← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

(إن للجهد في هذه الأرض ثمرته. سواء تطلع صاحبه إلى أفق أعلى أو توجه به إلى منافعه القريبة وذاته المحدودة. فمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فعمل لها وحدها فإنه يلقى نتيجة عمله في هذه الدنيا، ويتمتع بها كما يريد- في أجل محدود- ولكن ليس له في الآخرة إلا النار، لأنه لم يقدم للآخرة شيئا، ولم يحسب لها حسابا. فكل عمل الدنيا يلقاه في الدنيا. ولكنه باطل في الآخرة لا يقام له فيها وزن وحابط (من حبطت الناقة إذا انتفخ بطنها من المرض) وهي صورة مناسبة للعمل المنتفخ المتورم في الدنيا وهو مؤد إلى الهلاك. ونحن نشهد في هذه الأرض أفرادا اليوم وشعوبا وأمما تعمل لهذه الدنيا. وتنال جزاءها فيها. ولدنياها زينة، ولدنياها انتفاخ. فلا يجوز أن نعجب ولا أن نسأل: لماذا؟ لأن هذه هي سنة الله في هذه الأرض مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ولكن التسليم بهذه السنة ونتائجها لا يجوز أن ينسينا أن هؤلاء كان يمكن أن يعملوا نفس ما عملوه- ونفوسهم تتطلع للآخرة وتراقب الله في الكسب والمتاع- فينالوا زينة الحياة الدنيا لا يبخسون منها شيئا، وينالوا كذلك متاع الحياة الأخرى. إن العمل للحياة الأخرى لا يقف في سبيل العمل للحياة الدنيا. بل إنه هو هو مع الاتجاه إلى الله فيه. ومراقبة الله في العمل لا تقلل من مقداره ولا تنقص من آثاره. بل تزيد وتبارك الجهد والثمر، وتجعل الكسب طيبا والمتاع به طيبا، ثم تضيف إلى متاع الدنيا متاع الآخرة. إلا أن يكون الغرض من متاع الدنيا هو الشهوات الحرام. وهذه مردية لا في الأخرى فحسب، بل كذلك في الدنيا ولو بعد حين. وهي ظاهرة في حياة الأمم وفي حياة الأفراد. وعبر التاريخ شاهدة على مصير كل أمة اتبعت الشهوات على مدار القرون). ٣ - عند قوله تعالى أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً قال صاحب الظلال: (ويكون المعنى الكلي للآية: أفهذا النبي الذي تتضافر الأدلة والشواهد على صدقه وصحة إيمانه ويقينه .. حيث يجد في نفسه بينة واضحة مستيقنة من ربه. وحيث يتبعه- أو يتبع يقينه هذا- شاهد من ربه هو هذا القرآن الدال بخصائصه على مصدره الرباني. وحيث يقوم على تصديقه شاهد آخر قبله. هو كتاب موسى الذي جاء إماما

стр. 2417

لقيادة بني إسرائيل، ورحمة من الله تنزلت عليهم. وهو يصدق رسول الله ﷺ بما تضمنه من التبشير به، كما يصدقه بما فيه من مطابقة للأصول الاعتقادية التي يقوم عليها دين الله كله. يقول: أفمن كان هذا شأنه يكون موضعا للتكذيب والكفر والعناد كما تفعل الأحزاب التي تناوئه من شتى فئات المشركين؟! إنه لأمر مستنكر إذن في مواجهة هذه الشواهد المتضافرة من شتى الجهات). وقال الألوسي عند الآية نفسها: (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ تدل على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره، ويدخل في ذلك الإسلام دخولا أوليا، واقتصر عليه بعضهم بناء على أنه مناسب لما بعد، وأصل- البينة كما قيل-: الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة، وتطلق على الدليل مطلقا، وهاؤها للمبالغة، أو النقل، وهي وإن قيل: إنها من بان بمعنى تبين واتضح لكنه اعتبر فيها دلالة الغير والبيان له، وأخذها بعضهم من صيغة المبالغة، والتنوين فيها هنا للتعظيم، أي بينة عظيمة الشأن، والمراد بها القرآن وباعتبار ذلك، أو البرهان ذكر الضمير الراجع إليها في قوله سبحانه (ويتلوه) أي يتبعه (شاهد) عظيم يشهد بكونه من عند الله تعالى شأنه وهو- كما قال الحسين بن الفضل- الإعجاز في نظمه، ومعنى كون ذلك تابعا له: أنه وصف له لا ينفك عنه حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فلا يستطيع أحد من الخلق جيلا بعد جيل معارضته ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا). من هذين النقلين ندرك أن للمفسرين أكثر من اتجاه في الآية، والذي نرجحه أن البينة هي القرآن، والشاهد هو الفطرة والقلب والعقل، وعلى هذا الاتجاه فقد دلت الآية على أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة، وأما التفصيلات فإنها تؤخذ من الشريعة والفطرة تصدقها وتؤمن بها، وهناك أكثر من حديث عن رسول الله ﷺ في تبيان أن الأصل في الإنسان سلامة الفطرة، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» الحديث. وفي صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا». وفي المسند والسنن: «كل مولود يولد على هذه الملة حتى يعرب عنه لسانه» الحديث. وقد ذكرنا أثناء

стр. 2418

التفسير أن البينة العقل والشاهد القرآن لأنه هو الذي عليه عامة المفسرين. ورجحنا هنا ما ينشرح له الصدر وهو ما ذكره الألوسي أن البينة هي القرآن فأوصلنا هذا إلى قناعة، أن الشاهد الذي يتبع القرآن من المسلم أو من الله هو العقل والفطرة. ٤ - روى أيوب السختياني عن سعيد بن جبير قال: كنت لا أسمع بحديث عن النبي ﷺ على وجهه إلا وجدت مصداقه، أو قال: تصديقه بالقرآن، فبلغني أن النبي ﷺ قال: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا دخل النار»، فجعلت أقول: أين مصداقه في كتاب الله؟ قال: وقلما سمعت عن رسول الله ﷺ إلا وجدت له تصديقا في القرآن، حتى وجدت هذه الآية. وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ. ولنعد إلى التفسير: وَمَنْ أَظْلَمُ أي لا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبته الشريك والولد له أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ أي يحبسون في الموقف وتعرض أعمالهم وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أي ويشهد عليهم الأشهاد من الملائكة والنبيين بأنهم الكذابون على الله بأنه اتخذ ولدا وشريكا أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ أي الكاذبين على ربهم الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي يصرفون الناس عن دينه وَيَبْغُونَها أي يطلبون السبيل عِوَجاً أي معوجا، أو يصفون الطريق بالاعوجاج وهي مستقيمة، أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالارتداد وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ كررت (هم) لتأكيد كفرهم بالآخرة، واختصاصهم به، وفي الآية تعريف للظالمين بأنهم الذين يردون الناس عن اتباع الحق، وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله ، ويجنبونهم الجنة، ويريدون أن يكون طريقهم عوجا غير معتدلة، ويجحدون بالآخرة، ويكذبون فيها أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا أي ما كانوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ أي بمعجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم، بل هم تحت قهره وغلبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مِنْ أَوْلِياءَ أي أنصار يمنعونهم من عذابه، أي لا أحد يتولاهم فينصرهم منه، ويمنعهم من عقابه، ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى ذلك اليوم. وفي الصحيحين «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» يُضاعَفُ لَهُمُ

стр. 2419

الْعَذابُ لأنهم أضلوا الناس عن دين الله ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ للحق من فرط حقدهم وحسدهم وكبرهم وَما كانُوا يُبْصِرُونَ الحق، وهكذا اجتمع لهم الصمم عن الحق، والعمى عنه، فلفرط كراهيتهم للحق أصبحوا كأنهم عاجزون عن السماع والرؤية أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ لأنهم أدخلوا نارا حامية فهم معذبون فيها لا يفتر عنهم من عذابها طرفة عين وَضَلَّ عَنْهُمْ أي وغاب عنهم وذهب ما كانُوا يَفْتَرُونَ من زخرف قول، وباطل في العقائد وغيرها لا جَرَمَ أي حقا أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ أخبر تعالى بهذه الآية عن مآلهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الآخرة، لأنهم استبدلوا الدركات عن الدرجات، واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن شرب الرحيق المحتوم بسموم وحميم وظل من يحموم، وعن الحور العين بطعام من غسلين، وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قرب الرحمن ورؤيته بغضب الديان وعقوبته، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون. وبعد أن بين الله حال الكافرين ختم المقطع ببيان حال المؤمنين والموازنة بينهم وبين الكافرين إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أي اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع والتواضع، فاجتمع لهم الإيمان والعمل الصالح والخشوع وهذه بمجموعها عبادة أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وهكذا بعد أن ذكر الأشقياء، ثنى بذكر السعداء: وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فآمنت قلوبهم، وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة قولا وفعلا، من الإيمان بالطاعات، وترك المنكرات، وبهذا ورثوا الجنات المشتملة على الغرف العاليات، والسرر المصفوفات، والقطوف الدانيات، والفرش المرتفعات، والحسان الخيرات، والفواكه المتنوعات، والمآكل المشتهيات، والمشارب المستلذات، والنظر إلى خالق الأرض والسموات. وهم في ذلك خالدون لا يموتون، ولا يهرمون ولا يمرضون، ولا ينامون، ولا يتغوطون، ولا يبصقون ولا يتمخطون، إن هو إلا رشح مسك يعرقون. ثم ضرب الله تعالى مثلا للكافرين والمؤمنين فقال: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ أي الذين وصفهم أولا بالشقاء، والمؤمنين بالسعادة، فأولئك كالأعمى والأصم، وهؤلاء كالبصير والسميع كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ شبه فريق الكافرين بالأعمى والأصم وشبه فريق المؤمنين بالبصير والسميع، فالكافر أعمى عن وجه الحق في الدنيا والآخرة، لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه، أصم عن سماع الحجج؛ فلا يسمع ما ينتفع به، وأما المؤمن ففطن ذكي، لبيب، بصير بالحق، يميز بينه وبين الباطل، فيتبع

стр. 2420

الخير، ويترك الشر، سميع للحجة، يفرق بينها وبين الشبهة، فلا يروج عليه باطل، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا فهل يستوي هذا وهذا؟! أَفَلا تَذَكَّرُونَ أي أفلا تتعظون وتعتبرون فتفرقون بين هؤلاء وهؤلاء، وتكونون من أهل الإيمان. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ذكر ابن كثير الحديث النبوي الذي أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين عن صفوان بن محرز قال: «كنت آخذا بيد ابن عمر إذ عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعته يقول: «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون: فيقول الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. ٢ - ذكر الله في أوائل هذه السورة قوله وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ وقد ذكرنا أثناء مرورنا على هذه الآية أن أول الخلق كان العرش والماء، ثم كان خلق السموات والأرض، وهاهنا نروي أحاديث في المعنى نفسه: روى الإمام أحمد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : «اقبلوا البشرى يا بني تميم» قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، قال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن» قالوا: قد قبلنا، فأخبرنا عن أول الأمر كيف كان؟ قال: «كان الله قبل كل شئ، وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شئ» قال: فأتاني آت فقال: يا عمران انحلت ناقتك من عقالها، قال: فخرجت في أثرها، فلا أدري ما كان بعدي. وهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ كثيرة، فمنها: قالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر فقال: «كان الله ولم يكن شئ قبله- وفي رواية غيره- وفي رواية معه- وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شئ، ثم خلق السموات والأرض». وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق

стр. 2421

السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» وروى البخاري في تفسير هذه الآية .. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله : أنفق أنفق عليك». وقال: «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار» وقال: «أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع». وروى الإمام أحمد عن أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: «كان في عماء ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق العرش بعد ذلك». وقد رواه الترمذي في التفسير، وابن ماجه في السنن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن وقال مجاهد: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قبل أن يخلق شيئا، كذا قال وهب بن منبه وضمرة وقتادة وابن جرير وغير واحد. وقال قتادة في قوله وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ينبئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض، أقول: (ما) في قوله (ما فوقه هواء وما تحته هواء) نافية أي ليس معه شئ. كلمة في السياق: ١ - قلنا: إن محور سورة هود ﵇ هو قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وقد رأينا أن هذا المقطع بدأ بتقرير أن هذا القرآن أحكم وفصل من أجل عبادة الله واستغفاره، وسيأتي الآن مقطع ثان فيه ثلاث قصص لأنبياء دعوا قومهم إلى عبادة الله هم: نوح، وهود، وصالح. ٢ - لقد فصل المقطع الذي مر معنا في كثير من مضامين العبادة ومظاهرها، كما بين لنا الكثير مما تقتضيه العبادة لله في العسر واليسر وفي كل حال. ٣ - وصف القرآن الذي أنزل داعيا إلى العبادة والاستغفار بأنه نذير وبشير، وقد رأينا في المقطع نماذج على نذارته وبشارته، وسنرى في المقطع الثاني إنذارات وبشارات من خلال عرضه لقصص الأنبياء ومواقف أقوامهم منهم، وما آل إليه أمر المرسلين وأمر المكذبين. ٤ - ومن خلال ما مر وسيمر تتعمق قضية العبادة والاستغفار.

стр. 2422

المقطع الثاني ويمتد من الآية (٢٥) إلى نهاية الآية (٦٨) وهذا هو: المجموعة الأولى [سورة هود (١١): الآيات ٢٥ الى ٤٩] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠) وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)

стр. 2423

المجموعة الثانية [سورة هود (١١): الآيات ٥٠ الى ٦٠] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)

стр. 2424

المجموعة الثالثة [سورة هود (١١): الآيات ٦١ الى ٦٨] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨)

стр. 2425

تفسير المجموعة الأولى وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي أي بأني لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أي بين الإنذار أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ أي: إني لكم ظاهر النذارة من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ أي مؤلم موجع في الدنيا والآخرة إن استمررتم على ما أنتم عليه، وقد وصف اليوم نفسه بأنه أليم لوقوع الألم فيه فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ الملأ: هم الأشراف، لأنهم في موازين الناس يملئون القلوب هيبة، والمجالس أبهة، أو لأن الناس يعتبرونهم ملئوا بالأحلام والآراء الصائبة ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا أي لست بملك ولا ملك ولكنك بشر فكيف أوحي إليك من دوننا، ولست بذي فضل علينا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا أي أخساؤنا وأسافلنا بادِيَ الرَّأْيِ أي وقت حدوث أول رأيهم، أرادوا أن اتباعهم لك شئ عن لهم بديهة من غير روية ونظر، ولو تفكروا ما اتبعوك. قال النسفي: (وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية لأنهم (أي الكافرين) كانوا جهالا، ما كانوا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فكان الأشراف عندهم من له جاه ومال، كما ترى أكثر المتسمين بالإسلام يعتقدون ذلك، ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم، ولقد زل عنهم أن التقدم في الدنيا لا يقرب أحدا من الله. وإنما يبعده» أقول: هذا إذا لم يرافقه إيمان وإحسان. وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ أي ما رأينا لكم علينا فضيلة في خلق ولا خلق، ولا رزق ولا حال، لما دخلتم في دينكم هذا، ومن قبل ليس لكم فضيلة في مال ولا رأي بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ في دعوى الرسالة، أي نوحا في الدعوة، ومتبعيه في الإجابة، والتصديق يعنى تواطأتم على الدعوة والإجابة تسبيبا للرئاسة، وهكذا نجد أن ما قاله قوم نوح هو لسان حال الكافرين في كل عصر، أن يتهموا أهل الإيمان بالرذالة، وضحالة الرأي، وانعدام الميزات، والكذب في دعوى حمل الإسلام. وهكذا بآية واحدة جمع الله كل ما قاله قوم

стр. 2426

نوح لنوح والمؤمنين في رد دعوتهم، وهو رد سفيه جاهل. فائدة: قال ابن كثير في التعقيب على رد الكافرين المذكور آنفا: (هذا اعتراض الكافرين على نوح ﵇ وأتباعه، وهو دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح، سواء اتبعه الأشراف أو الأراذل، ولو كانوا أغنياء، ثم الواقع غالبا إنما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته، كما قال تعالى: وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (الزخرف: ٢٣) ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان- صخر بن حرب- عن صفات النبي ﷺ قال له فيما قال: أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: هم أتباع الرسل، وقولهم (بادي الرأي) ليس بمذمة ولا عيب، لأن الحق إذا وضح لا يبقى للتروي ولا للفكر مجال، بل لا بد من اتباع الحق- والحالة هذه- لكل ذي زكاء وذكاء، بل لا يفكر هاهنا إلا غبي أو عيي، والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إنما جاءوا بأمر جلي واضح، وقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم» أي ما تردد ولا تروى لأنه رأى أمرا جليا عظيما واضحا فبادر إليه وسارع، وقولهم: وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ هم لا يرون ذلك لأنهم عمي عن الحق، لا يسمعون ولا يبصرون، بل هم في ريبهم يترددون، في ظلمات الجهل يعمهون، وهم الأفاكون الكاذبون الأقلون الأرذلون. وفي الآخرة هم الأخسرون). قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي على برهان وشاهد منه يشهد بصحة دعواي، أي على يقين وأمر جلي ونبوة صادقة وهي الرحمة العظيمة من الله به وبهم، إذ جاءهم بما يحقق حكمة وجودهم وخلقهم وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ أي النبوة التي هي أعظم مظهر من مظاهر رحمة الله بخلقه، وأي رحمة أعظم من رحمة نتعرف بها على الله ورسالاته فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أي أخفيت البينة فلم تهدكم، كما لو عمي على القوم دليلهم في الصحراء فبقوا بغير دلالة، وهؤلاء لم يهتدوا إليها، ولا عرفوا قدرها، بل بادروا إلى تكذيبها وردها أَنُلْزِمُكُمُوها أي أنغصبكم

стр. 2427

بقبول هذه الرحمة وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ أي لا تريدونها وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على تبليغ الرسالة مالًا أي أجرة يثقل عليكم إن أديتموه إلي، أو يثقل علي إن أبيتم دفعه، وإنما أنا مبلغ عن الله، ومبتغ بذلك وجهه إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ فإنه المأمول منه ، وكأنهم طلبوا منه أن يطرد المؤمنين عنه احتشاما وأنفة من المجالسة معهم، ونفاسة منهم أن يكونوا كهؤلاء، ولذلك قال: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ فيشكونني إليه إن طردتهم، وهو مجازيهم إن كانوا مقصرين وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ أي تتسافهون على المؤمنين، وتدعونهم أراذل، أو تجهلون لقاء ربكم، أو تجهلون أن المؤمنين خير منكم وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ أي من يمنعني من انتقامه إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أي أفلا تتعظون وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ فأدعي فضلا بذلك وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ حتى تقولوا لي ما أنت إلا بشر مثلنا وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ أي تحتقرهم وتعيبهم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً أي ولا أحكم على من استرذلتم من المؤمنين لفقرهم أن الله لن يؤتيهم خيرا في الدنيا والآخرة لهوانهم عليه، مساعدة لكم ونزولا على هواكم اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ من صدق الاعتقاد، وإنما علي قبول ظاهر إقرارهم؛ إذ لا أطلع على خفي أسرارهم إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ إن قلت شيئا من ذلك، وهكذا رد عليهم ما قالوه. هذا الرد البليغ الحازم الجازم اللطيف اللين- في الوقت نفسه- فلم تبق كلمة لهم إلا رد عليها، ولا زعما إلا دحضه، وبين موقفه الرباني الذي لا يتزحزح عنه، وعلمنا من جملة ما علمنا ألا نبيع المؤمنين بالمتكبرين، وألا يكون هذا محل مساومة مهما كان وضع المؤمنين، ومهما ادعي أن فيهم ما فيهم، وهذا درس عظيم للدعاة، فقد لا يستجيب لشأنهم إلا أقل الناس في مقاييس الناس، فهؤلاء ينبغي أن يكونوا عند الداعية أغلى الناس، وألا يميل عنهم إلى غيرهم. ولنعد إلى السياق: فبعد أن قامت عليهم الحجة اتخذوا الموقف الذي يتخذه كل مبطل، وهو رفض الحق والإعراض عن أهله قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا أي حاججتنا فأكثرت من ذلك فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في وعدك قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ أي ليس الإتيان بالعذاب إلي، وإنما هو إلى

стр. 2428

من كفرتم به، فهو الذي يتولى عقابكم وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أي فلا تقدرون على الهروب منه فإنه لا يعجزه شئ وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ أي يضلكم والتقدير: إن كان الله يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم، أي لا شئ يجدي معكم بإبلاغي لكم وإنذاري إياكم ونصحي، إذا كان الله مريدا إغواءكم ودماركم؛ بسبب من ظلمكم وكبركم هُوَ رَبُّكُمْ فيتصرف فيكم؛ لأنه مالك أزمة الأمور، المتصرف الحاكم العادل الذي لا يجور، له الخلق وله الأمر وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فيجازيكم على أعمالكم فهو المبدئ المعيد، مالك الدنيا والآخرة، وهكذا تقابل الحجة بالحجة. والموقف يقابل بموقف، والحسم يقابل بحسم. فإذا وصلت قصة نوح إلى هذا تأتي الآن آية معترضة تتحدث عن قوم محمد ﷺ ، وكلامهم والجواب عليهم بما يناسب السياق، ومجئ هذه الآية هنا مذكر بأن القصة هنا هادفة، في التوجيه والإرشاد، ولفت النظر والتمثيل، بما يناسب الدعوة الجديدة، وبما يخدم سياق السورة بشكل عام. أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ أي بل يقولون: اختلقه، أي بل يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون افترى هذا وافتعله من عنده قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي أي إن صح أني افتريته فعلي عقوبة إجرامي أي افترائي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ أي وأنا برئ من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي، أي ليس ذلك مفتعلا ولا مفترى، لأني أعلم ما عند الله من العقوبة لمن كذب عليه. قال ابن كثير في هذه الآية: (هذا كلام معترض في وسط القصة مؤكد لها ... ) أقول: قد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية ليست معترضة بل هي جزء من الحوار بين نوح ﵇ وقومه، والمقام محتمل. ثم يعود السياق. فبعد أن تبينت المواقف قال تعالى: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ هذا تقنيط من الله لنوح ﵇ من إيمانهم، وأنه غير متوقع فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ أي فلا تحزن عليهم، ولا يهمنك أمرهم، وأصل المعنى: فلا تحزن حزن بائس مستكين بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك، فقد حان وقت الانتقام من أعدائك وَاصْنَعِ الْفُلْكَ أي السفينة بِأَعْيُنِنا قال ابن كثير: (بمرأى منا) أقول: في ذلك تطمين له من أن يزيغ في صنعته عن الصواب وَوَحْيِنا أي وإنا نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع، أي وتعليمنا لك ما تصنعه وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أي ولا تدعني في شأن قومك، واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك إِنَّهُمْ

стр. 2429

مُغْرَقُونَ أي محكوم عليهم بالإغراق، وقد قضي به وجف القلم، فلا سبيل إلى كفه، وقام نوح بالأمر وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ أي من عمله السفينة فكانوا يهزءون به ويكذبون بما يتوعدهم به من الغرق قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ عند رؤية الهلاك، وهو محقق عندنا من الآن كَما تَسْخَرُونَ منا عند رؤية الفلك فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ أي يهينه في الدنيا وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ أي دائم مستمر أبدا فالمراد بالعذاب الأول عذاب الدنيا وهو الغرق، والمراد بالعذاب الثاني عذاب الآخرة. ثم قص الله علينا كيف جاء العذاب حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا أي عذابنا وَفارَ التَّنُّورُ للمفسرين هنا أقوال فبعضهم قال: المراد بالتنور الإشعار باشتداد الأمر وصعوبته ففي الكلام كناية، وبعضهم قال: المراد به تنور خبز بعينه، وبعضهم قال: المراد به وجه الأرض، والظاهر أنها علامة لنوح من الله، فإذا كان الأمر كذلك فهو تنور بعينه قُلْنَا احْمِلْ فِيها أي في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ أي من كل صنف زوجين وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ أنه من أهل النار، وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر بتقديره وإرادته، جل خالق العباد عن أن يقع في الكون خلاف ما أراد وَمَنْ آمَنَ أي واحمل مع المؤمنين من أهلك من آمن من غيرهم وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ أي نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما، كما سنرى في سورة (العنكبوت)، وليس هناك من رواية عن رسولنا ﵊ في تحديد عدد من ركب في السفينة، وسنذكر في الفوائد شيئا له علاقة في هذا الموضوع وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها أي مسمين الله، أو قائلين بسم الله وقت إجرائها ووقت إرسائها، أي بسم الله يكون جريها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها وهو رسوها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ لمن آمن منهم رَحِيمٌ حين خلصهم وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون: بسم الله، والسفينة تجري، وهم فيها، وموج الطوفان كأنه الجبال. والموج: هو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه بسبب الرياح الشديدة، شبه كل موجة منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ أي عن أبيه وعن السفينة، أو في معزل عن دينه يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا في السفينة، أي أسلم واركب ولذلك قال: وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ فتغرق وتدخل النار قالَ سَآوِي أي سآتي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ أي يمنعني من الغرق قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ

стр. 2430

أي من الطوفان والغرق إِلَّا مَنْ رَحِمَ أي إلا من ﵀، اعتقد- بجهله- أن الطوفان لا يبلغ إلى رءوس الجبال، وأنه لو تعلق في رأس جبل لنجاه ذلك من الغرق فقال له أبوه ما معناه إنه لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ونحوه سوى معتصم واحد وهو مكان من ﵏ ونجاهم يعني السفينة، أو لا يعصمك اليوم إلا الله لأن من ﵀ وحده فهو المعصوم وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ أي بين ابنه والجبل أو بين نوح وابنه فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ أي فصار من المغرقين، وهكذا كانت نهاية الكافرين والظالمين، وتأتي الآن قصة نهاية الطوفان وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ أي انشقي ماءك وتشربي وَيا سَماءُ أَقْلِعِي أي أمسكي وَغِيضَ الْماءُ أي شرع في النقص وَقُضِيَ الْأَمْرُ أي وأنجز ما وعد الله نوحا من إهلاك قومه وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ أي واستقرت السفينة على المسمى بالجودي وَقِيلَ بُعْداً أي سحقا، والمراد البعد البعيد من حيث الهلاك والموت، ولذلك تخص هذه الكلمة بدعاء السوء لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي قوم نوح الذين غرقوا، ويسأل نوح ربه مستعلما وكاشفا عن حال ولده الذي غرق وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي أي وقد وعدتني بنجاة أهلي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ الذي لا يخلف فكيف غرق وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ أي أعلم الحكام وأعدلهم قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي الذين وعدت إنجاءهم لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك ولهذا قال: وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوحا ﵇ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ هذا تعليل لانتفاء كونه من أهله، وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، وأن نسيبك في دينك- وإن كان حبشيا وكنت قرشيا- لصيقك، ومن لم يكن على دينك وإن كان أمس أقاربك رحما فهو أبعد بعيد منك، وجعلت ذاته عملا غير صالح للإشعار بمبالغته في السوء فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ أي بجواز مسألته عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ فتسأل ما لا يجوز لك أن تسأله قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ أي استجيرك من أن أطلب منك في المستقبل ما لا علم لي بصحته، تأدبا بأدبك، واتعاظا بموعظتك وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي ما فرط مني وَتَرْحَمْنِي بالعصمة عن العود إلى مثله أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ الذين خسروا الدنيا والآخرة قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا أي بتحية منا أو سلامة من الغرق وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ البركات: هى الخيرات النامية، وهي في حقه بكثرة ذريته وأتباعه. قال

стр. 2431

النسفي: فقد جعل أكثر الأنبياء من ذريته وأئمة الدين في القرون الباقية من نسله وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ المراد إما الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا معه جماعات، أو سموا أمما لأن الأمم تتشعب منهم، أو المراد وعلى أمم ناشئة ممن معك وهي الأمم إلى آخر الدهر وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ في الدنيا بالسعة في الرزق والخفض في العيش، والتقدير: وممن معك أمم سنمتعهم ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ أي في الآخرة. والمعنى: أن السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشئون معك، ومن ذرية من معك أمم ممتعون بالدنيا، منقلبون إلى النار. ثم عقب الله على قصة نوح مخاطبا رسوله ﷺ لتأخذ القصة مكانها في السياق، ولتؤدي دورها في التمثيل على بعض المعاني الموجودة في المقطع الأول تِلْكَ أي قصة نوح مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ أي تلك القصة بعض أنباء الغيب موحاة إليك مجهولة عندك وعند قومك مِنْ قَبْلِ هذا أي من قبل هذا الوقت، أو من قبل إيحائي إليك وإخبارك بها فَاصْبِرْ على تبليغ الرسالة، وأذى قومك، كما صبر نوح، وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما كان لنوح ولقومه إِنَّ الْعاقِبَةَ في الفوز والنصر والغلبة لِلْمُتَّقِينَ الذين عبدوا الله حق العبادة وأطاعوه حق الطاعة. قال ابن كثير في هذه الآية: يقول تعالى لنبيه ﷺ : هذه القصة وأشباهها مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ يعني من أنباء الغيوب السالفة، نوحيها إليك على وجهها كأنك شاهدها، نُوحِيها إِلَيْكَ أي نعلمك بها وحيا منا إليك ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا أي لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها، حتى يقول من يكذبك إنك تعلمتها منه، بل أخبرك الله بها مطابقة لما كان عليه الأمر الصحيح، كما تشهد به كتب الأنبياء قبلك، فاصبر على تكذيب من كذبك من قومك، وأذاهم لك، فإننا سننصرك، ونحوطك بعنايتنا، ونجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة، كما فعلنا بالمرسلين، حيث نصرناهم على أعدائهم إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية (غافر: ٥١)، وقال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ الآية (الصفات: ١٧١، ١٧٢)، وقال تعالى فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ. قال صاحب الظلال في هذه الآية: (فيحقق هذا التعقيب من أهداف القصص القرآنى في هذه السورة: حقيقة الوحي التي ينكرها المشركون. فهذا القصص غيب من الغيب، ما كان يعلمه

стр. 2432

النبي، وما كان معلوما لقومه، ولا متداولا في محيطه. إنما هو الوحي من لدن حكيم خبير. وحقيقة وحدة العقيدة من لدن نوح أبي البشر الثاني. فهي هي. والتعبير عنها يكاد يكون هو التعبير. وحقيقة تكرار الاعتراضات والاتهامات من المكذبين على الرغم من الآيات والعبر والبينات التي لا تمنع جيلا أن يرددها وقد بدت باطلة في جيل. وحقيقة تحقق البشرى والوعيد، كما يبشر النبي وينذر، وهذا شاهد من التاريخ. وحقيقة السنن الجارية التي لا تتخلف ولا تحابي ولا تحيد: وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ* فهم الناجون وهم المستخلفون. وحقيقة الرابطة التي تربط بين فرد وفرد، وبين جيل وجيل. إنها العقيدة الواحدة التي تربط المؤمنين كلهم في إله واحد ورب واحد، يلتقون في الدينونة له بلا منازع ولا شريك). فوائد: ١ - بسبب من الصراع العنيف بين الكنيسة والفكر العلماني عند الغربيين، فقد تتبع الكثيرون من الغربيين ما له علاقة بقصة نوح ﵇، وكتبوا في ذلك الكتب الكثيرة، وقد وجد المتتبعون لحفريات ما بين النهرين الكثير مما له علاقة بقصة نوح، كانت بمثابة رد على الفكر الإلحادي الذي غلب عليه الإنكار. وقد تبين من خلال الحفريات، أن قصة الطوفان كانت مشتهرة على مدى العصور القديمة عند أهل المنطقة، ولعل من أبرز الآثار التي أشارت إليها ما اشتهر باسم ملحمة (جلجاميش) هذه الملحمة الأسطورية التي كتبت- فيما يبدو- بعد الطوفان بقرون كثيرة، وفيها كلام واضح عن الطوفان، وعن نوح ﵇، وهذه الملحمة واحدة من أثار كثيرة عثر عليها، تشير إلى الطوفان وإلى نوح ﵇. ٢ - وقف الكثيرون من أئمة البلاغة عند قوله تعالى وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي .. ومما قاله الألوسي فيها: (هذا واعلم أن هذه الآية الكريمة قد بلغت من مراتب الإعجاز أقاصيها، واستذلت مصاقع العرب، فسفعت بنواصيها، وجمعت

стр. 2433

من المحاسن ما يضيق عنه نطاق البيان، وكان من سمهري البلاغة مكان السنان.). (وقد فصل بعض مزايا هذه الآية المهرة المتقنون، وتركوا من ذلك ما لا يكاد يصف الواصفون، ولا بأس بذكر شئ مما ذكر، إفادة لجاهل، وتذكيرا لفاضل غافل، فنقول: ذكر العلامة السكاكي أن النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، وهما مرجعا البلاغة، ومن جهة الفصاحة المعنوية. ومن جهة الفصاحة اللفظية). «وقد ألف شيخنا علاء الدين- أعلى الله تعالى درجته في أعلى عليين- رسالة في هذه الآية الكريمة جمع فيها ما ظهر له، ووقف عليه من مزاياها فبلغ ذلك مائة وخمسين مزية). أقول: وإن في الآية لمزيدا، وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز وسننقل فيما بعد ما قاله النسفي في الآية. ٣ - ما هو الجودي الذي ورد ذكره في القرآن؟ قال مجاهد: هو جبل في الجزيرة. وقال قتادة: قد أبقى الله سفينة نوح ﵇ على الجودي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى رآها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت، وصارت رمادا «ويذكر سفر التكوين أنه جبل أرارات» وقد استطاعت الأقمار الصناعية- ومن قبل ذلك أحد الذين تتبعوا هذا الأمر- أن يحددوا مكان بقاياها التي لا زالت موجودة حتى الآن، معجزة دائمة على الدهر، وهي فى المنطقة السوفياتية من أرمينيا حاليا، هكذا نقلت إذاعة إسرائيل في إحدى نشراتها والله أعلم. ٤ - من قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها نفهم سنة الأنبياء جميعا في البداءة بالتسمية، ولذا تستحب التسمية في شريعتنا في ابتداء الأمور. ٥ - روى أبو القاسم الطبراني بسنده إلى ابن عباس إلى رسول الله ﷺ قال: «أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم الله الملك» وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. ٦ - يذكر ابن كثير عن قصة نوح هنا كلاما كثيرا منقولا أكثره عن الإسرائيليات، والإسرائيليات في هذا المقام لا تروي ظمأ، بل بعضها يجب رفضه ورده، لظهور

стр. 2434

كذبه، وأول مرجع عندنا في هذا الموضوع هو سفر التكوين، وهو أحد الأسفار الخمسة التي تشكل التوراة الحالية، ويسمونها أسفار موسى: وقد ذكرنا في سورة الأعراف أن هذه الأسفار الخمسة لا يمكن أن تكون هي التوراة، وقد نقل مالك بن نبي في كتاب (الظاهرة القرآنية) عن النقاد الغربيين أنه لم يثبت سفر من أسفار العهد القديم للنقد إلا سفر أرميا، ومن قرأ الإصحاحات: الخامس، والسادس، والسابع، والثامن، والتاسع، من سفر التكوين وهي التي تحدثت عن قصة نوح عرف من خلال قراءته ومطالعته المجردة سخف كثير من الكلام الموجود فيها، مما يدل على أنه كلام موضوع مكذوب، لا يليق أن يذكر في كتاب. من ذلك مثلا في الكلام عن الله «فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه» وأبرز ما يدلنا على الكذب في هذه الأسفار أن هذه الإصحاحات تذكر رقم (٩٥٠) سنة وتجعلها عمر نوح كله، فتجعل بقاء نوح في قومه قبل الطوفان (٦٠٠) سنة وتجعل (٣٥٠) سنة بعد الطوفان، مع أن النص القرآني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يذكر فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ. (العنكبوت: ١٤) فإذا وضح هذا الذي ذكرناه في معرفتنا لقيمة الروايات المذكورة في كتب العهد القديم، فلننقل من هذه الإصحاحات بعض المعاني، ما دام علماؤنا قد نقلوا عمن نقل عنها، فالنقل منها مباشرة أولى: ففي الإصحاح السادس من سفر التكوين من العهد القديم: (فقال الله لنوح نهاية كل بشر قد أتت أمامي. لأن الأرض امتلأت ظلما منهم. فها أنا مهلكهم مع الأرض. اصنع لنفسك فلكا من خشب جفر. تجعل الفلك مساكن. وتطليه من داخل ومن خارج بالقار. وهكذا تصنعه ثلاث مائة ذراع يكون طول الفلك. وخمسين ذراعا عرضه. وثلاثين ذراعا ارتفاعه. وتصنع كوى للفلك وتكمله إلى حد ذراع من فوق. وتضع باب الفلك في جانبه. مساكن سفلية ومتوسطة وعلوية تجعله، فها أنا آت بطوفان الماء على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء. كل ما في الأرض يموت. ولكن أقيم عهدي معك. فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك. ومن كل حي من كل ذي جسد اثنين من كل تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك. تكون ذكرا وأنثى. من الطيور كأجناسها. ومن البهائم كأجناسها. ومن كل دبابات الأرض كأجناسها. اثنين من كل تدخل إليك لاستبقائها وأنت فخذ لنفسك من كل طعام يؤكل واجمعه عندك. فيكون لك ولها

стр. 2435

طعاما. ففعل نوح حسب كل ما أمره به الله. هكذا فعل). وفي الإصحاح السابع: (وكان الطوفان أربعين يوما على الأرض. وتكاثرت المياه ورفعت الفلك. فارتفع عن الأرض. وتعاظمت المياه. وتكاثرت جدا على الأرض فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء. خمسة عشر ذراعا في الارتفاع تعاظمت المياه. فتغطت الجبال، فمات كل ذي جسد كان يدب على الأرض. من الطيور والبهائم والوحوش وكل الزحافات التي كانت تزحف على الأرض وجميع الناس. كل ما في أنفه نسمة روح حياة من كل ما في اليابسة مات فمحا الله كل قائم كان على وجه الأرض. من الناس والبهائم والدبابات وطيور السماء. وانمحت من الأرض. وتبقى نوح والذين معه في الفلك فقط. وتعاظمت على الأرض مائة وخمسين يوما). وفي الإصحاح الثامن: (وأجاز الله ريحا على الأرض فهدأت المياه. وانسدت ينابيع الغمر وطاقات السماء. فامتنع المطر من السماء. ورجعت المياه عن الأرض رجوعا متواليا. وبعد مائة وخمسين يوما نقصت المياه. واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط. وكانت المياه تنقص نقصا متواليا إلى الشهر العاشر. وفي العاشر في أول الشهر ظهرت رءوس الجبال. وحدث من بعد أربعين يوما أن نوحا فتح طاقة الفلك التي كان قد عملها. وأرسل الغراب. فخرج مترددا حتى انشقت المياه عن الأرض. ثم أرسل الحمامة من عنده ليرى هل قلت المياه عن وجه الأرض فلم تجد الحمامة مقرا لرجلها. فرجعت إليه إلى الفلك. فلبث أيضا سبعة أيام أخر وعاد فأرسل الحمامة من الفلك، فأتت إليه الحمامة عند المساء وإذا ورقة زيتون خضراء في فمها. فعلم نوح أن المياه قد قلت عن الأرض. فلبث أيضا سبع أيام أخر وأرسل الحمامة فلم تعد ترجع إليه أيضا). وفي الإصحاح التاسع: (وبارك الله نوحا وبنيه وقال لهم أثمروا واكثروا واملئوا الأرض). نقول من الظلال: إن قوم نوح- ﵇ هؤلاء الذين شهدنا مدى جاهليتهم، ومدى إصرارهم على باطلهم، ومدى استنكارهم لدعوة الإسلام الخالص التي حملها نوح- ﵇ إليهم، وخلاصتها: التوحيد الخالص الذي يفرد الله- سبحانه-

стр. 2436

بالدينونة والعبودية، ولا يجعل لأحد معه صفة الربوبية. إن قوم نوح هؤلاء .. هم ذرية آدم .. وآدم- كما نعلم من قصته في سورة الأعراف من قبل وفي سورة البقرة كذلك- قد هبط إلى الأرض ليقوم بمهمة الخلافة فيها- وهي المهمة التي خلقه الله لها وزوده بالكفايات والاستعدادات اللازمة لها- بعد أن علمه ربه كيف يتوب من الزلة التي زلها، وكيف تلقى من ربه كلمات فتاب عليه بها. وكيف أخذ عليه ربه العهد والميثاق- هو وزوجه وبنوه- أن «يتبع» ما يأتيه من هدى الله، ولا يتبع الشيطان وهو عدو بنيه إلى يوم الدين. وإذن فقد هبط آدم إلى الأرض مسلما لله متبعا هداه. وما من شك أنه علم بنيه الإسلام جيلا بعد جيل، وأن الإسلام كان هو أول عقيدة عرفتها البشرية في الأرض، حيث لم تكن معها عقيدة أخرى. فإذا نحن رأينا قوم نوح- وهم من ذرية آدم بعد أجيال لا يعلم عددها إلا الله- قد صاروا إلى هذه الجاهلية التي وصفتها القصة في هذه السورة. فلنا أن نجزم أن هذه الجاهلية طارئة على البشرية بوثنيتها وأساطيرها وخرافاتها وأصنامها وتصوراتها وتقاليدها جميعا. وأنها انحرفت عن الإسلام إليها بفعل الشيطان المسلط على بني آدم؛ وبفعل الثغرات الطبيعية في النفس البشرية. تلك الثغرات التي ينفذ منها عدو الله وعدو الناس، كلما تراخوا عن الاستمساك بهدى الله، واتباعه وحده، وعدم اتباع غيره معه في كبيرة ولا صغيرة .. ولقد خلق الله الإنسان ومنحه قدرا من الاختيار- هو مناط الابتلاء- وبهذا القدر يملك أن يستمسك بهدى الله وحده فلا يكون لعدوه من سلطان عليه، كما يملك أن ينحرف- ولو قيد شعرة- عن هدى الله إلى تعاليم غيره، فيجتاله الشيطان حتى يقذف به- بعد أشواط- إلى مثل تلك الجاهلية الكالحة التي انتهت إليها ذراري آدم- النبي المسلم- بعد تلك الأجيال التي لا يعلمها إلا الله. وهذه الحقيقة .. حقيقة أن أول عقيدة عرفت في الأرض هي الإسلام القائم على توحيد الدينونة والربوبية والقوامة لله وحده .. تقودنا إلى رفض كل ما يخبط فيه من يسمونهم (علماء الأديان المقارنة) وغيرهم من التطوريين الذين يتحدثون عن التوحيد بوصفه طورا متأخرا من أطوار العقيدة، سبقته أطوار شتى من التعدد والتثنية للآلهة. ومن تأليه القوى الطبيعية وتأليه الأرواح، وتأليه الشموس والكواكب .. إلى آخر ما تخبط فيه هذه «البحوث» التي تقوم ابتداء على منهج موجه بعوامل تاريخية ونفسية

стр. 2437

وسياسية معينة؛ يهدف إلى تحطيم قاعدة الأديان السماوية والوحي الإلهي والرسالات من عند الله وإثبات أن الأديان من صنع البشر، وأنها من ثم تطورت بتطور الفكر البشري على مدار الزمان. وينزلق بعض من يكتبون عن الإسلام مدافعين، فيتابعون تلك النظريات التي يقررها الباحثون في تاريخ الأديان- وفق ذلك المنهج الموجه- من حيث لا يشعرون. وبينما هم يدافعون عن الإسلام متحمسين يحطمون أصل الاعتقاد الإسلامي الذي يقرره القرآن الكريم في وضوح حاسم. حين يقرر أن آدم- ﵇ هبط إلى الأرض بعقيدة الإسلام. وأن نوحا- ﵇ واجه ذراري آدم الذين اجتالهم الشيطان عن الإسلام إلى الجاهلية الوثنية بذلك الإسلام نفسه القائم على التوحيد المطلق. وأن الدورة تجددت بعد نوح فخرج الناس من الإسلام إلى الجاهلية، وأن الرسل جميعا أرسلوا بعد ذلك بالإسلام. القائم على التوحيد المطلق وأنه لم يكن قط تطور في العقيدة السماوية في أصل الاعتقاد- إنما كان الترقي والتركيب والتوسع في الشرائع المصاحبة للعقيدة الواحدة. وأن ملاحظة ذلك التطور في العقائد الجاهلية لا يدل على أن الناس صاروا إلى التوحيد بناء على تطور في أصل العقيدة. إنما يدل على أن عقيدة التوحيد على يد كل رسول كانت تترك رواسب في الأجيال التالية- حتى بعد انحراف الأجيال عنها- ترقى عقائدهم الجاهلية ذاتها؛ حتى تصير أقرب إلى أصل التوحيد الرباني. أما عقيدة التوحيد في أصلها فهي أقدم في تاريخ البشرية من العقائد الوثنية جميعا. وقد وجدت هكذا كاملة منذ وجدت، لأنها ليست نابعة من أفكار البشر ومعلوماتها المترقية؛ إنما هي آتية لهم من عند الله سبحانه. فهي حق منذ اللحظة الأولى، وهي كاملة منذ اللحظة الأولى. هذا ما يقرره القرآن الكريم، ويقوم عليه التصور الإسلامي. فلا مجال إذن لباحث مسلم- وبخاصة إذا كان يدافع عن الإسلام- أن يعدل عن هذا الذي يقرره القرآن الكريم في وضوح حاسم، إلى شئ مما تخبط فيه نظريات علم الأديان المقارنة. تلك النظريات النابعة من منهج موجه كما أسلفنا. ومع أننا هنا- في ظلال القرآن- لا نناقش الأخطاء والمزالق في الكتابات التي تكتب عن الإسلام إذ أن مجال هذه المناقشة بحث آخر مستقل. ولكننا نلم بنموذج واحد نعرضه في مواجهة المنهج القرآني والتقريرات القرآنية في هذه القصة. كتب الأستاذ العقاد في كتابه (الله) في فصل أصل العقيدة:

стр. 2438

(ترقى الإنسان في العقائد. كما ترقى في العلوم والصناعات، فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته. فليست أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الديانات والعبادات وليست عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى، وينبغي أن تكون محاولات الإنسان في سبيل الدين أشق وأطول من محاولاته في سبيل العلوم والصناعات. لأن حقيقة الكون الكبرى أشق مطلبا وأطول طريقا من حقيقة هذه الأشياء المتفرقة التى يعالجها العلم تارة والصناعة تارة أخرى. «وقد جهل الناس شأن الشمس الساطعة، وهي أظهر ما تراه العيون وتحسه الأبدان، ولبثوا إلى زمن قريب يقولون بدورانها حول الأرض، ويفسرون حركاتها وعوارضها كما تفسر الألغاز والأحلام. ولم يخطر لأحد أن ينكر وجود الشمس لأن العقول كانت في ظلام من أمرها فوق ظلام. ولعلها لا تزال. فالرجوع إلى أصول الأديان في عصور الجاهلية الأولى لا يدل على بطلان التدين، ولا على أنها تبحث عن محال. وكل ما يدل عليه أن الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة شاملة في عصر واحد، وأن الناس يستعدون لعرفانها عصرا بعد عصر، وطورا بعد طور. وأسلوبا بعد أسلوب، كما يستعدون لعرفان الحقائق الصغرى، بل على نحو أصعب وأعجب من استعدادهم لعرفان هذه الحقائق التي يحيط بها العقل ويتناولها الحس والعيان. «وقد أسفر علم المقابلة بين الأديان عن كثير من الضلالات والأساطير التي آمن بها الإنسان الأول، ولا تزال لها بقية شائعة بين القبائل البدائية، أو بين أمم الحضارة العريقة. ولم يكن من المنظور أن يسفر هذا العلم عن شئ غير ذلك، ولن تكون الديانات الأولى على غير ما كانت عليه من الضلالة والجهالة فهذه هي وحدها النتيجة المعقولة التي لا يترقب العقل نتيجة غيرها. وليس في هذه النتيجة جديد يستغربه العلماء، أو يبنون عليه جديدا في الحكم على جوهر الدين فإن العالم الذي يخطر له أن يبحث في الأديان البدائية ليثبت أن الأولين قد عرفوا الحقيقة الكونية الكاملة منزهة عن شوائب السخف والغباء، إنما يبحث عن محال .. ). كذلك كتب في فصل: (أطوار العقيدة الإلهية) في الكتاب نفسه: (يعرف علماء المقابلة بين الأديان ثلاثة أطوار عامة مرت بها الأمم البدائية في اعتقادها

стр. 2439

بالآلهة والأرباب: وهي: دور التعدد Polytheism ودور التمييز والترجيح Henotheism ودور الوحدانية Monotheism ففي دور التعدد كانت القبائل الأولى تتخذ لها أربابا بالعشرات، وقد تتجاوز العشرات إلى المئات. ويوشك في هذا الدور أن يكون لكل أسرة رب تعبده، أو تعويذة تنوب عن الرب في الحضور وتقبل الصلوات والقرابين. وفي الدور الثاني- وهو دور التمييز والترجيح- تبقى الأرباب على كثرتها، ويأخذ رب منها في البروز والرجحان على سائرها. إما لأنه رب القبيلة الكبرى التي تدين لها القبائل الأخرى بالزعامة وتعتمد عليها في شئون الدفاع والمعاش، وإما لأنه يحقق لعباده جميعا مطلبا أعظم وألزم من سائر المطالب التي تحققها الأرباب المختلفة، كأن يكون رب المطر والإقليم في حاجة إليه، أو رب الزوابع والرياح وهي موضع رجاء أو خشية يعلو على موضع الرجاء والخشية عند الأرباب القائمة على تسيير غيرها من العناصر الطبيعية. وفي الدور الثالث تتوحد الأمة، فتتجمع إلى عبادة واحدة تؤلف بينها مع تعدد الأرباب في كل إقليم من الأقاليم المتفرقة. ويحدث في هذا الدور أن تفرض أمة عبادتها على غيرها كما تفرض عليها سيادة تاجها وصاحب عرشها، ويحدث أيضا أن ترضى من إله الأمة المغلوبة بالخضوع لإلهها، مع بقائه وبقاء عبادته كبقاء التابع للمتبوع، والحاشية للملك المطاع. ولا تصل الأمة إلى هذه الوحدانية الناقصة إلا بعد أطوار من الحضارة تشيع فيها المعرفة، ويتعذر فيها على العقل قبول الخرافات التي كانت سائغة في عقول الهمج وقبائل الجاهلية، فتصف الله بما هو أقرب إلى الكمال والقداسة من صفات الآلهة المتعددة في أطوارها السابقة، وتقترن العبادة بالتفكير في أسرار الكون وعلاقتها بإرادة الله وحكمته العالية، وكثيرا ما ينفرد الإله الأكبر في هذه الأمم بالربوبية الحقة، وتنزل الأرباب الأخرى إلى مرتبة الملائكة أو الأرباب المطرودين من الحظيرة السماوية ... ) الخ. (اهـ. كلام العقاد). قال سيد: وواضح سواء من رأي الكاتب نفسه أو مما نقله ملخصا من آراء علماء الدين المقارن أن البشر هم الذين ينشئون عقائدهم بأنفسهم، ومن ثم تظهر فيها

стр. 2440

أطوارهم العقلية والعلمية والحضارية والسياسية. وأن التطور من التعدد إلى التثنية إلى التوحيد تطور زمني مطرد على الإجمال .. وهذا واضح من الجملة الأولى في تقديم المؤلف لكتابه: «موضوع هذا الكتاب نشأة العقيدة الإلهية، منذ أن أتخذ الإنسان ربا، إلى أن عرف الله الأحد، واهتدى إلى نزاهة التوحيد .. ». والذي لا شك فيه أن الله سبحانه يقرر في كتابه الكريم، تقريرا واضحا جازما، شيئا آخر غير ما يقرره صاحب كتاب: (الله) متأثرا فيه بمنهج علماء الأديان المقارنة .. وأن الذي يقرره الله- سبحانه- أن آدم- وهو أول البشر- عرف حقيقة التوحيد كاملة، وعرف نزاهة التوحيد غير مشوبة بشائبة من التعدد والتثنية، وعرف الدينونة لله وحده باتباع ما يتلقى منه وحده. وأنه عرف بنيه بهذه العقيدة، فكانت هنالك أجيال في أقدم تاريخ البشرية لا تعرف إلا الإسلام دينا، وإلا التوحيد عقيدة .. وأنه لما طال الأمد على الأجيال المتتابعة من ذرية آدم انحرفت عن التوحيد .. ربما إلى التثنية وربما إلى التعدد .. ودانت لشتى الأرباب الزائفة .. حتى جاءها نوح ﵇ بالتوحيد من جديد. وأن الذين بقوا على الجاهلية أغرقهم الطوفان جميعا، ولم ينج إلا المسلمون الموحدون الذين يعرفون «نزاهة التوحيد» وينكرون التعدد والتثنية وسائر الأرباب والعبادات الجاهلية. ولنا أن نجزم أن أجيالا من ذراري هؤلاء الناجين عاشت كذلك بالإسلام القائم على التوحيد المطلق. قبل أن يطول عليهم الأمد، ويعودوا إلى الانحراف عن التوحيد من جديد. وأنه هكذا كان شأن كل رسول. وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ. والذي لا شك فيه أن هذا شئ، والذي يقرره علماء الأديان المقارنة ويتابعهم فيه مؤلف كتاب: (الله) شئ آخر. وبينهما تقابل تام في منهج النظر والنتائج التي ينتهي إليها .. وآراء الباحثين في تاريخ الأديان ليست سوى نظريات يعارض بعضها بعضا، فهي ليست الكلمة النهاية حتى في مباحث البشر الفانين. وما من شك أنه حين يقرر الله- سبحانه- آمرا نبيه في كتابه الكريم هذا البيان القاطع، ويقرر غيره أمرا آخر مغايرا له تمام المغايرة، فإن قول الله يكون أولى بالاتباع وبخاصة ممن يدافعون عن الإسلام، ويكتبون ما يكتبون بقصد دفع الشبهات عنه وعن أصل الدين جملة .. وأن هذا الدين لا يخدم بنقض قاعدته الاعتقادية في أن الدين جاء

стр. 2441

وحيا من عند الله، ولم يبتدعه البشر من عند أنفسهم، وأنه جاء بالتوحيد منذ أقدم العصور ولم يجئ بغير التوحيد في أية فترة من فترات التاريخ، ولا في أية رسالة. كما أنه لا يخدم بترك تقريراته إلى تقريرات علماء الأديان المقارنة وبخاصة حين يعلم أن هؤلاء إنما يعملون وفق منهج موجه لتدمير القاعدة الأساسية لدين الله كله، وهي أنه وحي من الله وليس من وحي الفكر البشري المترقي المتطور. وليس وقفا على ترقي العقل البشري في العلم المادي والخبرة التجريبية. ولعل هذه اللمحة المختصرة- التي لا نملك الاستطراد فيها في كتاب الظلال- تكشف لنا عن مدى الخطورة في تلقي مفهوماتنا الإسلامية- في أي جانب من جوانبها- عن مصدر غير إسلامي. كما تكشف لنا عن مدى تغلغل مناهج الفكر الغربية ومقرراتها في أذهان الذين يعيشون على هذه المناهج والمقررات ويستقون منها. حتى وهم يتصدون لرد الافتراءات عن الإسلام من أعدائه إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ. وبعد .. أكان الطوفان عاما في الأرض؟ أم إنه كان في تخوم الأرض التي بعث فيها نوح؟ وأين كانت هذه الأرض؟ وأين تخومها في العالم القديم وفي العالم الحديث؟ أسئلة لا جواب عليها إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، إلا الإسرائيليات التي لا تستند إلى دليل صحيح .. وليس لها بعد ذلك قيمة في تحقيق أهداف القصص القرآني في كثير ولا قليل. ولكن هذا لا يمنع من القول بأن ظاهر النصوص القرآنية يلهم أن قوم نوح كانوا هم مجموع البشرية في ذلك الزمان. وأن الأرض التي يسكنونها كانت هي الأرض المعمورة في ذلك الحين. وأن الطوفان قد عم هذه الرقعة وقضى على جميع الخلائق التي تقطنها- فيما عدا ركب السفينة الناجين. وهذا حسبنا في إدراك طبيعة ذلك الحادث الكوني الذي جاءنا خبره من المصدر الوحيد الوثيق عن ذلك العهد السحيق، الذي لا يعرف «التاريخ» عنه شيئا. وإلا فيومها أين كان «التاريخ»؟! إن التاريخ مولود حدث لم يسجل من أحداث البشرية إلا القليل! وكل ما سجله قابل للخطإ والصواب، والصدق والكذب، والتجريح والتعديل! وما ينبغي قط أن يستفتى ذات يوم في شأن جاءنا به الخبر الصادق. ومجرد استفتائه في مثل هذا الشأن قلب للأوضاع، وانتكاسة لا تصيب عقلا قد استقرت فيه

стр. 2442

حقيقة هذا الدين. ولقد حفلت أساطير شتى الشعوب وذكرياتها الغامضة بذكر طوفان أصاب أرضها في تاريخ قديم مجهول، بسبب معصية ذلك الجيل الذى شهد ذلك الحادث الكبير .. وأساطير بنى إسرائيل المدونة فيما يسمونه (العهد القديم) تحوي كذلك ذكرى طوفان نوح ... ولكن هذا كله شئ لا ينبغي أن يذكر في معرض الحديث القرآني عن الطوفان، ولا ينبغي أن يخلط الخبر الصادق الوثيق بمثل هذه الروايات الغامضة وهذه الأساطير المجهولة المصدر والأسانيد. وإن كان لوجود هذه الأخبار الغامضة عن الطوفان عند شعوب شتى دلالته في أن الطوفان قد كان في أرض هذه الأقوام؛ أو على الأقل قد رحلت ذكرياته مع ذراري الناجين حين تفرقوا في الأرض بعد ذلك وعمروا الأرض من جديد. وينبغي أن نذكر أن ما يسمى (بالكتاب المقدس) سواء في ذلك (العهد القديم) المحتوي على كتب اليهود أو (العهد الجديد) المحتوي على أناجيل النصارى- ليس هو الذي نزل من عند الله. فالتوراة التي أنزلها الله على موسى قد حرفت نسخها الأصلية على يد البابليين عند سبي اليهود. ولم تعد كتابتها إلا بعد قرون عديدة- قبيل ميلاد المسيح بنحو خمسة قرون- وقد كتبها عزرا- وقد يكون هو عزير- وجمع فيها بقايا من التوراة. أما سائرها فهو مجرد تأليف. وكذلك الأناجيل فهي جميعا لا تحوي إلا ما حفظته ذاكرة تلامذة المسيح وتلامذتهم بعد نحو قرن من وفاة المسيح- ﵇ ثم خلطت به حكايات كثيرة وأساطير .. ومن ثم لا يجوز أن يطلب عند تلك الكتب جميعها يقين في أمر من الأمور. كلمة في السياق: رأينا أن سورة هود ﵇ محورها الأمر بعبادة الله، وقد رأينا كيف أن المقطع الأول قد قرر كل ما يحتاجه معنى العبادة .. ويأتي المقطع الثاني وفيه ثلاث قصص تدور حول نفس المحور، وقد مرت معنا القصة الأولى وهي قصة نوح ﵇، ورأينا فيها كيف أن دعوة نوح كانت دعوة إلى عبادة الله، وكيف كان موقف قومه، وكيف كانت مواقفه، وكيف كانت العاقبة له ولمن اتبعه، وكيف عاقب الله قومه، فقصة نوح هنا جاءت لتأخذ محلها في هذا السياق الخاص لهذه السورة، كما أخذت محلها في سورة الأعراف ضمن سياقها الخاص بها، وسنرى القصة تتكرر كل مرة بما يخدم سياق

стр. 2443

السورة التي هي فيها. وفي كل مرة نرى شيئا ما جديدا ولنمض في سياق السورة لنرى قصة هود ﵇ مع قومه وهي تؤدي نفس ما أدته القصة السابقة مع زيادات. تفسير المجموعة الثانية وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا والآية معطوفة على قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ .. قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي اعرفوه ووحدوه وأطيعوه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ فهو وحده الإله وهو وحده المستحق للعبادة إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ أي كاذبون بتسمية غيره إلها وإعطاء غيره حقوق الألوهية يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أي على الله وكل رسول قد واجه قومه بهذا القول، لأن شأنهم النصيحة، والنصيحة لا يمحضها إلا حسم المطامع، وما دام شئ من المطامع يتوهم فيها لم تنجع ولم تنفع أَفَلا تَعْقِلُونَ إذ تردون نصيحة من لا يطلب عليها أجرا إلا من الله وهو ثواب الآخرة، ولا شئ أنفى للتهمة من ذلك وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ عما سلف من كفركم وذنوبكم بالإيمان به والإخبات له ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ عما يستقبل ويحتمل يُرْسِلِ السَّماءَ أي المطر عَلَيْكُمْ مِدْراراً أي كثيرة الدرور وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ إن قوة مال، أو قوة جسد، أو قوة عامة للمجموع وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ أي لا تعرضوا عني وعما أدعوكم إليه مصرين على إجرامكم وآثامكم. وهكذا دعا هود قومه إلى العبادة والاستغفار، وهي دعوة القرآن التي سجلتها بداية سورة هود، وهذا يؤكد وحدة السورة، ووحدة الدعوة الإسلامية في كل العصور، ويؤكد صلة سورة هود بمحورها، قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وهذه دعوى منهم وكذب؛ فما من رسول إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر. ولكنه الكذب والجحود وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ أي وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك، أي لن نتركهم بمجرد قولك اتركوهم وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ أي وما يصح من أمثالنا أن يصدقوا مثلك فيما يدعوهم إليه؛ إقناطا له من الإجابة إِنْ نَقُولُ أي ما نقول إِلَّا اعْتَراكَ أي أصابك بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ أي بجنون وخبل. والتقدير: ما نقول قولا إلا هذه المقالة، أي قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء أى: ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك، بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ أي من إشراككم آلهة من

стр. 2444

دونه والمعنى: إني أشهد الله أني برئ من جميع الأنداد والأصنام، واشهدوا أنتم أيضا أني برئ من ذلك فَكِيدُونِي جَمِيعاً أي أنتم وآلهتكم ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ أي لا تمهلون فإني لا أبالي بكم وبكيدكم، ولا أخاف مضرتكم، وإن تعاونتم علي، وكيف تضرني آلهتكم وما هي إلا جماد لا يضر ولا ينفع؟! وكيف تنتقم مني إذا نلت منها وصددت عن عبادتها بأن تخبلني وتذهب بعقلي؟! وكيف أخاف منكم والله ربي؟! وفي هذا التحدي معجزة إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها أي هي تحت قهره وسلطانه فهو مالكها، ذكر توكله على الله، وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم، ووصفه بما يوجب التوكل عليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم، ومن كون كل دابة في قبضته وملكه وتحت قهره وسلطانه والأخذ بالناصية: وهي مقدم الرأس تمثيل لذلك إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي إن ربي على الحق لا يعد عنه أو إن ربي يدل على صراط مستقيم فَإِنْ تَوَلَّوْا أي إن تتولوا أي تعرضوا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ أي فإن تتولوا عما جئتكم به من عبادة الله وحده والتوبة إليه، فقد قامت عليكم الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها، فقوله فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم يفيد في طيه أنه قد ثبتت الحجة عليكم وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ أي ويهلككم الله، ويجئ بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم وَلا تَضُرُّونَهُ بتوليكم شَيْئاً من ضرر بل يعود وبال ذلك عليكم إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ أي رقيب مهيمن، فما تخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مؤاخذتكم، فهو شاهد وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم، ويجزيهم عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ومن كان رقيبا على الأشياء كلها، حافظا لها، كانت الأشياء مفتقرة إلى حفظه عن المضار، ولا يضر مثلكم مثله وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا وهو الريح العقيم فأهلكهم الله عن آخرهم نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا أي بفضل منا لا بعملهم، أو بالإيمان الذي أنعمنا عليهم وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ تكرار نجينا للتأكيد، أو إن المراد بالعذاب الغليظ عذاب الآخرة، ولا عذاب أغلظ منه وَتِلْكَ عادٌ في هذا التعبير إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه قال: سيحوا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ أي كفروا بها وَعَصَوْا رُسُلَهُ جعلهم عاصين لجميع الرسل لأن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الرسل وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ أي رؤساءهم ودعاتهم إلى تكذيب الرسل، تركوا اتباع رسولهم الرشيد، واتبعوا أمر كل جبار عنيد وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ

стр. 2445

الْقِيامَةِ لما كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ هذا التعبير يفيد تهويل أمرهم، ويبعث على الاعتبار بهم، والحذر من مثل حالهم، والدعاء (ببعدا) بعد هلاكهم- وهو دعاء بالهلاك- للدلالة على أنهم كانوا مستأهلين له. وقوله لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ ذكر النسفي أن فيه فائدة هي أن عادا عادان: عاد الأولى القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم، والأخرى إرم. وهكذا تنتهي القصة الثانية في هذا المقطع، وهي قصة هود لتؤدي دورها في سياق السورة بالتمثيل لعاقبة الذين يتركون دعوة الرسول إياهم لعبادة الله، وتعرض لنا نوعا من الشبه التي استقبلت بها الدعوة إلى عبادة الله، والرد عليها، وبطلانها. قال صاحب الظلال تعقيبا على قصة هود فى السورة: (ونقف وقفات قصيرة أمام ما تلهمه قصة هود مع قومه في سياق هذه السورة .. نقف أمام الدعوة الواحدة الخالدة على لسان كل رسول وفي كل رسالة .. دعوة توحيد العبادة والعبودية لله، المتمثلة فيما يحكيه القرآن الكريم عن كل رسول: قالَ: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ولقد كنا دائما نفسر «العبادة» لله وحده بأنه «الدينونة الشاملة» لله وحده. فى كل شأن من شئون الدنيا والآخرة. ذلك أن هذا هو المدلول الذي تعطيه اللفظة في أصلها اللغوي. ... ونقف أمام الحقيقة التي كشف عنها هود لقومه وهو يقول لهم: وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ، وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ .. وهي ذات الحقيقة التي ذكرت في مقدمة السورة بصدد دعوة رسول الله ﷺ لقومه بمضمون الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. وذلك في قوله تعالى: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ إنها حقيقة العلاقة بين القيم الإيمانية والقيم الواقعية فى الحياة البشرية، وحقيقة اتصال طبيعة الكون ونواميسه الكلية بالحق الذي يحتويه هذا الدين .. وهي حقيقة في حاجة إلى جلاء وتثبيت، وبخاصة في نفوس الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، والذين لم تصقل أرواحهم وتشف حتى ترى هذه العلاقة أو على الأقل تستشعرها.

стр. 2446

ونقف أمام تلك المواجهة الأخيرة من هود لقومه؛ وأمام تلك المفاصلة التي قذف بها في وجوههم في حسم كامل، وفي تحد سافر، وفي استعلاء بالحق الذي معه، وثقة في ربه الذي يجد حقيقته في نفسه بينة: قالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ* إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ، وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً، إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ. إن أصحاب الدعوة إلى الله في كل مكان وفي كل زمان في حاجة إلى أن يقفوا طويلا أمام هذا المشهد الباهر .. رجل واحد، لم يؤمن معه إلا قليل، يواجه أعتى أهل الأرض، وأغنى أهل الأرض، وأكثر أهل الأرض حضارة مادية في زمانهم) ولنعد إلى التفسير: تفسير المجموعة الثالثة فبعد قصة هود تأتي قصة صالح مع قومه لتؤدي دورها في سياق هذه السورة: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أي ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ عبادة الله وحده تلكم دعوة الرسل جميعا من لدن آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام جميعا هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي ابتدأ خلقكم منها، خلق منها أباكم آدم، وخلق أجسادكم منها وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها أي جعلكم عمارا تعمرونها وتستغلونها، أو جعلكم عمارها وأراد منكم عمارتها، ويحتمل أن يكون المعنى: وأطال أعماركم فيها والأول أصح فَاسْتَغْفِرُوهُ أي فاسألوه مغفرته بأن تؤمنوا ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ كلما أذنبتم إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ أي داني الرحمة مُجِيبٌ لمن دعاه وهكذا نجد أن طريق الرسل واحدة ودعوتهم واحدة: العبادة والاستغفار. فائدة: نلاحظ أن نوحا قال: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وأن هودا قال يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ وأن صالحا قال: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ

стр. 2447

وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فكان تذكير نوح يرافقه الوعظ، وكان تذكير هود يرافقه التأنيب، وكان تذكير صالح يرافقه التذكير بالنعمة، وكلها طرق يقتدى بها، ولكل منها محله وأهله، وكل قصة تعرض حججا وتعرض أجوبة، وتعطينا عطاء خاصا، وكل ذلك يخدم سياق السورة، فليست كل قصة تكرارا للأخرى، فلكل قوم طبيعة، ولكل قوم عقوبة، ولكل قوم خطاب، ولكل قوم رد، فتأمل جوانب الاتفاق والاختلاف ففي كل ذلك من المعاني ما لا يتناهى. ولنعد إلى السياق: قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أي كنت فيما بيننا مرجوا للسيادة والمشاورة في الأمور، أي كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت: أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وما كان عليه أسلافنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من عبادة الله وحده مُرِيبٍ أي موقع في الريبة، والريبة: قلق النفس وانتفاء الطمأنينة، وهكذا نجد هنا لغة أخرى في خطاب رجل الدعوة إلى الله، الثناء على حاله الأول قبل الدعوة، وإنكار الحق بحجة تقليد الآباء، وإظهار التشكك في الدعوة، وهي طرق خبيثة من طرق الصد عن سبيل الله. فائدة: يلاحظ أن حجة قوم نوح كانت: بشرية الرسول، وضحالة رأي أتباعه، وقلة مكانتهم، وعدم رؤية الميزة لنوح ومن معه، مما يجعلهم غير مؤهلين للاتباع، وكان رد قوم هود منصبا على أنه لا بينة واضحة في دعوة هود، مع تهديد هود بآلهتهم، وكانت اللغة التي استعملت مع صالح ﵇ هي ما رأينا، وهكذا نجد مواقف متعددة، وأساليب متنوعة، تسع الحالات التي يصادفها كل داعية إلى الله وهو يدعو إلى عبادة الله واستغفاره، وهكذا تبني سورة هود قصة الدعوة إلى الله من خلال التقرير والتمثيل والعرض والقصة، وتأتي القصص واحدة بعد أخرى؛ لنرى في كل منها جوانب جديدة، إن في موضوع الدعوة، أو في موضوع ردها وحجج الرادين، أو في مواقف الرسل ﵈، أو في عاقبة الظالمين. ولنعد إلى السياق: قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي أخبروني إن كنت على بينة من ربي أي على يقين وبرهان فيما أرسلني به إليكم وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً أي نبوة أي: قدروا أني على بينة من ربي، وأنني نبي على الحقيقة، وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ أي فمن يمنعني من عذاب الله إِنْ عَصَيْتُهُ في

стр. 2448

تبليغ رسالته ومنعكم عن عبادة الأوثان فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ أي لو تركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده لما نفعتموني، ولما زدتموني إلا خسارة بأن أنسب إلى الخسار وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً أي معجزة شاهدة على أنني رسول الله، وقد مرت معنا القصة في سورة الأعراف فلا نذكر هنا إلا ما يحتاجه فهم النص فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ كأنه قال: لكم نفعها وليس عليكم رزقها، فلا حجة إن آذيتموها ولذلك قال: وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ من عقر أو نحر أو إيذاء فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ أي عاجل، وهكذا كان رد صالح إظهار العجز عن ترك دعوة الله، والتذكير بالمعجزة، بينما كان رد هود التحدي لهم، والتوكل على الله، وكان رد نوح النقاش المفصل لكل جزء من أجزاء كلامهم، وفي كل قدوة، ولكل كلمة محلها، والناس طبائع، ولكل طبيعة كلمة تناسبها، ولكل من الدعاة طبيعة، والقرآن يسع النفس البشرية كلها، وفيه لكل نفس ما يناسبها ضمن إطار الحق ودائرته فَعَقَرُوها أي فذبحوها فَقالَ صالح تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ أي استمتعوا بالعيش في بلدكم، وتسمى البلاد الديار لأنه يدار فيها أي: يتصرف ويحتمل أن يكون المعنى: استمتعوا في دار الدنيا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أي ثم تهلكون ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ أي غير مكذوب فيه فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا أي بالعذاب أو فلما جاء عذابنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا إذ لولا رحمته بهم ما هداهم فاستحقوا النجاة، رحمهم إذ هداهم، ورحمهم إذ نجاهم، والأمر أمره، والجميع ملكه وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ تقديره: ونجيناهم من ذلك اليوم وفضيحته، ولا خزي أعظم من خزي من كان هلاكه بغضب الله وانتقامه، وجاز أن يكون المراد بيومئذ يوم القيامة إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ أي القادر على تنجية أوليائه الْعَزِيزُ أي الغالب بإهلاك أعدائه وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ أي الصاعقة وقد ذكر في سورة الأعراف أنهم أخذوا بالرجفة ويبدو- والله أعلم- أنهم اجتمع عليهم الزلزال والصعق فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ أي في منازلهم جاثِمِينَ أي ميتين كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أي كأن لم يقيموا فيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ فاستحقوا العذاب أَلا بُعْداً لِثَمُودَ وقد بعدوا في الدنيا والآخرة. وهكذا كانت نهاية قوم صالح بالصيحة، ونهاية قوم هود بالريح، ونهاية قوم نوح بالطوفان، وكانت العاقبة نجاة نوح، وهود، وصالح، وهذا هو الدرس الأعظم للدعاة إلى عبادة الله واستغفاره، وبهذا ينتهي المقطع الثاني في سورة هود. وقبل أن ننتقل إلى

стр. 2449

المقطع الثالث نحب أن ننقل بعض النقول، ونذكر بعض الفوائد. نقل عن الظلال حول قصة صالح ﵇ (ومرة أخرى نجدنا أمام حلقة من حلقات الرسالة على مدار التاريخ ... الدعوة فيها هي الدعوة. وحقيقة الإسلام فيها هي حقيقته ... عبادة الله وحده بلا شريك، والدينونة لله وحده بلا منازع .. ومرة أخرى نجد الجاهلية التي تعقب الإسلام، ونجد الشرك الذي يعقب التوحيد- فثمود كعاد، هم من ذراري المسلمين الذين نجوا في السفينة مع نوح- ولكنهم انحرفوا فصاروا إلى الجاهلية، حتى جاءهم صالح ليردهم إلى الإسلام من جديد. ولقد كان مشركو العرب يطلبون من رسول الله ﷺ خارقة كالخوارق السابقة كي يؤمنوا. فها هم أولاء قوم صالح قد جاءتهم الخارقة التي طلبوا، فما أغنت معهم شيئا، إن الإيمان لا يحتاج إلى الخوارق. إنه دعوة بسيطة تتدبرها القلوب والعقول. ولكن الجاهلية هي التي تطمس على القلوب والعقول. ومرة أخرى نجد حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلب من قلوب الصفوة المختارة. قلوب الرسل الكرام. نجدها في قولة صالح التي يحكيها عنه القرآن الكريم: قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ؟ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ... وذلك بعد أن يصف لهم ربه كما يجده في قلبه: إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ. وما تتجلى حقيقة الألوهية قط في كمالها وجلالها وروائها وجمالها كما تتجلى في قلوب تلك الصفوة المختارة من عباده. فهذه القلوب هي المعرض الصافي الرائق الذي تتجلى فيه هذه الحقيقة على هذا النحو الفريد العجيب. ثم نقف من القصة أمام الجاهلية التي ترى في الرشد ضلالا؛ وفي الحق عجيبة لا تكاد تتصورها. فصالح الذي كان مرجوا في قومه لصلاحه ولرجاحة عقله وخلقه، يقف منه قومه موقف اليائس منه، المفجوع فيه! لماذا؟ لأنه دعاهم إلى الدينونة لله وحده. على غير ما ورثوا عن آبائهم من الدينونة لغيره. إن القلب البشري حين ينحرف شعرة واحدة عن العقيدة الصحيحة، لا يقف عند حد في ضلاله وشروده. حتى إن الحق البسيط الفطري المنطقي ليبدو عنده عجيبة العجائب التى يعجز عن تصورها؛ بينما هو يستسيغ الانحراف الذي لا يستند إلى منطق

стр. 2450

فطري أو منطق عقلي على الإطلاق. إن صالحا يناديهم: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ... هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها .. فهو يناديهم بما في نشأتهم ووجودهم في الأرض من دليل فطري منطقي لا يملكون له ردا .. وهم ما كانوا يزعمون أنهم هم أنشئوا أنفسهم ولا أنهم هم كفلوا لأنفسهم البقاء، ولا أعطوا أنفسهم هذه الأرزاق التي يستمتعون بها في الأرض .. وظاهر أنهم لم يكونوا يجحدون أن الله- سبحانه- هو الذي أنشأهم من الأرض وهو الذي أقدرهم على عمارتها. ولكنهم ما كانوا يتبعون هذا الاعتراف بألوهية الله- سبحانه- وإنشائه لهم واستخلافهم في الأرض، بما ينبغي أن يتبعه من الدينونة لله وحده بلا شريك، واتباع أمره وحده بلا منازع .. وهو ما يدعوهم إليه صالح بقوله: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ). فوائد: ١ - لم نتعرض إلى موطن هذه الأقوام التي مرت معنا في هذا المقطع، لأن ذلك قد مر الكلام عنه في سورة الأعراف، والوجود الزمني للأقوام المذكورة يتفق مع الوجود الذكري في المقطع، قوم نوح كانوا أولا، ثم قوم هود، ثم قوم صالح. ٢ - يذكر بعض المفسرين أثناء الكلام عن قصة نوح كلاما لا أصل له حول ابن نوح يريدون به الفرار من أن يكون ابنه الصلبي، وليس لهذا الكلام مبرر، ولذلك فإن المحققين يرفضونه، رفضا باتا فهو ابن نوح حقا وصدقا، وقد فرقت بينهم العقيدة. ٣ - الإعجاز في القرآن هو حصيلة لمجموعة معان تتضافر لتشكل الإعجاز، وقد تكلم الخطابي في رسالته عن إعجاز القرآن عن هذا الموضوع بما يشفي، وقد جرت عادة المفسرين أو المتكلمين أن يحللوا سورة أو آية بعينها، ويركزون عليها لإبراز هذا المعنى. وتكاد تكون آية وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ من الآيات التي يعرضها الكثير على أنها نموذج لتضافر معان متعددة كان كأثر عنها الإعجاز، ولننقل كلام النسفي في الآية كنموذج: (والنظر في هذه الآية من أربع جهات: من جهة علم البيان، وهو النظر فيما فيها من المجاز، والاستعارة، والكناية، وما يتصل بها، فنقول: إن الله تعالى لما أراد أن يبين

стр. 2451

معنى: أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغيض، وأن نقضي أمر نوح- وهو إنجاز ما كنا وعدناه من إغراق قومه- فقضي، وأن نسوي السفينة على الجودي فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، بنى الكلام على تشبيه المراد بالأمر الذي لا يتأتي منه- لكمال هيبته- العصيان، وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكون المقصود تصويرا لاقتداره العظيم، وأن السموات والأرض منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة لإرادته، فيها تغييرا وتبديلا كأنها عقلاء مميزون قد عرفوه حق معرفته، وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه، وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده. ثم بنى على تشبيه هذا نظم الكلام فقال : وَقِيلَ على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل، وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد وهو (يا أرض، ويا سماء) ثم قال مخاطبا لهما (يا أرض) و (يا سماء) على سبيل الاستعارة للشبه المذكور، ثم استعار لغور الماء في الأرض، البلع الذي هو أعمال الجاذبة في المطعوم للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي، ثم استعار الماء للغذاء تشبيها له بالغذاء لتقوي الأرض بالماء في الإنبات كتقوي الآكل بالطعام، ثم قال (ماءك) بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز لاتصال الماء بالأرض كاتصال الملك بالمالك. ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفعل، للشبه بينهما في عدم التأني. ثم قال وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً ولم يصرح بمن أغاض الماء، ولا بمن قضى الأمر وسوى السفينة بعدا. كما لم يصرح بقائل (يا أرض ويا سماء) سلوكا في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر، وتكوين مكون قاهر، وأن فاعلها واحد لا يشارك في فعله، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ولا أن يكون الغائض والقاضي والمسوي غيره. ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيها لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلما لأنفسهم، إظهارا لمكان السخط وأن ذلك العذاب الشديد ما كان إلا بظلمهم. ومن جهة علم المعاني: وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها. وذلك أنه اختير (يا) دون أخواتها لكونها أكثر استعمالا، ولدلالتها على بعد المنادى الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة والملكوت، وإبداء العزة والجبروت، وهو تبعيد المنادى المؤذن بالتهاون به، ولم يقل يا أرضي لزيادة التهاون إذ الإضافة تستدعي القرب. ولم يقل يا أيتها الأرض للاختصار، واختير لفظ الأرض والسماء

стр. 2452

لكونهما أخف وأدور. واختير (ابلعي) على ابتلعي لكونه أخصر، وللتجانس بينه وبين (أقلعي) وقيل (أقلعي) ولم يقل عن المطر، وكذا لم يقل (يا أرض ابلعي ماء) فبلعت (ويا سماء أقلعي) فأقلعت اختصارا. واختير (غيض) على غيض وقيل (الماء) دون أن يقول ماء الطوفان، و (الأمر) ولم يقل أمر نوح وقومه، لقصد الاختصار. والاستغناء بحرف العهد عن ذلك، ولم يقل وسويت على الجودي. أي أقرت على نحو (قيل) و (غيض) اعتبارا لبناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ إرادة للمطابقة ثم قيل بُعْداً لِلْقَوْمِ ولم يقل ليبعد القوم طلبا للتأكيد مع الاختصار. هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم. وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل فذلك أنه قدم النداء على الأمر فقيل (يا أرض ابلعي، ويا سماء أقلعي) ولم يقل ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء جريا على مقتضى الكلام فيمن كان مأمورا حقيقة من تقديم التنبيه، ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى قصدا بذلك لمعنى الترشيح. ثم قدم أمر الأرض على أمر السماء، وابتدأ به لابتداء الطوفان منها، ثم أتبع وَغِيضَ الْماءُ لاتصاله بقصة الماء وأخذه بحجزتها. ثم ذكر ما هو المقصود وهو قوله وَقُضِيَ الْأَمْرُ أي أنجز الموعود في إهلاك الكفرة، وإنجاء نوح ومن معه في الفلك. وعلى هذا فاعتبر. ومن جهة الفصاحة المعنوية، وهي كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية لها ملخصة مبينة لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد، ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد. ومن جهة الفصاحة اللفظية، فألفاظها كما ترى عربية مستعملة سليمة عن التنافر، بعيدة عن البشاعة، عذبة على العذبات، سلسلة على الأسلات، كل منها كالماء في السلاسة، وكالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة. ومن ثم أطبق المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإيتان بمثل هذه الآية. ولله در شأن التنزيل لا يتأمل العالم آية من آياته إلا أدرك لطائف لا تسع الحصر، ولا تظنن الآية مقصورة على المذكور، فلعل المتروك أكثر من المسطور. أهـ.) ٤ - بمناسبة قوله تعالى في قصة هود وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وبمناسبة ذكر الاستغفار في أول سورة هود: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ نذكر الحديث الشريف:

стр. 2453

«من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب». ونذكر هذه القصة التي ذكرها النسفي: عن الحسن بن على ﵄ أنه وفد على معاوية، فلما خرج قال له بعض حجابه: إني رجل ذو مال ولا يولد لي، علمني شيئا لعل الله يرزقني ولدا، فقال الحسن: عليك بالاستغفار فكان يكثر الاستغفار حتى ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة فولد له عشرة بنين، فبلغ ذلك معاوية، فقال: هلا سألته مم قال ذلك! فوفد وفدة أخرى فسأله الرجل، فقال: ألم تسمع قول هود وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وقول نوح وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ. كلمة في السياق: وهكذا سارت سورة هود وهي تشيد صرح عبادة الله من خلال التقرير والتمثيل والعرض والقصة، وبعد أن عرضت ما عرضت، تعرض علينا في المقطع الثالث قصة إبراهيم، وقصة لوط ﵉، وهما قصتا عابدين تولاهما الله، فمن القصتين نفهم تولي الله لأهل العبادة، كما أن عاقبة قوم لوط ماضية على النسق الذي مر معنا في نجاة الرسل وأتباعهم، وهلاك المعرضين والرافضين، وتكاد القصتان أن تكونا قصة واحدة. المقطع الثالث في هذا المقطع قصتا إبراهيم ولوط ﵉، وهما في حكم القصة الواحدة، إذ أن قصة إبراهيم فيها حديث عن قوم لوط، فكأنها مقدمة لها، والقصتان ترياننا رعاية الله لعباده وعباده، ويمتد هذا المقطع من الآية (٦٩) إلى نهاية الآية (٨٣) وهذا هو: [سورة هود (١١): الآيات ٦٩ الى ٨٣] وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)

стр. 2454

التفسير: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا أي الملائكة إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى تبشره بإسحاق قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ وقد رد عليهم بأبلغ من سلامهم، لأن المنصوب هنا تقديره سلمنا سلاما وهو يفيد المضي، والاسم المرفوع هنا يفيد الثبوت والدوام فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ أي مشوي بالحجارة المحماة، والعجل: الفتي من البقر. والمعنى: ذهب سريعا فأتاهم بالضيافة فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ أي أنكرهم وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً أي أضمر منهم خوفا قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا بالعذاب إِلى قَوْمِ لُوطٍ وإنما قالوا لا تخف في الظاهر لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه. قال النسفي: والظاهر أنه أحس بأنهم ملائكة، ونكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه أو لتعذيب قومه، واستدل على ذلك بقولهم: إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ قال: وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيما أرسلوا فيه وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ إما وراء الستر تسمع تحاورهم، وإما على رءوسهم تخدمهم فَضَحِكَتْ سرورا بزوال الخيفة، أو بهلاك أهل الخبائث، أو من غفلة قوم لوط مع قرب العذاب. فجوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ أي من بعده يَعْقُوبَ بشرت بولد لها يكون له ولد ونسل، خصت بالبشارة لأن النساء أعظم سرورا بالولد، ولأنه لم يكن لها ولد وكان لإبراهيم ولد، وهو إسماعيل، وقد استدل بهذه الآية- كما استدل بغيرها- على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق لأنه وقعت البشارة به، وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر بذبحه وهو طفل صغير، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده، ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون هو إسماعيل. قال ابن كثير: وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ أي أن يولد ولد من هرمين، وهو استبعاد من حيث العادة قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي من قدرته وحكمته، أنكرت الملائكة تعجبها لأنها كانت في بيت الآيات، ومهبط المعجزات، والأمور الخارقة للعادات، فلا تعجبي إذن من أمر الله، فإنه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. فلا تعجبي من هذا وإن كنت عجوزا عقيما، وبعلك شيخا كبيرا، فإن الله على ما يشاء قدير رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ أي هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة، ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوة، فليست

стр. 2455

بمكان عجيب، وهو تعليل لإنكار التعجب، كأنه قيل: إياك والتعجب لأن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم إِنَّهُ حَمِيدٌ أي محمود في جميع أفعاله وأقواله مَجِيدٌ أي ممجد في صفاته وذاته فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ أي الفزع وهو ما أوجس من الخيفة وَجاءَتْهُ الْبُشْرى بالولد يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ أي لما اطمأن بعد الخوف، وملئ سرورا بسبب البشرى، فزع إلى المجادلة إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ هذا ثناء على إبراهيم بهذه الصفات الثلاثة: الحليم: وهو غير العجول على كل من أساء إليه، أو كثير الاحتمال ممن آذاه، الصفوح عمن عصاه، والأواه: وهو كثير التأوه من خوف الله، والمنيب: وهو التائب الراجع إلى الله، وهذه الصفات دالة على رقة القلب والرأفة والرحمة، بينت الآية أن ذلك هو الذي حمله على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع العذاب، ويمهلوا لعلهم يتوبون، فجاءه الجواب يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا أي وإن كانت الرحمة ديدنك فدع الجدال في هذا الأمر إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ أي قضاؤه وحكمه أي إنه قد نفذ فيهم القضاء وحقت عليهم الكلمة بالهلاك، وحلول البأس الذي لا يرد عن القوم المجرمين وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ أي لا يرد بجدال وغير ذلك وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً بعد أن خرجوا من عند إبراهيم متوجهين إلى قوم لوط سِيءَ بِهِمْ أي حزن لأنه حسب أنهم إنس ورأى هيئاتهم وجمالهم، وخاف عليهم خبث قومه، وأن يعجز عن مقاومتهم ودفعهم وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً أي وضاق بمكانهم صدره، إذ خشي إن ضيفهم ألا يقدر على حمايتهم، وإن لم يضيفهم أن يضيفهم أحد من قومه فينالهم بسوء وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ أي شديد بلاؤه قال صاحب الظلال: (لقد كان يعرف قومه. ويعرف ما أصاب فطرتهم من انحراف وشذوذ عجيبين. إذ يتركون النساء إلى الرجال، مخالفين الفطرة التي تهتدي إلى حكمة خلق الأحياء جميعا أزواجا، كي تمتد الحياة بالنسل ما شاء لها الله، والتي تجد اللذة الحقيقية في تلبية نداء الحكمة الأزلية، لا عن تفكير وتدبير، ولكن عن اهتداء واستقامة. والبشرية تعرف حالات مرضية فردية شاذة، ولكن ظاهرة قوم لوط عجيبة وهي تشير إلى أن المرض النفسي يعدي كالمرض الجسدي. وأنه يمكن أن يروج مرض نفسي كهذا نتيجة لاختلال المقاييس في بيئة من البيئات، وانتشار المثل السيئ، عن طريق إيحاء البيئة المريضة. على الرغم من مصادمته للفطرة، التي يحكمها الناموس الذي يحكم الحياة. الناموس الذي يقتضي أن تجد لذتها فيما يلبي حاجة الحياة لا فيما يصادمها
следующие страницы →