Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
عالم الغيب وعالم الشهادة سواء .. وعند ما يكون التركيز في موضع آخر على التعريف بحقيقة الكون تتجلى العلاقة بين «حقيقة الألوهية» و «حقيقة الكون» ويتطرق السياق كثيرا إلى حقيقة الحياة والأحياء، وإلى سنن الله في الكون والحياة .. وعند ما يكون التركيز على «حقيقة الإنسان» يتجلى ارتباطها بحقيقة الألوهية وبالكون والأحياء، وبعالم الغيب وعالم الشهادة على السواء .. وعند ما يكون التركيز على الدار الآخرة تذكر الحياة الدنيا وترتبطان بالله وبسائر الحقائق الأخرى .. وكذلك عند ما يكون التركيز على قضايا الدنيا .. إلى آخر النسق من العرض، الواضح الملامح في القرآن.
وثالثا: بكونه- مع تماسك جوانب «الحقيقة» وتناسقها- يحافظ تماما على إعطاء كل جانب من جوانبها- في الكل المتناسق- مساحته التي تساوي وزنه الحقيقي في ميزان الله- وهو الميزان- ومن ثم تبدو «حقيقة الألوهية» وخصائصها، وقضية «الألوهية والعبودية» بارزة مسيطرة محيطة شاملة؛ حتى ليبدو أن التعريف بتلك الحقيقة وتجلية هذه القضية هو موضوع القرآن الأساسي. وتشغل حقيقة عالم الغيب- بما فيه القدر والدار الآخرة- مساحة بارزة. ثم تنال حقيقة الإنسان، وحقيقة الكون، وحقيقة الحياة، أنصبة متناسقة تناسق هذه الحقائق في عالم الواقع. وهكذا لا تدغم حقيقة من الحقائق، ولا تهمل، ولا تضيع معالمها في المشهد الكلي الذي تعرض فيه هذه الحقائق. وكما أن هذه الحقائق لا يطغى بعضها على بعض في التصور الإسلامي في ذاته- كما بينا في فصل «التوازن» في القسم الأول- حيث لا ينتهي الإعجاب بالكون المادي ودقة نواميسه وتناسق أجزائه وقوانينه إلى تأليهه- كمؤلهة العوالم المادية والأكوان الطبيعية قديما وحديثا- ولا ينتهي الإعجاب بعظمة الحياة واهتدائها إلى
وظائفها وتناسقها مع نفسها ومع المحيط الكوني إلى تأليهها- كأصحاب المذهب الحيوي- ولا ينتهي الإعجاب بالإنسان، وتفرده في خصائصه والاستعدادات الكامنة في كياناته المنطلقة في تعامله مع الكون، إلى تأليه الإنسان- أو العقل- في صورة من الصور- كالمثاليين في عمومهم- ولا ينتهي الإجلال للحقيقة الإلهية في ذاتها إلى إنكار وجود العوالم المادية أو احتقارها أو احتقار الكائن الإنساني- كالمذاهب الهندوكية والبوذية والنصرانية المحرفة- كما أن هذا التوازن هو طابع التصور الإسلامي ذاته، فكذلك هو طابع منهج العرض القرآني لمقومات هذا التصور والحقائق التي يقوم عليها بحيث تبدو كلها واضحة في المشهد الفريد الذي يرسمه للكل في السياق القرآني الواحد. وهي خاصية قرآنية لا يملكها الأداء الإنساني.
стр. 2347
«رابعا: بتلك الحيوية الدافقة المؤثرة الموحية- مع الدقة والتقرير والتحديد الحاسم. وهي تمنح هذه الحقائق حيوية وإيقاعات وروعة وجمالا، لا يتسامى إليها المنهج البشري في العرض ولا الأسلوب البشري في التعبير. ثم هي في الوقت ذاته تعرض في دقة عجيبة، وتحديد حاسم؛ ومع ذلك لا تجور الدقة على الحيوية والجمال، ولا يجور التحديد على الإيقاع والروعة.
«ولا يمكن أن نصف نحن في أسلوبنا البشري، ملامح المنهج القرآني. فنبلغ من ذلك ما يبلغه تذوق هذا المنهج. كما أنه لا يمكن أن نبلغ بهذا البحث كله عن «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» شيئا مما يبلغه القرآن في هذا الشأن. وما نحاول تقديم هذا البحث للناس إلا لأن الناس قد بعدوا عن القرآن ببعدهم عن الحياة في مثل الجو الذي تنزل فيه القرآن. ولم يعودوا يزاولون تلك الملابسات، ولا يعانون تلك الاهتمامات التي كان يزاولها ويعانيها من كان يتنزل عليهم القرآن. بينما ينشئون المجتمع المسلم في وجه كل الملابسات القائمة حينذاك والاستمتاع بخصائصه ومذاقاته». انتهت المقتطفات.
والقرآن يقدم حقائق العقيدة- أحيانا- في مجالات لا يخطر للفكر البشري عادة أن يلم بها، لأنها ليست من طبيعة ما يفكر فيه عادة أو يلتفت إليه على هذا النحو.
من هذا القبيل ما جاء في سورة الأنعام في تصوير حقيقة العلم الإلهي ومجالاته.
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.
فهذه المطارح المترامية، الخفية والظاهرة، ليست مما يتوجه الفكر البشري إلى ارتيادها على هذا النحو؛ وهو في معرض تصوير شمول العلم، مهما أراد تصوير هذا الشمول. ولو أن فكرا بشريا هو الذي يريد تصوير شمول العلم لاتجه اتجاهات أخرى تناسب اهتمامات الإنسان وطبيعة تصوراته ....
وإن آية واحدة من القرآن كهذه الآية لمما يوحي بأن هذا القرآن ليس من قول البشر. فمثل هذا الخاطر الكوني لا يخطر بطبيعته على قلب بشر. ومثل هذا التصور الكوني لا دوافع إليه من طبيعة تصور البشر ....
كذلك يبدو الطابع الإلهي في هذا القرآن في طريقة استدلاله بأشياء وأحداث مثيرة
стр. 2348
صغيرة في ظاهرها؛ وهي ذات حقيقة ضخمة تناسب الموضوع الذي يستدل بها عليه.
كما يبدو في قوله تعالى من سورة الواقعة: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ* أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ؟ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ* نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ* عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ* وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ* أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ* لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ* أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ؟ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ؟ * نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ* فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ.
إن هذا القرآن يجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة قضايا كونية كبرى يكشف فيها عن النواميس الإلهية في الوجود، وينشئ بها عقيدة ضخمة شاملة وتصورا كاملا لهذا الوجود، كما يجعل منها منهجا للنظر والتفكير، وحياة للأرواح والقلوب، ويقظة في المشاعر والحواس. يقظة لظواهر هذا الوجود التي تطالع الناس صباح مساء وهم غافلون عنها، ويقظة لأنفسهم وما يجري من العجائب والخوارق فيها.
إنه لا يكل الناس إلى الحوادث الفذة الخارقة، والمعجزات الخاصة المعدودة. كذلك لا يكلفهم أن يبحثوا عن الخوارق والمعجزات والآيات والدلائل بعيدا عن أنفسهم، ولا عن مألوف حياتهم، ولا عن الظواهر الكونية القريبة منهم المعروفة لهم. إنه لا يبعد بهم في فلسفات معقدة، أو مشكلات عقلية عويصة، أو تجارب عملية لا يملكها كل أحد. لكي ينشئ في نفوسهم عقيدة وتصورا للكون والحياة قائما على هذه العقيدة.
إن أنفسهم من صنع الله، وظواهر الكون حولهم من إبداع قدرته، والمعجزة كامنة في كل ما تبدعه يده. وهذا القرآن قرآنه. ومن ثم يأخذهم إلى هذه المعجزات الكامنة فيهم، والمبثوثة في الكون من حولهم. يأخذهم إلى هذه الخوارق المألوفة لهم التي يرونها ولا يحسون حقيقة الإعجاز فيها. لأنهم لطول ألفتهم بها غفلوا عن مواضع الإعجاز فيها. يأخذهم إليها ليفتح عيونهم عليها، فتطلع على السر الهائل المكنون فيها. سر القدرة المبدعة، وسر الوحدانية المفردة. وسر الناموس الأزلي الذي يعمل في كيانهم أنفسهم كما يعمل في الكون من حولهم، والذي يحمل دلائل الإيمان؛ وبراهين العقيدة فيبثها في كيانهم، أو يوقظها في فطرتهم بتعبير أدق.
وعلى هذا المنهج يسير، وهو يعرض عليهم آيات القدرة المبدعة في خلقهم هم أنفسهم. وفي زرعهم الذي تزاوله أيديهم. وفي الماء الذي يشربون. وفي النار التي
стр. 2349
يوقدون وهي أبسط ما يقع تحت أبصارهم من مألوفات حياتهم، كذلك يصور لهم لحظة النهاية. نهاية الحياة على هذه الأرض وبدء الحياة في العالم الآخر. اللحظة التي يواجهها كل أحد، والتي تنتهي عندها كل حيلة، والتي تقف الأحياء وجها لوجه أمام القدرة المطلقة المتصرفة وقفة فاصلة. لا محاولة فيها ولا مجال. حيث تسقط جميع الأقنعة وتبطل جميع التعلات.
إن طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره. إنه المصدر الذي صدر منه الكون. فطريقة بنائه هي طريقة بناء الكون، فمن أبسط المواد الكونية تنشأ أعقد الأشكال، وأضخم الخلائق. الذرة يظن أنها مادة بناء الكون، والخلية يظن أنها مادة بناء الحياة. والذرة على صغرها معجزة في ذاتها، والخلية على ضآلتها آية في ذاتها.
وهنا في القرآن يتخذ من أبسط المشاهدات المألوفة للبشر مادة لبناء أضخم عقيدة دينية وأوسع تصور كوني .. المشاهدات التي تدخل في تجارب كل إنسان: النسل. والزرع والماء. والنار. والموت .. أي إنسان على ظهر هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟ أي ساكن كهف لم يشهد نشأة حياة جنينية، ونشأة حياة نباتية. ومسقط ماء. وموقد نار. ولحظة وفاة؟ ..
من هذه المشاهدات التي رآها كل إنسان ينشئ القرآن العقيدة، لأنه يخاطب كل إنسان في كل بيئة. وهذه المشاهدات البسيطة الساذجة بذاتها هي أضخم الحقائق الكونية، وأعظم الأسرار الربانية، فهى في بساطتها تخاطب فطرة كل إنسان وهي في حقيقتها موضوع دراسة أعلم العلماء إلى آخر الزمان .. )
هذا بعض شأن القرآن فمن أين يستطيع الإنسان أن يأتي بسورة من مثل سور القرآن؟ وكيف يبقى مع هذا الإعجاز شك بهذا القرآن؟
ولننتقل إلى المجموعة الثانية من المقطع الثاني:
المجموعة الثانية
بعد أن قامت عليهم الحجة في المجموعة الأولى وتبين استحقاقهم للضلال بسبب ما هم عليه من خسة الصفات، تأتي الآن المجموعة الثانية لتبين قضية، وتجيب على سؤالين. القضية هي: ما أعد لهم في الدنيا والآخرة:
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ أي كأنهم لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا أو في القبور إِلَّا
стр. 2350
ساعَةً مِنَ النَّهارِ أي يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في قبورهم لهول ما يرون، والتقدير: ويوم يحشرهم مشبهين بمن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ أي يعرف بعضهم بعضا كأن لم يتعارفوا إلا قليلا وذلك عند خروجهم من القبور، ثم ينقطع التعارف بينهم لشدة الأمر عليهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وأي خسارة أكبر من خسران الأنفس والأهل، شبهوا بالتاجر الخاسر لأنهم باعوا الإيمان بالكفر وَما كانُوا مُهْتَدِينَ في ما ساروا فيه وسلكوه إذ وصلوا إلى النار
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب أي وإما تنتقم منهم في حياتك لتقر عينك منهم أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل عذابهم أي إما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن نريكه فنحن نريكه في الآخرة فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ أي مصيرهم ومنقلبهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ أي والله شهيد على أفعالهم بعدك، أي وهو يعاقبهم عليها، فهم إذن لا يفلتون من العقاب الأخروي، وإن شاء الله أن يعذبهم في الدنيا فعل، فإنهم يستحقون ذلك، والآية الثانية أشارت ضمنا أن العذاب الدنيوي لا حق بمن يكذب الرسل، إما في حياة الرسل، أو بعد وفاتهم، تلك سنة الله التي سجلها في الآية اللاحقة
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ أي يبعث إليهم لينبههم على التوحيد ويدعوهم إلى دين الحق فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ بالبينات فكذبوه ولم يتبعوه قُضِيَ بَيْنَهُمْ أي بين الرسول ومكذبيه بِالْقِسْطِ أي بالعدل لا يظلمون، بل يعذبون عدلا وينجي الله الرسول ومن صدقه وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بما عذبوا لأنهم مجرمون، فليحذر هؤلاء المكذبون عذاب الدنيا والآخرة. وبعض المفسرين اتجه في الآية إلى أنها في الآخرة ومعناها عندهم: ولكل من الأمم يوم القيامة رسول تنسب، إليه وتدعى به، فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان قضي بينهم بالقسط، وهم لا يظلمون، لأنه لا يعذب أحد بغير ذنبه.
كلمة في السياق:
لقد أنذرت الآيات الثلاث وحذرت، وعرضت علينا بعض الغيوب التي أخبر عنها القرآن مما سيأتى تأويلها فيما بعد، فأرتنا سخافة هؤلاء الذين سارعوا إلى التكذيب دون تدبر وعقل، مع أن الأمر من الخطورة بمثل هذا الذي ذكرته الآيات، وبعد الآيات يأتي في المجموعة سؤالان وجوابهما، إن الكافرين بدلا من أن يسارعوا إلى التصديق بهذا القرآن وبما أخبر عنه بعد قيام الحجة،- إنهم بدلا من ذلك- يسألون سؤال المكذب والمشكك، ومن ثم تعرض علينا المجموعة شأنهم
стр. 2351
هذا من خلال أسئلتهم:
السؤال الأول وجوابه:
وَيَقُولُونَ بعد إذ أعلموا ما أعدلهم من العذاب مَتى هذَا الْوَعْدُ أي وعد العذاب إِنْ كُنْتُمْ أيها النبي والمؤمنون صادِقِينَ أن العذاب نازل، يسألون هذا السؤال استعجالا للعذاب واستبعادا.
وقد أمر الرسول ﷺ أن يرد عليهم بالرد الآتي قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فأنا عبد الله يجري علي أمره ومشيئته، فمتى شاء شيئا
كان لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ أي وقت معلوم للعذاب مكتوب في اللوح المحفوظ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ أي فإذا جاء وقت عذابهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ أي لا يتقدمون ساعة ولا يتأخرون فلا تستعجلون، فأنا عبد أقول عن الله ما أمر به، ولا أعلم شيئا مما استأثر به إلا أن يطلعني الله عليه، وليس من جواب أوقع في هذا المقام من هذا الجواب،
ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يقول لهم كلاما آخر قُلْ أَرَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ الذي تستعجلونه بَياتاً أي وقت بيات وهو الليل وأنتم ساهون نائمون لا تشعرون أَوْ نَهاراً أي وأنتم مشتغلون بطلب المعاش والكسب ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ أي من العذاب الْمُجْرِمُونَ والمعنى: أن العذاب كله مكروه موجب للنفور، فأي شئ منه تستعجلونه وليس شئ منه يوجب الاستعجال؟ والمعنى:
أخبروني إذا جاء العذاب ماذا يستعجل منه المجرمون؟ والجواب: إلا الندامة على الاستعجال ومعرفة الخطأ فيه
أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ أي إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ويقال لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب تبكيتا:
آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ أي وقد كنتم تستعجلون بالعذاب تكذيبا واستهزاء
ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا بالكفر والتكذيب والشك والرد ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ أي الدوام هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ من الشرك والتكذيب والاستهزاء، وبهذا ينتهي الجواب الأول منبها هؤلاء إن كان هناك من يتنبه وتعقيبا على هذا الجواب يطرحون سؤالا آخر:
السؤال الثاني وجوابه:
وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أي ويستخبرونك فيقولون: أَحَقٌّ هُوَ أي المعاد والقيامة والعذاب أو العذاب الموعود سابقا، والتقدير: ويستخبرونك أحق ما وعدتنا من
стр. 2352
العذاب والبعث؟ ولا شك أن سؤالهم على جهة الإنكار والاستهزاء، أو على جهة الشك قُلْ إِي وَرَبِّي. أي قل نعم والله إِنَّهُ لَحَقٌّ أي العذاب كائن لا محالة وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أي بفائتين العذاب وهو لا حق بكم لا محالة، أو وما أنتم بفائتين الله أن يبعثكم، فليس صيرورتكم ترابا بمعجز الله عن إعادتكم كما بدأكم من عدم،
ثم بين لهم هول ما سيصادفونه أمامهم وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ أي كفرت أو أشركت أي ولو أن لكل نفس ظالمة ما فِي الْأَرْضِ أي ما في الدنيا اليوم من خزائنها وأموالها لَافْتَدَتْ بِهِ أي لجعلته فدية لها، فافتدوا الآن أنفسكم إذن وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ أسروا من الأضداد وعلى هذا فتحتمل هنا أنهم يظهرون الندامة، وتحتمل أنهم يخفونها عجزا عن النطق لشدة الأمر وهوله وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي بين الخلائق بِالْقِسْطِ أي بالعدل وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ شيئا.
ثم يختم الله هذه المجموعة بهذا التقرير: أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فهو المستحق للعبادة وحده أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي ثابت وكيف لا تكون مواعيده كذلك وهو رب كل شئ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أي أكثر الناس لا يَعْلَمُونَ ذلك لأنهم جاهلون بالله
هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فانتظروا فعله بكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فيجازيكم. وهكذا ختم الله هذه المجموعة بالتعريف على ذاته الكريمة، إذ الجهل بها هو سبب كل فساد، فأخبر أنه مالك السموات والأرض، وأن وعده حق كائن لا محالة، وأنه يحيي ويميت وإليه المرجع، وأنه القادر على ذلك، العليم بما تفرق من الأجسام، وتمزق في سائر أقطار الأرض والبحار والقفار. وبهذا انتهت المجموعة الثانية، وانتهى المقطع الثاني من القسم الأول، وانتهى القسم الأول من سورة يونس، وقد تقرر فيه أن هذا القرآن لا ريب فيه من رب العالمين.
كلمة في السياق:
بعد القسم الأول مباشرة يأتي قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فبعد أن عالج القسم الأول الريب يأتي القسم الثاني ليبين بعض خصائص القرآن، كما يبين ضرورة الاهتداء به فالقسم الأول كان في قوله تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
والقسم الثاني كان في قوله تعالى هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وقبل أن ننتقل إلى القسم الثاني فلنذكر بعض الفوائد حول المجموعة التي مرت معنا.
стр. 2353
فوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ يذكر ابن كثير حديثا يرويه الطبراني ليس له علاقة مباشرة في الآية نذكره لما فيه من فائدة:
روى الطبراني عن حذيفة بن أسيد عن النبي ﷺ قال: «عرضت علي أمتي البارحة لدى هذه الحجرة أولها وآخرها» فقال رجل: يا رسول الله عرض عليك من خلق فكيف من لم يخلق؟ فقال: «صوروا لي في الطين حتى إني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه».
٢ - وبمناسبة قوله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي يذكر ابن كثير أنه لم يرد القسم على اليوم الآخر في القرآن إلا في ثلاثة مواطن هذه إحداها. قال ابن كثير: وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد:
في سورة سبأ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ وفي التغابن: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.
٣ - لاحظنا أن القسم الأول في مقطعيه قد قطع دابر كل شبهة يمكن أن تعرض في أمر هذا القرآن، وخلال ذلك وعظ وأنذر وحذر وبشر ليجمع مع إقامة الحجة على أن القرآن لا ريب فيه، الدعوة إلى الإيمان به، والآن يأتي القسم الثاني وإذا كان القسم الأول كما قلنا في تفصيل قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ فإن القسم الثاني بدايته
في تفصيل قوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ولذلك فهو مبدوء بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ... فبعد أن أقام الله الحجة على الناس جميعا بأن هذا القرآن لا ريب فيه بين لهم جميعا ما هو هذا القرآن، وما هي خصائصه. ثم أتبع ذلك بما يناسبه.
فلننتقل إلى القسم الثاني.
стр. 2354
القسم الثاني من سورة يونس ﵇
يمتد هذا القسم من الآية (٥٧) إلى نهاية الآية (١٠٣)
وهو يتألف من ثلاثة مقاطع، المقطع الأول فيه حديث عن القرآن، وفيه نماذج على هدايته، وفيه تصحيح لانحرافات، والمقطع الثاني: فيه بعض قصص الأنبياء التي تبين أن هذا القرآن ليس بدعا من الهدى، والمقطع الثالث: وفيه عودة إلى مناقشة الشك والريب ليكون ذلك مقدمة للقسم الثالث الذي يدعو إلى ترك الشك، وإلى اتباع الحق، وبذلك يكون التفصيل لقوله تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ قد تم.
المقطع الأول من القسم الثاني
ويمتد من الآية (٥٧) إلى نهاية الآية (٧٠) وهذا هو:
[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٧ الى ٧٠]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠) وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٦٦)
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)
стр. 2355
التفسير:
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي كتاب فيه ما لكم وما عليكم، قد جعله الله لمن تلاه وتدبره زاجرا عن الفواحش، ومربيا وحاضا على الخير، وهذا من خصائص هذا القرآن، فإنه تكلم عن كل معنى من المعاني بأسلوب الوعظ، وهذا من مظاهر إعجازه، إن أحدا من البشر لا يستطيع أن يتكلم عن الكون، وعن التشريع، وعن القصة، وعن التاريخ، وعن المستقبل، وعن التربية، بأدق المعاني
стр. 2356
وبأسلوب وعظي يصل إلى كل قلب، فإن يكون هذا القرآن هكذا فهذا وحده دليل على أنه من عند الله، وأن يكون كذلك فذلك من فضل الله وَشِفاءٌ أي دواء شاف لِما فِي الصُّدُورِ أي القلوب من العقائد الفاسدة، والشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس، فهذه خاصية ثانية من خواص هذا القرآن: أنه مطهر للقلب البشري من كل مرض، فالقلب البشري يمرض بالكفر والشك، والحقد والحسد وغير ذلك، هذا القلب في القرآن شفاؤه، إذا أقبل صاحبه على هذا القرآن بالتلاوة والتدبر والرغبة الصادقة وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أي ومن خصائصه أنه هدى، وأنه رحمة، ولكن للمؤمنين المصدقين، فهؤلاء الذين تحصل لهم الهداية، وتنالهم الرحمة به، فهم المستفيدون الوحيدون به ومنه، وهذا كذلك من خصائص هذا القرآن، فإن الإنسان يأخذ منه على قدر استعداده وإيمانه، أما الكافرون والمنافقون فليس لهم في هذا القرآن نصيب
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ الذي مظهره الهداية للإيمان والإسلام وَبِرَحْمَتِهِ أي القرآن فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا أي بهذا الذي من الله عليهم به من الهدى ودين الحق والكتاب الهادي فليفرحوا؛ فإنه أولى ما يفرحون به هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أي من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة، وهذا أدب عظيم لا يتحقق به إلا الموفقون الذين عرفوا القيمة الحقيقة للأشياء، أما الذين طاش لديهم الميزان فيعطون السعر الكبير لذي القيمة الحقيرة، والسعر الرخيص لذي القيمة الكبيرة، فهؤلاء بعيدون عن التوفيق وبعيدون عن حقيقة الإيمان.
أخرج ابن أبي حاتم عن أيفع بن عبد الكلاعي قال: لما قدم خراج العراق إلى عمر ﵁ خرج عمر ومولى له فجعل عمر يعد الإبل فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل
عمر يقول: الحمد لله تعالى. ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته، فقال عمر:
كذبت ليس هذا هو الذي يقول تعالى قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ الآية، وهذا مما يجمعون. رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني، فانظر هداك الله إلى نظرات الموفقين وتقييمهم للأشياء واقتد بها ولا يسرين إلى قلبك داء العصر (المادية) أي حب الدنيا والركون إليها، والاطمئنان إليها، وجعلها المقياس الوحيد، ومن هذا المقام ندرك الفارق الكبير بين التصور الإسلامي والتصورات الكافرة المعاصرة. إن أضخم دولتين في العالم الآن الاتحاد السوفيتي وأمريكا، يقوم مجتمعهما على فلسفة مادية بحتة؛ تقيم الأشياء من خلال مردودها المادي.
الاتحاد السوفيتي ينطلق من الفلسفة الماركسية التي تعتبر الإنتاج هو كل شئ، والاقتصاد هو كل شئ في حياة البشر. والمجتمع الأمريكي يقوم على فلسفة البراجماتزم: أي فلسفة
стр. 2357
المنفعة، وهي تعني أن قيمة الشئ بقدر ما يقدم من نفع مادي للإنسان. وشتان بين هذا كله وبين تربية القرآن.
فإذا استقر ما مر- وهو أن هذا القرآن هدى للمؤمنين-فماذا يترتب على ذلك؟
يترتب على ذلك أن لا يتلقى الإنسان في باب التشريع، أو في باب العقائد والتصورات، إلا عن الله، ويترتب على ذلك أن يصوغ الإنسان نفسه صياغة قرآنية كاملة، ولذلك نلاحظ أن الله أمر رسوله ﵊ أن يصحح فيما يأتي مفاهيم، وفيما بين التصحيحات قرر الله تقريرات، وفي التصحيحات والتقريرات نرى نموذجا على كون القرآن موعظة وشفاء وهدى ورحمة. فلنر بقية المقطع:
قُلْ أَرَأَيْتُمْ أي أخبروني ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي خلق لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا أي حرمتم وأحللتم بمجرد الأهواء والآراء التي لا مستند عليها ولا دليل، والرزق رزقه، والمال ماله، والملك ملكه، فهو الذي يحرم ويحل، وعنه يتلقى التحريم والتحليل، وكل تحريم وتحليل غير متلقى عنه فهو باطل، وكذب وافتراء قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ في ذلك التحريم والتحليل؟ أَمْ أي بل عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ أي تكذبون بنسبة ذلك إليه
وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي ما ظن هؤلاء الذين يحرمون ويحللون بأهوائهم، مفترين على الله أن يصنع الله لهم يوم مرجعهم إليه يوم القيامة، أيحسبون أنه لا يعاقبهم وهم يكذبون عليه. لا، بل سينالون جزاء أعمالهم إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ إذ أحل لهم ما ينفعهم وحرم ما يضرهم، وأمهل الظالمين وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ بالأخذ عن الله، وتطبيق شرع الله، والإقبال على الله، وتسخير ما أعطى الله في طاعة الله، وبعد هذا التصحيح لمفهوم التحليل والتحريم، وأنه لا يجوز أن يكون تحليل أو تحريم إلا من الله، وأن كل تحليل غير ذلك كذب وافتراء على الله، يذكر الله ويعظ ويبشر
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ أي في أمر وَما تَتْلُوا مِنْهُ أي من الشأن أو من الله مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً أي رقباء إِذْ تُفِيضُونَ أي تأخذون فِيهِ أي العمل وَما يَعْزُبُ أي يغيب عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ أي وزن ذَرَّةٍ أصغر جزء متكامل من المادة فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وذكرهما دليل على إحاطة علمه تعالى وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ كالإلكترون أو البروتون أو النيوترون وَلا أَكْبَرَ كالجزيء وما هو أكبر إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي بين وهو اللوح
стр. 2358
المحفوظ، أخبر تعالى نبيه ﷺ أنه يعلم أحواله وأحوال أمته، وجميع الخلائق في كل ساعة وأوان ولحظة، وأنه لا يغيب عن علمه وبصره مثقال ذرة في حقارتها وصغرها في السموات والأرض ولا أصغر منها ولا أكبر، إلا في كتاب، فمن كان كذلك فهو أهل الخشية وأهل التقوى، وأهل لأن يتلقى عنه في التحليل والتحريم، وأهل لأن يعبد وحده،
ولذلك عقب هذه الآية بقوله أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي فيما يستقبلونه من أحوال الآخرة وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما وراءهم من الدنيا،
ثم فسر تعالى من هم أولياؤه فقال: الَّذِينَ آمَنُوا بكل ما يجب الإيمان به وَكانُوا يَتَّقُونَ الله بامتثال أمره ونهيه، فمن كان تقيا كان لله وليا ولا ولاية إلا بهذا، فليخسأ المنحرفون عن أمر الله المفرطون في تطبيق شرعه
لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا هي الرؤيا الصالحة للرجل الصالح، يراها أو ترى له- كما سنرى- أو بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة وَفِي الْآخِرَةِ عند ما تتلقاهم مبشرة: هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ .. بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ ... لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ أي لا خلف لمواعيده أي هذا الوعد لا يبدل ولا يخلف ولا يغير، بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة ذلِكَ أي المذكور هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
وبعد أن بين الله أن أولياءه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وجه لرسوله ﷺ نهيا عن نوع من الحزن على ما عند أناس من عقائد أهل الكفر وأقوالهم وكلامهم وما يجهرون من ذلك فقال: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ أي قول هؤلاء الكافرين والمشركين، أي اعتقاداتهم، وما يجهرون به، وما يؤذون به، مبينا له إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً أي فاستعن بالله، وتوكل عليه وثق به فإن له العزة: أي القوة كلها، وقد جعلها لرسوله ﷺ وللمؤمنين هُوَ السَّمِيعُ لأقوال عباده الْعَلِيمُ بأحوالهم فيجازيهم، وينصرك في الدنيا والآخرة،
ثم عرض الله نماذج من أقوال هؤلاء الكافرين مفندا إياها، مبينا كذبها من خلال تقرير العقيدة الحق أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ عبيدا وملكا وخلقا، فالكل ملكه وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ أي والمتبوعون الذين يعبدهم المشركون من دون الله هم كذلك مملوكون لله، وإذ كان الأمر كذلك فكيف يكون هؤلاء شركاء لله؟ ومن أخبر المشركين أن آلهتهم شريكة لله في ألوهيته وربوبيته؟ الحقيقة أن المشركين يعبدون ما لا دليل لهم على عبادته، بل إنما يتبعون في
ذلك ظنونهم وتخرصهم وكذبهم وإفكهم إِنَّ أي ما يَتَّبِعُونَ في ذلك إِلَّا الظَّنَّ أي ظنهم أنها آلهة تشفع لهم وَإِنْ أي وما هُمْ إِلَّا
стр. 2359
يَخْرُصُونَ أي يكذبون في ذلك، ثم أخبر تعالى أنه الذي جعل لعباده الليل ليسكنوا فيه أي يستريحون فيه من تعبهم وكلالهم وحركاتهم، والنهار مبصرا مضيئا لمعاشهم وسعيهم وأسفارهم ومصالحهم، فمن كان كذلك كيف يشرك به؟
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي لدلالات على وحدانيته لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أي يسمعون سماع تدبر واتعاظ لهذه الحجج والأدلة فيعتبرون بها، ويستدلون على عظمة خالقها ومقدرها ومسيرها،
ثم عرض الله نموذجا على أقوالهم الفاسدة قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ أي تقدس عن ذلك؛ هو الغني عن كل ما سواه، وكل شئ إليه فقير، والولد مظهر من مظاهر الافتقار والحاجة، فإنما يطلب الولد من يحتاج إليه لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فكيف يكون له ولد مما خلق وكل شئ مملوك له عبد له! إِنْ أي ما عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ أي حجة بِهذا الذي تقولون. أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي ليس عندكم دليل على ما تقولونه من الكذب والبهتان، فكيف تتقولون على الله بلا علم، وهو إنكار ووعيد أكيد، وتهديد شديد وتوبيخ لهم.
ثم أوعد الله هؤلاء المفترين عليه، الناسبين له ما يليق به. قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بنسبة الولد له وغير ذلك.
لا يُفْلِحُونَ أي لا يسعدون،
ثم بين وجه عدم فلاحهم مَتاعٌ فِي الدُّنْيا أي لهم متاع قليل في الدنيا يتمتعون به طول حياتهم. ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ بالموت ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ أي المؤلم الموجع بِما كانُوا يَكْفُرُونَ أي بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على الله، فيما ادعوه من الإفك والزور. وبهذا انتهى المقطع بعد أن قرر الله فيه كذب الذين يحرمون- بدون علم- ويعتقدون عقيدة الشرك، وينسبون إليه ولدا. وبين الحق في صفاته ووحدانيته، وذكر برحمته بأوليائه، وذلك كله بأبلغ درجات الوعظ، فكان ذلك نموذجا على كيفية كون هذا القرآن موعظة وشفاء وهدى ورحمة.
وهكذا بين الله في هذا المقطع خصائص القرآن، ثم بين ما يترتب على كون القرآن له هذه الخصائص، وهو الاهتداء به في أمر التحليل والتحريم، وفي أمر التصورات والمواقف، وفي أمر العقائد اعتقادا وشعورا. وقبل أن ننتقل إلى المقطع الثاني فلننقل فوائد لها علاقة بهذا المقطع.
стр. 2360
فوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى عن القرآن: وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ يقول صاحب الظلال: «إن هذا القرآن شفاء لما في الصدور بكل معنى من معاني الشفاء، إنه يدب في القلوب فعلا دبيب الشفاء في الجسم المعلول. يدب فيها بإيقاعه ذي السلطان الخفي العجيب. ويدب فيها بتوجيهاته التي توقظ أجهزة التلقي الفطرية، فتهتز وتتفتح وتتلقى وتستجيب. ويدب فيها بتنظيماته وتشريعاته التي تضمن أقل احتكاك ممكن بين المجموعات البشرية في الحياة اليومية. ويدب فيها بإيحاءاته المطمئنة التي تكسب الطمأنينة في القلوب إلى الله، وإلى العدل في الجزاء، وإلى غلبة الخير، وإلى حسن المصير.
وإنها لعبارة تثير حشدا من المعاني والدلائل، تعجز عنها لغة البشر ويوحي بها هذا التعبير العجيب.
٢ - وبمناسبة قوله تعالى قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا قال صاحب الظلال: فبهذا الفضل الذي آتاه الله عباده، وبهذه الرحمة التي أفاضها عليهم من الإيمان. فبذلك وحده فليفرحوا. فهذا هو الذي يستحق الفرح لا المال ولا أعراض هذه الحياة. إن ذلك هو الفرح العلوي الذي يطلق النفس من عقال المطامع الأرضية والأعراض الزائلة، فيجعل هذه الأعراض خادمة للحياة لا مخدومة؛ ويجعل الإنسان فوقها وهو يستمتع بها لا عبدا خاضعا لها. والإسلام لا يحقر أعراض الحياة الدنيا ليهجرها الناس ويزهدوا فيها. إنما هو يزنها بوزنها ليستمتع بها الناس وهم أحرار الإرادة طلقاء اليد، مطمحهم أعلى من هذه الأعراض، وآفاقهم أسمى من دنيا الأرض.
والإيمان عندهم هو النعمة، وتأدية مقتضيات الإيمان هي الهدف. والدنيا بعد ذلك مملوكة لهم لا سلطان لها عليهم.
هكذا كان الرعيل الأولون ينظرون إلى قيم الحياة. كانوا يعدون الفضل الأول والرحمة الأولى هي ما جاءهم من الله من موعظة وهدى. فأما المال، وأما الثراء، وأما النصر ذاته فهو تابع. لذلك كان النصر يأتيهم، وكان المال ينثال عليهم، وكان الثراء يطلبهم .. إن طريق هذه الأمة واضح. إنه في هذا الذي يسنه لها قرآنها، وفي سيرة الصدر الأول فهموه من رجالها. هذا هو الطريق.
إن الأرزاق المادية، والقيم المادية، ليست هي التي تحدد مكان الناس في هذه الأرض، في الحياة الدنيا فضلا عن مكانهم في الحياة الأخرى. إن الأرزاق المادية،
стр. 2361
والتيسيرات المادية، والقيم المادية، يمكن أن تصبح من أسباب شقوة البشرية- لا في الآخرة المؤجلة ولكن في هذه الحياة الواقعة- كما نشهد اليوم في حضارة المادة الكالحة.
إنه لا بد من قيم أخرى تحكم الإنسانية، وهذه القيم الأخرى هي التي يمكن أن تعطي للأرزاق المادية والتيسيرات المادية قيمتها في حياة الناس؛ وهي التي يمكن أن تجعل منها مادة سعادة وراحة لبني الإنسان.
إن المنهج الذي يحكم حياة مجموعة من البشر هو الذي يحدد قيمة الأرزاق المادية في حياتهم. هو الذي يجعلها عنصر سعادة أو عنصر شقاء. كما يجعلها سببا للرقي
الإنساني أو مزلقا للارتكاس.
ومن هنا كان التركيز على قيمة هذا الدين في حياة أهله. والذين يركزون على القيم المادية، وعلى الإنتاج المادي، ويغفلون تلك القيمة الكبرى الأساسية، هم أعداء البشرية الذين لا يريدون لها أن ترتفع على مستوى الحيوان وعلى مطالب الحيوان.
وهم لا يطلقونها دعوة بريئة، ولكنهم يهدفون من ورائها إلى القضاء على القيم الإيمانية، وعلى العقيدة التي تعلق قلوب الناس بما هو أرفع من مطالب الحيوان- دون أن تغفل ضروراتهم الأساسية- وتجعل لهم مطالب أساسية أخرى إلى جوار الطعام والمسكن والجنس التي يعيش في حدودها الحيوان.
وهذا الصياح المستمر بتضخيم القيم المادية، والإنتاج المادي، بحيث يطغى الانشغال به على حياة الناس وتفكيرهم وتصوراتهم كلها. وبحيث يتحول الناس إلى آلات تلهث وراء هذه القيمة، وتعدها قيمة الحياة الكبرى؛ وتنسى في عاصفة الصياح المستمر ..
الإنتاج .. الإنتاج .. كل القيم الروحية والأخلاقية وتدوس هذه القيم كلها في سبيل الإنتاج المادي .. هذا الصياح ليس بريئا؛ إنما هو خطة مدبرة لإقامة أصنام تعبد بدل أصنام الجاهلية الأولى، وتكون لها السيادة العليا على القيم جميعا.
وعند ما يصبح الإنتاج المادي صنما يكدح الناس حوله ويطوفون به في قداسة الأصنام؛ فإن كل القيم والاعتبارات الأخرى تداس في سبيله وتنتهك الأخلاق.
الأسرة. الأعراض. الحريات. الضمانات .. كلها .. كلها إذا تعارضت مع توفير الإنتاج يجب أن تداس. فماذا تكون الأرباب والأصنام إن لم تكن هي هذه؟ إنه ليس من الحتم أن يكون الصنم حجرا أو خشبا. فقد يكون قيمة واعتبارا ولافتة ولقبا.
стр. 2362
إن القيمة العليا يجب أن تبقى لفضل الله ورحمته المتمثلين في هداه، الذي يشفي الصدور، ويحرر الرقاب، ويعلى من القيم الإنسانية في الإنسان. وفي ظل هذه القيمة العليا يمكن الانتفاع برزق الله الذي أعطاه للناس في الأرض؛ وبالتصنيع الذي يوفر الإنتاج المادي؛ وبالتيسيرات المادية التي تقلل من شدة الكدح؛ وبسائر هذه القيم التي تدق الجاهلية حولها الطبول في الأرض وبدون وجود تلك القيمة العليا وسيادتها تصبح الأرزاق والتيسيرات والإنتاج لعنة يشقى بها الناس، لأنها يومئذ تستخدم في إعلاء القيم الحيوانية والآلية، على حساب القيم الإنسانية العلوية.
٣ - وصف الله أولياءه بأنهم الذين اجتمع لهم: الإيمان والتقوى، ولأصحاب هذه المقامات علامات، هي أثر عن تحققهم بمقامات الولاية، وهذه نصوص تدل على هذه السمات:
قال عبد الله بن مسعود وابن عباس، وغير واحد من السلف (أولياء الله الذين إذا رأوا ذكر) الله، وقد ورد هذا في حديث مرفوع كما روى البزار ... عن ابن عباس قال: قال رجل يا رسول الله: من أولياء الله؟ قال: «الذين إذا رأوا ذكر الله» وروى ابن جرير .. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن من عباد الله عبادا يغبطهم الانبياء والشهداء» قيل من هم يا رسول لعلنا نحبهم؟ قال: «هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور، على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس. ولا يحزنون إذا حزن الناس» ثم قرأ أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ورواه أيضا أبو داود بإسناد جيد.
وفي حديث الإمام أحمد .. عن أبي مالك والأشعري قال: قال رسول الله ﷺ «يأتي من أفناء الناس، نوازع القبائل قوم لم تتصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله، وتصادقوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسهم عليها، يفزع الناس ولا يفزعون، هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون».
أقول: في موضوع الولاية وقعت أخطاء كثيرة وانحرافات خطيرة، وغلا بذلك أقوام كثيرون حتى كفروا، واعتمد كثيرون من الناس قواعد في موضوع الولاية لا أصل لها، وللآلوسي تحقيق في هذا المقام ننقله لما فيه من فوائد:
قال الألوسي: (وبالجملة متى رأينا الشخص مؤمنا متقيا حكمنا عليه بالولاية نظرا لظاهر الحال، ووجب علينا معاملته بما هو أهله من التوقير والاحترام، غير غالين فيه
стр. 2363
بتفضيله على رسول أو نبي أو نحو ذلك مما عليه العوام اليوم في معاملة من يعتقدونه وليا التي هي أشبه شئ بمعاملة المشركين من يعتقدونه إلها نسأل الله تعالى العفو والعافية، ولا يشترط فيه صدور كرامة على يده، كما يشترط في الرسول صدور معجزة، ويكفيه الاستقامة كرامة، كما يدل عليه ما اشتهر عن أبي يزيد ﵀: بل الولي الكامل لا التفات له إليها، ولا يود صدورها على يده، إلا إذا تضمنت مصلحة للمسلمين خاصة أو عامه. وفي الجواهر والدرر للشعراني سمعت شيخنا يقول: إذا زل الولي ولم يرجع لوقته عوقب بالحجاب، وهو أن يحبب إليه إظهار خرق العوائد المسماة في لسان العامة كرامات، فيظهر بها ويقول: لو كنت مؤاخذا بهذه الزلة لقبض عني التصرف، وغاب عنه أن ذلك استدراج، بل ولو سلم من الزلة، فالواجب خوفه من المكر والاستدراج، وقال بعضهم: الكرامة حيض الرجال، ومن اغتر بالكرامات بالكرى مات. وأضر الكرامات للولي ما أوجب الشهرة فإن الشهرة آفة، وقد نقل عن الخواص:
أنها تنقص مرتبة الكمال، وأيد ذلك بالأثر المشهور «خص بالبلاء من عرفه الناس» نعم ذكر في أسرار القرآن أن الولاية لا تتم إلا بأربعة مقامات: الأول: مقام المحبة، والثاني: مقام الشوق، والثالث: مقام العشق، والرابع: مقام المعرفة، ولا تكون المحبة إلا بكشف الجمال، ولا يكون الشوق إلا باستنشاق نسيم الوصال، ولا يكون العشق إلا بدنو الأنوار، ولا تكون المعرفة إلا بالصحبة، ولحصول ذلك آثار وعلامات مذكورة فيه، فليراجعه من أرادها؛ والكلام في هذا المقام كثير، وكتب القوم ملأى منه، وما ذكرناه كفاية لغرضنا. وأحسن ما يعتمد عليه في معرفة الولي اتباعه الشريعة الغراء، وسلوك المحجة البيضاء. فمن خرج عنها قيد شبر بعد عن الولاية بمراحل. فلا ينبغي
أن يطلق عليه اسم الولي ولو أتى بألف ألف خارق، فالولي الشرعي اليوم أعز من الكبريت الأحمر. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها
٤ - مما يساعد على فهم قوله تعالى لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ هذه النقول:
روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ قال: «الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له».
стр. 2364
روى ابن جرير عن أبي الدرداء في قوله تعالى لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ قال: سأل رجل أبا الدرداء عن هذه الآية فقال: لقد سألت عن شئ ما سمعت أحدا سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله ﷺ فقال: «هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له، وهي جزء من أربعة وأربعين- أو سبعين- جزءا من النبوة».
وروى الإمام أحمد ... عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قال: «الرؤيا الصاحة يبشرها المؤمن جزء من تسعة وأربعين جزءا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبرها، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثا، وليكبر، ولا يخبر بها أحدا».
وروى ابن جرير عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الرؤيا الصالحة التي يبشرها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة».
وروى ابن جرير عن أبي هريرة أنه قال: «الرؤيا الحسنة بشرى من الله وهي من المبشرات»
وروى ابن جرير عن أم كريز الكعبية أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ذهبت النبوات وبقيت المبشرات».
وهناك اتجاه لتفسير معنى البشرى يبينه ما جاء في حديث البراء ﵁: أن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب، فقالوا: أخرجي أيتها الروح الطيبة، إلى روح وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج من فمه كما تسيل القطرة من فم السقاء. وهناك اتجاه ثالث لمعنى البشرى ورد في حديث أبي ذر التالي:
وروى الإمام أحمد ... عن أبي ذر أنه قال: يا رسول الله الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه، ويثنون عليه به فقال رسول الله ﷺ «تلك عاجل بشرى المؤمن» ورواه مسلم.
٥ - بمناسبة قوله تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً يقول صاحب الظلال: (والمنهج القرآني يستخدم المشاهد الكونية كثيرا في معرض الحديث عن قضية العبودية. ذلك أن هذا الكون بوجوده وبمشاهده شاهد ناطق للفطرة
стр. 2365
لا تملك لمنطقه ردا. كذلك يخاطب الناس بما في علاقتهم بهذا الكون من تناسق. وهم يجدون هذا في حياتهم فعلا. فهذا الليل الذي يسكنون فيه، وهذا النهار الذي يبصرون به، هما ظاهرتان كونيتان شديدتا الاتصال بحياتهم. وتناسق هذه الظواهر الكونية مع حياة الناس يحسونه هم- ولو لم يتعمقوا في البحث و «العلم». ذلك أن فطرتهم الداخلية تفهم عن هذا الكون لغته الخفية.
وهكذا لم يكن البشر في عماية عن لغة الكون حتى جاءتهم «العلوم الحديثة» لقد كانوا يفهمون هذه اللغة بكينونتهم كلها. ومن ثم خاطبهم بها العليم الخبير منذ تلك القرون. وهي لغة متجددة بتجدد المعرفة، وكلما ارتقى الناس في المعرفة كانوا أقدر على فهمها، متى تفتحت قلوبهم بالإيمان، ونظرت بنور الله في هذه الآفاق)
كلمة في السياق:
ناقشت السورة حتى الآن الشك في القرآن من ناحيتين: أولا: من ناحية ما ادعاه الكافرون: أن الله أعظم من أن ينزل وحيا، وبالتالي فهذا القرآن ليس وحيه، وفندت ذلك، وثانيا من ناحية كون الرسول ﷺ مفتريا على الله بنسبة هذا القرآن إليه، وفندت ذلك. وإذ تبين أن هذا القرآن لا شك فيه أنه من عند الله، فقد بين الله خصائص كتابه ممتنا على خلقه بأن أنزل لهم هذا القرآن، والآن يأتي مقطعان من القسم الثاني: الأول: يقص علينا قصة نوح ومن جاء بعده من الرسل ﵈، ثم قصة موسى وهارون ﵉، وهذه القصص في هذا المقام نموذج على أن الله قد أرسل رسلا قبل محمد ﷺ ، وأنزل عليهم وحيا، وقد بشروا وأنذروا، فكأن الله بعد أن أقام الحجة على نفي العجب أن يرسل رسولا، يضرب الأمثال هنا على أن إرسال محمد ﷺ ليس بدعا. ثم يأتي المقطع الأخير من القسم الثاني ليناقش الشك بهذا القرآن، وبهذا الرسول مرة ثانية، ليختم السورة بالدعوة إلى اتباع القرآن وترك الشك. وبهذا تختم السورة بعد أن فصلت أن هذا القرآن لا ريب فيه، وأن فيه الهدى فليهتدوا. وهذا هو المقطع الثاني من القسم الثاني:
стр. 2366
المقطع الثاني من القسم الثاني
ويمتد هذا المقطع من الآية (٧١) إلى نهاية الآية (٩٣)
كلمة بين يدي هذا المقطع:
١ - فيما مضى من السورة ذكر الله ناسا يتعجبون من أن ينزل الله وحيا ويرسل رسولا، وقد فند الله مزاعم هؤلاء، وفي هذا المقطع يقص الله علينا قصص رسل بعثوا،
وفي ذلك تفنيد من نوع ثان لمن يكذب بالوحي وببعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام
٢ - وفيما مر من السورة حذر الله وأنذر من يكذب الرسل بالعذاب الدنيوي قبل الأخروي، وفي هذا المقطع يقص الله علينا من أنباء أقوام كذبوا فعذبوا
٣ - وفيما مر من السورة بشر الله أهل الإيمان في الدنيا والآخرة، وفي هذا المقطع يقص الله علينا كيف تكون عاقبة أهل الإيمان حميدة:
فقال عن نوح ﵇: فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ، وختم المقطع بقوله: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وفي المقطع نماذج من الهدى وهذا هو المقطع:
[سورة يونس (١٠): الآيات ٧١ الى ٩٣]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (٧٥)
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)
فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)
وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)
آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢) وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)
стр. 2367
التفسير:
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أي أخبرهم واقصص عليهم نَبَأَ نُوحٍ أي خبره مع قومه كيف ذكرهم وأنذرهم، فكذبوه؛ فأهلكهم الله ودمرهم بالغرق عن آخرهم ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك، وليعلموا أنها سنة الله أن يرسل رسلا مبشرين ومنذرين، فلا يتعجبون من إرسالك إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ أي عظم وشق عليكم مَقامِي أي لبثي فيكم بين أظهركم وَتَذْكِيرِي أي وعظي إياكم بِآياتِ اللَّهِ أي بحججه وبراهينه فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فإني لا أبالي ولا أكف عنكم، سواء عظم عليكم أو لا فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ
стр. 2368
وَشُرَكاءَكُمْ أي فاعزموا أمركم مع شركائكم على أمر تفعلونه بي ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً أي مستورا، أظهروه وجاهروني به ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ أي امضوا فيما أردتموه وَلا تُنْظِرُونِ أي تمهلون فإني لست مباليا بكم، أي مهما قدرتم فافعلوا فإني لا أباليكم، ولا أخاف منكم لأنكم لستم على شئ
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي كذبتم وأدبرتم عن تذكيري، وعن تقوى الله وطاعتي فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ أي ثواب أي لم أطلب منكم على نصحي إياكم شيئا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ أي ما ثوابي إلا على ربي وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي وأنا متمثل ما أمرت به من الإسلام لله ، الذي هو دين الأنبياء جميعا من أولهم إلى آخرهم، وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ أي على دينه فِي الْفُلْكِ أي السفينة وَجَعَلْناهُمْ هو ومن معه خَلائِفَ أي في الأرض وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بالطوفان فَانْظُرْ أي يا محمد، وكذلك أيها المخاطب كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ أي كيف كانت نهايتهم من الإهلاك، فكذلك نفعل بمن كذب الرسل وأنتم منهم، ومن خلال السياق ندرك حكمة مجئ هذه القصة. محمد ﷺ أرسل مأمورا أن ينذر الناس، وقد أنذر، فكان موقف الناس العجب أن يرسل الله رسولا. فهذه القصة تبين أن أمر الإنذار جد، وأن عاقبة المنذرين- إذا لم يؤمنوا- رهيبة في الدنيا فضلا عن الآخرة-، وأن عجب الكافرين في غير محله، لأن الله من سنته العصور أن يرسل رسلا.
كلمة في القصة القرآنية:
نلاحظ هنا أنه جاءت قصة نوح ﵇، ثم قصة موسى ﵇ وفرعون، ومن قبل هذه في سورة الأعراف ذكرت قصة نوح، وقصة موسى مع فرعون، وستتكرر قصة موسى وفرعون، وقصة نوح أكثر من مرة في القرآن، مرة بشكل مطول، ومرة بشكل مختصر فلم تتكرر القصة الواحدة؟ أذكر هاهنا شيئين:
الأول: إن كل مكان ترد فيه فإنها تخدم سياق السورة التي وردت فيها موضوعها ومحلها في الترتيب القرآني. وقد لاحظنا هنا أن قصة نوح خدمت السياق العام لسورة يونس، وهو نفي العجب، وجدية الإنذار كجزء من معالجة الشك في القرآن، بينما قصة نوح في سورة الأعراف خدمت سياق سورة الأعراف في قضية إنزال الهدى وموقف الناس منه وعاقبة ذلك. وهكذا في كل مكان، فإن القصص تخدم سياق السورة وموضوعها العام
стр. 2369
ومحورها في الترتيب القرآني الكبير.
الثاني: إن القرآن الذي من خصائصه- كما ذكرت هذه السورة- أنه مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذا القرآن تأتي القصة فيه في إطار تحقيق العظة، والقصة الواعظة ترد مرة في السورة الطويلة، ومرة في السورة المتوسطة، ومرة في السورة القصيرة، ومرة في قسم، ومرة- أو مرتين أو أكثر- في قسم آخر ليأخذ التالي من حيث تلا العظة من الحادثة البليغة، فإذا استقر هذان الشيئان في الذهن نقول: إن قصة نوح ﵇ في هذا المقام تخدم سياق سورة يونس: فهي تخدم نفي العجب عن إرسال الرسول المنذر، وهي تخدم قضية كون القرآن موعظة وهدى، وهي تخدم قضية شفاء القلب من الشك- كما سنرى- وهي في الوقت نفسه تربي المؤمن على المواقف الصحيحة تجاه الكافرين، وهي المواقف التي يمليها الإيمان بالوحي المنزل.
فائدة:
بمناسبة قوله تعالى: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يذكر ابن كثير أن الإسلام هو دين كل رسول وكل نبي، ويذكر أدلة ذلك من القرآن فيقول: (كما قال تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً (المائدة: ٤٨) قال ابن عباس: سبيلا وسنة، فهذا نوح يقول: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وقال تعالى عن إبراهيم الخليل:
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ* وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (البقرة ١٣١، ١٣٢) وقال يوسف: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (يوسف: ١٠١) وقال موسى: يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ وقالت السحرة رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (الأعراف:
١٢٦) وقالت بلقيس: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (النمل: ٤٤) وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا (المائدة: ٤٤) وقال تعالى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (المائدة: ١١١) وقال خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ : إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* لا
стр. 2370
شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (الأنعام: ١٦٢، ١٦٣) أي من هذه الأمة، ولهذا قال في الحديث الثابت عنه: «نحن معاشر الأنبياء أولاد علان ديننا واحد» أي وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت شرائعنا، وذلك معنى قوله «أولاد علات» وهم الإخوة من أمهات شتى والأب واحد)
*** ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد نوح رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ كهود وصالح وشعيب ﵈ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالمعجزات والأدلة والبراهين على صدق ما جاءوهم به فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي قبل بعث الرسل إليهم، أو المعنى: فما كانت الأمم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم بسبب تكذيبهم إياهم أول ما أرسلوا إليهم كَذلِكَ نَطْبَعُ أي نختم عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ فلا تقبل قلوبهم الإيمان كما طبعنا على قلوب أولئك فلم تقبل الإيمان، فكما طبع الله على قلوب المكذبين من الأمم الغابرة بسبب تكذيبهم العدواني المحض، هكذا يطبع الله على قلوب من أشبههم ممن بعدهم، ويختم على قلوبهم، وفي هذا إنذار عظيم لمن يكذب سيد الرسل محمدا ﷺ الذي هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فإنه إذا كان قد أصاب من كذب بتلك الرسل ما أصابهم فماذا يظن هؤلاء وقد ارتكبوا أكبر من ذلك.
كلمة في السياق:
بدأ المقطع الثاني من القسم الأول بقوله تعالى أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ... وكانت الآية الثانية فيه بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ إلى قوله فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وكانت الآية الثالثة فيه وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ وهاهنا حدثنا الله عن أمم سابقة كيف كذبت رسلها فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ فالموقف واحد، والأسباب التي تؤدي إلى تلك المواقف واحدة، وصلة هذه الآية بالسياق واضحة، وكونها نموذجا على المعاني التي مرت من قبل لا يحتاج إلى تأمل كبير
فائدة:
نلاحظ أن الآية ذكرت أن عقوبة الطبع على القلوب كانت- على أحد وجهي التفسير- بسبب الرفض للحق عند ما عرض على القلوب أول مرة- وفي هذا إنذار
стр. 2371
كبير لمن يرفض الحق وقد اتضح لقلبه- كما أن قوله تعالى: كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ يشير إلى أنه لا طبع إلا بسبب اعتداء، وهذا إنذار كبير للإنسان، ألا يقف موقف اعتداء أبدا. والآية بعد هذا كله تؤدي دورها في السياق العام لسورة يونس في نفي العجب من رسالة محمد ﷺ ؛ لأن بعثة الرسل وإرسالهم سنة
الله في العصور والأمم.
*** ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد تلك الرسل مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أي قومه بِآياتِنا أي حججنا وبراهيننا ومعجزاتنا فَاسْتَكْبَرُوا عن اتباع الحق والانقياد له والإيمان به وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ في الأصل، ومن ثم وقفوا هذا الموقف المنسجم مع إجرامهم، أو كانوا قوما مجرمين لموقفهم من موسى ورسالته
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ أي بين ظاهر، والآية تشير إلى أنهم أكدوا كونه سحرا بكل أنواع المؤكدات باستعمال كلمة (إن)، ومجئ اللام في خبرها، ووصف السحر بالوضوح، والصيغة تشير إلى استعمال القسم في كلامهم، ولذلك قال ابن كثير: كأنهم- قبحهم الله- أقسموا على ذلك وهم يعلمون أن ما قالوه كذب وبهتان. اه وهكذا دأب أهل الإجرام إذ يحاربون الدعاة إلى الله يصمونهم بكل وصمة مستعملين أبلغ صيغ التأكيد.
فائدة حول السياق:
نلاحظ كيف أن القصة هنا تؤدي دورها في السياق العام لسورة يونس، فلو تذكرنا بداية سورة يونس فإننا نجد: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ فكما اتهم محمد ﷺ بالسحر بأبلغ صيغ التأكيد في الاتهام، اتهم موسى من قبل، فقصة موسى هنا تأتي لتؤدي دورها في نفي العجب من الإرسال، وفي تبيان المواقف الخاطئة من الرسل، ولتبين نهايات المكذبين الغابرين، ليحذر المكذبون الجدد***
قالَ مُوسى لهم منكرا عليهم أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ إنه لسحر أَسِحْرٌ هذا كيف وقد أفلح من أتى به، وأبطل الله به سحر السحرة، مع أن سنة
стр. 2372
الله وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ كما هو مشاهد محس في كل العصور
قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا أي لتردنا وتثنينا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أي عن الدين الذي كانوا عليه وَتَكُونَ لَكُمَا أي لك يا موسى ولهارون الْكِبْرِياءُ أي العظمة والرئاسة والملك فِي الْأَرْضِ أرض مصر، وهكذا دأب المفسدين في كل عصر يتهمون المصلحين بنياتهم، وأنهم لا يريدون وجه الله في دعواتهم الإصلاحية، وما أقبحها من حجة وأظهر بطلانها، لأن الدعاة إلى الله يدعون الناس إلى الطريق الأصعب، ويتحملون من أجل ذلك كل قاس من الأمر، ولو كانوا يريدون الدنيا لحصلوا عليها عن طريق الممالئة والمداهنة والسكوت وخدمة الطواغيت وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ أي بمصدقين، هذا هو القرار النهائي أعلنوه بعد أن ذكروا حيثيات الرفض وأسبابه في زعمهم وتصورهم، وليدلل فرعون على سلامة موقفه الظالم بالبهرجة على الناس، بمعارضة ما جاء به موسى، أمر بدعوة السحرة ليبرهن أن ما جاء به موسى سحر فانعكس عليه النظام
وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أي فائق في علم السحر
فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى بعد ما قالوا: إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ أراد موسى أن تكون البداءة منهم ليري الناس ما صنعوا، ثم يأتي بالحق بعده فيدفع باطلهم
فَلَمَّا أَلْقَوْا أي حبالهم وعصيهم قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أي الذي جئتم به السحر، فكلمة السحر بدل من اسم الموصول (ما) وهو مبتدأ، وخبره إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ أي سيمحقه إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ هذه سنة من سنن الله أن المفسد لا يقبل عمله الإصلاح، ومن ثم فإن علينا أن لا ننسب المفسد إلى الإصلاح، ولا نغتر بأعماله، وكل داع إلى شئ يخالف شرع الله فهو مفسد، وكل من يحارب الدعوة إلى الله وأهلها فهو مفسد، فلا نغتر بعمل من أعماله، لأن سنة الله أن لا يصلح عمل المفسدين،
ثم ذكر الله سنة أخرى متممة لهذه السنة وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ أي يثبته ويظهره بِكَلِماتِهِ أي بمواعيده وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ فالمجرمون يكرهون الحق وظهوره وظهور أهله، والله يريد ذلك وما أراده الله كان، ولكنه له- ﷻ حكم في تأخير الظهور، من تمحيص للصف، وإقامة للحجة، وغير ذلك كما نراه أكثر من مرة في كتاب الله
كلمة في السياق:
نذكر مرة ثانية بما جاء في أوائل المقطع الثاني من القسم الأول: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ
стр. 2373
بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ لاحظ كلمة (بالمفسدين) ولاحظ قوله تعالى هنا إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ليتأكد لك أن هذه القصة هنا تأتي بما يخدم سياق سورة يونس فهي تأتي نموذجا على المعاني التي قررها الله من قبل.
*** فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ أي إلا طائفة من أولاد قومه وهل الضمير في (قومه) يعود إلى موسى أو إلى فرعون؟ قولان للمفسرين، فعلى القول الأول يكون المراد- والله أعلم- أن الذين آمنوا لموسى، وتحمسوا له، وأظهروا هذا الإيمان، هم الشباب من قومه، وإن كان كل بني إسرائيل قد آمنوا لموسى نوع إيمان، وعلى القول الثاني: يكون الذين آمنوا بموسى من قوم فرعون هم طائفة من الشباب كمؤمن آل فرعون التي تمر قصته معنا في سورة غافر عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ أي يصرفهم عن دين الله بتعذيبهم، وعلى القول بأن الذرية من قوم فرعون يكون المعنى:
أن هؤلاء آمنوا لموسى على خوف فرعون وأشراف قومهم أن يفتنهم فرعون أي وهؤلاء الأشراف معه أي وجنده وحاشيته، وعلى القول بأن الذرية من قوم موسى يكون المعنى:
أن هؤلاء آمنوا لموسى على خوف من فرعون أن يفتنهم، وأن أشراف قومهم كانوا خائفين عليهم كذلك أن يفتنهم فرعون، وهذا الاتجاه الثاني هو الذي يحس في الواقع،
فعند ما يقوم مصلح إلى الله ويصارع الطواغيت لا يستجيب له فى الغالب إلا الشباب، وبهذا يعرض هؤلاء الشباب أنفسهم للمحنة، فيبقون في خوف من السلطة الظالمة، وأهلوهم كذلك يخشون عليهم، فهم خائفون أن يفتنوا، وأهلوهم خائفون عليهم أن يفتنوا وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ أي متكبر فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ أي المتجاوزين الحد بادعاء الربوبية.
فوائد:
١ - يلاحظ من قوله تعالى: فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ أن الذين يستجيبون للدعوات الإصلاحية هم الشباب؛ لسلامة فطرتهم، فنفوس الشباب أقرب لأن تقبل الحق، ومن ثم فعلى أصحاب الحق أن يدركوا معدن النصرة، وألا يتطلعوا إلى أجيال ليست مرشحة لأن تفعل شيئا؛ لأنها تجاوزت دور الفاعلية، على أن صاحب الدعوة عليه أن يبلغ دعوته للجميع.
стр. 2374
٢ - يقال إن فرعون موسى هو رعمسيس الثاني فإذا صح هذا فإنه من الثابت تاريخيا أن رعمسيس الثاني هذا قد حقق انتصارات جمة في معارك كثيرة وقد أصدر منشورا عممه على مصر أعلن فيه ربوبيته- كما تذكر آثار مصر- ومن ثم ندرك من خلال هذا جانبا من معنى قوله تعالى وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ.
..........
وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ هذا دليل على أنه لم يكن في بني إسرائيل إلا مؤمن وفي هذا درس عظيم؛ فبدون التوكل على الله لا تستطيع أمة ولا جماعة ولا فرد أن تحقق هدفا يفرضه الإسلام، أو تتخلص من أوضاع ظالمة،
وقد امتثل بنو إسرائيل ذلك فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا وتوجهوا إلى الله بالدعاء رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق فيفتنوا بنا، أي لا تظفرهم بنا ولا تسلطهم علينا فيظنوا أنهم إنما سلطوا لأنهم على الحق ونحن على الباطل، وهناك تفسير آخر لمجاهد وهو: لا تسلطهم علينا فيفتنونا، ودعوا دعوة أخرى
وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ أي وخلصنا برحمة منك وإحسان مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي الذين كفروا الحق وستروه، دعوا بالعافية والنجاة وهكذا المؤمن كثير الإشفاق، راغب بفضل الله، حريص على العافية، يطلبها من الله، وإذا وضعه الله في ظرف قام بأدب الوقت فيه، من صبر، أو تحمل أو قتال، أو مقابلة بمثل ...
فائدة:
بمناسبة قوله تعالى: فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ يقول ابن كثير: أي فإن الله كاف من توكل عليه أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ (الزمر: ٣٦) وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (الطلاق: ٣) وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين العبادة والتوكل كقوله تعالى فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (هود: ١٢٣) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا (الملك: ٢٩) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (المزمل: ٩) وأمر الله تعالى المؤمنين أن يقولوا في كل صلواتهم مرات متعددة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهـ.
أقول: والقرآن بين العبادة والتوكل يفيد أنهما مرتبطان ببعضهما، فمن لا عبادة له لا توكل له، ومن ثم فإن الدعاة والمصلحين والمربين عليهم أن يعلقوا قلوب أتباعهم
стр. 2375
بالعبادة، ويعودوهم عليها ليتحققوا بالتوكل ليستطيعوا تحمل أعباء مراحل الحياة وما فيها.
...........
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا أي اتخذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً أي مصلى فيه لتأمنوا من الخوف، وكان فرعون منعهم من الصلاة، وقال سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً أي يقابل بعضها بعضا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي أتموها وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي بالنصر والجنة.
فائدة:
هذه الآية فيها الكثير من فقه الدعوة، فعلى القول الأول في تفسير القبلة نفهم أن البيوت تنوب مناب الأماكن العامة، إذا حيل بين الدعوة وهذه الأماكن، فمثلا في كثير من بلدان العالم الإسلامي- وخاصة في البلدان التي خضعت للأنظمة الشيوعية- نجد كلمة الحق محظورة في المسجد، ومضيقا عليها، حتى حلقات العلم ويحال دونها، وفي مثل هذا الظرف فالبيوت تقوم مقام المسجد، والدور العامة، ولكن لا ننسى أن المساجد هي حوانيت الإسلام ومعاقلة، فلا نتخلى عنها إلا كتخلينا عن معقل، وإلا فالأصل أن نحيي المسجد ورسالته. وإنما هي حالة الاضطرار كما هنا. قال النووي في الآية: كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم، ومن تفسير ابن جبير للقبلة نعرف أن لقرب بيوت أهل الحق من بعضهم مصلحة- بل مصالح- وفي تذييل الآية بالأمر بالصلاة والبشارة بالنصر ندرك دور الصلاة في المساعدة على التحمل، ودور التفاؤل وإشاعته في تجاوز أهل الحق المحنة وارتباط هذا بهذا، ومن ثم أمر الله المؤمنين بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ... (البقرة: ١٥٣) ومن ثم كان ﵊: «إذا حزبه أمر صلى» أخرجه أبو داود. والحاصل أن هذه الآية فيها الكثير من فقه الدعوة فقد رسمت لبني اسرائيل الطريق قال ابن كثير فيها: (يذكر تعالى سبب إنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه، وكيفية خلاصهم منه).
أقول: وهي ترسم الطريق لكل حالة مشابهة، ومن كلام صاحب الظلال في هذه الآية، آية: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً، وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ:
стр. 2376
(وتلك هي التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية. وهما معا ضروريتان للأفراد والجماعات، وبخاصة قبيل المعارك والمشقات. ولقد يستهين قوم بهذه التعبئة الروحية، ولكن التجارب ما تزال إلى هذه اللحظة تنبئ بأن العقيدة هي السلاح الأول في المعركة، وأن الأداة الحربية في يد الجندي الخائر العقيدة لا تساوي شيئا كثيرا في ساعة الشدة.
وهذه التجربة التي يعرضها الله على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة ليست خاصة لبني إسرائيل، فهي إيمانية خالصة. وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمت الفتنة وتجبر الطاغوت، وفسد الناس، وأنتنت البيئة- وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة- وهنا يرشدهم الله إلى أمور:
* اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها- ما أمكن في ذلك- وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد الله لها.
* اعتزال معابد الجاهلية، واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي؛ وتزاول عبادتها بها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعا من التنظيم في جو العبادة الطهور .. )
أقول: لقد فهم بعض قراء الشهيد سيد- ﵀ من هذه الفقرة ما لم يرده منها، فاعتزلوا الجمع والجماعات، واعتزلوا مساجد المسلمين بحجة أنها أصبحت معابد جاهلية، ويجب اعتزالها، وهذا فهم خاطئ، فالمساجد للإسلام وأهله، والأصل في المسلم صحة العقيدة حتى يتبين العكس، والأصل أن نحسن الظن في المسلم حتى يتبين العكس، والأصل أن نحسن الظن في رواد المساجد حتى يتبين العكس، وإذا ما ثبت لنا أن إمام مسجد أو خطيبه كافر فساعتئذ نتحاماه إلى غيره، وإذا ما ثبت لنا أنه مبتدع فالأولى أن نتجنبه
*** ثم أخبر تعالى عما دعا به موسى ﵇ على فرعون وملئه لما أبوا قبول الحق واستمروا على ضلالهم وكفرهم؛ معاندين جاحدين ظلما وعلوا وتكبرا وعتوا وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً من أثاث الدنيا ومتاعها وَأَمْوالًا أي
стр. 2377
جزيلة كثيرة فِي هذه الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا آتيتهم ذلك لِيُضِلُّوا في عاقبته عَنْ سَبِيلِكَ عن دينك، والمعنى: آتيتهم وأنت تعلم أنهم لا يؤمنون بما أرسلتني به إليهم، استدراجا منك لهم، فيفتتن بما أعطيتهم من شئت من خلقك، ليظن من أغويته أنك إنما أعطيتهم هذا لحبك إياهم، واعتنائك بهم. رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ أي أهلكها وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ أي اطبع عليها واستوثق فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ أى المؤلم
قالَ الله تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما مع أن الداعي موسى، إلا أن هارون كان يؤمن: أي أجبناكما فيما سألتما في شأن فرعون وآله.
فَاسْتَقِيما على الرسالة والدعوة إلى أن يأتيهم العذاب. والمعني: كما أجبت دعوتكما فاستقيما على أمري لأن النعمة تقتضي شكرا وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ في استعجال القضاء، وترك الشكر وفقدان البصر.
فوائد:
١ - قال الألوسي في الآية: واستدل بعضهم بالآية على أن الدعاء على شخص بالكفر لا يعد كفرا إذا لم يكن على وجه الاستيجاز والاستحسان للكفر، بل كان على وجه التمني لينتقم الله تعالى من ذلك الشخص أشد انتقام، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام خواهرزاده، فقولهم: الرضا بكفر الغير كفر ليس على إطلاقه عنده، بل هو مقيد بما إذا كان على وجه الاستحسان، لكن قال صاحب الذخيرة: قد عثرنا على رواية عن أبي حنيفة ﵁ أن الرضا بكفر الغير كفر من غير تفصيل، والمنقول عن علم الهدى أبي منصور الماتريدي التفصيل، ففي المسألة اختلاف، قيل: والمعول عليه أن الرضا بالكفر من حيث أنه كفر كفر، وأن الرضا به لا من هذه الحيثية بل من حيثية كونه سببا للعذاب الأليم، أو كونه أثرا من آثار قضاء الله تعالى وقدره- مثلا- ليس بكفر، وبهذا يندفع التنافي بين قولهم: الرضا بالكفر كفر. وقولهم: الرضا بالقضاء واجب بناء على حمل القضاء فيه على المقضي، ومن هذا التحقيق يعلم ما في قولهم: إن من جاءه كافر ليسلم فقال: اصبر حتى أتوضأ أو أخره يكفر؛ لرضاه بكفره في زمان؛ فيه النظر، ويؤيده ما في الحديث الصحيح في فتح مكة أن ابن أبي سرح أتى به عثمان رضي الله تعالى عنه إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله بايعه فكف ﷺ يده عن بيعته، ونظر إليه ثلاث مرات، كل ذلك يأبى أن يبايعه، فبايعه بعد الثلاث، ثم أقبل ﷺ على أصحابه فقال: «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث كففت يدي عن بيعته فيقتله؟» قالوا: وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك ألا أومأت إلينا بعينك فقال عليه
стр. 2378
الصلاة والسلام: «إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين» وقد أخرجه ابن أبي شيبة. وأبو داود. والنسائي. وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص وهو معروف في السير، فإنه ظاهر في أن التوقف مطلقا ليس كما قالوه كفرا فليتأمل.
أقول: قد استشكل بعض الناس دعوة موسى على فرعون وآله بعدم الإيمان، والجواب أنه دعا بعد إعلام الله إياه أنهم لا يؤمنون. قال ابن كثير: وهذه الدعوة كانت من موسى ﵇ غضبا لله ولدينه على فرعون وملائه، الذين تبين له أنهم لا خير فيهم، ولا يجئ منهم شئ كما دعا نوح ﵇.
٢ - قال ابن كثير: «وقد يحتج بهذه الآية (أي: قد أجيبت دعوتكما) من يقول:
إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة ينزل منزلة قراءتها لأن موسى دعا وهارون أمن.
٣ - يذكر بعض المفسرين أنه كان بين التبشير باستجابة الدعوة وبين تحقيقها أربعون سنة، وليس هناك من نص في الكتاب والسنة يحدد مثل هذا غير أن التوراة
الحالية وهي محرفة- كما نعلم- تذكر أن موسى ﵇ عند ما كلمه فرعون كان عمره ثمانين عاما. وتذكر أنه عند ما توفي كان عمره (١٢٠ سنة)، وقد توفي موسى ﵇ في أواخر أيام التيه، وعلى هذا فمثل هذه الرواية- إن كان مرجعها بني إسرائيل- فالمصدر الأول لبني إسرائيل ينقضها فالأولى عدم التحديد وعدم ذكر شئ من هذا القبيل في هذا المقام.
٤ - في سفر الخروج من أسفار التوراة الحالية حديث طويل عما جرى بين موسى وهارون ﵉ من جهة، وبين فرعون من جهة، ونلاحظ أن هلاك كثير من الأموال قد حدث أكثر من مرة.
ففي سفر الخروج الإصحاح التاسع- (فها يد الرب تكون على مواشيك التي في الحقل على الخيل والحمير والجمال والبقر والغنم وباء ثقيلا جدا .. فماتت جميع مواشي المصريين).
(فضرب البرد في كل أرض مصر جميع ما في الحقل من الناس والبهائم وضرب البرد جميع عشب الحقل وكسر جميع شجر الحقل).
وفي الإصحاح العاشر (ولما كان الصباح حملت الريح الشرقية الجراد. فصعد الجراد
стр. 2379
على كل أرض مصر وحل في جميع تخوم مصر شئ ثقيل جدا لم يكن قبله جراد هكذا مثله ولا يكون بعده كذلك. وغطى وجه كل الأرض حتى أظلمت الأرض. وأكل جميع عشب الأرض وجميع ثمر الشجر الذي تركه البرد. حتى لم يبق شئ أخضر في الشجر ولا في عشب الحقل في كل أرض مصر).
ويتردد في هذا المقام تعبير (ولكن شدد الرب قلب فرعون فلم يطلق بني إسرائيل).
(ولكن شدد الرب قلب فرعون فلم يسمع لهما كما كلم الرب موسى) قد يكون في هذه الروايات الإسرائيلية مظهر من مظاهر إجابة دعوة موسى وهارون في الطمس على الأموال والتشديد على القلوب إن صحت.
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ هذه المجاوزة المعجزة التي مرت معنا في سورة الأعراف وتمر من بعد فَأَتْبَعَهُمْ أي فلحقهم فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً أي ظلما وعدوانا حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فآمن حيث لا ينفعه الإيمان
آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ أي هذا الوقت تؤمن وقد عصيت الله قبل هذا وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ بضلالك وإضلالك عن الإيمان
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ أي نخرجك من البحر بِبَدَنِكَ أي جسدك الذي لا روح فيه لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ أي لمن بعدك آيَةً أي عبرة وعظة فيعرفوا عبوديتك ولا يقدموا على مثل فعلك وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ أي لا يتعظون بها ولا يعتبرون.
فوائد:
١ - انعقد إجماع الأمة الإسلامية على عدم نجاة فرعون وأن إيمانه لا يقبل، وسبب ذلك أن سنة الله إذا جاء العذاب قوما قبل أن يؤمنوا فإن إيمانهم لا يقبل ساعئتذ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (غافر:
٨٤، ٨٥).
٢ - عند قوله تعالى: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ قال الألوسي: (والقائل له ذلك قيل: هو الله تعالى، وقيل: هو جبريل ﵇،
стр. 2380
وقيل: إنه ميكائيل ﵇. فقد أخرج أبو الشيخ عن أبي أمامة قال: «قال رسول الله ﷺ قال لي جبريل ﵇: ما أبغضت شيئا من خلق الله تعالى ما أبغضت إبليس يوم أمر بالسجود فأبى أن يسجد، وما أبغضت شيئا أشد بغضا من فرعون فلما كان يوم الغرق خفت أن يعتصم بكلمة الإخلاص فينجو، فأخذت قبضة من حمأة فضربت بها في فيه، فوجدت الله تعالى عليه أشد غضبا مني، فأمر ميكائيل فأتاه فقال أالآن» الخ وما تضمنه هذا الخبر من فعل جبريل ﵇ جاء في غير ما خبر. ومن ذلك ما أخرجه الطيالسي، وابن حبان. وابن جرير، وابن المنذر. وابن مردويه. والبيهقي في الشعب. والترمذي. والحاكم وصححاه عن ابن عباس ﵄ قال: «قال رسول الله ﷺ قال لي جبريل: لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في في فرعون مخافة أن تدركه الرحمة».
قال بعض المحققين: إنما فعل جبريل ﵇ ما فعل غضبا عليه لما صدر منه، وخوفا أنه إذا كرر ذلك ربما قبل منه، على سبيل خرق العادة؛ لسعة بحر الرحمة الذي يستغرق كل شئ، وأما الرضا بالكفر فالحق أنه ليس بكفر مطلقا، بل إذا استحسن، وإنما الكفر رضاه بكفر نفسه، كما في التأويلات لعلم الهدى. انتهى.
والطيبي بعد أن أجاب بما أجاب أردف ذلك بقوله: على أنه ليس للعقل مجال في مثل هذا النقل الصحيح إلا التسليم ونسبة القصور إلى النفس) انتهى كلام الألوسي بشيء من الاختصار.
أقول: إن إساءة فرعون وعتوه قد بلغت مبلغا جسيما استحق به ما فعله به جبريل.
٣ - روى البخاري عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينة، واليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على.
فرعون. فقال النبي ﷺ : «أنتم أحق بموسى منهم فصوموه».
وهذه إحدى الملاحظات التي تسجل، والتي تشكل بمجموعها قاعدة هي: أن الرسول ﷺ كان يتبنى كل مناسبة لها علاقة برسول سابق؛ لأننا نحن أولى الناس بكل رسول.
٤ - يلاحظ أن التوراة قد سجلت غرق فرعون في البحر الأحمر، ولم تسجل نجاة
стр. 2381
جسده، وكل الفراعنة الذي هم مظنة أن يكونوا فرعون موسى موجودة جثثهم محنطة.
وهذا الذي دعا كثيرا من المؤرخين الغربيين إلى أن يشككوا بصحة رواية التوراة الحالية، فإذا رأينا ما ذكره القرآن هنا من نجاة الجثة عرفنا الجواب الصحيح لهذا الموضوع بما يجمع بين رواية التوراة ومكتشفات العصر، وفي هذا معجزة عظيمة من معجزات القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
٥ - يذكر المفسرون المسلمون كلاما عند قصص القرآن مرجعه في الغالب إلى كلام أهل الكتاب ونحن سننقل لك حول ما مر معنا الرواية الإسرائيلية الحالية:
في سفر الخروج الإصحاح الرابع عشر ما يلي: (فلما أخبر ملك مصر أن الشعب قد هرب تغير قلب فرعون وعبيده على الشعب. فقالوا: ماذا فعلنا حتى أطلقنا إسرائيل من خدمتنا. فشد مركبته وأخذ قومه معه. وأخذ ستمائة مركب منتخبة وسائر مركبات مصر وجنودا مركبية على جميعها. وشدد الرب قلب فرعون ملك مصر حتى سعى وراء بني إسرائيل. وبنو إسرائيل خارجون بيد رفيقه. فسعى المصريون وراءهم وأدركوهم جميع خيل مركبات فرعون وفرسانه وجيشه. وهم نازلون عند البحر عند فم الحيروث أمام بعل صفون.
فلما اقترب فرعون رفع بنو إسرائيل عيونهم وإذا المصريون راحلون وراءهم ففزعوا جدا وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب. وقالوا لموسى هل لأنه ليست قبور في مصر أخذتنا لنموت في البرية ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر. أليس هذا هو الكلام الذي كلمناك به في مصر قائلين كف عنا فنخدم المصريين. لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت في البرية. فقال موسى للشعب لا تخافوا. قفوا وانظروا خلاص الرب الذي يصنعه لكم اليوم. فإنه كما رأيتم المصريين اليوم لا تعودون ترونهم أيضا إلى الأبد. الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون. فقال الرب لموسى ما لك تصرخ إلي، قل لبني إسرائيل أن يرحلوا. وارفع أنت عصاك ومد يدك على البحر وشقه. فيدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة. وها أنا أشدد قلوب المصريين حتى يدخلوا وراءهم. فأتمجد بفرعون وكل جيشه بمركباته وفرسانه. فيعرف المصريون أني أنا الرب حين أتمجد بفرعون ومركباته وفرسانه، فانتقل ملاك الله السائر أمام عسكر إسرائيل وسار وراءهم.
стр. 2382
وانتقل عمود السحاب من أمامهم ووقف وراءهم. فدخل بين عسكر المصريين وعسكر إسرائيل. وصار السحاب والظلام وأضاء الليل، فلم يقترب هذا إلى ذاك كل الليل. ومد موسى يده على البحر فأجرى الرب البحر بريح شرقية شديدة كل الليل.
وجعل البحر يابسة وأنشف الماء. فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم وتبعهم المصريون ودخلوا وراءهم جميع خيل فرعون ومركباته وفرسانه إلى وسط البحر. وكان في هزيع الصبح أن الرب أشرف على عسكر المصريين في عمود النار والسحاب وأزعج عسكر المصريين وخلع بكر مركباتهم حتى ساقوها بثقلة. فقال المصريون نهرب من إسرائيل لأن الرب يقاتل المصريين عنهم.
فقال الرب لموسى مد يدك على البحر ليرجع الماء على المصريين على مركباتهم وفرسانهم. فمد موسى يده على البحر فرجع البحر عند إقبال الصبح إلى حاله الدائمة والمصريون هاربون إلى لقائه. فدفع الرب المصريين في وسط البحر. فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل وراءهم في البحر. لم يبق منهم ولا واحد. وأما بنو إسرائيل فمشوا على اليابسة في وسط البحر والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم.
فخلص الرب في ذلك اليوم إسرائيل من يد المصريين. ورأى إسرائيل المصريين أمواتا على شاطئ البحر. ورأى إسرائيل الفعل العظيم الذي صنعه الرب بالمصريين. فخاف الشعب الرب وآمنوا بالرب وبعبده موسى.)
٦ - ذكر ابن كثير حكمة تكرار قصة موسى ﵇ في القرآن في سياق الكلام عن هذه القصة في سورة يونس قال: وكثيرا ما يذكر الله تعالى قصة موسى ﵇ مع فرعون في كتابه العزيز؛ لأنها من أعجب القصص، فإن فرعون حذر من موسى كل الحذر، فسخره القدر أن ربى هذا الذي يحذر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد، ثم ترعرع وعقد الله سببا أخرجه من بين أظهرهم، ورزقه النبوة والرسالة والتكليم، وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويرجع إليه، هذا مع ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان، فجاءه برسالة الله تعالى، وليس له وزير سوى أخيه هارون ﵇، فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحمية، والنفس الخبيثة الأبية، وقوى رأسه، وتولى بركنه، وادعى ما ليس له، وتجهرم على الله، وعتا وبغى وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل، والله تعالى يحفظ رسوله موسى ﵇ وأخاه هارون، ويحوطهما
стр. 2383
بعنايته، ويحرسهما بعينه التي لا تنام، ولم تزل المحاجة والمجادلة والآيات تقوم على يدي موسى شيئا بعد شئ، ومرة بعد مرة، مما يبهر العقول ويدهش الألباب، مما لا يقوم له شئ ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وصمم فرعون وملؤه- قبحهم الله- على التكذيب بذلك كله والجحد والعناد والمكابرة حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وأغرقهم في صبيحة واحدة أجمعين فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (الأنعام: ٤٥). أهـ
*** وَلَقَدْ بَوَّأْنا أي أنزلنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ أي منزل كرامة بعد أن عاقبهم بالتيه إذ أورثهم الأرض المقدسة فترة طويلة من الزمن وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي
الحلال من الرزق الطيب النافع المستطاب طبعا وشرعا فَمَا اخْتَلَفُوا فآمن بعض وكفر بعض، وسفه بعضهم بعضا، وقاتل بعضهم بعضا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي ولم يكن لهم أن يختلفوا وقد بين الله لهم وأزال عنهم اللبس إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي يفصل بينهم يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين والدنيا.
فوائد:
١ - بمناسبة هذه الآية يذكر ابن كثير بالحديث الذي رواه الحاكم في مستدركه والموجود في السنن والمسانيد «إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، منها واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي».
٢ - ذكر ابن كثير قصة الأرض المقدسة، وقصة بني إسرائيل معها بعد الخروج فقال:
(ولكن استمروا مع موسى ﵇ طالبين إلى بلاد بيت المقدس وهي بلاد الخليل ﵇، فاستمر موسى بمن معه طالبا بيت المقدس، وكان فيه قوم من العمالقة، فنكل بنو إسرائيل عن قتالهم، فشردهم الله تعالى في التيه أربعين سنة، ومات فيه هارون ثم موسى ﵉، وخرجوا بعدهما مع يوشع بن نون، ففتح الله عليهم بيت المقدس، واستقرت أيديهم عليها إلى أن أخذها منهم بختنصر حينا من الدهر، ثم عادت إليهم، ثم أخذها ملوك الرومان، فكانت تحت أحكامهم مدة طويلة، وبعث الله
стр. 2384
عيسى ابن مريم ﵇ في تلك المدة، فاستعانت اليهود- قبحهم الله- على معاداة عيسى ﵇ بملوك الرومان، وكانت تحت أحكامهم، ووشوا عندهم، وأوحوا إليهم أن هذا يفسد عليكم الرعايا، فبعثوا من يقبض عليه، فرفعه الله إليه، وشبه لهم بعض الحواريين- بمشيئة الله وقدره- فأخذوه فصلبوه واعتقدوا أنه هو وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (النساء: ١٥٧، ١٥٨) ثم بعد المسيح ﵇ بنحو ثلاثمائة سنة دخل قسطنطين- أحد ملوك الرومان- في دين النصرانية وكان فيلسوفا قبل ذلك، فدخل في دين النصارى، قيل: تقية، وقيل:
حيلة؛ ليفسده، فوضعت له الأساقفة منهم قوانين وشريعة، وبدعا أحدثوها، فبنى لهم الكنائس والبيع الكبار والصغار، والصوامع والهياكل والمعابد والقلايات، وانتشر دين النصرانية في ذلك الزمان، واشتهر على ما فيه من تبديل وتغيير وتحريف ووضع وكذب ومخالفة لدين المسيح، ولم يبق على دين المسيح- على الحقيقة- منهم إلا القليل من الرهبان، فاتخذوا لهم الصوامع في البراري والمهامة والقفار، واستحوذت يد النصارى على مملكة الشام والجزيرة وبلاد الروم وبنى هذا الملك المذكور مدينة قسطنطينية، والقمامة، وبيت لحم، وكنائس ببلاد بيت المقدس، ومدن حوران، كبصرى وغيرها من البلدان بناءات هائلة محكمة، وعبدوا الصليب من حينئذ، وصلوا إلى الشرق، وصوروا الكنائس، وأحلوا لحم الخنزير، وغير ذلك مما أحدثوه من الفروع في دينهم والأصول، ووضعوا له الأمانة الحقيرة، التي يسمونها الكبيرة، وصنفوا له القوانين، وبسط هذا يطول، والغرض أن يدهم لم تزل على هذه البلاد إلى أن انتزعها منهم الصحابة ﵃، وكان فتح بيت المقدس على يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ولله الحمد والمنة).
أقول: ذكر هذا ابن كثير بمناسبة قوله تعالى وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ فكأنه يريد أن يبين ما آل إليه أمرهم بعد أن أنعم الله عليهم، وبعض كلامه يحتاج إلى تحقيق، فقد وجدت الانحرافات في النصرانية قبل قسطنطين. فمن المعروف أن بولس الذي عاصر حواريي المسيح ﵈ هو الذي حرف وانحرف، وإنما كان دور قسطنطين أنه فرض هذا الانحراف، وأكده وقواه، وأضعف جانب أصحاب الحق الذين كانوا إلى زمنه هم الأكثرية بالنسبة لمجموع النصارى.
стр. 2385
كلمة في السياق:
في ذكر قصة موسى وفرعون في هذا المقطع تقرير لكون بعثة الرسل ليست عجبا، وتحذير لمن يعاند الرسل، وتبشير لمن يسير على طريقهم بحسن المآل وحسن العاقبة، فإذا تذكرنا أن هذا المقطع بدأ بقصة نوح ﵇، ثم بالإشارة إلى الرسل بعده، ثم بقصة موسى وهارون مع فرعون، يجتمع لنا في هذا المقطع مجموعة معان يتقرر فيها من خلال العرض القصصي أن من سنة الله إرسال الرسل، وأن من سنته عقوبة المكذبين، وأن يجعل العاقبة للمؤمنين، وفي ذلك إقامة حجة ودروس لأهل الإيمان.
وهكذا نجد أن سياق السورة سار في مناقشة المتعجبين من أن يرسل الله رسولا هو محمد ﷺ ، وناقش القائلين بأن محمدا افترى هذا القرآن، ثم عرف الناس جميعا على خصائص هذا القرآن، ثم قص هذه القصص التي تهدد المكذبين، وتبشر المؤمنين، وتذكر بأن إرسال الرسل خلال العصور سنة من سنن الله، والآن يأتي المقطع الثالث من القسم الثاني من سورة يونس التي هي تفصيل لقوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وهي السورة التي تنفي كل شك، وتؤكد خصيصة هذا القرآن في كونه هدى، ولكن لأهل الإيمان والتقوى.
والملاحظ أن هذا المقطع يبدأ بقوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ.
إنه عودة ثانية إلى تأكيد أن هذا الكتاب لا ريب فيه ليكون ذلك مقدمة للقسم الأخير في السورة، الذي يدعو الناس إلى ترك الشك بالإسلام، وإلى الاهتداء بهدي القرآن. وذلك محور السورة فلنر المقطع الأخير في القسم الثاني:
المقطع الثالث من القسم الثاني
ويمتد من الآية (٩٤) إلى نهاية الآية (١٠٣) وهذا هو:
[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٤ الى ١٠٣]
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧) فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨)
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)
следующие страницы →