Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
جسده، وكل الفراعنة الذي هم مظنة أن يكونوا فرعون موسى موجودة جثثهم محنطة.
وهذا الذي دعا كثيرا من المؤرخين الغربيين إلى أن يشككوا بصحة رواية التوراة الحالية، فإذا رأينا ما ذكره القرآن هنا من نجاة الجثة عرفنا الجواب الصحيح لهذا الموضوع بما يجمع بين رواية التوراة ومكتشفات العصر، وفي هذا معجزة عظيمة من معجزات القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
٥ - يذكر المفسرون المسلمون كلاما عند قصص القرآن مرجعه في الغالب إلى كلام أهل الكتاب ونحن سننقل لك حول ما مر معنا الرواية الإسرائيلية الحالية:
في سفر الخروج الإصحاح الرابع عشر ما يلي: (فلما أخبر ملك مصر أن الشعب قد هرب تغير قلب فرعون وعبيده على الشعب. فقالوا: ماذا فعلنا حتى أطلقنا إسرائيل من خدمتنا. فشد مركبته وأخذ قومه معه. وأخذ ستمائة مركب منتخبة وسائر مركبات مصر وجنودا مركبية على جميعها. وشدد الرب قلب فرعون ملك مصر حتى سعى وراء بني إسرائيل. وبنو إسرائيل خارجون بيد رفيقه. فسعى المصريون وراءهم وأدركوهم جميع خيل مركبات فرعون وفرسانه وجيشه. وهم نازلون عند البحر عند فم الحيروث أمام بعل صفون.
فلما اقترب فرعون رفع بنو إسرائيل عيونهم وإذا المصريون راحلون وراءهم ففزعوا جدا وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب. وقالوا لموسى هل لأنه ليست قبور في مصر أخذتنا لنموت في البرية ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر. أليس هذا هو الكلام الذي كلمناك به في مصر قائلين كف عنا فنخدم المصريين. لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت في البرية. فقال موسى للشعب لا تخافوا. قفوا وانظروا خلاص الرب الذي يصنعه لكم اليوم. فإنه كما رأيتم المصريين اليوم لا تعودون ترونهم أيضا إلى الأبد. الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون. فقال الرب لموسى ما لك تصرخ إلي، قل لبني إسرائيل أن يرحلوا. وارفع أنت عصاك ومد يدك على البحر وشقه. فيدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة. وها أنا أشدد قلوب المصريين حتى يدخلوا وراءهم. فأتمجد بفرعون وكل جيشه بمركباته وفرسانه. فيعرف المصريون أني أنا الرب حين أتمجد بفرعون ومركباته وفرسانه، فانتقل ملاك الله السائر أمام عسكر إسرائيل وسار وراءهم.
стр. 2382
وانتقل عمود السحاب من أمامهم ووقف وراءهم. فدخل بين عسكر المصريين وعسكر إسرائيل. وصار السحاب والظلام وأضاء الليل، فلم يقترب هذا إلى ذاك كل الليل. ومد موسى يده على البحر فأجرى الرب البحر بريح شرقية شديدة كل الليل.
وجعل البحر يابسة وأنشف الماء. فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم وتبعهم المصريون ودخلوا وراءهم جميع خيل فرعون ومركباته وفرسانه إلى وسط البحر. وكان في هزيع الصبح أن الرب أشرف على عسكر المصريين في عمود النار والسحاب وأزعج عسكر المصريين وخلع بكر مركباتهم حتى ساقوها بثقلة. فقال المصريون نهرب من إسرائيل لأن الرب يقاتل المصريين عنهم.
فقال الرب لموسى مد يدك على البحر ليرجع الماء على المصريين على مركباتهم وفرسانهم. فمد موسى يده على البحر فرجع البحر عند إقبال الصبح إلى حاله الدائمة والمصريون هاربون إلى لقائه. فدفع الرب المصريين في وسط البحر. فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل وراءهم في البحر. لم يبق منهم ولا واحد. وأما بنو إسرائيل فمشوا على اليابسة في وسط البحر والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم.
فخلص الرب في ذلك اليوم إسرائيل من يد المصريين. ورأى إسرائيل المصريين أمواتا على شاطئ البحر. ورأى إسرائيل الفعل العظيم الذي صنعه الرب بالمصريين. فخاف الشعب الرب وآمنوا بالرب وبعبده موسى.)
٦ - ذكر ابن كثير حكمة تكرار قصة موسى ﵇ في القرآن في سياق الكلام عن هذه القصة في سورة يونس قال: وكثيرا ما يذكر الله تعالى قصة موسى ﵇ مع فرعون في كتابه العزيز؛ لأنها من أعجب القصص، فإن فرعون حذر من موسى كل الحذر، فسخره القدر أن ربى هذا الذي يحذر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد، ثم ترعرع وعقد الله سببا أخرجه من بين أظهرهم، ورزقه النبوة والرسالة والتكليم، وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويرجع إليه، هذا مع ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان، فجاءه برسالة الله تعالى، وليس له وزير سوى أخيه هارون ﵇، فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحمية، والنفس الخبيثة الأبية، وقوى رأسه، وتولى بركنه، وادعى ما ليس له، وتجهرم على الله، وعتا وبغى وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل، والله تعالى يحفظ رسوله موسى ﵇ وأخاه هارون، ويحوطهما
стр. 2383
بعنايته، ويحرسهما بعينه التي لا تنام، ولم تزل المحاجة والمجادلة والآيات تقوم على يدي موسى شيئا بعد شئ، ومرة بعد مرة، مما يبهر العقول ويدهش الألباب، مما لا يقوم له شئ ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وصمم فرعون وملؤه- قبحهم الله- على التكذيب بذلك كله والجحد والعناد والمكابرة حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وأغرقهم في صبيحة واحدة أجمعين فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (الأنعام: ٤٥). أهـ
*** وَلَقَدْ بَوَّأْنا أي أنزلنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ أي منزل كرامة بعد أن عاقبهم بالتيه إذ أورثهم الأرض المقدسة فترة طويلة من الزمن وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي
الحلال من الرزق الطيب النافع المستطاب طبعا وشرعا فَمَا اخْتَلَفُوا فآمن بعض وكفر بعض، وسفه بعضهم بعضا، وقاتل بعضهم بعضا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي ولم يكن لهم أن يختلفوا وقد بين الله لهم وأزال عنهم اللبس إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي يفصل بينهم يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين والدنيا.
فوائد:
١ - بمناسبة هذه الآية يذكر ابن كثير بالحديث الذي رواه الحاكم في مستدركه والموجود في السنن والمسانيد «إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، منها واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي».
٢ - ذكر ابن كثير قصة الأرض المقدسة، وقصة بني إسرائيل معها بعد الخروج فقال:
(ولكن استمروا مع موسى ﵇ طالبين إلى بلاد بيت المقدس وهي بلاد الخليل ﵇، فاستمر موسى بمن معه طالبا بيت المقدس، وكان فيه قوم من العمالقة، فنكل بنو إسرائيل عن قتالهم، فشردهم الله تعالى في التيه أربعين سنة، ومات فيه هارون ثم موسى ﵉، وخرجوا بعدهما مع يوشع بن نون، ففتح الله عليهم بيت المقدس، واستقرت أيديهم عليها إلى أن أخذها منهم بختنصر حينا من الدهر، ثم عادت إليهم، ثم أخذها ملوك الرومان، فكانت تحت أحكامهم مدة طويلة، وبعث الله
стр. 2384
عيسى ابن مريم ﵇ في تلك المدة، فاستعانت اليهود- قبحهم الله- على معاداة عيسى ﵇ بملوك الرومان، وكانت تحت أحكامهم، ووشوا عندهم، وأوحوا إليهم أن هذا يفسد عليكم الرعايا، فبعثوا من يقبض عليه، فرفعه الله إليه، وشبه لهم بعض الحواريين- بمشيئة الله وقدره- فأخذوه فصلبوه واعتقدوا أنه هو وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (النساء: ١٥٧، ١٥٨) ثم بعد المسيح ﵇ بنحو ثلاثمائة سنة دخل قسطنطين- أحد ملوك الرومان- في دين النصرانية وكان فيلسوفا قبل ذلك، فدخل في دين النصارى، قيل: تقية، وقيل:
حيلة؛ ليفسده، فوضعت له الأساقفة منهم قوانين وشريعة، وبدعا أحدثوها، فبنى لهم الكنائس والبيع الكبار والصغار، والصوامع والهياكل والمعابد والقلايات، وانتشر دين النصرانية في ذلك الزمان، واشتهر على ما فيه من تبديل وتغيير وتحريف ووضع وكذب ومخالفة لدين المسيح، ولم يبق على دين المسيح- على الحقيقة- منهم إلا القليل من الرهبان، فاتخذوا لهم الصوامع في البراري والمهامة والقفار، واستحوذت يد النصارى على مملكة الشام والجزيرة وبلاد الروم وبنى هذا الملك المذكور مدينة قسطنطينية، والقمامة، وبيت لحم، وكنائس ببلاد بيت المقدس، ومدن حوران، كبصرى وغيرها من البلدان بناءات هائلة محكمة، وعبدوا الصليب من حينئذ، وصلوا إلى الشرق، وصوروا الكنائس، وأحلوا لحم الخنزير، وغير ذلك مما أحدثوه من الفروع في دينهم والأصول، ووضعوا له الأمانة الحقيرة، التي يسمونها الكبيرة، وصنفوا له القوانين، وبسط هذا يطول، والغرض أن يدهم لم تزل على هذه البلاد إلى أن انتزعها منهم الصحابة ﵃، وكان فتح بيت المقدس على يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ولله الحمد والمنة).
أقول: ذكر هذا ابن كثير بمناسبة قوله تعالى وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ فكأنه يريد أن يبين ما آل إليه أمرهم بعد أن أنعم الله عليهم، وبعض كلامه يحتاج إلى تحقيق، فقد وجدت الانحرافات في النصرانية قبل قسطنطين. فمن المعروف أن بولس الذي عاصر حواريي المسيح ﵈ هو الذي حرف وانحرف، وإنما كان دور قسطنطين أنه فرض هذا الانحراف، وأكده وقواه، وأضعف جانب أصحاب الحق الذين كانوا إلى زمنه هم الأكثرية بالنسبة لمجموع النصارى.
стр. 2385
كلمة في السياق:
في ذكر قصة موسى وفرعون في هذا المقطع تقرير لكون بعثة الرسل ليست عجبا، وتحذير لمن يعاند الرسل، وتبشير لمن يسير على طريقهم بحسن المآل وحسن العاقبة، فإذا تذكرنا أن هذا المقطع بدأ بقصة نوح ﵇، ثم بالإشارة إلى الرسل بعده، ثم بقصة موسى وهارون مع فرعون، يجتمع لنا في هذا المقطع مجموعة معان يتقرر فيها من خلال العرض القصصي أن من سنة الله إرسال الرسل، وأن من سنته عقوبة المكذبين، وأن يجعل العاقبة للمؤمنين، وفي ذلك إقامة حجة ودروس لأهل الإيمان.
وهكذا نجد أن سياق السورة سار في مناقشة المتعجبين من أن يرسل الله رسولا هو محمد ﷺ ، وناقش القائلين بأن محمدا افترى هذا القرآن، ثم عرف الناس جميعا على خصائص هذا القرآن، ثم قص هذه القصص التي تهدد المكذبين، وتبشر المؤمنين، وتذكر بأن إرسال الرسل خلال العصور سنة من سنن الله، والآن يأتي المقطع الثالث من القسم الثاني من سورة يونس التي هي تفصيل لقوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وهي السورة التي تنفي كل شك، وتؤكد خصيصة هذا القرآن في كونه هدى، ولكن لأهل الإيمان والتقوى.
والملاحظ أن هذا المقطع يبدأ بقوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ.
إنه عودة ثانية إلى تأكيد أن هذا الكتاب لا ريب فيه ليكون ذلك مقدمة للقسم الأخير في السورة، الذي يدعو الناس إلى ترك الشك بالإسلام، وإلى الاهتداء بهدي القرآن. وذلك محور السورة فلنر المقطع الأخير في القسم الثاني:
المقطع الثالث من القسم الثاني
ويمتد من الآية (٩٤) إلى نهاية الآية (١٠٣) وهذا هو:
[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٤ الى ١٠٣]
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧) فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨)
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)
стр. 2386
كلمة في هذا المقطع:
مر معنا في هذه السورة العوامل المرضية التي تجعل بعض الناس يشكون في هذا القرآن، ومر معنا ما يستحقه المكذبون بهذا القرآن، ومر معنا قوله تعالى كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ويأتي هذا المقطع ليدل على ما به ينتفي الشك عن هذا القرآن، وليعزي رسول الله ﷺ في الذين لا يؤمنون، وليؤكد سنة الله في المكذبين، وليؤكد أن علة الريب هي المرض، وأن هؤلاء الذين يكذبون لا عقول لهم، وهكذا يأتي المقطع على نسق محور السورة وسياقها، وهو عودة إلى العرض والتقرير والأمر والنهي والحوار بعد القصص:
стр. 2387
التفسير:
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا محمد وهو خطاب لأمته كلها أي لكل إنسان فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ فإنك ستعلم منهم أن الله أرسل رسلا كثيرين، وأنزل عليهم وحيا يشبه الوحي الذي أنزل عليك، ومع كثرة التحريف فإن ما يدل على هذا القدر موجود، وهكذا بعد أن هدم الله كل حجة للكافرين والمرتابين، فتح منفذا آخر يزول به الشك في أصل الإرسال وأصل الوحي، ثم قرر الله أن المسألة أوضح من أن يشك فيها لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وهو حق قامت عليه من الأدلة ما لا يبقى شك فيه لعاقل، وإذ كان الأمر كذلك فقد صدر في هذا المقام نهيين:
الأول: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ أي الشاكين.
النهي الثاني: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ أيا كانت في الأرض أو في السماء أو في القرآن أو في المعجزات فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ بسبب التكذيب، وإذ توجه النهي لرسولنا ﵊ وهو أول المنفذين لأمر الله- فإنه قال: «لا أشك ولا أسأل».
كما روى ذلك قتادة وابن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصري.
وبعد أن بين الله أن فيما عند أهل الكتاب من العلم ما يبعد الشك بأصل الوحي وإرسال الرسل. وبعد أن نهى الله رسوله عن الشك والتكذيب وهو نهي لأمته، وهو نهي جاء بعد تقرير أن ما أنزله الله على رسوله هو الحق، وهو في هذا المقام يفيد أن هذا الكتاب لا محل فيه للشك، وأن آياته من الوضوح بالمكان الأعلى، فلا يكذب بها إلا من لا يخضع لحجة، بعد هذا كله يقرر الله قاعدة وينذر إنذارا:
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ أي وجبت عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ بالعذاب لا يُؤْمِنُونَ لا لنقص بالآيات ولا لانعدامها
وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ فإنهم لا يؤمنون حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ وعندئذ يؤمنون، ولكنه إيمان لا ينفعهم؛ لأن سنة الله أنه إذا أرسل عذابه لا ينفع إيمان. مستثنى من ذلك حادثة واحدة هي حادثة قوم يونس
فَلَوْلا أي فهلا كانَتْ قَرْيَةٌ أي أهل قرية آمَنَتْ عند ما رأت العذاب فَنَفَعَها إِيمانُها أي لم تكن قرية نفعها الإيمان بعد إذ رأت العذاب إِلَّا أي لكن قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا أي عند رؤية أمارة العذاب فهؤلاء فقط نفعهم إيمانهم رحمة من الله بهم كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ أي إلى
стр. 2388
انقضاء آجالهم، فإذ كان الأمر كذلك فليسارع إلى الإيمان من يريد النجاة،
ثم لفت الله النظر إلى الحكمة الكلية في وجود كفر وإيمان. وأن هذا إنما هو بمشيئته فقال: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ يا محمد لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً فيما جئتهم به ولكن له حكمة فيما يفعله، ومن حكمته أنه لم يشأ، وترك المسألة لاختيار الإنسان أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ بأن تلزمهم وتلجئهم حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أي ليس ذلك عليك ولا إليك، فلا إكراه في الدين، وخلق الهداية لله، وقد جرت سنة الله أن لا يهدي الفاسقين والظالمين والمتكبرين والمتجبرين
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي بإرادته وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ أي الخبال والضلال عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ حجج الله وأدلته، فهو العادل في هداية من يهديه وإضلال من يضله، وهكذا بينت هذه الآيات بعض حكم الإضلال، وهي عدم العقل عن الله من المخاطبين، وشكهم بالحق الواضح، وتكذيبهم للآيات البينة.
وأنذرت أن يصيب المكذبين عذابه الذي إذا جاء لا يرد ولا ينفع معه إيمان، وبينت أن الاستثناء الوحيد إنما كان لقرية يونس ليعرف أن مشيئة الله مطلقة، وقد بينت الآيات في أكثر من مقام طلاقة المشيئة الإلهية. ليقبل الإنسان على الله بقلب مخبت خائف وجل راغب راهب.
فوائد:
١ - قال الألوسي في قصة قوم يونس: (وكان من قصة هؤلاء القوم على ما روي عن غير واحد أن يونس ﵇ بعث إلى أهل نينوى من أرض الموصل، وكانوا أهل كفر وشرك، فدعاهم إلى الإيمان بالله تعالى وحده، وترك ما يعبدون من الأصنام، فأبوا عليه وكذبوه، فأخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث. فلما كانت الليلة الثالثة ذهب عنهم من جوف الليل، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب، فكان فوق رءوسهم ليس بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، وجاء أنه غامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا، فهبط حتى غشى مدينتهم، واسودت أسطحتهم، فلما أيقنوا بالهلاك طلبوا نبيهم فلم يجدوه، فخرجوا إلى الصحراء بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، ولبسوا المسوح وأظهروا الإيمان والتوبة، وفرقوا بين الوالدة وولدها من الناس والدواب، فحن البعض إلى البعض، وعلت الأصوات، وعجوا جميعا، وتضرعوا إليه تعالى، وأخلصوا النية؛ فرحمهم ربهم، واستجاب دعاءهم، وكشف عنهم ما نزل بهم من العذاب،
стр. 2389
وكان ذلك يوم عاشوراء، وكان يوم الجمعة.
قال ابن مسعود: إنه بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم فيما بينهم، حتى إن كان الرجل ليأتي إلى الحجر قد وضع أساس بنيانه عليه فيقلعه ويرده إلى صاحبه، وجاء في رواية عن قتادة أنهم عجوا إلى الله تعالى أربعين صباحا، حتى كشف ما نزل بهم، وأخرج أحمد في الزهد. وابن جرير. وغيرهما عن ابن غيلان قال: لما غشى قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: ما ترى؟ قال: قولوا: يا حي حين لا حي، ويا حي محيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوها فكشف عنهم العذاب. وقال الفضيل بن عياض: قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت، وأنت أعظم وأجل، فافعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله. وكان يونس ﵇ إذ ذهب عنهم قعد في الطريق يسأل الخبر- كما جاء مرفوعا- فمر به رجل فقال له: ما فعل قوم يونس؟
فحدثه بما صنعوا فقال: لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم، وانطلق مغاضبا حسبما قصة الله في غير هذا الموضع كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وظاهر الآية يستدعي أن القوم شاهدوا العذاب لمكان (كشفنا) وهو الذي يقتضيه أكثر الأخبار، وإليه ذهب كثير من المفسرين، ونفع الإيمان لهم بعد المشاهدة من خصوصياتهم؛ فإن إيمان الكفار بعد مشاهدة ما أعدوا به إيمان يأس غير نافع، لارتفاع التكليف حينئذ، وعادة الله إهلاكهم من غير إمهال كما أهلك فرعون).
٢ - قال ابن كثير بمناسبة قوله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ..
«والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى إلا قوم يونس، وهم أهل نينوى، وما كان إيمانهم إلا تخوفا من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم بعد ما عاينوا أسبابه، وخرج رسولهم من بين أظهرهم، فعند ما جأروا إلى الله، واستغاثوا به، وتضرعوا له، واستكانوا، وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم، وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم. فعندها ﵏، وكشف عنهم العذاب، وأخروا كما قال تعالى: إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ واختلف المفسرون هل كشف عنهم العذاب الأخروي مع الدنيوي أو إنما كشف عنهم في الدنيا فقط؟ على قولين:
стр. 2390
(أحدهما): إنما كان ذلك في الحياة الدنيا كما هو مقيد في هذه الآية. (والثاني):
فيهما لقوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ* فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ فأطلق عليهم الإيمان والإيمان منقذ من العذاب الأخروي وهذا هو الظاهر، والله أعلم.
وقال قتادة في تفسير هذه الآية: لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب فتركت إلا قوم يونس، لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم قذف الله في قلوبهم التوبة، ولبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، ثم عجوا إلى الله أربعين ليلة، فلما عرف الله منهم الصدق من قلوبهم، والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم، قال قتادة: وذكر أن قوم يونس بنينوى أرض الموصل. وكذا روي عن ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف، وكان ابن مسعود يقرؤها (فهلا كانت قرية آمنت) وقال أبو عمران عن أبي الجلد قال:
لما نزل بهم العذاب جعل يدور على رءوسهم كقطع الليل المظلم، فمشوا إلى رجل من علمائهم فقالوا: علمنا دعاء ندعو به لعل الله يكشف عنا العذاب فقال قولوا: (يا حي حين لا حي، يا حي محيي الموتى، يا حي لا إله إلا أنت) قال: فكشف عنهم العذاب وتمام القصة سيأتي مفصلا في سورة الصافات إن شاء الله) اهـ. كلام ابن كثير.
٣ - كثيرون يشكل عليهم موضوع التوفيق بين عموم المشيئة الإلهية، واختيار الإنسان، وما ذلك إلا للجهل بالله تعالى، فالله تعالى محيط علما بكل شئ، وقد علم ما سيفعله كل إنسان، فأراد ذلك عدلا، وأبرز ذلك بقدرته، فالعلم كاشف لا مجبر، والإنسان مخير، ومن اختار الهدى وأخذ بأسبابه وفقه الله إليه، ومن اختار الضلال ورفض أسباب الهداية يسره الله فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى *. (سورة الليل ٥ - ١٠) ولنعد إلى السياق.
بعد أن هدم الله فيما مر من هذا المقطع معقلا من معاقل الشك، أمر الله رسوله ﷺ أن يقول: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الظواهر والآيات الدالة على أسماء الله وصفاته، وما أكثرها وما أغزرها، وقد سجلنا طرفا منها في كتابنا (الله ﷻ وَما تُغْنِي الْآياتُ جمع آية وَالنُّذُرُ جمع نذير عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
دل هذا على أن في السموات والأرض آيات كثيرة ونذرا كثرا، ومن النذر الرسل، ولكن الكفرة لا يستفيدون من ذلك شيئا. والمعنى: وأي
стр. 2391
شئ تغني الآيات السماوية والأرضية، والرسل بآياتها وحججها وبراهينها، الدالة على صدقها عن قوم لا يؤمنون؟ لقد عميت قلوبهم، وصمت آذانهم، فلم يعودوا يرون الحق، ولم يعودوا يسمعونه، فإذ كان أمر هؤلاء كذلك فماذا بقي إلا انتظار العذاب
فَهَلْ أي فما يَنْتَظِرُونَ أي بتكذيبك إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم أي: مثل وقائعهم من العذاب، وعندئذ يؤمنون، ولات حين مناص قُلْ فَانْتَظِرُوا ذلك إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ولكن شتان بين الانتظارين، لاختلاف سنة الله في الفريقين
ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا أي ونهلك المكذبين بالرسل كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ حقا أوجبه الله على نفسه الكريمة أن ينجي الرسول ومن يؤمن معه إذا جاء العذاب المكذبين به، وهكذا هدمت هذه الآيات معقلا آخر من معاقل الشك، إذ بينت أن النظر في السموات والأرض يوصل إلى الإيمان، فمن نظر في التاريخ، وتقلبات الأيام، وحياة الرسل، وحياة أهل الإيمان، وعاقبة أهل الإيمان والكفر، فإنه سيجد في ذلك كله ما يدفعه إلى الإيمان، إلا إذا كان ممن عمي قلبه، وعندئذ فلينتظر مصيره المظلم .. وبهذا ينتهي القسم الثاني في سورة يونس، وقد استقر بالقسمين الأول والثاني أن هذا القرآن لا ريب فيه، وأن على الخلق أن يهتدوا به، وخلال ذلك ذكرت العوامل الحقيقية التي تحول بين الناس وبين الإيمان والاتباع، وإذ استقرت هذه المعاني كلها فإن القسم الثالث- وهو خاتمة السورة- يأتي ليخاطب الناس كل الناس خطابين أخيرين.
стр. 2392
القسم الثالث: وهو خاتمة السورة
ويمتد من الآية (١٠٤) إلى نهاية الآية (١٠٩) وهي آخر آية في السورة ويتألف من فقرتين كل فقرة منهما مبدوءة بقوله تعالى قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ وهذا هو:
[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٤ الى ١٠٩]
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)
وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)
كلمة في هذا القسم:
في هذا القسم فقرتان كل منهما مبدوءة بقوله تعالى قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ .. فهما خطابان أخيران: خطاب في نفي الشك، ولذلك صلته بقوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ولذلك يبدأ الخطاب بقوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي، وخطاب في تأكيد الهدى بهذا القرآن، ولذلك صلته بقوله تعالى من محور السورة: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ولذلك جاء الخطاب بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ففي هاتين الفقرتين
стр. 2393
توجيهان أخيران يعمقان نفي الشك عن هذا القرآن، وضرورة الاهتداء به، وهما محور سورة يونس. وهذا تفسير الفقرة الأولى .
الفقرة الأولى
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي أنه حق فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ صنما أو بشرا، أو كونا أو مجتمعا أو معنى أو محسوسا، أو غير ذلك وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ أي يقبض أرواحكم وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي وأمرت بأن أكون من المؤمنين بما ركب الله في من العقل، وبما أوحى إلي في كتابه
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً أي مائلا عن غيره إليه.
والمعنى: واستقم مقبلا بوجهك على ما أمرك الله، أو استقم إلى دين الله ولا تلتفت يمينا ولا شمالا، أي أخلص العبادة لله وحده، حنيفا أي: منحرفا عن الشرك كله وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لا اعتقادا ولا عملا ولا مواقف ولا سلوكا
وَلا تَدْعُ أي تعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ إن عبدته وَلا يَضُرُّكَ إن لم تعبده، أو ما لا ينفعك إن دعوته، ولا يضرك إن خذلته، فَإِنْ فَعَلْتَ أي فإن عبدت أو دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ كأن سائلا سأل عن تبعة عبادة غير الله- فكان الجواب أنه من الظالمين- وجعل من الظالمين لأنه لا ظلم أعظم من الشرك، وبعد أن أمره بالإيمان والإخلاص والتوحيد بالعبادة وإفراد الدعاء، تأتي الآية الأخيرة في هذه الفقرة لتقرر أن الذي يملك الضر والنفع هو الله وحده، فلا يمنع أحدا رغبة أو رهبة أن يترك عبادة الله إلى غيره.
وَإِنْ يَمْسَسْكَ أي يصيبك اللَّهُ بِضُرٍّ كفقر أو مرض أو شدة أو غير ذلك فَلا كاشِفَ لَهُ أي فلا رافع له إِلَّا هُوَ أي إلا الله وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ كعافية أو غنى أو استخلاف فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ أي فلا راد لمراده يُصِيبُ بِهِ أي بالخير مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ أي المكفر بالبلاء الرَّحِيمُ المعافي بالعطاء. قطع بهذه الآية على عباده طريق الرغبة والرهبة إلا إليه، والاعتماد إلا عليه، وذيلها بذكر اسمه الغفور والرحيم ليبين عموم توبته ومغفرته لمن تاب إليه من أي ذنب كان، حتى من الشرك به، فإنه يتوب عليه، وهذا من
كمال رحمته. وفي الآية بيان بأن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله وحده لا يشاركه في ذلك أحد، فهو الذي يستحق العبادة والإخلاص فيها، والإفراد بالدعاء وحده لا شريك له، وإذ كان
стр. 2394
الأمر كذلك، وإذ كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك ويدعو إليه، فكيف يشك في دينه؟ إنه من كان هذا شأنه في إفراد العبادة لله، كيف يكون شك في دينه وكيف يكون شك في الكتاب المنزل عليه، وكما أدت هذه الفقرة هذا المعنى فإنها أدت معنى آخر: وهو أنها علمتنا كيف نقابل موقف الشك من هذا القرآن، فعلمتنا أن نقابل ذلك بمزيد من التنائي عن المشركين والشرك، وبإقبال كثير على الله والإخلاص له، وإفراده بالعبادة والدعاء، كما أدت في هذا السياق معنى آخر، وهو تعليم التحدي. قال ابن كثير في هذه الآيات (يقول الله تعالى لرسوله محمد ﷺ : قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من صحة ما جئتكم به، من الدين الحنيف الذي أوحاه الله إلي، فأنا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، ولكن أعبد الله وحده لا شريك له، وهو الذي يتوفاكم كما أحياكم. ثم إليه مرجعكم، فإن كانت آلهتكم التي تدعون من دون الله حقا- وليست حقا إلا في زعمكم- فأنا لا أعبدها، فادعوها فلتضرني، فإنها لا تضر ولا تنفع، وإنما الذي بيده الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له، وأمرت أن أكون من المؤمنين).
وهكذا نجد أن هذه الفقرة أدت معاني متعددة فهمناها من النص ومن خلال السياق. وأن يؤدي السياق القرآني مثل هذه المعاني، وأن تكون كلها حقا، وأن يكون ذلك على أعلى درجات الإبداع في الأداء، وأعلى درجات البلاغة في اللفظ والمعنى، وأن يكون في هذا القرآن هذا الكمال في الحكمة، إذ يناقش، أو يصفي، أو يقرر ضمن سياق واحد، وعلى هذه الشاكلة، أن يكون هذا كله، فهذا شئ فوق إمكان الإنسان إن هو إلا تنزيل العزيز الحكيم.
فوائد:
١ - بمناسبة الأمر بالعبادة في هذه الآيات نذكر الحديث الذي رواه ابن عساكر عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوه أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم». ذكره ابن كثير فلنقبل يا أخي على الله وعلى عبادته، ولنكثر من دعائه، فلعل نفحة من نفحات ربنا تصيبنا فتنقلنا من أن نكون من أهل الدنيا إلى أن نكون من أهل الآخرة، ربنا استر عوراتنا وآمن روعاتنا.
٢ - ذكر النسفي تعقيبا على الآية الأخيرة في الفقرة وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ..
مبينا حكمة مجيئها في هذا المقام، ومبينا بعض نكت بلاغة ألفاظها فقال: (أتبع النهي
стр. 2395
عن عبادة الأوثان ووصفها بأنها لا تنفع ولا تضر، أن الله هو الضار والنافع، الذي إن أصابك بضر لم يقدر على كشفه إلا هو وحده دون كل أحد، فكيف بالجماد الذي لا شعور به؟ وكذا إن أرادك بخير لم يرد أحد ما يريده بك من الفضل والإحسان، فكيف بالأوثان؟ وهو الحقيق إذا بأن توجه إليه العبادة دونها. وإنما ذكر المس في أحدهما والإرادة في الآخر كأنه أراد أن يذكر الأمرين الإرادة والإصابة في كل واحد من الضر والخير، فأوجز الكلام ليدل بما ذكر على ما ترك، على أنه قد ذكر الإصابة بالخير في قوله يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ا. هـ.
ولننتقل إلى الفقرة الثانية:
الفقرة الثانية
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ أي القرآن مِنْ رَبِّكُمْ الخالق الذي بيده الضر والنفع فَمَنِ اهْتَدى أي فمن اختار الهدى واتبع الحق فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ لأن ثواب اهتدائه إليه، فما نفع باختياره الهدى إلا نفسه وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها أي ومن آثر الضلال فما ضر إلا نفسه، لأن وبال ضلاله عليها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ أي بحفيظ موكول إلي أمركم فأجبركم على الهدى، أو وما أنا موكل بكم حتى تكونوا مؤمنين، أي لست مسئولا عن إيمانكم، وإنما أنا نذير لكم، والهداية على الله. وبعد أن قررت الآية أن هذا القرآن حق، وأن الهداية باتباعه،
تأتي الآية الأخيرة لتأمر رسول الله ﷺ والمؤمنين المقتدين به باتباع القرآن، والصبر على ذلك وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ من ربك أي تمسك بما أنزل الله عليك، وأوحاه إليك وَاصْبِرْ على تكذيبهم وإيذائهم، واصبر على القيام بأمر الله، واصبر على مخالفة من خالفك في ذات الله حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ لك بالنصر والغلبة، أي حتى يفتح الله بينك وبينهم وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ أي خير الفاتحين بعدله وحكمته، أو خير الفاصلين لأنه المطلع على السرائر، فلا يحتاج إلى بينة وشهود، وقد فعل رسول الله ﷺ ما أمر به، ووفى الله بوعده.
وهكذا بينت هذه الفقرة ضرورة الاهتداء بكتاب الله، وبينت احتياج ذلك للصبر، وبينت أن العاقبة في الدنيا والآخرة لأهل الهداية والاتباع والصبر وبهذا انتهت السورة.
стр. 2396
كلمة في سورة يونس:
رأينا أن محور سورة يونس هو قوله تعالى من سورة البقرة ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ورأينا كيف أن سورة يونس فصلت بأقسامها الثلاثة هذا المعنى،
وجاءت الأوامر والنواهي لتقيم الإنسان من خلال الحجة والتطبيق على طريق اليقين والاتباع، ولا ننسى في هذا المقام أن نذكر أن أول آية في سورة يونس هي قوله تعالى:
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ وقد رأينا في سورة يونس مظهرا من مظاهر حكمة القرآن في معالجة قضية الشك في القرآن، وضرورة اتباعه، وكيف أن هذه المعالجة تمت بشكل مباشر، وبشكل غير مباشر، وبالعودة إلى الأصول والإشارة إلى الفروع، وبالعودة إلى التاريخ والاستفادة من المعطيات الإيجابية عند أهل الكتاب وغير ذلك.
ونستغفر الله من تفريط في الجهد أو خطأ في التوجيه.
стр. 2397
سورة هود
وهي السورة الحادية عشرة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية من المجموعة الأولى من قسم المئين وآياتها مائة وثلاث وعشرون وهي مكية
стр. 2398
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 2399
ما ورد فيها:
- روى الحافظ أبو يعلى عن عكرمة قال: قال أبو بكر: سألت رسول الله ﷺ ما شيبك؟ قال: «شيبتني هود، والواقعة، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت».
وروى الترمذي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو بكر يا رسول الله قد شبت. قال: «شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت» وفي رواية «هود وأخواتها».
وروى الطبراني عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «شيبتني هود وأخواتها: الواقعة، والحاقة، وإذا الشمس كورت» وفي رواية «هود وأخواتها».
كلمة في سورة هود ومحورها:
يلاحظ أن أول سورة هود هو: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ* أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ .. حتى إذا وصلنا إلى الآيتين (٢٥، ٢٦) وجدناهما وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ .. حتى إذا وصلنا إلى الآية (٥٠) وجدناها: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ .. حتى إذا وصلنا إلى الآية (٦١) وجدناها: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ .. حتى إذا وصلنا إلى الآية (٨٤) وجدناها: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ .. حتى إذا وصلنا إلى آخر آية وجدناها وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ .. وهكذا نجد البداية والنهاية، وما بين ذلك تشير إلى أن محور سورة هود هو الآية التي ما بعد مقدمة سورة البقرة وهي: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ فكما أن سورة يونس كانت تفصيلا لأول آية في سورة البقرة.
فإن سورة هود تفصيل لأول آية في سورة البقرة بعد مقدمتها.
إنه لمن الواضح أن سورة هود تفصل في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ومن قبل فصلت سورة النساء في هذه الآية، ولكن تفصيل سورة النساء انصب على التقوى، وهاهنا ينصب تفصيل سورة هود على الأمر اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ومحله في دين الله وفي رسالات الرسل.
كنا ذكرنا من قبل أن محاور المجموعة الواحدة في قسم المئين، وكذلك محاور قسم
стр. 2400
الطوال، أو محاور مجموعات الأقسام الأخرى من سورة البقرة ولو تباعدت في سورة البقرة، فإنها إذا وضعت بجانب بعضها فإنها تشكل كلا متكاملا.
لاحظ أن سورة يونس من هذه المجموعة فصلت في أول آية من سورة البقرة، وأن سورة هود فصلت في الآية (٢١) منها، ولكنك لو وضعت الآيتين بجانب بعضهما فإنك تجد الصلة قائمة:
الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
إن الصلة واضحة بين الآيتين، فبعد تقرير أن القرآن هدى للمتقين، يأتي نداء للناس جميعا أن يعبدوا الله وحده ليكونوا من المتقين، فإذا ما عرفنا أن سورة البقرة مدنية، وسورة هود- على القول الراجح- مكية كلها، أدركنا كم هي الأدلة كثيرة على أن هذا القرآن من عند الله.
نقول عن السورة:
قال الألوسي عن سورة هود:
(مكية على المشهور واستثنى منها بعضهم ثلاث آيات فَلَعَلَّكَ تارِكٌ أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ قال: إنها نزلت في المدينة).
وقال صاحب الظلال عن السورة: (هذه السورة مكية بجملتها خلافا لما ورد في المصحف الأميري من أن الآيات (١٢، ١٧، ١١٤) فيها مدنية. ذلك أن مراجعة هذه الآيات في سياق السورة تلهم أنها تجئ في موضعها من السياق، بحيث لا يكاد يتصور خلو السياق منها بادئ ذي بدء. فضلا على أن موضوعاتها التي تقررها هي من صميم الموضوعات المكية المتعلقة بالعقيدة، وموقف مشركي قريش منها، وآثار هذا الموقف في نفس رسول الله ﷺ . والقلة المسلمة معه، والعلاج القرآني الرباني لهذه الآثار.
وعن وجه مناسبة سورة هود لسورة يونس يقول الألوسي:
(ووجه اتصالها بسورة يونس ﵇: أنه ذكر في سورة يونس قصة نوح ﵇ مختصرة جدا مجملة، فشرحت في هذه السورة، وبسطت فيها ما لم تبسط في غيرها من السور، ولا سورة الأعراف على طولها، ولا سورة إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً
стр. 2401
التي أفردت لقصته، فكانت هذه السورة شرحا لما أجمل في تلك السورة، وبسطا له، ثم إن مطلعها شديد الارتباط بمطلع تلك، فإن قوله تعالى هنا: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ نظير قوله سبحانه هناك: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ بل بين مطلع هذه وختام تلك شدة ارتباط أيضا، حيث ختمت بنفي الشرك واتباع الوحي، وافتتحت هذه ببيان الوحي والتحذير من الشرك، وورد في فضلها ما ورد، فقد أخرج الدارمي وأبو داود في مراسيله. والبيهقي في شعب الإيمان، وغيرهم عن كعب قال:
قال رسول الله ﷺ «اقرءوا هود يوم الجمعة»).
ومن تقديم صاحب الظلال لسورة هود ننقل هذه الفقرات:
(لقد نزلت السورة بجملتها بعد يونس. ونزلت يونس بعد الإسراء. وهذا يحدد معالم الفترة التي نزلت فيها؛ وهي من أحرج الفترات وأشقها كما قلنا في تاريخ الدعوة بمكة. فقد سبقها موت أبي طالب وخديجة، وجرأة المشركين على ما لم يكونوا ليجرءوا عليه في حياة أبي طالب).
(وبلغت الحرب المعلنة عليه وعلى دعوته أقسى وأقصى مداها؛ وتجمدت حركة الدعوة حتى ما يكاد يدخل في الإسلام أحد من مكة وما حولها .. وذلك قبيل أن يفتح الله على رسوله وعلى القلة المسلمة ببيعة العقبة الأولى ثم الثانية). أقول: ولذلك كان في السورة تسرية عنه ﵊.
(ويحتوي السياق ذلك القصص الطويل الذي يصدق ذلك الترغيب، والترهيب في حركة العقيدة على مدار التاريخ، من مصارع المكذبين ونجاة المؤمنين).
(ويحتوي بعض صور النفس البشرية في مواجهة الأحداث الجارية بالنعماء والبأساء، فيرفع للمكذبين المستعجلين بالعذاب، المتحدين للنذر في استهتار ... يرفع لهم صور أنفسهم وهم في مواجهة ما يستعجلون به حين يحل بهم. وفي الحسرات التي تصيب أنفسهم على تقلب الأحداث بهم، وفوت النعمة وإفلاتها من أيديهم، وفي البطر والغرور والانخداع بكشف الضر وفيض النعمة من جديد).
(ويحتوي شيئا من مشاهد القيامة، وصور المكذبين فيها، ومواجهتهم لربهم الذي كذبوا بوحيه وتولوا عن رسله وما يجدونه يومئذ من خزي لا ينصرهم منه أرباب ولا شفعاء).
стр. 2402
(ومن المؤثرات التي ترتجف لها القلوب ما يصوره السياق من حضور الله سبحانه واطلاعه على ما يخفي البشر من ذوات الصدور، بينما هم غارون لا يستشعرون حضوره سبحانه ولا علمه المحيط، ولا يحسون قهره للخلائق وإحاطته بها جميعا، وهم- الذين يكذبون- في قبضته كسائر الخلائق، من حيث لا يشعرون).
(ومن المؤثرات الموحية في سياق السورة كذلك، استعراض موكب الإيمان. بقيادة الرسل الكرام، على مدار الزمان. وكل منهم يواجه الجاهلية الضالة بكلمة الحق الواحدة الحاسمة الجازمة، في صراحة وفي صرامة، وفي ثقة وطمأنينة ويقين).
ولنبدأ عرض السورة.
стр. 2403
المقدمة والمقطع الأول:
وذلك حتى نهاية الآية (٢٤) وهذان هما:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة هود (١١): الآيات ١ الى ٢٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)
أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ
وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩)
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩)
أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)
стр. 2404
التفسير:
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ أي هذا الكتاب قد نظمت آياته نظما رصينا محكما بعجيب النظم وبديع المعاني، فلا يقع فيه نقص ولا خلل كالبناء المحكم ثُمَّ فُصِّلَتْ أي بينت فيها الأحكام والقصص والمواعظ، فآيات القرآن محكمة من جهة لا يدخل عليها نقص ولا نقض ولا خلل، وهي في الوقت نفسه مفصلة مبينة واضحة وقد ذهب النسفي (أن كلمة فصلت تحتمل أنها جعلت فصولا سورة سورة، وآية آية).
و(ثم) في الأصل تفيد التراخي في الوقت، وهاهنا تفيد الجمع والتراخي في الحال، فليس التفصيل على حساب الإحكام، بل الإحكام أولا ثم التفصيل، مع أن التفصيل في غاية البيان، ومن مظاهر التفصيل ما رأيناه في هذا الكتاب، من كون كل قسم من القرآن يفصل نوع تفصيل لما أجمل في مكان آخر، وكل سورة تفصل ما أجمل في آية أو في مجموعة آيات، وهذا مظهر واحد من مظاهر التفصيل في القرآن، ومن مظاهر التفصيل البيان المفهوم لكل عربي على حسب طاقته، ووضوح المعاني ووصولها إلى القلب السليم، وكتاب يجمع مثل هذا الإحكام في النظم والمعاني، حتى إنه ليسع الزمان والمكان والإنسان، ولا ينقضه شئ في الزمان والمكان، مع هذا التفصيل والبيان لا يمكن أن يكون إلا من عند الله، ولذلك ختمت هذه الآية بقوله تعالى: مِنْ لَدُنْ
стр. 2405
حَكِيمٍ خَبِيرٍ أي الله. فالله الحكيم في أقواله وأفعاله، الخبير بعواقب الأمور هو منزل هذا القرآن، ومن ثم كان فيه مثل هذا الإحكام والتفصيل
أَلَّا تَعْبُدُوا أى بأن لا أو لئلا تعبدوا إِلَّا اللَّهَ ويمكن أن تكون (أن) في هذا المقام مفسرة للإحكام والتفصيل، لأن في تفصيل الآيات معنى القول، كأنه قيل: قال لا تعبدوا إلا الله، أو أمركم ألا تعبدوا إلا الله. والمعنى: نزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة الله وحده لا شريك له إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ أي من الله نَذِيرٌ بالعذاب إن خالفتموه وَبَشِيرٌ بالثواب إن أطعتم الله والضمير في (إنني) يعود إما إلى القرآن نفسه، أو إلى الرسول المنزل عليه هذا القرآن
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ معطوف على أَلَّا تَعْبُدُوا أي أحكمت آياته ثم فصلت للعبادة والاستغفار، أي وأمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة، والتوبة منها إلى الله فيما تستقبلونه، وأن تستمروا على ذلك ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ أي استغفروه من الذنب ثم ارجعوا إليه بالطاعة يُمَتِّعْكُمْ في الدنيا مَتاعاً حَسَناً بطيب عيش وسعة رزق إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو الموت. والمعنى: إن عبدتم واستغفرتم ولازمتم الطاعة نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية، من عيشة واسعة، ونعمة متتابعة إلى أن يتوفاكم وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ في الاعتقاد والعمل فَضْلَهُ أي جزاءه، أي ويعط في الآخرة كل من له فضل في العمل وزيادة فيه جزاء فضله، لا يبخس منه شيئا وَإِنْ تَوَلَّوْا أي وإن تتولوا أي تعرضوا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ هو يوم القيامة، وهذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر الله تعالى، وكذب رسله، فإن العذاب يناله يوم القيامة لا محالة
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ أي معادكم ورجوعكم يوم القيامة وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومن ثم كان قادرا على إعادتكم وإثابتكم وتعذيبكم. والمعنى: وهو القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه، وانتقامه من أعدائه وإعادة الخلائق يوم القيامة وهذا مقام ترهيب، كما أن الوعد السابق في إعطاء كل ذي فضل فضله مقام ترغيب.
وقد لخصت هذه الآيات مقاصد القرآن بأنها العبادة والاستغفار، والتبشير والإنذار، وأن الإحكام والتفصيل في هذا القرآن إنما كان من أجل تحقيق هذه المقاصد، فإن يخدم هذا الإحكام وهذا التفصيل هذه المقاصد فهذا كذلك مظهر من مظاهر الإعجاز الذي لا يستطيعه بشر، وذلك يدلل على أن هذا القرآن من عند الله.
стр. 2406
فوائد:
١ - دلت هذه الآيات على أن المقصد الأول لهذا القرآن هو العبادة، وأن كل شئ فيه من أجل تحقيق هذا المقصد، وأن الاستغفار يلازم هذا المقصد، لأنه لا أحد يقوم بحق الله في العبادة حق القيام بتحقيق هذا القرآن في نفسه، حتى إن رسول الله ﷺ الذي كان خلقه القرآن كان يلازم الاستغفار ملازمة عجيبة.
٢ - فهمنا من الآيات السابقة أن الإحكام والتفصيل في هذا القرآن من أجل تحقيق مقصد العبادة لله وحده، وأن الاستغفار والعبادة متلازمان، وأن هذه المعاني صيغت كلها بصيغة التبشير والإنذار، فإن يوجد كتاب في مثل هذا المستوى الأعظم في كل شئ في أرض العرب الذين تصوراتهم الوثنية فى أحط الدركات، فذلك دليل على أن هذا القرآن من عند الله.
٣ - كثير من الناس تغيب عنهم القيم الحقيقية للأشياء، والمسلمون أنفسهم الذين أعطاهم الله الميزان الذي يعرفهم على القيم الحقيقية للأشياء هؤلاء المسلمون أنفسهم فقد الكثيرون منهم معرفة القيمة الحقيقية للأشياء، ومن هذه القيم التي شالت كفتها عندهم قيمة العبادة والاستغفار.
٤ - تحقيقا لمقصد القرآن في الإنذار والتبشير فإن رسول الله ﷺ الذي كان خلقه القرآن كان بشيرا ونذيرا. وقد وصف الله رسوله ﷺ بالبشير والنذير، وذلك مقام من جملة مقاماته التي أعطاه الله إياها، ولقد أعطى الله رسوله ﷺ من المقامات ما لا يتصوره بشر، ومن ذلك أنه قد أقامه مقامه في كثير من الآيات في الطاعة والبيعة، وفي مقام التبشير والإنذار كان المظهر الأعظم لهذا القرآن.
٥ - نفهم من ما مر أن كل تشريع في القرآن، وكل نظام، وكل توجيه، وكل أدب، إنما هو من أجل تحقيق المقصد الأعظم للقرآن وهو العبادة وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات: ٥٦).
٦ - إن على الوراث الكاملين لرسول الله ﷺ أن يقوموا بأقوالهم وأعمالهم بمهمة النذارة والتبشير كما كان رسول الله ﷺ يفعل، وتقديم الإنذار في الآيات على التبشير دليل على أن الإنذار في حق الغافلين والكافرين مقدم على التبشير، كما كان يفعل رسول الله ﷺ في أول الإسلام، جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ صعد الصفا
стр. 2407
فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب فاجتمعوا فقال: «يا معشر قريش أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تصبحكم ألستم مصدقي؟» فقالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال:
«فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد».
ويقدم التبشير في حق المؤمنين كما كان حاله ﵊ مع المؤمنين، وكمثال من الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لسعد: «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك».
٧ - قال ابن مسعود في قوله تعالى: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة، وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول: هلك من غلب آحاده على أعشاره.» ابن جرير.
٨ - بمناسبة الأمر بالاستغفار نذكر هذه الأحاديث الثلاثة:
ا- عن أغر مزينة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر في اليوم مائة مرة» رواه مسلم وأبو داود.
ب- في حديث رواه مسلم وأبو داود أنه ﷺ قال: «توبوا إلى ربكم، فوالله إني لأتوب إلى ربي مائة مرة في اليوم».
ج- ذكر ابن عمر في حديث حسن أنه كان يعد لرسول الله ﷺ في مجلس واحد مائة مرة «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم».
ولنعد إلى التفسير:
أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ أي يزورون عن الحق، وينحرفون عنه، لأن من أقبل على الشئ استقبله بصدره، ومن ازور عنه وانحرف ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أي ليطلبوا الخفاء من الله فلا يطلع رسوله ﷺ والمؤمنين على ازورارهم أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ أي يتغطون بها أي يريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ من القول وَما يُعْلِنُونَ فلا يغني استخفاؤهم، أي لا تفاوت في علمه بين إسرارهم وإعلانهم، فلا
стр. 2408
وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء، والله مطلع على ثنيهم صدورهم واستغشائهم ثيابهم إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بما في القلوب، وهكذا من خلال العرض لوضع بعض الناس عرفنا الله على ذاته، فبعد أن أمرنا الله بعبادته عرفنا على ذاته وصفاته ﷻ ، أما هذا الوضع الإنساني فهو إما وضع منحرف لمنافقين وإما وضع هو أثر عن تصور خاطئ لمسلمين- كما سنرى في ال فائدة اللاحقة- وأيا كان فإن السياق من خلال عرضه لهذا الوضع عرفنا على الله الذي جاء الأمر بعبادته في أول هذا المقطع.
فائدة:
من أقوال المفسرين في سبب نزول هذه الآية: أن ناسا كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئا أو عملوه، فيظنون أنهم يستخفون من الله بذلك، فأخبرهم الله أنهم حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل يعلم ما يسرون وما يعلنون. قال مجاهد والحسن وعبد الله بن شداد: كان أحدهم إذا مر برسول الله ﷺ ثنى صدره وغطى رأسه. وروى البخاري عن ابن عباس فيها قال: أناس يستحيون أن يتخلوا فيفضوا بفروجهم إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. فإذا كانت الآية في المسلمين فهي تصحيح لمفهوم مرتبط بالعبادة، فليست العبادة في الإسلام أن تخجل مما أباحه الله. وإن كانت في الكافرين والمنافقين فهي تصحيح لتصورهم عن الذات الإلهية، وأيا كان سبب النزول فالآية هي وما بعدها تعرفنا على الله الذي أمرنا بعبادته، إذ لا عبادة إلا بعد معرفة، وهكذا
يستمر السياق في تعريفنا على الله.
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ كل ما دب على الأرض فهو دابة إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها منة منه وتفضلا، لا وجوبا عليه تعالى، فهو مالك كل شئ، ويفعل ما يريد وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها أي يعلم أين منتهى سيرها في الأرض، وأين مكانها من الأرض ومسكنها وَمُسْتَوْدَعَها أي حيث كانت مودعة قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو بيضة، أو حيث تموت كُلٌّ أي كل ذلك من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها فِي كِتابٍ مُبِينٍ هو اللوح المحفوظ، أي إن جميع ذلك مكتوب في كتاب عند الله، مبين عن جميع ذلك
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ تعليما للتأني وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قبل أن يخلق شيئا، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السموات والأرض، العرش علوي والماء سفلي،
стр. 2409
والملاحظ الآن علميا أن الفارق بين العناصر هو في عدد الكتروناتها وبروتوناتها، وأن الماء مؤلف من أكسجين وهيدروجين وأن ذرة الهيدروجين، مؤلفة من بروتون واحد، والكترون واحد، وهذا يعني أن ما سوى الهيدروجين من العناصر الأصل فيه الهيدروجين، ولا ندري ماذا يمكن أن يأتي به العلم البشري في المستقبل من احتمالات اكتشاف مزيد مما يلقي ضوءا يزيدنا إبصارا في فهم الآية، وفي فهم قضية الخلق لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي خلق السموات والأرض وما فيهما من منافع ومصالح، ليختبركم أيكم أطوع لله وأكثر شكرا، ولم يخلق ذلك عبثا، فلم تخلق هذه الأشياء إلا للامتحان، فمن كان أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله، أثابه الله، ومن كفر وعصى عاقبه، ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال:
لِيَبْلُوَكُمْ أي ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون، وهو ﷻ أعلم بما نحن عاملون، وقال: أَحْسَنُ عَمَلًا ولم يقل أكثر عملا لأن العبرة بحسن العمل، ولا يكون العمل حسنا حتى يكون خالصا لله ، وعلى شريعة رسول الله ﷺ فمتى فقد العمل واحدا من هذين الشرطين حبط وبطل وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ أي ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء الكافرين أن الله سيبعثهم بعد مماتهم وذلك مقتضى الحكمة في خلق السموات والأرض للابتلاء، فالبعث شئ بديهي لمن أدرك هذه الحقيقة لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا أي ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي بين واضح، أي ما هذا القرآن إلا سحر واضح، ووصف القرآن بالسحر إشارة إلى أنه لم يحو إلا التمويه والباطل الذي يجانف الحق، وإذ وصفوا القرآن بالسحر فقد أبطلوا كل ما فيه، ومن ذلك موضوع الإيمان باليوم الآخر، مع أن تكذيبهم بالقرآن وتكذيبهم باليوم الآخر نفي للحكمة من خلق السموات والأرض أصلا،
ثم بين الله أن الكافر لا تزيده النعم والإمهال إلا عتوا وتمردا وكفرا وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ أي أوقات مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ استهزاء ما يَحْبِسُهُ أي ما يمنعه من النزول. والمعنى: لئن أخرنا العذاب والمؤاخذة عن هؤلاء الكافرين إلى أجل معدود، وأمر محصور، وأوعدناهم إلى مدة مضروبة، ليقولن تكذيبا واستهزاء ما يؤخره عنا؟ أي يقولون للمؤمنين: إن ما تقولونه غير صحيح أصلا، ولو كان صحيحا لعذبنا. والجواب أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ أي العذاب لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ أي ليس مدفوعا عنهم وَحاقَ بِهِمْ أي نزل وأحاط ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ من العذاب، دل هذا على أن قولهم: ما يحبسه كان استهزاء،
ثم أخبرنا الله عن
стр. 2410
الطبيعة البشرية في تلقيها الشدة والرخاء وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً أي نعمة:
من صحة، وأمن، وجاه، وغنى ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ أي ثم سلبناه تلك النعمة إِنَّهُ لَيَؤُسٌ أي قنوط شديد اليأس من أن تعود إليه مثل تلك النعمة المسلوبة، بل يصبح قاطعا للرجاء كَفُورٌ أي عظيم الكفران لنعم الله، ولما سلف له من التقلب فيها نساء له
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ أي ولئن أصبناه بالنعمة بعد المصيبة التي نزلت به لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي أي المصائب، ولم يشكر ولم يتذكر، وكان لا يتوقع زوالها أصلا، ولسان حاله يقول: ما ينالني بعد هذا ضيم ولا سوء إِنَّهُ لَفَرِحٌ أي أشر بطر فَخُورٌ على الناس بما أذاقه الله من نعمائه، فهو فرح بحاله الجديد، فخور على غيره، وشغله الفرح والفخر عن الشكر، هذه طبيعة الإنسان،
إلا من كان متصفا بالصبر والعمل الصالح، فإنه لا يكون كذلك إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا في المحنة والبلاء على كل ضراء وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ في أحوالهم كلها، في السراء والضراء، فهؤلاء ليسوا في المحنة يئوسين كفورين وليسوا بعد زوالها فخورين بطرين، ومن ثم فقد استحقوا من الله العطاء أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ هو الجنة. وهكذا عرفنا السياق على الله، وعلى الحكمة من خلق السموات والأرض، وأن القيام بحق الله والعبادة له هو التحقيق لهذه الحكمة، وأن إنكار اليوم الآخر كفران بهذه الحكمة، وأن الكافرين بالله واليوم الآخر تستجرهم النعم إلى الكفران، مع أنهم في المحن على غاية من الهلع والجزع، على عكس أهل الإيمان، ومن السياق نفهم أن من العبادة الصبر على المحنة، وترك اليأس، والقنوط، وملازمة العمل الصالح في كل حال.
فوائد:
١ - عند قوله تعالى وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قال صاحب الظلال:
(والجديد هنا في خلق السماوات والأرض هو الجملة المعترضة: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ وما تفيده من أنه عند خلق السماوات والأرض أي إبرازهما إلى الوجود في شكلهما الذي انتهيا إليه كان هناك الماء، وكان عرش الله سبحانه على الماء.
أما كيف كان هذا الماء. وأين كان، في أية حالة من حالاته كان. وأما كيف كان عرش الله على هذا الماء .. فزيادات لم يتعرض لها النص، وليس لمفسر يدرك حدوده أن يزيد شيئا على مدلول النص، في هذا الغيب الذي ليس لنا من مصدر لعلمه إلا هذا النص وفي حدوده).
стр. 2411
٢ - وبمناسبة قوله تعالى: وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ قال ابن كثير: (والأمة تستعمل في القرآن والسنة في معان متعددة: فيراد بها الأمد كقوله في هذه الآية إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ وقوله في سورة يوسف وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ، وتستعمل في الإمام المقتدى به كقوله إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (النحل: ١٢٠)، وتستعمل في الملة والدين كقوله إخبارا عن المشركين إنهم قالوا: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (الزخرف: ٢٣)، وتستعمل في الجماعة كقوله وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ (القصص: ٢٣) وقوله وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (النحل: ٣٦) وقال تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (يونس: ٤٧)، والمراد من الأمة هاهنا الذين يبعث فيهم الرسول، مؤمنهم وكافرهم، كما في صحيح مسلم:
«والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ولا يؤمن بي، إلا دخل النار». وأما أمة الاتباع فهم المصدقون للرسل كما قال تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (الأعراف: ١٥٩) وكقوله مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ الآية (آل عمران: ١١٣).
٣ - وبمناسبة قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ نذكر هذين الحديثين:
أ- «والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن هم ولا غم، ولا نصب ولا وصب، ولا حزن حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله عنه بها من خطاياه».
ب- وفي الصحيحين: «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وأن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له، وليس ذلك لأحد غير المؤمن».
ولنعد إلى التفسير:
بعد أن بين الله لنا في هذا المقطع أن هذا القرآن أنزل من أجل أن يعبد الله، وبعد أن عرفنا الله على ذاته، وبين لنا حكمة خلق السموات والأرض، وموقف أهل الكفر والإيمان في الشدة والرخاء، وقد عرفنا محل ذلك في السياق، يخاطب
стр. 2412
رسوله ﷺ ليثبته على التمسك بالقرآن، فلا تثنيه مواقف الكافرين عن أخذ القرآن جميعه، لأن أي إخلال في تطبيق القرآن كله إخلال بعبادة الله، وإخلال في تحقيق الحكمة من خلق السموات والأرض، ونزول عن الخلق الأعلى:
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ بأن تترك أن تلقيه إليهم وتبلغهم إياه أو تترك العمل به وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ فتتحرج أن تتلوه عليهم وتدعوهم إليه مخافة أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أي هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ معنى كلامهم:
هلا أنزل عليه ما اقترحنا من الكنز لننفقه، والملائكة لنصدقه، ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه، وهذا يفيد أنهم كانوا لا يعتدون بالقرآن ويتهاونون به، فهيج الله رسوله ﷺ لأداء الرسالة، وطرح المبالاة بردهم واستهزائهم واقتراحهم، وفي ذلك درس لكل تارك لكتاب الله، أو لشئ منه؛ مخافة من أقوال الناس إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ أي ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك، وتبلغهم ما أمرت بتبليغه، ولا عليك إن ردوا وتهاونوا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أي حفيظ فيجازيهم بحفظ ما يقولون، وهو فاعل ما شاءه بهم من جزاء، فتوكل عليه وكل أمرك إليه، وعليك بتبليغ الوحي بقلب فسيح، وصدر منشرح، غير ملتفت إلى استكبارهم، ولا مبال بسفههم واستهزائهم،
وبعد أن بين الله لرسوله ﷺ ما يهيجه على عدم الالتفات لاقتراحاتهم، فند دعواهم، بأن يكون هذا القرآن مفترى من عند محمد ﵊ بأبي هو وأمي- أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ أي بل يقولون اختلق هذا القرآن، ونسبه إلى الله كذبا قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ تحداهم أولا بعشر سور، ثم بسورة واحدة، كما يقول المتحدي في الخط لصاحبه مثلا: أكتب عشرة أسطر نحو ما أكتب، فإذا تبين له العجز عن ذلك قال: قد اقتصرت منك على سطر واحد مِثْلِهِ في الحسن والجزالة واللفظ والأسلوب والفصاحة والبلاغة والمعنى مُفْتَرَياتٍ لما قالوا افتريت القرآن واختلقته من عند نفسك وليس من عند الله، أرخى معهم العنان وقال: هبوا أني اختلقته من عند نفسي، فأتوا أنتم أيضا بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم؛ فأنتم عرب فصحاء مثلي وَادْعُوا للمعاونة على ذلك مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنه مفترى. وهكذا أقام الله عليهم الحجة بإعجاز هذا القرآن. وهي حجة قائمة متحدى بها إلى يوم القيامة، فلا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن، ولا بعشر سور مثله، ولا بسورة مثله؛ قال ابن كثير: لأن كلام الرب لا يشبه كلام المخلوقين، كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات، وذاته لا يشبهها شئ، تعالى وتقدس
стр. 2413
وتنزه لا إله إلا هو ولا رب سواه
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا أي من دعوتموه للمعاونة والمعارضة لَكُمْ فَاعْلَمُوا أيها الكافرون أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ أي أنزل ملبسا بما لا يعلمه إلا الله من نظم معجز، ومعان لا يمكن أن تكون إلا من عند الله وَأَنْ أي واعلموا أنه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وحده فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ بعد هذه الحجة القاطعة، أي أسلموا، دل على أن التسليم بإعجاز القرآن يقتضي شيئين: توحيد الله، والإسلام له، فإذا رأيت من يسلم بالإعجاز ولا يوحد، ولا يسلم الإسلام الخالص، فإنه كذاب، وهكذا عرفنا من السياق أن الإيمان بالقرآن يقتضي
توحيدا وإسلاما، وهذه هي العبادة: معرفة بالله وصفاته، واستسلام وطاعة له في أمره، ويمكن أن نفهم الآية الأخيرة على أنها خطاب للمسلمين فيكون المعنى فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ أيها المسلمون فيما تحديتموهم به، فأثبتوا على العلم الذي أنتم عليه، وازدادوا يقينا على أنه منزل من عند الله وعلى التوحيد، ويكون معنى فهل أنتم مسلمون: فهل أنتم مخلصون خالصون لله، أي أسلموا لله ظاهرا وباطنا بالإخلاص والعمل.
وإذ كان المانع من اتباع القرآن، ومن عبادة الله، والإنابة إليه، والإسلام له، والرغبة في الآخرة، هي الدنيا، فإن الله بعد أن ذكر ما ذكر قال: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ أي نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة فِيها أي في الدنيا وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أي لا ينقصون شيئا
أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ أي وبطل ما صَنَعُوا فِيها أي وبطل ما صنعوه أو صنيعهم في الآخرة، أي لم يكن لهم ثواب لأنهم لم يريدوا وجه الله والدار الآخرة، إنما أرادوا به الدنيا، وقد وفى إليهم ما أرادوا وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي كان عملهم في نفسه باطلا؛ لأنه لم يعمل لغرض صحيح، والعمل الباطل لا ثواب له، والآيتان عامتان في كل من أراد بعمله الدنيا، سواء كان كافرا أو مسلما، حتى حملها بعضهم على المسلمين المرائين فقط، والصواب أنها عامة، ومما قيل في الآية: (قال العوفي عن ابن عباس: إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا، وذلك أنهم لا يظلمون نقيرا، يقول: من عمل صالحا لالتماس الدنيا صوما أو صلاة أو تهجدا بالليل، لا يعمله إلا لالتماس الدنيا. يقول الله تعالى: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعمله لالتماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين، وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد. وقال أنس بن مالك والحسن: نزلت في اليهود والنصارى. وقال مجاهد وغيره: نزلت في أهل الرياء، وقال قتادة: من
стр. 2414
كانت الدنيا همه ونيته وطلبته جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة)
أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ والمعنى: أمن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة من ربه، أي لا يستوون معهم في المنزلة ولا يقاربونهم، يعني: أن بين الفريقين تباينا بينا، ومعنى قوله تعالى: عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ أي على برهان من الله وبيان أن دين الإسلام حق، وهو دليل العقل وأصل الفطرة وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ أي وجاءه شاهد من الله، وهو ما أوحاه إلى الأنبياء من الشرائع المطهرة المكملة المنظمة المختتمة بشريعة محمد ﵊، التي جاء بها القرآن المعجز. ويمكن أن يكون المعنى:
أفمن كان على برهان من ربه- وهو دليل العقل- ويتلوه شاهد يشهد بصحته وهو القرآن من الله وَمِنْ قَبْلِهِ أي ومن قبل القرآن كِتابُ مُوسى وهو التوراة أي ويتلو ذلك البرهان أيضا من قبل القرآن كتاب موسى ﵇ إِماماً أي كتابا مؤتما به في الدين وقدوة فيه وَرَحْمَةً ونعمة عظيمة على المنزل عليهم أُولئِكَ أي من كان على بينة من ربهم يُؤْمِنُونَ بِهِ أي بالقرآن فلهم الجنة وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ أي بالقرآن مِنَ الْأَحْزابِ أي من الملل كلها فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ أي مصيره ومورده فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ أي في شك مِنْهُ أي من القرآن إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ مع قيام الحجة ووضوح البرهان، وهكذا عرفنا أن هذا الدين يشهد له العقل، ويشهد له إعجاز القرآن، ويشهد له الوحي السابق، ودين هذا شأنه لا يترك الإيمان به إلا متكبر جائر.
فوائد:
١ - عند قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ. وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قال صاحب الظلال:
(ولقد سبق أن تحداهم بسورة واحدة في سورة يونس، فما التحدي بعد ذلك بعشر سور؟
قال المفسرون القدامى: إن التحدي كان على الترتيب: بالقرآن كله، ثم بعشر سور، ثم بسورة واحدة. ولكن هذا الترتيب ليس عليه دليل. بل الظاهر أن سورة يونس سابقة والتحدي فيها بسورة واحدة، وسورة هود لاحقة والتحدي فيها بعشر سور. وحقيقة إن ترتيب الآيات في النزول ليس من الضروري أن يتبع ترتيب السور.
стр. 2415
فقد كانت تنزل الآية فتلحق بسورة سابقة أو لاحقة في النزول. إلا أن هذا يحتاج إلى ما يثبته. وليس في أسباب النزول ما يثبت أن آية يونس كانت بعد آية هود. والترتيب التحكمي في مثل هذا لا يجوز.
ولقد حاول السيد رشيد رضا في تفسير المنار أن يجد لهذا العدد (عشر سور) علة، فأجهد نفسه طويلا- رحمة الله عليه- ليقول: إن المقصود بالتحدي هنا هو القصص القرآني، وأنه بالاستقراء يظهر أن السور التي كان قد نزل بها قصص مطول إلى وقت نزول سورة هود كانت عشرا. فتحداهم بعشر .. لأن تحديهم بسورة واحدة فيه يعجزهم أكثر من تحديهم بعشر نظرا لتفرق القصص وتعدد أساليبه، واحتياج المتحدى إلى عشر سور كالتي ورد فيها ليتمكن من المحاكاة إن كان سيحاكي .. الخ.
ونحسب- والله أعلم- أن المسألة أيسر من كل هذا التعقيد. وأن التحدي كان يلاحظ حالة القائلين وظروف القول، لأن القرآن كان يواجه حالات واقعة محددة مواجهة واقعة محددة. فيقول مرة: ائتوا بمثل هذا القرآن. أو ائتوا بسورة. أو بعشر سور. دون ترتيب زمني. لأن الغرض كان هو التحدي في ذاته بالنسبة لأي شئ من هذا القرآن كله أو بعضه، أو سورة منه على السواء. فالتحدي كان بنوع هذا القرآن لا بمقداره. والعجز كان عن النوع لا عن المقدار. وعندئذ يستوي الكل والبعض والسورة. ولا يلزم ترتيب، إنما هو مقتضى الحالة التي يكون عليها المخاطبون، ونوع ما يقولون عن هذا القرآن في هذه الحالة. فهو الذي يجعل من المناسب أن يقال سورة أو عشر سور أو هذا القرآن. ونحن اليوم لا نملك تحديد الملابسات التي لم يذكرها لنا القرآن).
وقال الألوسي عند قوله تعالى أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ .. : هذا ونقل أنه استدل بهذه الآية على أن إعجاز القرآن بفصاحته لا باشتماله على المغيبات وكثرة العلوم، إذ لو كان كذلك لم يكن لقوله سبحانه: مُفْتَرَياتٍ معنى أما إذا كان وجه الإعجاز الفصاحة صح ذلك لأن فصاحة الكلام تظهر إن صدقا وإن كذبا.
٢ - وعند قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها،
وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ..
قال صاحب الظلال:
стр. 2416
(إن للجهد في هذه الأرض ثمرته. سواء تطلع صاحبه إلى أفق أعلى أو توجه به إلى منافعه القريبة وذاته المحدودة. فمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فعمل لها وحدها فإنه يلقى نتيجة عمله في هذه الدنيا، ويتمتع بها كما يريد- في أجل محدود- ولكن ليس له في الآخرة إلا النار، لأنه لم يقدم للآخرة شيئا، ولم يحسب لها حسابا. فكل عمل الدنيا يلقاه في الدنيا. ولكنه باطل في الآخرة لا يقام له فيها وزن وحابط (من حبطت الناقة إذا انتفخ بطنها من المرض) وهي صورة مناسبة للعمل المنتفخ المتورم في الدنيا وهو مؤد إلى الهلاك.
ونحن نشهد في هذه الأرض أفرادا اليوم وشعوبا وأمما تعمل لهذه الدنيا. وتنال جزاءها فيها. ولدنياها زينة، ولدنياها انتفاخ. فلا يجوز أن نعجب ولا أن نسأل:
لماذا؟ لأن هذه هي سنة الله في هذه الأرض مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ولكن التسليم بهذه السنة ونتائجها لا يجوز أن ينسينا أن هؤلاء كان يمكن أن يعملوا نفس ما عملوه- ونفوسهم تتطلع للآخرة وتراقب الله في الكسب والمتاع- فينالوا زينة الحياة الدنيا لا يبخسون منها شيئا، وينالوا كذلك متاع الحياة الأخرى.
إن العمل للحياة الأخرى لا يقف في سبيل العمل للحياة الدنيا. بل إنه هو هو مع الاتجاه إلى الله فيه. ومراقبة الله في العمل لا تقلل من مقداره ولا تنقص من آثاره. بل تزيد وتبارك الجهد والثمر، وتجعل الكسب طيبا والمتاع به طيبا، ثم تضيف إلى متاع الدنيا متاع الآخرة. إلا أن يكون الغرض من متاع الدنيا هو الشهوات الحرام. وهذه مردية لا في الأخرى فحسب، بل كذلك في الدنيا ولو بعد حين. وهي ظاهرة في حياة الأمم وفي حياة الأفراد. وعبر التاريخ شاهدة على مصير كل أمة اتبعت الشهوات على مدار القرون).
٣ - عند قوله تعالى أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً قال صاحب الظلال:
(ويكون المعنى الكلي للآية: أفهذا النبي الذي تتضافر الأدلة والشواهد على صدقه وصحة إيمانه ويقينه .. حيث يجد في نفسه بينة واضحة مستيقنة من ربه. وحيث يتبعه- أو يتبع يقينه هذا- شاهد من ربه هو هذا القرآن الدال بخصائصه على مصدره الرباني. وحيث يقوم على تصديقه شاهد آخر قبله. هو كتاب موسى الذي جاء إماما
стр. 2417
لقيادة بني إسرائيل، ورحمة من الله تنزلت عليهم. وهو يصدق رسول الله ﷺ بما تضمنه من التبشير به، كما يصدقه بما فيه من مطابقة للأصول الاعتقادية التي يقوم عليها دين الله كله. يقول: أفمن كان هذا شأنه يكون موضعا للتكذيب والكفر والعناد كما تفعل الأحزاب التي تناوئه من شتى فئات المشركين؟! إنه لأمر مستنكر إذن في مواجهة هذه الشواهد المتضافرة من شتى الجهات).
وقال الألوسي عند الآية نفسها: (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ تدل على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره، ويدخل في ذلك الإسلام دخولا أوليا، واقتصر عليه بعضهم بناء على أنه مناسب لما بعد، وأصل- البينة كما قيل-: الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة، وتطلق على الدليل مطلقا، وهاؤها للمبالغة، أو النقل، وهي وإن قيل: إنها من بان بمعنى تبين واتضح لكنه اعتبر فيها دلالة الغير والبيان له، وأخذها بعضهم من صيغة المبالغة، والتنوين فيها هنا للتعظيم، أي بينة عظيمة الشأن، والمراد بها القرآن وباعتبار ذلك، أو البرهان ذكر الضمير الراجع إليها في قوله سبحانه (ويتلوه) أي يتبعه (شاهد) عظيم يشهد بكونه من عند الله تعالى شأنه وهو- كما قال الحسين بن الفضل- الإعجاز في نظمه، ومعنى كون ذلك تابعا له: أنه وصف له لا ينفك عنه حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فلا يستطيع أحد من الخلق جيلا بعد جيل معارضته ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا).
من هذين النقلين ندرك أن للمفسرين أكثر من اتجاه في الآية، والذي نرجحه أن البينة هي القرآن، والشاهد هو الفطرة والقلب والعقل، وعلى هذا الاتجاه فقد دلت الآية على أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة، وأما التفصيلات فإنها تؤخذ من الشريعة والفطرة تصدقها وتؤمن بها، وهناك أكثر من حديث عن رسول الله ﷺ في تبيان أن الأصل في الإنسان سلامة الفطرة، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» الحديث. وفي صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى:
إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا». وفي المسند والسنن:
«كل مولود يولد على هذه الملة حتى يعرب عنه لسانه» الحديث. وقد ذكرنا أثناء
стр. 2418
التفسير أن البينة العقل والشاهد القرآن لأنه هو الذي عليه عامة المفسرين. ورجحنا هنا ما ينشرح له الصدر وهو ما ذكره الألوسي أن البينة هي القرآن فأوصلنا هذا إلى قناعة، أن الشاهد الذي يتبع القرآن من المسلم أو من الله هو العقل والفطرة.
٤ - روى أيوب السختياني عن سعيد بن جبير قال: كنت لا أسمع بحديث عن النبي ﷺ على وجهه إلا وجدت مصداقه، أو قال: تصديقه بالقرآن، فبلغني أن النبي ﷺ قال: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا دخل النار»، فجعلت أقول: أين مصداقه في كتاب الله؟ قال: وقلما سمعت عن رسول الله ﷺ إلا وجدت له تصديقا في القرآن، حتى وجدت هذه الآية. وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ.
ولنعد إلى التفسير:
وَمَنْ أَظْلَمُ أي لا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبته الشريك والولد له أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ أي يحبسون في الموقف وتعرض أعمالهم وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أي ويشهد عليهم الأشهاد من الملائكة والنبيين بأنهم الكذابون على الله بأنه اتخذ ولدا وشريكا أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ أي الكاذبين على ربهم
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي يصرفون الناس عن دينه وَيَبْغُونَها أي يطلبون السبيل عِوَجاً أي معوجا، أو يصفون الطريق بالاعوجاج وهي مستقيمة، أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالارتداد وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ كررت (هم) لتأكيد كفرهم بالآخرة، واختصاصهم به، وفي الآية تعريف للظالمين بأنهم الذين يردون الناس عن اتباع الحق، وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله ، ويجنبونهم الجنة، ويريدون أن يكون طريقهم عوجا غير معتدلة، ويجحدون بالآخرة، ويكذبون فيها
أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا أي ما كانوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ أي بمعجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم، بل هم تحت قهره وغلبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مِنْ أَوْلِياءَ أي أنصار يمنعونهم من عذابه، أي لا أحد يتولاهم فينصرهم منه، ويمنعهم من عقابه، ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى ذلك اليوم.
وفي الصحيحين «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» يُضاعَفُ لَهُمُ
стр. 2419
الْعَذابُ لأنهم أضلوا الناس عن دين الله ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ للحق من فرط حقدهم وحسدهم وكبرهم وَما كانُوا يُبْصِرُونَ الحق، وهكذا اجتمع لهم الصمم عن الحق، والعمى عنه، فلفرط كراهيتهم للحق أصبحوا كأنهم عاجزون عن السماع والرؤية
أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ لأنهم أدخلوا نارا حامية فهم معذبون فيها لا يفتر عنهم من عذابها طرفة عين وَضَلَّ عَنْهُمْ أي وغاب عنهم وذهب ما كانُوا يَفْتَرُونَ من زخرف قول، وباطل في العقائد وغيرها
لا جَرَمَ أي حقا أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ أخبر تعالى بهذه الآية عن مآلهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الآخرة، لأنهم استبدلوا الدركات عن الدرجات، واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن شرب الرحيق المحتوم بسموم وحميم وظل من يحموم، وعن الحور العين بطعام من غسلين، وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قرب الرحمن ورؤيته بغضب الديان وعقوبته، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون.
وبعد أن بين الله حال الكافرين ختم المقطع ببيان حال المؤمنين والموازنة بينهم وبين الكافرين إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أي اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع والتواضع، فاجتمع لهم الإيمان والعمل الصالح والخشوع وهذه بمجموعها عبادة أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وهكذا بعد أن ذكر الأشقياء، ثنى بذكر السعداء: وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فآمنت قلوبهم، وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة قولا وفعلا، من الإيمان بالطاعات، وترك المنكرات، وبهذا ورثوا الجنات المشتملة على الغرف العاليات، والسرر المصفوفات، والقطوف الدانيات، والفرش المرتفعات، والحسان الخيرات، والفواكه المتنوعات، والمآكل المشتهيات، والمشارب المستلذات، والنظر إلى خالق الأرض والسموات. وهم في ذلك خالدون لا يموتون، ولا يهرمون ولا يمرضون، ولا ينامون، ولا يتغوطون، ولا يبصقون ولا يتمخطون، إن هو إلا رشح مسك يعرقون.
ثم ضرب الله تعالى مثلا للكافرين والمؤمنين فقال: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ أي الذين وصفهم أولا بالشقاء، والمؤمنين بالسعادة، فأولئك كالأعمى والأصم، وهؤلاء كالبصير والسميع كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ شبه فريق الكافرين بالأعمى والأصم وشبه فريق المؤمنين بالبصير والسميع، فالكافر أعمى عن وجه الحق في الدنيا والآخرة، لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه، أصم عن سماع الحجج؛ فلا يسمع ما ينتفع به، وأما المؤمن ففطن ذكي، لبيب، بصير بالحق، يميز بينه وبين الباطل، فيتبع
стр. 2420
الخير، ويترك الشر، سميع للحجة، يفرق بينها وبين الشبهة، فلا يروج عليه باطل، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا فهل يستوي هذا وهذا؟! أَفَلا تَذَكَّرُونَ أي أفلا تتعظون وتعتبرون فتفرقون بين هؤلاء وهؤلاء، وتكونون من أهل الإيمان.
فوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ذكر ابن كثير الحديث النبوي الذي أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين عن صفوان بن محرز قال: «كنت آخذا بيد ابن عمر إذ عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعته يقول: «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟
أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون: فيقول الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ.
٢ - ذكر الله في أوائل هذه السورة قوله وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ وقد ذكرنا أثناء مرورنا على هذه الآية أن أول الخلق كان العرش والماء، ثم كان خلق السموات والأرض، وهاهنا نروي أحاديث في المعنى نفسه:
روى الإمام أحمد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : «اقبلوا البشرى يا بني تميم» قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، قال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن» قالوا: قد قبلنا، فأخبرنا عن أول الأمر كيف كان؟ قال: «كان الله قبل كل شئ، وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شئ» قال: فأتاني آت فقال: يا عمران انحلت ناقتك من عقالها، قال: فخرجت في أثرها، فلا أدري ما كان بعدي. وهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ
كثيرة، فمنها: قالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر فقال: «كان الله ولم يكن شئ قبله- وفي رواية غيره- وفي رواية معه- وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شئ، ثم خلق السموات والأرض». وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق
следующие страницы →