← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

إلا وحي الله من غير زيادة ولا نقصان، ولا تبديل، لأن الذي أتيت به هو من عند الله لا من عندي فأبدله إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي بتبديله عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي يوم القيامة قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ يعني أن تلاوته ليست إلا بمشيئة الله، وإظهاره عجبا خارجا عن العادات، وهو أن يخرج رجل أمي لم يتعلم ولم يشاهد العلماء فيقرأ عليكم كتابا يغلب كل كتاب، وكلاما يغلب كل كلام، يعلو ولا يعلى، فيه من مظاهر الإعجاز، ومن المعجزات ما لا يحيط به أحد وَلا أَدْراكُمْ بِهِ أي ولا أعلمكم الله بالقرآن على لساني، فصار معنى الآية: أي هذا القرآن إنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك، ومشيئته وإرادته، والدليل على أني لست أتقوله من عندي، ولا افتريته أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله ، لا تنتقدون علي شيئا تغمصوني به ولهذا قال: فَقَدْ لَبِثْتُ أي مكثت فِيكُمْ عُمُراً أربعين سنة مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل نزول القرآن، أي فقد أقمت بينكم أربعين سنة ولم تعرفوني متعاطيا شيئا من نحوه، ولا قدرت عليه، ولا كنت موصوفا بعلم وبيان فتتهموني باختراعه أَفَلا تَعْقِلُونَ أي أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل، فتعلموا أنه ليس إلا من عند الله لا من عندي فَمَنْ أَظْلَمُ أي لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجراما مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي ممن تقول على الله كذبا، وزعم أن الله أرسله ولم يكن كذلك، فليس أحد أكبر جرما، ولا أعظم ظلما من هذا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أي القرآن، ففيه بيان أن الكاذب على الله، والمكذب بآياته في الكفر سواء إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ أي الكاذبون والمفترون على الله كذبا، وبهذه الآيات الثلاث من هذه المجموعة أقام الله الحجة على أن هذا القرآن من عنده، من خلال عبودية الرسول والتزامه بهذا القرآن. ومن خلال التعريف على شخصية رسول الله ﷺ ، ومن خلال فلاحه ﵊، وكل ذلك يدل على أنه رسول الله، وأن هذا القرآن من عند الله. فما محل هذه الآيات في السياق الذي يحطم العجب من أن يرسل الله رسولا وينزل وحيا؟. إن كثيرا من الكافرين تصورهم خاطئ عن الذات الإلهية وعن صفاته ، ونتيجة لذلك فهم يتصورون أن الوحي الذي ينزله الله ينبغي أن يكون على شكل معين كأن يكون خاليا عن التدخل في شئون البشر، أو كأن يكون فيه ترغيب فقط بلا ترهيب، ونتيجة لذلك فهم يتعجبون أن يكون هذا القرآن على هذه الشاكلة من التبشير

стр. 2312

والإنذار، والوعظ والترغيب والترهيب، وقد عبر عن هذا المعنى عرب الجاهلية بسذاجتهم فطالبوا رسول الله ﷺ أن يأتي بقرآن ليس فيه ما يغيظهم من ذم عبادة الأوثان، والوعيد لأهل الطغيان، وأن يبدله بأن يجعل مكان آية عذاب آية رحمة، وعبر عن هذا المعنى كثير من الفلاسفة بشكل أو بآخر، فاستبعدوا أن يكون هذا القرآن من عند الله، لأنهم يتصورون أن الله إذا أنزل وحيا فينبغي أن يكون على شاكلة أخرى، كأن لا تظهر فيه صفات الجلال، وهؤلاء في منتهى السفاهة. فقد جعل الله في هذا القرآن من الآيات والمعجزات ما لا يستطيع المنصف إلا أن يسلم بأنه من عند الله وقد جعل الله في شخصية رسوله ﷺ من الأمور ما لا يبقى معه شك أن هذا القرآن من عند الله. وبهذا يتبين لنا أن هذه المجموعة سائرة على نفس النسق في تحطيم العجب من أن يرسل الله رسولا. فوائد: ١ - الملاحظ من قوله تعالى قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا ... أن الذين يتعنتون في مواقفهم إنما هم الذين لا يعرفون إلا الحياة الدنيا، وليس عندهم رجاء لليوم الآخر أصلا. فداء الأدواء إذن هذه العلة. ومن ثم كان من واجب الدعاة تحريك همة الإنسان، وتحريك عقله لرجاء اليوم الآخر. ٢ - إن اقتراح الكافرين على الرسول ﷺ الإتيان بقرآن آخر، أو تبديل هذا القرآن فيه معنى ضمني، وهو أنهم يعتقدون أن هذا القرآن من عند رسول الله ﷺ ، وأنه قادر على مثله، ولذلك طالبوه بالتغيير والتبديل. وهذا تأكيد لأصل الشبهة التي بدأ فيها هذا المقطع، وهي استبعاد أن ينزل الله وحيا على أحد من خلقه، وجاء الرد حاسما وحازما: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ. وفي تفسير قوله تعالى أَفَلا تَعْقِلُونَ من الآية الأخيرة يقول الألوسي: أي ألا تلاحظون ذلك فلا تعقلون امتناع صدوره عن مثلي، ووجوب كونه منزلا من عند الله العزيز الحكيم، فإن ذلك غير خاف على من له عقل سليم، وذهن مستقيم، بل لعمري أن من كان له أدنى مسكة من عقل إذا تأمل في أمره ﷺ ، وأنه نشأ فيما بينهم هذا الدهر الطويل، من غير مصاحبة العلماء في شأن من الشئون، ولا مراجعة إليهم في فن من الفنون، ولا مخالطة للبلغاء في

стр. 2313

المحاورة والمفاوضة، ولا خوض معهم في إنشاء الخطب والمعارضة، ثم أتى بكتاب بهرت فصاحته كل ذي أدب، وحيرت بلاغته مصاقع العرب، واحتوى على بدائع أصناف العلوم، ودقائق حقائق المنطوق والمفهوم، وغدا كاشفا عن أسرار الغيب التي لا تنالها الظنون، ومعربا عن أقاصيص الأولين وأحاديث الآخرين من القرون، ومصدقا بين يديه من الكتب المنزلة، ومهيمنا عليها في أحكامه المجملة والمفصلة، لا يبقى عنده اشتباه، في أنه وحي منزل من عند الله ﷻ وعمت أفضاله. ٣ - بمناسبة قوله تعالى فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ذكر ابن كثير أن الرسول الصادق، ومدعي النبوة الكاذب، لا بد أن ينصب الله من الأدلة على بر الصادق، أو فجور الكاذب، ما هو أظهر من الشمس- وقد دلل على فكرته بالكلام عن محمد ﷺ ﵇ ومسيلمة الكذاب فقال: (فإن الفرق بين محمد ﷺ وبين مسيلمة الكذاب- لمن شاهدهما- أظهر من الفرق بين وقت الضحى، وبين نصف الليل في حندسى الظلماء، فمن سيما كل منهما وأفعاله وكلامه يستدل من له بصيرة على صدق محمد ﷺ وكذب مسيلمة الكذاب، وسجاح، والأسود والعنسي. قال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس (أي اليهود) فكنت فيمن انجفل (أي هرب)، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، قال: فكان أول ما سمعته يقول: «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» ولما وفد ضمام ابن ثعلب على رسول الله ﷺ في قومه بني سعد بن بكر قال لرسول الله ﷺ فيما قال له: من رفع هذه السماء؟ قال: «الله» قال: ومن نصب هذه الجبال؟ قال: «الله»، وقال ومن سطح هذه الأرض؟ قال: «الله» قال: فبالذي رفع هذه السماء، ونصب هذه الجبال، وسطح هذه الأرض، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: «اللهم نعم» ثم سأله عن الصلاة والزكاة والحج والصيام، ويحلف عند كل واحدة هذه اليمين، ويحلف له رسول الله ﷺ فقال له: صدقت، والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك، ولا أنقص. فاكتفى الرجل بمجرد هذا» وقد أيقن بصدقه- صلوات الله وسلامه عليه- بما رأى وشاهد من الدلائل الدالة عليه. كما قال حسان بن ثابت: لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر وأما مسيلمة فمن شاهده من ذوي البصائر علم أمره لا محالة، بأقواله الركيكة التي

стр. 2314

ليست بفصيحة، وأفعاله غير الحسنة بل القبيحة. وقرآنه الذي يخلد به في النار يوم الحسرة والفضيحة. وكم من فرق بين قوله تعالى اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ إلى آخرها، وبين قول مسيلمة- قبحه الله ولعنه-: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي كم تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين. وقوله- قبحه الله-: لقد أنعم الله على الحبلى، إذا أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفان وحشى. وقوله- خلده الله في نار جهنم وقد فعل-: الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذلقوم طويل. وقولة- أبعده الله من رحمته-: والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، واللاقحات لقما، إهالة وسمنا، إن قريشا قوم يعتدون ... إلى غير ذلك من الخرافات والهذيانات التي يأنف الصبيان أن يتلفظوا بها إلا على وجه السخرية والاستهزاء، ولهذا أرغم الله أنفه، وشرب يوم حديقة الموت (١) حتفه، ومزق شمله، ولعنه صحبه وأهله، وقدموا على الصديق تائبين، وجاءوا في دين الله راغبين، فسألهم الصديق خليفة الرسول ﷺ أن يقرءوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة- لعنه الله- فسألوه أن يعفيهم من ذلك، فأبى عليهم إلا أن تقرءوا شيئا منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس، فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم. فقرءوا عليه من هذا الذي ذكرناه وأشباهه، فلما فرغوا، قال لهم الصديق ﵁: ويحكم؟ أين كان يذهب بعقولكم؟ والله إن هذا لم يخرج من إل (٢). وذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة- وكان صديقا له في الجاهلية. وكان عمرو بن العاص لم يسلم بعد، فقال له مسيلمة: ويحك يا عمرو ماذا أنزل على صاحبكم؟ - يعني رسول الله ﷺ في هذه المدة فقال: لقد سمعت أصحابه يقرءون سورة عظيمة قصيرة، فقال: وما هي؟ فقال: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ .... إلى آخر السورة ففكر مسيلمة ساعة ثم قال: وأنا قد أنزل علي مثله، فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر (٣)، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفر نقر، كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: الله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب. فإذا كان هذا من مشرك في حال شركة لم يشتبه عليه حال محمد ﷺ وصدقه، وحال مسيلمة لعنه الله وكذبه، فكيف بأولي البصائر والنهى، وأصحاب العقول السليمة المستقيمة والحجى) اهـ فإذا ثبت أن عجب الكافرين من أن ينزل الله وحيا، ويرسل رسولا في غير محله، يمضي السياق الآن في المجموعة الثالثة ليعجب من مواقف هؤلاء الكافرين وأقوالهم،

стр. 2315

وكلها سفه، وكلها في غير محلها؛ وكلها لا حجة فيها، فعجبهم في غير محله، وطلبهم تغيير القرآن أو تعديله في غير محله، وكذلك كثير من شئونهم، ومن ذلك: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ إن لم يعبدوه وَلا يَنْفَعُهُمْ إن عبدوه. أليس هذا هو العجب يرفضون أن يعبدوا الله، ويعبدون خلقه، يرفضون أن يعبدوا من ينفع ومن يضر، ويعبدون ما لا ينفع ولا يضر. وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ هذا منطق المشركين وفلسفتهم في الشرك، فهم مثبتون لوجود الله الذي لا ينكره عاقل أصلا، ولكنهم يشركون بعبادته، وهو الحقيق بالعبادة وحده، ويفلسفون ما هم عليه، وهذه هي فلسفة كل مشرك، سواء أشرك بالله صنما أو بشرا أو غير ذلك، حتى الذين يشركون عيسى أو نبيا آخر أو وليا هذه فلسفتهم، ويأتي الجواب قُلْ لهم أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ أي أتخبرونه بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إذ لو كان له شريك لعلمه. قال ابن جرير معناه: أتخبرون الله بما لا يكون في السموات ولا في الأرض، وقال النسفي تفسيرا للآية: أتخبرونه بكونهم شفعاء عنده وهو إنباء بما ليس بمعلوم لله، وإذا لم يكن معلوما له- وهو عالم بجميع المعلومات- لم يكن شيئا. وقوله: في السموات ولا في الأرض تأكيد لنفيه، لأن ما لم يوجد فيهما معدوم. ثم نزه نفسه الكريمة عن شركهم وكفرهم فقال: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي عن الشركاء الذين يشركونهم به، أو عن إشراكهم، وهكذا حطم فلسفتهم التي- من أجلها ومن أجل الدفاع عنها- حاربوا الوحي، وحاربوا رسول الله ﷺ ، وحاربوا القرآن، ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد هو الإسلام. قال ابن عباس: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام) ثم وقع الاختلاف بين الناس، وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة، وبراهينه الدامغة وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً أي حنفاء متفقين على ملة واحدة من غير أن يختلفوا، وذلك إما في عهد آدم- والقرون العشرة بعده- أو بعد الطوفان حين لم يبق على الأرض من الكافرين ديار- على أحد القولين- فَاخْتَلَفُوا أي فصاروا مللا، منهم أهل الحق، ومنهم أهل الباطل وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وهي تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ عاجلا فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي فيما اختلفوا فيه ولميز المحق من المبطل. قال ابن كثير: أي لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، وأنه قد أجل الخلق إلى أجل معدود، لقضي بينهم فيما

стр. 2316

اختلفوا فيه، فأسعد المؤمنين، وأعنت الكافرين. قال النسفي: وسبقت كلمته لحكمة، وهي أن الدار دار تكليف. وتلك الدار دار ثواب وعقاب. اهـ. وعلى هذا فبعثة الرسول ﷺ وإنزال الوحي إذن إنما هي لإرجاع الناس إلى ما كانوا عليه في الأصل، فكيف يتعجب الكافرون من ذلك، فلا يغر الكافر بعدم تعجيل العذاب له، فإن ذلك لحكمة، ثم عجب الله منهم مرة أخرى، فهؤلاء تقوم عليهم الحجة بمعجزة هذا القرآن وبشخصية الرسول ﷺ ، وبمحتوى هذه الدعوة التي هي دعوة الفطرة، ومع ذلك يطلبون آية وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي من الآيات التي يقترحونها مما ذكره في أكثر من مكان في كتابه، وقد جرت سنته تعالى أنه إذا أعطى الكافرين ما اقترحوه من الآيات، ثم أصروا على كفرهم، أن يستأصلهم فهو يعطي الآية أحيانا وأحيانا لا يعطيها، وفي كل فعل من أفعاله حكمة فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ أي هو المختص بعلم الغيب، فهو العالم بالصارف عن إنزال الآيات المقترحة لا غير. قال ابن كثير: (أي الأمر كله لله وهو يعلم العواقب في الأمور). فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ أي إن كنتم لا تؤمنون حتى تشاهدوا ما سألتم فانتظروا حكم الله في وفيكم. وبهذا انتهت المجموعة الثالثة، وقد أقامت الحجة على الكافرين، على أن القرآن حق، وأن الرسول حق، وأن ما هم فيه باطل، وأن ما يطلبونه سفه، فإذا كان هذا كله فتعجبهم من الوحي، والرسول، وفحوى الرسالة باطل، وكلامهم عن الرسول أنه ساحر زور. وهكذا هدمت هذه المجموعة شبها حول الرسالة والرسول. وفندت تصرفات متعنتة، وأقوالا ظالمة، ومواقف سفيهة، والآن تأتي المجموعة الرابعة في هذا السياق لتعطينا معاني جديدة تحطم عجب الكافرين من أن ينزل وحيا ويرسل رسولا. كلمة في السياق: ١ - بدأ المقطع الذي بين أيدينا بذكر تعجيب الكافرين أن ينزل الله وحيا على أحد من خلقه، وبذكر اتهام الكافرين للرسول ﷺ بأنه ساحر، وسار المقطع مفندا هذه الأباطيل، ومؤكدا على أن الوحي حق، وأن محمدا ﷺ صادق، والمجموعة التي مرت معنا آتية في هذا السياق: إن الكافرين يطلبون آية ليؤمنوا بالوحي وبالرسول، وقد ردت المجموعة عليهم مبينة: أن الكافرين خالفوا أصل الفطرة وعبدوا غير الله، وهذا يقتضي تصحيحا بوحي وبرسول، ولقد كان هذا الوحي هو القرآن، وكان الرسول

стр. 2317

محمدا ﷺ ، وكل الأدلة تثبت أن هذا القرآن وحي، وأن محمدا صادق فكيف يكفرون بما ثبت صدقه وبمن يعرفون صدقه؟ ألا يكفيهم ما يعرفونه عن شخصية رسول الله ﷺ قبل البعثة ليعرفوا أن من كان هذا شأنه ما كان ليكون كما يتهمونه به. ٢ - من الملاحظ أن المجموعة الرابعة التي ستأتي معنا والمجموعتين السابقتين عليها كل منها مبدوءة بكلمة «وإذا» وأن في كل مجموعة إقامة حجة على من ينكر الوحي ويكفر بالرسول المجموعة الرابعة وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ أي خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا أي إذا لهم استهزاء وتكذيب ودفع وإنكار لآيات الله، والمكر: إخفاء الكيد وطيه. يخبر تعالى أنه إذا أذاق الناس رحمة من بعد ضراء مستهم كالرخاء بعد الشدة، والخصب بعد الجدب، والمطر بعد القحط، لم يلبثوا أن يطعنوا في آيات الله ويعادون دينه قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً أي مجازاة أي أشد استدراجا وإمهالا حتى يظن الظان من المجرمين أنه ليس بمعذب وإنما هو في مهلة ثم يؤخذ على غرة، وأفاد التعبير أنهم يسارعون إلى المكر قبل أن يغسلوا رءوسهم من مس الضراء إِنَّ رُسُلَنا أي الحفظة يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ أي الكرام الكاتبين يكتبون عليهم جميع ما يفعلونه، ويحصونه عليهم، ويعرضونه على عالم الغيب والشهادة- وهو أعلم- فيجازيهم على الجليل والحقير، والنقير والقطمير. أعلمت الجملة الأخيرة أن ما يظنونه خافيا لا يخفى على الله، وهو منتقم منهم، ثم أخبر تعالى أنه هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي يجعلهم قادرين على قطع المسافات بالأرجل، والدواب والفلك الجارية في البحار، وغير ذلك مما سخره الله للإنسان، أو يخلق فيكم السير حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ أي في السفن وَجَرَيْنَ أي وسارت السفن بِهِمْ أي بمن فيها بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ أي لينة الهبوب لا عاصفة ولا ضعيفة وَفَرِحُوا بِها أي بتلك الريح للينها واستقامتها لما يترتب على ذلك من سرعة سيرهم رافقين، فبينما هم كذلك إذ جاءَتْها أي تلك السفن رِيحٌ عاصِفٌ أي شديدة الهبوب تكسر كل شئ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ من البحر أو من جميع أمكنة الموج وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ أي أهلكوا، جعل إحاطة العدو بالحي مثلا في الإهلاك دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي من غير إشراك به، لأنهم لا يدعون حينئذ معه غيره، ففي مثل

стр. 2318

تلك الساعة لا يدعون صنما ولا وثنا ولا نبيا ولا رسولا ولا وليا ولا بشرا، بل يفردون الله بالدعاء والابتهال، قائلين لله: لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ الأهوال أو هذه الريح أو هذه الحال لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لنعمتك مؤمنين بك متمسكين بطاعتك لا نشرك بك أحدا، مفردين لك العبادة هناك كما أفردناك بالدعاء هاهنا فَلَمَّا أَنْجاهُمْ أي من تلك الشدة إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ أي يفسدون فيها بِغَيْرِ الْحَقِّ أي باطلا أي مبطلين. كأن لم يكن من ذلك شئ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ أي الظلم عَلى أَنْفُسِكُمْ أي إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم ولا تضرون به أحدا غيركم مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا تمتعون فيها قليلا، أي إنما لكم متاع في الحياة الدنيا الدنيئة الحقيرة ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ أي مصيركم ومآلكم بعد الموت فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي فنخبركم بجميع أعمالكم، ونجازيكم بها، ونوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه. ذكر الله في هذه الآية طبيعة الإنسان في ضراعته إلى الله في الضراء، وإعراضه في السراء، بل محاربته لله في السراء، ثم زهد تعالى بمتاع الدنيا، وحذر من الآخرة، ثم يأتي الآن مثل للحياة وزهرتها وزينتها، وسرعة انقضائها وزوالها إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ أي من السحاب فَاخْتَلَطَ بِهِ أي بالماء نَباتُ الْأَرْضِ أي فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضا مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ من زروع وثمار على اختلاف أنواعها وأصنافها وَالْأَنْعامُ أي ومما تأكل الأنعام من عشب وغير ذلك حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها أي بهجتها وزينتها بالنبات واختلاف ألوانه وَازَّيَّنَتْ أي وحسنت بما خرج في رباها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان، جعلت الأرض وهي آخذة زخرفها كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها وتزينت بألوان الزينات وَظَنَّ أَهْلُها أي أهل الأرض أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أي متمكنون من منفعتها محصلون لثمرتها، رافعون لغلتها. فبينما هم كذلك إذ جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة فأيبست أوراقها واتلفت ثمارها، قال تعالى أَتاها أَمْرُنا أي عذابنا وهو هنا ضرب زرعها ببعض العاهات بعد أمنهم واستيقانهم أنه قد سلم لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً أي فجعلنا زرعها شبيها بما يحصد من الزرع في قصه واستئصاله. أي جعلنا زرعها يابسا بعد الخضرة والنضارة كالمحصود بالمناجل كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ أي كأنها ما كانت حينا قبل ذلك، أو كأن لم يغن زرعها أي لم يلبث بالأمس، وذكر الأمس هنا مثل على الوقت القريب كأنه قيل: كأن لم تغن آنفا

стр. 2319

قال قتادة: كأن لم تغن كأن لم تنعم. قال ابن كثير: وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ أي نبين الحجج والأدلة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فيعتبرون وينتفعون بهذا المثل في زوال الدنيا عن أهلها سريعا مع اغترارهم بها، وتمكنهم وثقتهم بمواعيدها، وتفلتها عنهم، فإن من طبعها الهرب ممن طلبها، والطلب لمن هرب منها، وهكذا انتهت هذه المجموعة. فكيف أدت دورها في السياق العام في تحطيمها دعاوى الكافرين، في نفيهم أن ينزل الله وحيا ويبعث رسولا؟ إن الفطرة البشرية تتوجه إلى الله حق التوجه في الأزمات، وتعد الله في هذه الأزمات أن تستقيم على أمره، فإذ كان الأمر كذلك فهذا يدلل على أن الإنسان يعرف أن الله يرعاه وينقذه، فلماذا إذن يرفض رعايته في الهداية، مع أن الشكر لله لا يعرف طريقه إلا بواسطة الرسل، فلم يستغرب الإنسان إرسال الرسل؟ وفي المجموعة تعزية للرسول الذي يكفر به، ويرد عليه إذ تبين له طبيعة الإنسان وحرصه على الدنيا وكفره بعد كل وعوده بالاستقامة، وفي الآيات تزهيد بالدنيا التي بسبب الحرص على التمتع بها ينأى الكافرون عن اتباع الوحي والعمل للآخرة أو نقول: كأن الآيات تقول للكافرين إن كنتم صادقين في أن الله يهمل الإنسان فلا يبعث له رسولا فلماذا تدعونه في لحظات الضيق؟ إن دعوتكم له في لحظات الضيق دليل على أنكم تعرفون أن الله لا يهمل الإنسان فلماذا تستغربون أن يرسل رسولا؟ ويمكن أن يقال في مؤدى السياق: إنكم أيها الكافرون قد أعطيتم الله فى لحظة ضيق أن تستقيموا على أمره فاتبعوا رسوله وقرآنه بدلا أن تحاربوا وتستغربوا، ولا تغرنكم الحياة الدنيا. وهكذا من خلال تقرير حقيقة الإنسان، وحقيقة الدنيا، يحذر وتقام الحجة على أصحاب فكرة استغراب إرسال الرسول النذير وإنزال الوحي. كلمة في السياق: تحدثنا في آخر تفسير المجموعة الرابعة عن صلة المجموعة في سياق مقطعها، ولم نتحدث عن صلة المجموعة بما قبلها مباشرة، وهاهنا نحب أن نقول: لقد سيقت المجموعة الرابعة بقوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ .. وقد جاءت المجموعة الرابعة تقيم الحجة على المشركين بواقعهم إذا أحيط بهم، فهذا محل المجموعة في السياق القريب. ولقد ختمت المجموعة الأولى بقوله تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ ... ثم بدأت المجموعة الثانية بقوله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً وهذه المجموعة الرابعة بدأت بقوله تعالى:

стр. 2320

وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا ... فالسياق يتكامل بين المجموعات في تبيان حال الإنسان، وفي تبيان افتقاره إلى الله، وإظهار هذا الافتقار ساعة الشدة، ويدلل ذلك على عمق قضية التوحيد في ذاته، ومع ذلك فإنه يشرك، إن الصلات بين الآيات وبين المجموعات أكثر من أن يحاط بها وما ذكرناه نموذج فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ قال الألوسي: (أي دعوه سبحانه من غير إشراك لرجوعهم من شدة الخوف إلى الفطرة التي جبل عليها كل أحد من التوحيد، وأنه لا متصرف إلا الله سبحانه، المركوزة في طبائع العالم، وروى ذلك عن ابن عباس ومن حديث أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص: «لما كان الفتح فر عكرمة بن أبي جهل فركب البحر، فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا، فقال عكرمة: لئن لم ينجيني في البحر إلا الإخلاص، ما ينحيني في البر غيره، اللهم إن لك عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه آتى محمدا حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفوا كريما قال: فجاء فأسلم» وفي رواية ابن سعد عن أبي مليكة «أن عكرمة لما ركب السفينة وأخذتهم الريح فجعلوا يدعون الله تعالى ويوحدونه قال: ما هذا؟ قالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله تعالى قال: فهذا إله محمد ﷺ الذي يدعونا إليه، فارجعوا بنا فرجع. وأسلم» وظاهر الآية أنه ليس المراد تخصيص الدعاء به سبحانه، بل تخصيص العبادة به تعالى أيضا، لأنهم بمجرد ذلك لا يكونون مخلصين له الدين. وأيا ما كان فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال. وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتارهم أمر خطير، وخطب جسيم، في بر أو بحر، دعوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر وإلياس، ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة، ولا ترى أحدا فيهم يخص مولاه بتضرعه ودعائه، ولا يكاد يمر له ببال أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال، فبالله تعالى عليك قل لي أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلا؟ وأي الداعيين أقوم قيلا؟ وإلى الله تعالى المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة، وتلاطمت أمواج الضلالة، وخرقت سفينة

стр. 2321

الشريعة، واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف) أقول: لعل في كلام الألوسي الأخير شفاء من الداء العياء، الذي أعيا الأطباء، وهو ما استشرى عند طبقات من الأمة، إذ يدعون غير الله ويستغيثون به، وإذا نصحتهم أو وعظتهم جادلوا متأولين، وكأنك تدعوهم إلى شرك أو ضلال، لا إلى التوحيد الخالص. ٢ - بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ قال الألوسي: (هذا وفي الآية من الزجر عن البغي ما لا يخفى. وقد أخرج أبو الشيخ وأبو نعيم. والخطيب والديلمي وغيرهم عن أنس قال: «قال رسول الله ﷺ ثلاث هن رواجع عن أهلها: المكر والنكث والبغي، ثم تلا ﵊ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ذنب أجدر أن يعجل لصاحبه العقوبة من البغي وقطيعة الرحم» وأخرج أيضا من طريق بلال بن أبي بردة عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «لا يبغي على الناس إلا ولد بغي أو فيه عرق منه» وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس. وابن عمر ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : «لو بغى جبل على جبل لدك الباغي منهما» وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين لأخيه يا صاحب البغي إن البغي مصرعة ... فاربع فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يوما على جبل ... لاندك منه أعاليه وأسفله وعقد ذلك الشهاب فقال: إن يعد ذو بغي عليك فخله ... وارقب زمانا لانتقام باغي واحذر من البغي الوخيم فلو بغى ... جبل على جبل لدك الباغي) ٣ - وبمناسبة الكلام عن الدنيا في المجموعة نذكر بالحديث: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس في النار غمسة فيقال: هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا، ويؤتى بأشد الناس عذابا في الدنيا فيغمس في النعيم غمسة ثم يقال له: هل رأيت بؤسا قط. فيقول: لا».

стр. 2322

٤ - وبمناسبة قوله تعالى: وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها نقول: إن الآية يمكن أن تفهم فهمين: فهما قريبا، وفهما بعيدا، أما الفهم القريب فهو ما ذكرناه، وأما البعيد فإنما يدلنا عليه ما نراه في عصرنا، فإن الأرض كلها في عصرنا تتطور نحو التحسين والتزيين بشكل كبير، وأصبح أهل الأرض قريبين من الشعور بأنهم مسيطرون عليها، متمكنون منها، حتى لو أرادوا أن يفنوا ما على الأرض بالقنابل الذرية والهيدروجينية وغيرهما لفعلوا، ولا يبعد أن يأتي يوم يزداد هذا الشعور، وعلى هذا الفهم فقد يكون ما نحن فيه علامة على أن عمر الأرض أصبح قريبا، وأن الساعة أصبحت قريبة، وهي قريبة بنص القرآن، ولكن المراد أن الأمر قد شارف، وعندئذ تكون الأرض كلها كأن لم تغن بالأمس. وهكذا نجد النص القرآني يسع الزمان والمكان والإنسان، فهذه الآية فيها إنذار للفرد والجماعة، وفيها إنذار للبشرية كلها ٥ - عقب النسفي على ما ضرب الله من مثل للحياة الدنيا بقوله: (وهذا من التشبيه المركب: شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بعد الإقبال، بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاما بعد ما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه، وحكمة التشبيه التنبيه على أن الحياة صفوها شبيبتها، وكدرها شيبتها، كما أن صفو الماء في أعلى الإناء، قال: ألم تر أن العمر كأس سلافة ... فأوله صفو وآخره كدر وحقيقته: تزين جثة الطين، بمصالح الدنيا والدين، كاختلاط النبات على اختلاف التلوين، فالطيبة تنبت بساتين الأنس، ورياحين الروح، وزهرة الزهر، وكروم الكرم، وحبوب الحب، وحدائق الحقيقة، وشقائق الطريقة، والخبيثة تخرج خلاف الخلف، وثمام الإثم، وشرك الشرك، وشبح الشح، وحطب العطب، ولعاع اللعب، ثم يدعوه معاده، كما يحين للحرث حصاده، فتزايله الحياة مغترا، كما يهيج النبات مصفرا، فتغيب جنته في الرمس، كأن لم تغن بالأمس، إلى أن يعود ربيع البعث، وموعد العرض والبحث. وكذلك حال الدنيا، كالماء ينفع قليله ويهلك كثيرة، ولا بد من ترك ما زاد، كما لا بد من أخذ الزاد، وآخذ المال لا يخلو من زلة، كما أن خائض الماء لا ينجو من بلة، وجمعه وإمساكه تلف صاحبه وإهلاكه، فما دون النصاب كضحضاح ماء يجاوز بلا احتماء، والنصاب كنهر حائل بين المجتاز، والجواز إلى المفاز لا يمكن إلا بقنطرة وهي الزكاة، وعمارتها بذل الصلات، فمتى اختلت القنطرة غرقته

стр. 2323

أمواج القناطير المقنطرة. وعن هذا قال ﵇: «الزكاة قنطرة الإسلام» وكذا المال يساعد دون الأمجاد، كما أن الماء يجتمع في الوهاد دون النجاد، وكذلك المال لا يجتمع إلا بكف البخيل، كما أن الماء لا يجتمع إلا بسد المسيل، ثم يفنى ويتلف ولا يبقى كالماء في الكف) *** ولننتقل إلى المجموعة الخامسة في هذا المقطع ولنقدم لهذه المجموعة بكلمة: إن هذه الحياة الدنيا يختلط خيرها بشرها، وشقاؤها بسعادتها، وألمها بلذتها، والله الذي خلق الخلق، وجعل هذه الدنيا على ما هي عليه، شاء أن يجعل دارا يتمحض فيها الخير واللذة والسعادة، بلا شر ولا شقاوة. وهذا يقتضي ثمنا. وتلك الدار تحتاج إلى أهلها، والله يدعو إلى هذه الدار بواسطة الرسل، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يستغرب أن يرسل الله رسولا نذيرا وبشيرا، وهكذا تبدأ المجموعة الخامسة بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ إنه بعد أن ضرب الله مثلا للحياة الدنيا، وبعد أن ذكرنا بأن هذه الدنيا شأنها ما رأينا، فإنه بعد ذلك يذكرنا بجنته، ويذكرنا بالطريق إليها وباختصار نقول: إن المجموعة الخامسة ترتبط بسياق المقطع. وترتبط بالسياق المباشر، فارتباطها بالسياق المباشر من حيث إنها حديث عن الآخرة يأتي بعد حديث عن الدنيا، وارتباطها بالمقطع من حيث إن المقطع يرد على المنكرين للوحي، فالله يحدثنا عن ذاته ﷻ أنه يدعو إلى دار السلام، وهذا يقتضي أن يرسل رسلا، وأن ينزل وحيا، فكيف ينكر المنكرون الوحي وبعثة الرسل؟ المجموعة الخامسة وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ دار السلام: هي الجنة، أضافها الله إلى اسمه تعظيما لها، وقد يراد بالسلام السلامة لأن أهلها سالمون من كل مكروه، وقد يكون سميت دار السلام لفشو السلام فيها وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي ويوفق من يشاء إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي إلى الإسلام أو إلى طريق الجنة. والمعنى: والله يدعو العباد كلهم إلى دار السلام ولا يدخلها إلا المهديون، فدعوة الله عامة على لسان رسول الله ﷺ بالدلالة،

стр. 2324

وأما الهداية فهي خاصة من لطف المرسل بالتوفيق والعناية. فإذا كان الأمر كذلك فكيف لا يرسل الله رسولا وينزل وحيا، وكيف يتعجب الكافرون من إرسال الرسول، وإنزال الوحي لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا أي آمنوا بالله ورسله، وعبدوا الله كما أمر الْحُسْنى أي المثوبة الحسنى وهي الجنة وَزِيادَةٌ قال ابن كثير: هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وزيادة على ذلك أيضا، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم، فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه لا يستحقونها بعملهم بل بفضله ورحمته .. ثم عدد من فسر الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم حتى ليكاد يكون إجماعا. قال النسفي بعد أن ذكر القول السابق: وقيل: الزيادة المحبة في قلوب العباد. وقيل: الزيادة مغفرة من الله ورضوان وَلا يَرْهَقُ أي ولا يغشى وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ أي سواد وَلا ذِلَّةٌ أي ولا كآبة، والمعني: لا يرهقهم ما يرهق أهل النار من غبرة فيها سواد، ولا أثر هوان، لا في عرصات القيامة ولا بعدها، أو تقول: المعني: أنه لا يحصل لهم إهانة في الباطن ولا في الظاهر أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ثم بين حال الكافرين فقال: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ أي الشرك والكفر وما يستتبع ذلك، أي وللذين كسبوا السيئات جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها أي جزاء سيئة، سيئة مثلها أي مقدر بمثلها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أي وتعتريهم وتعلوهم ذلة من معاصيهم وخوفهم منها ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ أي من عقابه مِنْ عاصِمٍ أي مانع أي لا يعصمهم أحد من سخطه وعقابه كَأَنَّما أُغْشِيَتْ أي ألبست وُجُوهُهُمْ قِطَعاً جمع قطعة مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً هذا إخبار عن سواد وجوههم في الدار الآخرة والمعنى: كأنما جعل على وجوههم أغطية من سواد الليل أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فإذا كان الأمر كذلك فكيف لا يبعث الله رسلا وينزل وحيا وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً أي الكفار وغيرهم أي أهل الأرض كلهم من جن وإنس، وبر وفاجر ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ أي الزموا أنتم وهم مكانا معينا امتازوا فيه عن مقام المؤمنين، وهذا يكون إذ جاء الرب ﵎ لفصل القضاء فَزَيَّلْنا أي ميزنا بَيْنَهُمْ وبين المؤمنين، أي ففرقنا بينهم، وقطعنا كل صلة كانت بينهم في الدنيا وَقالَ لهم شُرَكاؤُهُمْ أي من عبدوه من دون الله من أولي العقل، أو الأصنام ينطقها الله ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ وهكذا أنكروا عبادتهم وتبرءوا منهم، فما كانوا

стр. 2325

يعبدون إلا الشياطين بطاعتهم إياهم فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إننا ما دعوناكم إلى عبادتنا، ولا أمرناكم بها، ولا رضينا بذلك منكم إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ أي إننا كنا عن عبادتكم غافلين، فما كنا نشعر بها ولا نعلم بها، وإنما كنتم تعبدوننا من حيث لا ندري بكم أصلا. وفي هذا تبكيت عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ممن لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئا، ولم يأمرهم بذلك، ولا رضي به، ولا أراده، بل تبرأ منهم وقت أحوج ما يكونون إليه، وقد تركوا عبادة الحي القيوم السميع البصير القادر على كل شئ، العليم بكل شئ، وقد أرسل رسله وأنزل كتبه آمرا بعبادته وحده لا شريك له، ناهيا عن عبادة ما سواه. فأي الأمرين أعجب أمرهم، أو أن ينزل الله وحيا ويرسل رسولا؟! هُنالِكَ أي في ذلك المكان أو في ذلك الزمان تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ أي تختبر وتذوق ما أَسْلَفَتْ أي ما قدمت من العمل فتعرف كيف هو أقبيح أم حسن، أنافع أم ضار، أمقبول أم مردود، هنالك في موقف الحساب يوم القيامة الاختبار الحقيقي لقيمة كل عمل وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ إلى ربهم الصادق في ربوبيته لأنهم كانوا يتولون ما ليس لربوبيته حقيقة، والمعنى: ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل وَضَلَّ عَنْهُمْ أي وغاب عنهم، أو وذهب عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي وضاع عنهم ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه، أو بطل عنهم ما كانوا يختلقون من الكذب وشفاعة الآلهة، فليترك هؤلاء الافتراء، وليعودوا إلى مولاهم الحق، وليعبدوا من يستحق العبادة قبل أن يأتي ذلك اليوم، وذلك بالإيمان برسول الله ﷺ والإيمان بوحي الله بدلا من الإنكار والتعجب والاتهام، وهكذا انتهت هذه المجموعة، وفيها دعوة لترك التعجب من أن ينزل الله وحيا من خلال الإنذار والتبشير. فبعد أن ذكر الله تعالى في المجموعة الرابعة الدنيا وسرعة زوالها، رغب في هذه المجموعة في الجنة ودعا إليها، وسماها دار السلام؛ لأنها خالية من الآفات والنقائص والنكبات، ثم أخبر أنها لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح، وبين ما أعده للكافرين بعد ذلك، وفي هذا السياق- المبشر المنذر- رد ضمني على المتصورين أن الله يدع هذا الخلق وشأنهم، فلا سؤال ولا حساب ولا عقاب، ولا رسل ولا وحي، ولا ميزان ولا عدل. ألا ما أحمق الإنسان الذي يفر من اتباع الوحي إلى الهوى.

стр. 2326

فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ نذكر هذين الحديثين اللذين رواهما ابن جرير. أ- عن جابر ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما فقال: «إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، فقال: اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك. وإنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا، ثم جعل فيه مأدبة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فالله الملك والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد الرسول، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها» رواه ابن جرير. أقول: هذا الحديث يؤكد ما ذهبنا إليه من أن السياق العام للمقطع مرتبط بالرد على التعجب من أن يرسل الله رسولا ب- وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم طلعت فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى» قال: وأنزل في قوله: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ الآية رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. ٢ - وفي تفسير الزيادة في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ نذكر هذه الأحاديث: روى الإمام أحمد ... عن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ - قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم» وهكذا رواه مسلم وجماعة من الأئمة. - روى ابن جرير .. عن أبي تميمة الهجيمي أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله ﷺ : «إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي: يا أهل الجنة- بصوت

стр. 2327

يسمع أولهم وآخرهم- إن الله وعدكم الحسنى وزيادة. فالحسنى الجنة. والزيادة النظر إلى وجه الرحمن » روى ابن جرير ... عن عطاء بن كعب بن عجرة عن النبي ﷺ في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ قال: «الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله » ورواه ابن أبي حاتم أيضا. كلمة في السياق: ١ - نلاحظ أن من أهم ما انصب عليه الكلام في هذا المقطع قضية العبادة لله؛ ففي الآية الثالثة ورد قوله تعالى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ وفي الآية الثانية عشرة ورد قوله تعالى وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ... وذلك في سياق مناقشة المنكرين للوحي، والحكمة في ذلك- والله أعلم- أن السياق يقيم الحجة على ضرورة بعثة الرسل، من خلال أمور متعددة أحدها: أن عبادة الله وحده ضرورية لا بد منها، وأن طريق معرفة ذلك الوحي وبعثة الرسول. ٢ - ونلاحظ ملاحظة رئيسية في السياق وهو أن النقاش منصب على المشركين، والحجج تتلاحق ضدهم مرة بعد أخرى، والسبب واضح، لأن التعجب من أن ينزل الله وحيا ويبعث رسولا لا يكون من أهل الكتاب؛ لأنهم يؤمنون بالنبوة والوحي، ولا يكون من ملحد؛ لأنه لا يؤمن بوجود الله أصلا، فلا يكون إلا من مشرك إذن، ومن ثم نجد إنكار فكرة النبوة يظهر في البيئات المشركة، وعلى هذا نجد أن السياق يقيم الحجة تلو الحجة على المشركين في هذا المقطع، ألا أن من مظاهر العظمة في هذا القرآن أنه- وهو يناقش المشركين أو الكافرين- يذكر ويربي المؤمنين، فالسياق القرآني يؤدي دورا ودورا وأدورا، فهو يؤدي دوره في إقامة الحجة العقلية، ويؤدي دوره في التربية السليمة، ويؤدي دوره بما يسع المكان، وبما يسع الزمان، وبحيث يجد أهل كل جيل وأهل كل مكان وكأن القرآن أنزل لهم خاصة، فإذا اتضح هذا فلننتقل إلى المجموعة الأخيرة في هذا المقطع التي تنهي مناقشة الذين تعجبوا أن يكون الله قد أوحى إلى أحد من خلقه، وهي المجموعة السادسة في هذا المقطع. وتتميز المجموعة بأنها تأمر رسول الله ﷺ أن يجيب أجوبة مباشرة، وأن يناقش مناقشة مباشرة لهؤلاء الذين ينكرون الوحي، ولذلك نجد أن كلمة (قل) تتكرر كثيرا

стр. 2328

في هذه المجموعة. والحجج تتلاحق في هذه المجموعة على منكري الوحي والرسالة. فالله يرزق، ويعطي السمع والبصر، ويعطي الحياة، ويدبر الأمر، فكيف يترك الإنسان بلا هداية. والله يبدأ الخلق ثم يعيده، فكيف يكفر الكافرون بالبعث، وكيف بالتالي- يكفرون بالوحي الذي ينذر بالبعث. والله يهدي والأصنام لا تهدي، فكيف تنكر هدايته ولا تتبع. ثم تختم المجموعة بتقرير أن هذا القرآن ما كان ليكون على ما هو عليه لولا أنه من عند الله، وأن من خصائص هذا القرآن التي تدل على أنه وحي، تصديقه للكتب السابقة، وتفصيله لفرائض الله، فالحجة فيه قائمة على أنه وحي الله، وهي بالتالي حجة على كل من ينكر الوحي، إن الحجة في هذا القرآن قائمة، إن في إعجازه، أو في مضمونه. فلنر المجموعة السادسة . المجموعة السادسة قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ بإنزال المطر وما يترتب عليه وَالْأَرْضِ بما أودع فيها أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ أي من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة؟ أو من يحميهما من الآفات مع كثرتها في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شئ؟ أو من يملكهما فيعطيهما من شاء من خلقه؟ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ الحيوان من التراب، والتراب من الحيوان، والعالم من الجاهل، والجاهل من العالم، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي ومن يلي تدبير أمر العالم كله؟ فصل ثم أجمل فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ أي فسيجيبونك عن هذا السؤال أن القادر على هذه هو الله، فهم يعلمون ذلك ويعترفون به فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ أي أفلا تخافون منه أن تعبدوا غيره بآرائكم وجهلكم؟ أفلا تتقون الشرك في العبودية إذ اعترفتم بالربوبية. أو أفلا تتقون أن تتصوروا أنه لا يبعث رسولا ولا ينزل وحيا؟ إن الله الذي هذا شأنه من رزق وعطاء وتدبير- كيف لا يرسل رسولا وينزل وحيا؟ وهكذا أقام الله الحجة على المشركين في كل مذاهبهم من خلال ما يعترفون به وما يقرون به، ثم أتم الحجة عليهم فقال: فَذلِكُمُ اللَّهُ أي من هذه قدرته هو الله رَبُّكُمُ الْحَقُّ أي الثابتة ربوبيته ثباتا لا ريب فيه لمن حقق النظر، وإذ كان هو الرب لأنه الإله باعترافكم، والمعطي باعترافكم، والمدبر باعترافكم، فينبغي أن تكون له العبادة والطاعة، وكيف تعرف العبادة والطاعة له إلا عن طريق رسوله، فكيف تتعجبون أن يرسل رسولا.

стр. 2329

فائدة: ننقل هنا ما قاله صاحب الظلال في الآية التي بدأت بها المجموعة قال: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ .. من المطر الذي يحيي الأرض وينبت الزرع، ومن طعام الأرض نباتها وطيرها وأسماكها وحيوانها، ثم سائر كانوا يحصلون عليه من الأرض لهم ولأنعامهم. وذلك بطبيعة الحال ما كانوا يدركونه حينذاك من رزق السماء والأرض. وهو أوسع من ذلك بكثير. وما يزال البشر يكشفون كلما اهتدوا إلى نواميس الكون- عن رزق بعد رزق في السماء والأرض يستخدمونه أحيانا في الخير ويستخدمونه أحيانا في الشر حسبما تسلم عقائدهم أو تعتل. وكله من رزق الله المسخر للإنسان. فمن سطح الأرض أرزاق ومن جوفها أرزاق. ومن سطح الماء أرزاق ومن أعماقه أرزاق. ومن أشعة الشمس أرزاق ومن ضوء القمر أرزاق. حتى عفن الأرض كشف فيه دواء وترياق! أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ .. يهبها القدرة على أداء وظائفها أو يحرمها، ويصححها أو يمرضها. ويصرفها إلى العمل أو يلهيها، ويسمعها ويريها ما تحب أو ما تكره .. ذلك ما كانوا يدركونه يومئذ من ملك السمع والأبصار. وهو حسبهم لإدراك مدلول هذا السؤال وتوجيهه. وما يزال البشر يكشفون من طبيعة السمع والبصر، من دقائق صنع الله في هذين الجهازين ما يزيد السؤال شمولا وسعة. وإن تركيب العين وأعصابها وكيفية إدراكها للمرئيات، أو تركيب الأذن أو جزائها وطريقة إدراكها للذبذبات، لعالم وحده يدير الرءوس، عند ما يقاس هذا الجهاز أو ذاك إلى أدق الأجهزة التي يعدها الناس من معجزات العلم في العصر الحديث! وإن كان الناس يهولهم ويروعهم ويبهرهم جهاز يصنعه الإنسان، لا يقاس في شئ إلى صنع الله. بينما هم يمرون غافلين بالبدائع الإلهية في الكون وفي أنفسهم كأنهم لا يبصرون ولا يدركون! وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ .. وكانوا يعدون الساكن هو الميت والنامي- أو المتحرك- هو الحي. فكان مدلول السؤال عندهم مشهودا في خروج النبتة من الحبة، والحبة من النبتة، وخروج الفرخ من البيضة، والبيضة من الفرخ .. إلى آخر هذه المشاهدات. وهو عندهم عجيب. وهو في ذاته عجيب، حتى بعد أن عرف أن الحبة والبيضة وأمثالهما ليست في الموتى بل في الأحياء، بما فيها من حياة كامنة واستعداد. فإن كمون الحياة بكل استعداداتها ووراثاتها وسماتها وشياتها لأعجب العجب الذي تصنعه قدرة الله .. وإن وقفة أمام الحبة والنواة، تخرج منهما النبتة والنخلة، أو أمام البيضة والبويضة يخرج منهما الفرخ والإنسان لكافية

стр. 2330

لاستغراق حياة في التأمل والارتعاش! وإلا فأين كانت تكمن السنبلة في الحبة؟ وأين كان يكمن العود؟ وأين كانت تلك الجذور والساق والأوراق ... ؟ وأين في النواة كان يكمن اللب واللحاء، والساق السامقة والعراجين والألياف؟ وأين كان يكمن الطعم والنكهة واللون والرائحة، والبلح والتمر، والرطب والبسر ... ؟ وأين في البيضة كان الفرخ؟ وأين كان يكمن العظم واللحم، والزغب والريش، واللون والشيات، والرفرفة والصوت ... ؟ وأين في البويضة كان الكائن البشري العجيب؟ أين كانت تكمن ملامحه وسماته المنقولة عن وراثات موغلة في الماضي متشعبة المنابع والنواحي؟ أين كانت نبرات الصوت، ونظرات العين، ولفتات الجيد، واستعدادات الأعصاب، ووراثات الجنس والعائلة والوالدين؟ وأين كانت تكمن الصفات والسمات والشيات؟. وهل يكفي أن نقول: إن هذا العالم المترامي الأطراف كان كامنا في النبتة والنواة وفي البيضة والبويضة، لينقضي العجب العاجب الذي لا تفسير له ولا تأويل إلا قدرة الله وتدبير الله؟. وما يزال البشر يكتشفون من أسرار الموت وأسرار الحياة، وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي، وتحول العناصر في مراحل إلى موت أو حياة، ما يزيد مساحة السؤال وعمقه وشموله كل يوم وكل لحظة. وإن تحول الطعام الذي يموت بالطهي والنار إلى دم حي في الجسم الحي، وتحول هذا الدم إلى فضلات ميتة بالاحتراق، لأعجوبة يتسع العجب منها كلما زاد العلم بها. وهي بعد كائنة في كل لحظة آناء الليل وأطراف النهار. وإن الحياة لأعجوبة غامضة مثيرة تواجه الكينونة البشرية كلها بعلامات استفهام لا جواب عليها كلها إلا أن يكون هناك إله، يهب الحياة. وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ؟ .. في هذا الذي ذكر كله وفي سواه من شئون الكون وشئون البشر؟ من يدبر الناموس الكوني الذي ينظم حركة هذه الأفلاك على هذا النحو الدقيق؟ ومن يدبر حركة هذه الحياة فتمضي في طريقها المرسوم بهذا النظام اللطيف العميق؟ ومن يدبر السنن الاجتماعية التي تصرف حياة البشر، والتي لا تخطئ مرة ولا تحيد؟ ومن .. ومن؟ ..

стр. 2331

فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ .. فهم لم يكونوا ينكرون وجود الله، أو ينكرون يده في هذه الشئون الكبار. ولكن انحراف الفطرة كان يقودهم مع هذا الاعتراف إلى الشرك بالله، فيتوجهون بالشعائر إلى سواه، كما يتبعون شرائع لم يأذن بها الله. فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ؟ .. أفلا تخشون الله الذي يرزقكم من السماء والأرض، والذي يملك السمع والأبصار، والذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، والذي يدبر الأمر كله في هذا وفي سواه؟ إن الذي يملك هذا كله لهو الله، وهو الرب الحق دون سواه: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ. اهـ) ....... فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ أي لا واسطة بين الحق والضلال، فمن تخطى الحقوق وقع في الضلال، فالله الحق وكل معبود سواه باطل، ورسوله الحق فكل ما يناقض ذلك باطل. ووحيه الحق فكل ما خالفه باطل، والعبودية له هي الحق فكل عبودية لغيره باطلة فَأَنَّى تُصْرَفُونَ عن الحق إلى الضلال والباطل، عن التوحيد إلى الشرك، عن اتباع الرسول إلى اتباع الشيطان، عن اتباع الوحي إلى اتباع الهوى كَذلِكَ أي مثل ذلك الحق أو كصرف هؤلاء عن الحق حَقَّتْ أي وجبت وثبتت كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أي على الذين تمردوا في كفرهم وخرجوا إلى الحد الأقصى فيه أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ هذي هي كلمة الله الأزلية أن الفاسق لا يستأهل الهداية، ولا يهديه الله، فكما حقت على هؤلاء كلمة الله أنهم لا يؤمنون بسبب من تعنتهم وإصرارهم على محاربة الحق، فكذلك حقت كلمة الله على كل فاسق أن لا يؤمن. نسأل الله العافية. وإذن فهؤلاء المشركون لا يؤمنون بالرسول والوحي لفسوقهم. إن عقوبة الفسوق أن لا يهدي الله صاحبه إلى الإيمان مع قيام الحجج فيه. فمن أراد الإيمان فعليه أن يطهر نفسه من الفسوق بترك مظهره الأول وهو الكبر. وبعد أن أقام الله تعالى الحجة على ربوبيته من خلال الكلام عن ألوهيته يقيم الحجة الآن على المشركين من خلال عجز شركائهم قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يعيد الليل بعد النهار، ويعيد الجيل بعد الجيل، أو يبدأ خلق السموات ثم يعيد خلقها مرة أخرى. أو يبدأ خلق الإنسان والحيوان ثم يعيده يوم القيامة، ومع أنهم غير مقرين بالإعادة يوم القيامة، إلا أنها لظهور برهانها جعلت كأنها أمر مسلم قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لم يقل فسيقولون الله بل قال لرسوله: قل الله لأنهم لا تدعهم

стр. 2332

مكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق هذه؛ فأمر الله نبيه ﷺ أن ينوب عنهم في الجواب، وإلا فالمفروض أن يجيبوا هم بالإيجاب؛ فهم يقرون أن الله بدأ الخلق، ومن ثم فمن بدأ الخلق ينبغي أن يقر له بأنه قادر على إعادته، ومن كان كذلك فينبغي أن يسلم له ويخضع فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل، وبعد أن أقام الحجة على أن اليوم الآخر كائن، فإنه في الآية اللاحقة يقيم الحجة على هدايته ووحيه وقرآنه وهو الموضوع الرئيسي في السياق قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أي يرشد إليه؟ الجواب لا قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أولا: بما ركب في المكلفين من العقول وأعطاهم من التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم، وثانيا بإرسال الرسل وإنزال الشرائع وثالثا: بما يوفق ويلهم لاتباع الشرائع والرسل أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى أي أمن لا يهتدي إلا أن يهدى؟ فمعنى النص كله: من الجدير بالاتباع الهادى أم العاجز عن الهداية لغيره، المحتاج إلى الهداية بنفسه؟ فإذا كان الجدير بالاتباع هو الهادي فمن أكثر هداية من الله الذي ليس من هاد غيره، فإذا هو الهادي وحده فكيف تتعجبون أن ينزل الله وحيا، ويرسل رسولا ليهديكم، أم كيف تتركون هدايته فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أي فما بالكم تصدرون مثل هذه الأحكام الفاسدة إذ تسوون بين الله وخلقه فتقيسون الله على أصنامكم، فكما أن أصنامكم لا تهدي تظنون أن الله لا يهدي، فتستغربون أن يرسل رسولا، وينزل وحيا يهدي به الله من شاء. هلا رجعتم إلى صوابكم، فاهتديتم بنور الله، وتركتم ما أنتم فيه من أوهام وضلالات. ومن ثم قال: وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ أي كلهم إِلَّا ظَنًّا أي توهما وتخيلا، فلا دليل عندهم ولا برهان إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً فيما المطلوب فيه العلم. أي لا يغني من العلم أي إغناء، فلا قيمة له في هذا المقام إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ من اتباع الظن وترك الحق، وهو تهديد ووعيد شديد على اتباعهم الظن وتركهم هداية الله العظيمة المتمثلة في القرآن. وفي هذه الآية قال الألوسي: (أي ما يتبع أكثرهم في معتقداتهم ومحاوراتهم إلا ظنا واهيا مستندا إلى خيالات فارغة وأقيسة باطلة، كقياس الغائب على الشاهد، وقياس الخالق على المخلوق، بأدنى مشاركة موهومة، ولا يلتفتون إلى فرد من أفراد العلم، فضلا عن أن يسلكوا مسالك الأدلة الصحيحة الهادية إلى الحق فيفهموا ويقفوا على صحتها وبطلان ما يخالفها، فالمراد بالاتباع: مطلق الانقياد الشامل لما يقارن القبول والانقياد وما لا يقارنه، وبالقصر ما أشير إليه من أن لا يكون لهم في أثنائه اتباع لفرد من أفراد العلم والتفات إليه.

стр. 2333

وتنكير (ظنا) للنوعية وفي تخصيص هذا الاتباع بالأكثر الإشارة إلى أن منهم من قد يتبع فيقف على حقيقة التوحيد لكن لا يقبله مكابرة وعنادا. وفيه دليل لمن قال: إن تحصيل العلم في الاعتقاد واجب، وإن إيمان المقلد غير صحيح، وإنما لم يؤخذ عاما للعمليات لقيام الدليل على صحة التقليد والاكتفاء بالظن فيها كما قرر في موضعه) ولما نعى الله على السائرين وراء الظنون والأوهام، ولما كان الطريق للخلاص من ذلك هو القرآن فقد قال تعالى بعد ذلك: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ أي ما صح وما استقام في منطق العقل أن يكون مثل هذا القرآن في علو أمره، وإعجازه، وكثرة معجزاته، منسوبا إلى الله كذبا، فهذا القرآن بفصاحته وبلاغته وحلاوته واشتماله على ما اشتمل عليه لا يكون إلا من عند الله وَلكِنْ أنزل تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي من الكتب المتقدمة، مصدقا لها ومهيمنا عليها، ومبينا لما وقع من التحريف والتبديل وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ أي وتبيين الكتاب، أي وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع لا رَيْبَ فِيهِ أي لا شك فيه مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أي وبيان الأحكام والحلال والحرام بيانا شافيا كافيا حقا لا مرية فيه من الله رب العالمين، فصار المعنى: إن هذا القرآن في علو شأنه ما كان أن يفترى من دون الله، ولكن كان تصديقا للوحي السابق وتفصيلا للفرائض منتفيا عنه الريب، كائنا من رب العالمين، أو لكن كان تصديقا من رب العالمين للكتب السابقة، وتفصيلا منه لا ريب في ذلك، وبهذا تقرر في هذه الآيات الثلاث أن الله هو الهادي، وأن من مظاهر هدايته هذا القرآن، وأن من يتبع غير هدايته فهو في ضلال، فيا أيها المتعجبون أن ينزل الله وحيا ويرسل رسولا أعلموا ذلك، فالحجة قائمة عليكم أن هذا القرآن من عند الله، فلا تتعجبوا، فإن عجبكم في غير محله، وهكذا أقامت هذه المجموعة الحجة على الكافرين في موضوع الوحدانية واليوم الآخر والرسول والقرآن، وتوضيح الحق في هذه الأشياء ضروري لتحطيم فكرة الكافرين في العجب من أن ينزل الله وحيا ويرسل رسولا مبشرا ومنذرا. وبهذا ينتهي عرض المقطع الأول من القسم الأول من سورة يونس وقبل أن ننتقل إلى المقطع الثاني في هذا القسم فلنتكلم كلمة حول السياق . كلمة حول السياق: رأينا أن محور سورة يونس هو قوله تعالى من سورة البقرة الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وذكرنا أن سورة يونس تتألف من مقدمة وثلاث أقسام وخاتمة. وهاهنا

стр. 2334

نقول: إن القسم الأول من سورة يونس يفصل في قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ والقسم الثاني يفصل في قوله تعالى هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وسنرى مجالات تفصيل القسم الثالث. إن القسم الأول يفصل في قوله تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ وهذا القسم يتألف من مقطعين: المقطع الأول: وهو الذي مر معنا ويبدأ بقوله تعالى: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ والمقطع الثاني: وهو الذي سنعرضه بعد قليل: ويبدأ بقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ... ومن خلال النظر إلى بداية المقطعين ندرك أن الله يقيم الحجة بهذين المقطعين على المرتابين في هذا القرآن. فالمرتابون أحد نوعين: نوع لا يتصورون أن ينزل الله وحيا على بشر، ونوع يتصورون أن محمدا كذاب، وقد ناقش المقطع الأول النوع الأول، وأقام الحجة عليه، وسينصب المقطع الثاني على مناقشة النوع الثاني ويقيم الحجة عليه، والصلة بين المقطع الأول والمقطع الثاني في غاية القوة؛ فهما قسم واحد لأنهما جميعا يقيمان الحجة على نفي الريب في أن يرسل الله بشرا رسولا وينزل عليه وحيا، لذلك انتهى المقطع الأول بقوله تعالى وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. وبدأ المقطع الثاني بعده مباشرة بقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ... وبمجموع المقطعين تقوم الحجة على أن هذا الكتاب لا ريب فيه، وليست في الحقيقة حجة واحدة، وإنما هي حجج؛ فكتاب في مثل هذا الإحكام، وفي مثل هذه المواطأة للكتب السابقة، وفي مثل هذا البيان للأحكام والعقائد والتصورات الصحيحة، وفي مثل هذا الإعجاز وكثرة المعجزات من أين يأتيه الريب؟ فإلى المقطع الثاني من القسم الأول وهذا هو:

стр. 2335

المقطع الثاني من القسم الأول ويمتد من الآية (٣٨) إلى نهاية الآية (٥٦) وهذا هو: [سورة يونس (١٠): الآيات ٣٨ الى ٥٦] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)

стр. 2336

هذا هو المقطع الثاني من القسم الأول ويتألف من مجموعتين، كل مجموعة تخدم السياق العام، وتذكر معاني مرتبطة بالسياق الجزئي، وسنرى كل ذلك أثناء استعراض المجموعتين. المجموعة الأولى أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ أي أم يقولون اختلقه قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ أي قل إن كان الأمر كما تزعمون فأتوا على وجه الافتراء بسورة مثله أي شبيهة به في البلاغة وحسن النظم فأنتم عرب مثلي وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي وادعوا من دون الله من استطعتم من خلقه للاستعانة به على الإتيان بمثله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في دعواكم أنه مفترى والمعنى: إن ادعيتم وافتريتم وشككتم في أن هذا من عند الله، وقلتم كذبا إن هذا من عند محمد، فمحمد بشر مثلكم وقد جاء- فيما زعمتم- بهذا

стр. 2337

القرآن فأتوا أنتم بسورة من جنس هذا القرآن، واستعينوا على ذلك بكل من قدرتم عليه من إنس وجان، فإذ لم تفعلوا فقد قامت عليكم الحجة أن هذا القرآن من عند الله، ولم يبق إلا الإيمان والتسليم إن كنتم منصفين، ولكن هل تكذيبهم أثر عن تفكير وتدبر وعلم وعقل؟ لا. قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ أي بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم، فتكذيبهم إذن تكذيب بما لم يعرفوا ولم يفهموا وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ أي ولم يأتيهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب، أي عاقبته حتى يتبين لهم أهو كذب أم صدق، يعني: أنه كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه، ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب، فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقبل أن يجربوا إخباره بالمغيبات وصدقه. والآية تفيد أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر، ومعرفة التأويل تقليدا للآباء، واستعمال كلمة لما في هذا المقام يفيد أنهم علموا من بعد علو شأنه وإعجازه، وبقوا مصرين على التكذيب بغيا وحسدا، وإذن فهؤلاء كذبوا بهذا القرآن، ولم يفهموا ولم يعرفوا ولم يستوعبوا ما فيه من الهدى ودين الحق سفها وجهلا كَذلِكَ أي مثل ذلك التكذيب الذي لا يقوم على دليل كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم السالفة أي كذلك كذبوا رسلهم قبل النظر في معجزاتهم، وقبل تدبرها عنادا أو تقليدا للآباء فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ أي فانظر كيف أهلكناهم بتكذيبهم رسلنا ظلما وما كذبوهم إلا وعلوا وكفرا وعنادا وجهلا، فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم. وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ أي ومنهم من يصدق بالقرآن في نفسه، ويعلم أنه حق ولكنه يعاند بالتكذيب وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ أي ومنهم من لا يصدق به ويشك فيه وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ أي بالمعاندين المصرين الصادين عن سبيل الله، ويحتمل أن يكون المعنى: ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن ويتبعك بما أرسلت به، ومنهم من لا يؤمن به ويموت على ذلك ويبعث عليه، وربك أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه، ومن يستحق الضلالة- وهم المفسدون- فيضله، فهو العادل الذي لا يجور، بل يعطي كلا من هؤلاء ما يستحق ﵎ وتقدس وتنزه لا إله إلا هو، ويحتمل أن يكون المعنى: ومنهم من سيؤمن به، ومنهم من سيصر، وربك أعلم بالمفسدين الذين يستحقون الضلال بسبب من إفسادهم، وهكذا

стр. 2338

عرفنا من خلال الآيتين اللتين مرتا أن سبب الريب والكفر بهذا القرآن الظلم والإفساد في الأرض، فمن كان ظالما ومن كان مفسدا فهذا وحده الذي يرتاب في هذا القرآن ويشك به ويكفر، أما القرآن فليس فيه ريب ولا شك، لأن الحجة قائمة فيه أنه من عند الله، جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا» فالرسل السابقون معجزاتهم شاهدة على صحة رسالتهم، وأما رسالة رسولنا ﷺ فالقرآن شارحها، والمعجزة في القرآن نفسه، فكيف يكون فيه ريب وَإِنْ كَذَّبُوكَ أي وإن استمروا على تكذيبك ويئست من إجابتهم بعد قيام الحجة عليهم فتبرأ منهم ومن عملهم فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أي لي جزاء عملي ولكم جزاء أعمالكم أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ فكل مؤاخذ بعمله وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أي ومنهم ناس يستمعون إليك إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع، فهم يسمعون كلامك الحسن، والقرآن العظيم، والأحاديث الصحيحة الفصيحة النافعة في القلوب والأديان والأبدان، وفي هذا كفاية عظيمة للإيمان، ولكنهم لا يعون ولا يقبلون، فهم كالصم أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ أي أتطمع أنك تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم انعدام عقولهم، لأن الأصم العاقل ربما تفرس واستدل إذا وقع في صماخه دوي الصوت، فإذا اجتمع سلب العقل والسمع فقد تم عدم الفهم، وإذن فالصمم وانعدام العقل عاملان آخران من عوامل الضلال والكفر بهذا القرآن وهذا الرسول وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أي ومنهم ناس ينظرون إليك ويعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة، ولكنهم لا يصدقون، أو كما قال ابن كثير: (أي ينظرون إليك وإلى ما أعطاك الله من التؤدة، والسمت الحسن، والخلق العظيم، والدلالة الظاهرة على نبوتك لأولي البصائر والنهى. وهؤلاء ينظرون كما ينظر غيرهم، ولا يحصل لهم من الهداية شئ كما يحصل لغيرهم، بل المؤمنون ينظرون إليك بعين الوقار، وهؤلاء الكفار ينظرون إليك بعين الاحتقار) فكيف يؤمنون بك، وكيف ينتفعون منك وهم لا يرون حقيقتك أصلا لعماهم أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ أي أتحسب أنك تقدر على هداية العمي ولو انضم إلى فقد البصر فقد البصيرة، لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يحدس، وأما العمى مع الحمق فجهد البلاء، فتحصل من الآيتين أنهم في اليأس من أن يقبلوا ويصدقوا كالصمم والعمي الذين لا عقول لهم ولا بصائر. فحصل

стр. 2339

من الآيات السابقة أن سبب الكفر بالقرآن والرسول الظلم والإفساد والصمم والعمى، وليس السبب احتمال الريب في القرآن أو في شخصية الرسول ﷺ ، كما أن السبب ليس ظلم الله لهم في إضلالهم وإبقائهم في الضلال. وهذا الذي تقرره الآية الخاتمة في هذه المجموعة إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي: لم يظلمهم بسلب آلة الاستدلال، ولكنهم ظلموا أنفسهم بترك الاستدلال وبالظلم والإفساد والعمى والصمم، فهم إذن الظالمون لأنفسهم. فائدة: قال ابن كثير بمناسبة قوله تعالى أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ... : (وهذا هو المقام الثالث في التحدي فإنه تعالى تحداهم ودعاهم إن كانوا صادقين في دعواهم أنه من عند محمد ﷺ فليعارضوه بنظير ما جاء به وحده، وليستعينوا بمن شاءوا، وأخبر أنهم لا يقدرون على ذلك، ولا سبيل لهم إليه فقال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (الإسراء: ٨٨) ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه، فقال في أول سورة هود: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم تنازل إلى سورة فقال في هذه السورة: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وكذا في سورة البقرة- وهي مدنية- تحداهم بسورة منه، وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك أبدا فقال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الآية (البقرة ٢٤)، هذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم، وأشعارهم ومعلقاتهم، إليها المنتهى في هذا الباب. ولكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحد به، ولهذا آمن من آمن منهم من بلاغة هذا الكلام وحلاوته وجزالته وطلاوته وإفادته وبراعته، فكانوا أعلم الناس وأفهمهم له، وأتبعهم له وأشدهم له انقيادا، كما عرف السحرة بعلمهم بفنون السحر أن هذا الذي فعله موسى ﵇ لا يصدر إلا عن مؤيد، مسدد، مرسل من الله، وأن هذا لا يستطاع لبشر إلا بإذن الله، وكذلك عيسى ﵇ بعث في زمن علماء الطب، ومعالجة المرضى، فكان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، ومثل هذا لا مدخل للعلاج والدواء فيه، فعرف من عرف منهم أنه عبد الله ورسوله) اهـ.

стр. 2340

كلمة في السياق: ١ - أقام الله الحجة عليهم بأن هذا القرآن لا ريب فيه بتحديهم أن يأتوا بسورة من مثله، ثم بين لهم العلل الحقيقية لريبهم، وهي: ظلمهم، وإفسادهم، وأعمالهم السيئة، وصممهم عن سماع كلمة الحق، وعدم استعمال عقولهم، وعمى أبصارهم عن رؤية الحق، وعمى بصائرهم عن التدبر، وظلمهم لأنفسهم، وبعد أن أقام عليهم الحجة وبين لهم علل تكذيبهم، تأتي بعد ذلك مجموعة واعظة تعظ وتنذر ٢ - رأينا أنه قد مر معنا في هذه المجموعة من هذا المقطع قوله تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ والمراد بتأويله هنا- والله أعلم- تفسيره العملي، وتفسيره العملي هو وقوع ما أخبر عنه من غيوب، وهذا الذي أخبر عنه من الغيوب سيقع شيئا فشيئا، وآخر هذا الوقوع هو ما سيكون يوم القيامة، ومن ثم فإن المجموعة الثانية في هذا المقطع تحدثنا عن بعض جوانب التفسير العملي الكائن لما أخبر عنه هذا القرآن من غيوب، وفي ذلك إقامة حجة على من كذب وإنذار له، وقبل أن ننتقل إلى عرض المجموعة الثانية فلننقل بعض ما قاله صاحب الظلال بمناسبة قوله تعالى: قُلْ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قال: (وقد ثبت هذا التحدي؛ وثبت العجز عنه. وما يزال ثابتا ولن يزال. والذين يدركون بلاغة هذه اللغة، ويتذوقون الجمال الفني والتناسق فيها، يدركون أن هذا النسق من القول لا يستطيعه إنسان. وكذلك الذين يدرسون النظم الاجتماعية، والأصول التشريعية، ويدرسون النظام الذي جاء به هذا القرآن، يدركون أن النظرة فيه إلى تنظيم الجماعة الإنسانية ومقتضيات حياتها من جميع جوانبها، والفرص المدخرة فيه لمواجهة الأطوار والتقلبات في يسر ومرونة .. كل أولئك أكبر من أن يحيط به عقل بشري واحد، أو مجموعة العقول في جيل واحد أو في الأجيال. ومثلهم الذين يدرسون النفس الإنسانية ووسائل الوصول إلى التأثير فيها وتوجيهها، ثم يدرسون وسائل القرآن وأساليبه. فليس هو إعجاز اللفظ والتعبير وأسلوب الأداء وحده، ولكنه الإعجاز المطلق الذي يلمسه الخبراء في هذا، أو في النظم والتشريعات، والنفسيات وما إليها .. والذين زاولوا فن التعبير، والذين لهم بصر بالأداء الفني، يدركون أكثر من غيرهم

стр. 2341

مدى ما في الأداء القرآني من إعجاز في هذا الجانب. والذين زاولوا التفكير الاجتماعي والقانوني والنفسي، والإنساني بصفة عامة، يدركون أكثر من غيرهم مدى الإعجاز الموضوعي في هذا الكتاب أيضا. ومع تقدير العجز سلفا عن بيان حقيقة هذا الإعجاز ومداه، والعجز عن تصويره بالأسلوب البشري. ومع تقدير أن الحديث المفصل عن هذا الإعجاز- في حدود الطاقة البشرية- هو موضوع كتاب مستقل. فسأحاول هنا أن ألم إلمامة خاطفة بشيء من هذا .. إن الأداء القرآني يمتاز ويتميز من الأداء البشري .. إن له سلطانا عجيبا على القلوب ليس للأداء البشري؛ حتى ليبلغ أحيانا أن يؤثر بتلاوته المجردة على الذين لا يعرفون من العربية حرفا .. وهناك حوادث عجيبة لا يمكن تفسيرها بغير هذا الذي نقول- وإن لم تكن هي القاعدة- ولكن وقوعها يحتاج إلى تفسير وتعليل .. ولن أذكر نماذج عما وقع لغيري؛ ولكن أذكر حادثا وقع لي وكان عليه معي شهود ستة، وذلك منذ حوالي خمسة عشر عاما .. كنا ستة نفر من المنتسبين إلى الإسلام على ظهر سفينة مصرية تمخر بنا عباب المحيط الأطلسي إلى نيويورك؛ من بين عشرين ومائة راكب أجانب، ليس منهم مسلم .. وخطر لنا أن نقيم صلاة الجمعة في المحيط على ظهر السفينة، والله يعلم أنه لم يكن بنا أن نقيم الصلاة ذاتها أكثر مما كان بنا حماسة دينية وإزاء مبشر كان يزاول عمله على ظهر السفينة؛ وحاول أن يزاول تبشيره معنا! .. وقد يسر لنا قائد السفينة- وكان إنجليزيا- أن نقيم صلاتنا؛ وسمح لبحارة السفينة وطهاتها وخدمها- وكلهم نوبيون مسلمون- أن يصلي منهم معنا من لا يكون في «الخدمة» وقت الصلاة! وقد فرحوا بهذا فرحا شديدا، إذ كانت المرة الأولى التي تقام فيها صلاة الجمعة .. وقمت بخطبة الجمعة وإقامة الصلاة؛ والركاب الأجانب- معظمهم- متحلقون يرقبون صلاتنا! .. وبعد الصلاة جاءنا كثيرون منهم يهنئوننا على نجاح «القداس»!!! فقد كان هذا أقصى ما يفهمونه من صلاتنا! ولكن سيدة من هذا الحشد- عرفنا فيما بعد أنها يوغسلافية مسيحية هاربة من جحيم «تيتو» وشيوعيته! - كانت شديدة التأثر والانفعال، تفيض عيناها بالدمع ولا تتمالك مشاعرها. جاءت تشد على أيدينا بحرارة؛ وتقول:- في إنجليزية ضعيفة- إنها لا تملك نفسها من التأثر العميق بصلاتنا هذه وما فيها من خشوع ونظام وروح! .. وليس هذا موضع الشاهد في القصة .. ولكن ذلك كان في قولها: أي لغة هذه

стр. 2342

التي كان يتحدث بها «قسيسكم»؟! فالمسكينة لا تتصور أن يقيم «الصلاة» إلا قسيس. أو رجل دين- كما هو الحال عندها في مسيحية الكنيسة-! وقد صححنا لها هذا الفهم! .. وأجبناها .. فقالت: إن اللغة التي يتحدث بها ذات إيقاع موسيقي عجيب، وإن كنت لم أفهم منها حرفا .. ثم كانت المفاجأة الحقيقية لنا وهي تقول: ولكن هذا ليس الموضوع الذي أريد أن أسأل عنه .. إن الموضوع الذي لفت حسي، هو أن «الإمام» كانت ترد في أثناء كلامه- بهذه اللغة الموسيقية- فقرات من نوع آخر غير بقية كلامه! نوع أكثر موسيقية وأعمق إيقاعا .. هذه الفقرات الخاصة كانت تحدث في رعشة وقشعريرة! إنها شئ آخر! كما لو كان- الإمام- مملوءا من الروح القدس- حسب تعبيرها المستمد من مسيحيتها- وتفكرنا قليلا. ثم أدركنا أنها تعني الآيات القرآنية التي وردت في أثناء خطبة الجمعة وفي أثناء الصلاة! وكانت- مع ذلك- مفاجأة لنا تدعوا إلى الدهشة، من سيدة لا تفهم مما نقول شيئا. وليست هذه قاعدة كما قلت. ولكن وقوع هذه الحادثة- ووقوع أمثالها مما ذكره لي غير واحد- ذو دلالة على أن في هذا القرآن سرا آخر تلتقطه بعض القلوب لمجرد تلاوته. وقد يكون إيمان هذه السيدة بدينها، وفرارها من الجحيم الشيوعي في بلادها، قد أرهف حسها بكلمات الله على هذا النحو العجيب .. ولكن ما بالنا نعجب وعشرات الألوف ممن يستمعون إلى القرآن من عوامنا لا يطرق عقولهم منه شئ، ولكن يطرق قلوبهم إيقاعه- وسره هذا- وهم لا يفترقون كثيرا من ناحية فهم لغة القرآن عن هذه السيدة اليوغسلافية. ولقد أردت أن أقدم للحديث عن القرآن بسلطانه هذا الخفي العجيب. قبل أن أتحدث عن الجوانب المدركة التي يعرفها أكثر من غيرهم من يزاولون فن التعبير. ومن يزاولون التفكير والشعور. إن الأداء القرآني يمتاز بالتعبير عن قضايا ومدلولات ضخمة في حيز يستحيل على البشر أن يعبروا فيه عن مثل هذه الأغراض، وذلك بأوسع مدلول، وأدق تعبير، وأجمله وأحياه أيضا، مع التناسق العجيب بين المدلول والعبارة والإيقاع والظلال والجو، ومع جمال التعبير دقة الدلالة في آن واحد، بحيث لا يغني لفظ عن لفظ في موضعه، وبحيث لا يجور الجمال على الدقة ولا الدقة على الجمال. ويبلغ من ذلك كله مستوى لا يدرك إعجازه أحد، كما يدرك ذلك من يزاولون فن التعبير فعلا؛ لأن هؤلاء هم الذين يدركون حدود

стр. 2343

الطاقة البشرية في هذ المجال. ومن ثم يتبينون بوضوح أن هذا المستوى فوق الطاقة البشرية قطعا. وينشأ عن هذه الظاهرة ظاهرة أخرى في الأداء القرآني .. هي أن النص الواحد يحوي مدلولات متنوعة متناسقة في النص؛ وكل مدلول منها يستوفي حظه من البيان والوضوح دون اضطراب في الأداء واختلاط بين المدلولات؛ وكل قضية وكل حقيقة تنال الحيز الذي يناسبها. بحيث يستشهد بالنص الواحد في مجالات شتى؛ ويبدو كل مرة أصيلا في الموضع الذي استشهد به فيه؛ وكأنما هو مصوغ ابتداء لهذا المجال ولهذا الموضع! وهي ظاهرة قرآنية بارزة لا تحتاج منا إلى أكثر من الإشارة إليها. وللأداء القرآني طابع بارز كذلك في القدرة على استحضار المشاهد، والتعبير المواجه كما لو كان المشهد حاضرا، بطريقة ليست معهودة على الإطلاق في كلام البشر؛ ولا يملك الأداء البشري تقليدها. لأنه يبدو في هذه الحالة مضطربا غير مستقيم مع أسلوب الكتابة! وإلا فكيف يمكن للأداء البشري أن يعبر عن طريقة الأداء القرآني مثلا في مثل هذه المواضع: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ- بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ .. (وإلى هنا هي قصة تحكى) .. ثم يعقبها مباشرة خطاب موجه في مشهد حاضر .. آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ؟! فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً .. ثم يعود الأداء للتعقيب على المشهد الحاضر: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ .. قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ، شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ .. وإلى هنا أمر يوجه ورسول يتلقى .. ثم فجأة نجد الرسول يسأل القوم: أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى؟ .. وإذا به يعود للتلقي في شأن هذا الذي سأل عنه قومه- وأجابوه: قُلْ: لا أَشْهَدُ قُلْ: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. وكذلك هذه الالتفاتات المتكررة في مثل هذه الآيات: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ .. وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا. قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ، إِنَ

стр. 2344

رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ .. وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ .. يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا: شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ. وأمثالها كثير في القرآن كله. وهو أسلوب متميز تماما عن الأسلوب البشري وإلا فمن شاء أن يماري فليحاول أن يعبر عن هذا النحو ثم ليأت بكلام مفهوم مستقيم؛ فضلا على أن يكون له هذا الجمال الرائع، وهذا الإيقاع المؤثر، وهذا التناسق الكامل. هذه بعض جوانب الإعجاز في الأداء نلم بها سراعا. ويبقى الإعجاز الموضوعي، والطابع الرباني المتميز من الطابع البشري فيه. إن هذا القرآن يخاطب الكينونة البشرية بجملتها، فلا يخاطب ذهنها المجرد مرة. وقلبها الشاعر مرة. وحسها المتوفز مرة. ولكنه يخاطبها جملة، ويخاطبها من أقصر طريق، ويطرق كل أجهزة الاستقبال والتلقي فيها مرة واحدة كلما خاطبها .. وينشئ فيها بهذا الخطاب تصورات وتأثرات وانطباعات لحقائق الوجود كلها، لا تملك وسيلة أخرى من الوسائل التي زاولها البشر في تاريخهم كله أن تنشئها بهذا العمق، وبهذا الشمول، وبهذه الواقعية وبهذا الوضوح، وبهذه الطريقة وهذا الأسلوب أيضا. ونستعير هنا فقرات مقتبسة من القسم الثاني من كتاب: (خصائص التصور ومقوماته) تعين على توضيح هذه الحقيقة؛ وهي تتحدث عن (المنهج القرآني في عرض مقومات التصور الإسلامي) في صورتها الجميلة الكاملة الشاملة المتناسقة المتوازنة، وأبرز خصائص هذا المنهج في العرض: «أنه يمتاز عن كل المناهج: «أولا: بكونه يعرض الحقيقة- كما هي في عالم الواقع- في الأسلوب الذي يكشف كل زواياها، وكل جوانبها، وكل ارتباطاتها، وكل مقتضياتها .. وهو- مع هذا الشمول- لا يعقد هذه الحقيقة، ولا يلفها بالضباب، بل يخاطب بها الكينونة البشرية في كل مستوياتها .. ولم يشإ الله- سبحانه- رحمة منه بالعباد أن يجعل مخاطبتهم بمقومات هذا التصور وإدراكهم لها، متوقفا على سابق علم لهم .. إطلاقا .. لأن العقيدة هي حاجة حياتهم الأولى، والتصور الذي تنشئه في عقولهم وقلوبهم هو

стр. 2345

الذي يحدد لهم طريقة تعاملهم مع الوجود كله. ويحدد لهم كذلك طريقة اتجاههم لتعلم أي علم، ولطلب أية معرفة .. لهذا السبب لم يجعل الله إدراك هذه العقيدة متوقفا على علم سابق. ولسبب آخر هو أن الله يريد أن يكون هذا التصور الذي تنشئه حقائق العقيدة هو قاعدة علم البشر ومعرفتهم- بما أنه هو قاعدة تصورهم وتفسيرهم للكون من حولهم، ولما يجري فيه ولما يجري فيهم- كي يقوم علمهم وتقوم معرفتهم على أساس من الحق المستيقن الذي ليس هنالك غيره حق مستيقن. ذلك أن كل ما يتلقاه الإنسان وكل ما يصل إليه- عن غير هذا المصدر- هو معرفة- «ظنية» ونتائج «محتملة» لا «قطعية» حتى ذلك «العلم التجريبي». فطريق العلم التجريبي هو القياس- لا الاستقراء والاستقصاء- فما يتسنى للبشر الاستقصاء والاستقراء في أية تجربة. هذا على فرض صحة جميع الملاحظات والاستنتاجات، والأحكام البشرية على الظواهر، إنما قصارى «العلم» أن يقوم بعدد من التجارب، ثم يقيس على نتائجها. والعلم نفسه يسلم بأن النتائج الناشئة عن هذا القياس ظنية محتملة، لا يقينية قطعية (وذلك بالإضافة إلى أن كل تجربة على حدة، تقوم على ترجيح أحد «الاحتمالات» لا على القطع الحتمي) .. فلم يبق من علم مستيقن يمكن أن يحصل عليه البشر إلا العلم الذي يأتيهم من عند العليم الخبير، والذي يقصه من يقص الحق وهو خير الفاصلين. وثانيا: بكونه مبرأ من الانقطاع والتمزق الملحوظين في الدراسات «العلمية» والتأملات «الفلسفية» والومضات «الفنية» جميعا. فهو لا يفرد كل جانب من جوانب (الكل) الجميل المتناسق بحديث مستقل كما تصنع أساليب الأداء البشرية. وإنما هو يعرض هذه الجوانب في سياق موصول؛ يرتبط فيه عالم الشهادة بعالم الغيب. وتتصل فيه حقائق الكون والحياة والإنسان بحقيقة الألوهية. وتتصل فيه الدنيا بالآخرة. وحياة الناس في الأرض بحياة الملأ الأعلى في أسلوب تتعذر مجاراته أو تقليده، لأن الأسلوب البشري عند ما يحاول تقليده في هذا الخاصية تبدو فيه الحقائق مختلطة مضطربة غامضة، غير واضحة ولا محددة ولا منسقة، كما تبدو في المنهج القرآني. «وهذا الاتصال والارتباط في عرض جملة الحقائق في السياق القرآني الواحد قد يختلف فيه التركيز على أي منها بين موضع وموضع. ولكن هذا الترابط يبدو ودائما. فعند ما يكون التركيز في موضع من السياق القرآني مثلا على تعريف الناس بربهم الحق، تتجلى هذه الحقيقة الكبيرة في آثار القدرة الإلهية الفاعلة في الكون والحياة والإنسان. في

стр. 2346

عالم الغيب وعالم الشهادة سواء .. وعند ما يكون التركيز في موضع آخر على التعريف بحقيقة الكون تتجلى العلاقة بين «حقيقة الألوهية» و «حقيقة الكون» ويتطرق السياق كثيرا إلى حقيقة الحياة والأحياء، وإلى سنن الله في الكون والحياة .. وعند ما يكون التركيز على «حقيقة الإنسان» يتجلى ارتباطها بحقيقة الألوهية وبالكون والأحياء، وبعالم الغيب وعالم الشهادة على السواء .. وعند ما يكون التركيز على الدار الآخرة تذكر الحياة الدنيا وترتبطان بالله وبسائر الحقائق الأخرى .. وكذلك عند ما يكون التركيز على قضايا الدنيا .. إلى آخر النسق من العرض، الواضح الملامح في القرآن. وثالثا: بكونه- مع تماسك جوانب «الحقيقة» وتناسقها- يحافظ تماما على إعطاء كل جانب من جوانبها- في الكل المتناسق- مساحته التي تساوي وزنه الحقيقي في ميزان الله- وهو الميزان- ومن ثم تبدو «حقيقة الألوهية» وخصائصها، وقضية «الألوهية والعبودية» بارزة مسيطرة محيطة شاملة؛ حتى ليبدو أن التعريف بتلك الحقيقة وتجلية هذه القضية هو موضوع القرآن الأساسي. وتشغل حقيقة عالم الغيب- بما فيه القدر والدار الآخرة- مساحة بارزة. ثم تنال حقيقة الإنسان، وحقيقة الكون، وحقيقة الحياة، أنصبة متناسقة تناسق هذه الحقائق في عالم الواقع. وهكذا لا تدغم حقيقة من الحقائق، ولا تهمل، ولا تضيع معالمها في المشهد الكلي الذي تعرض فيه هذه الحقائق. وكما أن هذه الحقائق لا يطغى بعضها على بعض في التصور الإسلامي في ذاته- كما بينا في فصل «التوازن» في القسم الأول- حيث لا ينتهي الإعجاب بالكون المادي ودقة نواميسه وتناسق أجزائه وقوانينه إلى تأليهه- كمؤلهة العوالم المادية والأكوان الطبيعية قديما وحديثا- ولا ينتهي الإعجاب بعظمة الحياة واهتدائها إلى وظائفها وتناسقها مع نفسها ومع المحيط الكوني إلى تأليهها- كأصحاب المذهب الحيوي- ولا ينتهي الإعجاب بالإنسان، وتفرده في خصائصه والاستعدادات الكامنة في كياناته المنطلقة في تعامله مع الكون، إلى تأليه الإنسان- أو العقل- في صورة من الصور- كالمثاليين في عمومهم- ولا ينتهي الإجلال للحقيقة الإلهية في ذاتها إلى إنكار وجود العوالم المادية أو احتقارها أو احتقار الكائن الإنساني- كالمذاهب الهندوكية والبوذية والنصرانية المحرفة- كما أن هذا التوازن هو طابع التصور الإسلامي ذاته، فكذلك هو طابع منهج العرض القرآني لمقومات هذا التصور والحقائق التي يقوم عليها بحيث تبدو كلها واضحة في المشهد الفريد الذي يرسمه للكل في السياق القرآني الواحد. وهي خاصية قرآنية لا يملكها الأداء الإنساني.

стр. 2347

«رابعا: بتلك الحيوية الدافقة المؤثرة الموحية- مع الدقة والتقرير والتحديد الحاسم. وهي تمنح هذه الحقائق حيوية وإيقاعات وروعة وجمالا، لا يتسامى إليها المنهج البشري في العرض ولا الأسلوب البشري في التعبير. ثم هي في الوقت ذاته تعرض في دقة عجيبة، وتحديد حاسم؛ ومع ذلك لا تجور الدقة على الحيوية والجمال، ولا يجور التحديد على الإيقاع والروعة. «ولا يمكن أن نصف نحن في أسلوبنا البشري، ملامح المنهج القرآني. فنبلغ من ذلك ما يبلغه تذوق هذا المنهج. كما أنه لا يمكن أن نبلغ بهذا البحث كله عن «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» شيئا مما يبلغه القرآن في هذا الشأن. وما نحاول تقديم هذا البحث للناس إلا لأن الناس قد بعدوا عن القرآن ببعدهم عن الحياة في مثل الجو الذي تنزل فيه القرآن. ولم يعودوا يزاولون تلك الملابسات، ولا يعانون تلك الاهتمامات التي كان يزاولها ويعانيها من كان يتنزل عليهم القرآن. بينما ينشئون المجتمع المسلم في وجه كل الملابسات القائمة حينذاك والاستمتاع بخصائصه ومذاقاته». انتهت المقتطفات. والقرآن يقدم حقائق العقيدة- أحيانا- في مجالات لا يخطر للفكر البشري عادة أن يلم بها، لأنها ليست من طبيعة ما يفكر فيه عادة أو يلتفت إليه على هذا النحو. من هذا القبيل ما جاء في سورة الأنعام في تصوير حقيقة العلم الإلهي ومجالاته. وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ. فهذه المطارح المترامية، الخفية والظاهرة، ليست مما يتوجه الفكر البشري إلى ارتيادها على هذا النحو؛ وهو في معرض تصوير شمول العلم، مهما أراد تصوير هذا الشمول. ولو أن فكرا بشريا هو الذي يريد تصوير شمول العلم لاتجه اتجاهات أخرى تناسب اهتمامات الإنسان وطبيعة تصوراته .... وإن آية واحدة من القرآن كهذه الآية لمما يوحي بأن هذا القرآن ليس من قول البشر. فمثل هذا الخاطر الكوني لا يخطر بطبيعته على قلب بشر. ومثل هذا التصور الكوني لا دوافع إليه من طبيعة تصور البشر .... كذلك يبدو الطابع الإلهي في هذا القرآن في طريقة استدلاله بأشياء وأحداث مثيرة

стр. 2348

صغيرة في ظاهرها؛ وهي ذات حقيقة ضخمة تناسب الموضوع الذي يستدل بها عليه. كما يبدو في قوله تعالى من سورة الواقعة: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ* أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ؟ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ* نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ* عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ* وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ* أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ* لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ* أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ؟ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ؟ * نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ* فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ. إن هذا القرآن يجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة قضايا كونية كبرى يكشف فيها عن النواميس الإلهية في الوجود، وينشئ بها عقيدة ضخمة شاملة وتصورا كاملا لهذا الوجود، كما يجعل منها منهجا للنظر والتفكير، وحياة للأرواح والقلوب، ويقظة في المشاعر والحواس. يقظة لظواهر هذا الوجود التي تطالع الناس صباح مساء وهم غافلون عنها، ويقظة لأنفسهم وما يجري من العجائب والخوارق فيها. إنه لا يكل الناس إلى الحوادث الفذة الخارقة، والمعجزات الخاصة المعدودة. كذلك لا يكلفهم أن يبحثوا عن الخوارق والمعجزات والآيات والدلائل بعيدا عن أنفسهم، ولا عن مألوف حياتهم، ولا عن الظواهر الكونية القريبة منهم المعروفة لهم. إنه لا يبعد بهم في فلسفات معقدة، أو مشكلات عقلية عويصة، أو تجارب عملية لا يملكها كل أحد. لكي ينشئ في نفوسهم عقيدة وتصورا للكون والحياة قائما على هذه العقيدة. إن أنفسهم من صنع الله، وظواهر الكون حولهم من إبداع قدرته، والمعجزة كامنة في كل ما تبدعه يده. وهذا القرآن قرآنه. ومن ثم يأخذهم إلى هذه المعجزات الكامنة فيهم، والمبثوثة في الكون من حولهم. يأخذهم إلى هذه الخوارق المألوفة لهم التي يرونها ولا يحسون حقيقة الإعجاز فيها. لأنهم لطول ألفتهم بها غفلوا عن مواضع الإعجاز فيها. يأخذهم إليها ليفتح عيونهم عليها، فتطلع على السر الهائل المكنون فيها. سر القدرة المبدعة، وسر الوحدانية المفردة. وسر الناموس الأزلي الذي يعمل في كيانهم أنفسهم كما يعمل في الكون من حولهم، والذي يحمل دلائل الإيمان؛ وبراهين العقيدة فيبثها في كيانهم، أو يوقظها في فطرتهم بتعبير أدق. وعلى هذا المنهج يسير، وهو يعرض عليهم آيات القدرة المبدعة في خلقهم هم أنفسهم. وفي زرعهم الذي تزاوله أيديهم. وفي الماء الذي يشربون. وفي النار التي

стр. 2349

يوقدون وهي أبسط ما يقع تحت أبصارهم من مألوفات حياتهم، كذلك يصور لهم لحظة النهاية. نهاية الحياة على هذه الأرض وبدء الحياة في العالم الآخر. اللحظة التي يواجهها كل أحد، والتي تنتهي عندها كل حيلة، والتي تقف الأحياء وجها لوجه أمام القدرة المطلقة المتصرفة وقفة فاصلة. لا محاولة فيها ولا مجال. حيث تسقط جميع الأقنعة وتبطل جميع التعلات. إن طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره. إنه المصدر الذي صدر منه الكون. فطريقة بنائه هي طريقة بناء الكون، فمن أبسط المواد الكونية تنشأ أعقد الأشكال، وأضخم الخلائق. الذرة يظن أنها مادة بناء الكون، والخلية يظن أنها مادة بناء الحياة. والذرة على صغرها معجزة في ذاتها، والخلية على ضآلتها آية في ذاتها. وهنا في القرآن يتخذ من أبسط المشاهدات المألوفة للبشر مادة لبناء أضخم عقيدة دينية وأوسع تصور كوني .. المشاهدات التي تدخل في تجارب كل إنسان: النسل. والزرع والماء. والنار. والموت .. أي إنسان على ظهر هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟ أي ساكن كهف لم يشهد نشأة حياة جنينية، ونشأة حياة نباتية. ومسقط ماء. وموقد نار. ولحظة وفاة؟ .. من هذه المشاهدات التي رآها كل إنسان ينشئ القرآن العقيدة، لأنه يخاطب كل إنسان في كل بيئة. وهذه المشاهدات البسيطة الساذجة بذاتها هي أضخم الحقائق الكونية، وأعظم الأسرار الربانية، فهى في بساطتها تخاطب فطرة كل إنسان وهي في حقيقتها موضوع دراسة أعلم العلماء إلى آخر الزمان .. ) هذا بعض شأن القرآن فمن أين يستطيع الإنسان أن يأتي بسورة من مثل سور القرآن؟ وكيف يبقى مع هذا الإعجاز شك بهذا القرآن؟ ولننتقل إلى المجموعة الثانية من المقطع الثاني: المجموعة الثانية بعد أن قامت عليهم الحجة في المجموعة الأولى وتبين استحقاقهم للضلال بسبب ما هم عليه من خسة الصفات، تأتي الآن المجموعة الثانية لتبين قضية، وتجيب على سؤالين. القضية هي: ما أعد لهم في الدنيا والآخرة: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ أي كأنهم لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا أو في القبور إِلَّا

стр. 2350

ساعَةً مِنَ النَّهارِ أي يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في قبورهم لهول ما يرون، والتقدير: ويوم يحشرهم مشبهين بمن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ أي يعرف بعضهم بعضا كأن لم يتعارفوا إلا قليلا وذلك عند خروجهم من القبور، ثم ينقطع التعارف بينهم لشدة الأمر عليهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وأي خسارة أكبر من خسران الأنفس والأهل، شبهوا بالتاجر الخاسر لأنهم باعوا الإيمان بالكفر وَما كانُوا مُهْتَدِينَ في ما ساروا فيه وسلكوه إذ وصلوا إلى النار وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب أي وإما تنتقم منهم في حياتك لتقر عينك منهم أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل عذابهم أي إما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن نريكه فنحن نريكه في الآخرة فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ أي مصيرهم ومنقلبهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ أي والله شهيد على أفعالهم بعدك، أي وهو يعاقبهم عليها، فهم إذن لا يفلتون من العقاب الأخروي، وإن شاء الله أن يعذبهم في الدنيا فعل، فإنهم يستحقون ذلك، والآية الثانية أشارت ضمنا أن العذاب الدنيوي لا حق بمن يكذب الرسل، إما في حياة الرسل، أو بعد وفاتهم، تلك سنة الله التي سجلها في الآية اللاحقة وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ أي يبعث إليهم لينبههم على التوحيد ويدعوهم إلى دين الحق فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ بالبينات فكذبوه ولم يتبعوه قُضِيَ بَيْنَهُمْ أي بين الرسول ومكذبيه بِالْقِسْطِ أي بالعدل لا يظلمون، بل يعذبون عدلا وينجي الله الرسول ومن صدقه وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بما عذبوا لأنهم مجرمون، فليحذر هؤلاء المكذبون عذاب الدنيا والآخرة. وبعض المفسرين اتجه في الآية إلى أنها في الآخرة ومعناها عندهم: ولكل من الأمم يوم القيامة رسول تنسب، إليه وتدعى به، فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان قضي بينهم بالقسط، وهم لا يظلمون، لأنه لا يعذب أحد بغير ذنبه. كلمة في السياق: لقد أنذرت الآيات الثلاث وحذرت، وعرضت علينا بعض الغيوب التي أخبر عنها القرآن مما سيأتى تأويلها فيما بعد، فأرتنا سخافة هؤلاء الذين سارعوا إلى التكذيب دون تدبر وعقل، مع أن الأمر من الخطورة بمثل هذا الذي ذكرته الآيات، وبعد الآيات يأتي في المجموعة سؤالان وجوابهما، إن الكافرين بدلا من أن يسارعوا إلى التصديق بهذا القرآن وبما أخبر عنه بعد قيام الحجة،- إنهم بدلا من ذلك- يسألون سؤال المكذب والمشكك، ومن ثم تعرض علينا المجموعة شأنهم
следующие страницы →