٥ - وفي تفسير (البرهان) في قوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كلام كثير للمفسرين كذلك، وليس في هذا الكلام الكثير من شئ يمكن أن يكون قاطعا في هذا الموضوع، والتوراة الحالية ساكتة عن مثل هذا وأكثر المفسرين على أنه رأى صورة أبيه يعقوب عاضا على إصبعه بفمه. ذكر ذلك ابن كثير عن ابن عباس، وسعيد، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، والحسن، وقتادة، وأبي صالح، والضحاك، ومحمد بن إسحاق وغيرهم. إلا أن الذي يرجحه النسفي أن البرهان هو النظر في دلائل التحريم. ذكر ذلك بعد أن ذكر القول الذي يورده بعضهم في معرض:
أنه هم بها فأراه الله صورة يعقوب ... قال: (ويدل على بطلانه قوله: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ولو كان ذلك منه أيضا لما برأ نفسه من ذلك، وقوله كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ولو كان كذلك لم يكن السوء مصروفا عنه. وقوله ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ولو كان كذلك لخانه بالغيب. وقوله ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ولأنه لو وجد منه ذلك لذكرت توبته واستغفاره كما كان لآدم ونوح وذي النون وداود ﵈. وقد سماه الله مخلصا، فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام وجاهد نفسه مجاهدة أولي العزم ناظرا في دلائل التحريم حتى استحق من الله الثناء. قال ابن جرير:
والصواب أن يقال إنه رأى آية من آيات الله تزجره عما كان هم به. وجائز أن يكون صورة يعقوب وجائز أن يكون صورة الملك، وجائز أن يكون ما رآه مكتوبا من الزجر عن ذلك، ولا حجة قاطعة على تعيين شئ من ذلك، قال ابن كثير: فالصواب أن نطلقه كما قال الله تعالى).
٦ - يختار ابن جرير أن الشاهد الذي شهد ليوسف كان صبيا في المهد. ويختار غيره أنه كان رجلا. قال ابن كثير بعد أن نقل كلام ابن جرير وقد ورد منه حديث مرفوع، فقال ابن جرير ... عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:
«تكلم أربعة وهم صغار» فذكر فيهم شاهد يوسف، ورواه غيره عن حماد بن سلمة عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «تكلم أربعة صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم» للآلوسي تحقيق عند قوله تعالى وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها ننقله كله لما فيه من فوائد، قال: (ذهب جمع إلى أنه كان ابن خالها، وكان طفلا في المهد أنطقه الله تعالى ببراءته ﵇، فقد ورد عنه ﷺ «تكلم أربعة في المهد وهم صغار: ابن ماشطة، ابنة فرعون،
стр. 2522
وشاهد يوسف ﵇. وصاحب جريج. وعيسى ابن مريم ﵉» وتعقب ذلك الطيبي بقوله: يرده دلالة الحصر في حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وصبي كان يرضع من أمه فمر راكب حسن الهيئة فقالت: أمه اللهم أجعل ابني مثل هذا فترك الصبي الثدي، وقال اللهم لا تجعلني مثله» ا. هـ، ورده الجلال السيوطي فقال. هذا منه جار على عادته من عدم الاطلاع على طرق الأحاديث، والحديث المتقدم صحيح أخرجه أحمد في مسنده. وابن حبان في صحيحه. والحاكم في مستدركه وصححه من حديث ابن عباس، ورواه الحاكم أيضا من حديث أبي هريرة، وقال صحيح على شرط الشيخين، وفي حديث الصحيحين المشار إليه آنفا زيادة على الأربعة «الصبي الذي كان يرضع من أمه فمر راكب» الخ فصاروا خمسة وهم أكثر من ذلك، ففي صحيح مسلم تكلم الطفل في قصة الأخدود، وقد جمعت من تكلم في المهد فبلغوا أحد عشر، ونظمتها فقلت:
تكلم في المهد النبي محمد ... ويحيى وعيسى والخليل ومريم
ومبرى جريج ثم شاهد يوسف ... وطفل لذي الأخدود يرويه مسلم
وطفل عليه مر بالأمة التي ... يقال لها تزني ولا تتكلم
وماشطة في عهد فرعون طفلها ... وفي زمن الهادي المبرك يختم
اهـ، وفيه أنه لم يرد الطيبي الطعن على الحديث الذي ذكر كما توهم، وإنما أراد أن يبين أن الحديث الدال على الحصر وغيره تعارضا وذلك يحتاج إلى التوفيق.
٧ - ورد أكثر من حديث يتكلم عن حسن يوسف، ومن ذلك ما ورد في الحديث الصحيح في حديث الإسراء أن رسول الله ﷺ مر بيوسف ﵇ في السماء الثالثة. قال: «فإذا هو قد أعطي شطر الحسن» وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطي يوسف وأمه شطر الحسن» قال السهيلي:
معناه أن يوسف ﵇ كان على النصف من حسن آدم ﵇، فإن الله خلق آدم بيده على أكمل صورة وأحسنها، ولم يكن في ذريته من يوازيه في جماله، وكان يوسف قد أعطى شطر حسنه. أقول: قال بعضهم لقد أعطي محمد ﷺ الحسن كله.
فليوسف شطره، ولمحمد ﷺ كله:
وأجمل منك لم تر قط عيني ... وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرأ من كل عيب ... كأنك قد خلقت كما تشاء
стр. 2523
٨ - بمناسبة استعصام يوسف ﵇ يورد ابن كثير الحديث الوارد في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:
إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه».
ملاحظات:
١ - من قصة يوسف تعرف أن أفظع فتنة يمكن أن تمر بإنسان هي فتنة الجمال، ومن ثم نلاحظ أن يوسف استقبل الإلقاء في البئر بصبر، واستقبل العبودية بصبر، واستقبل السجن بصبر، ولكنه شكا هذه الشكوى الحارة عند ما تعرض لفتنة الجمال، قال وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ وقال قبل ذلك:
رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ففتنة الجمال هي الفتنة التي تعصف برأس الحكيم؛ ومن ثم قال ﵊ «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء».
٢ - إن كثيرا من الناس يتساهلون في إدخال أنواع من الرجال إلى بيوتهم بحيث يكون بين هؤلاء الرجال والنساء علاقة: من ذلك من يوصل الحاجيات إلى البيوت، أو أصدقاء الرجل، أو غير ذلك من خادم وتابع، وفي كل صورة من هذه الصور نوع تعرض وتعريض للفتنة، إلا إذا ضبطت هذه الأمور ضوابط الشرع.
٣ - من المعروف عن العرب شدة الحمية في شأن العرض وخاصة في بيوتاتهم الكريمة، فإذا لاحظنا هذا الموقف الذي وقفه عزيز مصر من زوجته مع افتراض أنه هكسوسي فهذا يدعونا إلى افتراض أن النفسية الحاكمة وقتذاك قد داخلها من الترف والفساد، ما أفقدها خصائصها الأصيلة، وهذا لا يكون إلا إذا كان الترف والفساد قد استمر أكثر من جيل، وهذا يدعونا إلى أن نستأنس في أن مجئ يوسف كان- تقريبا- في أواسط حكم الهكسوس لمصر، إذ يكون هذا الترف والفساد بدأ ينخر النظام حتى سقط في النهاية بعد حوالي قرنين ونيف من مجئ يوسف وبني إسرائيل إلى مصر. ومن خلال تسجيلنا لهذه الملاحظة المستمدة من قصة يوسف في القرآن، ومما عرفناه مما لم يذكره القرآن، ندرك كيف أن إعجاز هذا القرآن لا يتناهى، وندرك كيف أن شيئا ما
стр. 2524
لا يمكن أن ينقض حرفا من القرآن، وندرك كيف أن سورة يوسف فيها دليل ودليل على إعجاز القرآن بطريقة مفردة. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من أن محورها من سورة البقرة هو قوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.
*** المشهد الرابع
ويمتد من الآية (٣٦) إلى نهاية الآية (٤٢) وهذا هو:
[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٦ الى ٤٢]
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠)
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)
стр. 2525
التفسير:
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ تحدد التوراة الحالية أنهما ساقي الملك وخبازه قالَ أَحَدُهُما أي الساقي إِنِّي أَرانِي أي في المنام أَعْصِرُ خَمْراً أي عنبا، وهي إما من باب تسمية العنب بما يؤول إليه، أو على لغة أهل عمان. إذ يسمون العنب خمرا وَقالَ الْآخَرُ أي الخباز إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ أي أخبرنا بتأويل ما رأيناه إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي من الذين يحسنون تعبير الرؤيا، أو من المحسنين في العمل إلى أهل السجن
قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في يومكما إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ أي ببيان ماهيته وكيفيته قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما أي التأويل والإخبار بالمغيبات مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي أي مما أوحى به إلي ربي، ولم أقله عن تكهن وتنجم إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ هذا تعليل لما قبله. أي علمني ذلك وأوحى به إلي لأني رفضت واجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثوابا ولا عقابا في المعاد
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أي هجرت طريق الكفر والشرك وسلكت طريق هؤلاء المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى واتبع طريق المرسلين، وأعرض عن طريق الضالين فإن الله يهدي قلبه ويعلمه ما لم يكن يعلم، ويجعله إماما يقتدى به في الخير، وداعيا إلى سبيل الرشاد ما كانَ لَنا أي ما صح لنا معشر الأنبياء أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ صنما كان أو غيره ذلِكَ أي التوحيد مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا إذ أوحاه إلينا وأمرنا به وَعَلَى النَّاسِ إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ فضل الله، فيشركون به ولا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم فيتبعونهم، وهكذا لما استعبراه ووصفاه بالإحسان، اتخذها فرصة فوصف نفسه بما هو فوق علم
стр. 2526
العلماء، وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما، ويصفه لهما، فيقول اليوم يأتيكما طعام كذا وطعام كذا. فيكون كذلك، ثم ذكر الآباء ليريهما أنه من بيت النبوة، بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه بما ذكر من أخبار الغيوب، ليقوي ثقتهما به، وجعل ذلك كله تخلصا إلى أن يذكر لهما التوحيد كما سيأتي، ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما ويقبح إليهما الشرك. قال النسفي: وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده، وغرضه أن يقتبس منه لم يكن من باب التزكية.
فائدة:
روى ابن أبي حاتم عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يجعل الجد أبا (أي في الإرث) ويقول: والله لمن شاء لاعنته عند الحجر ما ذكر الله جدا ولا جدة. قال الله تعالى يعني إخبارا عن يوسف: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ....
..............
ولنعد إلى السياق.
فبعد هذه المقدمة التي قدمها يوسف أقبل على الفتيين بالمخاطبة والدعاء لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما، فقال: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ في هذا النداء خطاب لهما بصفة صحبة المكان إيناسا لهما أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ الذي ذل كل شئ لعز جلاله، وعظمة سلطانه، أي أأن تكون لكما أرباب شتى يستعبدكما هذا ويستعبدكما هذا خير لكما، أم أن يكون لكما رب واحد قهار لا يغالب ولا يشارك في الربوبية؟!
ما تَعْبُدُونَ أنتما وأمثالكما ممن على دينكما مِنْ دُونِهِ أي من دون الله إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ أي من حجة ولا برهان والمعنى سميتم ما لا يستحق الألوهية آلهة، ثم طفقتم تعبدونها فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء لا مسميات لها ما أنزل الله بتسميتها حجة إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أي ما الحكم في أمر العبادة والدين إلا لله، ثم بين ما حكم به فقال: أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ فكل نوع من أنواع العبادة يؤدى لغيره شرك وكفر وضلال ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي الثابت الذي دلت عليه البراهين. والمعنى: هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد وإخلاص العمل لله هو الدين المستقيم الذي أمر الله به، وأنزل فيه الحجة والبرهان والذي يحبه ويرضاه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فلهذا كان أكثرهم مشركين، وهكذا جعل سؤالهما
стр. 2527
سببا إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام، لما رأى في سجيتهما من قبول الخير، والإقبال عليه. والإنصات إليه،
ولما فرغ من دعوتهما شرع في تعبير رؤياهما من غير تكرار سؤال فقال: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا، ولكنه لم يعينه لئلا يحزن ذاك، ولهذا أبهمه وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا، ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه، وهو واقع لا محالة قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ أي قطع وتم ما تستفتيان فيه من أمركما وشأنكما
وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا الظان هو يوسف ﵇، فإن كان تأويله بطريق الاجتهاد فالظن على حقيقته، وإن كان بطريق الوحي فالظن بمعنى اليقين، وكان كلامه للناجي في ظنه، وهو الساقي، ويبدو أنه قال ذلك خفية عن الآخر لئلا يشعره أنه هو المطلوب اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ أي اذكر قصتي عند ربك، وهو الملك، وصفني
بصفتي، وقص عليه قصتي لعله يرحمني ويخلصني مما أنا فيه فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ أي فنسي ذلك الموصى أن يذكر مولاه الملك بذلك، وكان ذلك النسيان من جملة مكايدة الشيطان لئلا يخرج نبي الله من السجن فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ أي مكث في السجن بضع سنين، والبضع ما بين الثلاث إلى التسع. وأكثر المفسرين على أن مدة مكثه سبع سنين. وبهذا ينتهي المشهد.
فوائد:
١ - هذا المشهد الذي مر معنا موجود في التوراة الحالية في الإصحاح الأربعين من سفر التكوين. ولكن شتان بين العرضين وليس لنا ما نأخذه من هذا الإصحاح إلا أن هناك قضية خلافية بين المفسرين حول قوله تعالى: فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ.
هل الضمير يعود على يوسف أو على الساقي والراجح عن مفسرينا أن الضمير يعود على الساقي، والتوراة الحالية ترجح هذا الاتجاه إذ تقول: (ولكن لم يذكر رئيس السقاة يوسف بل نسيه) كما أن في هذا الإصحاح كلام يوسف للساقي (وتذكرني لفرعون وتخرجني من هذا البيت لأني قد سرقت من أرض العبرانيين وهنا أيضا لم أفعل شيئا حتى وضعوني في السجن) وليس في الإصحاح دعوة يوسف للساقي وزميله، وليس في الإصحاح ذكر للسبب الذي به سجنا سوى أنهما أذنبا. وبعض المفسرين المسلمين يذكر أن سبب سجنهما توهم فرعون أنهما تمالآ على سمه في طعامه وشرابه، وفي الإصحاح مزيد تفصيل حول الرؤيا وتعبيرها، وفيه تصريح بأن يوسف واجه كلا من
стр. 2528
الاثنين بتعبير رؤياه صراحة، وبهذه المناسبة نقول: إن من يتأمل هذا المشهد ويقارنه بما ورد في هذا الشأن في سفر التكوين يجد في هذا المشهد وحده معجزة، فإصحاح سفر التكوين لا تكاد تجد فيه أي مظهر من مظاهر النبوة وهديها وكلامها ودعوتها، بينما تجد القرآن يذكر لك الموضوع كأنك تراه بكل حيثياته الهادية، وبكل ما يدل على شخصية يوسف كما هي في نبوتها وما يليق بهذه النبوة من هدى. وللمقارنة ننقل الإصحاح كله. الإصحاح الأربعين: (وحدث بعد هذه الأمور أن ساقي ملك مصر والخباز أذنبا إلى سيدهما ملك مصر، فسخط فرعون على خصييه رئيس السقاة ورئيس الخبازين، فوضعهما في حبس بيت رئيس الشرط في بيت السجن المكان الذي كان يوسف محبوسا فيه. فأقام رئيس الشرط يوسف عندهما فخدمهما، وكانا أياما في الحبس. وحلما كلاهما حلما في ليلة واحدة كل واحد حلمه كل واحد بحسب تعبير حلمه. ساقي ملك مصر وخبازه المحبوسان في بيت السجن. فدخل يوسف إليهما في الصباح ونظرهما وإذا هما مغتمان. فسأل خصيي فرعون اللذين معه في حبس بيت سيده قائلا لماذا وجهاكما مكمدان اليوم: فقالا له حلمنا حلما وليس من يعبره. فقال لهما يوسف أليست لله التعابير. قصا علي. فقص رئيس السقاة حلمه على يوسف وقال له كنت في حلمي وإذا كرمة أمامي. وفي الكرمة ثلاثة قضبان وهي إذا أفرخت طلع زهرها وأنضجت عناقيدها عنبا. وكانت كأس فرعون في يدي، فأخذت العنب، وعصرته في كأس فرعون وأعطيت الكأس في يد فرعون. فقال له يوسف هذا تعبيره. الثلاثة القضبان هي ثلاثة أيام. في ثلاثة أيام أيضا يرفع رأسك ويردك إلى مقامك، فتعطي كأس فرعون في يده كالعادة الأولي حين كنت ساقيه. وإنما إذا ذكرتني عندك حينما يصير لك خير تصنعه إلي إحسانا وتذكرني لفرعون وتخرجني من هذا البيت لأني قد سرقت من أرض العبرانيين. وهنا أيضا لم أفعل شيئا حتى وضعوني في السجن.
فلما رأى رئيس الخبازين أنه عبر جيدا قال ليوسف كنت أنا أيضا في حلمي، وإذا ثلاثة سلال حوارى على رأسي. وفي السل الأعلى من جميع طعام فرعون من صنعة الخباز. والطيور تأكله من السل عن رأسي. فأجاب يوسف وقال: هذا تعبيره، الثلاثة السلال هي، ثلاثة أيام. في ثلاثة أيام أيضا يرفع فرعون رأسك عنك ويعلقك على خشبة وتأكل الطيور لحمك عنك.
فحدث في اليوم الثالث يوم ميلاد فرعون أنه صنع وليمة لجميع عبيده ورفع رأس رئيس السقاة ورأس رئيس الخبازين بين عبيده. ورد رئيس السقاة إلى سقيه. فأعطى
стр. 2529
الكأس في يد فرعون. وأما رئيس الخبازين فعلقه كما عبر لهما يوسف. ولكن لم يذكر رئيس السقاة يوسف بل نسيه).
٢ - عند ما ذكر الله لنا في سورة الأنعام أسماء ثمانية عشر رسولا ذكر هناك من جملتهم يوسف ﵇. ثم بعد ذلك قال الله أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وعلى هذا فيوسف ﵇ قدوة، وهذا المشهد الذي مر معنا يعطينا إذن القدوة لمن ابتلي بالسجن، ومما نلاحظه في هذا الموضوع أن يوسف ﵇ كان محسنا في سجنه، وإن إحسانه كان عاما مع أن من حوله كانوا مشركين، وأنه كان لا يترك فرصة تمر إلا ويدعو فيها إلى الله. وقد استنتج بعض المفسرين أن يوسف ﵇ كان في السجن مشتهرا بالجود والأمانة، وصدق الحديث، وحسن السمت، وكثرة العبادة، ومعرفة التعبير، والإحسان إلى أهل السجن، وعيادة مرضاهم، والقيام بحقوقهم. ونلاحظ أن يوسف ﵇ لم يستنكف أن يقول لساقي الملك اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ولكنه طلب جميل وبأسلوب عفيف.
٣ - التوراة الحالية تذكر أن سن يوسف عند ما ألقاه إخوته في البئر كان سبعة عشر عاما، وتذكر أنه عند ما خرج من السجن كان سنة ثلاثين سنة. وتذكر أنه بقي سنتان بعد خروج الساقي من السجن. فإذا اعتبرنا رأى أكثر المفسرين أن مدة سجنه كانت سبع سنين تكون المسألة على الشكل التالي: أن المراودة كانت وسنة ثلاث وعشرون، وأن رؤيا الفتيين كانت وسنه ثمانية وعشرون سنة، وعلى هذا فإن رواية التوراة الحالية تفيد أنه بقي في السجن سبع سنين وليس في المسألة نص قاطع.
٤ - هناك اتجاه للمفسرين أن الرؤيين للفتيين كانتا مختلقتين، ورواية التوراة الحالية ترجح الرأي الآخر كما رأينا وهو الرأي الذي يقول: إنهما رؤييان حقيقة وهو ما نرجحه.
٥ - بمناسبة قول يوسف ﵇ بعد تعبيره الرؤيين قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ يذكر ابن كثير الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت». وفي مسند أبي يعلى عن أنس مرفوعا «الرؤيا لأول عابر» أي: تقع كما يفسرها أول مفسر. أقول: على شرط أن يكون المعبر يعبر عن علم لا عن جهل.
стр. 2530
٦ - قصة يوسف ﵇ تعتبر ركنا من أركان علم التعبير لأن فيها أربع رؤى وتعبيراتها، ولقد قاس المعبرون على ذلك واستنبطوا قواعد، واستخرجوا أسسا بنوا عليها علم التعبير، والملاحظ: أن علم التعبير عند المسلمين هو أوسع منه عند غيرهم، فلقد كتب علماء المسلمين في هذا الموضوع الكتب المطولة وأساس ذلك كله ما ورد في الكتاب والسنة من تأويل الرؤى.
نقل عن الظلال:
بمناسبة قوله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ. أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ قال صاحب الظلال:
(إن الحكم لا يكون إلا لله، فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته. إذ الحاكمية من خصائص الألوهية. من ادعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته؛ سواء ادعى هذا الحق فرد، أو طبقة، أو حزب، أو هيئة. أو أمة، أو الناس جميعا في صورة منظمة عالمية. ومن نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته، وادعاها فقد كفر بالله كفرا بواحا، يصبح به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة، حتى بحكم هذا النص وحده.
وادعاء هذا الحق لا يكون بصورة واحدة هي التي تخرج المدعي من دائرة الدين القيم، وتجعله منازعا في أولى خصائص ألوهيته- سبحانه- فليس من الضروري أن يقول: ما علمت لكم من إله غيري. أو يقول: أنا ربكم الأعلى. كما قالها فرعون جهرة. ولكنه يدعي هذا الحق وينازع الله فيه بمجرد أن ينحي شريعة الله عن الحاكمية، ويستمد القوانين من مصدر آخر. وبمجرد أن يقرر أن الجهة التي تملك الحاكمية- أي التي تكون هي مصدر السلطات- جهة أخرى غير الله سبحانه .. ولو كان هو مجموع الأمة أو مجموع البشرية. والأمة في النظام الإسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة الله، ولكنها ليست هي مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعيته. إنما مصدر الحاكمية هو الله. وكثيرون حتى من الباحثين المسلمين يخلطون بين مزاولة السلطة وبين مصدر السلطة. فالناس بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكه الله وحده. والناس إنما يزاولون تطبيق ما شرعه الله بسلطانه، أما ما لم يشرعه الله فلا سلطان له ولا شرعية، وما أنزل الله به من سلطان.
стр. 2531
ويوسف- ﵇ يعلل القول بأن الحكم لله وحده فيقول: أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ. ولا نفهم هذا التعليل كما كان يفهمه الرجل العربي إلا حين ندرك معنى «العبادة» التي يختص بها الله وحده.
إن معنى عبد في اللغة: دان، وخضع، وذل ... فعند ما نزل هذا النص أول مرة كان المقصود به هو الدينونة لله وحده، والخضوع له وحده، واتباع أمره وحده، سواء تعلق هذا الأمر بشعيرة تعبدية، أو تعلق بتوجيه أخلاقي، أو تعلق بشريعة قانونية.
فالدينونة لله وحده في هذا كله هي مدلول العبادة التي خص الله- سبحانه- بها نفسه، ولم يجعلها لأحد من خلقه.
وحين نفهم معنى العبادة على هذا النحو نفهم لماذا جعل يوسف- ﵇ اختصاص الله بالعبادة تعليلا لاختصاصه بالحكم. فالعبادة- أي الدينونة- لا تقوم إذا كان الحكم لغيره. وسواء في هذا حكمه القدري القهري في حياة الناس وفي نظام الوجود، وحكمه الشرعي الإرادي في حياة الناس خاصة. فكله حكم تتحقق به الدينونة.
ومرة أخرى نجد أن منازعة الله الحكم تخرج المنازع من دين الله- حكما معلوما من الدين بالضرورة- لأنها تخرجه من عبادة الله وحده .. وهذا هو الشرك الذي يخرج أصحابه من دين الله قطعا. وكذلك الذين يقرون المنازع على ادعائه، ويدينون له بالطاعة وقلوبهم غير منكرة لاغتصابه سلطان الله وخصائصه .. فكلهم سواء في ميزان الله. ويقرر يوسف- ﵇ أن اختصاص الله- سبحانه- بالحكم تحقيقا لاختصاصه بالعبادة. هو وحده الدين القيم: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. وهو تعبير يفيد القصر. فلا دين قيم سوى هذا الدين، الذي يتحقق فيه اختصاص الله بالحكم، تحقيقا لاختصاصه بالعبادة. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.
وكونهم «لا يعلمون» لا يجعلهم على دين الله القيم. فالذي لا يعلم شيئا لا يملك الاعتقاد فيه ولا تحقيقه .. فإذا وجد ناس لا يعلمون حقيقة الدين، لم يعد من الممكن عقلا وواقعا وصفهم بأنهم على هذا الدين. ولم يقم جهلهم عذرا لهم يسبغ عليهم صفة الإسلام. ذلك أن الجهل مانع للصفة ابتداء. فاعتقاد شئ فرع عن العلم به .. وهذا منطق العقل والواقع .. بل منطق البداهة الواضح) ولننتقل إلى المشهد الخامس في القصة.
التفسير:
وَقالَ الْمَلِكُ ملك مصر إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ أي مهازيل والعجف: الهزال الذي ليس بعده وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ أي وسبعا يابسات يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أي يا أعيان المملكة من الحكماء والعلماء والسحرة أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ أي تؤولون وتفسرون، ومعنى عبرت الرؤيا: أي ذكرت عاقبتها وآخر أمرها، ونحوه أولت الرؤيا إذا ذكرت مآلها وهو مرجعها
قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان، وأصل الأضغاث: ما جمع من أخلاط النبات وحزم من أنواع الحشيش فاستعيرت لذلك والتقدير: أضغاث من أحلام وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ يحتمل كلامهم أنهم أرادوا بالأحلام المنامات الباطلة، فقالوا ليس لها عندنا تأويل إنما التأويل للمنامات الصحيحة، ويحتمل أنهم اعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام بخابرين
وَقالَ الَّذِي نَجا من القتل مِنْهُما من صاحبي السجن وهو الساقي وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أي وتذكر يوسف وما شاهد منه بعد مدة، وهذه المدة تحددها التوراة الحالية بأنها سنتان، وتذكره كان حين استفتى الملك في رؤياه، وأعضل على الملك تأويلها. وعندئذ تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤيا هو رؤيا صاحبه وطلبه إليه أن يذكره عند الملك فقال: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ
стр. 2534
بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ أي أنا أخبركم بتفسيره عمن عنده علمه فابعثوني إليه لأسأله،
فبعثوه فجاء فقال: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أي أيها البليغ في الصدق وإنما قال له ذلك لأنه ذاق وتعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاء تفسيرها كما أول أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ أي إلى الملك وأعوانه لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ الحق في أمرها، وفضلك ومكانك من العلم فيطلقونك من محنتك،
فعند ذلك ذكر له يوسف تعبيرها من غير تعنيف للفتى في نسيانه ما وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك قالَ: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً أي متواليات وكلامه يفيد الأمر والتقدير: ازرعوا سبع سنين متواليات فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ كيلا يأكله السوس إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ في تلك السنين كأنه قال: إن أمامكم سبع سنين مخصبة ممطرة، فمهما استغللتم في هذه السبع السنين فادخروه في سنبله ليكون أبقى له، وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلا لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات
لذلك قال: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ أي ممحلات يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ أي في السنين المخصبة إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ أي تحرزون وتخبئون
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد أربع عشرة سنة عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ أي يأتيهم الغيث وهو المطر وَفِيهِ يَعْصِرُونَ العنب والزيتون وغير ذلك، فيتخذون الأشربة والأدهان، أول البقرات السمات، والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة،
ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا أن العام الثامن بعد الشدة يجئ مباركا، كثير الخير، غزير النعم، وذلك من جهة الوحي وَقالَ الْمَلِكُ بعد أن رجعوا إليه بتعبير رؤياه التي كان رآها بما أعجبه وأيقنه فعرف فضل يوسف ﵇ وعلمه ائْتُونِي بِهِ أي أخرجوه من السجن وأحضروه فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ليخرجه من السجن قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ أي إلى الملك فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ أي إن كيدهن عظيم لا يعلمه إلا الله وهو مجازيهن عليه، امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته ونزاهة عرضه، مما نسب إليه، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه بل كان ظلما وعدوانا. قال النسفي: (إنما تثبت يوسف، وتأنى في إجابة الملك، وقدم سؤال النسوة؛ ليظهر براءة ساحته، عما رمي به وسجن فيه، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده، ويجعلوه سلما إلى حط
стр. 2535
منزلته لديه، ولئلا يقولوا ما خلد في السجن سبع سنين إلا لأمر عظيم وجرم كبير، وفيه دليل على أن الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها) والملاحظ أنه لم يذكر سيدته مع ما صنعت به وتسببت فيه من السجن والعذاب، واقتصر على ذكر المقطعات أيديهن، وذلك من كمال كرمه وحسن أدبه، ورجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف،
فدعا الملك النسوة المقطعات أيديهن، ودعا امرأة العزيز فإما أنهن معروفات أو أن يوسف حدد أسماءهن قالَ أي الملك لهن ما خَطْبُكُنَّ أي ما شأنكن إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ أي هل وجدتن منه ميلا إليكن قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ تعجبا من قدرته على خلق عفيف مثله ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ أي من ذنب قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أي ظهر واستقر أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ أي في قوله هي راودتني عن نفسي، ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة والنزاهة، واعترافهن على أنفسهن أنه لم يتعلق بشيء مما قذف به
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ* وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ هذا الكلام هل هو كلام امرأة العزيز؟ أو قول يوسف معللا سبب امتناعه من الخروج حتى تثبت براءته؟ قولان للمفسرين وقد رجّح ابن تيمية وابن كثير أن هذا من تتمة كلام امرأة العزيز، ولم يذكر ابن جرير وابن أبي حاتم إلا القول الذي يدل على أنه من كلام يوسف، وعلى القول أن هذا من تتمة كلام امرأة العزيز يكون المعني: إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة، فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي تقول المرأة لست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى، ولهذا راودته إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي أي إلا من عصمه الله إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ذكرت بغفران الله الذنب، وبرحمة الله مستعطفة، راجية وعلى القول بأن هذا كلام يوسف يكون المعنى: ذلِكَ أي امتناعي عن الخروج لِيَعْلَمَ أي العزيز أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ أي بظهر الغيب في حرمه، أو ليعلم الملك أني لم أخن العزيز بظهر الغيب وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ أي وليعلم أن الله لا يسدد كيد الخائنين، وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها أمانة زوجها، ثم أراد أن يتواضع لله، ويهضم نفسه؛ لئلا يكون لها مزكيا، وليبين أن ما فيه من الأمانة بتوفيق الله وعصمته فقال: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي أي من الزلل وما أشهد لها بالبراءة الكلية، ولا أزكيها
стр. 2536
في عموم الأحوال أو في هذه الحادثة، لما ذكرنا من الهم الذي هو الخطرة البشرية لا عن طريق القصد والعزم إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ أي إن النفس البشرية بطبيعتها تأمر بالسوء، وتحمل عليه لما فيه من شهواتها وحظوظها إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي أي إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة، أو إلا وقت رحمة ربي. يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا وقت العصمة، أو إن النفس لأمارة بالسوء، ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، وبعد أن ذكر النسفي وقرر هذا الوجه، وهو أن هذا كلام يوسف ذكر وجه أن يكون هذا كلام امرأة العزيز إلا أنه وجهه غير التوجيه الذي وجهه إياه ابن كثير، وهذا كلامه: (وقيل هو من كلام امرأة العزيز أي ذلِكَ الذي قلت لِيَعْلَمَ يوسف أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ ولم أكذب عليه في حال الغيبة، وجئت بالصدق فيما سئلت عنه وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين فر مني وقلت ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ وأودعته السجن، وتريد الاعتذار مما كان منها، إن كل نفس لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إلا نفسا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت، وإنما جعل من كلام يوسف، ولا دليل عليه ظاهر، لأن المعنى يقود إليه، وقيل هذا من تقديم القرآن وتأخيره، أي قوله ذلِكَ لِيَعْلَمَ متصل بقوله ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ.
وسواء كان كلام امرأة العزيز، أو كان كلام يوسف ﵇، فالدرس المستفاد منه لا يتغير، أن العاقبة الحميدة للأمانة، والعاقبة الذليلة للخيانة. وَقالَ الْمَلِكُ حين تحقق براءة يوسف ﵇، ونزاهة عرضه مما نسب إليه ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي أي أجعله خالصا لنفسي، أي أجعله من خاصتي، وأهل مشورتي. فَلَمَّا كَلَّمَهُ أي خاطبه الملك، وعرفه، ورأى فضله وبراعته، وعلم ما هو عليه من خلق وخلق وكمال قالَ أي الملك ليوسف إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أي ذو مكانة ومنزلة أَمِينٌ أي مؤتمن على كل شئ
قالَ يوسف اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ أي ولني على خزائن أرضك أرض مصر، والخزائن هي الأهراء التي يجمع فيها الغلات، لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها، فيتصرف لهم على الوجه الأحوط، والأصلح، والأرشد إِنِّي حَفِيظٌ أي أمين أحفظ ما تستحفظنيه عَلِيمٌ أي عالم بوجوه التصرف، هذا تعليل لطلبه، وصف نفسه بالأمانة، والكفاية، وهما طلبة الملوك ممن يولونه، وهما الصفتان اللتان يحتاجهما
стр. 2537
كل عمل. وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله، وإقامة الحق، وبسط العدل، والتمكن مما لأجله بعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أن أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلبه ابتغاء وجه الله، لا لحب الملك والدنيا. قال النسفي. (قالوا: وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عمالة من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلمة، وإذا علم النبي، أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله، ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق فله أن يستظهر به، وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه، ولا يعترض عليه في كل ما رأى، وكان في حكم التابع له).
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أي ومثل ذلك التمكين الظاهر مكنا ليوسف في الأرض. أرض مصر. والتمكين الإقدار وإعطاء المكنة يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ أي كل مكان أراد أن يتخذه منزلا لم يمنع منه لاستيلائه على جميعها، ودخولها تحت سلطانه نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا أي بعطائنا في الدنيا من الملك والغنى وغيرهما من النعم مَنْ نَشاءُ أي من اقتضت الحكمة أن نشاء له ذلك وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ كما لم نضع صبر يوسف على أذى إخوته، وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز، فلهذا أعقبه الله النصر والتأييد في الدنيا
وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ يخبر تعالى أن ما ادخره لنبيه يوسف ﵇، ومن كان على قدمه من المؤمنين المتقين في الدار الآخرة أعظم وأكثر وأجل مما خوله من التصرف، والنفوذ في الدنيا.
فوائد:
١ - هذا المشهد الذي مر معنا موجود في التوراة الحالية في الإصحاح الحادي والأربعين وليس في الإصحاح كثير من التفصيلات فليس فيه أن رئيس السقاة يقص على يوسف الرؤيا، ثم يرجع بذلك إلى الملك، وليس فيه طلب يوسف سؤال النسوة وما جرى فيه، وذلك غير مستغرب. لأن التوراة الحالية روايات مجموعة بعد زمن طويل من نزولها. ولعل من أعظم الأدلة على أن التوراة الحقيقية كانت ضائعة، هذا النص الموجود في سفر الملوك الثاني في الإصحاح الثاني والعشرين والإصحاح الثالث والعشرين وفيهما: (فقال حلقيا الكاهن العظيم لشافان الكاتب قد وجدت سفر الشريعة في بيت الرب. وسلم حلقيا السفر لشافان فقرأه .... فلما سمع الملك كلام سفر الشريعة مزق ثيابه ... اذهبوا واسألوا الرب لأجلي ولأجل الشعب ولأجل كل يهوذا من جهة كلام
стр. 2538
هذا السفر الذي وجد لأنه عظيم هو غضب الرب الذي اشتعل علينا من أجل أن آباءنا لم يسمعوا لكلام هذا السفر ..... وقرأ في آذانهم كل كلام سفر الشريعة الذي وجد في بيت الرب .... ) فإذا كان سفر الشريعة قد عثر عليه في زمن الملك يوشيا الذي لم يكن بينه وبين سبي بابل إلا ملكان هما: يهوآحاز، ويهوياتيم فما بالك ببقية التوراة، وما بالك بما جرى لها بعد سبي بابل، فإذا عرفنا أن المعروف أن التوراة قد جمعت من الروايات الشفهية بعد غزو بابل، أدركنا ما طرأ عليها، وعرفنا نعمة الله الذي أنزل هذا القرآن، مستوعبا التوراة والإنجيل والزبور، وزائدا على الجميع، بمجموع ما فيه، ومن ثم نجد فيه مثل هذا الكمال. فهذا الفصل الذي رأيناه من قصة يوسف يستوعب ما ورد في الإصحاح الحادي والأربعين: ويزيد عليه بتفصيلات كثيرة هي من اللباب في باب الهداية. هذا مع الدقة والصدق والخلو من الحشو والخطأ والباطل، وتحريفات أقلام النساخ الكاذبة، ونلاحظ أن الإصحاح الحادي والأربعين في التوراة الحالية يقص قصة زواج يوسف ﵇ من بنت كاهن أون، وليس في ذلك أي إشارة إلى أن زوجته هذه هي زوجة سيده، وإنما أشرنا إلى هذا المعنى لأن بعض المفسرين يستطردون في هذا المقام فينقلون نقولا إما أنها من روايات أهل الكتاب، أو من اختلاق القصاص، وليس عليها من دليل قائم من كتاب أو سنة أو حتى رواية توراة مختلطة، فإذا استقرت هذه المعاني أصبح بإمكاننا أن ننقل الإصحاح كله، ومن قراءته يدرك القارئ الفارق العظيم بين القرآن وغيره، ويرى مظهرا من مظاهر الإعجاز، ويعرف بذلك كيف أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عند بشر، ويعرف لم كانت سورة يوسف نموذجا على الإعجاز الذي ينفي الريب عما أنزل الله على محمد ﷺ وهذا هو الإصحاح الحادي والأربعون: (وحدث من بعد سنتين (١) من الزمان أن فرعون رأى حلما. وإذا هو واقف عند النهر. وهو ذا سبع بقرات طالعة من النهر حسنة المنظر وسمينة اللحم.
فارتعت في روضة. ثم هو ذا سبع بقرات أخرى طالعة وراءها من النهر قبيحة المنظر ورقيقة اللحم. فوقفت بجانب البقرات الأولى على شاطئ النهر فأكلت البقرات القبيحة المنظر والرقيقة اللحم البقرات السبع الحسنة المنظر والسمينة. واستيقظ فرعون ثم نام فحلم ثانية، وهو ذا سبع سنابل طالعة في ساق واحد سمينة وحسنة، ثم هو ذا سبع سنابل رقيقة وملفوفة بالريح الشرقية ثابتة، وراءها. فابتلعت السنابل الرقيقة السنابل
стр. 2539
السبع السمينة الممتلئة، واستيقظ فرعون وإذا هو حلم. وكان في الصباح أن نفسه انزعجت فأرسل ودعا جميع سحرة مصر وجميع حكمائها، وقص عليهم فرعون حلمه، فلم يكن من يعبره لفرعون: ثم كلم رئيس السقاة فرعون قائلا أنا أتذكر اليوم خطاياي. فرعون سخط على عبديه فجعلني في حبس بيت رئيس الشرط أنا ورئيس الخبازين، فحلمنا حلما في ليلة واحدة. أنا وهو حلمنا كل واحد بحسب تعبير حلمه.
وكان هناك معنا غلام عبراني عبد لرئيس الشرط فقصصنا عليه فعبر لنا حليمنا. عبر لكل واحد بحسب حلمه. وكما عبر لنا هكذا حدث. ردني أنا إلى مقامي، وأما هو فعلقه فأرسل فرعون ودعا يوسف فأسرعوا به من السجن، فحلق وأبدل ثيابه ودخل على فرعون فقال فرعون ليوسف حلمت حلما وليس من يعبره. وأنا سمعت عنك قولا إنك تسمع أحلاما لتعبرها فأجاب يوسف فرعون قائلا ليس لي. الله يجيب بسلامة فرعون.
فقال فرعون ليوسف إني كنت في حلمي واقفا على شاطئ النهر. وهو ذا سبع بقرات طالعة من النهر سمينة اللحم وحسنة الصورة فارتعت في روضة، ثم هو ذا سبع بقرات أخرى طالعة وراءها مهزولة وقبيحة الصورة جدا ورقيقة اللحم. لم انظر في كل أرض مصر مثلها في القباحة. فأكلت البقرات الرقيقة والقبيحة البقرات السبع الأولى السمينة. فدخلت أجوافها ولم يعلم أنها دخلت في أجوافها فكان منظرها قبيحا كما في الأول. واستيقظت ثم رأيت في حلمي، وهو ذا سبع سنابل طالعة في ساق واحد ممتلئة وحسنة ثم هو ذا سبع سنابل يابسة رقيقة ملفوحة بالريح الشرقية نابتة وراءها فابتلعت السنابل الرقيقة السبع الحسنة فقلت للسحرة ولم يكن من يخبرني.
فقال يوسف لفرعون حلم فرعون واحد، قد أخبر الله فرعون بما هو صانع، البقرات السبع الحسنة، هي سبع سنين، والسنابل السبع الحسنة هي سبع سنين، هو حلم واحد، والبقرات السبع الرقيقة القبيحة التي طلعت وراءها هي سبع سنين، والسنابل السبع الفارغة الملفوحة بالريح الشرقية تكون سبع سنين جوعا، هو الأمر الذي كلمت به فرعون. قد أظهر الله لفرعون ما هو صانع هو ذا سبع سنين قادمة شبعا عظيما في كل أرض مصر ثم تقوم بعدها سبع سنين جوعا. فينسى كل الشبع في أرض مصر، ويتلف الجوع الأرض ولا يعرف الشبع في الأرض من أجل ذلك الجوع بعده.
لأنه يكون شديدا جدا. وأما عن تكرار الحلم على فرعون مرتين فلأن الأمر مقرر من قبل الله والله مسرع ليصنعه.
стр. 2540
فالآن لينظر فرعون رجلا بصيرا ويجعله على أرض مصر. يفعل فرعون فيوكل نظارا على الأرض، ويأخذ خمس غلة أرض مصر فى سبع سني الشبع، فيجمعون جميع طعام هذه السنين الجيدة القادمة ويخزنون قمحا تحت يد فرعون طعاما في المدن ويحفظونه.
فيكون الطعام ذخيرة للأرض لسبع سني الجوع التي تكون في أرض مصر. فلا تنقرض الأرض بالجوع. فحسن الكلام في عيني فرعون. وفى عيون عبيده، فقال فرعون لعبيده هل نجد مثل هذا رجلا فيه روح الله. ثم قال فرعون ليوسف بعد ما أعلمك الله كل هذا ليس بصير وحكيم مثلك، أنت تكون على بيتي وعلى فمك يقبل جميع شعبي.
إلا أن الكرسي أكون فيه أعظم منك. ثم قال فرعون ليوسف انظر. قد جعلتك على كل أرض مصر. وخلع فرعون خاتمه من يده وجعله في يد يوسف. وألبسه ثياب بوص ووضع طوق ذهب في عنقه. وأركبه في مركبته الثانية. ونادوا أمامه اركعوا. وجعله على كل أرض مصر. وقال فرعون ليوسف أنا فرعون فبدونك لا يرفع إنسان يده ولا رجله في كل أرض مصر.
ودعا فرعون اسم يوسف صفنات فعنيح وأعطاه أسنات بنت فوطي فارع كاهن أون زوجة. فخرج يوسف على أرض مصر، وكان يوسف ابن ثلاثين سنة لما وقف قدام فرعون ملك مصر، فخرج يوسف من لدن فرعون واجتاز في كل أرض مصر.
وأثمرت الأرض في سبع سني الشبع بحزم. فجمع كل طعام السبع الذي حواليها جعله فيها، وخزن يوسف قمحا كرمل البحر كثيرا جدا حتى ترك العدد إذ لم يكن له عدد وولد ليوسف ابنان قبل أن تأتي سنة الجوع. ولدتهما له أسنات بنت فوطي فارع كاهن أون. ودعا يوسف اسم البكر قنسى قائلا لأن الله أنساني كل تعبي وكل بيت أبي، ودعا اسم الثاني أفرايم قائلا لأن الله جعلنى مثمرا في أرض مذلتي.
ثم كملت سبع سني الشبع الذي كان في أرض مصر. وابتدأت سبع سني الجوع تأتي كما قال يوسف. فكان جوع في جميع البلدان. وأما جميع أرض مصر فكان فيها خبز. ولما جاعت جميع أرض مصر وصرخ الشعب إلى فرعون لأجل الخبز قال فرعون لكل المصريين اذهبوا إلى يوسف. والذي يقول لكم افعلوا وكان الجوع على كل وجه الأرض. وفتح يوسف جميع ما فيه طعام وباع للمصريين. واشتد الجوع في أرض مصر. وجاءت كل الأرض إلى مصر إلى يوسف لتشتري قمحا. لأن الجوع كان شديدا في كل الأرض.).
стр. 2541
٢ - لفت نظرنا سيدنا رسول الله ﷺ إلى مواقف في قصة يوسف ﵇، رحمة بهذه الأمة. فلنر ذلك:
في المسند والصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ :
«نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى الآية (والمعنى: وإذ لم نشك نحن فإن إبراهيم لم يقل كلمة شكا) ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي» وفي هذا الشأن بيان للرخصة رحمة بأفراد هذه الأمة، حتى لا يظن أحد من هذه الأمة أن عليه أن يقف موقف يوسف في رفض الخروج حتى تثبت البراءة، وفي لفظ الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ فقال رسول الله ﷺ : «لو كنت أنا لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر».
وروى عبد الرزاق عن عكرمة قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر» قال ابن كثير: هذا حديث مرسل. وكما قلنا فإن رسولنا ﵊ يعطي هذه الأمة رخصة في هذا المقام: وإلا فما أوقف الله رسوله ﷺ موقفا إلا وتصرف فيه التصرف الأعلى والأكمل والأرقى.
٣ - في طلب يوسف الولاية من سلطة كافرة بناء على كفايته، وأمانته في القيام بمضمونها، وقبوله ما يشبه الوزارة في دولة كافرة، وهو محل القدوة، دليل على أن حكم الله في هذا الموضوع مرتبط بمصلحة الإسلام والمسلمين ومصلحة الخلق، وهو موضوع يحتاج إلى موازنات كثيرة، وشورى من أهلها إن وجدوا، وقد غلط ناس ظنوا أن المشاركة في وزارة أو غيرها في كل سلطة كافرة حرام بإطلاق، وفى ثناء يوسف ﵇ على نفسه دليل على أنه يجوز للرجل ذلك إذا جهل أمره للحاجة.
وهاتان قضيتان مهمتان في عصرنا. ففي عصرنا حيث يتحكم الكفر ويحكم.
وحيث فرضت أنظمة كافرة على أقطار إسلامية، تجد بعض المسلمين يترددون في المشاركة في الحكم، أو في رفضه، وتجدهم يترددون في ترشيح أنفسهم لمناصب
стр. 2542
الدولة، والذي نفهمه من قصة يوسف ﵇ أنه يستطيع المسلم أن يزكي نفسه في بعض الحالات، وأن يستلم منصبا من مناصب الدولة إذا كان في ذلك خدمة لدين الله، أو مصلحة للمسلمين، أو منفعة عامة للخلق، لا يرافقها إثم، ويتدخل في هذا الموضوع عامل النية، وموقف أهل الحق. فإذا ارتأى أهل الحق لأحدهم أن يفعل شيئا فعليه أن يفعل على شرط تصحيح النية. وفى كتابنا (دروس في العمل الإسلامى) بيان لهذا الموضوع، وليس كلامنا في عمل يتنافى مع العقيدة، أو يضطر صاحبه للنفاق، أو لعمل آثم. والموازنة دائما بين الجيد والأجود، والعزيمة والرخصة، واختيار أخف الشرين، وأهون الضررين صعبة. وتحتاج إلى توفيق إلهي. إن الذين يخطئون المسلم الصالح الذي يقبل وزارة في بلد كالهند الحالية يحكمون على الإسلام بالدمار هناك، والذين يقبلون النعال ويركبون متن النفاق للوصول إلى وزارة لا يخدمون فيها إلا الكفر، ليسوا إلا طلاب دنيا.
والقاعدة: إذا وجد أهل الشورى من أهل الحق، ورأوا رأيا، أو رأت أكثريتهم رأيا فهو الفيصل في كل زمان ومكان. لأن قضايا الحياة من التعقيد بحيث لا يسع المسلمين فيها موقف لين، أو موقف صلب. ولقد قال الألوسي عند قوله تعالى حكاية عن يوسف اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه بالحق إذا جهل أمره، وجواز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل، وإجراء أحكام الشريعة، وإن كان من يد الجائر أو الكافر، وربما يجب عليه الطلب إذا توقف على ولايته إقامة واجب مثلا وكان متعينا لذلك، وما في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فأنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها» والمراد في غير ما ذكر) اهـ كلام الالوسي
٤ - مر معنا أن الرؤيا لأول عابر، ونلاحظ أن حاشية فرعون ومن عرض عليهم رؤياه قالوا عنها أضغاث أحلام، وهم أول من قال فيها كلمة، ومع ذلك لم تعتبر كلمتهم، ومن هنا نفهم، أن الرؤيا لأول عابر بعلم، أما الجهلة فهؤلاء ليسوا معبرين، وإنما هم متقولون، فالعبرة للعابر الأول الذي اتصف بأهلية التعبير.
٥ - للآلوسي تحقيق في التفريق بين الرؤيا والحلم يذكره بمناسبة قوله تعالى قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وهذا هو كلامه قال: (والأحلام جمع حلم بضمة وبضمتين المنامات الباطلة على ما نص عليه جمع، وقال بعضهم: الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم
стр. 2543
مطلقا، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشئ الحسن، وغلب الحلم على خلافه، وفي الحديث «الرؤيا من الله تعالى والحلم من الشيطان» وقال التوربشتي:
الحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا، والتفريق من الاصطلاحات التي سنها الشارع ﷺ للفصل بين الحق والباطل كأنه كره أن يسمى ما كان من الله تعالى وما كان من الشيطان باسم واحد، فجعل الرؤيا عبارة عن القسم الصالح؛ لما فيها من الدلالة على مشاهدة الشئ بالبصر والبصيرة، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان؛ لأن أصل الكلمة لم تستعمل إلا فيما يخيل للحالم في منامه من قضاء الشهوة بما لا حقيقة له) أهـ وهو كلام حسن.
ولننتقل إلى المشهد السادس:
***
التفسير:
وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ ليمتاروا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ بلا تعريف وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أي لا يعرفونه لأنهم فارقوه وهو صغير حدث، وباعوه للسيارة، وما كانوا
стр. 2546
يستشعرون في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه، فلهذا لم يعرفوه وهو فيما هو فيه، وأما هو فعرفهم، وفي الإصحاح الثاني والأربعين من التوراة المحرفة الحالية ذكر إرسال يعقوب أولاده لمصر ليشتروا قمحا وفيه (ولما نظر يوسف إخوته عرفهم فتنكر لهم وتكلم معهم بجفاء وقال لهم من أين جئتم فقالوا من أرض كنعان لنشتري طعاما، وعرف يوسف إخوته وأما هم فلم يعرفوه)
وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ أي أوفى لهم كيلهم وحمل لهم أحمالهم قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أي بنيامين أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ أي أتمه وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ أي المضيفين، وقد رأوا من حسن إنزاله وضيافته الكثير، وفي هذا ترغيب لهم على الرجوع إليه
ثم رهبهم فقال: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي أي فلا أبيعكم طعاما وَلا تَقْرَبُونِ أي فإن لم تأتوني به فلا تأتوا إلي
قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ أي سنخادعه عنه ونحتال حتى ننزعه من يده وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ذلك لا محالة، لا نفرط فيه ولا نتوانى عنه، وعدوه أنهم سيحرصون على مجيئه إليه بكل ممكن، ولا يبقون مجهودا في هذا الشأن
وَقالَ لِفِتْيانِهِ أي لغلمانه الكيالين اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ أي التي قدموا بها ليمتاروا عوضا عنها فِي رِحالِهِمْ أي في أمتعتهم من حيث لا يشعرون لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها أي لعلهم يعرفون حق ردها، وحق التكرم بإعطاء البدلين إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ وفرغوا ظروفهم لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا، وقد تكون الحكمة في فعله أنه خشي ألا يجدوا بضاعة بها يرجعون، أو ظنا منه أن ما فيهم من الديانة يعيدهم لرد الأمانة، أو أنه لم ير أن من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمنا
فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ بالطعام وأخبروه بما فعل قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ يشيرون إلى ما قاله يوسف لهم فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ فبه نرفع المانع من الكيل، ونكتل من الطعام ما نحتاج إليه وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ عن أن يناله مكروه، وكانت ككلمتهم يوم أخذوا يوسف وقد وعدوه بحفظه
ولهذا قال لهم هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ يعني: أنكم قلتم في يوسف كما تقولون في أخيه، ثم خنتم بضمانكم، فما يؤمنني من مثل ذلك، وكأن لسان حاله يقول هل أنتم صانعون به كما صنعتم بأخيه من قبل، تغيبونه عني، وتحولون بيني وبينه فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أي سيرحم كبري وضعفي، ووجدي بولدي، وأرجو من الله أن يرده علي، ويجمع شملي به، لأنه خير الحافظين وأرحم الراحمين
وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي أي ما نظلم في القول
стр. 2547
ولا نتجاوز الحق وهذه علامة صدقنا في قولنا. أو ما نطلب وراء ما فعل بنا، أو أي شئ نطلب وراء هذا هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا أي إذا أرسلت أخانا معنا، نأتي بالميرة إلى أهلنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ أي وسق بعير باستصحاب أخينا ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أي سهل متيسر في مقابلة أن يأخذوا معهم أخاهم فقط. وهذه الحكمة الرئيسية في وضع بضاعتهم في رحالهم أن يوسف أراد أن تكون لهم حجة في المجئ بأخيهم
قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ أي حتى تعطوني ما أتوثق به من عند لله أي أراد أن يحلفوا له بالله، لأن الحلف بالله مما يؤكد به العهود لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ أي إلا أن تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به، أي لا تمتنعوا من الإتيان به إلا للإحاطة بكم، بأن تغلبوا كلكم فلا تقدرون على تخليصه فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ بأن حلفوا له، أكده عليهم قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ أي الله على ما نقوله من طلب الموثق وإعطائه وكيل، أي رقيب مطلع
وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ الجمهور على أنه خاف عليهم العين لجماعتهم، وجلالة أمرهم، ولم يأمرهم بالتفرق في الكرة الأولى لأنهم، كانوا مجهولين، وقيل: إنه أحب ألا يفطن بهم فيكاد لهم، وهذا من كمال التأديب وكمال الاحتياط. وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي إن كان الله أراد بكم سوءا لم ينفعكم، ولم يدفع عنكم ما أشرت عليكم من التفرق، وهو مصيبكم لا محالة. أي إن هذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضاءه، فإن الله إذا أراد شيئا لا يخالف ولا يمانع إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ بين لهم أنه لا حاكم إلا الله، ومن ثم أمرهم بالتوكل عليه، والتوكل: تفويض الأمر إلى الله تعالى والاعتماد عليه.
وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ أي متفرقين ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ أي دخولهم من أبواب متفرقة مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي ما يغني عنهم ذلك شيئا قط، وقد حدث لهم ما ساءهم بعد من إضافة السرقة إليهم، وافتضاحهم بذلك، وأخذ أخيهم بوجدان الصواع في رحله. وتضاعف المصيبة على أبيهم إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وهي شفقته عليهم، أو هي دفع إصابة العين لهم وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ أي وإنه لذو علم لتعليمنا إياه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ذلك أي علم الأنبياء
وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ أي ضم إليه أخاه بنيامين قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ يوسف فَلا تَبْتَئِسْ أي فلا تحزن بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
стр. 2548
بنا فيما مضى، فإن الله قد أحسن إلينا، وجمعنا على خير. ويبدو أنه أمره بكتمان ذلك عنهم، وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده، معززا مكرما معظما
فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ أي هيأ أسبابهم، وأوفى الكيل لهم جَعَلَ السِّقايَةَ هي مشربة من فضة. وفي التوراة الحالية (وطاسي طاس الفضة تضع في فم عدل الصغير). فِي رَحْلِ أَخِيهِ أي في متاع بنيامين ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أي نادى مناد أَيَّتُهَا الْعِيرُ العير: هي الإبل التي عليها الأحمال والمراد: يا أصحاب الجمال إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ فلما سمعوا التهمة
قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ أي صاعه الذي يكيل به وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ أي وسق بعير من طعام. مكافأة لمن حصله وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ أي كفيل أن أؤديه لمن جاء به،
فتعجبوا أن يرمى أمثالهم بمثل هذه التهمة، مع ما دل عليه حالهم من أمانتهم، إذ ردوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم كما تذكر التوراة الحالية، لذلك قالوا قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ أي ما كنا نوصف قط بالسرقة. والمعنى: لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا أنه ليس من سجايانا الإفساد والسرقة
قالُوا فَما جَزاؤُهُ الضمير يعود إما إلى السارق، أو إلى المسروق إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ أي في جحودكم وادعائكم البراءة، أي شئ تكون عقوبته إن وجدنا فيكم الآخذ
قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ أي السارق يدفع إلى المسروق منه، وفي التوراة الحالية (فقال نعم بحسب كلامكم هكذا يكون الذي يوجد معه يكون لي عبدا وأما أنتم فتكونون أبرياء) كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ أي هذه شريعتنا أن نجزي السراق بالاسترقاق، وهذا الذي أراد يوسف أن يصل إليه، ولهذا بدأ بأوعيتهم يفتشها قبل وعاء أخيه تورية
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ أي فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء بنيامين لنفي التهمة. وفي التوراة الحالية (ففتش مبتدئا من الكبير حتى انتهى إلى الصغير، فوجد الطاس في عدل بنيامين) ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أي السقاية مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم. وإلزامهم إلزاما لهم بما يعتقدونه، كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ أي مثل ذلك الكيد العظيم كدنا ليوسف، أي علمناه إياه، ثم فسر الله ما كاد ليوسف فقال: ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ أي في شريعته، وإنما قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزموه، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أي ما كان ليأخذه إلا بمشيئة الله وإرادته فيه نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ هذا ثناء ضمني على يوسف إذ المعنى: نرفع
стр. 2549
درجات في العلم من نشاء، كما رفعنا درجة يوسف ﵇ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ أي وفوق كل ذي علم أرفع درجة منه في علمه، أو فوق العلماء كلهم عليم هم دونه في العلم وهو الله . قال الحسن البصري في تفسيرها: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله . وقال سعيد بن جبير: كنا عند ابن عباس فحدث بحديث عجيب، فتعجب رجل فقال: الحمد لله، فوق كل ذي علم عليم، فقال ابن عباس: بئس ما قلت، الله العليم فوق كل عالم».
نقل:
بمناسبة قوله تعالى: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ .. قال صاحب الظلال: (إن هذه النص يحدد مدلول كلمة «الدين» - في هذا الموضع- تحديدا دقيقا .. إنه يعني: نظام الملك وشرعه .. فإنه نظام الملك وشرعه ما كان يجعل عقوبة السارق هو أخذه في جزاء سرقته. إنما هذا نظام يعقوب وشريعة دينه، وقد ارتضى إخوة يوسف تحكيم نظامهم هم وشريعته، فطبقها يوسف عليهم عند ما وجد صواع الملك في رحل أخيه .. وعبر القرآن الكريم عن النظام والشريعة بأنها «الدين» هذا المدلول القرآني الواضح هو الذي يغيب في جاهلية القرن العشرين عن الناس جميعا. إنهم يقصرون مدلول «الدين» على الاعتقاد والشعائر .. ويعدون كل من يعتقد في وحدانية الله وصدق رسوله ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ويؤدي الشعائر المكتوبة .. داخلا في «دين الله» مهما تكن دينونته بالطاعة والخضوع، وإقراره بالحاكمية لغير الله من الأرباب المتفرقة في الأرض .. بينما النص القرآني هنا يحدد مدلول «دين الملك» بأنه نظام الملك وشريعته وكذلك «دين الله» فهو نظامه وشريعته ..
إن مدلول «دين الله» قد هزل وانكمش حتى صار لا يعني في تصور الجماهير الجاهلية إلا الاعتقاد والشعائر .. ولكنه لم يكن كذلك يوم جاء هذا الدين منذ آدم ونوح إلى محمد عليهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وإفراده سبحانه بالألوهية في الأرض مثل إفراده بالألوهية في السماء، وتقرير ربوبيته وحده للناس أي: حاكميته وشرعه وسلطانه وأمره وكان مفرق الطريق دائما بين من هم في دين «الله» ومن هم في «دين الملك» أن الأولين يدينون لنظام الله وشرعه وحده، وأن الآخرين يدينون لنظام الملك وشرعه. أو يشركون فيدينون لله في الاعتقاد والشعائر ويدينون لغير الله في النظام والشرائع!
стр. 2550
وخير لنا من أن ندافع عن الناس- وهم في غير دين الله- ونتلمس لهم المعاذير، ونحاول أن نكون أرحم بهم من الله الذي يقرر دينه وحدوده! خير لنا من هذا كله أن نشرع في تعريف الناس حقيقة مدلول «دين الله» ليدخلوا فيه أو يرفضوه ..
هذا خير لنا وللناس أيضا .. خير لنا لأنه يعفينا من تبعة ضلال هؤلاء الجاهلين بهذا وخير للناس لأن مواجهتهم بحقيقة ما هم عليه- وأنهم في دين الملك لا في دين الله- قد تهزهم هزة تخرجهم من الجاهلية إلى الإسلام ومن دين الملك إلى دين الله!
كذلك فعل الرسل- عليهم صلوات الله وسلامه- وكذلك ينبغي أن يفعل الدعاة إلى الله في مواجهة الجاهلية في كل زمان ومكان .. » ولنتابع عرض القصة:
قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ أي يوسف فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ أي مقالتهم إنه سرق كأنه لم يسمعها وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً أي أنتم شر منزلة في السرقة، وكأنه أراد سرقته من أبيه وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ أي بما تقولون أو تكذبون من اتهامكم بنيامين وأخيه بالسرقة، ولما تعين أخذ بنيامين وتقرر بمقتضى اعترافهم شرعوا يترفقون له، ويعطفونه عليهم
قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً في السن فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ أي بدله يكون عندك عوضا عنه على وجه الاسترقاق أو الاسترهان، فإن أباه يتسلى به. وفي التوراة الحالية المحرفة في الإصحاح الرابع والأربعين من سفر التكوين نجد: (ثم تقدم إليه يهوذا وقال استمع يا سيدي ليتكلم عبدك كلمة في أذني سيدي. ولا يحم غضبك على عبدك. لأنك مثل فرعون. سيدي سأل عبيده قائلا هل لكم أب أو أخ فقلنا لسيدي لنا أب شيخ وابن شيخوخة صغير مات أخوه وبقي هو وحده لأمه وأبوه يحبه. فقلت لعبيدك انزلوا به إلي فأجعل نظري عليه. فقلنا لسيدي لا يقدر الغلام أن يترك أباه، وإن ترك أباه يموت.
فقلت لعبيدك إن لم ينزل أخوكم الصغير معكم لا تعودون تنظرون وجهي. فكان لما صعدنا إلى عبدك أبي أننا أخبرناه بكلام سيدي، ثم قال أبونا ارجعوا اشتروا لنا قليلا من الطعام. فقلنا لا نقدر أن ننزل وإنما إذا كان أخونا الصغير معنا ننزل. لأننا لا نقدر أن ننظر وجه الرجل وأخونا الصغير ليس معنا. فقال لنا عبدك أبي أنتم تعلمون أن امرأتي ولدت لي اثنين. فخرج الواحد من عندي وقلت إنما هو قد افترس افتراسا. ولم أنظره إلى الآن. فإن أخذتم هذا أيضا من أمام وجهي وأصابته أذية تنزلون شيبتي بشر إلى الهاوية. فالآن متى جئت إلى عبدك أبي والغلام ليس معنا ونفسه مرتبطة بنفسه يكون
стр. 2551
متى رأى أن الغلام مفقود أنه يموت. فينزل عبيدك شيبة عبدك أبينا بحزن إلى الهاوية.
لأن عبدك ضمن الغلام لأبي قائلا إن لم أجئ به إليك أصر مذنبا إلى كل الأيام. فالآن ليمكث عبدك عوضا عن الغلام عبدا لسيدي، ويصعد الغلام مع إخوته. لأني كيف أصعد إلى أبي والغلام ليس معي لئلا انظر الشر الذي يصيب أبي)
ولنا على هذا النقل ملاحظة سريعة هي أن النص قيد البدل بأنه يهوذا، بينما النص القرآني ترك ليوسف الخيار في أن يأخذ من يشاء، وهذا من تحريف النساخ كما سنرى في آخر القصة.
وبعد أن اقترحوا أن يأخذ أحدهم مكانه أثنوا عليه إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي إلينا فأتمم إحسانك، أو بشكل مطلق أي من عادتك الإحسان فاجر على عادتك ولا تغيرها
قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ أي نعوذ بالله معاذا من أن نأخذ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إذ هو منطق العدل، ولم يكن ذلك إلا كما قلتم واعترفتم وألزمتم به أنفسكم إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ أي إن أخذنا بريئا بمن وقع بمثل ما رأيتم، أي إن أخذنا بدله ظلما، لأنه وجب على قضية فتواكم أخذ من وجد الصاع في رحله، واستعباده فلو أخذنا غيره كان ذلك ظلما في مذهبكم فلم تطلبون ما عرفتم أنه ظلم؟!
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ أي فلما يئسوا من يوسف وإجابته إياهم، أو فلما يئسوا من تخليص أخيهم بنيامين خَلَصُوا أي انفردوا عن الناس نَجِيًّا أي يتناجون فيما بينهم يديرون أمرهم على أي صفة يذهبون، وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم قالَ كَبِيرُهُمْ هل المراد هنا كبيرهم في السن فيكون رأوبين؟ أو المراد به كبيرهم في الشأن، والعقل والوفاء فيكون يهوذا؟ وهو رواية التوراة الحالية أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ أي لتردنه إليه، وقد تعذر هذا وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ
أي مع ما تقدم لكم من إضاعة يوسف عنه. والمعنى: ومن قبل هذا قصرتم في شأن يوسف ولم تحفظوا عهد أبيكم، أو ومن قبل هذا تفريطكم كائن في يوسف، وبسبب هذا فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ أي فلن أفارق أرض مصر حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أي في الرجوع إليه راضيا عني أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي إما بالخروج منها أو بالموت، أو بتخليص بنيامين، أو بالإيحاء إلى يعقوب ببراءتنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ لأنه لا يحكم إلا بالعدل،
ثم أمرهم أن يخبروا أباهم بصورة ما وقع حتى يكون عذرا لهم عنده،
стр. 2552
ويتنصلوا إليه ويبرءوا مما وقع، فقال: ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا أي وما شهدنا عليه بالسرقة إلا بما علمنا من سرقته
وتيقنا، إذ الصواع استخرج من وعائه وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أي وما علمنا أنه سيسرق، حين أعطيناك المواثيق، وما كنا في الغيب عالمين أنه سرق له شيئا عند ما سألنا جزاء السارق،
فقلنا ما قلنا وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها أي مصر. أي أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كنه القصة وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها أي والقافلة التي رافقناها عن صدقنا وأمانتنا وحفظنا وحراستنا وَإِنَّا لَصادِقُونَ فيما أخبرناك به من أنه سرق وأخذوه بسرقته
قالَ أي بعد أن رجعوا إليه، وقالوا له ما قال لهم أخوهم بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً هذا مثل قوله لهم حين جاءوا على قميص يوسف بدم كذب، اتهمهم بسبب سابقتهم وبدلالة حالهم. كأنه قال: من أدرى ذلك الرجل أن السارق يسترق لولا فتواكم وتعليمكم فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي لا شكوى معه، ثم ترجى من الله تعالى: أن يرد عليه أولاده الثلاثة: يوسف، وبنيامين، ومن بقي في مصر فقال عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ ولم يقل بهما لأنهم أصبحوا ثلاثة جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بحالي في الحزن والأسى الْحَكِيمُ في أفعاله وقضائه وقدره الذي لم يبتلني بذلك إلا لحكمة
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ أي وأعرض عنهم كراهة لما جاءوا به وَقالَ يا أَسَفى أي يا أسفي، والأسف: أشد الحزن والحسرة عَلى يُوسُفَ جدد له حزن الابنين الحزن الدفين الأول، دل هذا على أن الرزء فيه مع تقادم عهده كان غضا عنده وطريا وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ أي مملوء من الغيظ على أولاده، ولا يظهر ما يسوؤهم وعلى هذا فمعنى كظيم: ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق. وفسرها بعضهم بأنه كئيب حزين.
قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا أي لا تفتأ أي لا تزال تَذْكُرُ يُوسُفَ أي لا تفارق تذكر يوسف حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أي ضعيف القوة مشفيا على الهلاك أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ حقيقة أي إن استمر بك هذا الحال خشينا عليك العجز أو الهلاك. قالوا له هذا رقة له، وشفقة عليه، ورأفة به، وهم في الظاهر سبب ما هو فيه، دل ذلك على مبلغ حزنه. قال النسفي: ويجوز للنبي أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ لأن الإنسان مجبول على ألا يملك نفسه عند الحزن، ولذلك حمد صبره
قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي البث: أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى الناس أي ينشره وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ أي إنما أشكو إلى ربي داعيا له، وملتجئا إليه فخلوني وشكايتي وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي وأعلم من رحمته أنه يأتيني
стр. 2553
بالفرج من حيث لا أحتسب، ولعلها إشارة إلى تيقنه أنه سيلقى يوسف، ويحدث ما رأى يوسف في رؤياه، أو لعله أشار إلى معرفته من قبل الوحي أن يوسف لم يمت،
ثم ندب بنيه إلى الذهاب في الأرض مستعلمين أخبار يوسف وأخيه يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ أي فتعرفوا منهما، وتطلبوا خبرهما، والتحسس يكون في الخير، والتجسس يكون في الشر، ثم نهضهم وبشرهم وأمرهم أن لا ييأسوا من روح الله، وألا يقطعوا رجاءهم وأملهم من الله فيما يرومونه ويقصدونه، فإنه لا يقطع الرجاء ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون فقال وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ أي ولا تقنطوا من رحمة الله وفرجه إِنَّهُ أي إن الأمر والشأن لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ لأن من آمن يعلم أنه متقلب في رحمة الله ونعمته، وأما الكافر فلا يعرف رحمة الله ولا تقلبه في نعمته، فييأس من رحمته
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ تقدير الكلام فذهبوا فدخلوا مصر، ودخلوا على يوسف قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ أي الهزال من الشدة والجوع، أو أنهم شكوا الضر من الجدب والقحط وقلة الطعام وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ أي مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقارا لها فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ أي أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا أي وتفضل علينا بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة، أو زدنا على حقنا، أوهب لنا أخانا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ خاطبوه بلغة الإيمان. وعندئذ كشف لهم نفسه
قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ أي هل علمتم قبح ما فعلتم بيوسف وأخيه إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ لا تعلمون قبحه، أو إذ أنتم في حد السفه والطيش. أو إذ أنتم عاصون. قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل. قال ابن كثير: والظاهر- والله أعلم- أن يوسف ﵇ إنما تعرف إليهم بنفسه بإذن الله تعالى له في ذلك. والله أعلم لما ضاق الحال واشتد الأمر، فرج الله تعالى من ذلك الضيق
قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ؟ والاستفهام هنا يدل على الاستعظام. أي إنهم تعجبوا من ذلك أنهم يترددون إليه من زمن وهم لا يعرفونه، وهو مع هذا يعرفهم، ويكتم نفسه قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي وإنما ذكر أخاه وهم قد سألوه عن نفسه لأنه كان في ذكر أخيه بيان لما سألوه عنه قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بالألفة بعد الفرقة.
ذكر نعمة الله بالسلامة والكرامة، ولم يبدأ بالملامة والعتاب إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ الله بترك معصيته، وفعل طاعته وَيَصْبِرْ على قضاء الله وقدره، وعن المعاصي وعلى الطاعة فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ والسياق يدل على أن المحسن من
стр. 2554
اجتمع له التقوى والصبر. وقد قالوا في تفسيرها: من يتق مولاه، ويصبر على بلواه، لا يضيع أجره في دنياه وعقباه
قالُوا معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق، والسعة والملك، والتصرف والنبوة أيضا على قول من لم يجعلهم أنبياء. وأقروا له بأنهم أساءوا إليه وأخطئوا في حقه تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا أي اختارك وفضلك علينا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ أي وإن شأننا وحالنا أنا كنا خاطئين متعمدين للإثم، لم نتق ولم نصبر، ولسان الحال يقول: لا جرم أن الله أعزك بالملك، وأذلنا بالتمسكن بين يديك
قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ أي لا تأنيب عليكم، ولا عتب، ولا تعيير، وقوله اليوم يفيد أنني لا أثر بكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب، فما ظنكم بغيره من الأيام،
ثم زادهم الدعاء بالمغفرة فقال يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أي إذا رحمتكم وأنا الفقير القتور، فما ظنكم بالغني الغفور
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً أي يصير بصيرا، أو يأت إلي وهو بصير وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ أي بجميع آل يعقوب. لينعموا بآثار ملكي كما اغتموا بأخبار هلكى
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ أي خرجت من مصر قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ أي لولا أن تنسبوني إلى الخرف والكبر، إذ التفنيد النسبة إلى الفند: وهو الخرف وإنكار العقل، والمعنى: لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني
قالُوا أي أسباطه تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ أي لفي خطئك القديم من حب يوسف، أو لفي نفس ذهابك القديم عن الصواب في إفراط محبتك ليوسف، وعلى كل فقد قالوا كلمة غليظة ما ينبغي أن تقال لأب، فكيف إذا كان رسولا
فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أي حامل القميص أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ أي طرح البشير القميص على وجه يعقوب فَارْتَدَّ بَصِيراً أي فرجع مبصرا قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ إشارة إلى أقواله السابقة إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ أو لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ أو إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ،
فعند ذلك قالوا لأبيهم مترفقين: قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ أي سل الله مغفرة ما ارتكبنا في حقك وحق ابنك، إنا تبنا واعترفنا بخطايانا
قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي أخر الاستغفار إما لوقت، أو ليتعرف حالهم في صدق التوبة، أو إلى أن يسأل يوسف هل عفا عنهم إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أي من تاب إليه تاب عليه
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أي ضم إليه أَبَوَيْهِ أي يعقوب وزوجته، أي خالته، والخالة أم وَقالَ لهم بعد ذلك ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
стр. 2555
من الجور والقحط والجهد
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ أي على السرير، أي أجلسهما معه على سريره وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً أي سجد له أبواه وإخوته الباقون، وكانوا أحد عشر رجلا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ أي تعبير وتفسير رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ وهي التي قصها الله تعالى في ابتداء القصة قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا أي صادقة وَقَدْ أَحْسَنَ بِي أي إلي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ولم يذكر الجب لقوله لا تثريب عليكم، وهذا من كمال ذوقه ولطفه وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ أي من البادية لأنهم كانوا أصحاب مواش ينتقلون في المياه والمناجع مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ أي أفسد بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ أي لطيف التدبير لما يشاء، أي إذا أراد أمرا قيض له أسبابا، وقدره ويسره إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ أي بمصالح عباده الْحَكِيمُ في أقواله وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده، فإن أخر الآمال إلى آجال فلحكمة، أو حكم بالائتلاف بعد الاختلاف فلحكمة، وكل أفعاله حكمة،
ثم دعا بعد أن تمت عليه النعمة باجتماعه بأبويه وإخوته وما من الله به عليه من النبوة والملك رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ أي السلطان وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي تعبير الرؤيا، أو تفسير كتب الله، واستعماله للفظ (من) في الحالين وهي تفيد التبعيض إشارة إلى أنه لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي يا خالق السموات والأرض أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي أنت تتولاني بالنعمة في الدارين، بوصل الملك الفاني بالملك الباقي، تَوَفَّنِي مُسْلِماً طلب الوفاة على حال الإسلام مع أنه رسول معصوم ليقتدي به قومه، ومن بعده ممن ليس بمأمون العاقبة وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ من آبائي أو على العموم. وهكذا انتهت القصة ولم يبق من السورة إلا خاتمتها.
فوائد:
١ - هذا المشهد الطويل الأخير موجود في التوراة الحالية من الإصحاح (٤٢) إلى الإصحاح (٤٧) من سفر التكوين وتحريف النساخ والرواة في هذه الإصحاحات ظاهر، فمثلا تذكر رواية التوراة الحالية أن يوسف ﵇ في الرحلة الأولى احتجز أحد إخوته وهو شمعون، ويعتمد هذا بعض المفسرين. يذكر هذا في الإصحاح الثاني والأربعين ولكنا نلاحظ بعد ذلك أن الإصحاح الثالث والأربعين يذكر كيف أن الجوع عض يعقوب وأهله حتى أمرهم بالعودة إلى مصر فرفضوا إلا أن يأخذوا بنيامين، وليس في هذا التباطؤ ما يشير إلى أن هناك أخا يحتاج إلى إنقاذ. وفي هذا الإصحاح نجد هذا
стр. 2556
النص (وخذوا أخاكم وقوموا ارجعوا إلى الرجل والله القدير يعطيكم رحمة أمام الرجل حتى يطلق لكم أخاكم الآخر وبنيامين وأنا إذا عدمت الأولاد عدمتهم) فما معنى أن يقول: حتى يطلق لكم أخاكم الآخر وبنيامين. مع أن بنيامين على حسب هذه الرواية لم يبرح بعد. والإصحاحات هذه لا تذكر إلا رحلتين ثم الجلاء العام إلى مصر. فهذا النقل الذي نقلناه يدل على التحريف الواقع، وهو أن رحلة من الرحلات قد أغفلت.
وهي الرحلة الثانية التي أخذ فيها بنيامين. فبقى بسبب ذلك أحد إخوته في مصر
من أجله، وخلط موضوع الرحلة الثانية في موضوع الرحلة الأولى والثالثة، إذ الإصحاحات تذكر أنه بعد اكتشاف سرقة بنيامين مباشرة كشف يوسف نفسه، فليس بين الإعلان عن عبودية بنيامين وكلام يهوذا له، ثم كشفه لهم أنفسهم إلا دقائق فما الفائدة إذن من كل العملية التي عملها يوسف في وضع الصاع في رحل أخيه إذا كان الأمر كذلك؟ ثم لا نجد إطلاقا أي كلام عن شمعون الذي احتجزه يوسف في المرة الأولى على زعم رواية التوراة الحالية بعد العودة. كل هذا يدل على أن الزمن قد عمل في تحريف الرواية، وأن أقلام النساخ الكاذبة قد عملت عملها، والله في القرآن قد صحح الخطأ وبين لنا الحقيقة. وهذا النص الذي نقلناه وحده كاف ليرينا نوعا من أنواع الإعجاز في هذا القرآن، ومن ثم فإننا لا نستطيع أن نأخذ من هذه الإصحاحات شيئا يعتد به، بل على العكس نقول إن هذه الإصحاحات فيها من النقص
والتحريف والإجمال ما أكمله القرآن وسدده وفصله، فمثلا تذكر الإصحاحات أنه بعد اكتشاف الصاع في رحل بنيامين (وحمل كل واحد على حماره ورجعوا إلى المدينة) فلا تذكر الجمال مع أن النص القرآني يقول أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ فهل من المعقول في رحلة كهذه أن يكون الحمار هو أداة الحمل، الظاهر أن الحمار لركوبهم ولا بد أن يكون معهم جمال، وفي الإصحاحات كما رأينا في النقل عن خطاب يهوذا ليوسف اقتراح من يهوذا أن يحل محل بنيامين في العبودية، والقرآن يذكر أن كبيرهم هو الذي بقي في مصر من أجل بنيامين، وكبيرهم هو رأوبين، مع أن التوراة تذكر أن الذي احتجز أول مرة هو شمعون، ومع أن المفسرين المسلمين يحتملون أن يكون المراد بكلمة كبيرهم، كبيرهم في الرأي، أو رئيسهم في رحلتهم، إلا أننا نؤثر ألا نجزم في هذا الموضوع برأي ونبقي النص القرآني على ظاهره. حتى إن ابن كثير يرفض رواية التوراة جملة في كون أم يوسف راحيل كانت ميتة عند ما ورد يعقوب ﵇ إلى مصر، أخذا بظاهر النص القرآني وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ إلا أن مفسرين آخرين لا
стр. 2557
يستبعدون أن يكون المراد هنا خالته زوجة أبيه لأن حكمها حكم الوالدة.
وخلال الكلام عن يوسف هنا يذكر بعض المفسرين روايات كثيرة مرجعها كلام أهل الكتاب وليس في ذكرها كبير طائل ما دام الأصل الأكبر لروايات أهل الكتاب لا يمكن الاعتماد عليه في هذا الموضوع.
٢ - تذكر الإصحاحات المذكورة أن عدد بيت يعقوب عند ما سكنوا مصر كان سبعين نفسا، كما تذكر أن المجئ إلى مصر بعد سنتين من سني الجوع، وأنهم سكنوا في أرض جاسان وهي تقع شمالي القاهرة الحالية، وإلى الغرب من قناة السويس الحالية، وفيها أن يعقوب عاش بعد دخولهم مصر سبع عشرة سنة، فكانت أيام يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة، وأنه أوصى ألا يدفن في مصر بل يدفن في أرض آبائه، وقد فعل يوسف ما أوصاه به أبوه، وأما يوسف فقد دفن في أرض مصر، ولكنه أوصى أن يحمل إذا خرج بنو إسرائيل من مصر.
٣ - يلاحظ أن سفر التكوين الذي هو السفر الأول من أسفار التوراة ينتهي بكلام عن يوسف، وإذا استعرضناه فإننا لا نجد أمرا فيه ذا شأن إلا وهو موجود في القرآن بشكل أصح وأدق، حتى إنك لا تجد شيئا غريبا عنك إلا بعض تفصيلات لا تفيد ذكرا ولا عظة ولا تشريعا ولا شيئا، وما من شئ فيه قد ذكره القرآن إلا وقد ذكره في السياق المناسب والمكان الذي يكون فيه أكثر عطاء. فمثلا في الإصحاح التاسع والأربعين نجد وصية يعقوب لأولاده عند موته، وقد قص القرآن علينا هذه الوصية في سورة البقرة، وهي الوصية الحقيقية التي تتفق مع منطق الأنبياء، أما في هذا الإصحاح فلا نجد مثل هذه الوصية الجامعة للجميع، وإنما نجد كلاما عن كل ولد من الأولاد وبهذه المناسبة نقول إنه يوجد في هذا الإصحاح هذا النص (لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب) وفي كتابنا (الرسول ﷺ بينا في الفصل الخامس كيف أن أصل هذا النص لا يمكن أن يحمل إلا على أنه بشارة برسولنا ﵊، فإذا اتضح ما أسلفنا علمنا كيف أن هذا القرآن مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه، وفي قصة يوسف نموذج على ذلك، ومن ثم جاءت في السياق الكلي للقرآن في محور التدليل على أن هذا القرآن من عند الله لا ريب في ذلك.
٤ - بمناسبة قوله تعالى: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي نقل ابن كثير عن ابن جرير بسنده إلى محارب بن دثار قال: كان عمر ﵁ يأتي المسجد فيسمع إنسانا يقول: اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا السحر فاغفر لي، قال:
стр. 2558
فاستمع الصوت، فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال:
إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي
٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً قال ابن كثير: (وقد كان هذا سائغا في شرائعهم، إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصا بجناب الرب ، هذا مضمون قول قتادة وغيره. وفي الحديث أن معاذا قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم، فلما رجع سجد لرسول الله ﷺ ، فقال: «ما هذا يا معاذ؟» فقال: إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله، فقال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها». وفي حديث آخر: أن سلمان لقي النبي ﷺ في بعض طرق المدينة- وكان سلمان حديث عهد بالإسلام- فسجد للنبي ﷺ . فقال: «لا تسجد لي يا سلمان واسجد للحي الذي لا يموت». والغرض أن هذا كان جائزا في شريعتهم، لهذا خروا له سجدا، فعندها قال يوسف: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا أي هذا ما آل إليه الأمر، فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر كما قال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ (الأعراف: ٥٣) أي يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا به من خير وشر.
٦ - يذكر ابن كثير روايات متعددة عن المفسرين في الزمن الذي كان بين إلقاء يوسف في الجب وبين لقائه بأبيه، ومرجع هذه الروايات كلها روايات أهل الكتاب.
وإذا رجعنا إلى التوراة الحالية فإن المدة التي يمكن استخلاصها هي اثنان وعشرون عاما، إذ ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة عاما، وخرج من السجن وهو ابن ثلاثين.
وكانت سنو الشبع سبعا، وجاء يعقوب إلى مصر بعد سنتين من الجوع.
٧ - بمناسبة قوله تعالى على لسان يوسف: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
قال ابن كثير: (وهذا الدعاء يحتمل أن يكون يوسف ﵇ قاله عند احتضاره، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ جعل يرفع إصبعه عند الموت ويقول: «اللهم في الرفيق الأعلى»، ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا جاء أجله وانقضى عمره، لا أنه سأله ذلك منجزا، كما يقول الداعي لغيره: أماتك الله على الإسلام، ويقول الداعي: اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين. ويحتمل أنه سأل ذلك منجزا، وكان ذلك سائغا في ملتهم
стр. 2559
كما قال قتادة: قوله (توفني مسلما وألحقني بالصالحين) لما جمع الله شمله، وأقر عينه، وهو يومئذ مغمور في الدنيا وملكها ونضارتها، اشتاق إلى الصالحين قبله، وكان ابن عباس يقول: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف ﵇، وكذا ذكر ابن جرير والسدي عن ابن عباس أنه أول نبي دعا بذلك، وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام، وكما أن نوحا أول من قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً (نوح: ٢٨) ويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك، وهو ظاهر سياق قول قتادة، ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا. روى الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ... عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد متمنيا الموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي». وأخرجاه في الصحيحين. وعندهما: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسنا فيزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب. ولكن ليقل:
اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي». وروى الإمام أحمد ... عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا ورققنا، فبكى سعد ابن أبي وقاص. فأكثر البكاء، وقال يا ليتني مت، فقال النبي ﷺ : «يا سعد أعندي تتمنى الموت؟» وردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: «يا سعد إن كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك». وروى الإمام أحمد ... عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إلا أن يكون قد وثق بعمله، فإنه إذا مات أحدكم انقطع عنه عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمله إلا خيرا». وهذا فيما إذا كان الضر خاصا به، وأما إذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت، كما قال الله تعالى إخبارا عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا (الأعراف:
١٢٦) وقالت مريم لما أجاءها المخاض- إلى جذع النخلة يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (مريم: ٢٣) لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة لأنها لم تكن ذات زوج وقد حملت ووضعت وقد قالوا: يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا* يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (مريم: ٢٧، ٢٨) فجعل الله لها من ذلك الحال فرجا ومخرجا، وأنطق الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله، فكان آية عظيمة ومعجزة باهرة صلوات الله وسلامه عليه، وفي حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد والترمذي في قصة المنام والدعاء، الذي فيه «وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني
стр. 2560
إليك غير مفتون». وروى الإمام أحمد ... عن محمود بن لبيد مرفوعا: أن النبي ﷺ قال: «اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب» فعند حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت، ولهذا قال علي بن أبي طالب ﵁ في آخر خلافته لما رأى أن الأمور لا تجتمع له، ولا يزداد الأمر إلا شدة فقال: اللهم خذني إليك فقد سئمتهم وسئموني. وقال البخاري ﵀ لما وقعت له تلك الفتنة وجرى له مع أمير خراسان ما جرى. قال: اللهم توفني إليك، وفي الحديث: «إن الرجل ليمر بالقبر- أي في زمان الدجال- فيقول يا ليتني مكانك» لما يرى من الفتن والزلازل والبلابل والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون).
٨ - أكثر المفسرين على أن السبب الذي دعا يعقوب إلى توصية أبنائه في الدخول من أبواب متفرقة هو خشيته عليهم من العين وليس في ذلك نص عن رسولنا عليه الصلاة السلام إلا أن النصوص كثيرة في إثبات أن العين حق وفي كتاب الأساس في السنة وفقهها نجد تفصيل ذلك.
٩ - لا يوجد شئ في التوراة الحالية يشير إلى ماهية السرقة التي اتهم بها يوسف والتي أشار إليها إخوته بقولهم: فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ وليس عن رسولنا ﵊ كلام في هذا الموضوع، إلا أن ابن كثير ينقل عن محمد بن إسحاق عن مجاهد القصة التالية- والله أعلم بصحتها ولا ندري من أين نقلها مجاهد:- قال مجاهد:
«كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إليها منطقة (١) إسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر، وكان من اختبأها ممن وليها كان له سلما لا ينازع فيه، يصنع فيه ما يشاء، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته، وكان لها به وله، فلم تحب أحدا حبها إياه، حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات تاقت إليه نفس يعقوب ﵇ فأتاها فقال: يا أخية سلمي إلي يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة، قالت: فوالله ما أنا بتاركته، ثم قالت: فدعه عندي أياما انظر إليه وأسكن عنه لعل ذلك يسليني عنه- أو كما قالت- فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق ﵇، فانظروا من أخذها ومن أصابها؟.