيم ينبغي أن يكون الإنسان معهم:
فمن ينعت المسلمين بالمشقة الظالمة عليهم ومن لم يكن عنده حرص على المؤمنين ومن لم تكن عنده رأفة ورحمة بالمؤمنين فهذا ليس صادقا ولا يستأهل المتابعة.
كلمة في سورتي الأنفال وبراءة
رأينا أن سورتي الأنفال وبراءة محورهما آية افتراض القتال في سورة البقرة، والآيتان بعدها، فهناك فرض القتال، ثم جاءت سورتا الأنفال وبراءة لتبين من يجب علينا أن نقاتل، وما يلزم لهذا القتال من شروط مادية ونفسية، وما هي أحكام الله في كل قضية ترافق القتال، من سلم إلى عهد، إلى غنائم إلى غير ذلك، وهذه المعاني كلها عرضت من خلال التطبيق العملي لفريضة القتال من قبل رسول الله ﷺ وصحبه، فسجلت سورة الأنفال معركة بدر، وسجلت سورة سورة براءة غزو تبوك، وبسورة الأنفال وبراءة ينتهي القسم الأول من أقسام القرآن.