← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

معنى: أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغيض، وأن نقضي أمر نوح- وهو إنجاز ما كنا وعدناه من إغراق قومه- فقضي، وأن نسوي السفينة على الجودي فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، بنى الكلام على تشبيه المراد بالأمر الذي لا يتأتي منه- لكمال هيبته- العصيان، وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكون المقصود تصويرا لاقتداره العظيم، وأن السموات والأرض منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة لإرادته، فيها تغييرا وتبديلا كأنها عقلاء مميزون قد عرفوه حق معرفته، وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه، وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده. ثم بنى على تشبيه هذا نظم الكلام فقال : وَقِيلَ على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل، وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد وهو (يا أرض، ويا سماء) ثم قال مخاطبا لهما (يا أرض) و (يا سماء) على سبيل الاستعارة للشبه المذكور، ثم استعار لغور الماء في الأرض، البلع الذي هو أعمال الجاذبة في المطعوم للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي، ثم استعار الماء للغذاء تشبيها له بالغذاء لتقوي الأرض بالماء في الإنبات كتقوي الآكل بالطعام، ثم قال (ماءك) بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز لاتصال الماء بالأرض كاتصال الملك بالمالك. ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفعل، للشبه بينهما في عدم التأني. ثم قال وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً ولم يصرح بمن أغاض الماء، ولا بمن قضى الأمر وسوى السفينة بعدا. كما لم يصرح بقائل (يا أرض ويا سماء) سلوكا في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر، وتكوين مكون قاهر، وأن فاعلها واحد لا يشارك في فعله، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ولا أن يكون الغائض والقاضي والمسوي غيره. ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيها لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلما لأنفسهم، إظهارا لمكان السخط وأن ذلك العذاب الشديد ما كان إلا بظلمهم. ومن جهة علم المعاني: وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها. وذلك أنه اختير (يا) دون أخواتها لكونها أكثر استعمالا، ولدلالتها على بعد المنادى الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة والملكوت، وإبداء العزة والجبروت، وهو تبعيد المنادى المؤذن بالتهاون به، ولم يقل يا أرضي لزيادة التهاون إذ الإضافة تستدعي القرب. ولم يقل يا أيتها الأرض للاختصار، واختير لفظ الأرض والسماء

стр. 2452

لكونهما أخف وأدور. واختير (ابلعي) على ابتلعي لكونه أخصر، وللتجانس بينه وبين (أقلعي) وقيل (أقلعي) ولم يقل عن المطر، وكذا لم يقل (يا أرض ابلعي ماء) فبلعت (ويا سماء أقلعي) فأقلعت اختصارا. واختير (غيض) على غيض وقيل (الماء) دون أن يقول ماء الطوفان، و (الأمر) ولم يقل أمر نوح وقومه، لقصد الاختصار. والاستغناء بحرف العهد عن ذلك، ولم يقل وسويت على الجودي. أي أقرت على نحو (قيل) و (غيض) اعتبارا لبناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ إرادة للمطابقة ثم قيل بُعْداً لِلْقَوْمِ ولم يقل ليبعد القوم طلبا للتأكيد مع الاختصار. هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم. وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل فذلك أنه قدم النداء على الأمر فقيل (يا أرض ابلعي، ويا سماء أقلعي) ولم يقل ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء جريا على مقتضى الكلام فيمن كان مأمورا حقيقة من تقديم التنبيه، ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى قصدا بذلك لمعنى الترشيح. ثم قدم أمر الأرض على أمر السماء، وابتدأ به لابتداء الطوفان منها، ثم أتبع وَغِيضَ الْماءُ لاتصاله بقصة الماء وأخذه بحجزتها. ثم ذكر ما هو المقصود وهو قوله وَقُضِيَ الْأَمْرُ أي أنجز الموعود في إهلاك الكفرة، وإنجاء نوح ومن معه في الفلك. وعلى هذا فاعتبر. ومن جهة الفصاحة المعنوية، وهي كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية لها ملخصة مبينة لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد، ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد. ومن جهة الفصاحة اللفظية، فألفاظها كما ترى عربية مستعملة سليمة عن التنافر، بعيدة عن البشاعة، عذبة على العذبات، سلسلة على الأسلات، كل منها كالماء في السلاسة، وكالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة. ومن ثم أطبق المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإيتان بمثل هذه الآية. ولله در شأن التنزيل لا يتأمل العالم آية من آياته إلا أدرك لطائف لا تسع الحصر، ولا تظنن الآية مقصورة على المذكور، فلعل المتروك أكثر من المسطور. أهـ.) ٤ - بمناسبة قوله تعالى في قصة هود وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وبمناسبة ذكر الاستغفار في أول سورة هود: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ نذكر الحديث الشريف:

стр. 2453

«من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب». ونذكر هذه القصة التي ذكرها النسفي: عن الحسن بن على ﵄ أنه وفد على معاوية، فلما خرج قال له بعض حجابه: إني رجل ذو مال ولا يولد لي، علمني شيئا لعل الله يرزقني ولدا، فقال الحسن: عليك بالاستغفار فكان يكثر الاستغفار حتى ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة فولد له عشرة بنين، فبلغ ذلك معاوية، فقال: هلا سألته مم قال ذلك! فوفد وفدة أخرى فسأله الرجل، فقال: ألم تسمع قول هود وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وقول نوح وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ. كلمة في السياق: وهكذا سارت سورة هود وهي تشيد صرح عبادة الله من خلال التقرير والتمثيل والعرض والقصة، وبعد أن عرضت ما عرضت، تعرض علينا في المقطع الثالث قصة إبراهيم، وقصة لوط ﵉، وهما قصتا عابدين تولاهما الله، فمن القصتين نفهم تولي الله لأهل العبادة، كما أن عاقبة قوم لوط ماضية على النسق الذي مر معنا في نجاة الرسل وأتباعهم، وهلاك المعرضين والرافضين، وتكاد القصتان أن تكونا قصة واحدة. المقطع الثالث في هذا المقطع قصتا إبراهيم ولوط ﵉، وهما في حكم القصة الواحدة، إذ أن قصة إبراهيم فيها حديث عن قوم لوط، فكأنها مقدمة لها، والقصتان ترياننا رعاية الله لعباده وعباده، ويمتد هذا المقطع من الآية (٦٩) إلى نهاية الآية (٨٣) وهذا هو: [سورة هود (١١): الآيات ٦٩ الى ٨٣] وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)

стр. 2454

التفسير: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا أي الملائكة إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى تبشره بإسحاق قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ وقد رد عليهم بأبلغ من سلامهم، لأن المنصوب هنا تقديره سلمنا سلاما وهو يفيد المضي، والاسم المرفوع هنا يفيد الثبوت والدوام فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ أي مشوي بالحجارة المحماة، والعجل: الفتي من البقر. والمعنى: ذهب سريعا فأتاهم بالضيافة فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ أي أنكرهم وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً أي أضمر منهم خوفا قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا بالعذاب إِلى قَوْمِ لُوطٍ وإنما قالوا لا تخف في الظاهر لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه. قال النسفي: والظاهر أنه أحس بأنهم ملائكة، ونكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه أو لتعذيب قومه، واستدل على ذلك بقولهم: إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ قال: وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيما أرسلوا فيه وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ إما وراء الستر تسمع تحاورهم، وإما على رءوسهم تخدمهم فَضَحِكَتْ سرورا بزوال الخيفة، أو بهلاك أهل الخبائث، أو من غفلة قوم لوط مع قرب العذاب. فجوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ أي من بعده يَعْقُوبَ بشرت بولد لها يكون له ولد ونسل، خصت بالبشارة لأن النساء أعظم سرورا بالولد، ولأنه لم يكن لها ولد وكان لإبراهيم ولد، وهو إسماعيل، وقد استدل بهذه الآية- كما استدل بغيرها- على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق لأنه وقعت البشارة به، وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر بذبحه وهو طفل صغير، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده، ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون هو إسماعيل. قال ابن كثير: وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ أي أن يولد ولد من هرمين، وهو استبعاد من حيث العادة قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي من قدرته وحكمته، أنكرت الملائكة تعجبها لأنها كانت في بيت الآيات، ومهبط المعجزات، والأمور الخارقة للعادات، فلا تعجبي إذن من أمر الله، فإنه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. فلا تعجبي من هذا وإن كنت عجوزا عقيما، وبعلك شيخا كبيرا، فإن الله على ما يشاء قدير رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ أي هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة، ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوة، فليست

стр. 2455

بمكان عجيب، وهو تعليل لإنكار التعجب، كأنه قيل: إياك والتعجب لأن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم إِنَّهُ حَمِيدٌ أي محمود في جميع أفعاله وأقواله مَجِيدٌ أي ممجد في صفاته وذاته فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ أي الفزع وهو ما أوجس من الخيفة وَجاءَتْهُ الْبُشْرى بالولد يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ أي لما اطمأن بعد الخوف، وملئ سرورا بسبب البشرى، فزع إلى المجادلة إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ هذا ثناء على إبراهيم بهذه الصفات الثلاثة: الحليم: وهو غير العجول على كل من أساء إليه، أو كثير الاحتمال ممن آذاه، الصفوح عمن عصاه، والأواه: وهو كثير التأوه من خوف الله، والمنيب: وهو التائب الراجع إلى الله، وهذه الصفات دالة على رقة القلب والرأفة والرحمة، بينت الآية أن ذلك هو الذي حمله على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع العذاب، ويمهلوا لعلهم يتوبون، فجاءه الجواب يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا أي وإن كانت الرحمة ديدنك فدع الجدال في هذا الأمر إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ أي قضاؤه وحكمه أي إنه قد نفذ فيهم القضاء وحقت عليهم الكلمة بالهلاك، وحلول البأس الذي لا يرد عن القوم المجرمين وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ أي لا يرد بجدال وغير ذلك وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً بعد أن خرجوا من عند إبراهيم متوجهين إلى قوم لوط سِيءَ بِهِمْ أي حزن لأنه حسب أنهم إنس ورأى هيئاتهم وجمالهم، وخاف عليهم خبث قومه، وأن يعجز عن مقاومتهم ودفعهم وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً أي وضاق بمكانهم صدره، إذ خشي إن ضيفهم ألا يقدر على حمايتهم، وإن لم يضيفهم أن يضيفهم أحد من قومه فينالهم بسوء وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ أي شديد بلاؤه قال صاحب الظلال: (لقد كان يعرف قومه. ويعرف ما أصاب فطرتهم من انحراف وشذوذ عجيبين. إذ يتركون النساء إلى الرجال، مخالفين الفطرة التي تهتدي إلى حكمة خلق الأحياء جميعا أزواجا، كي تمتد الحياة بالنسل ما شاء لها الله، والتي تجد اللذة الحقيقية في تلبية نداء الحكمة الأزلية، لا عن تفكير وتدبير، ولكن عن اهتداء واستقامة. والبشرية تعرف حالات مرضية فردية شاذة، ولكن ظاهرة قوم لوط عجيبة وهي تشير إلى أن المرض النفسي يعدي كالمرض الجسدي. وأنه يمكن أن يروج مرض نفسي كهذا نتيجة لاختلال المقاييس في بيئة من البيئات، وانتشار المثل السيئ، عن طريق إيحاء البيئة المريضة. على الرغم من مصادمته للفطرة، التي يحكمها الناموس الذي يحكم الحياة. الناموس الذي يقتضي أن تجد لذتها فيما يلبي حاجة الحياة لا فيما يصادمها

стр. 2456

ويعدمها. والشذوذ الجنسي يصادم الحياة ويعدمها، لأنه يذهب ببذور الحياة في تربة خبيثة لم تعد لاستقبالها وإحيائها. بدلا من الذهاب بها إلى التربة المستعدة لتلقيها وإنمائها. ومن أجل هذا تنفر الفطرة السليمة نفورا فطريا- لا أخلاقيا فحسب- من عمل قوم لوط. لأن هذه الفطرة محكومة بقانون الله في الحياة الذي يجعل اللذة الطبيعية السليمة فيما يساعد على إنماء الحياة لا فيما يصدمها ويعطلها. ولقد نجد أحيانا لذة في الموت- في سبيل غاية أسمى من الحياة الدنيا- ولكنها ليست لذة حسية إنما هي معنوية اعتبارية. على أن هذه ليست مصادمة للحياة، إنما هي إنماء لها وارتفاع بها من طريق آخر. وليست في شئ من ذلك العمل الشاذ الذي يعدم الحياة وخلاياها). وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ أي يسارعون إسراعا ويهرولون هرولة كأنهم يدفعون دفعا وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أي لم يزل هذا من سجيتهم حتى أخذوا وهم على ذلك الحال، مرنوا على الفواحش، وقل عندهم استقباحها، فلذلك جاءوا يهرعون مجاهرين لا يكفهم حياء قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ للمفسرين في هذا المقام قولان: الأول: أن بناته نساء قومه فكأنه لفت نظرهم إلى أزواجهم. الثاني: أنه عرض عليهم بناته ليتزوجوا، والتقدير هؤلاء بناتي فتزوجوهن فأراد أن يقي أضيافه ببناته، وذلك غاية الكرم، وكان تزويج المسلمات من الكفار جائزا في ذلك الوقت، كما جاز في الابتداء في هذه الأمة، فقد زوج رسول الله ﷺ ابنتيه من عتبة بن أبي لهب، وأبي العاص، وهما كافران وهذا القول أقوى فَاتَّقُوا اللَّهَ بترك الفاحشة وفعل المباح وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أي ولا تهينوني ولا تفضحوني، أو لا تخجلوني في حق ضيوفي؛ فإنه إذا خزي ضيف الرجل أو جاره فقد خزي الرجل، وذلك من عراقة الكرم وأصالة المروءة أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ أي فيه خير يقبل ما آمره به، ويترك ما أنهاه عنه، أي أليس فيكم رجل واحد يهتدي إلى طريق الحق وفعل الجميل والكف عن السوء؟ قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ قال ابن كثير: أي إنك لتعلم أن نساءنا لا أرب لنا فيهن ولا نشتهيهن، وقال آخرون إنك لتعلم ما لنا في بناتك من حاجة؛ لأن نكاح الإناث أمر خارج عن مذهبنا؛ فمذهبنا إتيان الذكران وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ أي إنما نريد الرجال قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أي لفعلت بكم ولصنعت، أي لو قويت عليكم بنفسي لنكلت بكم أَوْ

стр. 2457

آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ أو لو أويت إلى قوي أستند إليه، وأتمنع به فيحميني منكم لفعلت بكم الأفاعيل، شبه القوي العزيز الذي تمنى نصرته بالركن من الجبل في شدته ومنعته قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ أي إن ركنك لشديد فنحن رسل ربك، وإذا كانوا رسل الله فلن يصل أعداء الله إلى لوط، ولن يقدروا على ضرره ولذلك قالوا لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ثم قالوا فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ أي بطائفة منه أو نصفه وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أي ولا ينظر أحد منكم إلى ما وراءه، ويحتمل أنه أمر بعدم تخلف أحد، ويحتمل بأنه أمر بعدم الالتفات إلى ما يخلف وراءه من أملاك، والأول أقوى إِلَّا امْرَأَتَكَ أي إلا هي فلا عليك ألا تلتفت إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ أي إن الأمر هكذا شأنها شأنهم إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ كأنه قال: متى موعد هلاكهم؟ فقيل له ذلك، وكأنه أراد أسرع من ذلك فقالوا أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ أي حجارة من طين قوية شديدة مَنْضُودٍ أي متتابع، أو مجموع معد للعذاب مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ أي معلمة للعذاب في خزائنه أو في حكمه وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ أي وما هذه النقمة ممن تشبه بهم في ظلمهم ببعيد عنه وهكذا انتهى المقطع الثالث: فوائد: ١ - في هذه السورة حكى الله لنا قول سارة قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ وفي سورة الذاريات حكى الله فعلها فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ كما جرت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب. ٢ - بمناسبة قول لوط ﵇ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ يروي ابن كثير حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد- يعني الله فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه». ٣ - بمناسبة قصة لوط ﵇ وقومه وما عوقبوا به قال ابن كثير: (وقد ورد في الحديث المروي في السنن عن ابن عباس مرفوعا: «من وجدتموه

стр. 2458

يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به» وذهب الإمام الشافعي في قول عنه وجماعة من العلماء إلى أن اللائط يقتل، سواء كان محصنا أو غير محصن؛ عملا بهذا الحديث، وذهب الإمام أبو حنيفة أنه يلقى من شاهق، ويتبع بالحجارة، كما فعل الله بقوم لوط. ٤ - وفي هذا المقطع إن في قصة إبراهيم، أو في قصة لوط، مجموعة من آداب الضيافة لا تخفى على المتأمل منها: الاستقبال الطيب للضيف، ومنها التعجيل بالطعام له، ومنها الحرص عليه والدفاع عنه .. ٥ - يذكر ابن كثير كثيرا من الروايات بمناسبة هذا المقطع، كلها مرجعها أهل الكتاب وكما كررنا أكثر من مرة فإن أسفار موسى الخمسة التي تسمى حاليا التوراة أبعد من أن تكون محل ثقة في مجموع نقولها، بل إن قارئها ليحس بالجهد البشري المتأخر في صياغتها كما ذكرنا ذلك أثناء الكلام عن سورة الأعراف، ومن ثم فإنها لا تصلح للاعتماد، وقد يصلح بعضها للاستئناس في تفصيل لا يخالف نصا، مع ملاحظة أنها- لكونها مكتوبة من الروايات الشفهية بعد مئات السنين- دخل عليها تحريف وتبديل وتقديم وتأخير، وإذا نقلنا عنها فإننا ننقل ضمن حدود، ولولا أن رسولنا ﵊ أذن لنا أن نحدث عن بني إسرائيل ولا حرج ما نقلنا شيئا لأن «أقلام النساخ الكاذبة» كما قال سفر أرميا قد أدخلت نصوصا تتقزز منها النفس، ومن ذلك ما يذكرونه في هذا المكان من زنى لوط بابنتيه- وحاشاه- فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. إذا تذكرنا هذا كله نقول: إن ما ذكره القرآن عن إبراهيم ولوط ﵉ موجود بشكل مضطرب ومختلط في الإصحاح السابع عشر، والإصحاح الثامن عشر، والإصحاح التاسع عشر، من سفر التكوين، وقد أعطانا القرآن الحق مما نستطيع به أن نعرف خطأ الكثير من الكلام المضطرب هناك، وصواب بعضه، فمن الخطأ فيه أنه يذكر أن الرسل الثلاثة أكلوا، مع أن السياق هناك يشعر بأن إبراهيم كان عارفا أنهم رسل الله، فكيف يأكلون وهم ملائكة؟ ولكنها أقلام النساخ الكاذبة، ومن الصواب فيه ذكر ضحك سارة وتعجبها عند ما بشرت بابن «وكانت سارة سامعة في باب الخيمة وهو وراءه .. فضحكت سارة في باطنها قائلة: أبعد فنائي يكون لي تنعم وسيدي قد شاخ».

стр. 2459

ومن الصواب فيه ذكر رغبة إبراهيم في أن يصرف البلاء عن قرى قوم لوط، ولم يفصل القرآن ماهية كلام إبراهيم بل أجمل فقال: يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ. فلننقل ما ذكر من جدال إبراهيم إلى نهاية قصة الإهلاك مما هو مذكور في الإصحاح الثامن عشر والتاسع عشر: في الإصحاح الثامن عشر: (فتقدم إبراهيم وقال أفتهلك البار مع الأثيم، عسى أن يكون خمسون بارا في المدينة، أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين بارا الذين فيه. حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر أن تميت البار مع الأثيم فيكون البار كالأثيم. حاشا لك، أديان كل الأرض لا يصنع عدلا، فقال الرب إن وجدت في سدوم خمسين بارا في المدينة فإني أصفح عن المكان كله من أجلهم. فأجاب إبراهيم وقال إني قد شرعت أكلم المولى وأنا تراب ورماد، ربما نقص الخمسون بارا خمسة أتهلك كل المدينة بالخمسة فقال لا أفعل من أجل الأربعين فقال لا يسخط المولى فأتكلم. عسى أن يوجد هناك ثلاثون فقال لا أفعل إن وجدت هناك ثلاثين، فقال إني قد شرعت أكلم المولى عسى أن يوجد هناك عشرون فقال لا أهلك من أجل العشرين، فقال لا يسخط المولى فأتكلم هذه المرة فقط. عسى أن يوجد هناك عشرة، فقال لا أهلك من أجل العشرة، وذهب الرب عند ما فرغ من الكلام مع إبراهيم ورجع إبراهيم إلى مكانه). وفي الإصحاح التاسع عشر: (فجاء الملكان إلى سدوم مساء وكان لوط جالسا في باب سدوم، فلما رآهما لوط قام لاستقبالهما وسجد بوجهه إلى الأرض. وقال يا سيدي ميلا إلى بيت عبدكما وبيتا واغسلا أرجلكما، ثم تبكران وتذهبان في طريقكما- فقالا لا بل في الساحة نبيت. فألح عليهما جدا فمالا إليه ودخلا بيته فصنع لهما ضيافة وخبزا فطيرا فأكلا. وقبل ما اضطجعا أحاط بالبيت رجال المدينة رجال سدوم من الحدث إلى الشيخ كل الشعب من أقصاها. فنادوا لوطا وقالوا له أين الرجلان اللذان دخلا إليك الليلة، أخرجهما إلينا لنعرفهما فخرج إليهم لوط إلى الباب وأغلق الباب وراءه، وقال: لا تفعلوا شرا يا إخواني. هو ذا لي ابنتان لم تعرفا رجلا. أخرجهما إليكم فافعلوا بهما كما يحسن في عيونكم. وأما هذان الرجلان فلا تفعلوا بهما شيئا لأنهما قد دخلا تحت ظل

стр. 2460

سقفي. فقالوا أبعد إلى هناك. ثم قالوا جاء هذا الإنسان ليتغرب وهو يحكم حكما. الآن نفعل بك شرا أكثر منهما. فألحوا على الرجل لوط جدا وتقدموا ليكسروا الباب فمد الرجلان أيديهما وأدخلا لوطا إليهما إلى البيت وأغلقا الباب. وأما الرجال الذين على باب البيت فضرباهم بالعمى من الصغير إلى الكبير. فعجزوا عن أن يجدوا الباب. وقال الرجلان للوط من لك أيضا هاهنا. أصهارك وبنيك وبناتك وكل من لك في المدينة أخرج من المكان. لأننا مهلكان هذا المكان إذ قد عظم صراخهم أمام الرب فأرسلنا الرب لنهلكه. فخرج لوط وكلم أصهاره الآخذين بناته وقال قوموا اخرجوا من هذا المكان. لأن الرب مهلك المدينة. فكان كمازح في أعين أصهاره. ولما طلع الفجر كان الملكان يعجلان لوطا قائلين قم خذ امرأتك وابنتيك الموجودتين لئلا تهلك. بإثم المدينة. ولما توانى أمسك الرجلان بيده وبيد امرأته وبيد ابنتيه لشفقة الرب عليه وأخرجاه ووضعاه خارج المدينة. وكان لما أخرجاهم إلى خارج أنه قال أهرب إلى الجبل. لعل الشر يدركني فأموت. هو ذا المدينة هذه قريبة للهرب إليها وهي صغيرة. أهرب إلى هناك. أليست هي صغيرة فتحيا نفسي. فقال له إني قد رفعت وجهك في هذا الأمر أيضا أن لا أقلب المدينة التي تكلمت عنها أسرع اهرب إلى هناك لأني لا أستطيع أن أفعل شيئا حتى تجئ إلى هناك. لذلك دعي اسم المدينة صوغر. وإذ أشرقت الشمس على الأرض دخل لوط إلى صوغر. فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتا ونارا من عند الرب من السماء. وقلب تلك المدن وكل الدائرة وجميع سكان المدن ونبات الأرض. ونظرت امرأته من ورائه فصارت عمود ملح. وبكر إبراهيم في الغد إلى المكان الذي وقف فيه أمام الرب. وتطلع نحو سدوم وعمورة ونحو كل أرض الدائرة ونظر وإذا دخان الأرض يصعد كدخان الأتون. وحدث لما أخرب الله مدن الدائرة أن الله ذكر إبراهيم وأرسل لوطا من وسط الانقلاب حين قلب المدن التي سكن فيها لوط). كلمة في السياق: نجد في هاتين القصتين قصة إبراهيم ولوط مثلين على القيام بحق الله، في العبادة والتوبة، فنجد العبودية الخالصة عند إبراهيم وآل بيته، والعبودية الكاملة عند لوط، كما نجد عاقبة الانحرافات عن أمر الرسل عليهم الصلاة والسلام، نلاحظ أن الأمر بالعبادة يدخل فيه طاعة الله في كل أمر، كما نلاحظ في القصتين كيف يكرم الله أهل طاعته

стр. 2461

بأنواع الكرامة، نلاحظ أن في قصة لوط معنى هو امتداد للمعنى الذي وجدناه في قصة نوح، أن القرابة لا تنفع صاحبها إذا لم يكن إيمان، فالقصتان امتداد للقصص الثلاث السابقة، والقصص في هذه السورة بمجموعها تمضي على نسق واحد مع مواضيع المقطع الأول، وتمهد للمقطع الأخير، وقد لاحظنا أن بداية المقطع الثاني كانت: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ .. ثم عطفت عليها قصة هود وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً ثم عطفت عليها قصة صالح وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ثم كان بعد ذلك قصة إبراهيم وأضيافه، وقوم لوط وبدأت وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى ثم تأتي الآن قصة شعيب ﵇ مع قومه وبدايتها ب وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ فكأن قصة شعيب معطوفة على قصة قوم نوح وعاد وثمود، وجعل الله في الوسط قصة إبراهيم مما يشير إلى وحدة السورة، وأن قصتي إبراهيم ولوط ﵉ تخدمان في المحور نفسه، محور العبادة الذي سيعود السياق صريحا في شأنه في قصة شعيب في المقطع الرابع: *** المقطع الرابع ويمتد من الآية (٨٤) إلى نهاية الآية (٩٥) وهذا هو: [سورة هود (١١): الآيات ٨٤ الى ٩٥] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)

стр. 2462

التفسير: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً أي: وأرسلنا شعيبا إلى ساكني مدين أو إلى بني مدين قال ابن كثير: وهم قبيلة من العرب كانوا يسكنون بين الحجاز والشام قريبا من معان بلادا تعرف بهم يقال لها مدين، فأرسل الله لهم شعيبا وكان من أشرفهم نسبا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أمرهم بعبادة الله وحده، كما أمر كل

стр. 2463

رسول وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ أي لا تنقصوا المكيل بالمكيال، ولا تنقصوا الموزون بالميزان بل أدوهما كاملين أخذا وعطاء إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ أي في معيشتكم ورزقكم فأنتم بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو المعنى: إني أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل بغير ما تفعلون من شرك وخيانة وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ أي مهلك والمراد به إما عذاب الاستئصال في الدنيا، أو عذاب الآخرة وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ أى أتموهما بالعدل، نهاهم أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي حسن في العقول لزيادة الترغيب فيه، وجئ به مقيدا بالقسط ليعني: ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أي لا تنقصوا في حقهم شيئا، أشياءهم المعنوية وأشياءهم المادية نقصا حسيا أو معنويا وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ العيث: أشد الفساد نحو السرقة والغارة وقطع السبيل، بدأ بالدعوة إلى عبادة الله، ثم بالدعوة إلى عدم نقص المكيال والميزان وإيفائهما، ثم بالدعوة إلى إعطاء الناس القيمة الحقيقية لأشيائهم، ثم بالدعوة إلى ترك الفساد أصلا في الأرض. ثم ذكرهم فقال: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم خير لكم في الدنيا والآخرة، بشرط أن تؤمنوا، والحقيقة أن بقية الله خير للكفرة أيضا، لأنهم يسلمون منها من تبعة البخس والتطفيف وما يترتب عليهما من شرور اجتماعية، إلا أن فائدتها أظهر في حق أهل الإيمان للسلامة من الشرور مع حصول الثواب مع النجاة من العقاب، بينما لا تظهر الثمرات كاملة مع عدم الإيمان، ومن ثم نقول: إن النظام الاقتصادي الإسلامي لا يقوم وتظهر ثمراته كاملة إلا في مجتمع مؤمن، وقد أفادنا النص تعظيم الإيمان والتنبيه على جلالة شأنه وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أي برقيب، أي افعلوا ذلك لله ، لا تفعلوه ليراكم الناس؛ إذ الله هو الحفيظ؛ فاحفظوا نعمه بترك البخس، واحفظوا أوامره ليحفظكم ويحفظ أموالكم، فماذا كان جوابهم؟ لقد كان جوابهم مختلفا عما عهدناه في الأجوبة التي مرت معنا في القصص السابقة، فالسورة تعرض لنا أكثر من نموذج قالُوا على سبيل التهكم يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا قال الحسن: إي والله إن صلاته لتأمر أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم، وهكذا أنكروا عليه أن يأمرهم وينهاهم، وهكذا اعتبروا أنهم أحرار في عبادة من

стр. 2464

شاءوا، وأنهم أحرار في النظام الاقتصادي الذي ارتضوه ولو كان ظالما وهي لغة الكفر في كل زمان ومكان، ثم قالوا على سبيل الاستهزاء إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ أي أأنت العاقل الراشد؟! وهو منطق كثير ممن يردون دعوة الله مستهزءين بفهم وفقه وعقل الدعاة، فكأنهم يقولون بكلمتهم المستهزئة: إنك لأنت السفيه الضال، وكدأب كل رسول في إقامة الحجة قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي على بصيرة فيما أدعو إليه وَرَزَقَنِي مِنْهُ أي من عنده رِزْقاً حَسَناً قيل: أراد النبوة، وقيل: أراد الرزق الحلال الذي لا بخس فيه ولا تطفيف، ويحتمل الأمرين، والتقدير: أخبروني إن كنت على حجة واضحة من ربي، وكنت نبيا على الحقيقة، أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي، والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ أى لم أكن لأنهاكم عن أمر وأرتكبه، ولم أكن لأسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ أي ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر قدر استطاعتي للإصلاح ما دمت متمكنا منه لا آلو فيه جهدا وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ أي وما كوني موفقا لإصابة الحق فيما آتي وأذر إلا بمعونة الله وتأييده عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي اعتمدت في جميع أموري وَإِلَيْهِ أُنِيبُ أي أرجع في كل أموري في السراء والضراء وكل حال وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أي لا تحملنكم عداوتي وبغضي على الإصرار على ما أنتم عليه من الكفر والفساد أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ أي فيصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء الأقوام من العذاب وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ في الزمان، فهم أقرب الهالكين منكم، أو في المكان، فمنازلهم قريبة منكم، أو فيما يستحق به الهلاك وهو الكفر والمساوئ، هددهم بالغرق أو الريح أو الرجفة؛ بسبب خلافه، نسأل الله بمنه وكرمه ألا يمنعنا بغض أو شقاق أو خلاف عن أن نقبل الحق الخالص كائنا ما كان، وقد دل خطابه ﵇ لهم على أن زمنه متأخر عن زمن قوم لوط، وعلى هذا فالترتيب في سورة هود بين القصص ترتيب زمني: نوح ثم هود ثم صالح ثم إبراهيم ولوط ثم شعيب وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ في سالف ذنوبكم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ فيما تستقبلونه في الأعمال السيئة إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ومن رحمته غفرانه لأهل الجفاء من المؤمنين وَدُودٌ ومن مودته أنه يحب أهل الوفاء من الصالحين، ومن تقرب إليه شبرا تقرب إليه ذراعا، وهكذا أقام عليهم الحجة إن من خلال النظر في شأنه، أو النظر في أمر الغابرين، أو النظر في طبيعة

стр. 2465

ما يدعوهم إليه، فماذا كان جوابهم؟ كان جوابهم جواب المستكبرين الطغاة: قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ أي ما نفهم كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ أي من قولك والظاهر أنهم أرادوا أنهم لا يفهمون صحة ما يقول، لأن كلامه في منتهى الوضوح وكيف وهو كما قال الثوري: كان يقال له خطيب الأنبياء وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً أي لا قوة لك ولا عز فيما بيننا، فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروها، فما أنت إلا واحد، وعشيرتك ليست على دينك وَلَوْلا رَهْطُكَ أي قومك وعشيرتك لَرَجَمْناكَ أي بالحجارة. والمعنى: ولولا عشيرتك لقتلناك شر قتلة، وكان رهطه من أهل ملتهم فلذلك أظهروا الميل إليهم، والإكرام لهم وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ أي ليس لك عندنا شأن، فأنت لا تعز علينا، ولا تكرم حتى نكرمك من القتل، ونرفعك عن الرجم، وإنما يعز علينا رهطك؛ لأنهم من أهل ديننا. فأجابهم لتقوم عليهم الحجة قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ قال لهم هذا لأن تهاونهم به وهو نبي الله تهاون بالله، وحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله، لأن الله إذ أرسل رسولا جعل الأدب معه أدبا مع الله، ألا ترى قوله تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ (النساء: ١٣) وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا أي: ونسيتم الله وجعلتموه كالشئ المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به، والمعنى: أتتركوني لأجل قومي ولا تتركوني إعظاما لجناب الرب ﵎ أن تنالوا نبيه بمساءة، فقد اتخذتم ربكم وراءكم فنبذتموه خلفكم لا تطيعونه ولا تعظمونه إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ أي قد أحاط بأعمالكم علما فلا يخفى عليه شئ منها وهو مجازيكم عليها وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي على طريقتكم وهو تهديد لهم، أي اعملوا متمكنين من عداوتي مطبقين عليها إِنِّي عامِلٌ على طريقتي سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ أي بذله وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ في دعواكم وزعمكم وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ أي وانتظروا العاقبة إني معكم منتظر وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ أي هامدين لا حراك بهم كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أي كأن لم يعيشوا ويقيموا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ أي ألا هلاكا لهم كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ لأن طريقهم واحد. فوائد:

стр. 2466

١ - قال ابن كثير: «ذكرنا هاهنا (أي في سورة هود) أن أتتهم صيحة، وفي (الأعراف) رجفة، وفي (الشعراء) عذاب يوم الظلة، وهم أمة واحدة اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها، وإنما ذكر في كل سياق ما يناسبه، ففي الأعراف لما قالوا لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا ناسب أن يذكر هناك الرجفة فرجفت بهم الأرض التي ظلموا بها، وأرادوا إخراج نبيهم منها. وهاهنا لما أساءوا الأدب في مقالتهم على نبيهم ذكر الصيحة التي استلبثتهم وأخمدتهم، وفي الشعراء لما قالوا فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قال فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهذا من الأسرار الدقيقة. ٢ - يلاحظ أنه في آخر قصة عاد ومدين جاء قبل (لما) حرف الواو وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً ... وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً ... بينما جاء قبل (لما) في قصة ثمود ولوط حرف الفاء وقد علل ذلك النسفي: أن مجئ الفاء في قصة ثمود ولوط لأنهما وقعا بعد ذكر الموعد إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ في قصة لوط وذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ في قصة ثمود قال: فجئ بالفاء الذي هو للتسبب كقولك وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت، وأما الآخريات فقد وقعتا مبتدأتين، فكان حقهما أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما كما تعطف قصة على قصة. ٣ - بمناسبة قوله تعالى وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ ... نقل ابن كثير عن ابن أبي حاتم هذه القصة عن ابن أبي ليلى الكندي قال: كنت مع مولاي أمسك دابته، وقد أحاط الناس بعثمان بن عفان إذ أشرف علينا من داره فقال: لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ يا قوم لا تقتلوني، إنكم إن قتلتموني كنتم هكذا، وشبك بين أصابعه. ٤ - بمناسبة قوله تعالى على لسان شعيب: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ ... ذكر ابن كثير مجموعة روايات نذكرها مع حذف الأسانيد. روى الإمام أحمد عن حكيم بن معاوية عن أبيه أن أخاه مالكا قال: يا معاوية إن محمدا ﷺ أخذ جيراني، فانطلق إليه فإنه قد كلمك وعرفك، فانطلقت معه فقال: دع جيراني فقد كانوا أسلموا فأعرض عنه فقام مغضبا فقال: أما والله لئن فعلت إن الناس يزعمون إنك لتأمرنا بالأمر وتخالف إلى غيره، وجعلت أجره وهو يتكلم، فقال رسول الله ﷺ : «ما تقول؟» فقال: إنك والله لئن فعلت ذلك إن الناس ليزعمون

стр. 2467

إنك لتأمر بالأمر وتخالف إلى غيره، قال فقال: «أوقد قالوها- أي قائلوها- ولئن فعلت ما ذاك إلا علي وما عليهم من ذلك من شئ أرسلوا له جيرانه». وروى أيضا عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: أخذ النبي ﷺ ناسا من قومي في تهمة فحبسهم فجاء رجل من قومي إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب فقال: يا محمد علام تحبس جيراني؟ فصمت رسول الله ﷺ : «ما تقول؟» فجعلت أعرض بينهما كلاما مخافة أن يسمعها فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبدا، فلم يزل رسول الله ﷺ حتى فهمها فقال: «قد قالوها- أو قائلها منهم؟ - والله لو فعلت لكان علي وما كان عليهم، خلوا عن جيرانهم». ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الإمام أحمد .. عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري قال: سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولون عنه ﷺ أنه قال: «إذا سمعتم الحديث عنى تعرفه قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم عنه» إسناده صحيح. وقد أخرج مسلم بهذا السند حديث: «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك» ومعناه والله أعلم مهما بلغكم عني من خير فأنا أولاكم به، ومهما يكن من مكروه فأنا أبعدكم منه. وروى قتادة .. عن مسروق قال: جاءت امرأة إلى ابن مسعود فقالت: تنهى عن الواصلة؟ قال: نعم، قالت: فعله بعض نسائك، فقال: ما حفظت وصية العبد الصالح إذا وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ وروى عثمان بن أبي شيبة ... عن أبي سليمان الضبي قال: كانت تجيئنا كتب عمر بن عبد العزيز فيها الأمر والنهي فيكتب في آخرها: وما كنت من ذلك إلا كما قال العبد الصالح وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. نقول: قال صاحب الظلال تعليقا على قصة شعيب ﵇: (وهذا دور من أدوار الرسالة الواحدة بالعقيدة الخالدة، ينهض به شعيب في قومه أهل مدين .. ومع الدعوة إلى عقيدة التوحيد قضية أخرى، هي قضية الأمانة والعدالة في التعامل بين الناس، وهي وثيقة الصلة بالعقيدة في الله، والدينونة له وحده، واتباع شرعه وأمره. وإن كان أهل مدين قد تلقوها بدهشة بالغة، ولم يدركوا العلاقة بين المعاملات المالية والصلاة المعبرة عن الدينونة لله).

стр. 2468

وقال صاحب الظلال تعليقا على قول قوم شعيب لشعيب: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا: فهم لا يدركون- أو لا يريدون أن يدركوا- أن الصلاة هي من مقتضيات العقيدة، ومن صور العبودية والدينونة. وأن العقيدة لا تقوم بغير توحيد الله، ونبذ ما يعبدونه من دونه هم وآباؤهم. كما أنها لا تقوم إلا بتنفيذ شرائع الله في التجارة وفي تداول الأموال وفي كل شأن من شئون الحياة والتعامل. فهي لحمة واحدة لا يفترق فيها الاعتقاد عن الصلاة عن شرائع الحياة وعن أوضاع الحياة. وقبل أن نمضي طويلا في تسفيه هذا التصور السقيم لارتباط الشعائر بالعقيدة. وارتباطهما معا بالمعاملات .. قبل أن نمضي طويلا في تسفيه هذا التصور من أهل مدين قبل ألوف السنين، يحسن أن نذكر أن الناس اليوم لا يفترقون في تصورهم ولا في إنكارهم لمثل هذه الدعوة عن قوم شعيب. وأن الجاهلية التي نعيش فيها اليوم ليست أفضل ولا أذكى ولا أكثر إدراكا من الجاهلية الأولي. وأن الشرك الذي كان يزاوله قوم شعيب هو ذاته الشرك الذي تزاوله اليوم البشرية بجملتها- فكلهم يفصل بين العقيدة والشعائر. والشريعة والتعامل. فيجعل العقيدة والشعائر لله ووفق أمره، ويجعل الشريعة والتعامل لغير الله، ووفق أمر غيره .. وهذا هو الشرك في حقيقته وأصله. وإن كان لا يفوتنا أن اليهود وحدهم اليوم هم الذين يتمسكون بأن تكون أوضاعهم ومعاملاتهم وفق ما يزعمونه عقيدتهم وشريعتهم- وذلك بغض النظر عما في هذه العقيدة من انحراف وما في هذه الشريعة من تحريف- فلقد قامت أزمة في «الكنيست» مجلس تشريعهم في إسرائيل بسبب أن باخرة إسرائيلية تقدم لركابها- من غير اليهود- أطعمة غير شرعية. وأرغمت الشركة والسفينة على تقديم الطعام الشرعي وحده- مهما تعرضت للخسارة- فأين من يدعون أنفسهم «مسلمين» من هذا الاستمساك بالدين. إن بيننا اليوم ممن يقولون:- إنهم مسلمون- من يستنكر وجود صلة بين العقيدة والأخلاق. وبخاصة المعاملات المادية. وحاصلون على الشهادات العليا من جامعاتنا وجامعات العالم، يتساءلون أولا في استنكار: وما للإسلام وسلوكنا الشخصي؟ .. ما للإسلام والعري فى الشواطئ؟ ما للإسلام وزي المرأة في الطريق؟ ما للإسلام وتصريف الطاقة الجنسية بأي سبيل؟ ما

стр. 2469

للإسلام وتناول كأس من الخمر لإصلاح المزاج؟ ما للإسلام وهذا الذي يفعله «المتحضرون»؟ فأي فرق بين هذا وبين سؤال أهل مدين: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا. وهم يتساءلون ثانيا. بل ينكرون بشدة وعنف. أن يتدخل الدين في الاقتصاد، وأن تتصل المعاملات بالاعتقاد، أو حتى بالأخلاق من غير اعتقاد .. فما للدين والمعاملات الربوبية، وما للدين والمهارة في الغش والسرقة ما لم يقعا تحت طائلة القانون، الوضعي؟ لا بل إنهم يتبجحون بأن الأخلاق إذا تدخلت في الاقتصاد تفسده. وينكرون حتى لهى بعض أصحاب النظريات الاقتصادية الغربية- النظرية الأخلاقية مثلا- ويعدونها تخليطا من أيام زمان. فلا يذهبن بنا الترفع كثيرا على أهل مدين في تلك الجاهلية الأولي. ونحن اليوم في جاهلية أشد جهالة، ولكنها تدعي العلم والمعرفة والحضارة. وتتهم الذين يربطون بين العقيدة في الله، والسلوك الشخصي في الحياة، والمعاملات المادية في السوق .. تتهمهم بالرجعية والتعصب والجمود. وما تستقيم عقيدة توحيد الله في القلب، ثم تترك شريعة الله المتعلقة بالسلوك والمعاملة إلى غيرها من قوانين الأرض. فما يمكن أن يجتمع التوحيد والشرك في قلب واحد. والشرك ألوان. منه هذا اللون الذي نعيش به الآن. وهو يمثل أصل الشرك وحقيقته التي يلتقي عليها المشركون في كل زمان وفي كل مكان.) كلمة في السياق: وهكذا رأينا في هذا المقطع كيف أن رسولا آخر لله قد دعا إلى عبادة الله وحده وإلى الاستغفار، كما دعا إلى سلوك نظيف يكون أثرا عن عبادة الله، وكيف رد عليه قومه، وماذا كانت عاقبة هذا الرد، وقد بقي معنا من السورة مقطعان، مقطع يبدأ بالحديث عن موسى ﵇ وقصته مع فرعون وقومه وعاقبة هؤلاء، ثم يعظ ويذكر بانيا على ما مر من قبل في السورة، ومقطع أخير وفيه توجيهات مباشرة لرسول الله ﷺ والمؤمنين مبنية على ما مر من قبله .. في السورة. ***

стр. 2470

المقطع الخامس بين يدي هذا المقطع: يبدأ هذا المقطع بالحديث عن موسى ﵇ ورسالته إلى فرعون، ولا يذكر مضمون هذه الرسالة، لأنه قد علم من سياق السورة مضمون رسالات الله وهو عبادة الله، وفي المقطع حديث عن عاقبة فرعون وقومه، وتهديد ووعيد لكل ظالم. يمتد المقطع من الآية (٩٦) إلى نهاية الآية (١٠٨) وهذا هو: [سورة هود (١١): الآيات ٩٦ الى ١٠٨] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)

стр. 2471

التفسير: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا بالمعجزات وَسُلْطانٍ مُبِينٍ أي وبالحجة الواضحة، وقد يراد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهر الآيات، فيكون من ذكر الخاص بعد العام إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أي قومه فَاتَّبَعُوا أي قومه أَمْرَ فِرْعَوْنَ أي منهجه ومسلكه وطريقته في الغي وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ أي ليس فيه رشد ولا هدى وإنما هو جهل وضلال وكفر وعناد يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فكما اتبعوه في الدنيا وكان مقدمهم ورئيسهم، كذلك هو يقدمهم يوم القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ أي فأدخلهم النار وله في ذلك الحظ الأوفر من العذاب الأكبر وَبِئْسَ الْوِرْدُ أي المورد الْمَوْرُودُ أي الذي وردوه وكيف يكون أمره رشيدا من هذه عاقبته؟ والرشد يستعمل في كل ما يحمد ويرتضى، كما يستعمل الغي في كل ما يذم، وقد شبه فرعون في الآية بالمتقدم الذي يتقدم الماشية إلى الماء، وشبه أتباعه بالماشية، واستعمال لفظة الورد والمورود لا يخفى وجه الإعجاز فيه، لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش والنار ضده، فما أبشعها من إمامة إمامته وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ أي الدنيا لَعْنَةً أي اتبعناهم زيادة على عذاب النار لعنة في الدنيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ رفدهم أي بئس العون المعان، أو بئس العطاء المعطى أن يعطوا لعنة الدنيا والآخرة، وبعد أن ذكر الله تعالى خبر مجموعة الأنبياء المذكورين في السورة مع أقوامهم قال: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى أي أخبارها أي ذلك النبأ في هذه السورة بعض أنباء القرى المهلكة نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ أي عامر وَحَصِيدٌ أي هالك، فبعضها باق، وبعضها لم يبق له أثر، شبه النوع الأول بالزرع القائم على ساقه، وشبه النوع الثاني بالذي حصد وَما ظَلَمْناهُمْ بإهلاكنا إياهم وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بارتكاب ما به أهلكوا، من الكفر، وتكذيب الرسل فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ أي فما قدرت أن ترد عنهم بأس الله آلهتهم، حجرا كانت أو بشرا الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ

стр. 2472

اللَّهِ أي التي يعبدونها ويدعونها من دون الله مِنْ شَيْءٍ فلا نفعوهم ولا أنقذوهم لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ أي عذابه وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ أي تخسير وذلك أن سبب هلاكهم ودمارهم إنما كان باتباعهم تلك الآلهة، فلهذا خسروا في الدنيا والآخرة وَكَذلِكَ أي ومثل ذلك الأخذ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى أي: أهلها، أي: وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا كذلك نفعل بأشباههم وَهِيَ ظالِمَةٌ لنفسها أو لغيرها، وهو إنذار لكل ظالم لنفسه أو لغيره بوخامة العاقبة إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ أي مؤلم شَدِيدٌ أي صعب على المأخوذ وهذا تحذير لكل قرية ظالمة وتحذير لكل ظالم فعلى كل ظالم أن يبادر بالتوبة ولا يغتر بالإمهال إِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما قص الله من قصص الأمم الهالكة لَآيَةً أي لعبرة وعظة لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ أي لمن اعتقد صحته ووجوده وبنى على ذلك فحذر وخاف، والآية تتضمن معنى مفهوما من السياق: إن في إهلاكنا الكافرين وإنجائنا المؤمنين لعظة واعتبارا على صدق وعودنا في الآخرة، ذلِكَ يَوْمٌ أي يوم القيامة الذي فيه عذاب الآخرة مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ أي يجمعون للحساب والثواب والعقاب أولهم وآخرهم وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ أي عظيم تحضره الملائكة، ويجتمع فيه الرسل وتحشر الخلائق بأسرهم من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب، ويحكم فيه العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها وَما نُؤَخِّرُهُ أي وما نؤخر اليوم المذكور إلا لانتهاء مدة معدودة، أو ما نؤخر هذا اليوم إلا لتنتهي المدة التي ضربناها لبقاء الدنيا. قال ابن كثير: أي ما نؤخر إقامة القيامة إلا لأنه قد سبقت كلمة الله في وجود أناس معدودين من ذرية آدم، وضرب مدة معينة إذا انقطعت وتكامل وجود أولئك المقدر خروجهم قامت الساعة ولهذا قال: وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ أي لمدة مؤقتة لا يزاد عليها ولا ينتقص منها يَوْمَ يَأْتِ أي يوم القيامة لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ أي لا تتكلم نفس إِلَّا بِإِذْنِهِ أي لا يشفع أحد إلا بإذنه فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ أي من الناس معذب ومنهم منعم فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ الزفير في الأصل: هو أول نهيق الحمار وَشَهِيقٌ هو آخره، أو هما إخراج النفس ورده، والزفير عادة يكون بعد الشهيق، ولكن لما هم فيه من العذاب أصبح تنفسهم زفيرا، وأخذهم النفس شهيقا عياذا بالله من ذلك خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ المراد سماوات الآخرة وأرضها، وهي دائمة مخلوقة للأبد إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من تعذيبهم بغير النار من زمهرير وأنواع أخرى من العذاب، أو المعنى: إلا من شاء ربك إخراجه

стр. 2473

بسبب وجود شئ من الإيمان في قلوبهم إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ بالشقي والسعيد وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ قال ابن كثير: معنى الاستثناء هاهنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرا واجبا بذاته بل هو موكول إلى مشيئة الله، فله المنة عليهم دائما، ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ أي غير مقطوع، ولكنه ممتد إلى غير نهاية، ونلاحظ أن المقطع الأول من السورة ختم بقوله تعالى: لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ. وهذا المقطع ختم بقوله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ* فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ* وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ. والملاحظ أن المقطعين الأول والخامس انتهيا بالكلام عن العاقبة النهائية للكافرين والعابدين، وما بين ذلك كانت القصص تركز على العاقبة الدنيوية للطرفين، والعبرة دائما بالعاقبة، أما ما يكون قبل ذلك من عتو، أو انتصار، أو ظلم، فهذا كله لا يساوي شيئا، وفي هذا درس بليغ للعابدين، فليحرص المسلمون أن يقوموا بحق الله في عبادته، وليحاسبوا أنفسهم على كل تقصير، بملازمة الاستغفار، والعاقبة في الدنيا والآخرة لهم. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ نذكر الحديث المروي في الصحيحين عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ رسول الله ﷺ وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ الآية. كما نلفت نظر أهل البصائر إلى ما نسمع به يوميا- تقريبا- من كارثة تقع في مكان ما في العالم، من غرق، أو خسف، أو حرق، أو غير ذلك، فالغافل يمر بهذا كله

стр. 2474

وكأنه شئ عادي، وأصحاب القلوب يرون في هذا كله انتقام الله، ويرون في كل حادثة عبرة، وفي كل عقوبة عظة لأنفسهم أو لغيرهم. ٢ - بمناسبة قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ نذكر بقوله تعالى: لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (النبأ: ٢٨) وبقوله تعالى وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً (طه: ١٠٨) وفي حديث الصحيحين في موضوع الشفاعة «ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم». ٣ - بمناسبة قوله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ذكر ابن كثير ما رواه أبو يعلى في مسنده عن ابن عمر عن عمر قال: لما نزلت فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ سألت النبي ﷺ : فقلت يا رسول الله علام نعمل؟ على شئ قد فرغ منه أم على شئ لم يفرغ منه؟ فقال «على شئ قد فرغ منه يا عمر وجرت به الأقلام، ولكن كل ميسر لما خلق له». ٤ - وفي حكمة قوله تعالى: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ بعد الاستثناء في قوله تعالى وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ قال ابن كثير: (لئلا يتوهم متوهم بعد ذكره المشيئة، أن ثم انقطاعا، أو لبسا، أو شيئا بل ختم له بالدوام وعدم الانقطاع، كما بين هناك أن عذاب أهل النار في النار دائما مردود إلى مشيئته، وأنه بعدله وحكمته عذبهم ولهذا قال: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ كما قال لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (الأنبياء: ٢٣) وهنا طيب القلوب وثبت المقصود بقوله عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ وقد جاء في الصحيحين: «يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال: «يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» وفي الصحيح أيضا «فيقال: يا أهل الجنة إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا). ٥ - من المواطن التي كثر فيها الجدل بين المفسرين الاستثناء الوارد في الآيات الأخيرة من هذا المقطع ومن ثم اقتضى ذلك أن نقف وقفة بهذه المناسبة:

стр. 2475

أقوى الاتجاهات على الإطلاق عند المفسرين أن يقال الأشقياء نوعان: نوع في قلوبهم إيمان، ونوع ليس في قلوبهم إيمان، فالاستثناء من أجل أن يظهر الله أن ليس كل شقي يبقى أبدا، بل إن منهم من شاء إخراجه من النار بعد خلود طويل وهم الذين في قلوبهم إيمان. والسعداء نوعان: سعيد يدخل الجنة ابتداء، وسعيد يتأخر دخوله، إما لكونه من أهل الأعراف، وإما لكونه ينجو بعد عذاب، وهذا النوع خلوده الأبدي قاصر في ابتدائه، فمن ثم ذكر الاستثناء ليبين أن مدة من دوام السموات والأرض ابتداء، لا تكون قسم من السعداء في الجنة. والاتجاه الثاني: أن يقال ذكر الاستثناء في المقامين ليعلمنا الله أن هذا الخلود ليس واجبا بذاته، بل هو موكول إلى الله، ليبقى المسلم متذكرا أن مشيئة الله مطلقة، ولولا أن الله ذكر في مكان آخر الخلود الأبدي لأهل الجنة وللكافرين من أهل النار ما فهمنا الخلود الأبدي، وبذلك يعلمنا الله أن نذكر مشيئته حتى في القضايا القطعية. ولي في الاستثناء فهم لم أره لأحد أذكره وأستغفر الله أن أقول على كتابه ما ليس لي به علم، هذا الفهم هو: أن الاستثناء ورد ليخرج التغير الذي يطرأ على السموات والأرض عند قيام الساعة. ليبين أن الدوام في النار والجنة ليس فيه أي طارئ فيكون المعنى فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من أمر القيامة فإنه لا يطرأ عليهم مثل هذا الطارئ بل هو الخلود الأبدي الذي لا يتخلف ولا ينقطع إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ من تعذيب أهل نقمته وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من أمر القيامة فإنه لا يكون مثله لأهل الجنة عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ أي عطاء غير منقطع، ولتوضيح هذا المقام أقول: إن هذا الكون حادث لكنه أبدي، يطرأ عليه طارئ القيامة فيتغير يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ فإذا ما دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فإنهما يكونان خالدين فيها خلودا يشبه خلود السموات والأرض. وحتى لا يفهم فاهم أن هناك احتمال قيامة ما، بين الله أن ما شاءه من انقطاع لديمومة السموات والأرض يوم القيامة مستثنى من هذا الدوام.

стр. 2476

وعندي فهم آخر لهذا الاستثناء لم أر من ذكره وهو: إن المسلم إذا مات دخل الجنة، وأن الكافر إذا مات دخل النار، وهذا وهذا خالدان فيما هما فيه، إلا ما شاء الله، أي عند قيام القيامة فعندئذ يخرجان إلى المحشر ولا نار، حتى يدخلا الجنة والنار مرة ثانية. ولا أرجح من هذه الاتجاهات إلا الأول، لأنه هو الذي رجحه المفسرون الثقات. ٦ - من أوائل من طرح أفكارا ضالة في التاريخ الإسلامي الجهم بن صفوان الذي ينسب إليه الجهميون، ومن عقائد هذه الفرقة نفي الصفات للذات الإلهية، ونفي الكلام، والقول بخلق القرآن. ومن عقائدهم فناء الجنة. قال النسفي: كفرت الجهمية بأربع آيات عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ أُكُلُها دائِمٌ (الرعد: ٩٦) وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ (النحل: ٩٦) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (الواقعة: ٣٣). *** المقطع السادس بين يدي المقطع: رأينا أن محور سورة هود الأمر بالعبادة، ورأينا المقطع الأول وأنه فصل في موضوع العبادة، وفي نهاية العابدين والكافرين، ورأينا المقاطع التالية، كيف أنها مثلت لعاقبة الرافضين والعابدين. والآن يأتي المقطع الأخير، ونلاحظ أنه مبدوء بذكر العبادة ومنته بذكر العبادة: فالآية الأولى منه فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ .. والآية الأخيرة منه وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وفي الوسط قوله تعالى فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ... وقوله تعالى وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ... فالمقطع الأخير جاء بعد كل المقدمات التي تجعل عند الإنسان الاستعداد للتطبيق الخالص، ومن ثم فهو مقطع عمل في الغالب. يمتد المقطع من الآية (١٠٩) إلى نهاية السورة (١٢٣) وهذا هو:

стр. 2477

[سورة هود (١١): الآيات ١٠٩ الى ١٢٣] فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)

стр. 2478

التفسير: يبدأ المقطع بالنهي عن الشك في ضلال من يعبدون غير الله فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ أي في شك مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ أي كل مشرك فعبادتهم باطلة وجهل وضلال ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ أي ليس لهم مستند فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في الجهالات وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ أي حظهم من العذاب، كما وفينا آباءهم أنصباءهم غَيْرَ مَنْقُوصٍ أي كاملا. والمعنى: لا تشك بعد ما أنزل عليك من هذه القصص في سوء عاقبة عبادة هؤلاء كما أصاب أمثالهم قبلهم، وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ والمؤمنين، ووعيد للكافرين بالانتقام منهم، وهكذا علمتنا الآية أن نجزم بضلال الكافرين وأن نجزم بسوء عاقبتهم، وإذ مر معنا من قبل ما نفهم منه سنة الله في استئصال أهل الشرك. وإذ جاء النهي بعد ذلك عن الشك في ضلالهم والوعد بعقابهم، فقد آن الأوان لنعرف سنته تعالى فيمن استجابوا لدعوة الله إذا انحرفوا وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة فَاخْتُلِفَ فِيهِ اختلف في فهمه اجتهادا في محله، واختلف في التأويل ظلما وبغيا، وحدث التفرق والخلاف وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ أن لا يعاجل المستجيبين لدعوته بالعذاب المستأصل مع كثرة الذنب والخطأ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالعذاب المستأصل لأهل الباطل، ولكن سنته في هؤلاء ليست كذلك وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي من العذاب، أو من التوراة فلا تأويل باطل «أي وراءه شك بالكتاب، أو مما هم فيه من الاختلاف أن يكونوا على خطأ فلا طمأنينة قلب مع الباطل والضلال مُرِيبٍ أي بالغ في الريبة وَإِنَّ كُلًّا من المحسنين والمسيئين أي من المختلفين لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ أي إلا ليجزينهم ربك بعملهم إن خيرا فخير. وإن شرا فشر، أي إلا ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم من إيمان وجحود وحسن وقبيح إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي عليم بأعمالهم جميعها، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها. وهكذا علمتنا الآيات الأولى في هذا المقطع أن نجزم بضلال من يعبد غير الله، وأن نجزم بسوء عاقبته، كما علمتنا أن من كان من أهل الكتاب ففيه سنة ماضية ألا يستأصله

стр. 2479

الله بعذاب، ولكنه سيحاسبه على عمله، ومن خلال العرض نفهم أن علينا أن لا نختلف في كتابنا، وأن نتمسك بما فيه، وأن نخضع للحق الذي أنزله، فلا نتأول ولا نزل فنكون كاليهود. وإذ استقرت هذه المعاني تأتي الآن مجموعة أوامر ونواه: ١ - فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ أي فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها غير عادل عنها وَمَنْ تابَ مَعَكَ أي وليستقم من تاب معك بأن رجع إلى الله مخلصا. ٢ - وَلا تَطْغَوْا أي ولا تخرجوا عن حدود الله إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لا يغفل عن شئ، ولا يخفى عليه شئ، فهو مجازيكم فقفوا عند حدوده. ٣ - وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي لا تميلوا إليهم، ولا ترضوا حالهم، ولا تتعاونوا معهم على إثم، ولا تلتحقوا بهم فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ بسبب هذا الركون وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يقدرون على منعكم من عذابه ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ أفادت (ثم) هنا استبعاد النصرة أبدا، فالنصرة من الله مستبعدة حال الركون، أي ثم لا ينصركم هو لأنه حكم بتعذيبكم بسبب الركون. ٤ - وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ أي: غدوة وعشية، دخل في الطرف الأول الفجر، والطرف الثاني الظهر والعصر، لأن ما بعد الزوال عشي وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ أي وساعات من الليل، والزلف: جمع زلفة وهي ساعاته القريبة من آخر النهار، دخل في ذلك المغرب والعشاء إِنَّ الْحَسَناتِ مطلقا يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ مطلقا وأعظم الحسنات التي تذهب الذنوب الصلوات الخمس، وفي الحديث «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» ذلِكَ إشارة إلى هذه الأوامر ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ أي عظة للمتعظين وفي قوله (للذاكرين) تصريح بأن الذي يتذكر هو من تحقق بصفة الذكر، فكان ذاكرا. وَاصْبِرْ ختم هذه الأوامر والنواهي بالصبر لأنه لا يتم شئ من هذه الأوامر والنواهي إلا بالصبر، فلا الاستقامة، ولا الوقوف عند الحدود، ولا عدم الركون للظالمين، ولا إقامة الصلوات تكون إلا بالصبر. والمعنى: اصبر على امتثال ما أمرت به والانتهاء عما نهيت عنه، ثم بشر المطيعين والصابرين وسماهم محسنين فقال: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ بل يثيبهم ويزيدهم، وفي هذا إشارة إلى أن المحسنين هم من اجتمع لهم تنفيذ هذه الأوامر والنواهي.

стр. 2480

وبعد هذه المجموعة من الأوامر والنواهي: يأتي الآن حض وتوجيه نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان حكمة الاختلاف وغير ذلك مما سنرى. فَلَوْلا أي فهلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ أي أولو فضل، يقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم، ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ بالنهي عن الكفر والمعاصي إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ أي ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد، وسائرهم تاركون للنهي، والنجاة للناهين وحدهم وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي الكافرون والساكتون ما أُتْرِفُوا فِيهِ أي شهواتهم، والمعنى: اتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والترفه، من حب الرئاسة والثروة، وطلب أسباب العيش الهنئ، ورفضوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونبذوه وراء ظهورهم وَكانُوا مُجْرِمِينَ هذا هو وصفهم الذي يستحقونه الإجرام، وهكذا عجب الله- ألا يوجد في القرون الماضية، بقايا من أهل الخير، ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات، والفساد في الأرض إلا قليلا، هم الذين أنجاهم الله- عند حلول غضبه، وفجأة نقمته، ثم بين الله سنته في الإهلاك، فأخبر أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها، ولم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه قط فقال: وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ولم يقل صالحين وإنما قال: مصلحون نزه ذاته تعالى عن الظلم، وجعل من الظلم أن يهلك قرية وأهلها مصلحون، ومن تتبع ما حل بالبلاد والقرى خلال العصور من عذاب فإنه يجد العذاب مرافقا للفساد، ثم بين حكمة الاختلاف وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً أي متفقين على الطاعات والإيمان عن اختيار، ولكن لم يشأ ذلك وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ أي في الكفر وفي الإيمان، ولكن شاء اختلافهم لعلمه بما سيختارونه إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ أي إلا المرحومين فهؤلاء متفقون على الحق، فهؤلاء عصمهم الله عن الاختلاف، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ قال مالك: فريق في الجنة وفريق في السعير، أي خلقهم للذي علم أنهم سيصيرون إليه من اختلاف أو اتفاق، ولم يخلقهم لغير الذي علم أنهم سيصيرون إليه وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ وهي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (السجدة: ١٣) أخبر تعالى أنه قد سبق في قضائه وقدره- لعلمه التام وحكمته النافذة- أن ممن خلقه من يستحق الجنة، ومنهم من يستحق النار،

стр. 2481

وأنه لا بد أن يملأ جهنم من هذين الثقلين الجن والإنس، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، وهكذا حضت هذه المجموعة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح والاتفاق على الخير، والاجتماع عليه والفرار من أسباب الهلاك في الدنيا والآخرة. ثم ختمت السورة بتبيان حكمة ما ورد فيها وبتوجيهات أخيرة. وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ أي وكل أخبار نقصها عليك من أنباء الرسل المتقدمين من قبلك مع أممهم، وكيف جرى لهم من المحاجات والخصومات، وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى، وكيف نصر الله حزبه المؤمنين، وخذل أعداءه الكافرين، كل هذا مما نثبت به فؤادك أي قلبك يا محمد؛ ليكون لك بمن مضى من أخوانك من المرسلين أسوة، ومعنى تثبيت فؤاده: زيادة يقينه لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وَجاءَكَ فِي هذِهِ أي السورة الْحَقُّ فليست خيالا بل هي وقائع ثابتة وَمَوْعِظَةٌ يرتدع بها وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي وذكرى يتذكر بها المؤمنون، وبهذا ندرك مظهرا من مظاهر هذا الإعجاز في القرآن، كيف أنه اجتمع فيه الحق والتذكير والوعظ، ونادرا ما تجد هذه الأشياء مجتمعة إلا في كلام الله، أو في كلام رسوله ﷺ ، أو من كان على قدم رسوله ﷺ ، إن هذا القرآن- الذي هو كلام الله- قد عرض الحق كله بأسلوب الوعظ والتذكير، وفي ذلك وحده مظهر واضح الدلالة على أنه من عند الله وَقُلْ يا محمد لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بما جئت به من ربك على وجه التهديد اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي على طريقكم ومنهجكم، وحالكم وجهتكم التي أنتم عليها إِنَّا عامِلُونَ أي على طريقنا ومنهجنا وَانْتَظِرُوا أي بنا ما تنتظرون من الدوائر إِنَّا مُنْتَظِرُونَ أي أن ينزل بكم من الله ما وعد وأوعد، وقد أنجز الله لرسوله ﷺ وعده ونصره وأيده، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، ومكن لرسول الله ﷺ . ثم ختمت السورة بقوله وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تخفى عليه خافية، عالم غيب السموات والأرض، وسيؤتي كل عامل عمله يوم الحساب وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فله الخلق والأمر، وإليه المرجع والمآب، فلا بد أن يرجع إليه أمرهم وأمرك، فينتقم لك منهم، وإذا كان الشأن كذلك فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ أي فلتجتمع لك العبادة والتوكل، وقرن العبادة بالتوكل دليل على ارتباطهما ببعضهما فمن لا توكل له لا يستقيم على العبادة. ومن توكل على الله كفاه وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أنت وهم، وسيجزيك ويجزيهم، وسينصرك وحزبك في الدارين.

стр. 2482

قال صاحب الظلال: وهكذا تختم السورة بما بدئت به بالتوحيد في العبادة، والتوبة والإنابة، والرجعة إلى الله في نهاية المطاف. وذلك بعد طول التطواف في آفاق الكون، وأغوار النفس، وأطواء القرون. وهكذا يلتقي جمال التنسيق في البدء والختام، والتناسق بين القصص والسياق، بكمال التوجيه والاتجاه في هذا القرآن. وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً. كلمة في السياق: بدأت سورة هود ﵇ بتبيان أن الحكمة من إنزال القرآن على ما هو عليه من إحكام وتفصيل: أن يعبد الله وحده، ثم بينت السورة في مقاطعها اللاحقة أن الرسل جميعا بعثوا في ذلك، وأن أقوامهم عوقبوا بسبب من إعراضهم عن ذلك، وبين المقطع الخامس أن سنة الله هذه مستمرة في تعذيب الكافرين في الدنيا والآخرة، وإذ اتضح هذا الأمر فإن المقطع الأخير جاء ليؤكد استحقاق الذين لم يستجيبوا لدعوة رسول الله ﷺ للعذاب، كما يحذرنا أن نكون كبني إسرائيل في اختلافهم في الكتاب، وهاهنا يأتي أمر بالاستقامة وإقام الصلاة، وتأتي دعوة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتختم السورة بالأمر بالعبادة كما كان بدؤها بذلك. فوائد: ١ - يلاحظ أن المقطع الأخير في السورة حوى من جملة ما حوى التوجيهات التالية: أ- الجزم بأن المشركين على ضلال، والجزم بالعقوبة في حقهم. ب- أن المختلفين من أهل الكتاب يمهلون فلا يستأصلون، وحسابهم آت. ج- وجوب الاستقامة، والوقوف عند الحدود، وعدم الميل للظالمين، والركون إليهم، وإقامة الصلاة، ووجوب الصبر. د- وجوب الإصلاح، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. هـ- الإقبال على الله بالعبادة والتوكل، فإذا كانت هذه المعاني كلها قد جاءت في سياق السورة التي محورها العبادة، عرفنا ارتباط هذه المعاني كلها بموضوع العبادة.

стр. 2483

٢ - في قوله تعالى: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ كلام كثير حول «لما» وقد اخترنا أنها هنا بمعنى «إلا» كهي في قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (الطارق: ٤) وقد طال كلام المفسرين حولها لكثرة القراءات فيها، أما هي في قراءة حفص فلا تحتمل غير ما ذكرنا. ٣ - من الأشياء التي يغفل المسلمون عنها كثيرا في عصرنا الموضوع الذي وجهنا إليه قوله تعالى وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ذكر النسفي عن الموفق أنه صلى خلف الإمام، فلما قرأ هذه الآية غشي عليه، فلما أفاق قيل له فقال: هذا فيمن ركن فكيف بالظالم، وأفظع الظلم تعطيل كتاب الله ورفضه، وتجد الكثيرين من المسلمين يركنون إلى من عطل كتاب الله ورفضه، ومن الظلم الاعتداء على عباد الله، وكل أنواع الظلم لا يجوز الركون لأهلها، بل تجب معاداتهم قال النسفي: (ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء؟ فقال: لا. فقيل له يموت. فقال دعه يموت) ومن أعظم البلاء أن نرى أن أفظع أنواع الركون يقوم به بعض من يعتبرون- عند العامة- من علماء المسلمين. قال النسفي: وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك. وعن الأوزاعي: ما من شئ أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا، أي أميرا، فقد كانوا يسمون الأمير عاملا. وهذا إذا كان العامل ظالما. ٤ - عن الحسن قال: جعل الله الدين بين لاءين (ولا تطغوا، ولا تركنوا) فانظر هذا الفقه العظيم لدين الله، وانظر كيف يفهم العلماء الربانيون دين الله، وإن أكثر ما يقع فيه الانحراف: الطغيان والركون. فإذا وجد الطاغية ووجد الركون إليه فقد عم البلاء وطم. ٥ - مما يعين على فهم قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ الروايات التالية وقد ذكرها جميعا ابن كثير ننقلها عنه مع حذف الأسانيد، واختيار أجمع الروايات. أ- روى الإمام أحمد وأهل السنن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدثني عنه أحد استحلفته، فإذا حلف لي صدقته. وحدثني أبو بكر- وصدق أبو بكر- أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم يذنب ذنبا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر له».

стр. 2484

ب- وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان أنه توضأ لهم كوضوء رسول الله ﷺ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله يتوضأ. وقال: «من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه». د- وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهرا يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقي من درنه شيئا؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الذنوب والخطايا». هـ- روى مسلم في صحيحه ... عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر». و- وروى الإمام أحمد ... عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله ﷺ كان يقول: «إن كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة». ز- روى ابن جرير ... عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «جعلت الصلوات كفارات لما بينهن» فإن الله قال: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ. ح- روى البخاري ... عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة؛ فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذا؟ قال: «لجميع أمتي كلهم». ط- روى الإمام أحمد ... عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه» قال: قلنا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: «غشه وظلمه، ولا يكسب عبد مالا حراما فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث».

стр. 2485

ي- روى الإمام أحمد ... عن أبي عثمان قال: كنت مع سلمان الفارسي تحت شجرة، فأخذ منها غصنا يابسا فهزه حتى تحات ورقه ثم قال: يا أبا عثمان، ألا تسألني لم أفعل هذا؟، قلت: ولم تفعله؟، قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ فقال: إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق. وقال: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ. ك- روى الإمام أحمد ... عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». ل- روى الإمام أحمد ... عن أبي ذر قال: يا رسول الله أوصني، قال: «إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها» قال: قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: «هي أفضل الحسنات». م- روى الحافظ أبو يعلى الموصلي ... عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «ما قال عبد: لا إله إلا الله في ساعة من ليل أو نهار إلا طلست (١) ما في الصحيفة من السيئات حتى تسكن إلى مثلها من الحسنات». ن- روى الحافظ أبو بكر البزار ... عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله ما تركت من حاجة ولا داجة (٢)، فقال رسول الله ﷺ : «تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟» قال: بلى. قال: «فإن هذا يأتي على ذلك». ٦ - بمناسبة قوله تعالى: فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ ذكر ابن كثير الحديث: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» نسأل الله أن يرزقنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يرزقنا العفو والعافية وحسن الختام. ٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ نقول: إن هؤلاء هم الفرقة الناجية كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن من طرق يشد بعضها بعضا «إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقت على

стр. 2486

ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة» قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». رواه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة. وحتى الفرقة الناجية إذا حدث بغي وحسد فيما بين أبنائها حدثت فرقة. قال قتادة: أهل رحمة الله أهل الجماعة، وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبناؤهم. ٨ - من الأسباب التى فهمناها من السورة، أن عذاب الاستئصال يمكن أن يصيب الكافرين كما يمكن أن يصيب قرى فسدت، ولم يبق فيها مصلحون، ومما فهمناه من السورة أن المختلفين في الكتاب يمهلون: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ومن هاهنا نفهم سر بقاء فرق أهل الكتاب، كما نفهم سر بقاء الفرقة الإسلامية الضالة وعدم استئصالها. فذلك جزء من السنن الإلهية. كلمة أخيره في سورة هود: قلنا إن محور سورة هود من سورة البقرة، هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وقد رأينا أن السورة في مقاطعها جميعا فصلت موضوع العبادة وما يدخل فيها وما ينبثق عنها، وما هي عاقبة أهلها وعاقبة المعرضين عنها، وكل ذلك على نسق عجيب تلتقي فيه البدايات بالنهايات وتنسجم الأواسط مع هذه البدايات والنهايات، وكل ذلك يجري على نسق واحد مع الوحدة القرآنية الشاملة، فتفصل سورة هود في محورها من سورة البقرة، وفيما ينسجم مع تفصيل سورة يونس لمحورها من سورة البقرة كذلك. ........... جاء في سورة هود الدرس الأول، وفيه تقرير معان، ثم جاءت قصص توضح هذه المعاني، ثم جاء درس أخير وفيه تعقيبات وتوجيهات تنسجم مع الدرس الأول ومع قصص السورة. يقول صاحب الظلال ذاكرا ما في الدرس الأخير من تعقيبات تنسجم مع مسرى السورة وسياقها: «والتعقيب الأول في هذا الدرس تعقيب مباشر على القصص:

стр. 2487

ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ* وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ* وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ. والتعقيب الثاني يتخذ مما نزل بالقرى من عذاب موحيا بالخوف من عذاب الآخرة الذي يعرض في مشهد شاخص من مشاهد يوم القيامة: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ* وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ* يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ* فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ* وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ. يليه تعقيب آخر مستمد من عاقبة القرى، ومن مشهد القيامة، لتقرير أن المشركين الذين يواجههم محمد- ﷺ شأنهم شأن من قبلهم في الحالين. وإذا كان عذاب الاستئصال لا يقع عليهم في الأرض، فذلك لكلمة سبقت من ربك إلى أجل، كما أجل العذاب لقوم موسى مع اختلافهم فيما جاءهم من كتاب. ولكن هؤلاء سيوفون أعمالهم على وجه التأكيد. فاستقم أيها الرسول على طريقتك أنت ومن تاب معك، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا وأشركوا، وأقم الصلاة واصبر، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ* وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ* وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ* وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. ثم عودة إلى القرون الخالية التي لم يكن فيها إلا قليل من الذين ينهون عن الفساد في الأرض. أما الكثرة فكانت ماضية فيما هي فيه، فاستحقت الهلاك. وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون: فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ، وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ* وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ.

стр. 2488

وكشف عن سنة الله في كون الناس مختلفين في مناهجهم واتجاهاتهم. ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة. ولكن إرادته اقتضت إعطاء البشر قدرا من الاختيار: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. وفي النهاية يسجل السياق غرضا من أغراض هذا القصص هو تثبيت فؤاد النبي ﷺ ، ويؤمر الرسول أن يلقي للمشركين كلمته الأخيرة، ويكلهم إلى ما ينتظرهم من غيب الله. وأن يعبد الله ويتوكل عليه، ويدع له أخذ الناس بما يعملون: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ، وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ* وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ* وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ* وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ. فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. وبهذا ينتهي الكلام عن سورة هود ﵇، وهذا أوان الشروع في تفسير سورة يوسف ﵇. ***

стр. 2489

سورة يوسف وهي السورة الثانية عشرة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة من المجموعة الأولى من قسم المئين، وآياتها مائة وإحدى عشرة (وهي مكية)

стр. 2490

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
следующие страницы →