Полный текст (6 440 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
أساسه يقرر الإسلام شريعة الميراث (انسجاما مع تلك الفطرة) وتنشيطا لها لتعمل ولتبذل أقصى ما في طوقها من جهد، وما المحاولات التي تبذل لتحطيم هذه القاعدة إلا محاولة لتحطيم الفطرة البشرية في أساسها، وإلا تكلف وقصر نظر واعتساف في معالجة بعض عيوب الأوضاع الاجتماعية المنحرفة، وكل علاج يصادم الفطرة لا يفلح ولا يصلح ولا يبقى، وهناك غيره من العلاج الذي يصلح الانحراف ولا يحطم الفطرة.
ولكنه يحتاج إلى هدى وإيمان، وإلى خبرة بالنفس البشرية أعمق، وفكرة عن تكوينها أدق، وإلى نظرة خالية من الأحقاد الوبيلة التي تنزع إلى التحطيم والتنكيل أكثر مما ترمي إلى البناء والإصلاح» عن الظلال بتصرف.
فصل: في إقامة الحدود في الحرم:
قال القرطبي وهو مالكي عند قوله تعالى وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً استدل به أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الأمصار على ترك إقامة الحد في الحرم على المحصن والسارق إذا لجأ إليه، وعضدوا ذلك بقوله تعالى: (في سورة آل العمران) وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً قال: آمنوا من دخل البيت والصحيح (في ترجيح القرطبي) إقامة الحدود في الحرم، وأن ذلك من المنسوخ؛ لأن الاتفاق حاصل أنه لا يقتل في البيت ويقتل خارج البيت، وإنما الخلاف هل يقتل في الحرم أم لا، والحرم لا يقع عليه اسم البيت حقيقة، وقد أجمعوا على أنه لو قتل في الحرم قتل به، ولو أتى حدا أقيد منه فيه، ولو حارب فيه حورب وقتل مكانه، وقال أبو حنيفة: «من لجأ إلى الحرم لا يقتل فيه، ولا يتابع، ولا يزال يضيق عليه حتى يموت أو يخرج، فنحن (أي المالكية) نقتله بالسيف، وهو يقتله بالجوع والصد، فأي قتل أشد من هذا؟. وفي قوله أَمْناً تأكيد للأمر باستقبال الكعبة، أي ليس في بيت المقدس هذه الفضيلة، ولا يحج إليه الناس، ومن استعاذ بالحرم أمن من أن يغار عليه» أقول: نقلت الكلام الأخير لأن له صلة في السياق إذ مقطع إبراهيم مقدمة لمقطع القبلة الآتي.
فصل في أبناء إبراهيم:
رأينا أن الله قال وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ هكذا بالجمع فمن هم أبناء إبراهيم سوى إسماعيل وإسحاق؟ قال القرطبي: «ثم لما توفيت سارة، تزوج إبراهيم ﵇ قنطورا بنت يقطن الكنعانية، فولدت له مدين ومدائن ونهشان وزمران
стр. 282
ونشيعه وشيوخ» وقد ذكر الطبري وابن الأثير ست أولاد لإبراهيم ﵇ سوى إسماعيل وإسحاق، ولكن كلا منهم أورد الأسماء إيرادا يختلف عن الآخر وكلاهما يختلف مع القرطبي، ولا شك أن مرجع الجميع روايات أهل الكتاب وقد تحدث سفر التكوين مما يسمى بالتوراة الحالية عن هذا الموضوع في الإصحاح (الخامس والعشرين)، فقال: «وعاد إبراهيم فأخذ زوجة اسمها قطورة فولدت له زمران ويقشان ومدان ومديان ويشاق وشوحا» وهذه الرواية تتفق إلى حد كبير مع رواية الطبري، ومما قاله الإصحاح الخامس والعشرون: «وأعطى إبراهيم إسحاق كل ما كان له، وأما بنو السراري اللواتي كانت لإبراهيم فأعطاهم إبراهيم عطايا، وصرفهم عن إسحاق ابنه شرقا إلى أرض المشرق، وهو بعد بقيد الحياة».
فهذا النص يفيد أن لإبراهيم أبناء من سرار بينما النص السابق يفيد أن له ست أبناء من زوجة واحدة تزوجها بعد سارة، وليس في كل ذلك ما يفيد القطع سوى أن لإبراهيم بنين فهم أكثر من أن يكونوا اثنين، وسيأتي كلام في سورة البقرة عن إبراهيم ﵇ مرة أخرى وهناك سننقل اتجاهات الدارسين عن عصر إبراهيم واحتمالاته، وزمن وجوده، والدول التي عاشها، وليس في ذلك كله ما يصلح أن يجزم به.
فصل في أن أعلى مقام للإنسان هو الإسلام لله رب العالمين:
بحث بعضهم موضوع أيهما أرقى الإسلام أو الإيمان، وذلك بسبب قوله تعالى:
(في سورة الحجرات) قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ونقول: إن الإسلام الكامل والإيمان الكامل مترادفان، إذ يدخل في الإسلام الكامل إسلام القلب والجوارح، ويدخل في الإيمان الكامل تصديق القلب والجوارح، ولذلك نجد قوله تعالى (في سورة الذاريات) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فههنا المؤمنون هم المسلمون، فالإيمان الكامل هو الإسلام الكامل، غير أن في الإسلام معنى أتم لما يفيده من الخضوع الزائد على مجرد التصديق، ولذلك نرى أن الكلام في قصة إبراهيم ينصب على الثناء على إسلامه إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ (سورة النساء)، قال القرطبي عند قوله تعالى إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ، والإسلام هنا على أتم وجوهه، والإسلام في كلام العرب الخضوع والانقياد وليس كل إسلام إيمانا، وكل إيمان إسلام، لأن من آمن بالله
стр. 283
فقد انقاد واستسلم لله، وليس كل من أسلم آمن بالله، لأنه قد يتكلم فرقا من السيف، ولا يكون ذلك إيمانا، خلافا للقدرية والخوارج حيث قالوا: إن الإسلام هو الإيمان فكل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن، لقوله تعالى: (في سورة آل عمران) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ فدل على أن الإسلام هو الدين، وأن من ليس بمسلم فليس بمؤمن ودليلنا (أي أهل السنة والجماعة)، قوله تعالى (في سورة الحجرات) قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فأخبر الله تعالى أنه ليس كل من أسلم مؤمنا، فدل على أنه ليس كل مسلم مؤمنا وقال ﷺ لسعد بن أبي وقاص لما قال له: «اعط فلانا فإنه مؤمن، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم أو مسلم .. الحديث أخرجه مسلم. فدل على أن الإيمان ليس الإسلام، فإن الإيمان باطن والإسلام ظاهر، وهذا بين، والإسلام ويراد به الإيمان للزوم أحدهما الآخر، وصدوره عنه، كالإسلام الذي هو ثمرة الإيمان ودلالة على صحته فاعلمه».
كلمة أخيرة في مقطع إبراهيم ﵇:
١ - نحن لا زلنا في القسم الأول من أقسام سورة البقرة، والذي بدايته المقطع الأول، الذي حدد الطريق إلى التقوى، وحدد الطريق إلى الكفر والنفاق، ثم جاء مقطع آدم، ومقطع بني إسرائيل، ومقطع إبراهيم، وكل من هذه المقاطع بين في الطريق إلى التقوى، وفصل في الطريق إلى الكفر لتجتنب، وإذ كان الطريق إلى التقوى هو عبادة الله وحده، فإن مقطع إبراهيم عمق ذلك، وعرفنا من خلاله أن الطواف بالبيت والعكوف فيه والركوع والسجود كل ذلك من العبادة. وإذ كان الركوع والسجود يحتاج إلى قبلة، وإذ كانت كل المقدمات تشير إلى أن كعبة إبراهيم التي حولها يكون الطواف، وإليها يكون الحج، هي المرشحة لأن تكون قبلة المسلمين في صلاتهم، فإن قلب محمد ﷺ كان يتطلع إلى ذلك ومن ثم كان المقطع اللاحق (في القبلة).
٢ - وبمقطع إبراهيم ﵇، ومن قبله مقطع بني إسرائيل، اتضح الكثير من صراط المغضوب عليهم والضالين، وصراط الذين أنعم الله عليهم، في سياق تعليم العبادة والاستعانة بالله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ألا ترى كيف يبني إبراهيم وإسماعيل البيت وهما يدعوان.
وليكن هذا خاتمة الكلام عن مقطع إبراهيم لننتقل إلى الحديث عن مقطع القبلة:
стр. 284
المقطع الخامس من القسم الأول من سورة البقرة:
يمتد هذا المقطع من الآية (١٤٢) إلى نهاية الآية (١٥٢) وهذا هو:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٢ الى ١٥٢]
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)
стр. 285
كلمة في هذا المقطع وسياقه:
- مر معنا في مقطع إبراهيم قصة بناء إبراهيم وإسماعيل ﵉ الكعبة، ويأتي هذا المقطع ليكون الشئ الرئيسي فيه هو الكلام عن جعل الله هذه الكعبة هي قبلة المسلمين في صلاتهم، ورأينا في مقطع إبراهيم ﵇ كيف أن إبراهيم وإسماعيل ﵉ دعوا بدعوات وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ... رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ونجد في بداية هذا المقطع قوله تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ونجد في نهايته كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ ... فمقطع القبلة يرينا استجابة الله لإبراهيم وإسماعيل في شأن الأمة والرسول ﷺ .
стр. 286
- حدثنا مقطع إبراهيم عن السفاهة في العزوف عن ملة إبراهيم وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وهذا المقطع يبدأ بالكلام عن مواقف السفهاء سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وفي ذلك تقرير أن التوجه إلى حيث وجه الله إنما هو من الإسلام الذي هو ملة إبراهيم. والمقطع يقيم الحجة على بني إسرائيل وعلى النصارى في شأن القبلة. فالمقطع امتداد للحوار الذي مر معنا في مقطع بني إسرائيل. وإذ كانت القبلة بعض هدى الله المنزل نجد في هذا المقطع قوله تعالى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ فإن صلة المقطع بقصة آدم ﵇ المنتهية بقوله تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ إن الصلة واضحة بين هذا المقطع ومقطع آدم ﵇ من حيث إن المقطع يرينا ويقص علينا بعض ما أنزله الله علينا من هدى بواسطة رسول كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ ... ومحل القبلة في قضية العبادة لا يخفى. ومن ثم كان هذا المقطع جزءا من القسم الذي ابتدأ بالأمر بالعبادة والتوحيد يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... وفي مقدمة سورة البقرة كلام عن المتقين والكافرين والمنافقين. ومما وصف به المنافقون قوله تعالى أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وهاهنا حديث عن قولة من قولات السفهاء
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ...
وهاهنا حديث عن نعمة الله على هذه الأمة بالهداية وكيف ينبغي أن تقابلها. كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ ... فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ
فالمقطع فيه تذكير بالنعمة، وتأكيد للسير، وتفصيل في الطريق.
فلم يأت مقطع القبلة إلا بعد كل المقدمات اللازمة له. وهذا يدلنا على أهمية قضية القبلة في حياة الأمة، لقد سبق بمقدمة تعمق الثقة بالبيت وبناته، وسبق ذلك بمقدمة تسلب الثقة عن نوع من المشوشين، وسبق ذلك ما يعمق الالتزام بطاعة الله واتباع هداه، وسبق ذلك بالأمر بالعبادة، وسبق ذلك ما يعرف به السفهاء من أهل النفاق وما يعرف به المتقون. وذلك كله ليأتي المقطع في مكانه، مفصلا قضية جديدة سبقتها كل تمهيداتها والكلام عن المقطع وسياقه مستمر فلنكتف هاهنا بما مر.
تفسير الفقرة الأولى:
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها السين في
стр. 287
قوله تعالى سَيَقُولُ للاستقبال. فهل الآية إخبار عن القول قبل وقوعه أو أنها إخبار عنه بعد وقوعه؟ قولان للمفسرين: فعلى القول أن الآية نزلت بعد القول فذلك يفيد أن القائلين مستمرون في لغطهم وفي قولهم. وتكون الآية وما بعدها متأخرة نزولا على قوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ويؤيد ذلك ما رواه البخاري عن البراء ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا. وكان رسول الله ﷺ يحب أن يتوجه نحو الكعبة. فأنزل الله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ... إلى آخر الآية. فقال السفهاء وهم اليهود: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ وعلى القول بأن الآية إخبار عما يأتي تكون الحكمة كما قال الألوسي: «وتقديم الإخبار بالقول على الوقوع لتوطين النفس عليه فإن مفاجأة المكروه أشد إيلاما. والعلم به قبل الوقوع أبعد من الاضطراب. ولما أن فيه إعداد الجواب. والجواب المعد قبل الحاجة أقطع للخصم» والسفهاء: هم خفاف الأحلام. فأصل السفه الخفة. وهم هنا إما اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة وأنهم لا يرون النسخ. أو المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء. أو المشركون لقولهم:
رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها. والله ليرجعن إلى دينهم. قال ابن كثير: والآية عامة في هؤلاء كلهم. قال الألوسي في ترجيح العموم: «لأن الجمع فيها محلى باللام وهو يفيد العموم. فيدخل فيه الكل. والتخصيص بالبعض لا يدعو إليه داع» أقول وقد مر معنا في السورة قوله تعالى وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ومر معنا في المنافقين أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ فحمل الآية على جميع من وصف الله في السورة بالسفه مقتضى السياق. ومعنى قولهم: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها أي ما صرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وهي بيت المقدس. والقبلة: هي الجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة. لأن المصلي يقابلها. فهؤلاء السفهاء قالوا: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ الصراط المستقيم هو الطريق المستوي.
ومن الصراط المستقيم التوجه إلى كعبة إبراهيم بعد إذ أمر الله به. وفي ذكر ذلك إشارة إلى نعمة الله على هذه الأمة بهدايتها في شأنها كله إلى الصراط المستقيم. وتعريض بغيرهم. ومعنى النص: أن بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها لله. والحكم والتصرف والأمر كله لله فالشأن كله في امتثال أوامره. ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة. فنحن عبيده وفي تصرفه. وقد شاء عناية بعبده محمد ﷺ وأمته
стр. 288
أن يهديهم إلى اتخاذ كعبة إبراهيم خليل الرحمن قبلة. فجعل توجههم إليها وهي المبنية على اسمه تعالى وحده لا شريك له، وهي أشرف بيوت الله في الأرض.
كلمة في السياق:
١ - ذكرنا من قبل صلة المقطع بما قبله. فما الصلة بين آية سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ بما قبلها مباشرة؟ لقد كان ما قبلها يناقش اليهود والنصارى في قضايا العقائد. وهاهنا النقاش في العمليات ولذلك قال الألوسي: «ومناسبة الآية لما قبلها أن الأولى قدح في الأصول (أي في العقائد) وهذا في أمر متعلق بالفروع (أي في العمليات من الشريعة) وإنما لم يعطف تنبيها على استقلال كل منها في الشناعة».
٢ - ثم يبين الله في الآية اللاحقة أن تحويل القبلة بحيث تكون إلى الكعبة ينسجم مع مبدأ الوسطية الذي هو سمة هذه الأمة. وفي تحقيق أشار إليه الأستاذ الندوي في السيرة النبوية كتبه أحد المتخصصين: أثبت فيه أن مكة بالنسبة للعالم تقع في مركزه تماما. فهي وسط هذا العالم. فتحويل القبلة إلى البيت الحرام ينسجم مع صفة الوسطية لهذه الأمة. ولذلك جاءت الآية اللاحقة تقول: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً.
٣ - في قوله تعالى يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ إشارة إلى أن في تشريعاته لهذه الأمة هداية لها إلى صراطه المستقيم، فلنتذكر أننا في الفاتحة ندعو الله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ... وقد فعل ﷻ فيما هدانا إليه. وليكن في هذا إشارة إلى الربط بين سورة البقرة في سياقها كله وبين سورة الفاتحة ولنعد إلى التفسير:
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً الوسط: الخيار. وقيل للخيار وسط لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل.
والأوساط محمية. أي: كما جعلكم خير الأمم جعلت قبلتكم خير القبل. والوسط كذلك العدول. لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض. أي كما جعلنا قبلتكم متوسطة جعلناكم أمة وسطا، فهذه الآية بمثابة تعليل لاختيار الكعبة قبلة لنا. ذلك أننا أمة وسط. فلتكن قبلتكم كذلك. وقد أفاض صاحب الظلال في استخراج مظاهر الوسطية في هذه الأمة كما سنرى في فوائد هذه الفقرة.
وقد علل ﷻ لجعلنا أمة وسطا أي عدولا أو خيارا بقوله لِتَكُونُوا شُهَداءَ
стр. 289
عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً أي لتكونوا شهداء على سائر الأمم يوم القيامة بأن الله تعالى قد أوضح السبل وأرسل الرسل فبلغوا ونصحوا، ويكون الرسول ﷺ وحده شهيدا علينا بأنه قد بلغ وأدى وأقام الحجة. وأننا قد لبينا واستجبنا فنحن شهداء على الناس يوم القيامة أن رسلهم قد بلغتهم. ورسولنا شهيد علينا يزكينا. وأخر الجار والمجرور (على الناس) في قوله تعالى لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وقدم الجار والمجرور (عليكم) في قوله وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً لأن المراد في الأول إثبات شهادتهم على الأمم. وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول ﷺ شهيدا عليهم.
أخرج الحافظ ابن مردويه عن النبي ﷺ قال: «أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق. ما من الناس أحد إلا ود أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه» وإذا كنا عدولا في الآخرة فنحن عدول في الدنيا كذلك. روى الحاكم وابن مردويه واللفظ له عن جابر بن عبد الله قال: «شهد رسول الله ﷺ جنازة في بني سلمة. وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ . فقال بعضهم: والله يا رسول لنعم المرء كان. لقد كان عفيفا مسلما وكان .. وأثنوا عليه خيرا. فقال رسول الله ﷺ :
أنت بما تقول. فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر. فأما الذي بدا لنا منه فذاك. فقال النبي ﷺ : وجبت ثم شهد جنازة في بني حارثة. وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ فقال بعضهم: يا رسول الله بئس المرء كان. إن كان لفظا غليظا. فأثنوا عليه شرا.
فقال النبي ﷺ لبعضهم أنت بالذي تقول. فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر. فأما الذي بدا لنا منه فذاك. فقال رسول الله ﷺ : وجبت. قال مصعب بن ثابت: فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب. صدق رسول الله ﷺ ثم قرأ: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ثم قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال الإمام أحمد .... عن أبي الأسود أنه قال: «أتيت المدينة فوافقتها وقد وقع فيها مرض فهم يموتون موتا ذريعا. فجلست إلى عمر بن الخطاب فمرت به جنازة فأثنى على صاحبها خيرا. فقال: وجبت. ثم مر بأخرى فأثنى على صاحبها شرا. فقال عمر:
وجبت. فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟. قال: قلت كما قال رسول الله ﷺ «أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة» قال: فقلنا وثلاثة؟ قال: فقال «وثلاثة» قال: فقلنا: واثنان. قال «واثنان» ثم لم نسأله عن الواحد» وكذا رواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات. وأخرج ابن مردويه عن
стр. 290
أبي زهير الثقفي عن رسول الله ﷺ : «يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم» قالوا:
بم يا رسول الله؟. قال: «بالثناء الحسن والثناء السيئ أنتم شهداء الله في الأرض» ورواه ابن ماجه والإمام أحمد.
ثم علل تعالى لاعتماد بيت المقدس أولا، والانتقال إلى الكعبة ثانيا بقوله: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ. وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ أي: إنما شرعنا ذلك يا محمد: التوجه أولا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة؛ ليظهر حال من يتبعك ويستقبل معك حيثما توجهت، ممن ينقلب على عقبيه أي: مرتدا عن دينه وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً أي هذه الفعلة وهي صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة إنه لعظيم شاق على النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم وأيقنوا بتصديق الرسول ﷺ وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه. وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فله أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء. فله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك. بخلاف الذين في قلوبهم مرض فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكا. كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق .. وفي الحكمة التربوية التي نصت عليها الآية تعليلا لتحويل القبلة إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ يقول صاحب الظلال:
«وكما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله، وتجريدها من التعلق بغيره، وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير المنهج الإسلامي المرتبط بالله مباشرة، المجرد من كل ملابسة تاريخية أو عنصرية أو أرضية على العموم ... فقد نزعهم نزعا من الاتجاه إلى البيت الحرام، واختار لهم الاتجاه- فترة- إلى المسجد الأقصى؛ ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية، ومن كل ما كانت تتعلق به في الجاهلية، وليظهر من يتبع الرسول اتباعا مجردا من كل إيحاء آخر. اتباع للطاعة الواثقة الراضية المستسلمة، ممن ينقلب على عقبيه؛ اعتزازا بنعرة جاهلية، تتعلق بالجنس والقوم، والأرض والتاريخ، أو تتلبس بها في خفايا المشاعر وحنايا الضمير أي تلبس من قريب أو من بعيد ... حتى إذا استسلم المسلمون، واتجهوا إلى القبلة التي وجههم إليها الرسول ﷺ وفي الوقت ذاته بدأ اليهود يتخذون من هذا الوضع حجة لهم، صدر الأمر الإلهي الكريم بالاتجاه إلى المسجد الحرام. ولكنه ربط قلوب المسلمين بحقيقة أخرى بشأنه هي حقيقة الإسلام. حقيقة أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ليكون خالصا لله، وليكون تراثا للأمة المسلمة التي نشأت تلبية لدعوة إبراهيم ربه أن يبعث في بنيه رسولا منهم، بالإسلام الذي كان عليه
стр. 291
هو وبنوه وحفدته ... ».
وفي تفسير قوله تعالى لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ أقوال للمفسرين يذكرونها كيلا يفهم فاهم أن لله علما حادثا وهو ﷻ لم يزل عالما فيقولون فيها: «أي لنعلم كائنا أو موجودا ما قد علمناه أنه يكون ويوجد. فالله تعالى عالم أزلا بكل ما أراد وجوده أنه يوجد، في الوقت الذي شاء وجوده فيه أو: ليميز التابع من الناكص. فوضع العلم موضع التمييز. لأن العلم يقع به التمييز. أو: ليعلم الرسول ﷺ والمؤمنون ذلك. وإنما أسند علمهم إلى ذاته لأنهم خواصه مثل قوله تعالى في سورة الفتح إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ أو: هو على ملاطفة الخطاب لمن لا يعلم كقولك لمن ينكر ذوب الذهب (فلنلقه في النار لنعلم أ
يذوب) وهو يعلم أنه يذوب.
أو: المراد به الجزاء أي: لنجازي الطائع والعاصي. وكثيرا ما يعلم التهديد في القرآن بالعلم»
ولكي لا يفهم فاهم أن الصلاة إلى بيت المقدس ليس لها أجر، أو هي في إبان فرضها ليس لها فضل قال تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ أي: صلاتكم إلى القبلة المنسوخة التي هي أثر إيمانكم، سمى الصلاة إيمانا لأن أهل الإيمان هم الذين يعلمون وجوبها فيؤدونها. وبها يحيا الإيمان ويستمر ويستقر ويعلم، وقبولها إنما هو من أهل الإيمان وأداؤها في الجماعة دليل الإيمان. في الصحيح عن البراء قال: «مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس. فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟ فأنزل الله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ» ورواه الترمذي عن ابن عباس وصححه. ثم علل تعالى لعدم إضاعته إيمان المؤمنين بقوله: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ فلا يضيع أجورهم.
والرأفة في اللغة: أشد من الرحمة وجمع بينهما كما في الرحمن الرحيم. وبهذا انتهت الفقرة الأولى من مقطع القبلة وهي بمثابة المقدمة للأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام.
فوائد:
١ - في عملية استقراء لمظاهر الوسطية في هذه الأمة يقول صاحب الظلال:
إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا فتقيم بينهم العدل والقسط، وتضع لهم الموازين والقيم. وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد، وتزن قيمهم وتصوراتهم
стр. 292
وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها وتقول: هذا حق منها وهذا باطل. لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها، وهي شهيدة على الناس، وفي مقام الحكم العدل بينهم .. وبينما هي تشهد على الناس هكذا، فإن الرسول ﷺ هو الذي يشهد عليها. فيقرر لها موازينها وقيمها، ويحكم على أعمالها وتقاليدها ويزن ما يصدر عنها، ويقول فيه الكلمة الأخيرة ... وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها .. لتعرفها أو لتشعر بضخامتها، ولتقدر دورها حق قدره، وتستعد له استعدادا لائقا.
وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد. أو من الوسط بمعناه المادي الحسي أُمَّةً وَسَطاً.
في التصور والاعتقاد .. لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي. إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح تلبس الجسد، أو جسد تتلبس به روح. ويعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد، وتعمل لترقية الحياة ورفعها، في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها، وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع، بلا تفريط ولا إفراط، في قصد واعتدال.
أُمَّةً وَسَطاً في التفكير والشعور .. لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة ... ولا تتبع كذلك كل ناعق، وتقلد تقليد القردة المضحك .. إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول، ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب.
وشعارها الدائم: الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها في تثبت ويقين.
أُمَّةً وَسَطاً في التنظيم والتنسيق. لا تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب. إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب، وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب. وتزاوج بين هذه وتلك، فلا تكل الناس إلى سوط السلطان ولا تكلهم كذلك إلى وحي الوجدان .. ولكن مزاج من هذا وذاك.
أُمَّةً وَسَطاً .. في الارتباطات والعلاقات .. لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته، ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة، ولا تطلقه كذلك فردا أشرا جشعا لا هم له إلا ذاته .. إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء، وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه. ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو، ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في الجماعة. وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادما للجماعة. والجماعة كافلة للفرد في تناسق واتساق ..
стр. 293
أُمَّةً وَسَطاً في المكان .. في سرة الأرض، وفي أوسط بقاعها. وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب، وجنوب وشمال. وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعا. وتشهد على الناس جميعا. وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة، وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك، وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء.
أُمَّةً وَسَطاً في الزمان .. تنهي عهد طفولة البشرية قبلها. وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها. وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها، وتصدها عن الفتنة بالعقل والهدى، وتزاوج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات، ورصيدها العقلي المستمر في النماء، وتسير بها على الصراط السوي بين هذا وذاك.
وما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها، إلا أنها تخلت عن منهج الله الذي اختاره لها. واتخذت لها مناهج مختلفة ليست هي التي اختارها الله لها، واصطبغت بصبغات شتى ليست صبغة الله واحدة منها. والله يريد لها أن تصطبغ بصبغته وحده.
وأمة تلك وظيفتها، وذلك دورها خليقة بأن تتحمل التبعة وتبذل التضحية، فللقيادة تكاليفها، وللقوامة تبعاتها. ولا بد أن تفتن قبل كل ذلك، وتبتلى ليتأكد خلوصها لله وتجردها، واستعدادها للطاعة المطلقة للقيادة الرشيدة.
٢ - ومن كلام صاحب الظلال في تبيان الحكمة في اتخاذ القبلة وتمييز قبلة المسلمين عن غيرهم يقول: إن الاختصاص والتميز ضروريان للجماعة المسلمة: الاختصاص
والتميز في التصور والاعتقاد. والاختصاص والتميز في القبلة والعبادة. وهذه كتلك لا بد من التميز فيها والاختصاص. وقد يكون الأمر واضحا فيما يختص بالتصور والاعتقاد، ولكنه بهذه الدرجة من الوضوح فيما يختص بالقبلة وشعائر العبادة .. هنا نعرض التفاتة.
إلى قيمة أشكال العبادة ..
إن في النفس الإنسانية ميلا فطريا ناشئا من تكوين الإنسان ذاته من جسد ظاهر وروح مغيب، إلى اتخاذ أشكال ظاهرة للتعبير عن المشاعر المضمرة. فهذه المشاعر المضمرة لا تهدأ ولا تستقر حتى تتخذ لها شكلا ظاهرا تدركه الحواس، وبذلك يتم
стр. 294
التعبير عنها. يتم في الحس كما في النفس، فتهدأ حينئذ وتستريح، وتفرغ الشحنة الشعورية تفريغا كاملا، وتحس بالتناسق بين الظاهر والباطن، وتجد تلبية مريحة لجنوحها إلى الأسرار والمجاهيل. وجنوحها إلى الظواهر والأشكال في ذات الأوان.
وعلى هذا الأساس الفطري أقام الإسلام شعائره التعبدية كلها. فهي لا تؤدى بمجرد النية ولا بمجرد التوجه الروحي. ولكن هذا التوجه يتخذ له شكلا ظاهرا: قياما واتجاها إلى القبلة، وتكبيرا وقراءة وركوعا في الصلاة. وإحراما من مكان معين ولباسا معينا، وحركة وسعيا ودعاء، وتلبية ونحرا وحلقا في الحج. ونية وامتناعا عن الطعام والشراب والمباشرة في الصوم .. وهكذا في كل عبادة حركة، وفي كل حركة عبادة، ليؤلف بين النفس وباطنها، وينسق بين طاقاتها، ويستجيب للفطرة جملة بطريقة تتفق مع تصوره الخاص ...
ولم يكن بد من تمييز المكان الذي يتجه إليه المسلم بالصلاة والعبادة. وتخصيصه كي يتميز هو ويتخصص بتصوره ومنهجه واتجاهه .. فهذا التميز تلبية للشعور بالامتياز والتفرد. كما أنه بدوره ينشئ شعورا بالامتياز والتفرد. ومن هنا كذلك كان النهي عن التشبه بمن دون المسلمين في خصائصهم التي هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة. كالنهي عن طريقهم في الشعور والسلوك سواء. ولم يكن هذا تعصبا ولا تمسكا بمجرد شكليات. وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات، كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال والظواهر. وهذه البواعث هي التي تفرق قوما عن قوم، وعقلية عن عقلية، وتصورا عن تصور، وضميرا عن ضمير، وخلقا عن خلق، واتجاها في الحياة كلها عن اتجاه.
عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم». وقال رسول الله ﷺ وقد خرج على جماعة فقاموا له:
«لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا».
وقال صلوات الله وسلامه عليه: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» ﷺ .
فنهى عن تشبه في مظهر أو لباس. ونهى عن تشبه في حركة وسلوك، ونهى عن تشبه في قول أو أدب .. لأن وراء هذا كله ذلك الشعور الباطن الذي يميز تصورا عن تصور، ومنهجا في الحياة عن منهج، وسمة للجماعة عن سمة. ثم هو نهي عن التلقي من
стр. 295
غير الله ومنهجه الخاص الذي جاءت هذه الأمة لتحققه في الأرض. نهي عن الهزيمة الداخلية أمام أي قوم آخرين في الأرض. فالهزيمة الداخلية تجاه مجتمع معين هي التي تتدسس في النفس لتقلد هذا المجتمع المعين. والجماعة المسلمة قامت لتكون في مكان القيادة للبشرية. فينبغي لها أن تستمد تقاليدها- كما تستمد عقيدتها- من المصدر الذي اختارها للقيادة ... والمسلمون هم الأعلون. وهم الأمة الوسط. وهم خير أمة أخرجت للناس. فمن أين إذن يستمدون تصورهم ومهجهم؟ ومن أين إذن يستمدون تقاليدهم ونظمهم؟ إلا يستمدوها من الله فهم يستمدونها من الأدنى للأسف.
ولقد ضمن الإسلام للبشرية أعلى أفق في التصور، وأقوم منهج في الحياة. فهو يدعو البشرية كلها أن تفيء إليه. وما كان تعصبا أن يطلب الإسلام وحدة البشرية على أساسه هو، لا على أي أساس آخر. وعلى منهجه هو، لا على أي منهج آخر. وتحت رايته هو لا تحت أية راية أخرى. فالذي يدعوك إلى الوحدة في الله، والوحدة في الأرفع من التصور، والوحدة في الأفضل من النظام، ويأبى أن يشتري الوحدة بالحيدة عن منهج الله، والتردي في مهاوي الجاهلية .. ليس متعصبا، أو هو متعصب ولكن للخير والحق والصلاح. والجماعة المسلمة التي تتجه إلى قبلة مميزة يجب أن تدرك معنى هذا الاتجاه.
إن القبلة ليست مجرد مكان أو جهة تتجه إليها الجماعة في الصلاة. فالمكان أو الجهة ليس سوى رمز. رمز للتميز والاختصاص. تميز التصور، وتميز الشخصية، وتميز الهدف وتميز الاهتمامات، وتميز الكيان.
والأمة المسلمة- اليوم- بين شتى التصورات الجاهلية التي تعج بها الأرض جميعا وبين شتى الأهداف الجاهلية التي تستهدفها الأرض جميعا، وبين شتى الاهتمامات الجاهلية التي تشغل بال الناس جميعا، وبين شتى الرايات الجاهلية التي ترفعها الأقوام جميعا. الأمة المسلمة اليوم في حاجة إلى التميز بشخصية خاصة لا تتلبس بشخصيات الجاهلية السائدة، والتميز بتصور خاص للوجود والحياة لا يتلبس بتصورات الجاهلية السائدة، والتميز بأهداف واهتمامات تتفق مع تلك الشخصية وهذا التصور، والتميز براية خاصة تحمل اسم الله وحده، فتعرف بأنها الأمة الوسط التي أخرجها الله للناس لتحمل أمانة العقيدة وتراثها ..
إن هذه العقيدة منهج حياة كامل، وهذا المنهج هو الذي يميز الأمة المستخلفة والوارثة لتراث العقيدة. الشهيدة على الناس، المكلفة بأن تقود البشرية كلها إلى الله .. وتحقيق هذا المنهج في حياة الأمة المسلمة هو الذي يمنحها ذلك التميز في الشخصية والكيان، وفي
стр. 296
الأهداف والاهتمامات. وفي الراية والعلامة. وهو الذي يمنحها مكان القيادة الذي خلقت له، وأخرجت للناس من أجله. وهي بغير هذا المنهج ضائعة في الغمار، مبهمة الملامح، مجهولة السمات، مهما اتخذت لها من أزياء ودعوات وأعلام.»
٣ - تطلق العرب كلمة الوسط على الخيار ومن ثم تقول: قريش أوسط العرب نسبا ودارا، أي: خيرها. وكان رسول الله ﷺ وسطا في قومه، أي: أشرفهم. ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب.
٤ - روى الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «يدعى نوح يوم القيامة. فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه. فيقال لهم: هل بلغكم؟
فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول:
محمد وأمته. قال: فذلك قوله وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً قال: والوسط:
العدل. فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم» رواه البخاري وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «يجئ النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه. فيقال: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال من يشهد لك؟. فيقول: محمد وأمته.
فيدعى محمد وأمته فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فذلك قوله :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً قال: عدلا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.
٥ - استدل الشيخ أبو منصور الماتريدي ﵀ بقوله تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، على أن الإجماع حجة. لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة. والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها. فإذا اجتمعوا على شئ وشهدوا به لزم قبوله .. وقد ناقش الألوسي أن تكون الآية يدخل فيها ذلك. وختم مناقشته بقوله «على أن من نظر بعين الإنصاف لم ير في الآية أكثر من دلالتها على أفضلية هذه الأمة على سائر الأمم. وذلك لا يدل على حجية إجماع ولا عدمها» أقول لكن من تأمل استهالات رسول الله ﷺ والصحابة لهذه الآية كما رأينا نموذج ذلك أثناء شرحها لم يستبعد ما ذهب إليه أبو منصور. وقد ناقش الألوسي ادعاء الشيعة أن المراد بالأمة
стр. 297
الوسط الأئمة الاثني عشر؛ بناء على نقول ينقلونها عن بعض الأئمة. فقال: «ولا يخفى أن دون إثبات ما قالوه خرط القتاد» أقول: ومما يشهد لفساد هذا الاتجاه الخطاب العام لكل الأمة بقوله تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً نعم الصالحون من آل البيت هم من خيار هذه الأمة الوسط، وهم فيها محل المودة من قلوب أهل الإيمان.
ولكن هذا وحده لا يعطيهم حقا في إمامة وخلافة إذا لم تقدم الشورى أحدا منهم.
ولنعد إلى قضية فهم الإجماع من الآية: فممن ذهب هذا المذهب القرطبي وذهب إلى أن الآية دليل على أنه لا يشهد إلا العدول وذلك منه قياسا على اعتماد الله شهادة هذه الأمة في الآخرة بسبب العدالة التي هي أحد تفسيري الوسط في الآية. قال القرطبي:
«قال علماؤنا: أنبأنا ﵎ في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله لنا باسم العدالة، وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه .. وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول. ولا ينفذ قول الغير على الغير إلا أن يكون عدلا .. وفيه دليل على صحة الإجماع ووجوب الحكم به لأنهم إذا كانوا عدولا شهدوا على الناس. فكل عصر شهيد على من بعده.
فقول الصحابة حجة وشاهد على التابعين. وقول التابعين على من بعدهم. وإذا جعلت الأمة شهداء فقد وجب قبول قولهم ... ».
٦ - في قوله وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها رد واضح على من زعم أنه لا نسخ في الشريعة، وفيها دليل على نسخ السنة بالقرآن. يقول القرطبي: «في هذه الآية دليل واضح على أن في أحكام الله تعالى، ناسخا ومنسوخا. وأجمعت عليه الأمة إلا ممن شذ كما تقدم. وأجمع العلماء على أن القبلة أول ما نسخ ... ودلت أيضا على جواز نسخ السنة بالقرآن. وذلك أن النبي ﷺ صلى نحو بيت المقدس وليس في ذلك قرآن. فلم يكن الحكم إلا من جهة السنة. ثم نسخ ذلك بالقرآن ... ».
٧ - بمناسبة ذكر رأفة الله ورحمته في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أورد ابن كثير الحديث الصحيح فقال: في الصحيح: «أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين ولدها. فجعلت كلما وجدت صبيا من السبي أخذته فألصقته بصدرها وهي تدور على ولدها. فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله ﷺ : أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه؟
فقالوا: لا يا رسول الله. قال: فو الله لله أرحم بعباده من هذه بولدها».
كلمة في السياق:
١ - لا خلاف أن قوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ نزل متأخرا عن
стр. 298
الأمر بالتوجه نحو البيت الحرام. ولكن الخلاف في قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ هل نزل متأخرا؟ فعلى القول أنه نزل متأخرا فإن الآيتين تكونان قد نزلتا متأخرتين عن الفقرتين اللاحقتين في هذا المقطع. وقد ذكرتا متقدمتين على الفقرتين مع تأخرهما نزولا. لأنهما بمثابة المدخل لتغيير القبلة. وتعليل لهذا التغيير، ومن ثم فلم نبعد إذا
اعتبرناهما فقرة من فقرات المقطع.
٢ - ومما دلنا على أن الآيتين فقرة تميز الفقرتين اللاحقتين بما يدل على أنهما فقرتان ذواتا خصائص مشتركة. فكل من الفقرتين اللاحقتين تبدأ بآية مضمونها متشابه وخاتمتهما واحدة. فأول آية في الفقرة اللاحقة فيها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ. وخاتمة هذه الآية قوله تعالى:
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. وأول آية في الفقرة الثانية فيها قوله تعالى:
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وخاتمتها هي وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
وهكذا يأتي مقطع القبلة من فقرات ثلاث واضحة المعالم: الأولى منها بمثابة التعليل للتغيير، والثانية فيها أمر بالتغيير، والثالثة فيها تأكيد للأمر. وفي كل من الفقرات الثلاث تعليم حجة أو إقامة حجة. وفي الفقرة الأولى والثالثة تبيان النعمة في شأن الأمر الناسخ. وفي الفقرة الثانية تهديد لمن خالف أو ناقش أو تردد، وفي ثنايا ذلك ومع ذلك معان لا يحاط بها. وذلك كله أوسع من أن يستطيع البشر بعضه لمن عقل. وذلك مظهر من مظاهر الإعجاز.
تفسير الفقرة الثانية في مقطع القبلة:
آثار:
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: «كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود. فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس. ففرحت اليهود. فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرا وكان يحب قبلة إبراهيم. فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء. فأنزل الله قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ إلى قوله تعالى فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ فارتابت من ذلك اليهود وقالوا: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها. قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
стр. 299
وقال فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ وقال تعالى وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري عن عمه عبيد الله بن عمرو عن داود بن الحصين .... عن ابن عباس قال:
«كان النبي- ﷺ إذ سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء. فأنزل الله فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها. فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إلى الكعبة إلى الميزاب يؤم به جبرائيل ﵇» وروى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة ...
عن يحيى بن قطة قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالسا في المسجد الحرام بإزاء الميزاب فتلا هذه الآية فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها قال: نحو ميزاب الكعبة. ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وفي ذكر ميزاب الكعبة في هذا النص والذي قبله إشارة إلى قبلة أهل المدينة ومن وراءهم. فميزاب الكعبة في الجهة الشمالية منها. وأهل المدينة في تلك الجهة بالنسبة للكعبة.
التفسير:
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ أي تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء إذ كان رسول الله ﷺ كما رأينا يحب أن يحول إلى الكعبة موافقة لإبراهيم ومخالفة لليهود. ولأنها أدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومطافهم.
قال الألوسي: والظاهر أنه ﷺ لم يسأل ذلك من ربه. بل كان ينتظر فقط ..
وذلك دلالة على كمال أدبه ﷺ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها أي فلنعطينك ولنمكننك من استقبال هذه القبلة التي تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله وحكمته. والفعل (ولى) هنا يحتمل التولية. فإن كان من باب الولاية يكون المعنى ما ذكرنا. وإن كان من باب التولية يكون المعنى فلنجعلنك تتوجه سمت القبلة التي تحبها وتميل إليها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: نحوه.
فصار المعنى: «اجعل تولية وجهك تلقاء المسجد الحرام. وهل المراد إصابة عين الكعبة أو المراد الجهة؟ قولان للأئمة في ذلك. والأكثر على أن المراد الجهة وهو أحد قولين للشافعي. ومما استدل به الحنفية وغيرهم على أن المراد إرادة الجهة لا عين القبلة من الآية، أن الآية ذكرت المسجد الحرام ولم تذكر الكعبة بالذات. فدل ذلك على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين. واستدلوا كذلك بقوله ﵊ ما بين
стр. 300
المشرق والمغرب قبلة وهذا لمن كان في جهة الشمال أو الجنوب من الحرم. واستدلوا كذلك بالحديث «البيت قبلة لأهل المسجد. والمسجد قبلة لأهل الحرم. والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي». أخرج ابن جريج عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ «أي حيثما كنتم من الأرض وأردتم الصلاة فولوا وجوهكم نحوه». قال ابن كثير: أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ولا يستثنى من هذا شئ سوى النافلة في حالة السفر. فإنه يصليها حيثما توجه قالبه، وقلبه نحو الكعبة. وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده كما ذهب إليها الشافعي وأحمد وأبو حنيفة
قال شريك القاضي: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده كما قال جمهور الجماعة لأنه أبلغ في الخضوع وآكد في الخشوع، وقد ورد به الحديث. وأما في حال ركوعه، فإلى موضع قدميه. وفي حال سجوده إلى موضع أنفه، وفي حال قعوده إلى حجره.
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود والنصارى لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أي ليعلمون أن التحويل أو التوجه إلى الكعبة هو الحق من الله ، وهذا يقتضي أن أهل الكتاب بشقيهم من يهود ونصارى يعلمون أن النبوة القادمة المبشر بها قبلتها كعبة إبراهيم، وهذا واضح لكل من تأمل موضوع البشارات بالنبوة القادمة في كتب العهد القديم التي هي محل اعتماد اليهود والنصارى. إذ في هذه البشارات كما نقلنا نصوصها في كتابنا «الرسول» ﷺ الفصل الخامس، كلام عن مكة، وإشارات إلى الكعبة بالذات.
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ هذا وعيد للكافرين بالعقاب والعذاب على الجحود وإنكار الحق وكتمانه وإبائه.
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ. وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ. وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ. وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ يخبر تعالى في هذه الآية عن كفر أهل الكتاب، ومنهم اليهود. إذ هم المرادون أولا بهذا النص، يخبر تعالى عن كفرهم وعنادهم ومخالفتهم ما يعرفون من شأن رسول ﷺ ، وأنه لو أقام عليهم كل دليل على
стр. 301
صحة ما جاءهم به لما اتبعوه وتركوا أهواءهم، كما في الآية إخبار عن شدة متابعة الرسول ﷺ لما أمره الله تعالى به، وأنه مستمسك بأمر الله وطاعته، واتباع مرضاته، وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله. وفي الآية تحذير العالم من مخالفة الحق الذي يعلمه إلى الهوى. فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره.
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ لأن تركهم المتابعة ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة. إنما هو عن مكابرة وعناد. وفي النص برهان قاطع على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ. هذا حسم لأطماعهم، إذ كانوا اضطربوا في ذلك، وقالوا لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره. وطمعوا فى رجوعه إلى قبلتهم. ووحدت القبلة فى النص مع أنهما قبلتان: قبلة لليهود، وقبلة للنصارى لاتحادهم فى البطلان وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ أي مع إنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم كما لا ترجى موافقتهم لك فاليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس.
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي من بعد وضوح البرهان والإحاطة بأن القبلة هي الكعبة. وأن دين الله هو الإسلام إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي لمن المرتكبين الظلم الفاحش. وفي ذلك لطف للسامعين وتهييج للثبات على الحق، وتحذير لمن يترك الدليل بعد إنارته، ويتبع الهوى. والخطاب في الظاهر للنبي ﵊ والمراد أمته. وقد لزم الوقف على الظالمين في الآية. إذ ليس الَّذِينَ بعدها صفة لها.
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ. وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
يخبرنا تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول ﷺ كما يعرف أحدهم ولده من بين أبناء الناس كلهم. والعرب تضرب المثل في صحة الشئ بهذا. ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإتقان العلمي ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي ﷺ . ثم ثبت تعالى نبيه ﷺ والمؤمنين. وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ أي محمدا ﵊، أو القرآن، أو تحويل القبلة، والأول أظهر كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ قال عبد الله بن سلام ﵁: «أنا أعلم به مني
стр. 302
بابني. فقال له عمر: ولم؟. قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي. فأما ولدي فلعل والدته خانت. فقبل عمر رأسه». وفي رواية: «نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته، فعرفته. وإني لا أدري ما كان من أمه» أي من أم ابنه.
وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ أي الذين لم يسلموا لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ حسدا وعنادا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن الله تعالى بينه في كتابهم
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أي: الحق من الله لا من غيره. يعني أن الحق ما ثبت أنه من الله. كالذي أنت عليه. وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي من الشاكين في أنه من ربك.
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ. أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي: ولكل أهل دين من أهل الأديان قبلة يرضونها. ووجهة الله حيث ما وجه المؤمنين فيا أيها المؤمنون جدوا في الخيرات، وليسابق بعضكم بعضا.
أو جدوا في الخيرات حتى تسبقوها وتكونوا أمامها. فالله تعالى هو القادر على جمعكم من الأرض، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم.
وَلِكُلٍّ من أهل الأديان قبلة وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها. الضمير (هو) إما أن يعود لأهل كل دين. وإما أن يعود إلى الله. والضمير في موليها يعود على الوجهة.
فصار المعنى على الاتجاه الأول في الضمير: ولكل أهل دين من الأديان قبلة يوليها وجهه. ويتوجه إليها منكم ومن غيركم. وعلى الاتجاه الثاني في الضمير: أن لأهل كل دين قبلة وجهها الله إليهم في الأصل. وقد وجه هذه الأمة لقبلتها الجديدة التي هي القبلة الحق للناس والبشر. فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ فاستبقوا أنتم وغيركم من الأمم الخيرات.
فأهل كل دين سابق عند ما كانوا على الحق، فعلوا الخيرات. فأنتم فافعلوا وحاولوا أن تسبقوا. أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فيفصل بين المحق والمبطل. إِنَّ اللَّهَ
عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
لا يعجزه شئ أراده. ويمكن أن تفهم الآية فهما آخر هو:
ولكل منكم يا أمة محمد وجهة يصلي إليها، جنوبية أو شمالية، أو شرقية، أو غربية. فاستبقوا الفاضلات من الجهات. وهي الجهات المسامتة للكعبة، وإن اختلفت. أينما تكونوا من الجهات المختلفة يأت بكم الله جميعا. ويجمعكم ويجعل صلاتكم كأنها إلى جهة واحدة. وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام. وقد رد الألوسي هذا الاتجاه. ويمكن أن تفهم بداية الآية على ما ذكر هنا، ونهايتها على ما ذكر من قبل.
стр. 303
فوائد:
١ - في التأكيدات الأخيرة من قوله تعالى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ قال الألوسي: تعظيم لأمر الحق، وتحريض على اقتفائه، وتحذير عن متابعة الهوى، واستعظام لصدور الذنب عن الأنبياء وذو المرتبة الرفيعة إلى تجديد الإنذار عليه أحوج، حفظا لمرتبته، وصيانة لمكانته. فلا حاجة إلى القول بأن الخطاب للنبي، والمعني به غيره. لكن القرطبي يرى أن الخطاب للرسول ﷺ . والمراد به أمته.
٢ - عند قوله تعالى الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ يقول صاحب الظلال: (وإن كثيرا من طيبي القلوب ليظنون أن الذي يصد اليهود والنصارى عن الإسلام أنهم لا يعرفونه، أو لأنه لم يقدم إليهم في صورة مقنعة .. وهذا وهم .. إنهم لا يريدون الإسلام لأنهم يعرفونه. يعرفونه فهم يخشونه على مصالحهم وسلطانهم، ومن ثم يكيدون له ذلك الكيد الناصب الذي لا يفتر، بشتى الطرق، وشتى الوسائل، عن طريق مباشر، وعن طرق أخرى غير مباشرة. يحاربونه وجها لوجه، ويحاربونه من وراء ستار، ويحاربونه بأنفسهم، ويستهوون من أهله من يحاربه لهم تحت أي ستار ... )
٣ - وعند قوله تعالى: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ يقول الألوسي:
(وليس المراد نهي رسول الله ﷺ عن ذلك. لأن النهي عن شئ يقتضي وقوعه أو ترقبه من المنهي عنه، وذلك غير متوقع من ساحة حضرة الرسول ﷺ . بل المراد إما تحقيق الأمر، وأنه بحيث لا يشك فيه أحد كائنا من كان، أو الأمر للأمة بتحصيل المعارف المزيلة لما نهى عنه. فيجعل النهي مجازا عن ذلك الأمر. وعند النص نفسه يقول صاحب الظلال: «وما أجدرنا نحن اليوم أن نستمع إلى هذا التحذير، ونحن في بلاهة منقطعة النظير- نروح نستفتي المستشرقين- من اليهود والنصارى والشيوعيين الكفار .. في أمر ديننا، ونتلقى عنهم تاريخنا، ونأمنهم على
стр. 304
القول في تراثنا، ونسمع لما يدسونه من شكوك في دراساتنا لقرآننا وحديث نبينا، وسيرة أوائلنا ونرسل إليهم بعثات من طلابنا يتعلمون عنهم علوم الإسلام، ويتخرجون في جامعاتهم، ثم يعودون إلينا مدخولي العقل والضمير. إن هذا القرآن قرآننا. قرآن الأمة المسلمة. وهو كتابها الخالد الذي يخاطبها فيه ربها بما تعمله وما تحذره. وأهل الكتاب هم أهل الكتاب. والكفار هم الكفار، والدين هو الدين».
مسائل:
١ - قال القرطبي: «لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قبلة في كل أفق، وأجمعوا على أن من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها. وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها وعالم بجهتها فلا صلاة له. وعليه إعادة كل ما صلى. ذكره أبو عمر. وأجمعوا على أن كل من غاب عنها، أن يستقبل ناحيتها وشطرها وتلقاءها. فإن خفيت عليه، فعليه أن يستدل على ذلك بكل ما يمكنه من النجوم، والرياح، والجبال، وغير ذلك مما يمكن أن يستدل به على ناحيتها. ومن جلس في المسجد الحرام فليكن وجهه إلى الكعبة. وينظر إليها إيمانا واحتسابا، فإنه يروى أن النظر إلى الكعبة عبادة».
قال عطاء ومجاهد: «واختلفوا هل فرض الغائب استقبال العين، أو الجهة؟ فمنهم من قال بالأول.
قال ابن العربي: وهو ضعيف. لأنه تكليف لما لا يصل إليه. ومنهم من قال بالجهة، وهو الصحيح لثلاثة أوجه: الأول: أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف.
الثاني: أنه المأمور به في القرآن لقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ يعني من الأرض من شرق أو غرب فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ الثالث: أن العلماء احتجوا بالصف الطويل الذي يعلم قطعا أنه أضعاف عرض البيت».
٢ - من مجئ قوله تعالى فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ بعد وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فهم بعضهم أن المراد منه، المبادرة بالصلاة أول وقتها أفضل وهو مذهب الشافعي، وبعض الأئمة كمالك فصل. فأما الصبح والمغرب فأول الوقت فيهما
стр. 305
أفضل، وأما العشاء فتأخيرها أفضل لمن قدر عليه، وأما الظهر فأول الوقت أفضل إلا في شدة الحر. وأما العصر فتقديمها أفضل .. والحنفية يرون أن الإسفار في الفجر أفضل.
ويوافقون مالكا فيما سوى ذلك. ومناقشة الموضوع تكون في مذهبنا أن تأخير الصلاة رجاء الجماعة أفضل من تقديمها. فإن فضل الجماعة معلوم. وفضل أول الوقت مجهول. وتحصيل المعلوم أولى، قاله ابن العربي.
كلمة في السياق:
جاءت الفقرة الأولى من مقطع القبلة بمثابة مدخل ومقدمة لتحويل القبلة. فبينت حكمة التحويل، وحكمة التوجه إلى القبلة الأولى، وعلمت المسلمين كيف يردون على الاعتراضات، وطمأنتهم على صلاتهم الأولى وثبتتهم على أمر الله.
ثم جاءت الفقرة الثانية وفيها الأمر بالتوجه إلى البيت الحرام في الصلاة، وأن هذا الأمر إنما جاء بعد تطلع إليه من رسول الله ﷺ ، وأن هذا التوجه معلوم لأهل الكتاب الذين يعرفون أن كعبة إبراهيم هي قبلة أمة النبي المبشر به.
ثم بينت الفقرة أنه لن تزال أكثر من قبلة. وأن هذه القبلة هي الحق. وأن كلا من أهل الكتاب لن يرجع عن قبلته. ثم هددت الفقرة: أن يتابع أهل الكتاب على أهوائهم. وكيف! وهم يعرفون، ويكتمون. ثم استقرت الفقرة في تقرير أن الحق من الله، ونهت عن الشك في هذا الحق. وأن لكل من الناس وجهته. وأن على هذه الأمة أن تفعل الخيرات. وأن المرجع إلى الله.
ثم تأتي الفقرة الثالثة:
الفقرة الثالثة:
في هذه الفقرة كرر الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام. وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده. لأن النسخ من مظان الفتنة والشبهة، فكرر عليهم الأمر ليثبتوا. على أنه قد نيط بكل أمر ما لم ينط بالآخر، فاختلفت فوائدها، وفي هذه الفقرة ذكرت الحكمة في الأمر بالتوجه الدائم إلى المسجد الحرام، كما أن فيها أوامر ذكرت في معرض نعمة الأمر
стр. 306
بالتوجه، وأي نعمة أجل من نعمة الهداية؟ وأي نعمة أجل من نعمة إرسال رسولنا ﵊؟ دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى ﵈.
التفسير:
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ للسفر. فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي:
نحوه إذا صليت. وَإِنَّهُ أي هذا المأمور به لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فراقبوا الله في أعمالكم كلها.
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
قال ابن كثير: «هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار العالم. وقد اختلفوا في حكم هذا التكرار ثلاث مرات. فقيل تأكيد. لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نص عليه ابن عباس وغيره. وقيل بل هو منزل على أحوال:
فالأمر الأول: لمن هو مشاهد الكعبة. والثاني: لمن هو في مكة غائبا عنها. والثالث:
لمن هو في بقية البلدان. هكذا وجهه فخر الدين الرازي» وقال القرطبي: الأول:
لمن هو بمكة. والثاني: لمن هو في بقية الأمصار. والثالث: لمن خرج في الأسفار.
ورجح هذا الجواب القرطبي. وقيل إنما ذكر ذلك لتعلقه بما قبله أو بعده من السياق.
فقال أولا قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها. إلى قوله وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته، وأمره بالقبلة التي كان يود التوجه إليها ويرضاها.
وقال في الأمر الثاني وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فذكر أنه الحق من الله. وارتقاءه المقام الأول حيث كان موافقا لرضا الرسول ﷺ . فبين أنه الحق أيضا من الله يحبه ويرتضيه. وذكر في الأمر الثالث حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يحتجون باستقبال الرسول إلى قبلتهم. وقد كانوا يعلمون بما في كتبهم أنه سيصرف إلى قبلة إبراهيم ﵇، إلى الكعبة. وكذلك مشركو العرب انقطعت حجتهم لما صرف الرسول ﷺ عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف. وقد كانوا يعظمون الكعبة. وأعجبهم استقبال الرسول لها. وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار. وقد بسطها الرازي وغيره والله أعلم.
стр. 307
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ. أطلق اسم الحجة على المعاندين لأنهم يسوقونه سياق الحجة. علمتنا الآية أن على المسلم أن يبطل حجج أعداء الله بمواقفه وسلوكه، وقد أبطل الله حججا كثيرة للكافرين على هذه الأمة بهذا التوجه إلى القبلة. إن كثيرا من الكافرين يريدون أن يبرهنوا على أن هذا الدين مأخوذ عن غيره، بينما القاعدة الأساسية فيه هي التميز عن غيره، والقبلة من مظاهر هذا التمييز. فلو بقيت القبلة إلى غير الكعبة لكان للكافرين في ذلك كلام. ومن الحجج التي بطلت بهذا التوجه، حجة العرب في أنه كيف يكون على ملة إبراهيم ويتوجه إلى غير بيته، ومن الحجج التي بطلت. زعم المشركين من العرب أن محمدا وأصحابه لا يعظمون الكعبة، ومن الحجج التي بطلت. حجة أهل الكتاب أنه بالإمكان أن يتابع محمد أهل الكتاب ما دام تابعهم في بعض دينهم. فكان التوجه نحو الكعبة قطعا لطمع أهل الكتاب في متابعة هذه الأمة. إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ: الذين ظلموا هنا، إما اليهود، وإما قريش في ساعة نزول القرآن. وهي عامة في كل ظالم، لأن الاستثناء من الناس. وكلمة الناس يدخل فيها الجميع. دلت الآية على أن المسلم لا ينبغي أن يبالي بالكلمة الظالمة، ولا بحجة الظالم. ولكن عليه أن يبطل الحجج حتى لا ينخدع بها غير قائليها من الظلمة. وبالنسبة لموضوعنا إذا حملنا الآية على أن المراد بالظالمين اليهود، فإنهم قالوا: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه، وحبا لبلده ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء ﵈. وإذا حملنا الآية على أن المراد بالظالمين مشركو قريش إذ قالوا: بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم.
مثل هذه الحجج لا ينبغي أن تلتفت إليها هذه الأمة التي تعلم أن الحق والخير هو في طاعتها لله في جميع أحوالها. فلا تخرج عن أمر الله طرفة عين إلى كلام الخارجين عن
أمر الله. فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي. أي لا تخشوا شبه الظلمة المتعنتين. وأفردوا الخشية لي. فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه. فصار المعنى: لا تخشوا الظالمين، فتخافوا مطاعنهم فإنهم لا يضرونكم. واخشوني، فلا تخالفوا أمري. وهكذا شأن المسلم. إذا كان على الحق فإنه لا يبالي بأحد. وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ هذه معطوفة على قوله تعالى لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ فصار المعنى وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة، ولأتم نعمتي عليكم. ومن أجل هدايتكم. وإتمام النعمة هنا بشرع استقبال الكعبة، لتكمل الشريعة من جميع وجوهها. وتتميز هذه الأمة بشعائرها وشرائعها. وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ مما
стр. 308
ضلت عنه الأمم في كل ما هو الأحب إلى الله والحق عنده، هديناكم إليه، وخصصناكم به. ولهذا كانت هذه الأمة أشرف الأمم وأفضلها.
كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ. هذه الآية، إما أنها متعلقة بما قبلها، فيصبح المعنى: ولأتم نعمتي عليكم في الآخرة بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول الذي يتلو ... وإما أنها متعلقة بما بعدها. فيصبح المعنى: كما ذكرتكم بإرسال الرسول فاذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب. فعلى هذا القول يوقف على تَهْتَدُونَ وعلى القول الأول لا يوقف.
والخطاب في مِنْكُمْ للعرب. وفي ذلك إشعار للعرب بنعمة الله عليهم. فما أخس العرب إذا تركوا دعوة الله ودينه بعد ما خصهم الله بها من جميع الأمم. وكلفهم بتبليغها لكل الأمم. يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا أي: يقرؤها عليكم. وآيات الله هي كتابه.
وَيُزَكِّيكُمْ أي: يطهركم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية ويخرجكم من الظلمات إلى النور. وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ. أي: القرآن. فهو يقرأ عليهم القرآن ويعلمه لهم. ففي التعليم زيادة على التلاوة. وذلك أن التلاوة وحدها مقصودة. وتعليم القرآن كذلك مقصود ولهذا فإن علينا أن نقيم حلقات التلاوة والتجويد، كما نقيم حلقات التفسير. وَالْحِكْمَةَ الحكمة: السنة والفقه.
وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ مما لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي. كانوا في الجاهلية الجهلاء، فانتقلوا ببركة رسالته، ويمن سفارته إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء. فصاروا أعمق الناس علما، وأبرهم قلوبا، وأقلهم تكلفا، وأصدقهم لهجة.
ولهذا ندب الله المؤمنين بالآية التالية إلى الاعتراف بهذه النعمة، ومقابلتها بذكره وشكره فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ.
فاذكروني بالطاعة، أذكركم بالمغفرة. أو بالثناء والعطاء. أو اذكروني بالسؤال أذكركم بالنوال. أو اذكروني بالتوبة، أذكركم بعفو ... أو اذكروني بالإخلاص، أذكركم بالخلاص. أو اذكروني بالمناجاة، أذكركم بالنجاة. أو اذكروني بهذا كله وغيره ومثله، أذكركم بهذا كله وغيره ومثله. واشكروا لي ما أنعمت به عليكم ولا تكفرون أي: لا تجحدوا نعمائي. أمر الله تعالى بشكره، ووعد على شكره بمزيد الخير وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ. (سورة إبراهيم) قال الله : «يا ابن آدم .. إن ذكرتني في نفسك، ذكرتك في نفسي. وإن ذكرتني في ملأ، ذكرتك في ملأ من الملائكة. أو قال: في ملأ خير منه. وإن دنوت مني شبرا، دنوت منك ذراعا. وإن دنوت مني ذراعا، دنوت منك باعا. وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولة».
стр. 309
صحيح الإسناد. أخرجه البخاري من حديث قتادة. وعنده قال قتادة: الله أقرب بالرحمة.
قال الحسن البصري: «إن الله يذكر من ذكره. ويزيد من شكره. ويعذب من كفره».
فوائد ومسائل:
١ - قال صاحب الظلال في تفسير الشكر: «والشكر درجات. تبدأ بالاعتراف بفضله، والحياء من معصيته. وتنتهي بالتجرد لشكره. والقصد إلى هذا الشكر في كل حركة بدن، وفي كل لفظة لسان، وفي كل خفقة قلب، وفي كل خطرة جنان».
٢ - قال القرطبي: «الخشية أصلها: طمأنينة في القلب، تبعث على التوقي والخوف. فزع القلب تخف به الأعضاء. ولخفة الأعضاء به سمي خوفا».
وقال: «وأصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور والتيقظ له. وسمي باللسان ذكرا، لأنه دلالة على الذكر القلبي. غير أنه لما كثر إطلاق الذكر على القول اللساني صار هو السابق للفهم». ونقل عن سعيد بن جبير قوله: «الذكر طاعة الله. فمن لم يطعه لم يذكره وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن».
وقال القرطبي: «وسئل أبو عثمان فقيل له: نذكر الله ولا نجد في قلوبنا حلاوة؟
فقال: احمدوا الله تعالى على أن زين جارحة من جوارحكم بطاعته».
٣ - ذكر القرطبي الخلاف في المتنفل في السفر على الدابة. هل يتوجه في ابتداء صلاته إلى القبلة ثم يتم صلاته حيث توجهت به راحلته، أو لا يلزمه التوجه إلى الكعبة أصلا ابتداء وانتهاء؟ فذكر أن مذهب الشافعي وأحمد وأبي ثور، الأول. وأن مذهب مالك أنه لا يلزم الاستقبال. أقول: وفي قول مالك فسحة لمن أراد التنفل في عصرنا وهو مسافر راكب. لأنه قد يشق عليه أن يتوجه إلى القبلة في ابتداء صلاته إذا كان راكبا سيارة أو قطارا ...
٤ - تزكية النفس بدايتها ونهايتها التوحيد. ويدخل في ذلك تطهيرها من أمراضها وتحقيقها بكمالاتها. ومنعها المحرمات وإقامتها للطاعات. والأمر واسع جدا، وتزكية الأمة بإقامة شرع الله كاملا. والأمر كذلك واسع. والرسول ﷺ تلا علينا الآيات وزكانا، وعلمنا القرآن وعلمنا السنة. فأصبحنا بذلك نضع الأمور كلها في مواضعها
стр. 310
فأصبحنا حكماء. وعلمنا الطريق الذي نتعرف به حكم الله، والذي نصل به إلى كل حكم عادي أو عقلي في أمر دنيا أو أخرى. فأي نعمة أجل؟. وفي منة الله علينا بالتزكية بواسطة رسوله ﷺ . يقول صاحب الظلال:
«ولكنه أرسل رسوله ﷺ يطهرهم. يطهر أرواحهم من لوثة الشرك ودنس الجاهلية، ورجس التصورات التي تثقل الروح الإنساني وتغمره. ويطهرهم من لوثة الشهوات والنزوات. فلا ترتكس أرواحهم في الحمأة. والذين لا يطهر الإسلام أرواحهم في جنبات الأرض كلها قديما وحديثا يرتكسون في مستنقع آسن وبئ من الشهوات والنزوات، تزري بإنسانية الإنسان، وترفع فوقه الحيوان المحكوم بالفطرة.
وهي أنظف كثيرا مما يهبط إليه الإنسان بدون الإيمان، ويطهر مجتمعهم من الربا والسحت والغش والسلب والنهب .. وهي كلها دنس يلوث الأرواح والمشاعر ويلطخ المجتمع والحياة. ويطهر حياتهم من الظلم والبغي. وينشر العدل النظيف الصريح الذي لم تستمتع به البشرية كما استمتعت في الإسلام، وحكم الإسلام، ومنهج الإسلام.
ويطهرهم من سائر اللوثات التي تلطخ وجه الجاهلية في كل مكان من حولهم، وفي كل مجتمع لا يزكيه الإسلام بروحه ومنهجه النظيف الطهور ... ».
٥ - ذكرت الآية كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ بعض مهمات رسول الله ﷺ وإن من الوراثة الكاملة لرسول الله أن يقوم إنسان ما بهذه الوظائف، فيزكي الأنفس بالعلم والعمل والحال والقدوة. ويقيم حلقات التلاوة وحلقات التفسير، وحلقات السنة، وحلقات الفقه.
وإن على المسلمين جميعا أن يقيموا هذا أخذا وعطاء. والتلاوة واضحة. وطريق إقامتها واضحة. ويدخل فيها علم التجويد وآداب التلاوة. وتعليم الكتاب والحكمة واضح. ويدخل في ذلك علم التفسير للكتاب والسنة. ومن علم القرآن بتفسير آياته من خلال حديث رسول الله ﷺ يكون قد حقق ذلك.
وتعليمنا ما لم نكن نعلم يدخل فيه الفقه في الدين بشكل شامل في كلياته، وجزئياته، ويدخل فيه علم الفقه وأصوله، وعلم التوحيد، وأمثال ذلك. بقيت قضية التزكية. فالتزكية في الحقيقة شئ زائد على العلم. فالعلم يعطي القواعد والبيان لكل شئ. أما التزكية فهي تطبيق هذا العلم على النفس البشرية، وأمراضها، وأغراضها،
стр. 311
ومعرفة بالتطبيب وطرقه، ومعرفة بالكمال وكيفية النقل إليه، وأدوات ذلك، وفراسة خاصة بكل نفس لنقلها من حال إلى حال. وهذا شئ للكسب فيه نصيب. ولكن عطاء الله هو الأساس وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً.
٦ - روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال في أهل الكتاب: «إنهم لا يحسدوننا على شئ كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله إليها، وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين» أقول ولا زالت الجمعة والجماعة والكعبة هي أعظم مظهر من مظاهر وحدتنا التي تغيظ الكفار.
٧ - روى الإمام أحمد عن أبي رجاء العطاردي قال: «خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده. فقال: إن رسول الله ﷺ قال: من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه».
٨ - جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن. وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام. فاستداروا إلى الكعبة». قال ابن كثير: وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه. لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء.
كلمة في الفقرة وسياقها، والمقطع وسياقه:
١ - كررت هذه الفقرة الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام، وبينت الحكمة في ذلك وهي: قطع الطريق على أي كلمة يقولها كافر محتجا على هذه الأمة. وإتمام النعمة على هذه الأمة بأن تكون أمة متميزة. وهداية هذه الأمة إلى الحق في كل شئ. وفي الأصل ومن أجل الهداية الكاملة بعث الله محمدا ﷺ . وبمناسبة الكلام عن ذلك ذكر الله مجموع ما أنعم به على هذه الأمة من هداية من خلال بعثة الرسول ﷺ :
التعريف بآياته، وتعليم الكتاب والحكمة، وتطهير الأنفس، والتعريف على كل ما يحتاج إلى تعليم. وعندئذ يذكرنا الله بما ينبغي أن نقابل ذلك:
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ كما أرسلت فيكم رسولا فعل لكم كذا وكذا. فقابلوا ذلك بالذكر والشكر. ويأتي المقطع اللاحق ليدلنا على طريق الذكر والشكر كما سنرى.
стр. 312
وهكذا نجد أن مقطع القبلة في فقراته الثلاث قد تكاملت المعاني فيه حتى وضع قضية القبلة في محلها في حياة هذه الأمة، مبينا قيمة هذا التوجه الكريم إلى كعبة إبراهيم.
٢ - يلاحظ أن مقطع (إبراهيم) ﵇ قد وردت فيه دعوة إبراهيم لذريته وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وفي مقطع القبلة يمن الله على هذه الأمة أنه فعل ذلك.
ويأتي ذلك في معرض الكلام عن اتخاذ كعبة إبراهيم قبلة: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. وفي ذلك من تكامل المقطعين وترابطهما ما فيه.
٣ - جاء مقطع القبلة في سياق القسم المبدوء بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... فهو يعرفنا على قضية من قضايا العبادة. وهي التوجه إلى الله في العبادة، التي هي عمود الإسلام لله رب العالمين. فمحل المقطع في سياق قسمه واضح المعالم.
٤ - وكان مقطع القبلة استمرارا للحوار مع أهل الكتاب. وهو حوار فتح منذ مقطع بني إسرائيل، واستمر في مقطع إبراهيم، ولا يزال.
٥ - إن المقطع اللاحق لمقطع القبلة مبدوء بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ. ومقطع القبلة له صلة بالصلاة. فصلة ذلك ببعضه، وصلة ذلك بالعبادة، وصلة ذلك كله بقضية التقوى التي جاءت مقدمة سورة البقرة، لتقرر فيها الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ .... ثم صلة ذلك كله بقضية الهداية الربانية. وهي ما أوصلتنا إلى وجوبه قصة آدم. إن صلات ذلك كله ببعضه لا تخفى على المتأمل. وما يفوت كل متأمل على حدة من إدراك الصلات، وما يفوت الجميع كثير كثير.
٦ - يلاحظ أن مقطع القبلة سبق بمقطعين كانا بمثابة المقدمتين له. لقد رأينا كيف شوش أهل الكتاب على المسلمين في موضوع القبلة. فكان مقطع بني إسرائيل وما ذكر فيه بمثابة تفريغ للثقة أصلا بأهل الكتاب عامة، وباليهود خاصة. فكان كالمقدمة الأولى لجعل هذا التشويش لا قيمة له. ثم جاء مقطع إبراهيم فكان استمرارا لعملية تحطيم الثقة، وتمهيدا لقضية القبلة. فكان كالمقدمة الثانية. ثم جاء مقطع القبلة.
فإذا تذكرنا هذا. وتذكرنا ما مر معنا من قبل ندرك درسا من دروس الحكمة
стр. 313
الربانية في أن الله جعل هذا القرآن على ما هو عليه من ترتيب، وندرك بذلك لم لم يكن هذا القرآن فصولا وأبوابا تضع النظير إلى جانب النظير. والأمر أوسع من ذلك بكثير كما سنرى. ولكنها لفتة أحببنا أن نذكرها هنا.
٧ - لقد بدأ مقطع القبلة بالكلام عن التوجه إلى المسجد الحرام في الصلاة، وانتهى بالأمر بالذكر والشكر. وقبل ذلك جاءت قصة إبراهيم ﵇. وجاء مقطع بني إسرائيل. وجاء مقطع آدم ﵇. وجاء قبل ذلك كله الأمر بالعبادة. فكان مقطع القبلة بعد تقريرات كثيرة لشئون كثيرة، هو التبيان العملي لأمور عملية في موضوع العبادة. وكأن ما سبقه بمثابة أساس نظري لبناء الجانب العملي. وسنرى كيف أن الجانب النظري والعملي سيتساوقان في المقطع اللاحق. ثم لنرى أن بدايات القسم الثاني من السورة كذلك. ثم يتمحض القسم الثاني لتقرير أمور عملية تتكامل خلالها قضية بناء التقوى ليأتي بعد ذلك القسم الثالث في البقرة فيكمل بناء الأمة المشرق بالإسلام. ويكمل بناء الإسلام.
٨ - عمق مقطع القبلة في سياقه أن الأصل هو طاعة الله. واتباع هداه. والقيام بالتكليف كائنا ما كان. لا اتباع الهوى في مثل توجه نحو شرق وغرب قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وسنرى أن المقطع الأول من القسم الثاني من سورة البقرة سينتهي بآية لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وَلكِنَّ الْبِرَّ ... فلنتذكر الصلة بين هذا المقطع وآية البر التي ستأتي، والتي هي خاتمة الحوار الذي بدأ مع أهل الكتاب في سورة البقرة.
وسنرى من خلال هذه الصلة كيف أن الصلات بين أقسام سورة البقرة، والمقاطع في هذه الأقسام، وبين المقدمة والخاتمة والوسط واسعة جدا، حتى لا يحاط بها. وفي ذلك مظهر من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن.
المقطع السادس والأخير من القسم الأول من سورة البقرة:
ويمتد هذا المقطع من الآية (١٥٣) إلى نهاية الآية (١٦٧) ويتألف من فقرتين وهذا هو.
الفقرة الأولى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٣ الى ١٦٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)
стр. 314
الفقرة الثانية:
стр. 315
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٣ الى ١٦٧]
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)
كلمة في هذا المقطع وسياقه:
يأتي هذا المقطع خاتمة لقسم وفيه معان متعددة. وقد لا يلحظ المتأمل لأول وهلة الصلات التي تربط بين معاني هذا المقطع نفسه فضلا عن الصلات بينه وبين ما سبق ولذلك فإننا نرجو أن يتابعنا القارئ بدقة ونحن نعرض لمحل هذا المقطع في السياق ولسياقه الخاص به:
١ - سبق هذا المقطع بشكل مباشر قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي
стр. 316
وَلا تَكْفُرُونِ. وجاء هذا المقطع ليدلنا على جوانب في الذكر والشكر والكفران.
فالاستعانة بالصبر والصلاة ذكر. ومن ذكر الله بالصبر ذكره الله بالرحمة.
ومن شكر الله، السعي بين الصفا والمروة. ومن الكفران، كتمان ما أنزل الله.
وجزاء الكفران، اللعنة. ورأس الذكر والشكر، التوحيد. وإن مما يدل على التوحيد ويستخرج به الذكر والشكر ما أنعم الله على الإنسان من كثير النعم. ومع أن مقتضيات الذكر والشكر كثيرة فهناك ناس يتخذون من دون الله أندادا ... على هذه الشاكلة تتسلسل المعاني في هذا المقطع، وصلة ذلك في الآية السابقة مباشرة على المقطع واضحة جدا.
٢ - بدأ هذا القسم بالدعوة إلى العبادة والتوحيد للتحقق بالتقوى. ونفر عن السلوك المؤدي إلى الكفر والنفاق والفسوق. ثم جاء مقطع آدم، فمقطع بني إسرائيل الذي كان في بدايته النهي عن كتمان الحق وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وكان فيه حوار مع أهل الكتاب، ثم جاء مقطع إبراهيم وفيه تركيز على الكعبة وذكر للمناسك، ثم جاء مقطع القبلة، ثم جاء المقطع الأخير في القسم، وله صلة بذلك كله:
فمواقف أعداء الله تحتاج إلى استعانة بالصبر والصلاة، وهما عبادة، وارتباط ذلك بالأمر بالعبادة وبالأمر الذي وجه لبني إسرائيل ولم يعقلوه وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ. وبالحوار معهم، وبالقبلة، واضح. والصفا والمروة من شعائر الله.
فالكلام عنهما استكمال للكلام الذي بدأ في مقطع إبراهيم. والترهيب من كتمان ما أنزل الله، والترهيب من الكفر هو التحذير المتوقع بعد هذه الجولات الطويلة مع اليهود وغيرهم، وإعلان التوحيد. والتنديد بالمشركين في آخر المقطع هو مظهر الانسجام الكامل بين بداية القسم كله ونهايته.
لاحظ كيف أن بداية القسم كانت دعوة لعبادة الله وحده. وتعليلا ونهيا عن الشرك:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١ الى ٢٢]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)
стр. 317
إن في هذه البداية دعوة إلى العبادة والتوحيد. وتعليلا لهذه الدعوة، كما فيها نهي عن الشرك. وانظر نهاية القسم ففيها إعلان التوحيد. والتعليل له والتحذير من الشرك.
الإعلان: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ.
التعليل: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي ......
التحذير: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ. وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا .......
وهكذا نجد أن الصلة بين هداية هذا القسم ونهايته على أوضح ما تكون. وإذا اتضحت الصلة بشكل عام بين هذا المقطع والآية السابقة عليه. وبين هذا المقطع والمقاطع السابقة عليه فلنبدأ عرض المجموعة الأولى من الفقرة الأولى منه. إذ المقطع فقرتان، الفقرة الأولى: تعرض ما هو ذكر وشكر، وتوضح قضايا من الكفر. والفقرة الثانية: تعرض ما هو ذكر وشكر، وتوضح جوانب من الكفر:
[الفقرة الأولى]
المجموعة الأولى من الفقرة الأولى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ* وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ* وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ* أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ
وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.
الصلة واضحة بين هذه المجموعة وما قبلها من حيث إن جولات الحوار السابقة التي عرضها القرآن بين أهل الإيمان وغيرهم تقتضي تثبيتا ومساعدات على هذا الثبات كما أن جولات الحوار تخللها ما يدل على أن الكافرين والظالمين ستكون لهم مواقف إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وهذا يقتضي ما يقابله بشكل مكافئ. فإذا وقع ما وقع فكيف ينبغي أن تكون مواقف هذه الأمة. مثل هذه المعاني كلها وغيرها انتظمتها المجموعة الأولى في الفقرة الأولى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
стр. 318
لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر شرع في بيان الصبر والإرشاد إلى ما يتم به، من معرفة بالله وبما أعد للشهداء والصابرين. وقد أمر بهذه الآية بالاستعانة بالصبر والصلاة فهما أجود ما يستعان به على تحمل المصائب. وفي الحديث «إن رسول الله ﷺ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» والصبر صبران: صبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات، والثاني أكثر ثوابا، لأنه المقصود. وأما الصبر الثالث وهو الصبر على المصائب والنوائب، فذاك أيضا واجب كالاستغفار من المعايب.
ويدخل بالأمر بالاستعانة بالصبر، الصوم لأنه نصف الصبر. كما يدخل بالأمر بالاستعانة بالصلاة قراءة الفاتحة والدعاء. لأن الفاتحة صلاة ولأن الدعاء صلاة. ولكن المقصود الرئيسي من الصبر التصبر. فإذا وضح هذا نقول:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ لأنه به تنال كل فضيلة وَالصَّلاةِ لأنها تنهى عن كل رذيلة وتعطي صاحبها اطمئنانا. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصر والمعونة. قال ﵊ «عجبا للمؤمن لا يقضي له الله قضاء إلا كان خيرا له .. إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له».
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «الصبر في بابين: الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان. والصبر لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء. فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله». وقال سعيد بن جبير: «الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه. وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر».
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ، يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون كما جاء في صحيح مسلم: «إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت. ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تبغون. فقالوا: يا ربنا وأي شئ نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك. ثم عاد عليهم بمثل هذا. فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى. لما يرون من ثواب الشهادة. فيقول الرب ﷻ : إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون».
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ : «نسمة المؤمن طائر تعلق
стр. 319
في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى حيث يبعثه». ما يدل على أن هذا الخير لعموم المؤمنين أيضا وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر بالقرآن تشريفا لهم وتكريما وتعظيما. وفي الآية نهي لنا أن نصف من قتل في سبيل الله بالموت، إذ هو حي حياة لا نشعر بها، لأن حياة الشهداء لا تعلم حسا. ذكر النسفي عن الحسن ﵁:
(أن الشهداء أحياء عند الله، تعرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوا وعشيا، فيصل إليهم الوجع).
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ* أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.
أمر في بداية المقطع بالاستعانة بالصبر والصلاة. ووعد على الصبر النصر والمعونة.
ثم ذكر بعد ذلك ما يعين على الصبر على أعظم المصائب في الله وهو القتل، بأن عرفنا حال الشهيد عنده. ثم بين لنا حال الصابرين، وحقيقة الصبر، وأجره، وعلى ماذا يكون، فاستكملت المجموعة بذلك قضية الصبر المكمل للشكر، الذي طولبنا به في نهاية المقطع السابق. وهل الإسلام إلا صبر وشكر وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ. أي: لنمتحننكم ولنختبرنكم بِشَيْءٍ أي: بقليل مما ذكر. وقلل ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل إليه. ويرينا أن رحمته معنا في كل حال. وأعلمنا بوقوع البلواء قبل وقوعها لنوطن نفوسنا عليها مِنَ الْخَوْفِ خوف العدو وَالْجُوعِ القحط أو الإملاق أو الفاقة أو العوز. وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ أي: ذهاب بعضها كموت المواشي وأمثال ذلك وَالْأَنْفُسِ كموت أو قتل الأصحاب والأقارب والأحباب والإخوان، أو بالمرض والشيب. وَالثَّمَراتِ فلا تقل الحدائق والمزارع كعادتها.
قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر إلا واحدة. وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده. فمن صبر أثابه ومن قنط حل به عقابه. وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ.
الخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل من يتأتى منه البشارة. والصابرون: هم الذين صبروا على هذه البلايا واسترجعوا عندها لأن الاسترجاع تسليم وإذعان. وهذا غاية الصبر.
وأعلى منه الرضى.
الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ من مكروه أو شدة. قالُوا إِنَّا لِلَّهِ إقرارا له بالملك. وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ إقرار على أنفسهم بالهلك والعودة إليه، يتسلون بقولهم هذا عما أصابهم. عالمين أنهم ملك لله. يتصرف بعبيده بما يشاء وأنه لا يضيع
стр. 320
لديه مثقال ذرة يوم القيامة. فأعطاهم الله مقابل اعترافهم بأنهم عبيده وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة أن رحمهم وأمنهم وهداهم.
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ أي تعطف وحنو. وَرَحْمَةٌ أي: أمنة من العذاب. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ إلى الطريق الصواب وذلك حين استرجعوا وأذعنوا لأمر الله. قال عمر ﵁: نعم العدلان ونعم العلاوة أي: الصلاة والرحمة والاهتداء.
فوائد:
١ - قال تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، ظلمات الشهوة والشك والشرك والكفر والنفاق والحيرة وغير ذلك. وقد جعل الله مما لو فعلناه صلى علينا ما رأينا في هذه الآيات عند ما ذكر المسترجعين عند المصيبة، الصابرين عليها فإنه يصلي عليهم فلنحصل هذا المقام.
٢ - ورد في الاسترجاع آثار كثيرة منها: أخرج الإمام أحمد عن أم سلمة قالت:
«أتاني أبو سلمة ﵁ يوما من عند رسول الله ﷺ فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ قولا سررت به، قال: لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا فعل ذلك.
قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه. فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها. ثم رجعت إلى نفسي فقلت من أين لي خير من أبي سلمة؟. فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله ﷺ وأنا أدبغ إهابا لي.
فغسلت يدي من القرظ وأذنت له. فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف. فقعد عليها فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته، قلت يا رسول الله: ما بي أن لا يكون بك الرغبة، ولكني امرأة في غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن. وأنا ذات عيال. فقال ﷺ : وأما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي».
следующие страницы →