← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

مستطاع للبشر عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أي شديد عليه عنتكم أي لقاؤكم المكروه أي صعب على نفسه كل ما يرهقكم حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم، فما لكم لا تقومون بحق الله معه، وتجاهدون معه؟! بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ عظيم الرأفة والشفقة، كثير الرحمة بالمؤمنين. تعلمنا الآية أن على قادة المسلمين- أي على خلفاء رسول الله ﷺ على أمته أن يتصفوا بهذه الصفات: من الشفقة، والحرص على المؤمنين، وكمال الرأفة بهم، ولا يكون ذلك إلا بتطبيق أمر الله كاملا، ومن ذلك الجهاد. فرسول الله ﷺ وهو أكمل الخلق في هذه الصفات- خاض بالمؤمنين غمرات الجهاد السنين الطوال. فمن دعته رحمته وشفقته وحرصه على المؤمنين، ورغبته عن إعناتهم إلى ترك الجهاد فهو غير وارث. ومن ثم ندرك سر ختم هذه السورة بمثل هذه الآية والتي بعدها. فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عما تدعوهم إليه من أمر الجهاد وغيره فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ أي الله يكفيني أي فاستعن بالله وفوض إليه أمورك، فهو كافيك لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي فوضت أمري إليه وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ومن كان رب العرش- الذي هو أعظم المخلوقات- فإن التوكل عليه يغني عن جميع المخلوقات. وبهذا انتهت السورة. الفوائد: ١ - في تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ. قال ابن كثير: (أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام. ولهذا بدأ رسول الله ﷺ بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم، وفتح الله عليه مكة والمدينة، والطائف، واليمن، واليمامة، وهجر، وخيبر، وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجا، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام، لكونهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك، ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال، وذلك سنة تسع من هجرته، ﵇، ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع، ثم عاجلته المنية- صلوات الله وسلامه عليه- بعد حجته بأحد وثمانين يوما، فاختاره الله لما عنده، وقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر الصديق ﵁، وقد مال الدين ميلة كاد أن

стр. 2277

ينجفل، فثبته الله تعالى به، فوطد القواعد، وثبت الدعائم، ورد شارد الدين وهو راغم، ورد أهل الردة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة، ممن منعها من الطغام، وبين الحق لمن جهله، وأدى عن الرسول ما حمله، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنفس كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد، وأنفق كنوزهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك رسول الله، وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولي عهده الفاروق الأواب، شهيد المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقا وغربا، وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعدا وقربا، ففرقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضي، ثم لما مات شهيدا وقد عاش حميدا، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار، على خلاقة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ شهيد الدار، فكسا الإسلام برئاسته حلة سابغة، وأمدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله، وظهر دينه، وبلغت الأمة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها. وكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار، امتثالا لقول تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وقوله تعالى وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً أي وليجد الكفار منكم غلظة عليهم في قتالكم لهم. فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رقيقا لأخيه المؤمن، غليظا على عدوه الكافر، كقوله تعالى فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ (المائدة: ٥٤) وقوله تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ، رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (الفتح: ٢٩) وقال تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ. (التحريم: ٩) وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: أنا الضحوك القتال يعني أنه ضحوك في وجه وليه قتال لهامة عدوه، وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ أي قاتلوا الكفار وتوكلوا على الله، واعلموا أن الله معكم إذا اتقيتموه وأطعتموه. وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خيرة هذه الأمة في غاية الاستقامة، والقيام بطاعة الله تعالى، لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرة، ولم تزل الأعداء في سفال وخسار، ثم لما وقعت الفتن والأهواء، والاختلافات بين الملوك، طمع الأعداء في أطراف البلاد، وتقدموا إليها، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام، ولله الأمر من قبل ومن

стр. 2278

بعد، فكلما قام ملك من ملوك الإسلام، وأطاع أوامر الله، وتوكل على الله، فتح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسبه، وبقدر ما فيه من ولاية الله، والله المسئول المأمول أن يمكن المسلمين نواصي أعدائه الكافرين، وأن يعلى كلمتهم في سائر الأقاليم إنه جواد كريم». ٢ - وبمناسبة قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً قال ابن كثير: (وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء، بل قد حكى غير واحد الإجماع على ذلك) ٣ - وبمناسبة قوله تعالى: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ... روى ابن جرير عن حذيفة في الآية قال: (ويظهر أن المراد بذلك قبول قلوب هؤلاء للشائعات ضد الإسلام والمسلمين وتجاوبهم معها). ٤ - وبمناسبة قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ .. إلى آخر السورة ننقل ما يلى: أ- روى الإمام أحمد ... عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أتاه ملكان فيما يرى النائم: فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر، انتهوا إلى رأس مفازة (١)، ولم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة، ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك، إذ أتاهم رجل في حلة حبرة (٢)، فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة، وحياضا رواء تتبعوني؟ فقالوا نعم، قال: فانطلق بهم، فأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم، ألم ألقكم على تلك الحال، فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة، وحياضا رواء، أن تتبعوني؟ فقالوا: بلى. قال: فإن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه، وحياضا هي أروى من هذه فاتبعوني، فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه»

стр. 2279

ب- وروى البزار عن عكرمة عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ ليستعينه في شئ، قال عكرمة: (أراه قال في دم) - فأعطاه رسول الله ﷺ شيئا ثم قال: «أحسنت إليك؟» قال الأعرابي: لا، ولا أجملت، فغضب بعض المسلمين، وهموا أن يقوموا إليه، فأشار رسول الله ﷺ إليهم أن كفوا، فلما قام رسول الله ﷺ ، وبلغ إلى منزله، دعا الأعرابي إلى البيت فقال: «إنك إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك، فقلت ما قلت» فزاده رسول الله ﷺ شيئا وقال: «أحسنت إليك؟» فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، قال النبي ﷺ : «إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت، وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شئ، فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم» فقال: نعم، فلما جاء الأعرابي قال رسول الله ﷺ : «إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه، فقال ما قال، وإنا قد دعوناه فأعطيناه، فزعم أنه قد رضي كذلك يا أعرابي؟» قال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، فقال النبي ﷺ : «إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة، فشردت عليه، فاتبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورا، فقال لهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي، فأنا أرفق بها، وأنا أعلم بها، فتوجه إليها، وأخذ لها من قشام الأرض، ودعاها حتى جاءت واستجابت، وشد عليها رحلها، وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار». وبمناسبة الكلام عن هاتين الآيتين، نذكر ما روي في الصحيح من أن زيدا المكلف بكتابة القرآن في زمن أبي بكر قال: فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت- أو أبي خزيمة- فسجلها زيد بناء على شهادته؛ لأن رسول الله ﷺ جعل شهادته بشهادة رجلين، ولا يعني هذا أن هاتين الآيتين ليستا متواترتين، بل هما متواترتان رواية، إذ كثير من الصحابة الحفاظ كانوا يحفظونهما ورووهما، ولكن هذه رواية حال، لا تنفي وجود رواة آخرين. ٥ - روى أبو داود عن أبي الدرداء. من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله لا إله هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات، إلا كفاه الله ما أهمه، كلمة في أواخر سورة براءة انتهت السورة بما رأينا من الأمر للمسلمين بالكون مع الصادقين أهل الجهاد، كما

стр. 2280

ذكرت ما أعد الله لأهل الجهاد، وكيف ينبغي أن يترافق الجهاد مع العلم؟ وكيف ينبغي أن يسير خط الجهاد من الدائرة الأقرب إلى ما وراءها؟ وكيف ينبغي أن يكون الموقف الإيماني من سور القرآن عامة بما في ذلك سور الجهاد، وما هو موقف أهل النفاق من هذه السور؟ ثم ذكرت بعض صفات رسول الله ﷺ ثم جاء توجيه له ﵊ لما ينبغي أن يقوله إذا رأى إعراضا، وهكذا استكملت قضية القتال والجهاد. والذي نراه ان ما جاء بعد قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ إنما هو على الصادقين الذين ينبغي أن يكون المسلم معهم كما هو تعريف بالكاذبين الذين لا ينبغي أن يكون المسلم معهم: فالكينونة ينبغي أن تكون مع الذين يزاولون الجهاد ومع العلماء ولا يصح أن تكون الكينونة مع أهل النفاق الذين عرفوا في السورة من مواقفهم وأقوالهم وذكرت أواخر السورة موقفين من مواقفهم، وختمت السورة بوصف رسول الله ﷺ ليقتدي به الصادقون في تعاملهم مع أتباعهم وليعرف بذلك من هم الصادقون الذيم ينبغي أن يكون الإنسان معهم: فمن ينعت المسلمين بالمشقة الظالمة عليهم ومن لم يكن عنده حرص على المؤمنين ومن لم تكن عنده رأفة ورحمة بالمؤمنين فهذا ليس صادقا ولا يستأهل المتابعة. كلمة في سورتي الأنفال وبراءة رأينا أن سورتي الأنفال وبراءة محورهما آية افتراض القتال في سورة البقرة، والآيتان بعدها، فهناك فرض القتال، ثم جاءت سورتا الأنفال وبراءة لتبين من يجب علينا أن نقاتل، وما يلزم لهذا القتال من شروط مادية ونفسية، وما هي أحكام الله في كل قضية ترافق القتال، من سلم إلى عهد، إلى غنائم إلى غير ذلك، وهذه المعاني كلها عرضت من خلال التطبيق العملي لفريضة القتال من قبل رسول الله ﷺ وصحبه، فسجلت سورة الأنفال معركة بدر، وسجلت سورة سورة براءة غزو تبوك، وبسورة الأنفال وبراءة ينتهي القسم الأول من أقسام القرآن.

стр. 2281

كلمة حول القسم الأول من أقسام القرآن: القسم الأول من أقسام القرآن يشمل: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة الأنفال والأنعام وبراءة. غير أنا رأينا أن سورتي الأنفال وبراءة تعتبران في حكم السورة الواحدة، وقد رأينا كيف أن النسفي اعتبرهما سورة واحدة، وأدخلهما في السبع الطول، وإذن فهذه السور السبع تسمى السبع الطوال، وقد عنون ابن كثير في أوائل كلامه عن سورة البقرة بهذا العنوان «ذكر ما ورد في فضل السبع الطوال» ثم روى بأكثر من إسناد قوله ﵊: «أعطيت السبع الطول مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل» ثم روى بأكثر من إسناد قوله ﵊: «من أخذ السبع الأول من القرآن فهو حبر» غير أنه ذكر أن مجاهدا وابن جبير قد جعلا السابعة هي سورة يونس وأغفلا الأنعام وبراءة، ونحن نرجح رأي النسفي إذ هو الذي يتفق مع كون ترتيب القرآن توقيفيا، ولكوننا لا نرى فرقا بين سورة يونس وما بعدها، حتى نلحق سورة يونس بما قبلها، بدلا من أن نجعلها مع ما بعدها، خاصة وهي مبدوءة بالأحرف التي بدأت بها أكثر من سورة بعدها. إن التذوق العميق لكتاب الله يرجح إلحاق سورة يونس بالقسم الثاني من أقسام القرآن. لقد استعرضنا القسم الأول من أقسام القرآن. ورأينا فيه إجمالا ثم تفصيلا. رأينا سورة البقرة، ورأينا المعاني فيها كيف أنها تتسلسل على سياق، ثم رأينا كيف أن السور التالية فصلت ما أجمل في بعض آيات سورة البقرة على الترتيب نفسه. أو نقول: إن مقاطع أو آيات في سورة البقرة أجملت، فجاءت السور الست بعدها توضح هذا الإجمال على التسلسل الوارد في سورة البقرة، والملاحظ أن السبع الطول، أي القسم الأول من أقسام القرآن يكاد يعدل ثلث القرآن تقريبا، فإذا كان القرآن كما قسموه ثلاثين جزءا، فإن السبع الطول حوالي عشرة أجزاء ونيف، وبعد ذلك يأتي القسم الثاني من أقسام القرآن، ويبدأ بسورة يونس، وينتهي بسورة القصص، ويعدل هذا القسم كذلك ثلث القرآن إلا قليلا، فهو حوالي تسعة أجزاء ونيف، وهو تسع عشرة سورة. وسنبدأ الكلام عنه في المجلد الخامس متوكلين على الله، سائلين الله أن يفتح علينا، وأن يجنبنا أن نقول على كتابه زورا أو أن نحمله ما لا يحتمل، أو أن نتكلف فيه ما ليس لنا به علم، وإذا كنا رأينا في القسم الأول كيف أن السور فصلت بعض ما

стр. 2282

أجمل في سورة البقرة على ترتيب معين، فسنرى في القسم الثاني كيف أنه مؤلف من مجموعات، وأن كل مجموعة تفصل إجمالا في سورة البقرة على ترتيب معين، ثم تعود المجموعة اللاحقة لتفصل إجمالا آخر على ترتيب معين وهكذا. ملاحظات حول هذا القسم:- ملاحظات للمربين أ- نقترح على المربي الذي يقرئ هذا القسم أو يدرس تفسيره أن يلاحظ تحقيق ما يلي: أن يركز في ذهن المتعلم الهدف العام من كل سورة، فيركز على سورة البقرة واستيعابها معاني القرآن، ويلفت النظر إلى شمول الإسلام، وحقيقة التقوى، وطرق الوصول إليها، فمن لم يتحرر من كل قصور في فهم الإسلام بعد البقرة فما أخذ شيئا. ومن لم يتحقق بالتقوى ويتعرف على حقيقتها من سورة البقرة فما أخذ شيئا. ويركز في سورة آل عمران على قضية الإيمان، والمواقف اليومية والحياتية المنسجمة معه، فما لم يفعل ذلك يكون قد أهمل كثيرا. ويركز في سورة النساء على التطبيق الحرفي لمعانيها كطريق موصل إلى التقوى. ويركز في سورة المائدة على التحقق بها على اعتبار أن من لم يتحقق بها يبقى معرضا للضلال. ويركز في سورة الأنعام على العبودية لله والقيام بشكره. ويركز في سورة الأعراف على ضرورة اتباع هدى الله وترك ما سواه. ويركز في سورتي الأنفال وبراءة على ضرورة القتال والجهاد والاستعداد له، والتخلص من كل مانع حسي أو معنوي يحول دونه، وإذا قلنا إن هذه ملاحظات للمربين، فهي ملاحظات ينبغي أن يعطيها الدارسون أهمية بالغة بشكل عام. ب- المفروض أن يلاحظ المربي شيئين: الفهم الصحيح، والتطبيق الصحيح. وفي هذا القسم- كغيره- آيات واضحة وآيات تحتاج إلى دقة فهم، فالمفروض أن يلفت المربي نظر المتعلم إلى المعاني الصحيحة للنوع الثاني، وخاصة في القضايا التي هي مظنة أن يجهلها الإنسان أو يغفل عنها، وأما في موضوع التطبيق فلا ينبغي أن يكلفه بما لا

стр. 2283

يطيق، وإنما يحققه بصحة الفهم، ويدله على العمل بقدر الإمكان. ج- فى كل سورة من السور ينبغي أن يختص بعض الآيات بوقفات تربط بين الإنسان والواقع، وبين الحياة والسلوك. وكمثال يركز في سورة البقرة على مقدمتها، وعلى الآيات التي تحدد طرق الوصول للتحقق بصفات المتقين، ويركز على قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وعلى ملامح الاقتصاد الإسلامي القائم على الإنفاق، وتحريم الربا، وضبط المعاملات. وفي سورة آل عمران يركز على قضية الطاعة والبطانة والتحرر من طاعة الكافرين أثناء مروره على إِنْ تُطِيعُوا .... * أو لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ .... وفي سورة النساء يركز على شبه العصر في موضوع تعدد الزوجات، وموضوع نظام الإرث، ونظام الرق، والاحتكام إلى الله ورسوله. وقضية الجهاد .... وفي سورة المائدة يركز على آيات الحكم، وعلى الآيات التي لها علاقة بقسوة القلب أو فتنته، وعلى الآيات التي تشرح نماذج من الفساد ... وفي سورة الأنعام يركز على النعم، وعلى الشكر، وعلى خطر تحريم الحلال. وفي سورة الأعراف يركز على خطورة الموقف من الأمر والنهي في حياة الأمم. وفي سورة الأنفال وبراءة يركز على ارتباط الإيمان بقضية الجهاد، ولا شك أن كل سورة فيها ما يذكر بمعاني السورة الأخرى، ولكن المربي ينبغي أن يضع أمامه هدفا في كل سورة يحققه من خلال إقرائها أو تحفيظها أو تدريسها. د- وعلى المربي في عصرنا أن يبتعد ابتعادا كليا في الدروس العامة عن التصريح، وعن الهجوم الواضح على الأشخاص والهيئات إلا إذا دعت ضرورة لذلك، ويكتفي بإبراز الفكرة والإشارة البعيدة من باب قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ .... إن نقل الإنسان من طور إلى طور من خلال القرآن عملية تحتاج إلى صبر طويل دؤوب، وحكمة بالغة، وكل سورة تحقق- بشكل من الأشكال- عملية النقل هذه، إذا أتقن المربي- أو المعلم- عملية النقل، وهذه الملاحظة لا تختص بهذا القسم بل هي في القرآن كله.

стр. 2284

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 2285

القسم الثاني من أقسام القرآن قسم المئين ويتضمن سور يونس، هود، يوسف، الرعد، إبراهيم، الحجر، النحل، الإسراء، الكهف، مريم، طه، الأنبياء، الحج، المؤمنون، النور، الفرقان، الشعراء، النمل، القصص،

стр. 2286

[المجموعة الأولى من القسم المئين] كلمة في قسم المئين: مع أن تقسيم القرآن إلى أربعة أقسام: قسم الطوال، وقسم المئين، وقسم المثاني، وقسم المفصل قد ورد في حديث حسن- كما رأينا- فإننا لا نعلم أن أحدا قد حدد قسم المئين وقسم المثاني، إن هناك تحديدا لقسم الطوال، ولقسم المفضل، على خلاف في قسم المفصل، وواضح أن قسم المثاني ينتهي حيث ابتدأ قسم المفصل، كما أنه من الواضح أن قسم المئين يبدأ حيث انتهى قسم الطوال، وقسم الطوال ينتهي بسورة (براءة). وإذن فقسم المئين يبدأ بسورة يونس فأين ينتهي؟. إن هناك علامتين بارزتين تدلاننا على أنه ينتهي بسورة القصص: العلامة الأولى: أن سورة القصص وسورة النمل- قبلها- وسورة الشعراء- قبلهما- تكاد تشكل زمرة واحدة من قسم واحد؛ إذ الثلاثة مبدوءة بالطاء والسين، وسورة الشعراء مائتان وسبع وعشرون آية، وسورة النمل ثلاث وتسعون، وسورة القصص ثمان وثمانون آية، فهي قريبة من المائة التي أخذ قسم المئين اسمه منها، والسورة التي تأتي بعد سورة القصص هي سورة العنكبوت، وآياتها تسع وستون، فهي بداية قسم المثاني والله أعلم. العلامة الثانية: إنه منذ سورة آل عمران لم نعد نرى الأحرف الم تتصدر سورة بشكل منفرد. رأينا المص ورأينا المر ولأول مرة بعد سورة آل عمران، ولآخر مرة تأتي الم* بداية لأربع سور هي: العنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة، مما يمكن أن يستأنس به بأن سورة العنكبوت بداية قسم جديد هو قسم المثاني. وبالتالي فإن سورة القصص هي نهاية قسم المئين. فقسم المئين يبدأ بسورة يونس، وينتهي بسورة القصص. والله أعلم *** ومن خلال تتبع المعاني نجد أن قسم المئين يتألف من ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى: هي يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم. والمجموعة الثانية: هي الحجر، والنحل، والإسراء، والكهف، ومريم. والمجموعة الثالثة: هي طه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والنور، والفرقان،

стр. 2287

والشعراء، والنمل، والقصص. وسنرى كيف أن المعاني هي التي حددت بداية المجموعات ونهايتها، وهي التي عرفتنا أن هذا القسم ينقسم إلى ثلاث مجموعات. *** ولقد رأينا في قسم الطوال أن المعاني في سورة البقرة تسلسلت على طريقة، ثم جاءت السور اللاحقة ففصلت في معان وردت في سورة البقرة على نفس التسلسل الذي جاء في سورة البقرة على غير تعاقب، ففصلت آل عمران في مقدمة سورة البقرة، وفصلت النساء والمائدة والأنعام في المقطع الأول من القسم الأول، وفصلت سورة الأعراف في المقطع الثاني من القسم الأول، وكان تفصيل هذه السور لمحاورها تفصيلا له ولامتداداته من سورة البقرة، ولذلك فإن سورتي الأنفال وبراءة فصلتا في آية فريضة القتال والآيتين بعدها من سورة البقرة بعد عشرات الآيات. وإذن فالسور التي جاءت بعد سورة البقرة من قسم الطوال فصلت في معان من سورة البقرة على ترتيب ما، وإن قسم المئين يأتي بعد ذلك لتفصل كل مجموعة من مجموعاته في سورة البقرة من بدايتها على ترتيب، وكل ذلك سنراه تفصيلا بإذن الله. *** لقد فصلت سورة آل عمران في مقدمة سورة البقرة نوع تفصيل. وفي المجموعة الأولى من قسم المئين تأتي سورة يونس لتفصل في مقدمة سورة البقرة تفصيلا آخر. وفصلت سور: النساء والمائدة والأنعام في المقطع الأول بعد المقدمة نوع تفصيل، وتأتي في المجموعة الأولى من قسم المثاني: سور هود، ويوسف، والرعد، لتفصل في المقطع الأول تفصيلا آخر. وكما أن سورتي الأنفال وبراءة فصلتا في محور بعيد من المقطع الثاني في سورة البقرة فإن سورة إبراهيم هنا تفصل في محور بعيد من المقطع الثاني في سورة البقرة. ثم تأتي المجموعة الثانية من قسم المئين لتفصل في سورة البقرة من بدايتها إلى نهايتها، بتفصيلها محاور من سورة البقرة تختلف أو تتفق مع ما فصلته سور أخرى، ولكن على حسب ترتيب ورودها في سورة البقرة دون اشتراط التعاقب

стр. 2288

إن مجموعة ما عند ما تفصل في سورة البقرة فإنها تفصل في محاور على ترتيب سورة البقرة، ولكن ليس شرطا أن تكون هذه المحاور وراء بعضها مباشرة في سورة البقرة. فقد يكون هناك فاصل بين المحور والمحور، ولكن من الملاحظ أن مجموعة ما عند ما تفصل في محاور متعددة فإن هذه المحاور من سورة البقرة تربطها مع بعضها روابط متينة في عالم المعنى، وسنرى ذلك بشكل واضح أثناء التفصيل- إن شاء الله- وهاهنا سنقدم نموذجا: *** لقد كان أكثر ما انصب عليه تفصيل سورة آل عمران من مقدمة سورة البقرة هو توضيح صفات المتقين والكافرين. وسنرى أن سورة يونس سينصب تفصيلها على الآية الأول من مقدمة سورة البقرة الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. ولقد انصب تفصيل سورة النساء على الآيات الخمس الآتية بعد مقدمة سورة البقرة وخاصة على التقوى من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وسنرى أن سورة هود سينصب تفصيلها على قوله تعالى: اعْبُدُوا من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وأن سورة يوسف سترينا مصداق قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ. فسورتا: هود ويوسف تفصلان في الآيات الخمس التي فصلت فيها سورة النساء، ولكنهما تركزان على نقاط بعينها، بينما ركزت سورة النساء على نقاط أخرى، وسورة الرعد تفصل في نفس المحور الذي فصلت فيه سورة المائدة، مع تركيزها على نقاط بعينها. ثم تأتي سورة إبراهيم فتفصل في آية بعيدة في سورة البقرة هي: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ. ولو أنك أتيت إلى محاور هذه المجموعة كلها من سورة البقرة ووضعتها بجانب بعضها لرأيت أنك أمام موضوع متكامل.

стр. 2289

فمع أن سورة البقرة لها سياقها، وتترابط آياتها ببعضها ترابطا واضحا فإن المجموعات التي تفصل في محاور من سورة البقرة تربط المعاني في سورة البقرة إلى بعضها برباط جديد، لتريك أن هناك صلات بين آيات سورة البقرة ذات الموضوع الواحد ولو تباعد ما بين هذه الآيات. وهذه قضايا تظهر للإنسان من خلال التتبع والتأمل، ولذلك نذكرها هنا لمجرد الإشارة إليها، وسيأتي التفصيل إن شاء الله تعالى *** تأتي المجموعة الأولى من قسم المئين موطأة لمعاني المجموعة الثانية، وتأتي المجموعة الثانية وتبدأ بسورة الحجر التي تكاد أن تكون عرضا سريعا لكل الأوليات، ثم تأتي سور المجموعة الثانية لتفصل في معان من سورة البقرة لم تأت سور من قبل تفصلها، وبذلك يوضع في قسم المئين أساسان يوطان المجموعة الثالثة. ثم تأتي المجموعة الثالثة في قسم المئين فتكمل بناء القسم في تفصيلها لمحاورها من سورة البقرة تفصيلا يكمل عمل المجموعتين السابقتين. وتتشابه المجموعات الثلاث في هذا القسم في أن كلا منها تفصل في محاور من سورة البقرة من الابتداء حتى الانتهاء، كما تشابه في أن كلا منها تنطلق انطلاقات متشابهة في تاكيد الإيمان بالقرآن، ثم تسير في طريق تعميق الالتزام، ثم تصل إلى الوعظ والتذكير، ثم إن هذه المجموعات الثلاث كل منها يكمل الآخر؛ ومن ثم كانت قسما واحدا *** وهذا أوان عرض المجموعة الأولى من قسم المئين وهي سور: يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم. وسنرى بعد عرضها ما الذي دلنا على أنها مجموعة متكاملة ضمن قسم المئين

стр. 2290

سورة يونس وهي السورة العاشرة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة الأولى من قسم المئين، وآياتها مائة وتسع وهي مكية

стр. 2291

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 2292

كلمة في سورة يونس ومحورها: يلاحظ أن أول آية في سورة يونس هي قوله تعالى الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ثم يأتي قوله تعالى: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ وفي الآية (٣٨) نجد قوله تعالى أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. ألا ترى أن هذا يقابل قوله تعالى في سورة البقرة الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ثم نجد قوله تعالى في سورة يونس الآية: ٥٧): يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ألا ترى أن هذا يقابل قوله تعالى في خاتمة الآية الأولى من سورة البقرة هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وإذا نظرت إلى ما ختمت به سورة يونس وهي قوله تعالى: وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ. فأنت ترى- ابتداء- أن محور سورة يونس هو قوله تعالى في سورة البقرة الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فإذا كانت سورة آل عمران قد فصلت مقدمة سورة البقرة كلها، فإن سورة يونس تفصل الآية الأولى من سورة البقرة، ويكون مجئ الر في السور الأولى من هذه المجموعة فيه إشارة إلى نوع جديد من التفصيل، فالسورة إذا تقرر كيف أن هذا القرآن لا ريب فيه، وتناقش المرتابين الذين هم أحد اثنين: إما مستغربون أن ينزل الله وحيا، أو متهمون لرسول الله ﷺ بالكذب. وترد على هؤلاء وهؤلاء، ولكن لا بطريقة البشر في الرد، إنها ترد بأسلوب هو وحده كاف ليدل على أن الريب في غير محله، ثم تقرر السورة كيف أن القرآن هدى، ثم تختم السورة بالتذكير والتلخيص لمضمونها كله. فالسورة تتألف من مقدمة هي آية واحدة تشعر بموضوع السورة كله، ثم يأتي جسم السورة وهو يتألف من ثلاثة أقسام ينتظمها محور السورة العام. *** إنه ليس من المصادفة أن تكون سورة يونس على مثل هذا الترابط مع أول آية من سورة البقرة لولا أن ما اتجهنا إليه في الربط بين سور القرآن كان صحيحا: إن أول سورة البقرة هو: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ تأمل هذه

стр. 2293

الآية، وتأمل المسرى العام لسورة يونس من خلال تأمل الآيات التالية: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ .. وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ لاحظ كلمة لا رَيْبَ فِيهِ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ .... يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لاحظ كلمة وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لاحظ كلمة فِي شَكٍّ قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاحظ كلمة فِي شَكٍ قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ ... *** لو أنك نظرت هذه الآيات بتأمل لوجدتها: إما أنها تتحدث عن الشك وتزيل أسبابه، أو أنها تتحدث عن هداية القرآن والاهتداء به، وكل ذلك مرتبط بقوله تعالى من سورة البقرة: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ........... إنه بسورة يونس يبدأ التفصيل الثاني لسورة البقرة بتفصيل أول آية فيها، ولكن- كما رأينا من قبل- أن السورة عادة لا تفصل محورها فقط بل تفصل محورها وامتداداته وارتباطاته من سورة البقرة نفسها، وهذا الذى نراه في سورة يونس. *** ولقد فطن الألوسي إلى مجموعة روابط تربط بين سورة يونس وسورة براءة التي سبقتها فقال: (ووجه مناسبتها لسورة براءة أن الأولى ختمت بذكر الرسول صلى الله عليه وسلم

стр. 2294

وهذه ابتدئت به، وأيضا أن في الأولى بيانا لما يقوله المنافقون عند نزول سورة من القرآن وفي هذه بيان لما يقوله الكفار في القرآن حيث قال سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ الآية وقال جل وعلا وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ وأيضا في الأولى ذم المنافقين بعدم التوبة والتذكر إذا أصابهم البلاء في قوله سبحانه: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ على أحد الأقوال. وفي هذه ذم لمن يصيبه البلاء فيرعوي ثم يعود وذلك في قوله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ وفي قوله سبحانه: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ إلى أن قال سبحانه: فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وأيضا في الأولى براءة الرسول ﷺ من المشركين مع الأمر بقتالهم على أتم وجه، وفي هذه براءته ﷺ من عملهم، ولكن من دون أمر بقتال، بل أمر فيها ﵊ أن يظهر البراءة فيها على وجه يشعر بالإعراض وتخلية السبيل، كما قيل على ضد ما في الأولى، وهذا نوع من المناسبة أيضا، وذلك في قوله تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) كما فطن صاحب الظلال ﵀ إلى الصلة بين بداية سورة يونس وخاتمتها فقال: (والترابط في سياق السورة يوحد بين مطلعها وختامها. فيجئ في المطلع قوله تعالى: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ* أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ .. ويجئ في الختام: وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ .. فالحديث عن قضية الوحي هو المطلع وهو الختام. كما أنه هو الموضوع المتصل الملتحم بين المطلع والختام)

стр. 2295

القسم الأول من سورة يونس ويمتد حتى نهاية الآية (٥٦) حيث يأتي بعد ذلك قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ ... وهذا القسم يتألف من آية هي مقدمة السورة، ومقطعين يناقشان الريب في القرآن: المقطع الأول بدايته: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ فهذا المقطع يناقش الكافرين بأصل الوحي والمقطع الثاني بدايته: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ .. فهذا المقطع يناقش المكذبين بالقرآن، فالقسم بمجموعة يناقش الريب في القرآن، فهو إذن يصب في تفصيل قوله تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ فهذا القسم في السورة يؤكد أن هذا القرآن لا ريب فيه، ثم يأتي القسم الثاني ليؤكد أن هذا القرآن هدى ويجب أن يهتدى به *** تبدأ السورة بآية تدل على مضمون السورة وهي: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ فالآية الأولى في السورة تذكر حكمة الكتاب، وذلك يؤكد أنه لا ريب فيه، وأنه هدى يجب أن يهتدي الناس به، فهذه الآية التي هي مقدمة السورة تشير إلى مضمون السورة، كما أنها في محلها تحقق ما يسمى في علم البلاغة (ببراعة الاستهلال) على أعظمه وأروعه، ولله ولكتابه المثل الأعلى، وتنزه كتابه وكلامه أن يشبه كلام البشر. وسنعرض مقدمة السورة مع المقطع الأول من القسم الأول معا وهذا أوان الشروع في ذلك

стр. 2296

مقدمة السورة والمقطع الأول من القسم الأول المقدمة آية واحدة ثم يأتي المقطع ويستمر حتى نهاية الآية (٣٧) وهذا هو مع المقدمة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة يونس (١٠): الآيات ١ الى ٣٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦) وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧)

стр. 2297

ملاحظة حول طريقتنا في تفسير ما سيأتي من القرآن: في ما مر معنا من التفسير حرصنا أن نأتي بالمعاني العامة للآيات المفسرة، ثم نتبعها بالتفسير الحرفي، وكان ذلك يضطرنا إلى التكرار، وقد ألجأنا إلى ذلك حرصنا على عرض معاني ما نفسره متسلسلا؛ لتأكيد وحدة المقطع، أو القسم، أو المجموعة، ونعتقد أن ما مر كان كافيا لتأكيد ما أردناه، ولذلك ورغبة في الاختصار فإننا لن نسير بعد الآن على مبدأ ذكر المعنى العام ثم المعنى الحرفي، بل سنكتفي بذكر المعنى الحرفي. كلمة بين يدي الآيات: إن الناس الذين ينكرون الوحي إنما يفعلون ذلك لأن تصوراتهم عن أمور كثيرة مغلوطة ومن ثم، وهذه الآيات تناقش هؤلاء فإنها تصحح كل المفاهيم التي تؤدي إلى إنكار الوحي، وهذا شئ لا بد من تذكره لإدراك الصلة بين الآيات. قلنا: إن القسم الأول من سورة يونس يناقش المرتابين في هذا القرآن، ويؤكد أن هذا القرآن لا ريب فيه، وقلنا: إن المقطع الأول من القسم الأول يناقش الذين ينكرون أصل الوحي، وهاهنا نقول: إن مناقشة المنكرين لأصل الوحي إنما كانت كجسر يوصل إلى مناقشة المرتابين في القرآن، لذلك نجد في هذا المقطع قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ

стр. 2298

آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ كما نجد أن المقطع قد ختم بقوله تعالى وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ فهذا يؤكد أن مناقشة المنكرين لأصل الوحي إنما هو جسر لإقامة الحجة على المرتابين في هذا القرآن المعنى الحرفي لمقدمة السورة وللمقطع الأول من القسم الأول فيها: الر قد تقدم الكلام عن هذه الحروف أكثر من مرة وأقوى الأقوال فيها: أنها تدل على اسم من أسماء الله، أو صفة من صفاته، أو أنها أسماء للسور التي استهلت بها، أو أنها إشارة إلى التحدي والإعجاز، أو أنها للتنبيه بين يدي المعاني، أو أنها مفاتيح لجرس السورة ونغمتها، أو أنها مفاتيح لفهم الوحدة القرآنية، أو أنها إشارة إلى وجود نسبة معينة لهذه الحروف في سورها ولا يمنع أن يكون ذلك كله مرادا من الاستفتاح بها. والله أعلم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ أي هذه آيات القرآن المحكم البين الحكمة، فالقرآن حكيم لاشتماله على الحكمة، والقرآن محكم لخلوه عن الكذب والافتراء والزيادة والنقصان، هذه الآية هي مقدمة هذه السورة، وفيها إشارة إلى الحكمة والإحكام في القرآن، فهو حكيم في اختيار ألفاظه، حكيم في ترتيب كلماته، حكيم في ترتيب آياته في السورة الواحدة، حكيم في ترتيب سوره في المجموعة أو القسم أو فيه كله، حكيم فيما تضمنه من معان وتوجيهات، وتربية وتشريع وتعليم، محكم في هذا كله لا يمكن نقضه، ولا يمكن أن يوجد فيه خلل، فكما أن في هذا الكون حكمة لأنه خلق الله الحكيم، ففي هذا القرآن حكمة لأنه كلام الله الحكيم، وكما أن الحكمة في هذا الكون لا يحيط بها إلا خالقها، فالحكمة في هذا القرآن لا يحيط بها إلا منزل هذا القرآن، وإنما يرى الخلق منها بقدر نور بصائرهم، وإذ كان القرآن حكيما فذلك دليل على أنه من عند الله، وذلك يقتضي من الخلق أن يهتدوا، وهذا هو مضمون السورة التي جاءت الآية الأولى فيها مقدمة لها. ثم يبدأ المقطع الأول وتعرض الآية الأولى منه عجب الكافرين أن ينزل الله وحيا، ويبعث رسولا مع تعجيبها من هذا العجب فتقول أَكانَ

стр. 2299

لِلنَّاسِ عَجَباً الهمزة لإنكار التعجب منه أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ أي سابقة وفضلا ومنزلة رفيعة عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ أي إن هذا الرسول واضح السحر. فوائد: ١ - أنكر الله تعالى في هذه الآية على من تعجب من الكفار من إرسال المرسلين من البشر، وذلك دأب الناس من كل رسالة، بما في ذلك رسالة رسولنا ﷺ قال ابن كثير: قال الضحاك عن ابن عباس: لما بعث الله تعالى محمدا ﷺ رسولا أنكرت العرب ذلك- أو من أنكر منهم- فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد فأنزل الله : أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً قال النسفي: (فقد كانوا يقولون: العجب أن الله لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب. واستتبع عجبهم هذا؛ العجب من ذكر البعث والإنذار بالنيران، والتبشير بالجنان) وقد رد النسفي هذا العجب فقال: وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب، لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلا بشر مثلهم. وإرسال اليتيم أو الفقير ليس بعجب أيضا؛ لأن الله تعالى إنما يختار للنبوة من جمع أسبابها، والغنى والتقدم في الدنيا ليس من أسبابها، والبعث للجزاء على الخير والشر هو الحكمة العظمى، فكيف يكون عجبا؟ إنما العجب والمنكر في العقول تعطيل الجزاء. ٢ - عبر بالآية عن السابقة والفضل والمنزلة الرفيعة بالقدم الصدق؛ لأن السعي والسبق إنما يكون بالقدم، ولذلك سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدما، كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد، وإضافة القدم إلى الصدق فيه دلالة على زيادة الفضل المعطاة لأصحاب ذلك من الله، ويمكن أن يفسر قدم الصدق بمقام الصدق أو سبق السعادة. وقد توسع الألوسي في هذا المقام مبينا معنى (قدم صدق) ثم استطرد في ذكر استعمالات العرب لكلمة «القدم» مجازا فقال: قَدَمَ صِدْقٍ أي سابقة ومنزلة رفيعة عِنْدَ رَبِّهِمْ وأصل القدم العضو المخصوص، وأطلقت على السبق مجازا مرسلا لكونها سببه وآلته، وأريد من السبق الفضل والشرف، والتقدم المعنوي إلى المنازل الرفيعة مجازا أيضا، فالمجاز هنا بمرتبتين، وقيل: المراد تقدمهم على غيرهم في دخول الجنة لقوله ﷺ : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» وقوله ﷺ : «إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى

стр. 2300

أدخلها أنا، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتي» وقيل: تقدمهم في البعث، وأصل الصدق ما يكون في الأقوال، ويستعمل- كما قال الراغب- في الأفعال فيقال: صدق في القتال إذا وفاه حقه، وكذا في ضده يقال: كذب فيه، فيعبر به عن كل فعل فاضل ظاهرا أو باطنا، يضاف إليه كمقعد صدق، ومدخل صدق، ومخرج صدق، إلى غير ذلك.) كلمة في السياق: محور هذه السورة كما قلنا من قبل- أول آية في سورة البقرة وهي قوله تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فهي تفصيل لهذه الآية، ومن ثم فإن هذه السورة تستأصل الشك، وتهيج على اتباع القرآن، ووصف القرآن بالحكمة في الآية الأولى، والبدء في هذا المقطع بعرض عجب الكافرين من الوحي، والتعجب منه، هو سير في هذا الطريق، فالشك بالقرآن تعود أسبابه إما إلى الشك بأصل الوحي، أو الشك بالموحى إليه. وهذا المقطع الذي بين أيدينا ينسف الشك بأصل الوحي بتبيان أن وحي الله وإرسال الرسل ضرورة لا محيص عنها. فكيف تكون مستغربة! وقد ذكر المقطع عدة مجموعات من الآيات، كل مجموعة تنسف العجب من إنزال الوحي بشكل من الأشكال، فلننتقل الآن إلى عرض المجموعة الأولى لنرى ما قلناه واضحا: المجموعة الأولى إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ فهو مربيكم وسيدكم ومالككم، ومن كان كذلك فكيف يترككم بدون هداية ووحي وإنذار! الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وهل هي كأيامنا، أو كل يوم منها بألف سنة، أو المراد غير هذه وهذه؟ أقوال للمفسرين وستأتي. ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قال ابن كثير: (والعرش أعظم المخلوقات وسقفها) أقول: العرش مخلوق غيبي، يجب الإيمان به، ونمسك عن التفصيل في شأنه، إلا في الحدود التي فصلت فيها النصوص، والنص في سياقه يفيد أن من كانت السموات والأرض خلقه، والعرش في سلطانه، فكيف يستغرب أن يوحي إلى خلقه ليوجههم ويأمرهم وينهاهم. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي أمر الخلق كله. وأمر ملكوت السموات والأرض والعرش. ومعنى (يدبر) يقضي ويقدر على مقتضى الحكمة، بدأ بالتذكير بربوبيته وما يدل على عظمته وملكه، من خلقه السموات والأرض، وأتبعها بتذكيره بتدبير أمر الخلق كله؛ ليعلم الجاحدون رسالاته أن الذي يدبر السموات والأرض يدبر البشر بإرساله رسلا لهم، وإنزاله وحيا عليهم. ما مِنْ

стр. 2301

شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ أي: لا يشفع شافع عنده إلا إذا إذن له، وهذا تذكير بكمال عزته وكبريائه، وإذا كان كذلك فكيف يتوهم الجاحدون ألا ينزل وحيا، وألا يطالب عباده بتكليف. ذلِكُمُ العظيم الموصوف بما تقدم اللَّهُ رَبُّكُمْ وإذ كان ربكم فإنه سيأمركم وينهاكم عن طريق الوحي. فَاعْبُدُوهُ أي أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، فهو الذي يستحق العبادة لا غيره من إنسان أو ملك، أو طبقة، فضلا عن غير ذلك من معنى أو جماد. وإذ كان هو المستحق للعبادة التي يدخل فيها معرفته وطاعته، والقيام بوظائف العبودية له، فكيف الطريق إلى ذلك إلا بواسطة الوحي. أَفَلا تَذَكَّرُونَ أي أيها الجاحدون إنزال الوحي وإرسال الرسل، وأيها المشركون به غيره، ألا تتدبرون فتستدلون بوجود هذا الخلق على الخالق، وتعرفون بذلك صفاته، وتتذكرون أن من هذا شأنه لا يترك عباده بلا وحي وأمر ونهي، وثواب وعقاب، وهكذا، وبآية واحدة هدم الشبهة الأولى التي تحول دون الإيمان بهذا القرآن، وهي شبهة من يستبعد أصلا أن ينزل الله وحيا. فوائد: ١ - قال ابن كثير، وقال الدراوردي عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة أنه قال حين نزلت هذه الآية إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية لقيهم ركب عظيم لا يرون إلا أنهم من العرب. فقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا: من الجن، خرجنا من المدينة، أخرجتنا هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم. ٢ - رأينا أن السورة بعد مقدمتها عرضت لشبهة وردتها، ولنتساءل الآن عن مظنة وجود هذه الشبهة في الفكر العالمي؟. نقول: إن من درس تاريخ الفلسفة يجد أن هذه الشبهة تكاد تكون أحد أركان الفكر الفلسفي في العالم، فمنذ أريسطو- بل من قبله حتى الآن- تجد الفكر الفلسفي- بما في ذلك الفكر الذي يثبت وجود الله- يعتقد أن الله لا يتدخل في شئون خلقه، بل كان أريسطو يتصور أن الله منصرف عن خلقه أصلا، لا يعنيه من أمورهم شيئا، فهو مشغول بكونه سعيدا- تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا- ومن درس وضع العالم المعاصر يجد أن أكثر الخلق هذا شأنهم، فأكثر المجتمعات، وأكثر المفكرين، لا ينكرون وجود الله، ولكن إيمانهم بوجوده يرافقه عدم استعداد للتلقي عنه، أو على الأصح استغراب أن ينزل وحيه، وأن يكون وحيه ملزما وموجها، وخذ مثلا أمريكا،

стр. 2302

فأمريكا تكتب على دولارها «بالله نؤمن» ولكن دستورها يعتبر من الجرائم حمل المجتمع الأمريكي على دين يكون هو الحاكم، فماذا يعني هذا وأمثاله، وقد أصبح مثل هذا هو المسيطر على التفكير البشري، إلا أن البشر في عصرنا تواضعوا على أن الله لا علاقة له بشئونهم؟ وهل هذا إلا ما عرضته الآية الأولى في المقطع وهل الجواب عليه إلا ما جاء في الآية الثانية ٣ - من الشبهات التي يثيرها الرافضون لتحكيم كتاب الله، ولتحكيم شريعته؛ أن هناك دعاوى كثيرة في هذا الشأن، وأن هناك اختلافات كثيرة، وهذا من أكبر الجهل والظلم، فكثرة الخلاف لا تعني فقدان الحق، ثم لا تقتضي تركه، بل كثرة الخلاف تبعث على العلم وبذل الجهد للوصول إلى اليقين، ومن بذل أدنى جهد عرف أن دينا هذا القرآن كتابه هو الحق الخالص. *** وبعد أن هدم الله شبهة المنكرين لأصل الوحي، ذكر الله عباده ووعظهم، فأخبر أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة، لا يترك منهم أحدا إلا ويعيده كما بدأه. وأن حكمته في إرجاع الخلق إليه وبعثهم هو مجازاة المكلفين. فمقتضى عدله أن يثيب المطيع ويعاقب العاصي، ومن ثم اقتضى ذلك أن يكون هناك يوم آخر. وإذ كان الأمر كذلك فكيف يستغرب المستغربون أن ينزل وحيا ينذر الناس بما أمامهم، ويبشر الصالحين بما أعد لهم، بعد أن يدلهم على طريق الإيمان والعمل الصاح. قال تعالى: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً أي إلى الله رجوعكم ومآلكم كلكم، فلا ترجعون في العاقبة إلا إليه؛ فاستعدوا للقائه باتباع وحيه وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي هذا وعده الجازم المؤكد أن يعيدكم إليه جميعا. إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ هذا تعليل لإمكان العودة وقد شاءها الله فما المانع من ذلك. وتعليل لوجوب المرجع إليه فمن بدأ الخلق قادر على أن يعيده وقد أوجب الرجوع إليه لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ أي العدل والجزاء الأوفى، أي ليكافئهم بعدله ويوفيهم أجورهم، أو ليكافئهم بسبب عدلهم إذ آمنوا ولم يظلموا، وهذا بيان للحكمة من ابتداء الخلق وإعادته، فالحكمة هي جزاء المكلفين على أعمالهم وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ أي بالغ نهاية الحرارة وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ أي بسبب كفرهم يعذبون يوم القيامة بأنواع العذاب من سموم وحميم، وإذا كان هذا وعده، وإذا كان هذا كائنا لا محاله، فكيف يستغرب الجاحدون أن ينزل وحيا؟ وكيف يتهمون رسوله بالسحر! فالآية وعظ

стр. 2303

وتذكير وتدليل وهي- في الوقت نفسه- تحطيم لإنكار الكافرين أصل الوحي فائدة: إن الإيمان بالله يلازمه الإيمان باليوم الآخر، فمن عرف الله آمن باليوم الآخر، إن من عرف علم الله وقدرته لم يستغرب الإعادة والحساب، ومن عرف عدل الله لم يستغرب أن يوجد يوم لتحقيق العدل المطلق، ومن عرف انتقامه لم يستغرب أن يوجد يوم آخر يعذب به أعداءه. ومن عرف كرمه لم يستغرب أن يعد لأوليائه جنته، كيف وقد أرسل الرسل للتبشير بجنته والإنذار بناره، فكيف يستغرب المستغربون؟؟ إن علة عصرنا الرئيسية هي الغفلة عن الله واليوم الآخر، والغفلة عما تقتضيه معرفة الله واليوم الآخر، من التزام بوحي الله، واتباع رسوله ﷺ وشريعته، ولا دواء لهذه الغفلة إلا بالذكر، وتلاوة القرآن، وبالعلم، وإلا بصحبة الذاكرين، والعلماء العاملين، الطالبين لوجه الله، الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة. *** هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً أي ذات ضياء وَالْقَمَرَ نُوراً أي ذا نور، والضياء أقوى من النور، ولذا جعله للشمس، جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء، وجعل شعاع القمر نورا؛ مما يشعر بأن هناك فارقا ما، وقد ظهر في عصرنا بوضوح الفارق بين الشمس والقمر. إذ أن نور القمر انعكاس لضياء الشمس. فالشمس نورها منها، والقمر نوره مستمد من الشمس. وهكذا تظهر معجزات القرآن يوما فيوما، ففي كل يوم جديد وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ أي وقدر سير القمر منازل: أو قدره ذا منازل: فأول ما يبدو صغيرا، ثم يتزايد نوره حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى. وهكذا كل شهر قمري لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ أي لتعلموا بالشمس والقمر عدد السنين والشهور والأيام، وحساب الآجال والمواقيت المقدرة بالسنين والشهور. قال ابن كثير: (فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام). أقول: وبالشمس تعرف السنون الشمسية، وبالقمر تعرف السنون القمرية ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ أي ما خلق الله المذكور إلا متلبسا بالحق الذي هو الحكمة البالغة ولم يخلقه عبثا يُفَصِّلُ الْآياتِ أي يبين الحجج والأدلة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي لقوم عندهم علم بدقائق هذا الكون، فإذا كان لهم تدبر وتأمل ينتفعون بهما. وإذا كان الله يفعل مثل هذا

стр. 2304

لمصلحة عباده، فكيف يهملهم، فلا يهديهم ولا ينزل عليهم وحيا يبشرهم وينذرهم، ألا إن عجب الناس من أن ينزل الله وحيا في غير محله. وهكذا نرى أن الشبهة الأولى ضد هذا القرآن تتحطم بشكل ثم بآخر إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي في مجئ كل واحد منها خلف الآخر، أو في اختلاف لونيهما، أو في تعاقبهما، إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا ذهب هذا جاء هذا، لا يتأخر عنه، أو اختلافهما بالذهاب والمجئ والزيادة والنقصان وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ أي من الآيات الدالة على عظمته من ظاهر للجميع أو ظاهر للبعض وَالْأَرْضِ من الخلائق والعجائب والدلائل لَآياتٍ أي دلالات على قدرته تعالى لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ أي يتقون الله باتقاء عقابه وسخطه وعذابه، خصهم بالذكر لأنهم يحذرون الآخرة فيدعوهم الحذر إلى النظر، كأن الله بعد أن أقام الحجة على ضرورة إنزال الوحي من خلال ذكره عنايته بخلقه، نبه تعالى أن الآيات في هذا الكون التي تدل على كمال عنايته لا يعرفها ولا ينتفع بها إلا المتقون، فلا يستغرب إذن أن يكون كثير من الناس بمنأى عن الانتفاع، وبالتالي فهم مبتعدون عن الوحي المنزل. ثم عقب الله بخمس آيات تبين السبب الرئيسى للكفر بالوحي وهو الكفر بالآخرة والاطمئنان للدنيا، وتدل على الطريق الصحيح للوصول، وتذكر بعض الأسباب التى تجعل الناس يكفرون، فالكفر أثر عن الجهل بالله وسننه. ففي الآيات الخمس الآتية مزيد بيان في شأن الكفر بالوحي والإيمان به *** ويلاحظ أن المقطع الذي بين أيدينا بدأ بقوله تعالى أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ... وهي تنتهي بإنذار الكافرين وتبشير المؤمنين. وكما أن ذكر الإنذار في الآية الأولى سبق، فإن الإنذار هنا يسبق التبشير .......... إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا بالبعث، أي لا يتوقعونه أصلا، ولا يخطرونه ببالهم؛ لغفلهم عن التفطن للحقائق، أو لا يؤملون حسن لقائنا كما يؤمله السعداء، أو لا يخافون خطر لقائنا الذي يجب أن يخاف وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا أي بدل الآخرة، بإنكارهم للآخرة وإيثارهم القليل الفاني على الكثير الباقي فجعلوا الحياة الدنيا منتهى

стр. 2305

رضاهم وَاطْمَأَنُّوا بِها أي واطمأنت إليها نفوسكم حتى لم يبق بها أي مزعج يحركها نحو الآخرة. قال النسفي (أي: وسكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها فبنوا شديدا وأملوا بعيدا) أو وتصرفوا بحرية كأنهم أرباب وفروا من العبودية ومن التذكير بها: وهذا وضع أكثر الخلق الآن، بل على هذا النوع من التفكير تقوم الحضارة العالمية والمدينة العالمية بمؤسساتها وصورها وفروعها، كل شئ في عصرنا يقوم على تعظيم الدنيا وتمجيدها، وبالتالي التهالك على كسبها وملاذها ومفاتنها ولهوها دون النظر إلى الآخرة. ثم كمل وصف هذا النوع من الناس وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا أي دلائل وحدانيتنا غافِلُونَ أي تاركون النظر فيها فلا يتفكرون. فهؤلاء ما جزاؤهم؟ أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ أي مقرهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي بسبب كسبهم فهي عقوبة في مقابل ذنب. قال الحسن البصري واصفا حال هؤلاء أخذا من الآية: (والله ما زينوها ولا رفعوها حتى راضوا بها وهم غافلون عن آيات الله الكونية، فلا يتفكرون فيها، والشرعية فلا يأتمرون بها بأن مأواهم يوم معادهم النار جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والجرائم، مع ما هم فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ أي يسددهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك الطريق السوي المؤدي إلى الثواب، أو يهديهم ربهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة. وفي الآية بشارة لمن آمن وعمل صالحا بأن الله يتولى أمره ويكمل عليه نعمته تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، دَعْواهُمْ فِيها أي دعاؤهم فيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ أي يدعون الله بقولهم سبحانك اللهم تلذذا بذكره. وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ أي يحيي بعضهم بعضا بالسلام، أو هي تحية الملائكة إياهم، أو تحية الله لهم سلام وَآخِرُ دَعْواهُمْ أي وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح أن يقولوا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال النسفي: قيل أول كلامهم التسبيح وآخره التحميد. فيبتدءون بتعظيم الله وتنزيه، ويختمون بالشكر والثناء عليه، ويتكلمون بينهما بما أرادوا. قال ابن جريج: أخبرت أن قوله دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ قال: إذا مر بهم الطير يشتهونه، قالوا: سبحانك اللهم وذلك دعواهم؛ فيأتيهم الملك بما يشتهونه فيسلم عليهم فيردون عليه، فذلك قوله وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ قال: فإذا أكلوا حمدوا

стр. 2306

الله ربهم، فذلك قوله: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال سفيان الثوري: إذا أراد أحدهم أن يدعو بشيء قال: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ. وختم ابن كثير الكلام على الآية الأخيرة بقوله: «هذا فيه دلالة على أنه هو المحمود أبدا، المعبود على طول المدى، ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه واستمراره، وفي ابتداء كتابه، وعند تنزيله حيث يقول تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ (الكهف: ١) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ (الأنعام: ١) إلى غير ذلك من الأحوال التي يطول بسطها، وأنه المحمود في الأولى الآخرة، في الحياة الدنيا وفي الآخرة في جميع الأحوال، ولهذا جاء في الحديث: «إن أهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس» وإنما يكون ذلك لما يرون من تزايد نعم الله عليهم، فتكرر وتعاد وتزداد فليس لها انقضاء ولا أمد، فلا إله إلا هو ولا رب سواه) ثم أخبر تعالى عن حكمته ولطفه بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم، أو على أموالهم، أو على أولادهم بالشر، في حال ضجرهم وغضبهم، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك. فلهذا لا يستجيب لهم- والحالة هذه- لطفا ورحمة، كما يستجيب لهم إذا ادعوا لأنفسهم، أو لأموالهم، أو لأولادهم بالخير والبركة والنماء، فيسبب من ذلك يبقى الكافرون بالآخرة مترددين متحيرين كأثر من آثار استجابة الدعاء أحيانا، وعدم استجابته أحيانا كأثر من حلمه ، وصبره وإمهاله لعباده، وعدم التعجيل لهم. وختم هذه المجموعة بهذه الآية فيه استكمال للحجج الواردة في هذه المجموعة، فإنكار الوحي أثر عن أشياء كثيرة، منها الكفر باليوم الآخر، وهذه الآية تذكر سببا من أسباب كفر الكافرين باليوم الآخر، فالله رحيم بعباده لطيف بهم، ومن ثم فإنه لا يعجل لهم الشر، وهذا كله تخفى حكمته على من لا يؤمن باليوم الآخر، ومن ثم فإنهم يستمرون فيما هم فيه من طغيان، متحيرين مترددين، بدلا من أن يؤمنوا ويتابعوا الوحي قال تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ أي كاستعجالهم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ بأن يهلكهم ولكن يمهلهم فَنَذَرُ أي نترك الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا أي لا يؤمنون بالآخرة فِي طُغْيانِهِمْ في تجاوزهم حدود الله يَعْمَهُونَ أي يترددون ويتحيرون. فصار المعنى: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما نعجل لهم الخير ونجيبهم لأميتوا وأهلكوا، وقد تضمن هذا نفي التعجيل، فبسبب

стр. 2307

من ذلك يبقى الكافرون في شركهم وضلالهم ويترددون بما يمهلهم الله، ويفيض عليهم النعمة- مع طغيانهم- إلزاما للحجة عليهم. ملاحظة: لاحظ الصلة بين قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا الآية الثانية من الآيات الخمس الأخيرة وبين قوله تعالى فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ في الآية الحادية عشرة التي هي آخر آية في المجموعة الأولى من المقطع، مما يشير إلى أن الآيات الخمس الأخيرة متكاملة في مجموع تقريراتها، وقد ذكرنا من قبل محل هذه التقريرات في السياق فائدة: بمناسبة قوله تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ذكر ابن كثير ما رواه البزار في مسنده عن جابر قال رسول الله ﷺ : «لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم». كلمة في السياق: رأينا أن سورة يونس مبدوءة بمقدمة هي الآية الأولى منها، ثم ذكرت موقفا من مواقف الكافرين من الوحي والرسول والقرآن أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ ثم جاءت المجموعة الأولى من المقطع الأول وهي التي مرت معنا فهدمت عجبهم، وهدمت دعواهم، والآن تأتي مجموعة أخرى تهدم العجب والاستبعاد، وتهدم اتهام الرسول ﷺ بالسحر فلنر المجموعة الثانية من المقطع الأول من القسم الأول من سورة يونس: المجموعة الثانية وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ أي أصابه الضر دَعانا أي دعا الله لإزالته لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً معناه أن المضرور لا يزال داعيا لا يفتر عن الدعاء حتى

стр. 2308

يزول عنه الضر، فهو يدعونا في حالاته كلها، سواء كان مضطجعا عاجزا عن النهوض، أو قاعدا لا يقدر على القيام، أو قائما لا يطيق المشي فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ أي أزلنا ما به مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ أي مضى على طريقته الأولى قبل مس الضر ونسي، أو مر عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به، كأنه لم يدعنا، أخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا أصابه الضر وأصابته الشدة، وكيف أنه يجزع ويكثر الدعاء عند ذلك. فإذا فرج الله شدته، وكشف كربته، أعرض وذهب كأنه ما كان به من ذلك شئ. ثم ذم تعالى من هذه صفته وطريقته كَذلِكَ أي مثل ذلك التزيين زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ أي للمجاوزين الحد في الكفر، والمزين هو الشيطان بوسوسته ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الإعراض عن الذكر، والصد عن سبيل الله، واتباع الكفر. وهكذا بدأت هذه المجموعة تكمل الحجج على الكافرين في إنكارهم الوحي. فكأنها قالت: أنتم أيها الكافرون إذا أصابكم الضر تجأرون إلى الله في الدعاء، مما يدلل على أنكم تعتقدون أن الله لا يهملكم، فكيف إذن تتعجبون أن ينزل وحيا ويرسل رسولا؟! فكما أنكم إذا دعوتموه فأجابكم تنسون نعمته عليكم فهكذا هنا تنسون وحيه وتعجبون منه هذا شأنكم الإسراف في كل شئ. وفي هذا السياق ذكرهم بأن إرسال الرسل سنته في الأمم السابقة، وهددهم أن إهلاك المكذبين كذلك سنته، وذكرهم أنهم سائرون في الطريق نفسه فليحذروا. وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ أي الأمم مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا أي لما أشركوا وظلموا بالتكذيب وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي المعجزات الدالات على صدقهم وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ولذلك استحقوا الهلاك، فمهما بقوا فإنهم مصرون على الكفر يعني: أن السبب في إهلاكهم تكذيبهم للرسل، وعلم الله أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجة ببعثة الرسل، ففي الآية إخبار عما أحل بالقرون الماضية في تكذيبهم الرسل فيما جاءوهم من البينات والحجج الواضحات كَذلِكَ أي مثل ذلك يعني الإهلاك نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ وهو وعيد لمن كذب برسالة محمد ﵊ ثُمَّ جَعَلْناكُمْ يا من بعث إليهم محمد ﵊ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ أي استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكناها لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ أي لننظر أتعملون خيرا أو شرا، فنعاملكم على حسب عملكم، أي

стр. 2309

أنتم بمنظر منا فانظروا كيف تعملون أبالاعتبار بماضيكم، أم الاغترار بما فيكم، وبهاتين الآيتين تقوم حجة أخرى على من تعجبوا من أن يرسل الله رسولا مبشرا ونذيرا، وذلك من خلال التذكير بأن الله أرسل رسلا من قبل، وعذب من كذبهم، فمن درس ونظر علم أنه لا محل للتعجب أن يبعث الله محمدا ﷺ بهذا القرآن، وفي هذا السياق ذكرهم وحذرهم وخوفهم وأنذرهم، وبهذا تنتهي المجموعة الثانية في هذا المقطع وقد أكملت صرح الرد على الكافرين في التعجب من إرسال محمد ﷺ بشيرا ونذيرا، لتأتي المجموعة الثالثة لتهدم عجبهم بشكل آخر. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ قال الألوسي: «وفي الآية ذم لمن يترك الدعاء في الرخاء ويهرع إليه في الشدة، واللائق بحال الكامل، التضرع إلى مولاه في السراء والضراء، فإن ذلك أرجى للإجابة ففي الحديث «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة». وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال: ادع الله تعالى يوم سرائك يستجب لك يوم ضرائك. وفي حديث الترمذي عن أبي هريرة ورواه الحاكم عن سلمان وقال صحيح الإسناد «من سره أن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد والكروب فليكثر الدعاء في الرخاء» والآثار في ذلك كثيرة). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ نذكر ما يلي: ذكر مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء». وروى ابن جرير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عوف بن مالك قال لأبي بكر: رأيت فيما يرى النائم كأن سببا دلي من السماء، فانتشط رسول الله ﷺ ، ثم أعيد فانتشط أبو بكر، ثم ذرع الناس حول المنبر، ففضل عمر بثلاث أذرع حول المنبر، فقال عمر: دعنا من رؤياك لا أرب لنا فيها، فلما استخلف عمر قال: يا عوف رؤياك؟ قال: وهل لك في رؤياي من حاجة أو لم تنتهرني؟ قال: ويحك إني كرهت

стр. 2310

أن تنعى لخليفة رسول الله ﷺ نفسه، فقص عليه الرؤيا حتى إذا بلغ ذرع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع قال: أما إحداهن فإنه كان خليفة، وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأما الثالثة فإنه شهيد، قال: فقال: يقول الله تعالى ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فقد استخلفت يا ابن أم عمر، فانظر كيف تعمل، وأما قوله: فإني لا أخاف في الله لومة لائم فيما شاء، وأما قوله (شهيد) فأنى لعمر الشهادة والمسلمون مطيفون به؟ كلمة في السياق: ١ - نذكر هنا بما ذكرناه من قبل أكثر من مرة. وهو أن القرآن يعطي معاني من خلال المعنى الحرفي، ومن خلال السياق الجزئي، ومن خلال السياق الكلي، ونحن نلاحظ في هذه السورة كيف أن كل آية- أو عدة آيات- تسجل معنى، وكل مجموعة تسجل معاني محققة هدفا معينا، فأنت عند ما تقرأ المجموعة الأولى، أو المجموعة الثانية تلاحظ أنها تهدم شبهة الكافرين، وتلاحظ أنها تنذر وتبشر، وتلاحظ أن كل آية منها تعلم وتربي وهكذا ... ومن ثم كان إعجاز هذا القرآن لا ينتهي ٢ - رأينا أن المجموعة الأولى والثانية قد هدمت نفي الكافرين لأصل الوحي، ومن جملة ما رأيناه أن سببا من أسباب الإنكار للوحي هو الاطمئنان للدنيا، وعدم رجاء لقاء الله: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا ... وسنرى أن الآية الأولى في المجموعة الثالثة تحدثنا عن إنكار الذين لا يرجون لقاء الله لهذا القرآن: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ مما يؤكد أن السياق ماض في مناقشة الكافرين بالوحي، ومما يؤكد أن إقامة الحجة على الكافرين في أصل الوحي هو الجسر للوصول إلى مناقشة المرتابين بهذا القرآن المجموعة الثالثة وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا أي القرآن بَيِّناتٍ أي ظاهرات واضحات قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا أي لا يخافون البعث ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أي من نمط آخر أَوْ بَدِّلْهُ بأن تضع شيئا مكان شئ، وحكما مكان حكم قُلْ ما يَكُونُ لِي أي ما يحل لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي أي من قبل نفسي، أي ليس هذا إلي؛ إنما أنا عبد مأمور ورسول مبلغ عن الله إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ أي لا اتبع

стр. 2311

إلا وحي الله من غير زيادة ولا نقصان، ولا تبديل، لأن الذي أتيت به هو من عند الله لا من عندي فأبدله إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي بتبديله عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي يوم القيامة قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ يعني أن تلاوته ليست إلا بمشيئة الله، وإظهاره عجبا خارجا عن العادات، وهو أن يخرج رجل أمي لم يتعلم ولم يشاهد العلماء فيقرأ عليكم كتابا يغلب كل كتاب، وكلاما يغلب كل كلام، يعلو ولا يعلى، فيه من مظاهر الإعجاز، ومن المعجزات ما لا يحيط به أحد وَلا أَدْراكُمْ بِهِ أي ولا أعلمكم الله بالقرآن على لساني، فصار معنى الآية: أي هذا القرآن إنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك، ومشيئته وإرادته، والدليل على أني لست أتقوله من عندي، ولا افتريته أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله ، لا تنتقدون علي شيئا تغمصوني به ولهذا قال: فَقَدْ لَبِثْتُ أي مكثت فِيكُمْ عُمُراً أربعين سنة مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل نزول القرآن، أي فقد أقمت بينكم أربعين سنة ولم تعرفوني متعاطيا شيئا من نحوه، ولا قدرت عليه، ولا كنت موصوفا بعلم وبيان فتتهموني باختراعه أَفَلا تَعْقِلُونَ أي أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل، فتعلموا أنه ليس إلا من عند الله لا من عندي فَمَنْ أَظْلَمُ أي لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجراما مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي ممن تقول على الله كذبا، وزعم أن الله أرسله ولم يكن كذلك، فليس أحد أكبر جرما، ولا أعظم ظلما من هذا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أي القرآن، ففيه بيان أن الكاذب على الله، والمكذب بآياته في الكفر سواء إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ أي الكاذبون والمفترون على الله كذبا، وبهذه الآيات الثلاث من هذه المجموعة أقام الله الحجة على أن هذا القرآن من عنده، من خلال عبودية الرسول والتزامه بهذا القرآن. ومن خلال التعريف على شخصية رسول الله ﷺ ، ومن خلال فلاحه ﵊، وكل ذلك يدل على أنه رسول الله، وأن هذا القرآن من عند الله. فما محل هذه الآيات في السياق الذي يحطم العجب من أن يرسل الله رسولا وينزل وحيا؟. إن كثيرا من الكافرين تصورهم خاطئ عن الذات الإلهية وعن صفاته ، ونتيجة لذلك فهم يتصورون أن الوحي الذي ينزله الله ينبغي أن يكون على شكل معين كأن يكون خاليا عن التدخل في شئون البشر، أو كأن يكون فيه ترغيب فقط بلا ترهيب، ونتيجة لذلك فهم يتعجبون أن يكون هذا القرآن على هذه الشاكلة من التبشير

стр. 2312

والإنذار، والوعظ والترغيب والترهيب، وقد عبر عن هذا المعنى عرب الجاهلية بسذاجتهم فطالبوا رسول الله ﷺ أن يأتي بقرآن ليس فيه ما يغيظهم من ذم عبادة الأوثان، والوعيد لأهل الطغيان، وأن يبدله بأن يجعل مكان آية عذاب آية رحمة، وعبر عن هذا المعنى كثير من الفلاسفة بشكل أو بآخر، فاستبعدوا أن يكون هذا القرآن من عند الله، لأنهم يتصورون أن الله إذا أنزل وحيا فينبغي أن يكون على شاكلة أخرى، كأن لا تظهر فيه صفات الجلال، وهؤلاء في منتهى السفاهة. فقد جعل الله في هذا القرآن من الآيات والمعجزات ما لا يستطيع المنصف إلا أن يسلم بأنه من عند الله وقد جعل الله في شخصية رسوله ﷺ من الأمور ما لا يبقى معه شك أن هذا القرآن من عند الله. وبهذا يتبين لنا أن هذه المجموعة سائرة على نفس النسق في تحطيم العجب من أن يرسل الله رسولا. فوائد: ١ - الملاحظ من قوله تعالى قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا ... أن الذين يتعنتون في مواقفهم إنما هم الذين لا يعرفون إلا الحياة الدنيا، وليس عندهم رجاء لليوم الآخر أصلا. فداء الأدواء إذن هذه العلة. ومن ثم كان من واجب الدعاة تحريك همة الإنسان، وتحريك عقله لرجاء اليوم الآخر. ٢ - إن اقتراح الكافرين على الرسول ﷺ الإتيان بقرآن آخر، أو تبديل هذا القرآن فيه معنى ضمني، وهو أنهم يعتقدون أن هذا القرآن من عند رسول الله ﷺ ، وأنه قادر على مثله، ولذلك طالبوه بالتغيير والتبديل. وهذا تأكيد لأصل الشبهة التي بدأ فيها هذا المقطع، وهي استبعاد أن ينزل الله وحيا على أحد من خلقه، وجاء الرد حاسما وحازما: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ. وفي تفسير قوله تعالى أَفَلا تَعْقِلُونَ من الآية الأخيرة يقول الألوسي: أي ألا تلاحظون ذلك فلا تعقلون امتناع صدوره عن مثلي، ووجوب كونه منزلا من عند الله العزيز الحكيم، فإن ذلك غير خاف على من له عقل سليم، وذهن مستقيم، بل لعمري أن من كان له أدنى مسكة من عقل إذا تأمل في أمره ﷺ ، وأنه نشأ فيما بينهم هذا الدهر الطويل، من غير مصاحبة العلماء في شأن من الشئون، ولا مراجعة إليهم في فن من الفنون، ولا مخالطة للبلغاء في

стр. 2313

المحاورة والمفاوضة، ولا خوض معهم في إنشاء الخطب والمعارضة، ثم أتى بكتاب بهرت فصاحته كل ذي أدب، وحيرت بلاغته مصاقع العرب، واحتوى على بدائع أصناف العلوم، ودقائق حقائق المنطوق والمفهوم، وغدا كاشفا عن أسرار الغيب التي لا تنالها الظنون، ومعربا عن أقاصيص الأولين وأحاديث الآخرين من القرون، ومصدقا بين يديه من الكتب المنزلة، ومهيمنا عليها في أحكامه المجملة والمفصلة، لا يبقى عنده اشتباه، في أنه وحي منزل من عند الله ﷻ وعمت أفضاله. ٣ - بمناسبة قوله تعالى فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ذكر ابن كثير أن الرسول الصادق، ومدعي النبوة الكاذب، لا بد أن ينصب الله من الأدلة على بر الصادق، أو فجور الكاذب، ما هو أظهر من الشمس- وقد دلل على فكرته بالكلام عن محمد ﷺ ﵇ ومسيلمة الكذاب فقال: (فإن الفرق بين محمد ﷺ وبين مسيلمة الكذاب- لمن شاهدهما- أظهر من الفرق بين وقت الضحى، وبين نصف الليل في حندسى الظلماء، فمن سيما كل منهما وأفعاله وكلامه يستدل من له بصيرة على صدق محمد ﷺ وكذب مسيلمة الكذاب، وسجاح، والأسود والعنسي. قال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس (أي اليهود) فكنت فيمن انجفل (أي هرب)، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، قال: فكان أول ما سمعته يقول: «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» ولما وفد ضمام ابن ثعلب على رسول الله ﷺ في قومه بني سعد بن بكر قال لرسول الله ﷺ فيما قال له: من رفع هذه السماء؟ قال: «الله» قال: ومن نصب هذه الجبال؟ قال: «الله»، وقال ومن سطح هذه الأرض؟ قال: «الله» قال: فبالذي رفع هذه السماء، ونصب هذه الجبال، وسطح هذه الأرض، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: «اللهم نعم» ثم سأله عن الصلاة والزكاة والحج والصيام، ويحلف عند كل واحدة هذه اليمين، ويحلف له رسول الله ﷺ فقال له: صدقت، والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك، ولا أنقص. فاكتفى الرجل بمجرد هذا» وقد أيقن بصدقه- صلوات الله وسلامه عليه- بما رأى وشاهد من الدلائل الدالة عليه. كما قال حسان بن ثابت: لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر وأما مسيلمة فمن شاهده من ذوي البصائر علم أمره لا محالة، بأقواله الركيكة التي

стр. 2314

ليست بفصيحة، وأفعاله غير الحسنة بل القبيحة. وقرآنه الذي يخلد به في النار يوم الحسرة والفضيحة. وكم من فرق بين قوله تعالى اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ إلى آخرها، وبين قول مسيلمة- قبحه الله ولعنه-: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي كم تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين. وقوله- قبحه الله-: لقد أنعم الله على الحبلى، إذا أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفان وحشى. وقوله- خلده الله في نار جهنم وقد فعل-: الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذلقوم طويل. وقولة- أبعده الله من رحمته-: والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، واللاقحات لقما، إهالة وسمنا، إن قريشا قوم يعتدون ... إلى غير ذلك من الخرافات والهذيانات التي يأنف الصبيان أن يتلفظوا بها إلا على وجه السخرية والاستهزاء، ولهذا أرغم الله أنفه، وشرب يوم حديقة الموت (١) حتفه، ومزق شمله، ولعنه صحبه وأهله، وقدموا على الصديق تائبين، وجاءوا في دين الله راغبين، فسألهم الصديق خليفة الرسول ﷺ أن يقرءوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة- لعنه الله- فسألوه أن يعفيهم من ذلك، فأبى عليهم إلا أن تقرءوا شيئا منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس، فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم. فقرءوا عليه من هذا الذي ذكرناه وأشباهه، فلما فرغوا، قال لهم الصديق ﵁: ويحكم؟ أين كان يذهب بعقولكم؟ والله إن هذا لم يخرج من إل (٢). وذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة- وكان صديقا له في الجاهلية. وكان عمرو بن العاص لم يسلم بعد، فقال له مسيلمة: ويحك يا عمرو ماذا أنزل على صاحبكم؟ - يعني رسول الله ﷺ في هذه المدة فقال: لقد سمعت أصحابه يقرءون سورة عظيمة قصيرة، فقال: وما هي؟ فقال: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ .... إلى آخر السورة ففكر مسيلمة ساعة ثم قال: وأنا قد أنزل علي مثله، فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر (٣)، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفر نقر، كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: الله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب. فإذا كان هذا من مشرك في حال شركة لم يشتبه عليه حال محمد ﷺ وصدقه، وحال مسيلمة لعنه الله وكذبه، فكيف بأولي البصائر والنهى، وأصحاب العقول السليمة المستقيمة والحجى) اهـ فإذا ثبت أن عجب الكافرين من أن ينزل الله وحيا، ويرسل رسولا في غير محله، يمضي السياق الآن في المجموعة الثالثة ليعجب من مواقف هؤلاء الكافرين وأقوالهم،

стр. 2315

وكلها سفه، وكلها في غير محلها؛ وكلها لا حجة فيها، فعجبهم في غير محله، وطلبهم تغيير القرآن أو تعديله في غير محله، وكذلك كثير من شئونهم، ومن ذلك: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ إن لم يعبدوه وَلا يَنْفَعُهُمْ إن عبدوه. أليس هذا هو العجب يرفضون أن يعبدوا الله، ويعبدون خلقه، يرفضون أن يعبدوا من ينفع ومن يضر، ويعبدون ما لا ينفع ولا يضر. وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ هذا منطق المشركين وفلسفتهم في الشرك، فهم مثبتون لوجود الله الذي لا ينكره عاقل أصلا، ولكنهم يشركون بعبادته، وهو الحقيق بالعبادة وحده، ويفلسفون ما هم عليه، وهذه هي فلسفة كل مشرك، سواء أشرك بالله صنما أو بشرا أو غير ذلك، حتى الذين يشركون عيسى أو نبيا آخر أو وليا هذه فلسفتهم، ويأتي الجواب قُلْ لهم أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ أي أتخبرونه بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إذ لو كان له شريك لعلمه. قال ابن جرير معناه: أتخبرون الله بما لا يكون في السموات ولا في الأرض، وقال النسفي تفسيرا للآية: أتخبرونه بكونهم شفعاء عنده وهو إنباء بما ليس بمعلوم لله، وإذا لم يكن معلوما له- وهو عالم بجميع المعلومات- لم يكن شيئا. وقوله: في السموات ولا في الأرض تأكيد لنفيه، لأن ما لم يوجد فيهما معدوم. ثم نزه نفسه الكريمة عن شركهم وكفرهم فقال: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي عن الشركاء الذين يشركونهم به، أو عن إشراكهم، وهكذا حطم فلسفتهم التي- من أجلها ومن أجل الدفاع عنها- حاربوا الوحي، وحاربوا رسول الله ﷺ ، وحاربوا القرآن، ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد هو الإسلام. قال ابن عباس: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام) ثم وقع الاختلاف بين الناس، وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة، وبراهينه الدامغة وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً أي حنفاء متفقين على ملة واحدة من غير أن يختلفوا، وذلك إما في عهد آدم- والقرون العشرة بعده- أو بعد الطوفان حين لم يبق على الأرض من الكافرين ديار- على أحد القولين- فَاخْتَلَفُوا أي فصاروا مللا، منهم أهل الحق، ومنهم أهل الباطل وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وهي تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ عاجلا فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي فيما اختلفوا فيه ولميز المحق من المبطل. قال ابن كثير: أي لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، وأنه قد أجل الخلق إلى أجل معدود، لقضي بينهم فيما
следующие страницы →