النص (وخذوا أخاكم وقوموا ارجعوا إلى الرجل والله القدير يعطيكم رحمة أمام الرجل حتى يطلق لكم أخاكم الآخر وبنيامين وأنا إذا عدمت الأولاد عدمتهم) فما معنى أن يقول: حتى يطلق لكم أخاكم الآخر وبنيامين. مع أن بنيامين على حسب هذه الرواية لم يبرح بعد. والإصحاحات هذه لا تذكر إلا رحلتين ثم الجلاء العام إلى مصر. فهذا النقل الذي نقلناه يدل على التحريف الواقع، وهو أن رحلة من الرحلات قد أغفلت.
وهي الرحلة الثانية التي أخذ فيها بنيامين. فبقى بسبب ذلك أحد إخوته في مصر
من أجله، وخلط موضوع الرحلة الثانية في موضوع الرحلة الأولى والثالثة، إذ الإصحاحات تذكر أنه بعد اكتشاف سرقة بنيامين مباشرة كشف يوسف نفسه، فليس بين الإعلان عن عبودية بنيامين وكلام يهوذا له، ثم كشفه لهم أنفسهم إلا دقائق فما الفائدة إذن من كل العملية التي عملها يوسف في وضع الصاع في رحل أخيه إذا كان الأمر كذلك؟ ثم لا نجد إطلاقا أي كلام عن شمعون الذي احتجزه يوسف في المرة الأولى على زعم رواية التوراة الحالية بعد العودة. كل هذا يدل على أن الزمن قد عمل في تحريف الرواية، وأن أقلام النساخ الكاذبة قد عملت عملها، والله في القرآن قد صحح الخطأ وبين لنا الحقيقة. وهذا النص الذي نقلناه وحده كاف ليرينا نوعا من أنواع الإعجاز في هذا القرآن، ومن ثم فإننا لا نستطيع أن نأخذ من هذه الإصحاحات شيئا يعتد به، بل على العكس نقول إن هذه الإصحاحات فيها من النقص
والتحريف والإجمال ما أكمله القرآن وسدده وفصله، فمثلا تذكر الإصحاحات أنه بعد اكتشاف الصاع في رحل بنيامين (وحمل كل واحد على حماره ورجعوا إلى المدينة) فلا تذكر الجمال مع أن النص القرآني يقول أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ فهل من المعقول في رحلة كهذه أن يكون الحمار هو أداة الحمل، الظاهر أن الحمار لركوبهم ولا بد أن يكون معهم جمال، وفي الإصحاحات كما رأينا في النقل عن خطاب يهوذا ليوسف اقتراح من يهوذا أن يحل محل بنيامين في العبودية، والقرآن يذكر أن كبيرهم هو الذي بقي في مصر من أجل بنيامين، وكبيرهم هو رأوبين، مع أن التوراة تذكر أن الذي احتجز أول مرة هو شمعون، ومع أن المفسرين المسلمين يحتملون أن يكون المراد بكلمة كبيرهم، كبيرهم في الرأي، أو رئيسهم في رحلتهم، إلا أننا نؤثر ألا نجزم في هذا الموضوع برأي ونبقي النص القرآني على ظاهره. حتى إن ابن كثير يرفض رواية التوراة جملة في كون أم يوسف راحيل كانت ميتة عند ما ورد يعقوب ﵇ إلى مصر، أخذا بظاهر النص القرآني وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ إلا أن مفسرين آخرين لا
стр. 2557
يستبعدون أن يكون المراد هنا خالته زوجة أبيه لأن حكمها حكم الوالدة.
وخلال الكلام عن يوسف هنا يذكر بعض المفسرين روايات كثيرة مرجعها كلام أهل الكتاب وليس في ذكرها كبير طائل ما دام الأصل الأكبر لروايات أهل الكتاب لا يمكن الاعتماد عليه في هذا الموضوع.
٢ - تذكر الإصحاحات المذكورة أن عدد بيت يعقوب عند ما سكنوا مصر كان سبعين نفسا، كما تذكر أن المجئ إلى مصر بعد سنتين من سني الجوع، وأنهم سكنوا في أرض جاسان وهي تقع شمالي القاهرة الحالية، وإلى الغرب من قناة السويس الحالية، وفيها أن يعقوب عاش بعد دخولهم مصر سبع عشرة سنة، فكانت أيام يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة، وأنه أوصى ألا يدفن في مصر بل يدفن في أرض آبائه، وقد فعل يوسف ما أوصاه به أبوه، وأما يوسف فقد دفن في أرض مصر، ولكنه أوصى أن يحمل إذا خرج بنو إسرائيل من مصر.
٣ - يلاحظ أن سفر التكوين الذي هو السفر الأول من أسفار التوراة ينتهي بكلام عن يوسف، وإذا استعرضناه فإننا لا نجد أمرا فيه ذا شأن إلا وهو موجود في القرآن بشكل أصح وأدق، حتى إنك لا تجد شيئا غريبا عنك إلا بعض تفصيلات لا تفيد ذكرا ولا عظة ولا تشريعا ولا شيئا، وما من شئ فيه قد ذكره القرآن إلا وقد ذكره في السياق المناسب والمكان الذي يكون فيه أكثر عطاء. فمثلا في الإصحاح التاسع والأربعين نجد وصية يعقوب لأولاده عند موته، وقد قص القرآن علينا هذه الوصية في سورة البقرة، وهي الوصية الحقيقية التي تتفق مع منطق الأنبياء، أما في هذا الإصحاح فلا نجد مثل هذه الوصية الجامعة للجميع، وإنما نجد كلاما عن كل ولد من الأولاد وبهذه المناسبة نقول إنه يوجد في هذا الإصحاح هذا النص (لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب) وفي كتابنا (الرسول ﷺ بينا في الفصل الخامس كيف أن أصل هذا النص لا يمكن أن يحمل إلا على أنه بشارة برسولنا ﵊، فإذا اتضح ما أسلفنا علمنا كيف أن هذا القرآن مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه، وفي قصة يوسف نموذج على ذلك، ومن ثم جاءت في السياق الكلي للقرآن في محور التدليل على أن هذا القرآن من عند الله لا ريب في ذلك.
٤ - بمناسبة قوله تعالى: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي نقل ابن كثير عن ابن جرير بسنده إلى محارب بن دثار قال: كان عمر ﵁ يأتي المسجد فيسمع إنسانا يقول: اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا السحر فاغفر لي، قال:
стр. 2558
فاستمع الصوت، فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال:
إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي
٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً قال ابن كثير: (وقد كان هذا سائغا في شرائعهم، إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصا بجناب الرب ، هذا مضمون قول قتادة وغيره. وفي الحديث أن معاذا قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم، فلما رجع سجد لرسول الله ﷺ ، فقال: «ما هذا يا معاذ؟» فقال: إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله، فقال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها». وفي حديث آخر: أن سلمان لقي النبي ﷺ في بعض طرق المدينة- وكان سلمان حديث عهد بالإسلام- فسجد للنبي ﷺ . فقال: «لا تسجد لي يا سلمان واسجد للحي الذي لا يموت». والغرض أن هذا كان جائزا في شريعتهم، لهذا خروا له سجدا، فعندها قال يوسف: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا أي هذا ما آل إليه الأمر، فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر كما قال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ (الأعراف: ٥٣) أي يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا به من خير وشر.
٦ - يذكر ابن كثير روايات متعددة عن المفسرين في الزمن الذي كان بين إلقاء يوسف في الجب وبين لقائه بأبيه، ومرجع هذه الروايات كلها روايات أهل الكتاب.
وإذا رجعنا إلى التوراة الحالية فإن المدة التي يمكن استخلاصها هي اثنان وعشرون عاما، إذ ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة عاما، وخرج من السجن وهو ابن ثلاثين.
وكانت سنو الشبع سبعا، وجاء يعقوب إلى مصر بعد سنتين من الجوع.
٧ - بمناسبة قوله تعالى على لسان يوسف: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
قال ابن كثير: (وهذا الدعاء يحتمل أن يكون يوسف ﵇ قاله عند احتضاره، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ جعل يرفع إصبعه عند الموت ويقول: «اللهم في الرفيق الأعلى»، ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا جاء أجله وانقضى عمره، لا أنه سأله ذلك منجزا، كما يقول الداعي لغيره: أماتك الله على الإسلام، ويقول الداعي: اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين. ويحتمل أنه سأل ذلك منجزا، وكان ذلك سائغا في ملتهم
стр. 2559
كما قال قتادة: قوله (توفني مسلما وألحقني بالصالحين) لما جمع الله شمله، وأقر عينه، وهو يومئذ مغمور في الدنيا وملكها ونضارتها، اشتاق إلى الصالحين قبله، وكان ابن عباس يقول: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف ﵇، وكذا ذكر ابن جرير والسدي عن ابن عباس أنه أول نبي دعا بذلك، وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام، وكما أن نوحا أول من قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً (نوح: ٢٨) ويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك، وهو ظاهر سياق قول قتادة، ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا. روى الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ... عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد متمنيا الموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي». وأخرجاه في الصحيحين. وعندهما: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسنا فيزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب. ولكن ليقل:
اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي». وروى الإمام أحمد ... عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا ورققنا، فبكى سعد ابن أبي وقاص. فأكثر البكاء، وقال يا ليتني مت، فقال النبي ﷺ : «يا سعد أعندي تتمنى الموت؟» وردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: «يا سعد إن كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك». وروى الإمام أحمد ... عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إلا أن يكون قد وثق بعمله، فإنه إذا مات أحدكم انقطع عنه عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمله إلا خيرا». وهذا فيما إذا كان الضر خاصا به، وأما إذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت، كما قال الله تعالى إخبارا عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا (الأعراف:
١٢٦) وقالت مريم لما أجاءها المخاض- إلى جذع النخلة يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (مريم: ٢٣) لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة لأنها لم تكن ذات زوج وقد حملت ووضعت وقد قالوا: يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا* يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (مريم: ٢٧، ٢٨) فجعل الله لها من ذلك الحال فرجا ومخرجا، وأنطق الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله، فكان آية عظيمة ومعجزة باهرة صلوات الله وسلامه عليه، وفي حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد والترمذي في قصة المنام والدعاء، الذي فيه «وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني
стр. 2560
إليك غير مفتون». وروى الإمام أحمد ... عن محمود بن لبيد مرفوعا: أن النبي ﷺ قال: «اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب» فعند حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت، ولهذا قال علي بن أبي طالب ﵁ في آخر خلافته لما رأى أن الأمور لا تجتمع له، ولا يزداد الأمر إلا شدة فقال: اللهم خذني إليك فقد سئمتهم وسئموني. وقال البخاري ﵀ لما وقعت له تلك الفتنة وجرى له مع أمير خراسان ما جرى. قال: اللهم توفني إليك، وفي الحديث: «إن الرجل ليمر بالقبر- أي في زمان الدجال- فيقول يا ليتني مكانك» لما يرى من الفتن والزلازل والبلابل والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون).
٨ - أكثر المفسرين على أن السبب الذي دعا يعقوب إلى توصية أبنائه في الدخول من أبواب متفرقة هو خشيته عليهم من العين وليس في ذلك نص عن رسولنا عليه الصلاة السلام إلا أن النصوص كثيرة في إثبات أن العين حق وفي كتاب الأساس في السنة وفقهها نجد تفصيل ذلك.
٩ - لا يوجد شئ في التوراة الحالية يشير إلى ماهية السرقة التي اتهم بها يوسف والتي أشار إليها إخوته بقولهم: فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ وليس عن رسولنا ﵊ كلام في هذا الموضوع، إلا أن ابن كثير ينقل عن محمد بن إسحاق عن مجاهد القصة التالية- والله أعلم بصحتها ولا ندري من أين نقلها مجاهد:- قال مجاهد:
«كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إليها منطقة (١) إسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر، وكان من اختبأها ممن وليها كان له سلما لا ينازع فيه، يصنع فيه ما يشاء، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته، وكان لها به وله، فلم تحب أحدا حبها إياه، حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات تاقت إليه نفس يعقوب ﵇ فأتاها فقال: يا أخية سلمي إلي يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة، قالت: فوالله ما أنا بتاركته، ثم قالت: فدعه عندي أياما انظر إليه وأسكن عنه لعل ذلك يسليني عنه- أو كما قالت- فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق ﵇، فانظروا من أخذها ومن أصابها؟.
стр. 2561
فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوهم فوجدوها مع يوسف، فقالت:
والله إنه لي لسلم أصنع فيه ما شئت، فأتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذاك إن كان فعل ذلك فهو سلم لك، ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته فما قدر عليه
يعقوب حتى ماتت، قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ
١٠ - بمناسبة الكلام عن يوسف ﵇ تكثر الروايات الإسرائيلية التي ينقلها بعضهم على أنها أحاديث وهي ليست كذلك وابن كثير نقل الكثير منها ورده ولم نشأ أن نعرج عليه
١١ - من استعطاف إخوة يوسف ليوسف من أجل أخيهم وهم لا يعرفون أنه يوسف ندرك أن الشفاعة إلى الحاكم في محلها جائزة، إلا أنها في الإسلام خصت بما دون الحدود، أما الحدود إذا وصلت إلى السلطان فلا يجوز لأحد أن يشفع فيها وفي كتاب الأساس في السنة وفقهها مزيد بيان.
١٢ - من قصة يوسف ﵇ ندرك طرفا من حكمة الله في أفعاله، فما من فعل لله إلا وهو عين الحكمة، ولكن قصور النظر وسوء الفهم وعمى القلب تبعد عن رؤية حكمة الله في أفعاله، فمن رأى المحن المتوالية التي أصابت يوسف ﵇ وآله، وما ترتب على ذلك من دخول يعقوب إلى مصر لتنشأ أمة جديدة في ظروف مواتية، ومن رأى كيف أن هذا كان عبرة للخلق جميعا، حتى قصة الله في توراته وقرآنه، أدرك كثرة الحكم.
١٣ - إن دروس قصة يوسف ﵇ كثيرة، ومن أهمها أنه لا عاقبة لكيد الظالمين ولا لخيانتهم، وأن العاقبة للاستقامة في كل حال، فليستقم العبد على أمر الله لتكون له العاقبة في الدنيا والآخرة.
١٤ - من خلال قصة يوسف ﵇ ندرك كثيرا من الخصائص العالية والنازلة للنفس البشرية عامة
١٥ - بعض المفسرين ظن- كأثر عن تسمية يوسف بالعزيز- أنه حل محل سيده في منصبه، إلا أننا نلاحظ أن المنصبين مختلفان. ورواية التوراة الحالية تذكر أن منصب سيد يوسف كان رئيس الشرطة، بينما منصب يوسف كان شيئا آخر يمكن أن يسمى أنه نائب الملك المفوض، أو الوزير المفوض، ومن ثم فإننا نرجح أن كلمة العزيز كانت لقبا لكل ذي منصب خطير كلقب الباشا مثلا في مصر قديما.
стр. 2562
١٦ - في كتاب مالك بن نبي (الظاهرة القرآنية) كلام عن قصة يوسف في القرآن مقارنة مع قصة يوسف في التوراة الحالية، وتعليق عليها، وكانت له ملاحظات قيمة، ولكنه وقع في عدة أخطاء في هذا الفصل فاقتضى التنوية، ومن ملاحظاته في هذا الفصل بعد أن قارن بين فقرات من الرواية التوراتية الحالية لقصة يوسف وبين آيات من القرآن: (إن سوق التاريخ واحد تماما في كلتا الروايتين، ومع ذلك فإن التأمل السريع يكشف لنا عن عناصر خاصة تميز كلتيهما على حدة، فرواية القرآن تنغمر في مسحة روحانية نشعر بها في صفات الشخصيات وكلماتها التي يتحرك بها المشهد القرآني، فهناك قدر كبير من حرارة الروح في كلمات يعقوب ومشاعره في القرآن، فهو نبي أكثر منه أبا، وتبرز هذه الصفة على الأخص في طريقته في التعبير عن يأسه عند ما يعلم باختفاء يوسف، كما تتجلى في طريقته في تصوير أمله حين يدفع بنيه إلى أن يتحسسوا من يوسف وأخيه، وامرأة العزيز نفسها تتحدث في الرواية القرآنية بلغة تليق بضمير إنساني وخزه الندم، وأرغمته طهارة الضحية ونزاهتها على الاستسلام، فإذا بالخاطئة تعترف في النهاية بغلطتها، وتقر بخطيئتها، وفي السجن يتحدث يوسف بلغة روحية محلقة، سواء مع صاحبيه، أم مع السجان، فهو يتحدث كنبي يؤدي رسالته إلى كل نفس يرجو صلاحها) (١).
مختارات من تعليقات صاحب الظلال على قصة يوسف:
إن القصة تعرض شخصية يوسف- ﵇ وهي الشخصية الرئيسية في القصة- عرضا كاملا في كل مجالات حياتها، بكل جوانب هذه الحياة، وبكل استجابات هذه الشخصية في هذه الجوانب وفي تلك المجالات. وتعرض أنواع الابتلاءات التي تعرضت لها تلك الشخصية الرئيسية في القصة، وهي ابتلاءات متنوعة في طبيعتها وفي اتجاهاتها .. ابتلاءات الشدة وابتلاءات الرخاء. وابتلاءات الفتنة بالشهوة، والفتنة بالسلطان. وابتلاءات الفتنة بالانفعالات والمشاعر البشرية تجاه شتى المواقف وشتى الشخصيات، ويخرج العبد الصالح من هذه الابتلاءات والفتن كلها نقيا خالصا متجردا في وقفته الأخيرة، متجها إلى ربه بذلك الدعاء المنيب الخاشع كما أسلفنا في نهاية الفقرة السابقة.
стр. 2563
وإلى جانب عرض الشخصية الرئيسية في القصة تعرض الشخصيات المحيطة بدرجات متفاوتة من التركيز. وفى مساحات متناسبة من رقعة العرض، ومن أبعاد متفاوتة من مركز الرؤية، وفي أوضاع خاصة من الأضواء والظلال .. وتتعامل القصة مع النفس البشرية في واقعيتها الكاملة، متمثلة في نماذج متنوعة: نموذج يعقوب الوالد المحب الملهوف والنبي المطمئن الموصول .. ونموذج إخوة يوسف وهواتف الغيرة والحسد والحقد والمؤامرة والمناورة، ومواجهة آثار الجريمة، والضعف والحيرة أمام هذه المواجهة، متميزا فيهم أحدهم بشخصية موحدة السمات في كل مراحل القصة ومواقفها. ونموذج امرأة العزيز بكل غرائزها ورغائبها واندفاعاتها الأنثوية، كما تصنعها وتوجهها البيئة المصرية الجاهلية في بلاط الملوك، إلى جانب طابعها الشخصي الخاص الواضح في تصرفها ووضوح انطباعات البيئة .. ونموذج النسوة من طبقة العلية في مصر الجاهلية والأضواء التي تلقيها على البيئة، ومنطقها كما يتجلى في كلام النسوة عن امرأة العزيز وفتاها، في إغرائهن كذلك ليوسف وتهديد امرأة العزيز له في مواجهتهن جميعا.
وما وراء أستار القصور ودسائسها ومناوراتها، كما يتجلى في سجن يوسف بصفة خاصة .. ونموذج «العزيز» وعليه ظلال طبقته وبيئته في مواجهة جرائم الشرف من خلال مجتمعه. ونموذج «الملك» في خطفة يتوارى بعدها كما توارى العزيز في منطقة الظلال بعيدا عن منطقة الأضواء في مجال العرض المتناسق وتبرز الملامح البشرية
واضحة صادقة بواقعية كاملة في هذا الحشد من الشخصيات والبيئات، وهذا الحشد من المواقف والمشاهد. وهذا الحشد من الحركات والمشاعر. وظلت القصة صورة نظيفة للأداء الواقعي الكامل مع تنوع الشخصيات وتنوع المواقف:
إخوة يوسف والأحقاد الصغيرة في قلوبهم تكبر وتتضخم حتى تحجب عن ضمائرهم هول الجريمة وبشاعتها ونكارتها وضخامتها. ثم تزين لهم «المحلل الشرعي» الذي يخرجون به من تلك الجريمة. ملاحظا في هذا واقعيتهم في بيئتهم الدينية- وهم أولاد نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليهم صلوات الله وسلامه وانطباعات هذه البيئة في تفكيرهم ومشاعرهم وتقاليدهم، وحاجتهم النفسية- من ثم- إلى مبرر للجريمة، وإلى طريقة للتحلل من نكارتها وبشاعتها.
.... وامرأة العزيز في صراع الشهوة التي تعمي عن كل شئ في اندفاعها الهائج الكاسح، فلا تحفل حياء أنثويا ولا كبرياء ذاتيا، كما لا تحفل مركزا اجتماعيا ولا فضيحة عائلية. والتي تستخدم- مع ذلك- كل مكر الأنثى وكيدها، سواء في تبرئة نفسها
стр. 2564
أو حماية من تهوى من جرائر التهمة التي ألصقتها به، وتحديد عقوبة لا تؤدي بحياته. أو رد الكيد للنسوة من ثغرة الضعف الغريزي الشهوي الذي تعرفه فيهن من معرفتها لنفسها، أو التبجح بشهوانيتها أمام انكشاف ضعف عزيمتها وكبريائها أمام من تهوى، ووقوف نسوتها معها على أرض واحدة، حيث تبدو فيها الأنثى متجردة من كل تجمل المرأة وحيائها، الأنثى التي لا تحس في إرواء هواتفها الأنثوية أمرا يعاب أصلا. ومع صدق التصوير والتعبير عن هذا النموذج البشري الخاص بكل واقعيتها. وعن هذه اللحظة الخاصة بكل طبيعتها.
- ... يوسف العبد الصالح- الإنسان- ...... وهو يواجه الفتنة بكل بشريته- مع نشأته في بيت النبوة وتربيته ودينه- وبشريته مع نشأته وتربيته ودينه يمثل بمجموعها واقعيته بكل جوانبها .. لقد ضعف حين همت به .... ، ولكن الخيط الآخر شده وأنقذه من السقوط فعلا. ولقد شعر بضعفه إزاء كيد النسوة. ومنطق البيئة، وجو القصور، ونسوة القصور أيضا. ولكنه تمسك بالعروة الوثقى ..
ليست هنالك لمحة واحدة مزورة في واقعية الشخصية وطبيعتها، وليس هنالك رائحة من مستنقعات الجاهلية ووحلها الفني. ذلك أن هذا هو الواقع السليم بكل جوانبه.
والعزيز. وشخصيته بطبيعتها الخاصة. وبطبيعة سمت الإمارة، ثم بضعف النخوة، وغلبة الرياء الاجتماعي وستر الظواهر وإنقاذها وفيه تتم كل خصائص بيئته.
والنسوة. نسوة هذا المجتمع بكل ملامحه .. اللغط بسيرة امرأة العزيز وفتاها الذي راودته عن نفسه، بعد ما شغفها حبا والاستنكار الذي تبدو فيه غيرة النسوة من امرأة العزيز أكثر مما يبدو فيه استنكار الفعلة، ثم وهلتهن أمام طلعة يوسف. ثم إقرارهن الأنثوي العميق بموقف المرأة التي كن يلغطن به ويستنكرن موقفها، وإحساس هذه المرأة بهذا الإقرار الذي يشجعها على الاعتراف الكامل، وهي آمنة في ظل استسلامهن لأنوثتهن كما تصنعها بيئتهن الخاصة وتوجهها. ثم ميلهن كلهن على يوسف بالإغراء والإغواء، رغم ما أنطقتهن به الوهلة الأولى من نظافته وطهارته البادية من قولهن:
حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً، إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ نأخذ ذلك من قولة يوسف ﵇: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ .. فلم تعد امرأة العزيز وحدها تراوده، ولكن عادت نسوة تلك الطبقة بجملتها تطارده.
والبيئة التي تتجلى سماتها من خلال ذلك كله. ثم من خلال ذلك التصرف في أمر
стр. 2565
يوسف، على الرغم مما بدا من براءته. ذلك التصرف المقصود به مواراة الفضيحة ودفن معالمها؛ ولا يهم أن يذهب برئ كيوسف ضحيتها: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ.
- فإذا تابعنا شخصية يوسف- ﵇ فإننا لا نفتقد في موقف واحد من مواقف القصة ملامح هذه الشخصية، المنبثقة من مقوماتها الذاتية البيئية الواقعية، المتمثلة في كونه «العبد الصالح- الإنسان- بكل بشريته، مع نشأته في بيت النبوة وتربيته ودينه» ..
فهو في السجن وظلماته- مع الظلم وظلماته- لا يغفل عن الدعوة لدينه، في كياسة وتلطف- مع الحزم والفصل- وفي إدراك لطبيعة البيئة ومداخل النفوس فيها ..
كما أنه لا يغفل عن حسن تمثيله بشخصيته وأدبه وسلوكه لدينه هذا الذي يدعو إليه في سجنه. وهو- مع هذا كله- بشر، فيه ضعف البشر فهو يتطلب الخلاص من سجنه، بمحاولة إيصال خبره إلى الملك، لعله يكشف المؤامرة الظالمة التي جاءت به إلى السجن المظلم. وإن كان الله- سبحانه- شاء أن يعلمه أن يقطع الرجاء إلا منه وحده: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ. فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ...
ثم تطالعنا ملامح هذه الشخصية كذلك بعد بضع سنين، وقد رأى الملك رؤياه، فحار في تأويلها الكهنة والسدنة، حتى تذكر صاحب السجن يوسف- بعد ما تمت التربية الربانية للعبد الصالح. فاطمأن إلى قدر الله به واطمأن إلى مصيره- حتى إذا ما طلب الملك- بعد تأويله لرؤياه- أن يأتوه به، أجاب في هدوء المطمئن الواثق؛ وتمنع عن مغادرة سجنه إلا بعد تحقيق تهمته وتبرئة سمعته:
................ .....
ومنذ هذه اللحظة التي تجلت فيها شخصية يوسف مكتملة ناضجة واعية، مطمئنة ساكنة واثقة، نجد هذه الشخصية تتفرد على مسرح الأحداث وتتوارى تماما شخصيات الملك والعزيز والنسوة والبيئة.
................ ........
ومنذ هذه اللحظة نجد هذه الشخصية تواجه ألوانا أخرى من الابتلاءات، تختلف في طبيعتها عن الألوان الأولى، وتواجهها بذلك الاكتمال الناضج الواعي، وبتلك الطمأنينة الساكنة الواثقة.
стр. 2566
نجد يوسف وهو يواجه- للمرة الأولى- إخوته بعد ما فعلوا به تلك الفعلة القديمة؛ وهو في الموقف الأعلى- بالقياس إليهم- والأقوى .. ولكننا نجد سمة الضبط واضحة في انفعالاته وتصرفاته.
ونجده وهو يدبر- بتدبير الله له- كيف يأخذ أخاه. فنلمح الشخصية الناضجة الواعية الحكيمة المطمئنة، الضابطة الصابرة.
ثم نلتقي به وقد استوفت المحنة بيعقوب أجلها، وقدر الله أن تنقضي الابتلاءات التي نزلت به وببنيه، وحن يوسف إلى أبويه وأهله، ورق لإخوته والضر باد بهم، فكشف لهم عن نفسه في عتاب رقيق، وفي عفو كريم، يجئ في أوانه، وكل الملابسات توحي به، وتتوقعه من هذه الشخصية بسماتها تلك.
................ ........
وفي النهاية يجئ ذلك الموقف الجليل الرائع .... موقف اللقاء الجامع ويوسف في أوج سلطانه، وأوج تأويل رؤياه وتحقق أحلامه .. وإذا به ينسلخ من هذا كله وينتحي جانبا ينفرد بربه، ويناجيه خالصا له، وذلك كله مطروح وراءه: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ. فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ إنها شخصية موحدة متكاملة، بكل واقعيتها الممثلة لمقوماتها الواقعية في نشأتها وبيئتها.
................ ........
ويعقوب .. الوالد المحب الملهوف، والنبي المطمئن الموصول، وهو يواجه بالاستبشار والخوف معا تلك الرؤيا الواعدة التي رآها يوسف، وهو يرى فيها بشائر مستقبل مرموق، بينما هو يتوجس خيفة من الشيطان وفعله في نفوس بنيه. فتتجلى شخصيته بواقعيتها الكاملة في كل جوانبها.
... ثم نجد هذه الشخصية كذلك بكل واقعيتها البشرية النبوية، وبنوه يراودونه عن يوسف ثم وهم يفاجئونه بالفجيعة.
.... ثم نلتقي بهذه الشخصية- بكل واقعيتها تلك- وبنوه يراودونه مرة أخرى على السلوة الباقية له .. أخي يوسف .. وقد طلبه منهم عزيز مصر- يوسف- الذي لا يعرفونه في مقابل أن يعطيهم كيلا يقتاتون به في السنوات العجاف.
.... ثم نلتقي به في فجيعته الثانية، والدا ملهوفا ونبيا موصولا .. ذلك بعد أن دبر الله
стр. 2567
ليوسف كيف يأخذ أخاه. فيختلف أحد أبناء يعقوب- صاحب الشخصية الخاصة فيهم- متوافيا مع سماته التي صاحبت مواقفه كلها في القصة. مشفقا أن يقابل أباه بعد الموثق الذي آتاه إياه، إلا أن يأذن له أبوه أو يحكم له الله.
وفي آخر مواقف المحنة الطويلة للشيخ المبتلى نجد ذات الملامح وذات الواقعية وهو يشم ريح يوسف في قميصه، ويواجه غيظ بنيه وتبكيتهم فلا يشك في صدق ظنه بربه
................ .........
إنها الشخصية الموحدة الخصائص والملامح، الواقعية المشاعر والتصرفات، الممثلة لكل واقعية ذاتها وظروفها وبيئتها بلا تزوير ولا نقص ولا تحريف.
................ .......
والواقعية الصادقة الأمينة النظيفة السليمة في الوقت نفسه، لا تقف عند واقعية الشخصيات الإنسانية التي تحفل بها القصة في هذا المجال الواسع، فى هذا المستوى الرائع. ولكنها تتجلى كذلك في واقعية الأحداث والسرد والعرض وصدقها وطبيعتها في مكانها وزمانها، وفي بيئتها وملابساتها. فكل حركة وكل خالجة وكل كلمة تجئ في أوانها؛ وتجئ في الصورة المتوقعة لها. وتجئ في مكانها من مسرح العرض. متراوحة بين منطقة الظل ومنطقة الضوء بحسب أهميتها ودورها وطبيعة جريان الحياة بها .. الأمر الملحوظ في الشخصيات أيضا كما قررنا من قبل هذا ..
حتى لحظات الجنس في القصة ومواقفه أخذت مساحتها كاملة- في حدود المنهج النظيف اللائق «بالإنسان» - في غير تزوير ولا نقص ولا تحريف للواقعية البشرية في شمولها وصدقها وتكاملها- ولكن استيفاء تلك اللحظات لمساحتها المتناسقة مع بقية الأحداث والمواقف- لم يكن معناه الوقوف أمامها كما لو كانت هي كل واقعية الكائن البشري؛ وكما لو كانت هي محور حياته كلها، وهي كل أهداف حياته التي تستغرقها.
كما تحاول الجاهلية أن تفهمنا أن هذا وحده هو الفن الصادق.
إن الجاهلية إنما تمسح الكائن البشري باسم الصدق الفني. وهي تقف أمام لحظة الجنس كما لو كانت هي كل وجهة الحياة البشرية بجملتها، فتنشئ منها مستنقعا واسعا عميقا، مزينا في الوقت ذاته بالأزهار الشيطانية.
وهي لا تفعل هذا لأن هذا هو الواقع، ولا لأنها هي مخلصة في تصوير هذا.
الواقع. إنما تفعله لأن «بروتوكولات صهيون» تريد هذا تريد تجريد «الإنسان» إلا
стр. 2568
من حيوانيته حتى لا يوصم اليهود وحدهم بأنهم هم الذين يتجردون من كل القيم غير المادية، وتريد أن تغرق البشرية كلها في وحل المستنقع كي تنحصر فيه كل
اهتماماتها، وتستغرق فيه كل طاقاتها؛ فهذه أضمن سبيل لتدمير البشرية حتى تجثو على ركبتيها خاضعة لملك صهيون المرتقب الملعون. ثم تتخذ من الفن وسيلة إلى هذا الشر كله، إلى جانب ما تتخذه من نشر المذاهب «العلمية» المؤدية إلى ذات الهدف. تارة باسم «الداروينية» وتارة باسم «الفرويدية» وتارة باسم «الماركسية» أو «الاشتراكية العلمية» وكلها سواء في تحقيق المخططات الصهيونية الرهيبة.
والقصة بعد ذلك تتجاوز الشخصيات والأحداث لترسم ظلال الفترة التاريخية التي تجري فيها أحداث القصة، وتتحرك فيها شخصياتها الكثيرة، وتسجل سماتها العامة، فترسم مسرح الأحداث بأبعاده العالمية في تلك الفترة التاريخية. ونكتفي ببعض اللمحات والسهام التي ترسم تلك الأبعاد:
إن مصر في هذه الفترة لم يكن يحكمها الفراعنة من الأسر المصرية؛ إنما كان يحكمها «الرعاة» الذين عاش إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام قريبا منهم، فعرفوا شيئا عن دين الله منهم: نأخذ هذا من ذكر القرآن للملك بلقب «الملك» في حين يسمى الملك الذي جاء على عهد موسى- ﵇ من بعده بلقبه المعروف «فرعون» ومن هذا يتحدد زمن وجود يوسف- ﵇ في مصر. فهو كان ما بين عهد الأسرة الثالثة عشرة والأسرة السابعة عشرة، وهي أسر «الرعاة» الذين سماهم المصريون «الهكسوس» كراهية لهم، إذ يقال: إن معنى الكلمة في اللغة المصرية القديمة: «الخنازير» أو «رعاة الخنازير» وهي فترة تستغرق نحو قرن ونصف قرن.
إن رسالة يوسف ﵇ كانت في هذه الفترة. وهو كان قد بدأ الدعوة إلى الإسلام .. ديانة التوحيد الخالص .. وهو في السجن وقرر أنها دين آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقررها في صورة واضحة كاملة دقيقة شاملة) اهـ.
كلمة في السياق
عند ما تقرأ قصة يوسف- ﵇ في القرآن، وتقرؤها في التوراة الحالية المحرفة، تجد نفسك أمام كلام في القرآن هو القمة في البلاغة والعذوبة، وتجد كلاما تدلك معانيه على أنه كلام الله من خلال ما يعطيك من عبر ومن عظات ومن دروس
стр. 2569
ترفع النفس البشرية إلى درجات رفيعة، بينما لا تحس هذا الإحساس أثناء قراءتك للتوراة الحالية المحرفة بسبب ما طرأ على هذه التوراة من تحريف، ولأن الله جعل للقرآن الهيمنة على كل كتاب سابق، فإذا وجد الإنسان مثل هذا الكمال في العرض، ومثل هذه الدقة في تفصيل حق ضاعت تفصيلاته حتى عند أهله، ندرك كيف أنه بهذه السورة تقوم الحجة على الخلق في أن هذا القرآن من عند الله، وهذا يؤكد ما لاحظناه أن محور سورة يوسف هو قوله تعالى في سورة البقرة: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ... وقد لاحظنا كيف أن السورة بدأت بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ..... فقصة يوسف في هذه السورة دليل على أن هذا القرآن منزل من عند الله على رسول الله محمد ﷺ ، وهذه السورة- لمن تأملها- تقطع دابر كل ريب في أي قلب راغب بالحق، حريص عليه، ويتكامل هذا المعنى في أذهاننا بعد استعراضنا لخاتمة السورة.
***
مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أي من أخبار الغيوب السابقة نُوحِيهِ إِلَيْكَ ونعلمك به لما فيه من العبرة والعظة وإقامة الحجة وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ حاضرا عندهم ولا مشاهدا لهم إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ أي عزموا على ما هموا به من إلقاء يوسف ﵇ في البئر وَهُمْ يَمْكُرُونَ أي بيوسف ويبغون له الغوائل، والمعنى: أن هذا النبأ غيب لم يحصل لك إلا من جهة الوحي، لم تحضر بني يعقوب حين اتفقوا على إلقاء أخيهم في البئر، ولست ممن درس ويدرس حتى تتعلم مثل ذلك بواسطة الدراسة، فلا كتب أهل الكتاب موجودة
عندك، ولا مترجمة، ولا يوجد من تأخذ عنه، إذ لو كان لعرف، وليس هذا شائعا عند قومك حتى تعرفه، فقامت الحجة على كل أحد بأن هذا القرآن من عند الله يوحيه إليك، ومع وضوح الحجة في هذا الأمر وقيام الدليل القطعي، فالأمر
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ أي ولو اجتهدت كل الاجتهاد على إيمانهم بِمُؤْمِنِينَ لا بسبب من قصور الحجة، ولا بسبب من قصور الدليل، ولكن لانطماس عين البصيرة وصمم القلب والكبر، الذي يمنع من الانصياع للحق، هذا مع أنك يا محمد متبرع بتعليمهم لا تطالبهم على ذلك بأجر، مع أنه لا علم في هذا العالم أشرف ولا أكرم ولا أعظم مما تعلمهم إياه وتدعوهم إليه
ولذلك قال وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ أي على التبليغ أو على القرآن أو على الهدى مِنْ أَجْرٍ مال أو غيره أي وما تسألهم على هذا النصح والدعاء إلى الخير والرشد من مكافأة، وإنما تفعله ابتغاء وجه الله، ونصحا لخلقه، وفي هذا دليل آخر على أنك رسول الله إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ أي ما هو إلا عظة من الله للعالمين، وحث على طلب النجاة بواسطة رسول من رسله من أجل أن يتذكروا ويهتدوا وينجوا في الدنيا والآخرة.
ملاحظة حول السياق:
نلاحظ في السورة السابقة على سورة يوسف أنه بعد ذكر القصص قال تعالى:
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ. فبعد أن ذكر هناك القصص، ذكر الحكمة من إيرادها، وهي إقامة الحجة على ضرورة عبادة الله، وترك عبادة غيره، إذ لم تنفع عبادة غيره هذه القرى، بل دمرتهم وهكذا يأتي اسم الإشارة (ذلك) ليبين الحكمة من إيراد هذه القصص في ما يحقق هدف السورة ضمن
стр. 2572
محورها الآمر بالعبادة، وهاهنا في قصة يوسف ﵇ نلاحظ أنه بعد ما قص الله علينا قصة يوسف قال: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ، وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ليبين لنا ربنا الحكمة من إيراد هذه القصة بما يحقق الهدف من إيرادها ضمن المحور العام لها وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا .... بما يقوم به الحجة على الخلق فلننتبه إلى هذا المعنى الذي تستشعر فيه وحدة السورة، مع وحدة الربط بينها وبين السياق القرآني العام
ولنعد إلى السياق:
لقد رأينا فيما مر من خاتمة السورة أن الحجة على الناس تقوم بذكر قصة يوسف في القرآن، ولكن يحول دون الإيمان عمى عن الآيات، ثم تأتي الآن آية لتبين أن عمى هؤلاء عن الآيات والحجج في السورة يجري على نسق واحد، مع عماهم عن آيات الله في الأرض والسماء، ومن ثم قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ أي من علامة ودلالة على الخالق وصفاته فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها على الآيات وَهُمْ عَنْها أي عن الآيات مُعْرِضُونَ أي لا يعتبرون بها،
وإذا آمنوا فإن إيمانهم يرافقه شرك فقال: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ وبأنه خلقهم وخلق السموات والأرض وما فيهما من آيات إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ بوثن أو بشر أو حجر أو قمر أو شمس أو طبيعة أو غير ذلك، فقد أقام الله الحجة على خلقه بهذا القرآن، ومع ذلك لم يؤمن أكثرهم، وأقام الحجة على خلقه بآياته في الكون ومع ذلك لم يلتفتوا إليها، وأكثر من يلتفت إليها يؤمن بالله على شرك، فليس القصور في الحجة، ولكن في العمى والسلوك المنحرف،
ثم أنذر الله هؤلاء فقال: أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ أي عقوبة تغشاهم وتشملهم مِنْ عَذابِ اللَّهِ إن لم يؤمنوا واستمروا على شركهم أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ أي القيامة بَغْتَةً أي فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بإتيانها فإذا كان الأمر أنهم بين مداهمة عذاب الله، أو مداهمة القيامة، فكيف لا يؤمنون، وكيف يشركون،
ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يعلن أمام جحودهم وأمام شركهم.
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أي طريقي ومسلكي وسنتي، والإشارة في الآية إلى الدعوة السابقة المتمثلة بالإيمان والتوحيد والمعني: هذه سبيلي التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد: ثم فسر هذه السبيل بقوله أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أي أدعو إلى دينه
стр. 2573
بحجة واضحة غير عمياء مع يقين وبرهان أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي أي أدعوا إلى سبيل الله أنا، ويدعو إليه من اتبعني، فهو ومن اتبعه ﵊ يدعون إلى الله على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي، أو المعنى: أن رسول الله ﷺ ومن اتبعه على حجة وبرهان لا على هوى وَسُبْحانَ اللَّهِ أي وأنزهه وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير أو عديل أو ند أو ولد أو والد أو صاحبة أو وزير أو مشير أو أن يكون معه فاعل وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مع الله غيره، فسبيله ﵊، وسبيل أتباعه الدعوة إلى الإيمان والتوحيد على بصيرة، مع تنزيههم الله وإخلاصهم في توحيده، فإذا لم يجتمع للداعية إلى الله هذه المعاني لا يكون على قدم رسول الله ﷺ : الدعوة إلى الإيمان والتوحيد، مع التلبس الكامل بالتنزيه والتحقق بالتوحيد، مع الدعوة البصيرية المبصرة التي لا تلتبس حجتها الواضحة، وما أقل من تجتمع له هذه المعاني في عصرنا، وحتى في العصور التي جاءت بعد عصر السلف، وهكذا أقام الله الحجة لرسالة رسولنا ﷺ بمضمونها وبحاله ﵊ حال أتباعه، بعد أن أقام الحجة عليهم- كما رأينا- بمضمون قصة يوسف.
ومن الآية الأخيرة ندرك أن دعوة رسول الله ﷺ تقوم على الدعوة إلى الإيمان والتوحيد بالبرهان المبصر والحجة الواضحة، مع التلبس بكمال التنزيه
وكمال التوحيد، واجتماع هذه المعاني هي سبيل رسول الله ﷺ ، ومشكلة عصرنا أن كثيرا من الدعاة إلى الله لا يعطون الدعوة إلى الإيمان والتوحيد مداها، كما أن الكثيرين منهم يدعون إلى جوانب ليست الحجة فيها واضحة، فمن من الدعاة قد تحقق بالتنزيه الكامل لله إقرارا واستشعارا، ومن من الدعاة من لا يسير إلا على ما قامت عليه الحجة العقلية أو النقلية، ومن من الدعاة يعطي الدعوة إلى التوحيد والإيمان مكانهما الصحيح الأول.
ومن من الدعاة لا يعارض الصحيح بالضعيف ويتلبس بما دل عليه حديث موضوع، ويناقض عقلا بنقل، أو نقلا بعقل.
نقول من الظلال:
ننقل هنا ثلاثة نقول من الظلال: الأول حول قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ. قال صاحب الظلال:
(والآيات الدالة على الله وحدانيته وقدرته كثيرة مبثوثة في تضاعيف الكون. معروضة للأبصار والبصائر. في السموات وفي الأرض يمرون عليها صباح مساء، آناء الليل
стр. 2574
وأطراف النهار. وهي ناطقة تكاد تدعو الناس إليها. بارزة تواجه العيون والمشاعر.
موحية تخايل للقلوب والعقول ولكنهم لا يرونها ولا يسمعون دعاءها ولا يحسون إيقاعها العميق.
وإن لحظة تأمل في مطلع الشمس ومغيبها. لحظة تأمل في الظل الممدود ينقص بلطف أو يزيد. لحظة تأمل في الخضم الزاخر، والعين الفوارة والنبع الروي. لحظة تأمل في النبتة النامية، والبرعم الناعم، والزهرة المتفتحة، والحصيد الهشيم، لحظة تأمل في الطائر السابح في الفضاء، والسمك السابح في الماء، والدود السارب، والنمل الدائب، وسائر الحشود والأمم من الحيوان والحشرات والهوام .. لحظة تأمل في صبح أو مساء في هدأة الليل أو في زحمة النهار .. لحظة واحدة يتسمع فيها القلب البشري إلى إيقاعات هذا الوجود العجيب .. إن لحظة واحدة لكافية لارتعاش هذا القلب بقشعريرة الإدراك الرهيب والتأثر المستجيب. ولكنهم يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ لذلك لا يؤمن الأكثرون!
وحتى الذين يؤمنون، كثير منهم يتدسس الشرك- فى صورة من صوره- إلى قلوبهم. فالإيمان الخالص يحتاج إلى يقظة دائمة تنقي القلب أولا بأول كل خالجة شيطانية وكل اعتبار من اعتبارات هذه الأرض في كل حركة وكل تصرف لتكون كلها لله.
خالصة له دون سواه، والإيمان الخالص يحتاج إلى حسم كامل في قضية السلطان على القلب وعلى التصرف والسلوك فلا تبقى في القلب دينونة إلا لله سبحانه ولا تبقى في الحياة عبودية إلا للمولى الواحد الذي لا راد لما يريد)
والنقل الثاني من الظلال حول قوله تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ .. قال صاحب الظلال: (مشركون قيمة من قيم هذه الأرض في تقديرهم للأحداث والأشياء والأشخاص. مشركون سببا من الأسباب مع قدرة الله في النفع أو الضر سواء. مشركون في الدينونة لقوة غير قوة الله من حاكم أو موجه لا يستمد من شرع الله دون سواه. مشركون في رجاء يتعلق بغير الله من عباده على الإطلاق.
مشركون في تضحية يشوبها التطلع إلى تقدير الناس. مشركون في جهاد لتحقيق نفع أو دفع ضر ولكن لغير الله. مشركون في عبادة يلحظ فيها وجه مع وجه الله .. لذلك يقول رسول الله- ﷺ : «الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل» وفي الأحاديث نماذج من هذا الشرك الخفي، روى الترمذي- وحسنه- من رواية ابن عمر، «من
стр. 2575
حلف بغير الله فقد أشرك» وروى أحمد وأبو داود وغيره عن ابن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرقى والتمائم شرك» وفي مسند الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «من علق تميمة فقد أشرك»
وعن أبي هريرة- بإسناده- قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشريكه» وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك».
وروى الإمام أحمد- بإسناده- عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟
قال: «الرياء. يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جاء الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء»؟
فهذا هو الشرك الخفي الذي يحتاج إلى اليقظة الدائمة للتحرز منه ليخلص الإيمان.
وهناك الشرك الواضح الظاهر، وهو الدينونة لغير الله في شأن من شئون الحياة الدنيوية في شرع يتحاكم إليه- وهو نص في الشرك لا يجادل عليه ...
والأمر في مثل هذه الشئون يتجاوز منطقة الإثم والذنب بالمخالفة حين يكون طاعة العبيد .. إنه عندئذ لا يكون ذنبا ولكنه شرك، لأنه يدل على الدينونة لغير الله فيما يخالف أمر الله .. وهو من هذه الناحية أمر خطير .. ومن ثم يقول الله .. وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ..
والنقل الثالث حول قوله تعالى:
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قال صاحب الظلال: (هذه طريقي فمن شاء فليتابع، ومن لم يشأ فأنا سائر
في طريقي المستقيم وأصحاب الدعوة إلى الله لا بد لهم من هذا التميز، لا بد لهم أن يعلنوا أنهم أمة وحدهم يفترقون عمن لا يعتقد عقيدتهم، ولا يسلك مسلكهم، ولا يدين لقيادتهم، ويتميزون ولا يختلطون ولا يكفي أن يدعو أصحاب هذا الدين إلى دينهم، وهم متميعون في المجتمع الجاهلي، فهذه الدعوة لا تؤدي شيئا ذا قيمة إنه لا بد لهم منذ اليوم الأول أن يعلنوا أنهم شئ آخر غير الجاهلية وأن يتميزوا بتجمع خاص
стр. 2576
آصرته العقيدة المتميزة وعنوانه القيادة الإسلامية .. لا بد أن يميزوا أنفسهم من المجتمع الجاهلي وأن يميزوا قيادتهم من قيادة المجتمع الجاهلي أيضا!
إن اندغامهم وتميعهم في المجتمع الجاهلي، وبقاءهم في ظل القيادة الجاهلية يذهب بكل السلطان الذي تحمله عقيدتهم وبكل الأثر الذي يمكن أن تنشئه دعوتهم وبكل الجاذبية التي يمكن أن تكون للدعوة الجديدة
وهذه الحقيقة لم يكن مجالها فقط هو الدعوة النبوية في أوساط المشركين .. إن مجالها هو مجال هذه الدعوة كلما عادت الجاهلية فغلبت على حياة الناس .. وجاهلية القرن العشرين لا تختلف في مقوماتها الأصلية، وفي ملامحها المميزة عن كل جاهلية أخرى واجهتها الدعوة الإسلامية على مدار التاريخ.
والذين يظنون أنهم يصلون إلى شئ، عن طريق التميع في المجتمع الجاهلي والأوضاع الجاهلية والتدسس الناعم من خلال تلك المجتمعات ومن خلال هذه الأوضاع بالدعوة إلى الإسلام .. هؤلاء لا يدركون طبيعة هذه العقيدة ولا كيف ينبغي أن تطرق القلوب! ..
إن أصحاب المذاهب الإلحادية أنفسهم يكشفون عن عنوانهم وواجهتهم ووجهتهم أفلا يعلن أصحاب الدعوة إلى الإسلام عن عنوانهم الخاص؟ وطريقهم الخاص؟
وسبيلهم التي تفترق تماما عن سبيل الجاهلية؟) اهـ
ولنعد إلى السياق:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا لا ملائكة نُوحِي إِلَيْهِمْ فلست بدعا من الرسل حتى يستغرب الناس بعثتك مِنْ أَهْلِ الْقُرى أي المدن لأنهم أحلم وأرق طباعا وألطف، وأكثر ألفة وتألفا لكثرة العشرة والخلطة، فإرسالك إذن على نفس السنة أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي من الأمم المكذبة للرسل كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، فمن نظر اعتبر وآمن. فالله يلفت نظر هؤلاء إلى مجموعة سنن له من تأملها آمن، وانتفى ريبه وشكه برسالة رسول الله وبالكتاب المنزل عليه، وفي الوقت نفسه فمن نظر وتدبر عاقبة الماضين في نجاة المؤمنين وإهلاك الكافرين اتعظ وآمن وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الله، بفعل طاعته واجتناب معصيته أَفَلا تَعْقِلُونَ عن الله آياته وسننه،
ثم بين الله سنته في نصرة رسله أنها لا تأتي بسرعة، وفي قصة يوسف ﵇ نموذج حَتَّى إِذَا
стр. 2577
اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ أي يئسوا من إيمان القوم وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا أي وظن أقوامهم أن الرسل قد أخلفوا ما وعدوه، أو وظن المرسل إليهم أنهم كذبوا من جهة الرسل، أي كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليهم ولم يصدقوهم فيه، وهناك قراءة بتشديد الذال، ومعناها على هذا: وأيقن الرسل أن قومهم كذبوهم جاءَهُمْ نَصْرُنا أي جاء الأنبياء والمؤمنين بهم النصر فجأة من غير احتساب فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ أي النبي ومن آمن به وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا أي عذابنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ أي الكافرين
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ أي لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم وكيف جعلنا العاقبة لهم كما رأيت نموذج ذلك في قصة يوسف عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ أي عظة لأصحاب العقول، وقد رأينا في قصة يوسف كيف نقل من غيابة الجب إلى نهاية الحب، ومن الحصير إلى السرير. فصارت عاقبة الصبر سلامة وكرامة، ونهاية المكر وخامة وندامة ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى أي ما كان القرآن حديثا مفترى كما زعم الكفار، ولا يتصور أن بالإمكان أن يفترى هذا القرآن على الله إلا مجنون وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي من الكتب المنزلة من السماء فهو يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير، وقد رأينا في قصة يوسف نموذجا، وكتاب هذا شأنه منزل على الرسول الأمي ما كان ليكون إلا من عند الله وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ من تحليل وتحريم، ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات، والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الأمور الجليلة، وعن الغيوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الرب ﵎ بالأسماء والصفات، وتنزهه عن مماثلة المخلوقات، وبالجملة فإن القرآن تفصيل لكل شئ يحتاج إليه في الدين لأنه كما قال النسفي: القانون الذي تستند إليه السنة والإجماع والقياس، ومن هذه الآية ومن قوله تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ فهم العلماء أنه ما من قضية إلا ولله فيها حكم، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، وكتاب هذا شأنه لا يمكن أن يكون إلا من عند الله وَهُدىً من الضلال وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بالله وأنبيائه في الدنيا والآخرة.
وكتاب هذا شأنه فيه الهدى في كل أمر، وفيه الرحمة في شأن الدنيا والآخرة، في شأن الجسد والقلب، في شأن الروح والعقل، في شأن الفرد والمجتمع، كتاب هذا شأنه لا يمكن أن يكون إلا من عند الله، وهكذا حطمت سورة يوسف الريب في سياقها العام،
стр. 2578
وأعطت في كل آية من آياتها دروسا لا تنتهي، ومن دروسها العامة ما قاله النسفي:
قال أبو منصور ﵀: في ذكر قصة يوسف ﵇ وإخوته تصبير لرسول لله ﷺ على أذى قريش كأنه يقول: إن إخوة يوسف مع موافقتهم إياه في الدين ومع الأخوة عملوا بيوسف ما عملوا من الكيد والمكر، وصبر على ذلك، فأنت مع مخالفتهم إياك في الدين أحرى أن تصبر على أذاهم، ومن دروسها: أن على
أهل الإيمان أن يثقوا بحسن العاقبة.
وبمناسبة قوله تعالى حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ...
قال صاحب الظلال:
تلك سنة الله في الدعوات لا بد من الشدائد ولا بد من الكروب حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة. ثم يجئ النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس. يجئ النصر من عند الله فينجو الذين يستحقون النجاة ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين، وينجون من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون ويحل بأس الله بالمجرمين، مدمرا ماحقا لا يقفون له ولا يصده عنهم ولي ولا نصير.
ذلك كيلا يكون النصر رخيصا فتكون الدعوات هزلا. فلو كان النصر رخيصا لقام في كل يوم دعي بدعوة لا تكلفه شيئا أو تكلفه القليل. ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثا ولا لعبا فإنما هي قواعد للحياة البشرية ومناهج ينبغي صيانتها وحراستها من الأدعياء. والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة لذلك يشفقون أن يدعوها فإذا ادعوها عجزوا عن حملها وطروحها وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد التي لا يصمد لها إلا الواثقون الصادقون الذين لا يتخلون عن دعوة الله ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة!
إن الدعوة إلى الله ليست تجارة قصيرة الأجل إما أن تربح ربحا معينا محدودا في هذه الأرض وإما أن يتخلى عنها أصحابها إلى تجارة أخرى أقرب ربحا وأيسر حصيلة، والذي ينهض بالدعوة إلى الله في المجتمعات الجاهلية- والمجتمعات الجاهلية هي التي تدين لغير الله بالطاعة والاتباع في أي زمان أو مكان- يجب أن يوطن نفسه على أنه لا يقوم برحلة مريحة ولا يقوم بتجارة مادية قريبة الأجل، إنما ينبغي له أن يستيقن أنه يواجه طواغيت يملكون القوة والمال، ويملكون استخفاف الجماهير حتى ترى الأسود أبيض والأبيض أسود، ويملكون تأليب هذه الجماهير ذاتها على الدعوة إلى الله، باستثارة شهواتها وتهديدها بأن أصحاب الدعوة إلى الله يريدون حرمانها من هذه الشهوات! .. ويجب أن
стр. 2579
يستيقنوا أن الدعوة إلى الله كثيرة التكاليف وأن الانضمام إليها في وجه المقاومة الجاهلية كثير التكاليف أيضا وأنه من ثم لا تنضم إليها- في أول الأمر- الجماهير المستضعفة المستخفة إنما تنضم إليها الصفوة المختارة في الجيل كله التي تؤثر حقيقة هذا الدين على الراحة والسلامة، وعلى كل متاع هذه الحياة الدنيا.
وأن عدد هذه الصفوة يكون دائما قليلا جدا ولكن الله يفتح بينهم وبين قومهم بالحق بعد جهاد يطول أو يقصر، وعندئذ فقط تدخل الجماهير في دين الله أفواجا، وفي قصة يوسف ألوان من الشدائد في الجب، وفي بيت العزيز، وفي السجن وألوان من الاستيئاس من نصرة الناس .. ثم كانت العاقبة خيرا للذين اتقوا- كما هو وعد الله الصادق الذي لا يخيب- وقصة يوسف نموذج من قصص المرسلين فيها عبرة لمن يعقل، وفيها تصديق ما جاءت به الكتب المنزلة من قبل، على غير صلة دراسية بين محمد ﷺ وهذه الكتب فما كان ممكنا أن يكون ما جاء به حديثا مفترى، فالأكاذيب لا يصدق بعضها بعضا ولا تحقق هداية ولا يستروح فيها القلب المؤمن الروح والرحمة: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. اهـ
فوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ يذكر ابن كثير مجموعة من الأحاديث والآثار ينتظمها أنها في موضوع الشرك الخفي أو الظاهر.
وكعادتنا في حذف الأسانيد والاكتفاء برواية من المكرر ننقل الروايات التالية:
(في الصحيحين: أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك) وفي صحيح مسلم: أنهم كانوا إذا قالوا: لبيك لا شريك لك قال رسول الله ﷺ : «قد قد» أي حسب حسب لا تزيدوا على هذا، وقال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (لقمان: ١٣) وهذا هو الشرك الأعظم: يعبد مع الله غيره، كما في الصحيحين: عن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». وقال الحسن البصري في قوله: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ قال: ذلك المنافق يعمل إذا عمل رياء الناس وهو مشرك بعمله ذلك يعني قوله: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا
стр. 2580
قَلِيلًا (النساء: ١٤٢) وثم شرك آخر خفي لا يشعر به غالبا فاعله، كما روى حماد ابن سلمة .... عن عروة قال: دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيرا فقطعه- أو انتزعه- ثم قال: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ. وفي الحديث:
«من حلف بغير الله فقد أشرك». رواه الترمذي وحسنه. وفي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرقى والتمائم والتولة شرك». وفي لفظ لهما «الطيرة شرك، وما منا إلا .. ، ولكن الله يذهبه بالتوكل». وروى الإمام أحمد ... عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت:
كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم، فتنحنح وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير، قالت: فدخل فجلس إلى جانبي فرأى في عنقي خيطا، فقال:
ما هذا الخيط؟ قال: قلت: خيط رقي لي فيه، فأخذه فقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم
شرك» قالت: قلت له: لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف، فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، فكان إذا رقاها سكنت، فقال: إنما ذاك من الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال النبي ﷺ : «أذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما». وفي حديث آخر رواه الإمام أحمد .... عن عيسى بن عبد الرحمن قال: دخلت على عبد الله ابن عكيم وهو مريض نعوده، فقيل له: لو تعلقت شيئا، قال: أتعلق شيئا وقد قال رسول الله ﷺ : «من تعلق شيئا وكل إليه». وفي مسند الإمام أحمد من حديث عقبة ابن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «من علق تميمة فقد أشرك». وفي رواية «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له». وروى مسلم ... عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». وروى الإمام أحمد ...
عن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك». وروى الإمام أحمد ... عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر».
قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا
стр. 2581
جاز الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟». وروى الإمام أحمد ... عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك». قالوا: يا رسول الله ما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك». وروى الإمام أحمد ... عن رجل من بني كاهل قال: خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقام عبد الله ابن حرب وقيس بن المضارب فقالا: والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عمر مأذونا لنا أو غير مأذون، قال: بل أخرج مما قلت خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: «يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل». فقال له من شاء الله أن يقول:
فكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه». وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه النسائي من حديث يعلى بن عطاء سمعت عمرو بن العاص سمعت أبا هريرة قال: قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله علمني شيئا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعي، قال: «قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شئ ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه». وزاد الإمام أحمد في رواية له في آخره «وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم».
٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى تثار قضيتان: الأولى: أنه لا نبوة ولا رسالة في النساء. والقضية الثانية: أنه لا نبوة في أهل البادية: وفي القضية الأولى يقول ابن كثير بمناسبة الآية: (يخبر تعالى أنه أرسل رسله من الرجال لا من النساء وهذا قول جمهور العلماء، كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة، وأن الله تعالى لم يوح إلى امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع، وزعم بعضهم أن سارة امرأة الخليل. وأم موسى. ومريم بنت عمران أم عيسى نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله:
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ الآية (القصص: ٧)، وبأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسى ﵇، وبقوله تعالى: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ، يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (آل عمران: ٤٢) وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم
стр. 2582
من هذا أن يكن نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام معه في أن هذا هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا؟ الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم: إنه ليس في النساء نبية، وإنما فيهن صديقات كما قال تعالى مخبرا عن أشرفهن مريم بنت عمران حيث قال مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ (المائدة: ٧٥) فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام، فهي صديقة بنص القرآن).
وفي القضية الثانية نقول: من المعروف أن المدينة أكثر ملاءمة لنمو الأخلاق الاجتماعية، والبلاغ على أهلها أسهل: ومن ثم كانت سنة الله ألا يرسل رسولا من أهل البادية. قال قتادة في قوله تعالى: مِنْ أَهْلِ الْقُرى لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمود، فالقرية في الآية إذن تقابل البادية وليس شرطا أن تكون القرية كبيرة، وأما يعقوب ﵇ فسكناه في البادية عارض، ولذلك ذكرهم يوسف ﵇ بمنة الله عليهم، فقال: وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ ....
٣ - ينقل ابن كثير كلاما كثيرا للمفسرين في قوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا إذ هذه الآية من الآيات التي يحتدم حول فهمها النقاش، وما ذكرناه أثناء التفسير هو أجود ما يقال فيها فتأمله. ولنذكر هنا روايتين ذكرهما ابن كثير على نفس النسق الذي اعتمدناه.
روى الأعمش عن مسلم عن ابن عباس في قوله حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم جاءهم النصر على ذلك فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ.
وروى ابن جرير بسنده عن إبراهيم بن أبي حمزة الجزري قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبير قال: أخبرنا أبا عبد الله كيف هذا الحرف، فإني إذا أتيت عليه تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قال: نعم حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا،
فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجلا يدعى إلى علم فيتلكأ، لو رحلت إلى اليمن في هذه كان قليلا.
стр. 2583
كلمة في سورة يوسف:
قلنا إن محور سورة يوسف في السياق القرآني العام هو قوله تعالى- والله أعلم- وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
وقد جاءت سورة يوسف مبتدأة بقوله تعالى: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ. ثم بدأت القصة، ثم جاءت الخاتمة.
ومن تأمل مقدمة السورة وخاتمتها، والقصة فيها، علم يقينا أن هذا القرآن من عند الله، وانتفى لديه كل شك وريب، وأن هذا القرآن منزل على محمد ﷺ الذي كان من قبل إنزاله عليه من الغافلين، كما نصت مقدمة السورة. فالسورة إذن من حيث ارتباطها بمحورها تحقق هدفا عدا عن أهدافها الخاصة. وهكذا نجد أن كل سورة من السور تحقق بالنسبة للسياق القرآني العام الذي تتمثل به الوحدة القرآنية العظمى هدفا مرتبطا بهذا السياق، عدا عما تحققه من أهداف في سياقها الجزئى.
***
стр. 2584
سورة الرعد
وهي السورة الثالثة عشرة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الرابعة من المجموعة الأولى من قسم المئين، وآياتها ثلاث وأربعون وهي مكية
وبعضهم يرى أنها مدنية
стр. 2585
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 2586
قال الألوسي في تقديمه لسورة الرعد:
(جاء من طريق مجاهد عن ابن عباس وعلي ابن أبي طلحة: أنها مكية وروي ذلك عن سعيد بن جبير قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر قال: سألت ابن جبير عن قوله تعالى: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ هل هو عبد الله بن سلام؟ فقال: كيف وهذه السورة مكية.
وأخرج مجاهد عن ابن الزبير وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس، ومن طريق ابن جريج وعثمان عن عطاء عنه، وأبو الشيخ عن قتادة: أنها مدنية إلا أن في رواية الأخير استثناء قوله تعالى: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ ..
الآية فإنها مكية. وروي أن أولها إلى آخر وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً الآية مدني، وباقيها مكي. وفي الإتقان: يؤيد القول بأنها مدنية ما أخرجه الطبراني وغيره عن أنس: أن قوله تعالى اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى إلى قوله وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ نزل في قصة أربد بن قيس، وعامر بن الطفيل حين قدما المدينة على رسول الله ﷺ ، ثم قال والذي يجمع به بين الاختلاف أنها مكية إلا آيات منها. وهي ثلاث وأربعون آية في الكوفي .. ووجه مناسبتها لما قبلها أنه سبحانه قال فيما تقدم: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ فأجمل سبحانه الآيات السماوية والأرضية، ثم فصل جل شأنه ذلك هنا أتم تفصيل، وأيضا أنه تعالى قد أتى هنا مما يدل على توحيده ما يصلح شرحا لما حكاه عن يوسف ﵇ من قوله أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ .. وأيضا في كل من السورتين ما فيه تسلية له ﷺ ، هذا مع اشتراك آخر تلك السورة وأول هذه فيما فيه وصف القرآن كما لا يخفى، وجاء في فضلها ما أخرجه ابن أبي شيبة والمروزي في الجنائز أنه كان يستحب إذا حضر الميت أن يقرأ عنده سورة الرعد، فإن ذلك يخفف عن الميت، وأنه أهون لقبضه وأيسر لشأنه) اهـ
وقال صاحب الظلال في سورة الرعد:
(هذه السورة من أعاجيب السور القرآنية التي تأخذ في نفس واحد، وإيقاع واحد، وجو واحد، وعطر واحد من بدئها إلى نهايتها، والتي تفعم النفس وتزحم بالصورة والظلال والمشاهد والخوالج والتي تأخذ النفس من أقطارها جميعا، فإذا هي مهرجان من الصور والمشاعر والإيقاعات والإشراقات، والتي ترتاد بالقلب آفاقا وأكوانا وعوالم وأزمانا وهو مستيقظ، مبصر، مدرك، شاعر بما يموج حوله من المشاهد والموحيات.
إنها ليست ألفاظا وعبارات، إنما هي مطارق وإيقاعات. صورها ظلالها. مشاهدها
стр. 2587
موسيقاها. لمساتها الوجدانية التي تكمن وتتوزع هنا وهناك
.........
وهذه السورة تطوف بالقلب البشري في مجالات وآفاق وآماد وأعماق، وتعرض عليه الكون كله في شتى مجالاته الأخاذة: في السموات المرفوعة بغير عمد، وفي الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى. وفي الليل يغشاه النهار. وفي الأرض الممدودة وما فيها من رواس ثابتة وأنهار جارية وجنات وزروع ونخيل مختلف
الأشكال والطعوم والألوان، ينبت في قطع من الأرض متجاورات ويسقى بماء واحد- وفي البرق يخيف ويطمع، والرعد يسبح ويحمد، والملائكة تخاف وتخشع، والصواعق يصيب بها من يشاء، والسحاب الثقال والمطر في الوديان. والزبد الذي يذهب جفاء، ليبقى في الأرض ما ينفع الناس.
وهي تلاحق ذلك القلب أينما توجه: تلاحقه بعلم الله النافذ الكاشف الشامل، يلم بالشارد والوارد، والمستخفي والسارب ويتعقب كل حي، ويحصي عليه الخواطر والخوالج. والغيب المكنون الذي لا تدركه الظنون مكشوفا لعلم الله، وما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد.
إنها تقرب لمدارك البشر شيئا من حقيقة القوة الكبرى المحيطة بالكون ظاهره وخافيه جليله ودقيقه، حاضره وغيبه. وهذا القدر الذي يمكن لمدارك البشر تصوره هائل مخيف ترجف له القلوب، وذلك إلى الأمثال المصورة تتمثل في مشاهد حية حافلة بالحركة والانفعال إلى مشاهد القيامة. وصور النعيم والعذاب وخلجات الأنس في هذا وذلك. إلى وقفات على مصارع الغابرين وتأملات في سير الراحلين. وفي سنة الله التي مشت عليهم فإذا هم داثرون).
كلمة في سورة الرعد ومحورها في السياق القرآني العام:
إن محور سورة الرعد من سورة البقرة هو قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ والدليل على ذلك:
١ - نلاحظ أن مقدمة السورة كانت: المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ
стр. 2588
مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ فتأمل قوله تعالى: وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ من أول سورة الرعد وقوله فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ من آيتي سورة البقرة
٢ - لاحظ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ثم لاحظ في سورة الرعد: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ .... وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ .... اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى. هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ .... اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ .... لتجد أن الله يعرفنا عليه ﷻ في سورة الرعد كما عرفنا على ذاته الكريمة هناك.
٣ - لاحظ في سورة البقرة: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ...
ولاحظ في سورة الرعد: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ .. مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ويلاحظ بشكل بارز في سورة الرعد كثرة الأمثال.
٤ - لاحظ في سورة البقرة قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا وفي سورة الرعد وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ .... وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ ... وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ... ولاحظ في سورة البقرة فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
وفي سورة الرعد: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ* الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ* وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ* وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ* وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ*
стр. 2589
فأنت تلاحظ نقاط التشابه الكثيرة بين سورة الرعد وبين الآيتين اللتين قلنا إنهما محور سورة الرعد من سورة البقرة، ثم هما يأتيان بعد قليل من قوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا والتي قلنا عنها إنها محور سورة يوسف، كما أن سورة الرعد تأتي مباشرة بعد سورة يوسف. وعلى هذا فسورة الرعد تفصيل لقضايا مجملة في الآيتين من سورة البقرة، فهي تعريف على الله، وهي عرض لأقوال للكافرين، وفيها أمثال كثيرة يضربها الله ، وفيها تدليل على أن هذا القرآن حق، وفيها تفصيل لسمات الذين يستحقون الاهتداء بهذا القرآن، وفيها تفصيل لصفات الفاسقين، وفيها وفيها مما ستراه من خلال التفسير، مما يؤكد لك أن ما اتجهنا إليه في هذا التفسير صحيح، إن في موضوع الوحدة القرآنية، أو في محاور السور بناء على ذلك
ولعلنا لاحظنا أن نوعية التفصيل في القرآن تختلف عن أي نوع من أنواع التفصيل المعروف عند البشر، لقد ظهر الله في القرآن كما ظهر في هذا الكون، فهو الظاهر بآياته، سواء كانت آياته في الكون، أو آياته في القرآن. وكما أنك ترى الكون أجزاء وأجزاء، وكل جزء فيه يرجع إلى أصل كبير، ثم تجد الأشياء كلها ترجع إلى نوع عجيب من الوحدة يعرفه العالمون. كنا أشرنا إليه في كتابنا عن الله ﷻ فكذلك هذا القرآن يظن الجاهل أنه لا رابطة بين آياته فضلا عن سوره، ولكن من فتح الله على قلبه يرى كيف أن هذا القرآن كهذا الكون، تجده على أدق نظام، وعلى أدق ترتيب، وعلى أدق انسجام، وعلى أعظم مظهر من مظاهر الوحدة الكلية التي
تربط بين آياته وسوره، مما لا يعرف حتى العالمون عنه إلا القليل. ونحب قبل أن نبدأ عرض سورة الرعد أن نلفت النظر إلى أن قضية الضلال والهداية وأسبابهما، وهي من المعاني الرئيسية في سورة الرعد فليتنبه لذلك لأن فهم هذه القضية يشكل جزءا عظيما من أجزاء المعرفة الصحيحة. تتألف السورة من مقدمة هي آية واحدة، وثلاثة مقاطع كما سنرى.
стр. 2590
المقدمة:
وهي آية واحدة وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الرعد (١٣): آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١)
التفسير:
في هذه المقدمة ثلاثة معان:
١ - المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ تلك إشارة إلى آيات هذه السورة، والمراد بالكتاب- والله أعلم- في هذا المقام هذا الجزء منه، وهو هذه السورة من باب ذكر العام وإرادة الخاص، والإشارة بتلك تفيد التفخيم والتعظيم. والمعنى: تلك الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها. فهذا هو المعنى الأول، وفيه تنبيه على جلالة هذه السورة في هذا القرآن الجليل.
٢ - وَالَّذِي أُنْزِلَ أي القرآن كله إِلَيْكَ يا محمد مِنْ رَبِّكَ الله الْحَقُّ فالقرآن كله حق، وهو منزل من الله على محمد ﷺ ، فهذا هو المعنى الثاني
٣ - وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ بأن هذا القرآن من عند الله أنزله على محمد عبده ورسوله ﷺ ، دل ذلك على أن الأقل هم الذين يؤمنون، أربط ذلك بمحور سورة الرعد من سورة البقرة: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وهكذا جاءت المقدمة مشيرة إلى موضوع السورة، ورابطة إياه بالمحور، ثم بعد ذلك تأتي المقاطع الثلاثة في السورة، داعية إلى الإيمان، مبرهنة على أن هذا القرآن حق، مقيمة الحجة على الكفر وأهله.
التفسير:
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ أي خلقها مرفوعة بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها، أي ترون السموات مرفوعة بغير عمد فلا حاجة إلى البرهان على ذلك مع الرؤية، وذلك دليل قدرته وحكمته ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ استواء يليق بجلاله. قال ابن كثير: من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل. وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لمنافع عباده، ومصالح بلاده، وذكر الشمس والقمر لأنهما أظهر في الدلالة على التسخير الذي فيه المصلحة للخلق كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى وهو انقضاء الدنيا بقيام الساعة يُدَبِّرُ الْأَمْرَ قال النسفي: أمر ملكوته وربوبيته يُفَصِّلُ الْآياتِ أي يبينها، وآياته هنا كتابه المنزل لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ أي لعلكم توقنون بأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع إليه، وهكذا عرفنا أن الله جعل تدبيره وتفصيل آياته علامتين تدلان على الرجوع إليه، فمن لم ير في كمال تدبيره في خلقه، وفي كمال تفصيله في آياته، ما يدل على الرجوع إليه، فإنه لم يعرف حكمة التدبير والتفصيل. وهكذا عرفنا أن التدبير والتفصيل علامتان على اليوم الآخر، فلم يكن التدبير عبثا، ولم يكن التفصيل عبثا، بل من أجل أن تعرف أيها الإنسان أنك راجع إليه فمحاسب.
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ قال ابن كثير: أي جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أي جبالا راسيات، أي ثابتات في أمكنتهن وَأَنْهاراً أي وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي وجعل فيها من كل الثمرات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ أي ومن كل الثمرات جعل فيها الصغير والكبير، والحلو والحامض، هكذا فسر النسفي في هذا المقام الزوجية، وقال ابن كثير: أي من كل شكل صنفان.
ولم يفسر ما المراد بالصنف. وفي فوائد هذا المقطع كلام عن هذا الموضوع فإنه من المواضيع التي لثقافة العصر تأثير في تبيانها يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أي يلبسه مكانه فيصير أسود مظلما بعد ما كان أبيض منيرا، وقد رأينا في سورة الأعراف كيف دل مثل هذا التعبير على دوران الأرض إِنَّ فِي ذلِكَ أي في الأرض بما هي عليه والجبال ورسوها، والأنهار وجريانها، والثمرات والزوجية فيها، وغشيان الليل النهار لَآياتٍ أي لدلالات وعلامات على أن لها صانعا عليما حكيما قادرا لِقَوْمٍ
стр. 2593
يَتَفَكَّرُونَ أما الذين لا يتفكرون فإنهم عمي عن رؤية الآيات
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ أي أراض يجاور بعضها بعضا، ثم هي مع التجاور مختلفة، فهذه طيبة تنبت ما ينفع الناس، وهذه سبخة مالحة لا تنفع الناس، وهذه تربتها حمراء، وهذه بيضاء، وهذه صفراء، وهذه سوداء، وهذه محجرة، وهذه سهلة، وهذه مرملة، وهذه سميكة، وهذه رقيقة، بقاع مختلفة مع كونها متجاورة متلاحقة، ما بين كريمة إلى زهيدة، وما بين صلبة إلى رخوة، وذلك دليل على قادر مريد مدبر موقع لأفعاله على وجه دون وجه وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ أي وفي الأرض حدائق وبساتين من أعناب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ الصنوان: جمع صنو وهي الشجرة لها رأسان وأصلها واحد، فالصنوان: هو الأصول المجتمعة في منبت واحد، كالرمان والتين وبعض النخيل ونحو ذلك، وغير الصنوان ما كان على أصل واحد كسائر الأشجار، أي وفي الأرض أنواع الزروع، وأنواع النخيل ذات الساق الواحدة، أو السيقان المتعددة يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ أي في الثمر، فهذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها، وطعومها ورائحها وأوراقها؛ فهذا في غاية الحلاوة، وهذا في غاية الحموضة، وهذا في غاية المرارة، وهذا بين بين، وهذا اجتمع فيه هذا وهذا، وهذا أصفر، وهذا أبيض، وهذا أسود، وكذلك الزهورات مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء، ثم يكون هذا الاختلاف الكثير، الذي يكاد لا ينحصر ولا ينضبط إِنَّ فِي ذلِكَ أي في اختلاف الأراضي وجنات الأعناب والزروع والنخيل المتعدد الأصل وغير المتعدد، واختلاف الثمرات مع كون الماء الذي به نماء النبات واحدا لَآياتٍ لدلالات على الخالق المختار المريد العظيم لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أما الذين لا عقول لهم فإنهم لا يرون هذه الآيات رؤية عاقلة، تدلهم على الله، ثم إنه بعد أن أقام النص القرآني الحجة على وجود الله، وعلى قدرته، وعلى اليوم الآخر، فإنه بعد ذلك يعرض علينا بطريقة القرآن المعجزة ثلاثة مواقف للكافرين هي: إنكارهم لليوم الآخر، واستعجالهم العذاب، واقتراحهم الآيات، وهذه المواقف الثلاثة تعرض بعد أن تقدم الرد عليها فيما سبق من الآيات، فالله المدبر للأمر المفصل للآيات، الرافع للسماوات، المسيطر على العرش، المسخر للشمس والقمر، الجاعل الأرض على ما هي عليه، الخالق للجبال بما تؤدي به مهمتها، الخالق الأنهار، الخالق الثمار، الخالق الليل والنهار، الجاعل الأرض أنواعا، المخرج من الماء الواحد أنواع الثمار، هذا الإله لا يعجزه أن يعيد خلق الإنسان وأن يبعثه
стр. 2594
من جديد، ولا يعجزه أن يعاقب من كفر بأنواع العذاب الدنيوي، ثم إن آياته أكثر وأكبر وأبهر من أن يقترح عليه آيات أخرى تدل عليه، كيف ومن آياته ما رأيناه لمن تفكر وعقل، فإذا اتضح هذا فلنر كيف عرض القرآن هذه المواقف للكافرين في السياق الذي تبطل فيه هذه المواقف قبل عرضها
الموقف الأول:
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي فقولهم هذا حقيق بأن يتعجب منه؛ لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك كانت الإعادة أهون شئ عليه وأيسره، فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب، كيف وقد شاهدوا من آياته وآثار صفاته ما هو أعجب مما كذبوا به، وهكذا بين لنا القرآن أن البعث بديهية من البديهيات لمن عرف الله وعرف آياته، ثم بين أن هؤلاء الذين يستبعدون البعث ولا يؤمنون باليوم الآخر إنما هم كفار بالله أصلا، ومن ثم قال: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ إذ لو كانوا يؤمنون بالله ويعرفونه حق المعرفة لآمنوا بالبعث، دل ذلك على أن الإيمان بالله يستتبع- بالضرورة- الإيمان باليوم الآخر، فمن عرف قدرة الله لا يستكثر عليها أن تعيد الخلق، ومن عرف عدله عرف ضرورة وجود اليوم الآخر، ومن عرف حكمته عرف ضرورة وجود اليوم الآخر، ومن عرف عزته وانتقامه وكرمه ورحمته عرف ضرورة اليوم الآخر، وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ جزاء لهم على كفرهم بالله واليوم الآخر وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أي ماكثون فيها أبدا، لا يحولون عنها ولا يزولون، وقد دل تكرار (أولئك) على تعظيم الأمر. هذا هو الموقف الأول من مواقف الكافرين، وقد رأينا كيفية عرضه، وعرفنا أن العجب هو عدم الإيمان باليوم الآخر وليس الإيمان به، وأي عجب أعجب من أن يدعي الإنسان معرفة الله ثم لا يرتب على ذلك ما تقتضيه هذه المعرفة.
الموقف الثاني:
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ أي هؤلاء الكافرون المكذبون بِالسَّيِّئَةِ أي بالعقوبة قَبْلَ الْحَسَنَةِ أي قبل العافية، من شدة كفرهم وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهم لم يعتبروا بها؟ والمثلة: العقوبة، لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة، لقد أوقع الله نقمته بالأمم المكذبة الخالية، وجعلهم عبرة وعظة لمن اتعظ بهم، ومع ذلك فهؤلاء يستعجلون العذاب وما استعجالهم إلا لعدم إيمانهم ولكفرهم.
стр. 2595
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ أي إنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس، مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار، وهذا سر عدم إيقاع ما رغبوا به من الاستعجال بالعقوبة وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ ومن ثم فإنه لا يفوته هارب ولا مسئ، فهو يمهل ولا يهمل.
الموقف الثالث:
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فهم لا يكتفون بالآيات المنزلة على رسول الله ﷺ عنادا مع كثرتها، وكفى بهذا القرآن معجزة تضمنت
معجزات لا تنتهي، ومن ثم قيل لرسول الله ﷺ في مقابلة اقتراحاتهم المتعنتة إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ أي أنت رجل أرسلت منذرا مخوفا لهم من سوء العاقبة، وناصحا كغيرك من الرسل، وما عليك إلا الإتيان بما يصح به أنك رسول منذر، وصحة ذلك حاصلة بأي آية كانت، والآيات كلها سواء في حصول صحة الرسالة بها وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ أي من الأنبياء يهديهم إلى الدين ويدعوهم إلى الله بآية خص بها، لا بما يريدون، فلست بدعا من الرسل، إذن فكما أن كل أمة أرسل لها رسول فأنت رسول لهذه الأمة، ويحتمل أن يكون المراد بالهادي في الآية (الله فهو الذي يهدي من يستحق الهداية، وإنما مهمة الرسول ﷺ الإنذار، فهؤلاء الذين لم يؤمنوا ويقترحوا الآيات، عليك إنذارهم، والله هو الهادي من يستحق الهداية، وهؤلاء لا يستحقون الهداية، وهذا الاتجاه الثاني في التفسير هو الذي نرجحه لانسجامه مع محور المقطع في سورة البقرة كما سنرى.
فوائد:
١ - في كتابنا عن الرسول ﷺ أثناء الكلام عن المعراج قلنا إن السماء في القرآن تطلق ويراد بها مطلق العلو، وتطلق ويراد بها الكون مما سوى الأرض، وتطلق ويراد بها السموات السبع التي سقفها عرش الرحمن، وفي سورة البقرة عند قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ... رجحنا أن المجرات والنجوم قد خلقت قبل الأرض، وأن الأرض قد خلقت قبل السموات السبع التي هي غيبية- على الأكثر- وفي سورة هود بينا أن أول مخلوق هو العرش ثم الماء، وهاهنا في سورة الرعد بمناسبة قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها نرجح أن المراد في السموات هنا ليست السموات السبع الغيبية التي نؤمن بها غيبا، ولكن المراد بها ما سوى الأرض بقرينة تَرَوْنَها فنحن لا