← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة» قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». رواه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة. وحتى الفرقة الناجية إذا حدث بغي وحسد فيما بين أبنائها حدثت فرقة. قال قتادة: أهل رحمة الله أهل الجماعة، وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبناؤهم. ٨ - من الأسباب التى فهمناها من السورة، أن عذاب الاستئصال يمكن أن يصيب الكافرين كما يمكن أن يصيب قرى فسدت، ولم يبق فيها مصلحون، ومما فهمناه من السورة أن المختلفين في الكتاب يمهلون: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ومن هاهنا نفهم سر بقاء فرق أهل الكتاب، كما نفهم سر بقاء الفرقة الإسلامية الضالة وعدم استئصالها. فذلك جزء من السنن الإلهية. كلمة أخيره في سورة هود: قلنا إن محور سورة هود من سورة البقرة، هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وقد رأينا أن السورة في مقاطعها جميعا فصلت موضوع العبادة وما يدخل فيها وما ينبثق عنها، وما هي عاقبة أهلها وعاقبة المعرضين عنها، وكل ذلك على نسق عجيب تلتقي فيه البدايات بالنهايات وتنسجم الأواسط مع هذه البدايات والنهايات، وكل ذلك يجري على نسق واحد مع الوحدة القرآنية الشاملة، فتفصل سورة هود في محورها من سورة البقرة، وفيما ينسجم مع تفصيل سورة يونس لمحورها من سورة البقرة كذلك. ........... جاء في سورة هود الدرس الأول، وفيه تقرير معان، ثم جاءت قصص توضح هذه المعاني، ثم جاء درس أخير وفيه تعقيبات وتوجيهات تنسجم مع الدرس الأول ومع قصص السورة. يقول صاحب الظلال ذاكرا ما في الدرس الأخير من تعقيبات تنسجم مع مسرى السورة وسياقها: «والتعقيب الأول في هذا الدرس تعقيب مباشر على القصص:

стр. 2487

ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ* وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ* وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ. والتعقيب الثاني يتخذ مما نزل بالقرى من عذاب موحيا بالخوف من عذاب الآخرة الذي يعرض في مشهد شاخص من مشاهد يوم القيامة: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ* وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ* يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ* فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ* وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ. يليه تعقيب آخر مستمد من عاقبة القرى، ومن مشهد القيامة، لتقرير أن المشركين الذين يواجههم محمد- ﷺ شأنهم شأن من قبلهم في الحالين. وإذا كان عذاب الاستئصال لا يقع عليهم في الأرض، فذلك لكلمة سبقت من ربك إلى أجل، كما أجل العذاب لقوم موسى مع اختلافهم فيما جاءهم من كتاب. ولكن هؤلاء سيوفون أعمالهم على وجه التأكيد. فاستقم أيها الرسول على طريقتك أنت ومن تاب معك، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا وأشركوا، وأقم الصلاة واصبر، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ* وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ* وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ* وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. ثم عودة إلى القرون الخالية التي لم يكن فيها إلا قليل من الذين ينهون عن الفساد في الأرض. أما الكثرة فكانت ماضية فيما هي فيه، فاستحقت الهلاك. وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون: فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ، وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ* وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ.

стр. 2488

وكشف عن سنة الله في كون الناس مختلفين في مناهجهم واتجاهاتهم. ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة. ولكن إرادته اقتضت إعطاء البشر قدرا من الاختيار: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. وفي النهاية يسجل السياق غرضا من أغراض هذا القصص هو تثبيت فؤاد النبي ﷺ ، ويؤمر الرسول أن يلقي للمشركين كلمته الأخيرة، ويكلهم إلى ما ينتظرهم من غيب الله. وأن يعبد الله ويتوكل عليه، ويدع له أخذ الناس بما يعملون: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ، وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ* وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ* وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ* وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ. فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. وبهذا ينتهي الكلام عن سورة هود ﵇، وهذا أوان الشروع في تفسير سورة يوسف ﵇. ***

стр. 2489

سورة يوسف وهي السورة الثانية عشرة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة من المجموعة الأولى من قسم المئين، وآياتها مائة وإحدى عشرة (وهي مكية)

стр. 2490

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 2491

نقل عن الألوسي في سورة يوسف ﵇: قال الألوسي: (وسبب نزولها على ما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه أنزل القرآن على رسول الله ﷺ فتلاه على أصحابه زمانا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فنزلت، وقيل: هو تسلية الرسول ﷺ عما يفعله به قومه بما فعلت إخوة يوسف ﵇ به، وقيل: إن اليهود سألوه ﷺ أن يحدثهم بأمر يعقوب وولده وشأن يوسف وما انتهى إليه فنزلت، وقيل: إن كفار مكة أمرتهم اليهود أن يسألوا رسول الله ﷺ عن السبب الذي أحل بني إسرائيل بمصر فسألوه فنزلت. ويبعد القولين الأخيرين- فيما زعموا- ما أخرجه البيهقي في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن حبرا من اليهود دخل على رسول الله ﷺ فوافقه وهو يقرأ سورة يوسف فقال: يا محمد من علمكها؟ قال: الله علمنيها، فعجب الحبر لما سمع منه فرجع إلى اليهود فقال لهم: والله إن محمدا ليقرأ القرآن، كما أنزل في التوراة، فانطلق بنفر منهم حتى دخلوا عليه فعرفوه بالصفة ونظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه فجعلوا يستمعون إلى قراءة سورة يوسف فتعجبوا وأسلموا عند ذلك، وفي القلب من صحة الخبر ما فيه، ووجه مناسبتها للتي قبلها اشتمالها على شرح ما قاساه بعض الأنبياء ﵈ من الأقارب، وفي الأولى ذكر ما لقوا من الأجانب، وأيضا قد وقع فيما قبل فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ وقوله : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ووقع هنا حال يعقوب مع أولاده، وما صارت إليه عاقبة أمرهم مما هو أقوى شاهد على الرحمة، وقد جاء عن ابن عباس. وجابر بن زيد أن يونس نزلت. ثم هود. ثم يوسف، وعد هذا وجها آخر من وجوه المناسبة). كلمة في سورة يوسف ومحورها: تبدأ سورة يوسف بقوله تعالى: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ .... وتنتهي سورة يوسف بقوله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ* ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. تأمل هذه البداية والنهاية وتذكر: أن سورة يونس جاءت مفصلة للآية الأولى في

стр. 2492

البقرة: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وأن سورة هود مفصلة لقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وسنرى أن سورة الرعد تأتي مفصلة لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها .... فالمفروض على حسب نظريتنا التي مشينا عليها أن يكون محور سورة يوسف ما بين قوله تعالى في البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها وأول آية تصادفنا بعد قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً ... هي: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وإذا تأملنا مقدمة سورة يوسف ونهايتها، أدركنا أن محور السورة هو هذا. فسورة يوسف تبدأ بتقرير أن منزل الكتاب على محمد ﷺ هو الله، وأن محمدا ﷺ قبل أن ينزل عليه هذا القرآن كان من الغافلين، وتختم السورة بنفي أن يكون هذا القرآن مفترى من دون الله، وما بين ذلك تأتي قصة يوسف ﵇، بتفصيل وترتيب عجيبين ليكون ذكرها في هذا المقام دليلا على أن هذا القرآن من عند الله، وعلى أنه لا يرقى إليه ريب ولا شك، وأنه لا يكون إلا من عند الله بما حواه من تفصيل لكل شئ وهداية ورحمة. وإذن فسورة يوسف فيها الدليل على: أن منزل هذا القرآن هو الله، وأن هذا القرآن لا يمكن أن يكون مكذوبا على الله، وأن ذكر قصة يوسف على مثل هذا البيان والتفصيل والكمال والعظة والصدق والدقة والبلاغة في اللفظ والأسلوب والعرض وبما يصدق ما في الكتب السماوية السابقة، كل ذلك دليل على أن مثل هذا الكمال لا يصدر إلا عن المحيط علما بكل شئ وهو الله جل شأنه. إن محور سورة يوسف هو قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ إن السورة تؤكد أن هذا القرآن تنزيل من الله على قلب محمد ﷺ وتقيم الدليل على ذلك بما حوته من إعجاز.

стр. 2493

لقد ختمت سورة يوسف بقوله تعالى: وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. فهذا الختام يوحي أن سورة يوسف علامة ونموذج على هذا التصديق، وعلى هذا التفصيل ... ومن تأمل ما وصلنا من الكتب السابقة، وجد دليل هذا التفصيل والتصديق، ولو أن الكتب السابقة وصلتنا بلا تحريف ولا تبديل، لكنا أقدر على التدليل، ولكن إذا كان إرميا من عهده يتحدث عن أقلام النساخ الكاذبة، فماذا نقول نحن؟!. ومع كل التحريف والتبديل فإننا نجد مع ذلك كيف أن هذا القرآن تفصيل لكل شئ وتصديق الذي بين يديه. ولنضرب مثالا على التفصيل: نلاحظ مثلا أن أسفار موسى ﵇ الخمسة، والتي يسميها بعضهم التوراة، والتي نؤكد أنها ليست التوراة، وإنما التوراة جزء منها مع التحريف والتبديل كما أثبتنا ذلك أثناء الكلام عن سورة الأعراف- هذه الأسفار الخمسة تكاد تكون موجودة في القرآن، وهي جزء من المعاني الموجودة فيه. فسفر التكوين مثلا، والذي يتألف من قصة آدم، ثم قصة نوح، ثم قصة إبراهيم، ثم قصة يعقوب ويوسف، نجده كله تقريبا في القرآن، ما عدا حشوا لا يترتب عليه فائدة، أو كذبا مختلقا كما سنرى. وسفر الخروج مثلا يكاد يكون محتوى في سورة الأعراف وغيرها. وسفر العدد يكاد يكون محتوى في سورة الأعراف، وسورة المائدة، وسفر اللاويين وسفر التثنية تجدهما مبثوثين في القرآن في أمكنة متفرقة. وإذا تأملت ما في الزبور من معان، وما في الإنجيل من قصص ومعان، وأخبار الرسل، وتاريخ بني إسرائيل، تجده كله يكاد يكون موجودا في القرآن، حتى إن قارئ القرآن، وقارئ كتب العهد القديم والجديد، يكاد لا يستغرب ما يقرأ، فإذا كان هذا بعض ما في هذا القرآن أدركنا رشحة من رشحات كون هذا القرآن وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ. وأما كون هذا القرآن وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ فإنك تجد أن كثيرا مما تعرض له القرآن موجودة أصوله في الكتب السابقة، ولو أن هذه الكتب قد وصلتنا كما أنزلت لرأينا المطابقة الكاملة، ولكن هذه الكتب حرفت وبدلت. ولنضرب مثالا على التحريف والتبديل الذي يراه القارئ بوضوح في سفر التكوين، الذي ذكر فيه قصة يوسف وإخوته.

стр. 2494

تجد مثلا في الإصحاح الثامن عشر من سفر التكوين كلاما عن سارة، وشيخوختها، بينما نجد في الإصحاح العشرين أنها من الجمال بحيث تكون محل طمع الملوك. وفي الإصحاح الحادي والعشرين: كلام عن هاجر وإسماعيل، وأن إبراهيم طرحهما في برية بئر السبع، مع أن البداهة التاريخية تحكم أن العرب المستعربة من نسل إسماعيل، وقريش من نسل إسماعيل، والعرب أعرف الخلق بأنسابها، ولم تزل قصة زمزم والحرم متوارثة عند العرب، فأي تحريف مثل هذا التحريف!. وفي الإصحاح الثاني والعشرين دعوى أن الذبيح إسحاق مع أن الإصحاح يقول «خذ ابنك وحيدك» فكيف يكون الذبيح إسحاق وهو ليس الابن الوحيد لإبراهيم بنص التوراة نفسها. ونلاحظ أيضا أن التوراة الحالية تذكر أكثر من تعليل لتسمية بئر السبع ففي كل مرة يذكر سبب يختلف عن الآخر للتسمية، وهذا يدل على التناقض. وكثير من الإصحاحات تنسب الزنا للأنبياء بالبنات وغيرهن. وفي الإصحاح الخامس والثلاثين نجد العبارة التقليدية التي تدلل على أن كتابة هذه الأسفار كانت متأخرة جدا وهي عبارة «إلى اليوم». كما نلاحظ في هذا الإصحاح أنه يذكر أن رأوبين بن يعقوب زنى بسرية أبيه وفي الإصحاح الثامن والثلاثين أن يهوذا زنى بكنته، وأمثال هذا السخف كثير كل هذا وأمثاله مما أشرنا إلى بعضه أثناء الكلام عن سورة الأعراف يرينا مقدار التحريف الذي حدث في هذه الأسفار، ومن ثم كان القرآن مصدقا بالجملة لما بين يديه مما نراه الآن، ولو كان التحريف لم يطرأ لرأينا التصديق التفصيلي مع التصديق الإجمالي: وإذا كانت التوراة الحالية قد كتبت في عصور متأخرة جدا- كما تشهد نصوصها- وأعظم ما يشهد لذلك ما نقلناه من قبل، وهو ما ورد في آخر سفر التثنية في الإصحاح الرابع والثلاثين عن موت موسى، ودفن في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم». فهذا يدل على أن الأسفار ليست التوراة بل فيها بعض التوراة ويدل على أن هذه الأسفار الخمسة كتبت بعد آماد متطاولة جدا.

стр. 2495

ومن ثم نجد التخاليط، والتحريف، والتبديل، والنقص، والإسفاف، ونعلم فضل الله على هذه الأمة إذ جعل قرآنها محفوظا بحفظه، ونعلم أن القيمة التاريخية للروايات السابقة لا تساوي شيئا، ومن ثم نرى أن النقل عن هذه الكتب يعطيها اعتبارا لا تستحقه لخيانة أهلها فيها، وتقصيرهم في حفظها، ولولا أن رسولنا ﵊ سمح لنا أن نحدث عن بني إسرائيل ما نقلنا، وبمناسبة الكلام عن قصة يوسف ﵇ نقول: إن قصة يوسف في سفر التكوين تمتد من الإصحاح السابع والثلاثين، إلى نهاية الإصحاح الخمسين، تستوعب حوالي (٢٤) صفحة مكتوبة بحروف صغيرة، وكثافة سطور، ولكن شتان بين الموجود في القرآن والموجود هناك، إن في الأسلوب، أو العرض، أو البلاغة، أو الإحاطة والشمول، أو في ذكر التفاصيل التي تحتاجها العبرة، ونفي الحشو الذي لا يترتب عليه شئ، هذا مع الاختصار، وفوق كل هذا فهذه رواية الله لهذه القصة لم تشب ولم تخالط، وتلك رواية الخونة والكاذبين والمحرفين، وكثيرا ما نقل المفسرون المسلمون عن التوراة في تفسير سورة يوسف على ما فيها، ونحن سنسير على سننهم فننقل في الحدود التي فصلت معنى ذكره القرآن، ولا نلتفت إلى ما سوى ذلك، وحتى هذا الذي ننقله نحب أن نذكر في شأنه أننا لا نذكره إلا لمجرد الاستئناس، ومن تذوق طعم الحق في هذا القرآن عرف نوع طعم ما سواه، وإذ جرنا الكلام إلى هذه النقطة ننقل ما ذكره ابن كثير عند قوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ في هذه السورة لمناسبته هذا المقام مع حذف الأسانيد وترك المكرر قال: (ومما يناسب ذكره عند هذه الآية الكريمة، المشتملة على مدح القرآن، وأنه كاف عن كل ما سواه من الكتب، ما رواه الإمام أحمد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي ﷺ قال: فغضب، وقال «أمتهوكون (١) فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شئ فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني» وروى أيضا ... عن الشعبي عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها

стр. 2496

عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ ، قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا، قال: فسرى عن النبي ﷺ وقال: «والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه لضللتم، إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين». وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي ... عن خالد بن عرفطة قال: كنت جالسا عند عمر إذ أتي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس (١)، فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم. قال: وأنت النازل بالسوس؟ قال: نعم، فضربه بقناة معه، قال: فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: اجلس، فجلس فقرأ عليه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ... إلى قوله تعالى .. لَمِنَ الْغافِلِينَ فقرأها عليه ثلاثا وضربه ثلاثا فقال له الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال، قال: مرني بأمرك أتبعه، قال: انطلق فامحه، بالحميم (٢) والصوف الأبيض، ثم لا تقرؤه ولا تقرئه أحدا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدا من الناس لأنهكنك عقوبة، ثم قال: اجلس، فجلس بين يديه، فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتابا من أهل الكتاب ثم جئت به في أديم فقال لي رسول الله ﷺ : «ما هذا في يديك يا عمر؟» قال: قلت: يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علما إلى علمنا، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم ﷺ ، السلاح السلاح، فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ﷺ ، فقال: «يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه. واختصر لي اختصارا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية؛ فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون» فقال عمر: فقمت، فقلت: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبك رسولا، ثم نزل رسول الله ﷺ » وقد روى الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ... عن سليم بن عامر أن جبير بن نفير حدثهم أن رجلين كانا بحمص في خلافة عمر ﵁، فأرسل إليهما فيمن أرسل من أهل حمص، وكانا قد اكتتبا من اليهود صلاصفة (٣)، فأخذاها معهما يستفتيان فيها أمير المؤمنين. يقولان: إن

стр. 2497

رضيها لنا أمير المؤمنين ازددنا فيها رغبة، وإن نهانا عنها رفضناها، فلما قدما عليه قالا: إنا بأرض أهل الكتاب، وإنا نسمع منهم كلاما تقشعر منه جلودنا، أفنأخذ منه أو نترك؟ فقال: لعلكما كتبتما منه شيئا، فقالا: لا، قال: سأحدثكما: انطلقت في حياة النبي ﷺ حتى أتيت خيبر، فوجدت يهوديا يقول قولا أعجبني، فقلت: هل أنت مكتبي مما تقول؟ قال: نعم. فأتيت بأديم، فأخذ يملي علي حتى كتبت في الأكرع (١)، فلما رجعت قلت: يا نبي الله، وأخبرته، قال: «ائتني به» فانطلقت أرغب عن المشي رجاء أن أكون جئت رسول الله ببعض ما يحب، فلما أتيت به قال: «اجلس اقرأ علي» فقرأت ساعة، ثم نظرت إلى وجه رسول الله ﷺ فإذا هو يتلون، فتحيرت من الفرق، فما استطعت أن أجيز منه حرفا، فلما رأى الذي بي رفعه ثم جعل يتبعه رسما رسما فيمحوه بريقه وهو يقول: «لا تتبعوا هؤلاء فإنهم قد هوكوا وتهوكوا» حتى محا آخره حرفا حرفا. قال عمر ﵁: فلو علمت أنكما كتبتما منه شيئا جعلتكما نكالا لهذه الأمة، قالوا: والله ما نكتب منه شيئا أبدا، فخرجا بصفنتهما، فحفرا لها فلم يألوا أن يعمقا، ودفناها، فكان آخر العهد منها. وهكذا روى الثوري ... عن عبد الله بن ثابت الأنصاري عن عمر بن الخطاب بنحوه. وروى أبو داود في المراسيل ... عن عمر نحوه. والله أعلم.) نقلنا هذه النقول بين يدي سورة يوسف ﵇، ليعلم أن ما سننقله أثناء تفسيرها ليس من أجل أن نستهدي فيه، بل إما لنرده مقيمين الحجة على أهله، أو لنستأنس حيث استأنس العلماء في قضية يحتملها النص القرآني، أو لنقارن. ............ تتألف سورة يوسف ﵇ من مقدمة، وقصة وخاتمة، والقصة نفسها تتألف من مشاهد فلنبدأ عرض المقدمة.

стр. 2498

مقدمة سورة يوسف ﵇ وهي ثلاث آيات وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة يوسف (١٢): الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) التفسير: الر هي هنا تؤدي ما يؤديه أمثالها من إشارة إلى الإعجاز، ومن إشارة إلى مفاتيح الوجدة القرآنية، ومن إشارة إلى جرس السورة، إلى غير ذلك تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ أي هذه آيات الكتاب وهو القرآن الذي من خصائصه أنه واضح جلي، يفصح عن كل الأشياء بغاية البيان فيفسرها ويبينها. والإشارة في تلك إلى آيات هذه السورة الظاهر أمرها في الإعجاز، والتي تبين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر إِنَّا أَنْزَلْناهُ أي أنزلنا هذا القرآن قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي لكي تفهموا معانيه، وتعملوا، وتتحققوا. فتكونوا عقلاء حقا، والمنة بنزول القرآن على العرب واضحة لما في ذلك من تشريف للعرب والعربية، والمنة على العالم بنزول هذا القرآن بهذه اللغة. لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني فهي أشرف اللغات، كما أن القرآن أشرف الكتب، كما أن محمدا ﷺ أشرف الرسل، وقد نزل القرآن في أشرف البقاع، بسفارة أشرف الملائكة، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة: وهو رمضان. فكمل من كل الوجوه. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ القاص: هو الذي يأتي بالقصة على حقيقتها. والقصص إما بمعنى

стр. 2499

المقصوص، أو بمعنى الاقتصاص. واشتقاق القصص من قص أثره إذا اتبعه، لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا، وعلى أن معنى القصص: الاقتصاص، يكون المعنى: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص، والمقصوص يدل عليه ما بعده. والمراد بأحسن الاقتصاص أنه اقتص على أبدع طريقة وأعجب أسلوب، فإنك لا ترى اقتصاصه في كتب الأولين مقاربا لاقتصاصه في القرآن، وعلى أن معنى القصص المقصوص يكون المعنى: نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث. وإنما كان أحسن لما يتضمن من العبر والحكم والعجائب، عدا عن كونه حقا وواقعيا بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي بإيحائنا إليك هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل الوحي لَمِنَ الْغافِلِينَ يعني وإن الشأن والحديث إنك كنت من قبل إيحائنا إليك هذا القرآن من الجاهلين به. فوائد: ١ - من الأسباب التي تجعل القصص القرآني أحسن القصص أن غيره إما واقعي، أو خيالي. فإن كان خياليا فإنه لا يصلح أن يكون هاديا ولا موجها، ولا يصلح أن يكون ميزانا يوضع فيه كل شئ في محله، من عواطف، وعقلانيات، وغير ذلك، وإن كان واقعيا فقد يغيب بعضه أو يزاد عليه، أو لا يكون مغطيا للموضوع بما يشمل الزمان والمكان، والغيب والشهادة، والدنيا والآخرة. أما القصة القرآنية فنجدها قد استكملت ما لم يستكمل في غيرها، هذا مع كونها جاءت بأبلغ عبارة، وأعظم أسلوب وأوجز عرض، هذا مع أنك تجد في كل آية من المعاني والتوجيهات والهداية ما لا يحيط به إلا الله الذي أنزله. ٢ - في قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ دليل على أن التذكر الكامل لا يكون إلا بهذا القرآن، فإذا كان رسول الله ﷺ وهو أكمل الخلق فطرة، وأصفاهم قلبا، وأعظمهم عقلا. كان من قبل القرآن غافلا، فما بال غيره! فلا تذكر إلا بهذا القرآن. وبهذا الوحي. وكل طريق آخر للتذكير طريق قاصر، ومن مظاهر الكمال في تذكير القرآن أنه يذكر بالغيب والشهادة في شئون الدنيا والآخرة، بما يسع الخلق، ويدل على الخالق بما يسع النفس والعقل والقلب والروح ... ٣ - ورد في أسباب نزول قوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ ... أكثر من رواية ذكرها ابن كثير وهذه هي مع حذف

стр. 2500

الأسانيد: روى ابن جرير عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا؟ فنزلت: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ وروى أيضا ... عن عمرو بن مرة عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: أنزل على النبي ﷺ القرآن قال: فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا؟ فأنزل الله الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ثم تلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا؟ فأنزل الله : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ الآية. وذكر الحديث. ورواه الحاكم أيضا. وروى ابن جرير بسنده عن المسعودي عن عون بن عبد الله قال: مل أصحاب رسول الله ﷺ ملة، فقالوا: يا رسول الله حدثنا. فأنزل اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ثم ملوا ملة أخرى، فقالوا: يا رسول الله، حدثنا فوق الحديث، ودون القرآن- يعنون القصص- فأنزل الله الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ الآية، فأرادوا الحديث فدلهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص. كلمة في السياق: رأينا أن محور سورة يوسف هو قوله تعالى في سورة البقرة: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا. ونلاحظ أن المقدمة ذكرت أن الله يقص في هذا القرآن أحسن القصص، وكيف أن محمدا عليه الصلاة السلام كان قبل الوحي غافلا، فلم يكن متعلما ولا مقبلا على التعلم، وقد وصف القرآن في هذه المقدمة بالبيان، فإن يكون كتاب هذا شأنه في مثل هذا البيان، وفي مثل هذا الحسن، وفي اختيار القصة الهادفة، وأن يكون منزلا على مثل محمد ﷺ في أميته، وعدم تعلمه، إن هذا كله لا يمكن أن يكون، لولا أن هذا القرآن من عند الله، فالسورة إذن تعالج موضوع الريب والشك بشكل يختلف عما عالجته سور أخرى، فإذا اتضح هذا فلننتقل إلى عرض مشاهد قصة يوسف ﵇: *** المشهد الأول ويمتد من الآية (٤) إلى نهاية الآية (٦) وهذا هو:

стр. 2501

[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤ الى ٦] إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) التفسير: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ أي اذكر يا محمد قصة يوسف إذ قال لأبيه. وأبوه هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ جميعا يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ من الرؤيا وهي المنام لا الرؤية أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ الشمس والقمر هما أبواه، والأحد عشر كوكبا إخوته. هذا هو تأويله الذي سنراه في آخر السورة. وقد فهم يعقوب الرؤيا التي يشير تعبيرها إلى خضوع إخوته له، وتعظيمهم إياه تعظيما زائدا، بحيث يخرون له ساجدين إجلالا واحتراما وإكراما، فخشي يعقوب ﵇ أن يحدث بهذا المنام أحدا من إخوته فيحسدونه على ذلك فيبغون له الغوائل حسدا منهم له. ولهذا قال له قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً أي فيحتالوا لك حيلة يهلكونك فيها إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ أي ظاهر العداوة، فيحملهم الشيطان على الحسد والكيد. وَكَذلِكَ أي ومثل ذلك الاجتباء الذي دلت عليه رؤياك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ أي يختارك ويصطفيك لنبوته وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي تعبير الرؤيا وتفسيرها، أو تأويل أحاديث الأنبياء، والأول أقوى وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي بإرسالك، والإيحاء إليك، وإدخالك الجنة. وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ أي أهل يعقوب وهم نسله، وإتمام نعمته عليهم بأن يصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وهو الخليل وَإِسْحاقَ ابن إبراهيم إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ يعلم من يحق له الاجتباء حَكِيمٌ يضع الأشياء مواضعها.

стр. 2502

فوائد: ١ - بمناسبة رؤيا يوسف ﵇ يذكر بعض المفسرين حديثا في أسماء هذه الكواكب، وهو حديث مردود من حيث السند. ٢ - ومن وصية يعقوب لابنه يوسف ﵇ بعد أن قص عليه الرؤيا. أخذ ابن كثير هذا الأدب. قال ابن كثير: ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر كما ورد في حديث «استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها فإن كل ذي نعمة محسود». ٣ - يلاحظ أن التوراة الحالية المحرفة تذكر أن أم يوسف ماتت يوم ولدت بنيامين، ومن ثم فإن من سيسجد له لن تكون أمه المباشرة بل هي زوجة أبيه، وهذا أحد اتجاهين عند المفسرين. ٤ - بمناسبة ذكر رؤيا يوسف ﵇ يذكر ابن كثير حديثين متعلقين في موضوع الرؤيا. قال: ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدث به، وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه الآخر، وليتفل عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله من شرها، ولا يحدث بها أحدا، فإنها لن تضره» وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن من رواية معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت». ٥ - روى الإمام أحمد عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» ورواه البخاري كذلك. وروى البخاري أيضا عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ أي الناس أكرم؟ قال: «أكرمهم عند الله أتقاهم» قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال «فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله» قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: «فعن معادن العرب تسألوني؟» قالوا: نعم، قال: «فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا». ٦ - يلاحظ أن الأب قد أطلق على الجد وجد الجد في قوله تعالى: عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ. ٧ - قصة يوسف أصل أصيل في فهم موضوع الرؤى، وللرؤى في حياة البشرية

стр. 2503

أهمية كثيرة، والرؤيا الصادقة هي البقية الباقية من معاني النبوة، لأن الرؤيا في حق الأنبياء وحي قال ابن عباس: (رؤيا الأنبياء وحي). ٨ - في الإصحاح السابع والثلاثين من سفر التكوين قصة رؤيا يوسف وهذه هي: (ثم حلم أيضا حلما آخر وقصه على إخوته، فقال: إني حلمت حلما أيضا، وإذا الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا ساجدة لي وقصه على أبيه، وعلى إخوته. فانتهره أبوه، وقال له: ما هذا الحلم الذي حلمت به، هل نأتي أنا وأمك وإخوتك لنسجد لك إلى الأرض. فحسده إخوته، وأما أبوه فحفظ الأمر) هذا كل ما ذكر حول قصة الرؤيا على أبيه، ومن ثم نجد أن القرآن صدق ما قبله إجمالا، وقد فصل القرآن ما لم يفصله النص التوراتي المنقول إلينا. وبمناسبة الكلام عن رؤيا يوسف قال صاحب الظلال: (وبهذه المناسبة نذكر كلمة عن الرؤى والأحلام، وهي موضوع هذه القصة وهذه السورة. إننا ملزمون بالاعتقاد بأن بعض الرؤى تحمل نبوءات عن المستقبل القريب أو البعيد. ملزمون بهذا أولا من ناحية ما ورد في هذه السورة من وقوع مصداق رؤيا يوسف، ورؤيا صاحبيه في السجن، ورؤيا الملك في مصر. وثانيا من ناحية ما نراه في حياتنا الشخصية من تحقيق رؤى تنبئية في حالات متكررة بشكل يصعب نفي وجوده .. لأنه موجود بالفعل. والسبب الأول يكفي .. ولكننا ذكرنا السبب الثاني لأنه حقيقة واقعة لا يمكن إنكارها إلا بتعنت. فما هي طبيعة الرؤيا؟. تقول مدرسة التحليل النفسي: إنها صور من الرغبات المكبوتة تتنفس بها الأحلام في غياب الوعي. وهذا يمثل جانبا من الأحلام. ولكنه لا يمثلها كلها. (وفرويد) ذاته- على كل تحكمه غير العلمي وتمحله في نظريته- يقرر أن هناك أحلاما تنبئية. فما طبيعة هذه الأحلام التنبئية؟. وقبل كل شئ نقرر أن معرفة طبيعتها أو عدم معرفته لا علاقة له بإثبات وجودها وصدق بعضها. إنما نحن نحاول فقط أن ندرك بعض خصائص هذا المخلوق البشري العجيب، وبعض سنن الله في هذا الوجود.

стр. 2504

ونحن نتصور طبيعة هذه الرؤيا على هذا النحو .. إن حواجز الزمان والمكان هي التي تحول بين هذا المخلوق البشري وبين رؤية ما نسميه الماضي أو المستقبل، أو الحاضر المحجوب. وإن ما نسميه ماضيا أو مستقبلا إنما يحجبه عنا عامل الزمان، كما يحجب الحاضر البعيد عنا عامل المكان. وإن حاسة ما في الإنسان لا نعرف كنهها تستيقظ أو تقوى في بعض الأحيان، فتتغلب على حاجز الزمان وترى ما وراءه في صورة مبهمة، ليست علما ولكنها استشفاف، كالذي يقع في اليقظة لبعض الناس، وفي الرؤى لبعضهم، فيتغلب على حاجز المكان أو حاجز الزمان، أو هما معا في بعض الأحيان. وإن كنا في نفس الوقت لا نعلم شيئا عن حقيقة الزمان. كما أن حقيقة المكان ذاتها- وهي ما يسمى بالمادة- ليست معلومة لنا على وجه التحقيق: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا. وأستطيع أن أكذب كل شئ قبل أن أكذب حادثا وقع لي، وأنا في أمريكا وأهلي في القاهرة. وقد رأيت فيما يرى النائم ابن أخت لي شابا وفي عينه دم يحجبها عن الرؤية. فكتبت إلى أهلي أستفسر عن عينه بالذات. فجاءني الرد بأن عينه قد أصيبت بنزيف داخلي وأنه يعالج .. ويلاحظ أن النزيف الداخلي لا يرى من الخارج، فقد كان منظر عينه لمن يراها بالعين المجردة منظرا عاديا. ولكنها كانت محجوبة عن الإبصار بالنزف الداخلي في قاعها. أما الرؤيا فقد كشفت عن هذا الدم المحجوب في الداخل. ولا أذكر غير هذه لأنها وحدها تكفي.) ولننتقل إلى المشهد الثاني في القصة: *** المشهد الثاني ويمتد من الآية (٧) إلى نهاية الآية (٢٠) وهذا هو: [سورة يوسف (١٢): الآيات ٧ الى ٢٠] لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (١٤) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨) وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)

стр. 2505

التفسير: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ أي في قصتهم وحديثهم آياتٌ لِلسَّائِلِينَ أي علامات ودلالات على قدرة الله وحكمته في كل شئ، وعبرة ومواعظ لمن سأل عن قصتهم واستخبر عنها، فإنها خبر عجيب يستحق أن يخبر عنه. وفي ورود هذه القصة في القرآن آيات على نبوة محمد ﷺ ، وعلى أن هذا القرآن من عند الله؛ إذ تلاها محمد ﷺ على الخلق دون أن يسمعها من أحد، ودون أن يتلو كتابا إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ بنيامين، وهو أخوه الشقيق من أمهما راحيل أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ

стр. 2506

عُصْبَةٌ أي جماعة فكيف أحب ذينك الاثنين أكثر من الجماعة والمعنى: أنه يفضلهما في المحبة علينا وهما صغيران لا كفاية فيهما ونحن عشرة رجال كفاة نقوم بمرافقته، فنحن أحق بزيادة المحبة منهما، لفضلنا بالكثرة والمنفعة عليهما إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي في غلط في تدبير أمر الدنيا، إذ لو وصفوه بالضلالة في الدين لكفروا، وخطؤه عندهم أن قدم يوسف وأخاه عليهم وأحبهما أكثر اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ أي أرضا مجهولة بعيدة عن العمران، يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم، أعدموه من وجه أبيكم ليخلو لكم وحدكم. إما بأن تقتلوه أو تلقوه في أرض من الأراضي تستريحون منه وتخلون أنتم بأبيكم. ومعنى يخل لكم وجه أبيكم: أي يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم، والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد يوسف أي من بعد كفايته بالقتل أو التغريب. أو من بعد قتله أو طرحه قَوْماً صالِحِينَ أي تائبين إلى الله مما جنيتم عليه، أضمروا التوبة قبل الذنب. أو المعنى: أو يصلح حالكم عند أبيكم ومعه قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ أجمله لأنه لا فائدة من تعيينه لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ أي لا تصلوا في عداوته وبغضه إلى قتله، صرفهم الله عن قتله لأن الله تعالى كان يريد منه أمرا لا بد من إمضائه وإتمامه من الإيحاء إليه بالنبوة. ومن التمكين له في مصر وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ أي في مقر البئر، وما غاب منه عن عين الناظر فذلك أقل من القتل لأن القتل عظيم يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ أي بعض الأقوام الذين يسيرون في الطريق إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ به شيئا. أي إن كنتم عازمين على ما تقولون. قال محمد بن إسحاق بن يسار: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الفرع الذي لا ذنب له وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل والخطر عند الله، مع حق الوالد على ولده، ليفرقوا بينه وبين أبيه وحبيبه على كبر سنه، ورقة عظمه، مع مكانه من الله، ممن أحبه طفلا صغيرا، وبين ابنه على ضعف قوته وصغر سنه، وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه. يغفر الله لهم وهو أرحم الراحمين، فقد احتملوا أمرا عظيما. رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن الفضل عنه. ولما تواطئوا على أخذه وطرحه في البئر قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ أي لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونشفق عليه، وهذه توطئة ودعوى، وهم يريدون خلاف ذلك. دل هذا على أن عادته حفظه منهم، وأنه كان متخوفا عليه منهم، لا كما تزعم الرواية الحالية للتوراة المحرفة أن يعقوب أرسله إليهم

стр. 2507

ابتداء، وأن التآمر عليه كان بعد إذ رأوه قادما من عند أبيه، فهذا يتنافى مع الفراسة التي عليها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أَرْسِلْهُ مَعَنا أي ابعثه معنا غَداً يَرْتَعْ أي يتسع في أكل الفواكه وغيرها وَيَلْعَبْ بما يباح كالصيد والرمي والركض وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من أن يناله مكروه قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ أي إني ليحزنني ذهابكم به. أي يشق علي مفارقته مدة ذهابكم به إلى أن يرجع. وذلك لفرط محبته له لما يتوسم فيه من الخير العظيم، وشمائل النبوة، ولما كان عليه من الكمال في الخلق والخلق صلوات الله وسلامه عليه وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ أي وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم ورعيكم، فيأتيه ذئب فيأكله وأنتم لا تشعرون، اعتذر إليهم بأن ذهابهم به مما يحزنه، لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، وأنه يخاف عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه، برعيهم ولعبهم. فأخذوا من فمه هذه الكلمة، وجعلوها عذرهم فيما فعلوه، وقالوا مجيبين له عنها في الساعة الراهنة قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ أي فرقة مجتمعة مقتدرة على الدفع إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ أي إن لم نقدر على حفظ بعضنا فنحن إذا عاجزون عن حماية أي شئ، ومن ذلك مواشينا وغيرها. وقد أجابوا عن عذره الثاني دون الأول، لأن الأول كان يغيظهم فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ أي وعزموا على إلقائه في البئر، وفي قوله تعالى وَأَجْمَعُوا تبشيع لما فعلوه أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه في أسفل ذلك الجب، وقد أخذوه من عند أبيه فيما يظهرونه له إكراما وبسطا وشرحا لصدره وإدخالا للسرور عليه وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أي إلى يوسف في ذلك الحال الضيق تطيبا لقلبه وتثبيتا. قال النسفي: أوحى إليه في الصغر، كما أوحى إلى يحيى وعيسى ﵉ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا أي لتحدثن إخوتك بما فعلوه بك وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنك يوسف، لعلو شأنك، وكبرياء سلطانك، وفي ذلك إشعار له ألا يحزن مما هو فيه، فإن له من ذلك فرجا ومخرجا حسنا، وسينصرك الله عليهم ويعليك، ويرفع درجتك، وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع، وهم لا يعرفونك ولا يستشعرون بك. ويحتمل أن يكون المعنى: وأوحينا إليه وهم لا يشعرون. أي آنسناه بالوحي، وأزلنا عن قلبه الوحشة وهم لا يشعرون لتنبئنهم بأمرهم هذا، والأول أقوى وأوجه وأصح. وسياق القصة يشهد له وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً أي في ظلمة الليل يَبْكُونَ مظهرين الأسف والجزع والتغمم لأبيهم على يوسف. والظلمة أستر للمعتذر الكاذب. وأنسب للمتصنع. قال الأعمش: لا تصدق باكية بعد إخوة

стр. 2508

يوسف. وفي كلمة الأعمش تنبيه كريم للمسلم ألا يكون غرا. ثم قالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ أي نتسابق في العدو، أو في الرمي وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا أي ثيابنا وأمتعتنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وهو الذي كان قد جزع منه وحذر منه وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا أي بمصدق وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ أي ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فإنك لا تصدقنا لشدة محبتك ليوسف، فكيف وأنت سيئ الظن بنا غير واثق بقولنا مع أن واقع الحال أننا صادقون وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ أي مكذوب مفترى من أجل أن يؤكدوا ما تمالئوا عليه من المكيدة. ولكن ذلك لم يرج على نبي الله يعقوب. بل قال لهم معرضا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من لبسهم عليه قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ زينت أو سهلت أَمْراً عظيما ارتكبتموه فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل، أي فسأصبر صبرا جميلا على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه حتى يفرجه الله بعونه ولطفه، والصبر الجميل: هو ما لا شكوى فيه إلى الخلق وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ أي على الرزء فيه، أو على ما تذكرون من الكذب والمحال. ثم أخبر تعالى عما جرى ليوسف ﵇ في الجب حين ألقاه إخوته وتركوه في ذلك الجب وحيدا فريدا. وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ أي رفقة تسير، والسياق يعرفنا إنها سائرة إلى مصر فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ أي الذي يرد الماء ليستقي للقوم فَأَدْلى دَلْوَهُ أي أرسل الدلو ليملأها، ويظهر أن يوسف تشبث بالدلو، فنزعه وأخرجه واستبشر به قالَ يا بُشْرى وفي قراءة يا بشراي هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً أي وأخفوه متاعا للتجارة، إذ البضاعة ما يقطع من المال للتجارة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ أي عليم بما فعل الجميع وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه، ولكن له حكمة وقدرا سابقا، وفي هذا درس لرسولنا ﵊ وأتباعه أن الله عالم بما يصيبهم من الأذى، وهو قادر على الإنكار. ولكنه سيملي للظالمين ثم يجعل العاقبة والحكم عليهم كما جعل ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته. وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ أي وباعوه بثمن مبخوس أي ناقص عن القيمة نقصانا ظاهرا. وهل البائع هنا السيارة في مصر كما تدل الآية اللاحقة، أو إخوة يوسف. قولان للمفسرين. رجح ابن كثير أن البائع هنا إخوته، وعلل فقال: لأن قوله وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ إنما أراد أخوته لا أولئك السيارة، لأن السيارة استبشروا به وأسروه بضاعة، ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه. فترجح من هذا أن الضمير في شروه إنما هو لإخوته. أقول: والذي رجحه ابن كثير هو

стр. 2509

الذي يتفق مع رواية التوراة الحالية. وقد نقل ابن كثير عن ابن عباس ومجاهد والضحاك هذا الرأى. دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ هذا تفسير للثمن البخس الذي باعوه فيه، ومعنى معدودة أي قليلة تعد عدا. ولا توزن لقلتها. ورواية التوراة الحالية كما سنرى، أنهم باعوه بعشرين درهما وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ومن ثم باعوه بثمن طفيف. ويحتمل أن يكون المعنى واشترى الرفقة يوسف من إخوته، وكانوا فيه غير راغبين لأنهم اعتقدوا أنه آبق. وأن وجوده في البئر بسبب فراره من أسياده، وأن أسياده باعوه لهم لأن من طبعه الإباق أي الفرار من أسياده. وقد ذهب قتادة إلى أن الضمائر كلها في الآية تعود على السيارة. والمعنى وباعه السيارة في مصر بثمن بخس، وكانوا فيه من الزاهدين، بسبب أنهم في الأصل لم يدفعوا فيه ثمنا ولم يعرفوا له قيمة. ولو كنا نثق برواية التوراة الحالية ما التفتنا إلى تفسير قتادة، ولكن لعدم ثقتنا بروايتها ذكرناه. لأنه المتبادر إلى الذهن من السياق ولا يترتب على الخلاف عمل، والعبرة قائمة على أي من المحملين حملنا الآية. فوائد: ١ - إخوة يوسف كما هم مذكورون في التوراة الحالية: ١ - رأوبين بن ليئة وهو أكبرهم سنا. ٢ - شمعون بن ليئة وهو الثاني في السن. ٣ - لاوي بن ليئة وهو الثالث في السن. ٤ - يهوذا بن ليئة وهو الرابع في السن. ٥ - دان بن بلهة جارية راحيل وهو الخامس في السن. ٦ - نفتالي بن بلهة وهو السادس في السن. ٧ - جاد بن زلفة جارية ليئة وهو السابع في السن. ٨ - أشير بن زلفة وهو الثامن في السن. ٩ - يساكر بن ليئة وهو التاسع في السن. ١٠ - زبولون بن ليئة وهو العاشر في السن. ١١ - يوسف بن راحيل وهو الحادي عشر في ترتيب السن. ١٢ - بنيامين بن راحيل وهو أصغر الإخوة على حسب رواية التوراة الحالية وبه ماتت أمه راحيل حين ولادته.

стр. 2510

وعلى هذا فإن الشمس والقمر: أبوه وزوجة أبيه. ٢ - في الإصحاح السابع والثلاثين من سفر التكوين من التوراة الحالية. أن سن يوسف عند ما حلم أحلامه سبع عشرة سنة، وفي هذا الإصحاح «فلما رأى إخوته أن أباهم أحبه أكثر من جميع إخوته أبغضوه ولم يستطيعوا أن يكلموه بسلام» وفي هذا الإصحاح قصة التآمر والتنفيذ مخلوطة بكثير من التحريف، ومن تأمل الإصحاح وجده يدل على ما فيه من تحريف، فالتآمر والتنفيذ كانا في الإصحاح في ساعة واحدة، ومع أن الإصحاح يذكر أن رأوبين هو الذي اقترح إلقاءه في البئر، واقترح ترك قتله، ومع أنهم نفذوا ذلك مباشرة، ثم مرت قافلة الإسماعيليين فاقترح يهوذا؟ أن يبيعوه. ثم يذكر الإصحاح أن قافلة تجار مديانيين؟ هي التي أخرجته. ثم يقول الإصحاح: «وباعوا يوسف للإسماعيليين» فهل البائع إخوته كما اقترح يهوذا، أو البائع المديانيون؟ ثم يذكر الإصحاح «ورجع رأوبين إلى البئر وإذا يوسف ليس في البئر، فمزق ثيابه ثم رجع إلى إخوته وقال: الولد ليس موجودا وأنا إلى أين أذهب». فكيف يتم التوفيق بين هذا الكلام: الجميع ألقوه في الجب، ويهوذا يقترح بيعه بعد ذلك، ثم يباع، ثم يبحث عنه رأوبين، فأين كان رأوبين وهو الذي اقترح إلقاءه في البئر، وباشر معهم التنفيذ والبيع؟. ثم يذكر الإصحاح بعد هذا «فأخذوا قميص يوسف وذبحوا تيسا من المعزى وغمسوا القميص في الدم، وأرسلوا القميص الملون وأحضروه إلى أبيهم وقالوا ... » وفي الإصحاح أن يعقوب هو الذي قال إن الوحش قد افترس ابنه وليس فيه شك يعقوب في الأمر، مع أن فيه رفض يعقوب للتعزية. ويلاحظ أن الرواية تذكر أن القميص قد غمس في الدم؛ ولا تذكر الرواية أن القميص كان ممزقا لأنهم خلعوه عن يوسف قبل إلقائه في الجب، فهل يغيب عن مثل يعقوب أن يتعرف على كون الوحش لم يأكله من خلال القميص. وهكذا نجد أن التحريف يفضح نفسه. فالحمد لله الذي جعل القرآن معصوما محفوظا، وجعله يدل على صدقه وكونه حقا بألفاظه ومعانيه. فمن قارن ما ذكره القرآن في هذا المقام، وما تنقله التوراة عرف الحق من الباطل. ولننقل هذا المقطع من هذا الإصحاح بعد أن رأينا ما فيه مما يؤكد ما هو المشهور المعروف أن هذه الأسفار قد جمعت بعد مئات السنين وكتبت من الروايات الشفهية، فهي لا تساوي- من حيث الثبوت- أمام النقد العلمي شيئا، فمن أراد الحق، فليس أمامه إلا القرآن، ليعرف الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولا أدل من ظهور التحريف في هذا الإصحاح بالذات من هذين التعبيرين:

стр. 2511

«واجتاز رجال مديانيون تجار فسحبوا يوسف وأصعدوه من البئر وباعوا يوسف للإسماعيليين». «وأما المديانيون فباعوه في مصر لفوطيفار خصي فرعون رئيس الشرط» ففي التعبير الأول كان الإسماعيليين هم المشترين، وفي التعبير الثاني كان المديانيون هم البائعين في مصر ولرئيس شرطة فرعون. فإذا كنت تجد في صفحة واحدة من التناقضات ما ذكرنا فهل تبقى أي قيمة لروايات هذه الكتب؟ لقد أنقذ القرآن البشرية من الشك بأصل الوحي. إذ أعطاها الصيغة الكاملة للحق فيما تعرض له، فشتان بين كلام الله الذي لم يشب وبين الكلام الذي خالطه ما خالطه، ومن أجل أن يتضح لك جلال القرآن فاقرأ رواية الأسفار وتذكر ما لاحظناه عليها: «فلما أبصروه من بعيد قبل ما اقترب إليهم احتالوا له ليميتوه. فقال بعضهم لبعض: هو ذا هذا صاحب الأحلام قادم. فالآن هلم نقتله ونطرحه في إحدى الآبار ونقول وحش ردئ أكله، فنرى ماذا تكون أحلامه فسمع رأوبين وأنقذه من أيديهم، وقال لا نقلته، وقال لهم رأوبين: لا تسفكوا دما. اطرحوه في هذه البئر التي في البرية ولا تمدوا إليه يدا. لكي ينقذه من أيديهم ليرده إلى أبيه. فكان لما جاء يوسف إلى إخوته أنهم خلعوا عن يوسف قميصه القميص الملون الذي عليه. وأخذوه وطرحوه في البئر. وأما البئر فكانت فارغة ليس فيها ماء. ثم جلسوا ليأكلوا طعاما، فرفعوا عيونهم ونظروا وإذا قافلة إسماعيليين مقبلة من جلعاد، وجمالهم حاملة كثيراء، وبلسانا ولاذنا ذاهبين لينزلوا بها إلى مصر. فقال يهوذا لإخوته: ما الفائدة أن نقتل أخانا ونخفي دمه. تعالوا فنبيعه للإسماعيليين ولا تكن أيدينا عليه لأنه أخونا ولحمنا. فسمع له إخوته. واجتاز رجال مديانيون تجار. فسحبوا يوسف وأصعدوه من البئر وباعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين من الفضة، فأتوا بيوسف إلى مصر. ورجع رأوبين إلى البئر وإذا يوسف ليس في البئر فمزق ثيابه. ثم رجع إلى إخوته وقال الولد ليس موجودا. وأنا إلى أين أذهب. فأخذوا قميص يوسف وذبحوا تيسا من المعزى وغمسوا القميص في الدم، وأرسلوا القميص الملون وأحضروا إلي أبيهم. وقالوا وجدنا هذا. حقق أقميص ابنك هو أم لا؟ فتحققه وقال قميص ابني وحش ردئ أكله. افترس يوسف افتراسا. فمزق يعقوب ثيابه ووضع مسحا على حقويه وناح على ابنه أياما كثيرة. فقام جميع بنيه وجميع بناته ليعزوه. فأبى أن يتعزى وقال: إني أنزل إلى ابني نائحا إلى الهاوية. وبكى عليه أبوه.

стр. 2512

وأما المديانيون فباعوه في مصر لفوطيفار خصي فرعون رئيس الشرط». ٣ - يذكر بعض المفسرين أثناء قصة يوسف اسم من أخرج يوسف من البئر وهو اسم عربي، ويسمون فرعون مصر الذي كان يحكم مصر أثناء بيع يوسف في مصر ويعطونه اسما عربيا، وليس في ذلك من دليل لا من كتاب، ولا سنة، ولا رواية عربية، ولا رواية يهودية، لأن قصة يوسف لم تكن معروفة عند العرب أصلا، ولأن الرواية اليهودية لم تذكر شيئا من هذا، ولا يترتب على ذكر الاسم من حيث العظة والعبرة شئ، إلا أن الملاحظ أن رواية التوراة الحالية تذكر اسم الإسماعيليين نسبة إلى إسماعيل ﵇ فتكون القافلة عربية. أما هل كانت مصر وقتذاك محكومة من قبل العرب؟. الذي يذكره قاموس لاروس أن مصر كانت محكومة من قبل الهكسوس من سنة ٢١٦٠ إلى سنة ١٥٨٠ قبل الميلاد، وأن مجئ بني إسرائيل إلى مصر كان في تلك الفترة، والهكسوس الذين يسمونهم الرعاة اجتاحوا مصر من فلسطين. فهذا يؤكد أنهم كانوا عربا. كما يذكر قاموس لاروس أن اليهود قد اضطهدوا في ظل الملوك الوطنيين، وهذا يعني أن الاضطهاد كان بعد زوال حكم الهكسوس. فإذا كانت التوراة الحالية تذكر أن مدة بقاء بني إسرائيل في مصر كانت (٥٧٠) سنة، فهذا يعني أن مجئ يوسف إلى مصر كانت بعد فترة من حكم الهكسوس، فإذا صح أن فرعون موسى كان رعمسيس الثاني الذي تؤكد الوثائق أنه أصدر منشورا عممه على مصر، يعلن فيه ألوهيته، وهذا مما يرجح أنه فرعون موسى. فعندئذ يكون مجئ بني إسرائيل إلى مصر في حوالي سنة (١٧٩٥) قبل الميلاد أي في أواسط حكم الهكسوس. لأن رعمسيس الثاني قد مات كما يذكر قاموس لاروس سنة ١٢٢٥ ق. م فهي إذن سنة الغرق، وهي سنة الخروج من مصر. والله أعلم. وعلى كل حال تبقى هناك قضية لا خلاف عليها هي أن مجئ يوسف إلى مصر كان في زمن الهكسوس، وأن الخروج كان في ظل حكم الوطنيين لمصر، ومن ثم نلاحظ أن الاصطلاحات التي يذكرها القرآن أثناء الكلام عن يوسف تختلف عنها في غيرها، فههنا في قصة يوسف تستعمل كلمة الملك، بينما في قصة موسى تستعمل كلمة فرعون. ونلاحظ أن بعض المفسرين المسلمين، كما ذكرنا، يسمون اسم ملك مصر في زمن دخول يوسف إلى مصر اسما عربيا هو الريان بن الوليد، ويسمون اسم الذي استخرجه

стр. 2513

من البئر اسما عربيا هو مالك بن الخزاعي. أما من أين أتوا بهذه التسميات، وما مقدار الثقة بها؟ فهذا الذي لا نستطيع الجزم بشيء منه، ولكن أن يكون الذي استنقذه عربيا، وأن يكون حاكم مصر وقتذاك عربيا فذلك جائز. ينقل ابن كثير عن محمد بن إسحاق أن ملك مصر وقتذاك هو الريان بن الوليد رجل من العماليق. أي من الكنعانيين لأن أرض كنعان كانت تسمى بها فلسطين قديما. وسكانها هم الكنعانيون والعماليق من الكنعانيين. والذي يذكره قاموس لاروس أن الهكسوس اجتاحوا مصر من قبل أرض كنعان. ٤ - هناك خلاف بين المفسرين حول نبوة إخوة يوسف. فهل هم أنبياء، وإذا كانوا أنبياء فكيف وقعوا في هذه المعصية؟ الذين قالوا إنهم أنبياء قالوا كان ذلك قبل النبوة. قال ابن كثير: واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر. ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل. ولم يذكروا سوى قوله تعالى قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ (البقرة: ١٣٦) وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط، كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب. يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون. ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم. والله أعلم). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ذكر ابن كثير حديثا مرسلا هو: سئل رسول الله ﷺ عن قوله فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فقال: «صبر لا شكوى فيه». ونقل عن الثوري قوله «أنه قال: ثلاث من الصبر: أن لا تحدث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك». ٦ - في القسم الذي يتحدث عن يعقوب ويوسف ﵉ مما يسمونه التوراة الحالية كلام مذهل، يعجب الإنسان كيف يوجد مثله في كتاب ديني يقص الحق للأسوة والعمل إذ فيه حديث عن أن رأوبين بن يعقوب زنى ببلهة سرية أبيه وأم إخوته دان ونفتالي، وأن يهوذا زنى بكنته زوجة ابنه، وأن بنت يعقوب دينة بنت ليئة قد زنى بها ابن حمور الحوي. ومثل هذا الكلام يرد في التوراة الحالية حتى في حق الأنبياء، وهذا كله يدل على أن اليهود- عليهم اللعنة- الذين هم أجرأ الناس على قتل الأنبياء.

стр. 2514

هم أجرأ الناس كذلك على تشويه سمعتهم، فما أحلى الحق الذي جاءنا به القرآن وما أغضه، وما أطراه، وما أسخف من يعرض عنه إلى سواه. ولننتقل إلى المشهد الثالث من قصة يوسف ﵇ . *** المشهد الثالث من قصة يوسف ﵇ ويمتد من الآية (٢١) إلى نهاية الآية (٣٥) وهذا هو: [سورة يوسف (١٢): الآيات ٢١ الى ٣٥] وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩) وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)

стр. 2515

التفسير: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ وهو عزيز مصر وقتذاك كما سنعرف من السياق لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ أي اجعلي منزله ومقامه عندنا كريما، أي حسنا مرضيا .. وقد فسر الضحاك ذلك بطيب معاشه ولين لباسه. ووطئ فراشه عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أي لعله إذا تدرب وراض الأمور وفهم مجاريها، نستظهر به على بعض ما نحن بسبيله أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أي أو نتبناه ونقيمه مقام الولد وَكَذلِكَ أي وكما أنقذنا

стр. 2516

يوسف من إخوته وعطفنا عليه قلب العزيز مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أي أرض مصر وجعلناه يتصرف فيها بأمره ونهيه وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي من تعبير الرؤيا وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ أي فعال لما يشاء لا يمنعه أحد عما يشاء وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي لا يدرون حكمته في خلقه وتلطفه وفعله لما يريد وَلَمَّا بَلَغَ أي يوسف أَشُدَّهُ أي منتهى استعداد قوته أي استكمل عقله وتم خلقه آتَيْناهُ حُكْماً أي حكمة وهو العلم مع العمل، واجتناب ما يجهل فيه، أو حكما بين الناس وفقها وَعِلْماً أي آتيناه مع الحكم العلم. وقد فسرهما ابن كثير بأنهما النبوة وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ في هذا تنبيه على أنه كان محسنا في عمله، تقيا في عنفوان أمره، وفي ذلك بشارة لكل محسن وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ أي طلبت من يوسف أن يواقعها، فحاولته على نفسه ودعته إليها، وذلك أنها أحبته حبا شديدا لحسنه وجماله وبهائه، فحملها ذلك على أن تتجمل وتهيأ الوسائل للوصول وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ أي تعال وأقبل قالَ مَعاذَ اللَّهِ أي أعوذ بالله معاذا إِنَّهُ رَبِّي أي إن الشأن والحديث أنه سيدي ومالكي أي زوجها أَحْسَنَ مَثْوايَ أي أكرمني فما جزاؤه أن أخونه في أهله إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أي الخائنون أو الزناة، ويحتمل أن يعود الضمير على الله ، والأول أقوى، ذكرها بحق سيده عليه، ألا يخونه في أهله، فلعلها تتذكر حق زوجها عليها فلا تخونه وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ هم عزم وَهَمَّ بِها هم طبع بلا عزم، أو هم خطرة، ولا صنع للعبد فيما يخطر بالقلب ولا مؤاخذة عليه. لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ أي رأى آية من آيات الله تزجره عن المطاوعة كَذلِكَ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ أي خيانة السيد وَالْفَحْشاءَ أي الزنا إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا أي من جملة عبادنا الْمُخْلَصِينَ أي الذين أخلصهم الله لطاعته. أي كما أريناه برهانا صرفه عما كان فيه، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره؛ إنه من عباد الله المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار وَاسْتَبَقَا الْبابَ أي وتسابقا إلى الباب، هي للطلب، وهو للهرب. نفر منها يوسف فأسرع يريد الباب ليخرج، وأسرعت وراءه لتمنعه من الخروج وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ أي اجتذبته من خلفه فانشق قميصه حين هرب منها إلى الباب، وتبعته تمنعه وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ أي وصادفا بعلها مقبلا، يريد أن يدخل، فلما رأته احتالت لتبرئة ساحتها عند زوجها من الريبة، ولتخويف يوسف طمعا في أن يواطئها خيفة منها ومن مكرها قالَتْ ما

стр. 2517

جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً أي فاحشة إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أي يحبس أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي يضرب ضربا شديدا موجعا، ولم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءا لأنها قصدت العموم أي كل من أراد بأهلك سوءا فحقه أن يسجن أو يعذب، لأن ذلك أبلغ فيما قصدت من تخويف يوسف. فلما عرضته للسجن والعذاب ووجب عليه الدفع عن نفسه، ولم يعد مجال للستر عليها وعدم فضيحتها انتصر يوسف ﵇ لنفسه بالحق، وتبرأ مما رمته به من الخيانة قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها وفي كونه من أهلها تكون شهادته أوجب للحجة عليها، وأوثق لبراءة يوسف، وكانت شهادته إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ أي من قدامه فَصَدَقَتْ أي في قولها إنه راودها على نفسها لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره، فقدت قميصه، فيصح ما قالت وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ أي من ورائه فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ وذلك يكون كما وقع لما هرب منها وتطلبه أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها، فقدت قميصه من ورائه فَلَمَّا رَأى زوجها قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ علم براءة يوسف وصدقه وكذبها قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ أي إن هذا البهت واللطخ الذي لطخت به عرض هذا الشاب من جملة كيدكن. وقد وجه الخطاب لها ولعامة جنسها إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ لأنهن ألطف كيدا، وأعظم حيلة، وبذلك يغلبن الرجال. ثم قال آمرا ليوسف ﵇ بكتمان ما وقع يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا أي اضرب عن هذا صفحا، أي فلا تذكره لأحد وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ أي من جملة القوم المتعمدين للذنب. ويبدو أنه كان لينا سهلا لدرجة أنه لم تثر غيرته، أو أنه عذرها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه، ولم يحدث شئ، ولا نتوقع ممن يعيشون في الترف ولا دين لهم حاجزا إلا مثل هذه المواقف، بل أسوأ منها من الدياثة والقيادة. وما يجري في عصرنا لا يحتاج معه هذا الكلام إلى دليل وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ أي وقالت جماعة من النساء في المدينة التي وقعت فيها الحادثة امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ أي تحاول غلامها عن نفسه وتدعوه إلى نفسها، لتنال شهوتها منه قَدْ شَغَفَها حُبًّا أي قد شغفها حبه يعني خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي في خطأ واضح وبعد عن طريق الصواب، أي في صنيعها هذا من حبها فتاها، ومراودتها إياه عن نفسه، وهكذا شاع الخبر وانتشر وذلك دأب ما يجرى في القصور والصالونات- عند ما لا يوجد تدين عندهم- أن رائحة الفضائح لا تزال عابقة فيها فَلَمَّا

стр. 2518

سَمِعَتْ أي زوجة العزيز بِمَكْرِهِنَّ أي باغتيابهن لها، وقولهن ما قلنه، سميت الغيبة في هذا المقام مكرا لأنها في خفية وحال غيبة كما يخفي الماكر مكره، أو سمي قولهن مكرا لأنهن أردن من كلامهن شيئا آخر. قال محمد بن إسحاق: بل بلغهن حسن يوسف فأحببن أن يرينه فقلن ذلك ليتوصلن إلى رؤيته، ومشاهدته، فعند ذلك أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ أي دعتهن إلى منزلها لتضيفهن وَأَعْتَدَتْ وهيأت لَهُنَّ مُتَّكَأً أي ما يتكئن عليه من فرش ونمارق، قصدت بتلك الهيئة وهي قعودهن متكئات، مسترخيات، والسكاكين في أيديهن- كما سنرى- أن يدهشن عند رؤيته، ويشغلن عن نفوسهن، فيجرحن أيديهن وهن لا يشعرن وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وكان هذا مكيدة منها ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته، دل ذلك على أن الترف كان في تلك المرحلة موجودا. فكون الحاكمين وقتذاك هم الرعاة الهكسوس لم يحل دون أن تغرقهم مصر في نعيمها وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ يبدو أنها كانت قد وضعته في مكان لا يرينه فيه أثناء الدخول والجلوس لتتم المفاجأة فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ أي أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائق، والجمال الفائق وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ أي وجرحنها، كن يقطعن الطعام الذي في أيديهن فدهش لما رأينه، فخدشن أيديهن وكأن لسان حالها وقتذاك يقول: أنتن من نظرة واحدة فعلتن هذا، فكيف ألام أنا؟ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ تنزيها لله من صفات العجز، وتعجبا من قدرته على خلق جميل مثل يوسف ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ نفين عنه البشرية لغرابة جماله، وأثبتن له الملكية، وثبتن بها الحكم لما ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان. وكأن لسان الحال يقول: وما نرى عليك من لوم بعد هذا الذي رأيناه قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ تقول هذا معتذرة إليهن بأن هذا حقيق أن يحب لجماله وكماله، ولا يلام من يحب مثله، هذا منطقها، وهو منطق من لا يحجزها دين ولا عقل وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ أي بالغ في الامتناع والتحفظ، ولا يزال مستزيدا منهما، ثم قالت تتوعده وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ من إعطائي مرادي منه لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ أي من المذلين المهانين، مع السراق والسفاك والأباق في السجن، كما سرق قلبي وأبق مني وسفك دمي بالفراق، فلا يهنأ له ثم طعام أم شراب أو نوم، كما منعني هنا كل ذلك. ومن لم يرض بمثلي في الحرير على السرير أميرا، فليكن في السجن على الحصير حسيرا. فلما سمع يوسف تهديدها قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ أي من ركوب المعصية أي الفاحشة، ولم قال يدعونني

стр. 2519

والسياق لم يذكر غيرها يبدو أنه رأى رغبة الجميع به، وإجماع الجميع على أن عليه أن يرحم سيدته فيعطيها مرادها وهو منطق الناس إذا لم يكن إيمان وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أي أميل إليهن، والصبوة: الميل إلى الهوى، ومنه الصبا لأن النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ أي من الذين لا يعملون بما يعلمون لأن من لا جدوى لعلمه فهو ومن لم يعلم سواء أو من السفهاء، وهكذا فزع إلى الله في طلب العصمة، مبينا أنه إن وكل إلى نفسه فليس له في محنة الجمال طاقة إن استمر الامتحان. واختار السجن على سعير امتحان الشهوة، فما أصعب هذا الامتحان، وما أكمل يوسف ﵇، إذ أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرئاسة، ويمتنع من ذلك ويختار السجن على ذلك خوفا من الله ورجاء توبته. فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ أي أجاب دعاءه فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لدعوات الملتجئين إليه الْعَلِيمُ بكل حال ثُمَّ بَدا لَهُمْ أي ثم ظهر لهم من المصلحة مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ وهي الشواهد على براءته، كقد القميص، وشهادة الشاهد، وجرح الأيدي، وغير ذلك. لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ أي إلى زمان، فكأنها اقترحت أن يسجن زمانا حتى تبصر ما يكون منه، وطاوعها زوجها لإبداء عذر الحال، وإرخاء الستر على القيل والقال، وللإيهام أنهم سجنوه لأنه راودها عن نفسها، وإنهم سجنوه لذلك، ولهذا نلاحظ أن يوسف ﵇ امتنع فيما بعد من الخروج إلا بعد إثبات البراءة، وما كان سجنه- والله أعلم- إلا باستنزال المرأة زوجها المطواع على رأيها. قال النسفي: وقد طمعت أن يذله السجن ويسخره لها، أو خافت عليه العيون، وظنت فيه الظنون، فألجأها الخجل من الناس والوجل من اليأس إلى أن رضيت بالحجاب مكان خوف الذهاب لتشتفي بخبره إذا منعت من نظره اه. أقول: ومن ثم لم تقترح في الأصل إلا السجن أو العذاب، ولم تذكر القتل وهذا يدل على تمكن الحب. فوائد: ١ - هذه الآيات من سورة يوسف يقابلها فيما يسمونه التوراة الحالية الإصحاح التاسع والثلاثون من سفر التكوين، وفيه أن فوطيفار خصي فرعون ورئيس الشرط هو الذي اشترى يوسف وسلمه شئون البيت، وفيه مراودة امرأته ليوسف ورفض يوسف وجوابه لها (هو ذا سيدي لا يعرف معي ما في البيت وكل ماله قد دفعه إلى يدي ليس هو

стр. 2520

في هذا البيت أعظم مني ولم يمسك عني شيئا غيرك لأنك امرأته فكيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله) والملاحظ أن هذا المعنى سجله القرآن إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ فتأمل عظمة هذا القرآن، إذ يأتي بأعظم المعاني وأغزرها وأصدقها بأوجز تعبير وألطفه وأدقه وأصدقه، ثم إن الإصحاح لا يحدثنا عن كثير من التفصيلات، وإن كان يحدثنا بإجمال عن خلو البيت مرة، وإمساكها يوسف وهربه منها. وفي الإصحاح غلط وخطأ وكذب وعدم دقة ونقص. لا تخفى على المتأمل ومن أمثالها نعرف نعمة الله إذ أنزل هذا القرآن فيه بيان وتفصيل لكل شئ، ومن مثل هذا نعرف كيف أن هذه السورة جاءت لتحقق إقامة الحجة على إعجاز هذا القرآن من خلال هذا العرض الصادق والعجيب لقصة يوسف ﵇. ٢ - نلاحظ أن التوراة الحالية لم تذكر اسم زوجة سيد يوسف إلا أن المفسرين المسلمين يذكرون أن اسمها زليخا، وبعضهم يسميها راعيل. وذكر ابن إسحاق أن زليخا كانت أخت الملك الريان بن الوليد، وليس هناك من مصدر لمثل هذا إلا روايات أهل الكتاب المعاصرين للمفسرين وكثير منها لا يصح الاتكاء عليه أصلا. ٣ - عند قوله تعالى وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ يقف المفسرون وقفات طويلة فلتراجع، وقد اخترنا في شأنها ما حكاه الكسائي أنها لغة لأهل حوران وقعت لأهل الحجاز ومعناها تعال: وفي الكلمة قراءات أخرى ونحن في هذا الكتاب نمشي على قراءة حفص. ٤ - وعند قوله وَهَمَّ بِها كلام كثير للمفسرين وهم متفقون بأن همه غير همها، همها عزم، فما هو همه؟ سنرى الجواب وقد ذهب بعضهم إلى أن الهم لم يحدث أصلا واعتبروا أن قوله تعالى وَهَمَّ بِها متصل بما بعده وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ أي لولا أن رأى برهان ربه لهم بها هم طبع، ولكنه رأى برهان ربه فلم يهم، إلا أن بعضهم يرفض هذا الرأى لأن علماء العربية لا يرون أن مثل هذا الوجه يقبله استقراء لغة العرب، وبعضهم قال هم بها، أي هم بضربها، وأجود شئ أن يحمل همه على أنه خطرة نفس لم يقبلها قلبه، فهي من نوع الهم الموجود في الحديث المخرج في الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى: إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشرة أمثالها، وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإنما تركها من جرائي، فإن عملها فاكتبوها بمثلها».

стр. 2521

٥ - وفي تفسير (البرهان) في قوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كلام كثير للمفسرين كذلك، وليس في هذا الكلام الكثير من شئ يمكن أن يكون قاطعا في هذا الموضوع، والتوراة الحالية ساكتة عن مثل هذا وأكثر المفسرين على أنه رأى صورة أبيه يعقوب عاضا على إصبعه بفمه. ذكر ذلك ابن كثير عن ابن عباس، وسعيد، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، والحسن، وقتادة، وأبي صالح، والضحاك، ومحمد بن إسحاق وغيرهم. إلا أن الذي يرجحه النسفي أن البرهان هو النظر في دلائل التحريم. ذكر ذلك بعد أن ذكر القول الذي يورده بعضهم في معرض: أنه هم بها فأراه الله صورة يعقوب ... قال: (ويدل على بطلانه قوله: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ولو كان ذلك منه أيضا لما برأ نفسه من ذلك، وقوله كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ولو كان كذلك لم يكن السوء مصروفا عنه. وقوله ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ولو كان كذلك لخانه بالغيب. وقوله ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ولأنه لو وجد منه ذلك لذكرت توبته واستغفاره كما كان لآدم ونوح وذي النون وداود ﵈. وقد سماه الله مخلصا، فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام وجاهد نفسه مجاهدة أولي العزم ناظرا في دلائل التحريم حتى استحق من الله الثناء. قال ابن جرير: والصواب أن يقال إنه رأى آية من آيات الله تزجره عما كان هم به. وجائز أن يكون صورة يعقوب وجائز أن يكون صورة الملك، وجائز أن يكون ما رآه مكتوبا من الزجر عن ذلك، ولا حجة قاطعة على تعيين شئ من ذلك، قال ابن كثير: فالصواب أن نطلقه كما قال الله تعالى). ٦ - يختار ابن جرير أن الشاهد الذي شهد ليوسف كان صبيا في المهد. ويختار غيره أنه كان رجلا. قال ابن كثير بعد أن نقل كلام ابن جرير وقد ورد منه حديث مرفوع، فقال ابن جرير ... عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «تكلم أربعة وهم صغار» فذكر فيهم شاهد يوسف، ورواه غيره عن حماد بن سلمة عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «تكلم أربعة صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم» للآلوسي تحقيق عند قوله تعالى وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها ننقله كله لما فيه من فوائد، قال: (ذهب جمع إلى أنه كان ابن خالها، وكان طفلا في المهد أنطقه الله تعالى ببراءته ﵇، فقد ورد عنه ﷺ «تكلم أربعة في المهد وهم صغار: ابن ماشطة، ابنة فرعون،

стр. 2522

وشاهد يوسف ﵇. وصاحب جريج. وعيسى ابن مريم ﵉» وتعقب ذلك الطيبي بقوله: يرده دلالة الحصر في حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وصبي كان يرضع من أمه فمر راكب حسن الهيئة فقالت: أمه اللهم أجعل ابني مثل هذا فترك الصبي الثدي، وقال اللهم لا تجعلني مثله» ا. هـ، ورده الجلال السيوطي فقال. هذا منه جار على عادته من عدم الاطلاع على طرق الأحاديث، والحديث المتقدم صحيح أخرجه أحمد في مسنده. وابن حبان في صحيحه. والحاكم في مستدركه وصححه من حديث ابن عباس، ورواه الحاكم أيضا من حديث أبي هريرة، وقال صحيح على شرط الشيخين، وفي حديث الصحيحين المشار إليه آنفا زيادة على الأربعة «الصبي الذي كان يرضع من أمه فمر راكب» الخ فصاروا خمسة وهم أكثر من ذلك، ففي صحيح مسلم تكلم الطفل في قصة الأخدود، وقد جمعت من تكلم في المهد فبلغوا أحد عشر، ونظمتها فقلت: تكلم في المهد النبي محمد ... ويحيى وعيسى والخليل ومريم ومبرى جريج ثم شاهد يوسف ... وطفل لذي الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مر بالأمة التي ... يقال لها تزني ولا تتكلم وماشطة في عهد فرعون طفلها ... وفي زمن الهادي المبرك يختم اهـ، وفيه أنه لم يرد الطيبي الطعن على الحديث الذي ذكر كما توهم، وإنما أراد أن يبين أن الحديث الدال على الحصر وغيره تعارضا وذلك يحتاج إلى التوفيق. ٧ - ورد أكثر من حديث يتكلم عن حسن يوسف، ومن ذلك ما ورد في الحديث الصحيح في حديث الإسراء أن رسول الله ﷺ مر بيوسف ﵇ في السماء الثالثة. قال: «فإذا هو قد أعطي شطر الحسن» وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطي يوسف وأمه شطر الحسن» قال السهيلي: معناه أن يوسف ﵇ كان على النصف من حسن آدم ﵇، فإن الله خلق آدم بيده على أكمل صورة وأحسنها، ولم يكن في ذريته من يوازيه في جماله، وكان يوسف قد أعطى شطر حسنه. أقول: قال بعضهم لقد أعطي محمد ﷺ الحسن كله. فليوسف شطره، ولمحمد ﷺ كله: وأجمل منك لم تر قط عيني ... وأجمل منك لم تلد النساء خلقت مبرأ من كل عيب ... كأنك قد خلقت كما تشاء

стр. 2523

٨ - بمناسبة استعصام يوسف ﵇ يورد ابن كثير الحديث الوارد في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه». ملاحظات: ١ - من قصة يوسف تعرف أن أفظع فتنة يمكن أن تمر بإنسان هي فتنة الجمال، ومن ثم نلاحظ أن يوسف استقبل الإلقاء في البئر بصبر، واستقبل العبودية بصبر، واستقبل السجن بصبر، ولكنه شكا هذه الشكوى الحارة عند ما تعرض لفتنة الجمال، قال وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ وقال قبل ذلك: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ففتنة الجمال هي الفتنة التي تعصف برأس الحكيم؛ ومن ثم قال ﵊ «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء». ٢ - إن كثيرا من الناس يتساهلون في إدخال أنواع من الرجال إلى بيوتهم بحيث يكون بين هؤلاء الرجال والنساء علاقة: من ذلك من يوصل الحاجيات إلى البيوت، أو أصدقاء الرجل، أو غير ذلك من خادم وتابع، وفي كل صورة من هذه الصور نوع تعرض وتعريض للفتنة، إلا إذا ضبطت هذه الأمور ضوابط الشرع. ٣ - من المعروف عن العرب شدة الحمية في شأن العرض وخاصة في بيوتاتهم الكريمة، فإذا لاحظنا هذا الموقف الذي وقفه عزيز مصر من زوجته مع افتراض أنه هكسوسي فهذا يدعونا إلى افتراض أن النفسية الحاكمة وقتذاك قد داخلها من الترف والفساد، ما أفقدها خصائصها الأصيلة، وهذا لا يكون إلا إذا كان الترف والفساد قد استمر أكثر من جيل، وهذا يدعونا إلى أن نستأنس في أن مجئ يوسف كان- تقريبا- في أواسط حكم الهكسوس لمصر، إذ يكون هذا الترف والفساد بدأ ينخر النظام حتى سقط في النهاية بعد حوالي قرنين ونيف من مجئ يوسف وبني إسرائيل إلى مصر. ومن خلال تسجيلنا لهذه الملاحظة المستمدة من قصة يوسف في القرآن، ومما عرفناه مما لم يذكره القرآن، ندرك كيف أن إعجاز هذا القرآن لا يتناهى، وندرك كيف أن شيئا ما

стр. 2524

لا يمكن أن ينقض حرفا من القرآن، وندرك كيف أن سورة يوسف فيها دليل ودليل على إعجاز القرآن بطريقة مفردة. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من أن محورها من سورة البقرة هو قوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ. *** المشهد الرابع ويمتد من الآية (٣٦) إلى نهاية الآية (٤٢) وهذا هو: [سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٦ الى ٤٢] وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)

стр. 2525

التفسير: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ تحدد التوراة الحالية أنهما ساقي الملك وخبازه قالَ أَحَدُهُما أي الساقي إِنِّي أَرانِي أي في المنام أَعْصِرُ خَمْراً أي عنبا، وهي إما من باب تسمية العنب بما يؤول إليه، أو على لغة أهل عمان. إذ يسمون العنب خمرا وَقالَ الْآخَرُ أي الخباز إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ أي أخبرنا بتأويل ما رأيناه إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي من الذين يحسنون تعبير الرؤيا، أو من المحسنين في العمل إلى أهل السجن قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في يومكما إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ أي ببيان ماهيته وكيفيته قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما أي التأويل والإخبار بالمغيبات مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي أي مما أوحى به إلي ربي، ولم أقله عن تكهن وتنجم إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ هذا تعليل لما قبله. أي علمني ذلك وأوحى به إلي لأني رفضت واجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثوابا ولا عقابا في المعاد وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أي هجرت طريق الكفر والشرك وسلكت طريق هؤلاء المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى واتبع طريق المرسلين، وأعرض عن طريق الضالين فإن الله يهدي قلبه ويعلمه ما لم يكن يعلم، ويجعله إماما يقتدى به في الخير، وداعيا إلى سبيل الرشاد ما كانَ لَنا أي ما صح لنا معشر الأنبياء أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ صنما كان أو غيره ذلِكَ أي التوحيد مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا إذ أوحاه إلينا وأمرنا به وَعَلَى النَّاسِ إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ فضل الله، فيشركون به ولا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم فيتبعونهم، وهكذا لما استعبراه ووصفاه بالإحسان، اتخذها فرصة فوصف نفسه بما هو فوق علم
следующие страницы →