← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

المقطع الأول ويمتد من الآية (الثانية) حتى نهاية الآية (السابعة) وهذا هو: [سورة الرعد (١٣): الآيات ٢ الى ٧] اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧)

стр. 2592

التفسير: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ أي خلقها مرفوعة بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها، أي ترون السموات مرفوعة بغير عمد فلا حاجة إلى البرهان على ذلك مع الرؤية، وذلك دليل قدرته وحكمته ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ استواء يليق بجلاله. قال ابن كثير: من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل. وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لمنافع عباده، ومصالح بلاده، وذكر الشمس والقمر لأنهما أظهر في الدلالة على التسخير الذي فيه المصلحة للخلق كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى وهو انقضاء الدنيا بقيام الساعة يُدَبِّرُ الْأَمْرَ قال النسفي: أمر ملكوته وربوبيته يُفَصِّلُ الْآياتِ أي يبينها، وآياته هنا كتابه المنزل لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ أي لعلكم توقنون بأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع إليه، وهكذا عرفنا أن الله جعل تدبيره وتفصيل آياته علامتين تدلان على الرجوع إليه، فمن لم ير في كمال تدبيره في خلقه، وفي كمال تفصيله في آياته، ما يدل على الرجوع إليه، فإنه لم يعرف حكمة التدبير والتفصيل. وهكذا عرفنا أن التدبير والتفصيل علامتان على اليوم الآخر، فلم يكن التدبير عبثا، ولم يكن التفصيل عبثا، بل من أجل أن تعرف أيها الإنسان أنك راجع إليه فمحاسب. وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ قال ابن كثير: أي جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أي جبالا راسيات، أي ثابتات في أمكنتهن وَأَنْهاراً أي وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي وجعل فيها من كل الثمرات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ أي ومن كل الثمرات جعل فيها الصغير والكبير، والحلو والحامض، هكذا فسر النسفي في هذا المقام الزوجية، وقال ابن كثير: أي من كل شكل صنفان. ولم يفسر ما المراد بالصنف. وفي فوائد هذا المقطع كلام عن هذا الموضوع فإنه من المواضيع التي لثقافة العصر تأثير في تبيانها يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أي يلبسه مكانه فيصير أسود مظلما بعد ما كان أبيض منيرا، وقد رأينا في سورة الأعراف كيف دل مثل هذا التعبير على دوران الأرض إِنَّ فِي ذلِكَ أي في الأرض بما هي عليه والجبال ورسوها، والأنهار وجريانها، والثمرات والزوجية فيها، وغشيان الليل النهار لَآياتٍ أي لدلالات وعلامات على أن لها صانعا عليما حكيما قادرا لِقَوْمٍ

стр. 2593

يَتَفَكَّرُونَ أما الذين لا يتفكرون فإنهم عمي عن رؤية الآيات وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ أي أراض يجاور بعضها بعضا، ثم هي مع التجاور مختلفة، فهذه طيبة تنبت ما ينفع الناس، وهذه سبخة مالحة لا تنفع الناس، وهذه تربتها حمراء، وهذه بيضاء، وهذه صفراء، وهذه سوداء، وهذه محجرة، وهذه سهلة، وهذه مرملة، وهذه سميكة، وهذه رقيقة، بقاع مختلفة مع كونها متجاورة متلاحقة، ما بين كريمة إلى زهيدة، وما بين صلبة إلى رخوة، وذلك دليل على قادر مريد مدبر موقع لأفعاله على وجه دون وجه وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ أي وفي الأرض حدائق وبساتين من أعناب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ الصنوان: جمع صنو وهي الشجرة لها رأسان وأصلها واحد، فالصنوان: هو الأصول المجتمعة في منبت واحد، كالرمان والتين وبعض النخيل ونحو ذلك، وغير الصنوان ما كان على أصل واحد كسائر الأشجار، أي وفي الأرض أنواع الزروع، وأنواع النخيل ذات الساق الواحدة، أو السيقان المتعددة يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ أي في الثمر، فهذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها، وطعومها ورائحها وأوراقها؛ فهذا في غاية الحلاوة، وهذا في غاية الحموضة، وهذا في غاية المرارة، وهذا بين بين، وهذا اجتمع فيه هذا وهذا، وهذا أصفر، وهذا أبيض، وهذا أسود، وكذلك الزهورات مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء، ثم يكون هذا الاختلاف الكثير، الذي يكاد لا ينحصر ولا ينضبط إِنَّ فِي ذلِكَ أي في اختلاف الأراضي وجنات الأعناب والزروع والنخيل المتعدد الأصل وغير المتعدد، واختلاف الثمرات مع كون الماء الذي به نماء النبات واحدا لَآياتٍ لدلالات على الخالق المختار المريد العظيم لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أما الذين لا عقول لهم فإنهم لا يرون هذه الآيات رؤية عاقلة، تدلهم على الله، ثم إنه بعد أن أقام النص القرآني الحجة على وجود الله، وعلى قدرته، وعلى اليوم الآخر، فإنه بعد ذلك يعرض علينا بطريقة القرآن المعجزة ثلاثة مواقف للكافرين هي: إنكارهم لليوم الآخر، واستعجالهم العذاب، واقتراحهم الآيات، وهذه المواقف الثلاثة تعرض بعد أن تقدم الرد عليها فيما سبق من الآيات، فالله المدبر للأمر المفصل للآيات، الرافع للسماوات، المسيطر على العرش، المسخر للشمس والقمر، الجاعل الأرض على ما هي عليه، الخالق للجبال بما تؤدي به مهمتها، الخالق الأنهار، الخالق الثمار، الخالق الليل والنهار، الجاعل الأرض أنواعا، المخرج من الماء الواحد أنواع الثمار، هذا الإله لا يعجزه أن يعيد خلق الإنسان وأن يبعثه

стр. 2594

من جديد، ولا يعجزه أن يعاقب من كفر بأنواع العذاب الدنيوي، ثم إن آياته أكثر وأكبر وأبهر من أن يقترح عليه آيات أخرى تدل عليه، كيف ومن آياته ما رأيناه لمن تفكر وعقل، فإذا اتضح هذا فلنر كيف عرض القرآن هذه المواقف للكافرين في السياق الذي تبطل فيه هذه المواقف قبل عرضها الموقف الأول: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي فقولهم هذا حقيق بأن يتعجب منه؛ لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك كانت الإعادة أهون شئ عليه وأيسره، فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب، كيف وقد شاهدوا من آياته وآثار صفاته ما هو أعجب مما كذبوا به، وهكذا بين لنا القرآن أن البعث بديهية من البديهيات لمن عرف الله وعرف آياته، ثم بين أن هؤلاء الذين يستبعدون البعث ولا يؤمنون باليوم الآخر إنما هم كفار بالله أصلا، ومن ثم قال: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ إذ لو كانوا يؤمنون بالله ويعرفونه حق المعرفة لآمنوا بالبعث، دل ذلك على أن الإيمان بالله يستتبع- بالضرورة- الإيمان باليوم الآخر، فمن عرف قدرة الله لا يستكثر عليها أن تعيد الخلق، ومن عرف عدله عرف ضرورة وجود اليوم الآخر، ومن عرف حكمته عرف ضرورة وجود اليوم الآخر، ومن عرف عزته وانتقامه وكرمه ورحمته عرف ضرورة اليوم الآخر، وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ جزاء لهم على كفرهم بالله واليوم الآخر وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أي ماكثون فيها أبدا، لا يحولون عنها ولا يزولون، وقد دل تكرار (أولئك) على تعظيم الأمر. هذا هو الموقف الأول من مواقف الكافرين، وقد رأينا كيفية عرضه، وعرفنا أن العجب هو عدم الإيمان باليوم الآخر وليس الإيمان به، وأي عجب أعجب من أن يدعي الإنسان معرفة الله ثم لا يرتب على ذلك ما تقتضيه هذه المعرفة. الموقف الثاني: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ أي هؤلاء الكافرون المكذبون بِالسَّيِّئَةِ أي بالعقوبة قَبْلَ الْحَسَنَةِ أي قبل العافية، من شدة كفرهم وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهم لم يعتبروا بها؟ والمثلة: العقوبة، لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة، لقد أوقع الله نقمته بالأمم المكذبة الخالية، وجعلهم عبرة وعظة لمن اتعظ بهم، ومع ذلك فهؤلاء يستعجلون العذاب وما استعجالهم إلا لعدم إيمانهم ولكفرهم.

стр. 2595

وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ أي إنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس، مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار، وهذا سر عدم إيقاع ما رغبوا به من الاستعجال بالعقوبة وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ ومن ثم فإنه لا يفوته هارب ولا مسئ، فهو يمهل ولا يهمل. الموقف الثالث: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فهم لا يكتفون بالآيات المنزلة على رسول الله ﷺ عنادا مع كثرتها، وكفى بهذا القرآن معجزة تضمنت معجزات لا تنتهي، ومن ثم قيل لرسول الله ﷺ في مقابلة اقتراحاتهم المتعنتة إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ أي أنت رجل أرسلت منذرا مخوفا لهم من سوء العاقبة، وناصحا كغيرك من الرسل، وما عليك إلا الإتيان بما يصح به أنك رسول منذر، وصحة ذلك حاصلة بأي آية كانت، والآيات كلها سواء في حصول صحة الرسالة بها وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ أي من الأنبياء يهديهم إلى الدين ويدعوهم إلى الله بآية خص بها، لا بما يريدون، فلست بدعا من الرسل، إذن فكما أن كل أمة أرسل لها رسول فأنت رسول لهذه الأمة، ويحتمل أن يكون المراد بالهادي في الآية (الله فهو الذي يهدي من يستحق الهداية، وإنما مهمة الرسول ﷺ الإنذار، فهؤلاء الذين لم يؤمنوا ويقترحوا الآيات، عليك إنذارهم، والله هو الهادي من يستحق الهداية، وهؤلاء لا يستحقون الهداية، وهذا الاتجاه الثاني في التفسير هو الذي نرجحه لانسجامه مع محور المقطع في سورة البقرة كما سنرى. فوائد: ١ - في كتابنا عن الرسول ﷺ أثناء الكلام عن المعراج قلنا إن السماء في القرآن تطلق ويراد بها مطلق العلو، وتطلق ويراد بها الكون مما سوى الأرض، وتطلق ويراد بها السموات السبع التي سقفها عرش الرحمن، وفي سورة البقرة عند قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ... رجحنا أن المجرات والنجوم قد خلقت قبل الأرض، وأن الأرض قد خلقت قبل السموات السبع التي هي غيبية- على الأكثر- وفي سورة هود بينا أن أول مخلوق هو العرش ثم الماء، وهاهنا في سورة الرعد بمناسبة قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها نرجح أن المراد في السموات هنا ليست السموات السبع الغيبية التي نؤمن بها غيبا، ولكن المراد بها ما سوى الأرض بقرينة تَرَوْنَها فنحن لا

стр. 2596

نرى إلا هذه النجوم والمجرات والكواكب، وقد رجحنا من قبل أن هذه مخلوقة قبل الأرض والسموات السبع، وللموضوع تتمة ستأتي في مناسباتها. ٢ - في كتابنا عن الله : إن في ظاهرة الحكمة، أو في ظاهرة الإرادة، أو في ظاهرة العناية، فصلنا بما يخدم قوله تعالى: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وبما يرينا كيف أن مثل هذا التسخير المدهش لصالح الحياة على الأرض دليل على الخالق بما لا يقبل شكا ولا نقضا. فليراجع ٣ - قد يفهم كثير من الخاطئين قوله تعالى وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ فهما خاطئا، فيظن أن المراد بالمد هنا التسطيح الذي يقابل الكروية، والكروية ثابتة في القرآن في أكثر من آية- كما نرى في هذا التفسير- فاقتضى التنبيه. وقد رأينا كيف فسر ابن كثير المد في الآية، وفي كتابنا عن الله نقلنا ما يدل على أن الأرض لو كانت أصغر مما هي عليه لما أمكن في قوانين هذا الكون أن تنشأ عليها الحياة، فالله يشير إلى هذه النعمة التي هي مظهر علمه وحكمته وقدرته في هذا المقام؛ ليدلل بآثار صفاته على صفاته وأسمائه التي تدل على ذاته ﷻ ٤ - في عصرنا هذا أدرك الإنسان- أكثر من أي عصر مضى- معنى قوله تعالى: وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ إذ كتب الجغرافيا والجيولوجيا مليئة بالنص على أنه لولا الجبال لكانت القشرة الأرضية معرضة بشكل هائل للتشققات والزلازل والاضطرابات بما يستحيل معه نشوء الحياة وهو موضوع سيمر معنا في محله بشكل أكثر تفصيلا ٥ - بمناسبة قوله تعالى وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ قال صاحب الظلال: (والمشهد الأول يتضمن حقيقة لم تعرف للبشر من طريقة علمهم وبحثهم إلا قريبا، هي أن كل الأحياء- وأولها النبات- تتألف من ذكر وأنثى، حتى النباتات التي كان مظنونا أن ليس لها من جنسها ذكور، تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة في زهرة، أو متفرقة في العود وهي حقيقة تتضامن مع المشهد في إثارة الفكر إلى تدبر أسرار الخلق بعد تملي ظواهره.) ٦ - عند قوله تعالى وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ قال النسفي (وهي أرجى آية في كتاب الله حيث ذكر المغفرة مع الظلم وهو بدون التوبة، فإن التوبة تزيلها وترفعها) اهـ ولنلاحظ أنه اجتمع في الآية اقتران ذكره المغفرة بشدة العقاب لتربية الرجاء والخوف في القلب، فهما جناحا القلب في سيره إلى الله. روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ

стр. 2597

لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ الآية قال رسول الله ﷺ : «لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش، ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد» ٧ - عند قوله تعالى: وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ يذكر ابن كثير حديثا رواه الترمذي بإسناد حسن غريب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ قال: «الدقل والفارسي والحلو والحامض». ٨ - رجحنا أن السموات المذكورة في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أن المراد ما سوى الأرض، وليس المراد فيها السموات السبع، خصوصا لأننا لا نراها، وقد ذهب ابن كثير أن المراد بها السموات السبع وسننقل لك من قوله لنرى تصوره للسماوات السبع، ثم لنرى من خلال ذلك صحة ما ذهبنا إليه: قال: «فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض، وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها، وأرجائها، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء، وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام، وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام، ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت، وبينهما من بعد المسير خمسمائة عام، وسمكها خمسمائة عام، وهكذا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة كما قال تعال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ الآية (الطلاق: ١٢) وفي الحديث: «ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والكرسي في العرش المجيد. كتلك الحلقة في تلك الفلاة». وفي رواية: «والعرش لا يقدر قدره إلا الله اهـ. فإذا كانت السموات السبع كما ذكر والله قال تَرَوْنَها وهو يرجح أن ترونها عائدة إلى السموات فهو يقول: أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها، وهذا هو الأكمل في القدرة. ونحن لا نرى هذه السموات السبع التي ذكرها، وإنما نرى ما سوى الأرض من الأكوان المنظورة، فدل ذلك على أن ما ذهبنا إليه هو الأرجح، والذي نحب أن نلفت نظرك إليه هنا أنك ترى ابن كثير كغيره من المفسرين يرون أن ما بين الأرض والسماء الدنيا خمس مائة سنة، وهكذا النسبة بين كل سماء، وهذا يرجح ما ذهبنا إليه أن المراد بالسماوات السبع المذكورة، والتي يتحدث عنها القرآن والسنة، ويتكلم عنها المفسرون، أنها سماوات غيبية مغيبة عنا، إذ لو لم تكن كذلك وكانت النجوم والمجرات داخل السماء الدنيا- كما يذهب بعضهم- لكان البعد بين الأرض والسماء أكثر من خمسمائة سنة، مهما كان نوع السنة التي يقاس بها هذا البعد، وهو

стр. 2598

موضوع سنرى حيثياته فيما يأتي من هذا التفسير. ٩ - فهم الحسن البصري من قوله: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ .... الآية: أن الآية تلفت النظر إلى معنى آخر غير المعنى الحرفي، واعتبر أن في الآية مثلا بدليل ختمها بقوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فقد مثل اختلاف القلوب فى آثارها وأنوارها وأسرارها باختلاف قطع الأرض في أنهارها وأزهارها وثمارها كلمة في السياق: نلاحظ أن هذا المقطع عرفنا على الله بلفت نظرنا إلى أفعاله- ومظاهر قدرته، ثم عدد لنا مواقف للكافرين تتنافى مع معرفة الله ، وختم المقطع بقوله تعالى وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فإذا تذكرنا قوله تعالى من سورة البقرة إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ... وتذكرنا أن هذا النص تأسيس لموضوع الآية اللاحقة من سورة البقرة الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ... ثم تأملنا معاني سورة الرعد، فإننا نجد أن المقطع الأول من سورة الرعد تأسيس لمعاني المقطعين اللاحقين بما يفصل آيتي سورة البقرة، إذ سورة الرعد كلها تعريف على الله وأفعاله، وعرض لأقوال الكافرين ومواقفهم، ورد عليها، وتبيان لقضية الضلال والهداية، ومن يستحق الهداية، ومن يستحق الضلال، وإقامة حجة على مسارب الضالين. والمقطع الأول من سورة الرعد يضع أساسا في إقامة الحجة على منكري، البعث وعلى المستعجلين بالعذاب، وعلى مقترحي الآيات، فليس لهؤلاء حجة، بل الحجة قائمة عليهم، فالمقطع الأول في سورة الرعد يفصل معاني في الآية الأولى من الآيتين اللتين تشكلان محور سورة الرعد من سورة البقرة، لكنه تفصيل على طريقة القرآن المعجزة في التفصيل، ولنر المقطع الثاني في سورة الرعد، وسنجد فيه تفصيلا واضحا لمحور السورة من سورة البقرة: ***

стр. 2599

المقطع الثاني من سورة الرعد ويمتد من الآية (٨) إلى نهاية الآية (٢٥) وهذا هو: [سورة الرعد (١٣): الآيات ٨ الى ٢٥] اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)

стр. 2600

التفسير: كما بدأ المقطع الأول بالتعريف على الله، ثم بنى على هذه المعرفة، كما هو الحال في الآيتين اللتين هما محور هذه السورة من سورة البقرة، وبما فصل بعضا من معاني الآيتين فكذلك هذا المقطع: فتأمله: اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى يخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفي عليه شئ، وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات، سواء كانت تحمل ذكرا أو أنثى، تماما أو خداجا، حسنا أو قبيحا، طويلا أو قصيرا إلى غير ذلك وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ أي وما تغيضه الأرحام أي وما تنقصه وَما تَزْدادُ أي وزيادتها ويحتمل الغيض والزيادة بعدد الولد، فإنها تشتمل على واحد واثنين وثلاثة وأربعة، وأحيانا يكون سقطا. ويحتمل أن يكون الغيض والزيادة بجسد الولد، فإنه يكون تاما ومخدجا، ويحتمل أن يكون الغيض والزيادة بمدة الولادة، فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند الحنفية وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ويحتمل أن يكون المعنى ويعلم غيض الأرحام وازديادها بمعنى قلتها وكثرتها وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ أي بقدر وحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، ومن كان هذا شأنه فإنه يعلم الحق ويهدي إليه عالِمُ الْغَيْبِ أي ما غاب عن الخلق وَالشَّهادَةِ أي ما يشاهده الخلق أي يعلم كل شئ مما يشاهده العباد، ومما يغيب عنهم، ولا يخفي عليه منه شئ الْكَبِيرُ العظيم الشأن الذي كل شئ دونه، فهو أكبر من كل شئ الْمُتَعالِ على كل شئ سَواءٌ أي في علمه مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ أي سواء في علمه من أسر قوله أو جهر به، فإنه يسمعه ويعلمه لا يخفى عليه شئ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ أي متوار مختف في مقر بيته في ظلام الليل وَسارِبٌ بِالنَّهارِ أي ذاهب في سربه نهارا، أو ذاهب في طريقه ووجهه نهارا، فكلاهما في علم الله سواء، المختفي في ظلام الليل والظاهر الماشي في بياض النهار وضيائه لَهُ أي لمن أسر ومن جهر، ومن استخفى ومن سرب مُعَقِّباتٌ أي جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه. مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أي قدامة ووراءه يَحْفَظُونَهُ فمهمتهم إذن الحفظ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي من أجل أن الله تعالى أمرهم بحفظه، والتقدير على هذا: له

стр. 2601

أمر الله يحفظونه، أي له معقبات من نظام هذا العالم- الذي هو بأمره- يحفظونه، فللإنسان معقبات يحفظونه بأمر الله، قال أبو أمامة: ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ من العافية والنعمة حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ من الحال الجميلة بكثرة المعاصي، فحفظ الملائكة نعمة يغيرها الله إذا تغيرت الأنفس نحو الشر وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً أي عذابا فَلا مَرَدَّ لَهُ أي لا يدفعه شئ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ أي من دون الله مِنْ والٍ أي من يلي أمرهم ويدفع عنهم، وإذا كان هذا شأن الله فإنه يعلم الحق ويهدي إليه ويطالب به هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ قال ابن كثير: البرق وهو ما يرى من النور اللامع ساطعا من خلل السحاب خَوْفاً وَطَمَعاً أي خائفين من وقوع الصواعق عند لمع البرق، وطامعين في الغيث. وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ بالماء أي ويخلقها منشأة جديدة وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ كما يسبح له كل شئ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ أي ويسبح الملائكة من هيبته وإجلاله وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ الصاعقة معروفة فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ أي يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء، كما قال ابن كثير، وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ أي يشكون في عظمته وأنه لا إله هو وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ أي شديد الأخذ أو شديد القوة، والمماحلة في الأصل: شدة المماكرة والمكايدة، ومنه تمحل لكذا إذا تكلف لاستعمال الحيلة واجتهد فيه، وإذن فالمعنى الحرفي: أنه شديد المكر والكيد لأعدائه، يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون في مقابلة مكرهم وكيدهم لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ الحق ضد الباطل والمعنى: أن الله سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة، ويعطي الداعي سؤاله، بخلاف ما لا ينفع ولا يجدي دعاؤه، ويحتمل أن يكون المراد بدعوة الحق دعوة التوحيد، فدعوة التوحيد دعوته وحده وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ أي والآلهة الذين يدعونهم الكفار من دون الله، أو ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ من طلباتهم إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ أي فمه وَما هُوَ بِبالِغِهِ أي وما الماء ببالغ فاه والتقدير: والذين يدعون من دونه لا يستجيبون إلا كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه، أي كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه من جماد لا يحس بدعائهم، ولا يستطيع إجابتهم، ولا يقدر على نفعهم قال مجاهد: (كباسط كفيه: يدعو الماء بلسانه ويشير إليه فلا يأتيه أبدا). تصور الآن

стр. 2602

رجلا فوق بئر عميق يمد يده إلى الماء من بعيد فهل يستجيب له الماء ليشرب؟! فكذلك دعاء هؤلاء لآلهتهم، أو فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلها آخر، لا ينتفعون بهم أبدا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا ختم الآية بقوله: وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ أي في ضياع لا منفعة فيه، لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم، وإن دعوا غيره لم يستطع الاستجابة، ثم أخبر تعالى عن سلطانه الذي قهر كل شئ ودان له كل شئ، ولهذا يسجد له كل شئ. فقال: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ سجود تعبد وانقياد طَوْعاً أي طائعين كسجود الملائكة والمؤمنين وَكَرْهاً أي وكارهين كما يفعل المنافقون والكافرون في حال الشدة والضيق، أو بخضوعهم لقهر الله وسننه وَظِلالُهُمْ أي تسجد معهم لله بِالْغُدُوِّ أي بالبكر وَالْآصالِ جمع أصيل: وهو آخر النهار، فظلالهم خاضعة لسنن الله، وفي ذلك سجودها، فمن كان هذا شأنه في خلق البرق والرعد، وإنشاء السحاب وإرسال الصواعق، وشدة المحال، واستجابة الدعاء، وخضوع كل شئ له، فإنه يعلم الحق ويهدي إليه، ويطالب به، وهو حري أن يعبد ويطاع، ويتبع شرعه ورسله، ثم قرر الله تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء، يعبدونهم، وأولئك الآلهة لا تملك لنفسها ولا لعابديها- بطريق الأولى- نفعا ولا ضرا، فهي لا تحصل لهم منفعة، ولا تدفع عنهم مضرة، فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله، ومن عبد الله وحده لا شريك له!، فهذا على نور من ربه ومن ثم قال: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ هذا هو الجواب الوحيد على السؤال، إذ من الواضح أن السموات والأرض مربوبة مقهورة مسيرة مسخرة، فمن ربها ومسيرها وقاهرها ومسخرها، إنه ليس إلا جواب واحد هو: أن فاعل ذلك هو الله، ولأنه لا جواب إلا هذا الجواب، أجاب به، وأقام الحجة عليهم به، لأنه من الواضح والظاهر أنه ما من شئ مما يعبدون يمكن أن يكون ربا للسماوات والأرض قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم من دونه آلهة لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا أي لا يستطيعون أن ينفعوا أنفسهم أو يدفعوا ضررا عنها، فكيف يستطيعونه لغيرهم! فكيف آثرتموهم على الخالق الرازق المثيب المعاقب؟ فما أبين ضلالتكم قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي الكافر والمؤمن؟ أو من لا يبصر شيئا ومن لا يخفى عليه شئ؟ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أي ملل الكفر بأنواعه واتجاهاته،

стр. 2603

ودين الله، وشرعه وهدايته؟ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ أي أجعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في القدرة على الخلق، بسبب من اشتباه مخلوق الله بمخلوق الشركاء حتى يقولوا: قدر هؤلاء على الخلق، كما قدر الله عليه، فاستحقوا العبادة، فنتخذهم له شركاء، ونعبدهم كما يعبد؟ فإذ لم يكن الأمر كذلك- من أنه ليس لله شركاء خلقوا مثل خلق الله- فقد قامت عليهم الحجة إذ اتّخذوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلا أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق، فالاستفهام إنكاري قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فلا خالق غيره، ولا يستقيم في منطق الحق أن يكون له شريك في العبادة، وليس له شريك في الخلق، وهذا من أعظم الأدلة لأهل السنة والجماعة على أن الله خالق أفعال العباد، لا كما يقول المعتزلة، فمن قال إن الله لم يخلق أفعال الخلق وهم خلقوها فإنه يلزم على قوله أن يتشابه الخلق على المخلوقين وَهُوَ الْواحِدُ أي المتوحد بالربوبية الْقَهَّارُ أي الذي يغلب ولا يغالب، والذي ما عداه مربوب ومقهور، ومن كان هذا شأنه فهو الحري وحده بالطاعة والعبادة، فهو وحده يعلم الحق ويقرره ويبينه ويطالب به، ويلزم به، ويعاقب عليه. وهذا كله مقتضى ربوبيته ووحدانيته وقهره، ومن ثم قال تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً قال النسفي في معناها: أنزل من السحاب مطرا فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها أي كل واد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرا من الماء، وهذا صغير وسع بقدره، والأودية جمع واد: وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة، وفي تنكير الأودية نكتة: وذلك أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض. قال ابن كثير عن هذا المثل: وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علما كثيرا، ومنها من لا يسع الكثير من العلوم بل يضيق عنها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً أي فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه، والزبد: هو ما على وجه الماء من الرغوة، والرابي: هو المنتفخ المرتفع على وجه السيل، هذا هو المثل الأول في هذه الآية، إذ اشتملت هذه الآية على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، والمثل الثاني قوله تعالى وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ هذا هو المثل الثاني وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية، أي ليجعل حلية، أو ابتغاء متاع من الحديد والنحاس والرصاص يتخذ منها الأواني وما يتمتع به في الحضر والسفر، فإنه يعلوه زبد منه كما يعلو ذلك زبد منه، والحلية: هي الزينة من ذهب أو

стр. 2604

فضة ... والمعنى: أن لهذه الفلذات عند غليانها زبدا مثل زبد الماء كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ أي كذلك يضرب الله مثل الحق والباطل فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً أي متلاشيا أي لا ينتفع به، بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي ويعلق بالشجر وتنسفه الرياح، وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس، يذهب ولا يرجع منه شئ وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ من الماء والحلي والأواني فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أي فيثبت كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ أي ليظهر الحق من الباطل، قال ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها الآية. هذا مثل ضربه الله احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله وهو قوله فَأَمَّا الزَّبَدُ وهو الشك فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ وهو اليقين، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك. قال النسفي: (قال الجمهور: وهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن والقلوب، والحق والباطل، فالماء القرآن نزل لحياة الجنان كالماء للأبدان، والأودية للقلوب، ومعنى بقدرها بقدر سعة القلب وضيقه، والزبد هواجس النفس ووساوس الشيطان، والماء الصافي المنتفع به مثل الحق، فكما يذهب الزبد باطلا ويبقى صفو الماء، كذلك تذهب هواجس النفس ويبقى الحق كما هو، وأما حلية الذهب والفضة فمثل للأحوال السنية والأخلاق الزكية، وأما متاع الحديد والنحاس والرصاص فمثل للأعمال الممدة بالإخلاص المعدة للخلاص، فإن الأعمال جالبة للثواب دافعة للعقاب، كما أن تلك الجواهر بعضها أداة النفع للكسب، وبعضها آلة الدفع في الحرب، وأما الزبد فالرياء والخلل والملل والكسل). كلمة في السياق: لقد قلنا: إن محور سورة الرعد هو آيتا سورة البقرة: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ بدأت هاتان الآيتان بالحديث عن الله وضربه الأمثال، وموقف الناس من المثل، وانقسامهم بذلك إلى قسمين: مهتدين،

стр. 2605

وضالين، وأن الذين استحقوا الضلال هم الموصوفون بالصفات المذكورة، وهاهنا في سورة الرعد بدأ المقطع الثاني بالحديث عن الله، وعلمه المحيط، وعظمته وعنايته بالإنسان، وقانونه العادل في خلقه. ثم تحدث عن مظاهر من قدرته وعظمته وانتقامه، ثم ضرب مثلا لمن يعبده ويعبد غيره، ثم قرر خضوع الخلق كلهم له، ثم قرر ربوبيته ووحدانيته وقهره، ثم ضرب مثلا للحق الذي أنزله ووقعه في القلوب، وحال القلوب معه، واستحقاق هذا الحق للبقاء والمكث في الأرض، ليوصلنا بذلك كله إلى ما أعد للمسلمين له، وما أعد للرافضين هداه، ثم ليقارن بين الذين علموا الحق والذين لا يعلمونه، وبين صفات الذين علموا الحق واستجابوا له، وصفات الذين رفضوا الحق ولم يستجيبوا له، وهي نفس الصفات المذكورة في سورة البقرة الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ... فالمقطع إذن تفصيل لآيتي سورة البقرة اللتين هما محور هذه السورة، إن معرفة الله توصل إلى أنه هو وحده الذي يعلم الحق، وهو الذي ينزله ويبينه. ولكن الناس يختلفون في موقفهم منه، فيقبله بعضهم ويرفضه آخرون، والبقاء الحقيقي للحق وحده، والثواب الحقيقي والجزاء الصارم إنما يكونان يوم القيامة، والذين يستجيبون للحق لهم مواصفاتهم، والذين لا يستجيبون لهم مواصفاتهم. فلنر كيف عرضت المعاني فيما تبقى من المقطع: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى أي: الجنة ورضوان الله تعالى للذين أطاعوا الله ورسوله، وانقادوا لأوامره وصدقوا وحيه وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ برفضهم هديه لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أي لو ملكوا أموال الدنيا وملكوا معها مثلها لبذلوه ليدفعوا عن أنفسهم عذاب الله، وأنى لهم ذلك، ومع بعد ذلك عنهم فإن الله لا يتقبل منهم أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ أي في الدار الآخرة، أي يناقشون على النقير والقطمير والجليل والحقير، ومن نوقش الحساب عذب وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي ومرجعهم بعد المحاسبة النار وَبِئْسَ الْمِهادُ أي وبئس المكان الممهد جهنم، ثم قارن الله بين الفريقين فقال: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى أي لا يستوي من يعلم من الناس أن الذي أنزل إليك يا محمد من ربك هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية ولا لبس فيه ولا اختلاف فيه، بل هو كله حق يصدق بعضه بعضا، لا يضاد شئ منه شيئا آخر، فأخباره كلها حق، وأوامره ونواهيه عدل، لا يستوي من كان كذلك ومن هو أعمى لا يهتدي إلى خير ولا يفهمه، ولو فهمه ما انقاد له ولا صدقه

стр. 2606

ولا اتبعه، أفهذا كهذا؟ لا استواء. فالاستفهام في الآية إنكاري، أي إنه لمستنكر بعد كل هذا وبعد ما ضرب الله من المثل وما جاء به من الهدى أن تقع شبهة لا يعرف فيها الحق، إنه ليس إلا العمى وحده هو السبب في عدم رؤية الحق، ثم ختم الله الآية بقوله: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ أي إنما يتعظ ويعتبر ويعقل أولو العقول السليمة الصحيحة الذي يعملون على قضايا عقولهم فينظرون ويستبصرون، فمن لا عقل له لا يتذكر، ومن لم يتذكر فهو أعمى، وقد دل ذلك على أن العقول السليمة مركوز فيها الحق، فإذا نزل عليها الوحي تذكرت، أما القلوب التي لا تتذكر فإنها وصلت إلى العمى الكامل، ولذلك كله علاماته، ومن ثم فإن الله ذكر بعد هذه الآية خصائص الفريقين، مقدما صفات أهل الحق، فمن وجد من نفسه صفات أهل الحق فإنه من المهتدين، ومن وجد من نفسه صفات أهل الباطل فإنه من الظالمين. أول هذه الصفات: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ وعهد الله ما أوثقوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته، فهم يفون لله بعهده أنه الرب وهم عبيد، ثم هم لا ينقضون ما أوثقوه على أنفسهم من المواثيق بينهم وبين الله، أو بينهم وبين العباد. خصص الوفاء بعهد الله ثم عمم ليدخل فيه كل عهد واجب الوفاء شرعا. وثاني هذه الصفات: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ويدخل في ذلك صلة الأرحام والإحسان إليهم، وإلى الفقراء والمحاويج وبذل المعروف. قال النسفي: (ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله ﷺ ، وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان .. إنما المؤمنون إخوة، بالإحسان إليهم على حسب الطاقة، ونصرتهم والذب عنهم، والشفقة عليهم، وإفشاء السلام عليهم، وعيادة مرضاهم، ومنه مراعاة حق الأصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر) الصفة الثالثة: وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ لمعرفتهم به وبجلاله. الصفة الرابعة: وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ في الدار الآخرة فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، ويراقبون الله فيما يأتون ويذرون من الأعمال، فيكون أمرهم على السداد والاستقامة، في جميع حركاتهم وسكناتهم وجميع أحوالهم. الصفة الخامسة: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ صبروا عن المحارم والمآثم، وصبروا على المصائب في النفوس والأموال ومشاق التكاليف لله وحده، لا ليقال ما أصبره وأحمله للنوازل، وأوقره عند الزلازل، ولا لئلا يعاب في الجزع، قال صاحب الظلال: (والصبر ألوان. وللصبر مقتضيات. صبر على تكاليف الميثاق من عمل وجهاد ودعوة واجتهاد ..... الخ، وصبر على النعماء والبأساء. وقل من يصبر على النعمة فلا يبطر ولا يكفر. وصبر على

стр. 2607

حماقات الناس وجهالاتهم وهي تضيق الصدور .. وصبر وصبر وصبر .. كله ابتغاء وجه ربهم لا تحرجا من أن يقول الناس: جزعوا، ولا تجملا ليقول الناس: صبروا. ولا رجاء في نفع من وراء الصبر. ولا دفعا لضر يأتي به الجزع. ولا لهدف واحد غير ابتغاء وجه الله والصبر على نعمته وبلواه. صبر التسليم لقضائه والاستسلام لمشيئته والرضى والاقتناع .. ) الصفة السادسة: وَأَقامُوا الصَّلاةَ أي داوموا على إقامتها بحدودها ومواقيتها وركوعها وسجودها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي. الصفة السابعة: وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ أي على الذين يجب عليهم الإنفاق لهم من زوجات وقرابات وأجانب، من فقراء ومحاويج ومساكين سِرًّا وَعَلانِيَةً أي في السر والجهر لم يمنعهم من ذلك حال من الأحوال آناء الليل وأطراف النهار. وصدقة السر في النفل أفضل، وصدقة الجهر في الفرض أفضل نفيا للتهمة. الصفة الثامنة: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أي يدفعون القبيح بالحسن، فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبرا واحتمالا وصفحا وعفوا، يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيئ غيرهم، وإذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا، وإذا أذنبوا تابوا، وإذا هربوا أنابوا، وإذا رأوا منكرا أمروا بتغييره، قال صاحب الظلال: (والمقصود أنهم يقابلون السيئة بالحسنة في المعاملات اليومية لا في دين الله، ولكن التعبير يتجاوز المقدمة إلى النتيجة. فمقابلة السيئة بالحسنة تكسر شرة النفوس، وتوجهها إلى الخير وتطفئ جذوة الشر وترد نزغ الشيطان، ومن ثم تدرأ السيئة وتدفعها في النهاية. فعجل النص بهذه النهاية وصدر بها الآية ترغيبا في مقابلة السيئة بالحسنة وطلبا لنتيجتها المرتقبة .. ثم هي إشارة خفية إلى مقابلة السيئة بالحسنة عند ما يكون في هذا درء السيئة ودفعها لا إطماعها واستعلاؤها فأما. حين تحتاج السيئة إلى القمع ويحتاج الشر إلى الدفع فلا مكان لمقابلتها بالحسنة لئلا ينتفش الشر ويتجرأ ويستعلي، ودرء السيئة بالحسنة يكون غالبا في المعاملة الشخصية بين المتماثلين فأما في دين الله فلا .. إن المستعلي الغاشم لا يجدي معه إلا الدفع الصارم، والمفسدين في الأرض لا يجدي معهم إلا الأخذ الحاسم، والتوجيهات القرآنية متروكة لتدبر المواقف واستثارة الألباب والتصرف بما يرجح أنه الخير والصواب) وبعد فهذه مجموعة صفات ذكرها الله ، فمن استجمع هذا الصفات والخصائص فهو الجدير بالحق، البصير به، المهتدي بهداية الله، المستحق لما أعده الله لأهل الحق أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ أي عاقبة الدنيا وهي الجنة؛ لأنها التي أرادها الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها جَنَّاتُ عَدْنٍ أي جنات إقامة يخلدون فيها يَدْخُلُونَها

стр. 2608

وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ قال ابن كثير: (أي يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها، من الآباء والأهلين والأبناء ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين لتقر أعينهم بهم، حتى أنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى امتنانا من الله وإحسانا من غير تنقيص للأعلى عن درجته .. ) قال النسفي: (ووصفهم بالصلاح ليعلم أن الأنساب لا تنفع بنفسها. والمراد (أي بقوله: من آبائهم) أبوا كل واحد منهم، فكأنه قيل من آبائهم وأمهاتهم) وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ بالهدايا وبشارات الرضا مِنْ كُلِّ بابٍ قائلين سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ أي هذا الثواب بسبب صبركم عن الشهوات وعلى أمر الله. دل ذلك على أن الصبر هو الخلق الجامع فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ أي الجنة. قال ابن كثير في تفسير الآية: (أي وتدخل عليهم الملائكة من هاهنا ومن هاهنا للتهنئة بدخول الجنة، فعند دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مسلمين مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام والإقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام) وبهذا تم وصف أهل الحق وخصائصهم ومواصفاتهم: الذين يتذكرون، والذين يهتدون ويقبلون هدى الله، والذين لهم العاقبة في الدنيا والآخرة، وتأتي الآية الأخيرة في المقطع لتحدد صفات الأشقياء العمي الذين لا يعرفون الحق ولا يهتدون إليه؛ بسبب من أعمالهم التي هي على النقيض من أعمال أولئك وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ أي من بعد ما أوثقوه به من الاعتراف والقبول وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ من رحم وإيمان وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالكفر والظلم، وتطبيق شرائع الجاهلية والصد عن سبيل الله أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وهي الإبعاد من الرحمة وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ أي سوء عاقبة الدنيا إن أريد بالدار الدنيا، ويحتمل أن يراد جهنم وبسوئها عذابها. فائدة: بمناسبة قوله تعالى أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ قال صاحب الظلال: (إن هنالك علاقة وثيقة بين الفساد الذي يصيب حياة البشر في هذه الأرض وبين ذلك العمى عن الحق الذي جاء من عند الله لهداية البشر إلى الحق والصلاح والخير، فالذين لا يستجيبون لعهد الله على الفطرة، ولا يستجيبون للحق الذي جاء من عنده ويعلمون أنه وحده الحق .. هم الذين يفسدون في الأرض؛ كما أن الذين يعلمون أنه الحق ويستجيبون له هم الذين يصلحون في الأرض وتزكو بهم الحياة: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما

стр. 2609

يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ* الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ* وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ* وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ إن حياة الناس لا تصلح إلا بأن يتولى قيادتها المبصرون أولو الألباب الذين يعلمون أن ما أنزل إلى محمد- ﷺ هو الحق. ومن ثم يوفون بعهد الله على الفطرة وبعهد الله على آدم وذريته، أن يعبدوه وحده فيدينوا له وحده، ولا يتلقوا عن غيره، ولا يتبعوا إلا أمره ونهيه. ومن ثم يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويخشون ربهم فيخافون أن يقع منهم ما نهى عنه وما يغضبه، ويخافون سوء الحساب، فيجعلون الآخرة في حسابهم في كل خالجة وكل حركة، ويصبرون على الاستقامة على عهد الله ذاك بكل تكاليف الاستقامة، ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله سرا وعلانية، ويدفعون السوء والفساد في الأرض بالصلاح والإحسان. إن حياة الناس في الأرض لا تصلح إلا بمثل هذه القيادة المبصرة التي تسير على هدى الله وحده والتي تصوغ الحياة كلها وفق منهجه وهديه .. إنها لا تصلح بالقيادات الضالة العمياء التي لا تعلم ما أنزل على محمد ﷺ هو الحق وحده والتي تتبع- من ثم- مناهج أخرى غير المنهج الذي ارتضاه للصالحين من عباده .. إنها لا تصلح بالإقطاع والرأسمالية كما أنها لا تصلح بالشيوعية والاشتراكية العلمية أنها كلها من مناهج العمي الذين لا يعلمون أن ما أنزل على محمد- ﷺ هو وحده الحق الذي لا يجوز العدول عنه ولا التعديل فيه .. إنها لا تصلح بالثيوقراطية كما أنها لا تصلح بالديكتاتورية أو الديموقراطية فكلها سواء في كونها من مناهج العمي الذين يقيمون من أنفسهم أربابا من دون الله، تصنع هي مناهج الحكم ومناهج الحياة وتشرع للناس ما لم يأذن به الله، وتعبدهم لما تشرع فتجعل دينونتهم لغير الله .. وآية هذا الذي نقوله استمدادا من النص القرآني- هو هذا الفساد الطامي الذي يعم وجه الأرض اليوم في جاهلية القرن العشرين وهو هذه الشقوة النكدة التي تعانيها البشرية في مشارق الأرض ومغاربها .. سواء في ذلك أوضاع الإقطاع والرأسمالية، وأوضاع الشيوعية والاشتراكية العلمية .. وسواء في ذلك الأشكال الديكتاتورية في الحكم أو الديموقراطية إنها كلها سواء فيما تلقاه البشرية من خلالها من فساد وتحلل، ومن شقاء ومن قلق، لأنها كلها سواء من صنع العمي الذين لا يعلمون أن ما أنزل على محمد ﷺ من ربه هو الحق وحده ولا تلتزم- من ثم- بعهد الله وشرعه، ولا تستقيم في حياتها على منهجه وهديه.

стр. 2610

إن المسلم يرفض- بحكم إيمانه بالله وعلمه بأن ما أنزل على محمد ﷺ هو الحق- كل منهج للحياة غير منهج الله وكل مذهب اجتماعي، أو اقتصادي، وكل وضع كذلك سياسي غير المنهج الوحيد، والمذهب الوحيد، والشرع الوحيد، الذي سنه الله وارتضاه للصالحين من عباده ومجرد الاعتراف بشرعية منهج أو وضع أو حكم من صنع غير الله هو بذاته خروج من دائرة الإسلام لله، فالإسلام لله هو توحيد الدينونة له دون سواه إن هذا الاعتراف- فوق أنه بالضرورة مفهوم الإسلام الأساسي- فهو في الوقت ذاته لا يسلم الخلافة في هذه الأرض للعمي الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض .. فهذا الفساد في الأرض مرتبط كل الارتباط بقيادة العمي! .. ولقد شقيت البشرية في تاريخها كله وهي تتخبط بين شتى المناهج وشتى الأوضاع وشتى الشرائع بقيادة أولئك العمي، يلبسون أردية الفلاسفة والمفكرين والمشرعين والسياسيين على مدار القرون فلم تسعد قط ولم ترتفع «إنسانيتها» قط، ولم تكن في مستوى الخلافة عن الله في الأرض قط إلا في ظلال المنهج الرباني في الفترات التي فاءت فيها إلى ذلك المنهج القويم.) كلمة في السياق: وهكذا فصل هذا المقطع نوع تفصيل بعض الإجمال الموجود في الآيتين اللتين هما محور هذه السورة من سورة البقرة. لماذا يهتدي المهتدون؟ لماذا يضل الضالون؟ كيف يستقبل القلب الضال هدى الله؟ كيف يستقبل القلب المهتدي هدى الله؟ ماذا يترتب على الإيمان بالله ومعرفته؟ كل ذلك نجد جوابه في هذا المقطع. ولنعقد مقارنة بين الآيتين اللتين هما محور سورة الرعد من سورة البقرة وبين هذا المقطع. ولنعقد مقارنة بين الآيتين اللتين هما محور سورة الرعد من سورة البقرة وبين هذا المقطع: في آيتي سورة البقرة نجد قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها وفي هذا المقطع من سورة الرعد نجد: اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى .... إلى قوله تعالى كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ونجد في هذه الفقرة أكثر من مثل إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ ..... أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها وعند ما نتأمل آية سورة البقرة وهذه الفقرة من المقطع نجد فيهما ما يزيدنا معرفة بالله وما ينبغي أن يبتنى على هذه المعرفة، وفي آيتي سورة البقرة نجد: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ

стр. 2611

الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا وفي هذا المقطع من سورة الرعد نجد: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ثم في آيتي سورة البقرة نجد: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. وفى هذا المقطع من سورة الرعد نجد: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ....... إلى قوله تعالى وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ وهكذا نجد كيف أن هذا المقطع كان نوع تفصيل لآيتي سورة البقرة، وهو وإن لم يكن تفصيلا على الطريقة المعهودة للبشر لكنه تفصيل يفوق كل تفصيل، وإذا كان محور السورة قد فصل في صفات من يستحق الضلال، فإن المقطع هاهنا قد فصل في صفات من يستحق الهداية ومن يستحق الضلال، هذا مع إقامة الحجة على الضالين، ولقد عمق المقطع عندنا معاني هي: أن الله المحيط علما بكل شئ ينزل وحيا ويضرب مثلا، وأن على خلقه أن يستجيبوا، كما عرفنا أن معرفة الله تقتضي تنزيها وخشية واستجابة له، وعرفنا أن سبب الضلال والهداية يعود إلى استعدادات القلوب وصفات الإنسان، وعرفنا أن لأهل الحق العاقبة في الدنيا والآخرة، وأن الحق وحده هو الذي يبقى، كما عرفنا أن الباطل يتعدد ويتجدد كما يتعدد الزبد ويتجدد ولكن عينه لا تبقى، وأما الحق فإن عينه باقية، وفي ذلك بشارة لمن يعلمون أن ما أنزل على محمد ﷺ من ربه هو الحق، وهي معان تطويها كلها آيتا البقرة، وسورة الرعد تفصلها هذا التفصيل الرائع، بمقاطعها الثلاثة وقد رأينا كيف فصل المقطع الأول بعض ما في الآيتين نوع تفصيل، وكذلك المقطع الثاني، وسنرى بعد ذكر فوائد هذا المقطع كيف يفصل المقطع الأخير بعض ما انطوى في آيتي سورة البقرة نوع تفصيل. الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ نذكر الأحاديث والآثار التالية: أ- في الصحيح عن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم- وهو أعلم بكم- كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون».

стр. 2612

ب- وروى الإمام أحمد ومسلم عن رسول الله ﷺ قال: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة» قالوا وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي ولكن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بخير». ج- قال ابن كثير: وقال أبو مجلز: جاء رجل من مراد إلى علي ﵁ وهو يصلي فقال: احترس فإن ناسا من مراد يريدون قتلك فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، ألا إن الأجل جنة حصينة. ٢ - وفي قوله تعالى: مِنْ أَمْرِ اللَّهِ كلام كثير للمفسرين، والذي نذهب إليه أن المعنى: أن تسخير ملائكة لحفظ الإنسان جزء من النظام الكلي المحكوم بالقدر، جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقي بها هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: «هي من قدر الله» فالكون في شقيه الغيبي والمشاهد قد جعل الله له نظاما بأمره، هذا النظام يربط به الحسي بالغيبي، والغيبي بالغيبي، والحسي بالحسي بما لا يعلمه إلا الله ، وكجزء من هذا النظام تسخير الله ملائكة لحفظ الإنسان، لا من قدر قدره الله عليه، ومن ثم تجد حالات عجيبة تجري في هذا الكون يحس بها الإنسان أن مجريات الأمور كانت تقتضي شيئا لكنه لم يقع كما تقتضيه هذه المجريات ٣ - في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ بيان لسنة من سنن الله إدراكها مهم لكل إنسان، وخاصة لمن يشتغلون في التربية والتوجيه والسياسة والاجتماع، ومن ثم جعلتها جمعية العلماء في الجزائر في زمن عبد الحميد بن باديس شعار العمل لها، ولقد ألفت المؤلفات الكثيرة في مضمونها، فبدون تغيير للنفس لا يطمع الإنسان بأحسن، وبدون تغيير لأنفس الأمة لا تطمع الأمة بأحسن، كما أن التغير نحو الأسوأ لا بد أن يرافقه تغيير في الحال، إلا إذا شاء الله أن يعفو، فالأنفس التي ألفت الذلة وعانتها إذا لم ترب على الجهاد لا تطمع بتغيير الحال، والأنفس التي ألفت الفوضى إذا لم ترب على النظام لا تطمع بتغيير الحال، والأمة التي ألفت السيادة إذا لم تحتفظ بالحالة النفسية لها عند ما حصلت السيادة لن تدوم لها، ومن ألف التوفيق مع الله وهو طائع إذا واقع المعصية ولم يقلع عنها فلا يطمع باستمرار التوفيق. نقل ابن كثير عن ابن أبي حاتم بسنده إلى جهم عن إبراهيم: قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله إلا حول الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون، ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ.

стр. 2613

٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ نقول: في هذا المقام يذكر المفسرون اتجاها في التفسير، هذا الاتجاه يذكر أن الرعد ملك، وأن البرق سوطه الذي يسوق به السحاب، والذي نقوله في تفسير هذا الموضوع إذا صحت الروايات فيه هو: إن بعض الأسباب الحسية ربطها الله بأسباب غيبية، كالموت سببه الحسي المرض، وسببه الغيبي سحب الروح من قبل الملك، والجميع بأمر الله وقدرته، فعند ما يثبت بالدليل الشرعي أن سببا حسيا مرتبط بسبب غيبي فقد وجب الإيمان في هذه الحالة بكل من السببين: الغيبي والحسي، ولا يجوز نفي أحدهما بحال، ومما وقع فيه كثير من الإسلاميين في الخطأ سببه النفي أو الإثبات القاصر، وفي هذا المقام- مقام هذه الآية- نقول: إن للرعد سببا حسيا، وللبرق سبب حسي هو ما يتكلم عنه علماء الطبيعة، ولتصريف السحاب أسباب غيبية الله أعلم بها، فعلماء المسلمين يذكرون أن المكلف بأمر الأرزاق ميكائيل، فإذا ورد حديث صحيح حول موضوع الرعد والبرق وصلة الملائكة به، فإنه محمول على ذكر السبب الغيبي الذي لا ينفي السبب الحسي، فإذا أدركت هذا الموضوع عرفت قاعدة مهمة تستطيع أن تفهم بها كثيرا من النصوص، وبمناسبة هذه الآية ننقل هذه الآثار التي ذكرها ابن كثير. - روى الإمام أحمد: حدثنا يزيد حدثنا إبراهيم بن سعد أخبرني أبي كنت جالسا إلى جنب حميد بن عبد الرحمن في المسجد، فمر شيخ من بني غفار، فأرسل إليه حميد فلما أقبل قال: يا ابن أخي وسع الله فيما بيني وبينك فإنه قد صحب رسول الله ﷺ ، فجاء حتى جلس فيما بيني وبينه، فقال له حميد: ما الحديث الذي حدثتني عن رسول الله ﷺ فقال له الشيخ سمعت عن شيخ من بني غفار أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن الله ينشئ السحاب، فينطق أحسن النطق، ويضحك أحسن الضحك» والمراد والله أعلم أن نطقها الرعد وضحكها البرق؛ وقال موسى بن عبيدة عن سعد بن إبراهيم قال: يبعث الله الغيث فلا أحسن منه مضحكا ولا آنس منه منطقا، فضحكه البرق، ومنطقه الرعد وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الحجاج حدثنا أبو مطر عن سالم عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا سمع الرعد والصواعق قال: «اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك» أقول: إن المسلم مع بحثه عن القانون العلمي، والحقيقة العلمية الكونية، ومع إثباته لها، فإنه له إحساساته الإيجابية التي تجعله يرى في هذا الكون ما لا يراه الكافر، فيذكره ذاك بالله تذكيرا يعبر عنه بذكر أو دعاء أو خشية أو أنس.

стр. 2614

٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ ننقل أولا ما ذكر كسبب نزول لها، ثم نثني بذكر حديث حول كثرة الصواعق في آخر الزمان: أ- روي في سبب نزول هذه الآية ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ بعث رجلا مرة إلى رجل من فراعنة العرب فقال: «اذهب فادعه لي» قال فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله ﷺ ، فقال: له من رسول الله؟ وما الله؟ أمن ذهب هو أم من فضة هو أم من نحاس هو؟ قال: فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال يا رسول الله: قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك قال لي كذا وكذا فقال لي: «ارجع إليه الثانية» فذهب فقال له مثلها. فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك فقال «ارجع إليه فادعه» فرجع إليه الثالثة قال: فأعاد عليه ذلك الكلام فبينما هو يكلمه إذ بعث الله سحابة حيال رأسه فرعدت فوقعت منها صاعقة فذهبت بقحف (١) رأسه فأنزل الله وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ الآية ب- روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة، حتى يأتي الرجل القوم فيقول: من صعق قبلكم الغداة؟ فيقولون: صعق فلان وفلان وفلان» ٦ - بمناسبة ضرب الله المثل حول الزبد في السيل والمعادن المذابة قال ابن كثير: (وقد ضرب الله في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين ناريا ومائيا، وهما قوله مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ الآية ثم قال أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ الآية وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين (أحدهما) قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ الآية والسراب إنما يكون في شدة الحر، ولهذا جاء في الصحيحين فيقال لليهود يوم القيامة فما تريدون؟ فيقولون: أي ربنا عطشنا فاسقنا فيقال: ألا تردون؟ فيردون النار فإذا هي كسراب يحطم بعضها بعضا. قال تعالى ثم في المثل الآخر: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ الآية وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله بها الناس فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان

стр. 2615

لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني ونفع به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» فهذا مثل مائي وقال في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد ... عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها- قال-: فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار، فتغلبوني فتقتحمون فيها» وأخرجاه في الصحيحين أيضا فهذا مثل ناري. ٧ - وبمناسبة قوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ذكر ابن كثير مجموعة أحاديث وآثار ننقلها جميعا مع حذف السند: (قال الإمام أحمد ... عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟» قالوا الله ورسوله أعلم. قال: «أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك: وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء ونسلم عليهم؟ قال: إنهم كانوا عبادا يعبدونني لا يشركون بي شيئا، وتسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء- قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب» سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ورواه أبو القاسم الطبراني ... عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «أول ثلة يدخلون الجنة فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض، حتى يموت وهي في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار ونقدس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب : هؤلاء عبادي الذين جاهدوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، فتدخل عليهم الملائكة من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» وقال عبد الله بن المبارك عن بقية بن الوليد حدثنا أرطاة بن المنذر سمعت رجلا من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن

стр. 2616

المؤمن ليكون متكئا على أريكته إذا دخل الجنة وعنده سماطان (١) من خدم، وعند طرف السماطين باب مبوب، فيقبل الملك فيستأذن، فيقول أقصى الخدم للذي يليه «ملك يستأذن» ويقول الذي يليه للذي يليه: «ملك يستأذن» حتى يبلغ المؤمن، فيقول: ائذنوا. فيقول أقربهم إلى المؤمن: ائذنوا، ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا، حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له، فيدخل فيسلم، ثم ينصرف. رواه ابن جرير ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش عن أرطاة بن المنذر عن أبي الحجاج يوسف الألهاني قال سمعت أبا أمامة فذكر نحوه وقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول فيقول لهم «سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان ٨ - من السياق، ومن الآيات التي وصفت أهل الحق وأهل الضلال نعرف أنه بمقدر التحقق بصفات أهل الخير، وبصفات أهل الشر، يكون استحقاق الإنسان للهداية، أو للضلال، أو للجزاء، أو للعقاب. فليكثر الإنسان من تأمل هذه الصفات، وليسع للتحلي والتخلي مع الترقي في المقامات الصالحة، فإن كل مقام يحتاج إلى أن يبذل الإنسان جهدا ليتمكن فيه، وبعض المقامات تحتاج إلى مران كثير كالصبر ابتغاء وجه الله، وكدرء السيئة بالحسنة. ٩ - مظاهر الإعجاز والكمال في هذا القرآن لا تنتهي، وهناك حد أدنى من هذه المظاهر موجود في كل كلمة، وفي كل جملة، وفي كل آية، وفي كل مجموعة آيات، وفي كل مقطع، وفي كل قسم، وفي كل سورة، وفي القرآن كله، وقد يكون الإعجاز أكثر ظهورا في كلمة أو في آية أو في سورة تأمل قوله تعالى: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ فههنا صورة إنسان يتترس بالحسنات من السيئات التي توجه إليه، فكلما وجهت إليه سيئة دفعها بحسنة، إن من تأمل هذه الصورة يدرك مظهرا من مظاهر الإعجاز الواضح في الكلمة القرآنية. ***

стр. 2617

المقطع الثالث والأخير من سورة الرعد ويمتد من الآية (٢٦) إلى نهاية الآية (٤٣) وهذا هو: [سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٦ الى ٤٣] اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢) أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥) وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩) وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)

стр. 2618

ملاحظة حول المضمون والسياق: نلاحظ أنه كما بدأ المقطعان السابقان بلفظ الجلالة (الله) فقد بدأ هذا المقطع بذلك: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ. ثم نلاحظ أن الآية الثانية في المقطع هي قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ كما أن آخر آية في المقطع هي قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ. فانظر إلى الآيتين اللتين هما محور سورة الرعد من سورة البقرة تجد أن بينهما وبين ما ورد في المقطع تشابها: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً .... إنه لمن الواضح أن هناك تشابها بين قوله تعالى في سورة الرعد وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ وبين قوله تعالى في سورة البقرة وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ إن هذا التشابه ليؤكد الصلة بين السورة ومحورها، بما تستطيع به الجزم أن سورة الرعد تفصيل لكلتا الآيتين، ففيها أقوال للكافرين ورد عليها، وإقامة حجة، وفيها تفصيل لظاهرتي الهداية والضلال، وفيها تعريف على الله، ولذلك كله صلة بآيتي سورة البقرة تفسير المقطع الثالث: يبدأ المقطع بالتذكير أن الله هو الذي يوسع الرزق على من يشاء، ويقتر على من يشاء؛ لما له في ذلك من الحكمة والعدل، ثم بين أن الكافرين يفرحون بما أوتوا من الحياة الدنيا، وليس ما أوتوا منها إلا استدراجا لهم وإمهالا، وفي هذا السياق حقر الحياة الدنيا بالنسبة إلى ما ادخره تعالى لعباده المؤمنين في الآخرة قال تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي ويضيق على من يشاء، والمعنى: الله وحده هو الذي يوسع الرزق ويضيقه دون غيره، وفي هذا تعريف على الله بأنه هو القابض الباسط،

стр. 2619

وفي هذا كذلك تدليل على وجود الله إذ ظاهرة القبض والبسط في هذا الكون إن في موضوع المال، أو فيما يتأتى فيه معنى القبض والبسط في عالم الأرواح والأجساد لا يمكن أن يعللها ذو فطرة سليمة إلا بوجود ذات خلقت وجعلت كل شئ في محله وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا أي وفرحوا بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر، لا فرح سرور بفضل الله وإنعامه عليهم، ولم يقابلوه بالشكر حتى يؤجروا بنعيم الآخرة وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ أي إلا شيئا نزرا يتمتع به كعجلة الراكب، وهو ما يتعجله من تميرات أو شربة سريعة، وهذا مما يغفل عنه الكافرون، ويتذكره المؤمنون، وفي هذا المقام يذكر ابن كثير حديثين: ا- روى الإمام أحمد ومسلم عن المستورد أخي بني فهر قال: قال. رسول الله ﷺ : «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم فلينظر بم ترجع» وأشار بالسبابة. ب- قال ابن كثير: وفي الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ مر بجدي أسك ميت (والأسك الصغير الأذنين) فقال: «والله للدنيا أهون على الله من هذا على أهله حين ألقوه». أهـ. .......... وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إن الكافرين يقترحون الآيات من أجل أن يؤمنوا في زعمهم، وكأن أدلة الإيمان ناقصة أو غير كافية، إنه إن كان اقتراحهم الآيات من أجل أن يؤمنوا بالله، فالأدلة على وجود الله أكثر من كل كثير، أو من أجل أن يؤمنوا برسوله ﷺ ، فهذا القرآن أعظم آية، أو من أجل أن يؤمنوا بالقرآن ففيه من الإعجاز والآيات ما لا يحاط به، ومن ثم كان الجواب قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ أي ويرشد إلى دينه من رجع إليه بقلبه، وعلامتهم ما سيأتي من أوصافهم، والمعنى أنه هو المضل والهادي، سواء جاءهم الرسول ﷺ بآية على وفق ما اقترحوا، أو لم يجبهم إلى سؤالهم، فإن الهداية والإضلال ليسا منوطين بذلك. ملاحظة حول السياق: في آيتي سورة البقرة اللتين هما محور هذه السورة قوله تعالى وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ وهنا قال تعالى: وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ هناك بين سبب إضلاله لمن

стр. 2620

ضل، وهنا يبين سبب هدايته لمن اهتدى، وهناك فصل في صفات من استحق الإضلال حتى لا تلتبس الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ .... وهنا بين صفات من يستحقون الهداية الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ومن ثم ندرك كيف أن سورة الرعد تفصيل لمحورها من سورة البقرة، ولكنه ليس التفصيل المعتاد في طرائق البشر أو الداخل تحت طوقهم، ولكنه تفصيل معجز لا يمكن أن يكون إلا من الله المحيط علما بكل شئ، فإذا ما عرفنا أن سورة البقرة مدنية، وسورة الرعد مكية على القول الراجح: وإذا ما رأينا أن سورة البقرة جعلت في أول القرآن ثم جاءت السور الأخرى مفصلة على هذه الشاكلة المعجزة .... مع كون هذا القرآن نزل مفرقا منجما على رجل أمي في أمة أمية، إن هذا وحده كاف للتدليل على أنه من عند الله، فكيف إذا كان هذا واحدا من مظاهر إعجازه، وكيف إذا كان إعجازه واحدا من معجزاته؟ نسأل الله ألا يضلنا، ونسأله أن يتوفانا على كمال الإيمان وأن يلحقنا بالصالحين. ولنعد إلى السياق: لقد وصف الله من يستحق هدايته بأنه من أناب أي رجع إلى الله واستعان به وتضرع إليه، ثم وصف هؤلاء فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ كالتسبيح والتهليل والاستغفار أو بالقرآن، فقلوبهم تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولى ونصيرا أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ أي بسبب ذكره تطمئن قلوب المؤمنين، ثم بشر أهل الإيمان فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ أي أصابوا خيرا وطيبا وَحُسْنُ مَآبٍ أي وحسن مرجع. وهكذا بين الله من يستحق هدايته وبشرهم، وفي ذلك رد على الكافرين الذين يقترحون الآيات، وإقامة حجة عليهم أن ضلالهم ليس بسبب عدم كفاية الآيات؛ بل لمرض فيهم وقصور عندهم عن الخير، ذلك هو أول رد عليهم، وفيما يأتي من المقطع ردود أخرى كما سنرى: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ أي مثل ذلك الإرسال أرسلناك، إرسالا له شأن وفضل على سائر الإرسالات، وقد فسر كيف أرسله بقوله فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم كثيرة فهي آخر الأمم، وأنت خاتم الأنبياء لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي لتقرأ عليهم الكتاب العظيم فتبلغهم رسالة الله وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ

стр. 2621

أي بعثناك وحال هذه الأمة أنهم يكفرون بالرحمن الذي هو البليغ الرحمة، الذي وسعت رحمته كل شئ، فهم يكفرون بالرحمن ولا يقرون به، ويأنفون من وصف الله به كما أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوابسم الله الرحمن الرحيم، وقالوا ما ندري ما الرحمن الرحيم قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي هذا الذي تكفرون به أنا مؤمن به، معترف له مقر بالربوبية والألوهية هو ربي لا إله إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي في جميع أموري وَإِلَيْهِ مَتابِ أي وإليه أرجع وأنيب فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أي عن مقارها أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ حتى تتصدع وتتزايل قطعا أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى فتسمع وتجيب لكان هذا القرآن؛ لكونه غاية في التذكير، ونهاية في الإنذار والتخويف، قال ابن كثير في تفسيرها: (أي لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو بطريق الأولى أن يكون كذلك، لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون جاحدون له.» اه ويحتمل أن يكون المعنى: ولو أن قرآنا وقع به تسيير الجبال، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى، وتنبيئهم لما آمنوا به ولما تنبهوا عليه، وإنما حذف الجواب ليذهب الفكر أكثر من مذهب، فإذا كان الرسول ﷺ قد بعث كما بعث غيره من الرسل، وتلا هذا القرآن، وكان القرآن بهذه المثابة، فأي آية يطلب الكافرون ليؤمنوا.؟! قال صاحب الظلال (ولقد صنع هذا القرآن في النفوس التي تلقته وتكيفت به أكثر من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياء الموتى، لقد صنع في هذه النفوس خوارق أضخم وأبعد آثارا في أقدار الحياة بل أبعد أثرا في شكل الأرض ذاته فكم غير الإسلام والمسلمون من وجه الأرض- إلى جانب ما غيروا من وجه التاريخ؟ إن طبيعة هذا القرآن ذاتها. طبيعته في دعوته وفي تعبيره. طبيعته في موضوعه وفي أدائه، طبيعته في حقيقته وفي تأثيره .. إن طبيعة هذا القرآن لتحتوي على قوة خارقة نافذة يحسها كل من له ذوق وبصر وإدراك للكلام، واستعداد لإدراك ما يوجه إليه ويوحي به، والذين تلقوه وتكيفوا به سيروا ما هو أضخم من الجبال، وهو تاريخ الأمم والأجيال، وقطعوا ما هو أصلب من الأرض، وهو جمود الأفكار وجمود التقاليد.

стр. 2622

وأحيوا ما هو أحمد من الموتى، وهو الشعوب التي قتل روحها الطغيان والأوهام، والتحول الذي تم في نفوس العرب وحياتهم فنقلهم تلك النقلة الضخمة دون أسباب ظاهرة إلا فعل هذا الكتاب ومنهجه في النفوس والحياة أضخم بكثير من تحول الجبال عن رسوخها. وتحول الأرض عن جمودها وتحول الموتى عن الموات) اهـ. بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أي مرجع الأمور كلها إلى الله ، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومن يضلل الله فلا هادي له، ومن يهد الله فلا مضل له، وإذ كان الأمر كذلك فلا يستغرب المؤمنون عدم إيمان الكافرين، ومن ثم قال الله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أي من إيمان جميع الخلق، ويعلموا أو يتبينوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ولكنه ﷻ له يهدي إلا من يستحق الهداية، وسبقت له من الله العناية. وقد استعمل اليأس في الآية بمعنى العلم لتضمنه معناه؛ لأن اليائس عن الشئ عالم بأنه لا يكون، كما استعمل النسيان في معنى الترك لتضمنه ذلك، وإذن فطلب هؤلاء الآية ليهتدوا ليس في محله، إذ الآية موجودة، والطريق إلى الإيمان معروف، وما عليهم إلا أن يسلكوا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أي داهية تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت، من صنوف البلايا والمصائب، في نفوسهم وأولادهم وأموالهم أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ أي أو تحل القارعة قريبا منهم فيفزعون ويتطاير عليهم شررها، ويتعدى إليهم شرورها، والمعنى: لا تزال القوارع تصيب الكافرين بسبب تكذيبهم، أو تصيب من حولهم ليتعظوا ويعتبروا، وهذا وحده آية مستمرة لمن كان له قلب، فكيف يطلبون الآيات، ثم بين الله استمرار إنزاله القوارع بالكافرين ومن حولهم فقال حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ أي يوم القيامة إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ أي لا خلف في موعده. وبهذا تم الرد الثاني على اقتراح الكافرين آية، وكما توجه الخطاب في الرد الأول والثاني لرسول الله ﷺ : قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ .. كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فإن الرد الثالث يبدأ بتوجيه الخطاب لرسول الله ﷺ كذلك. وفي الرد الثالث تسلية لرسول الله ﷺ وتعزية له. وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ أي فلك فيهم أسوة وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ في تكذيب من كذبه واقتراحهم عليه الآيات فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي أنظرتهم وأجلتهم ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ قال النسفي: (وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 2623

استهزاء به، وتسلية) فقد فهم النسفي إذن أن هذا رد على اقتراحهم المذكور في بداية هذا المقطع، فطلب الآية فيه التنقيص للرسول ﷺ والاستهزاء بصدقه، ومن ثم لفت الله نظرهم إلى هذا، ولفت نظرهم إلى ما أنزله الله من عقوبات بأمثالهم ليريهم خطأ هذا الذي هم عليه، وأنه إن كانت سنته الإملاء، فسنته بعد الإملاء الأخذ، وفي ذلك تهديد ووعيد ورد، ثم تأتي الآية اللاحقة وفيها ذكر قيوميته تعالى، وذكر استحقاقهم العقوبة بشركهم، وذكر سنته فيمن يريد إضلاله، وفي ذلك آيات لمريد الإيمان: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ أي حفيظ عليم رقيب عَلى كُلِّ نَفْسٍ صالحة أو طالحة بِما كَسَبَتْ من خير أو شر لا تخفى عليه خافية، والتقدير: أفمن هو كذلك هل هو كالأصنام التي يعبدونها لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل ولا تملك نفعا لأنفسها ولا لعابديها ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها؟ وقد حذف هذا الجواب اكتفاء بدلالة السياق عليه وهو ما يأتي وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ أي أصناما وأندادا وأوثانا قُلْ سَمُّوهُمْ أي أعلمونا بهم، واكشفوا عنهم حتى يعرفوا، فإنهم لا حقيقة لهم، ولذلك قال: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أي بل أئنبّئونه بشركاء لا يعلمهم في الأرض، وهو العالم بما في السموات والأرض فإذا لم يعلمهم، علم أنهم ليسوا بشيء، والمراد نفي أن يكون له شركاء، والمعنى: أتخبرونه في حالة تسميتهم آلهة بما لا وجود له؛ لأنه لو كان لها وجود في الأرض لعلمها، لأنه لا تخفى عليه خافية أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة، فأي سخف هذا السخف؟ أن يعطى لشئ اسم ليس له حقيقة، ويعامل على أساس أن اسمه حقيقة بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ أي كيدهم للإسلام، أي ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ أي عن سبيل الله، فالله لا يوفقهم لسلوك سبيله جزاء لهم على ما هم عليه وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ أي من أحد يقدر على هدايته، وفي هاتين الآيتين رد ضمني على اقتراحهم الآيات بإقامة الحجة عليهم ببطلان ما هم فيه، من تسويتهم الله بخلقه، وسيرهم في غير طريقه، وصدهم عن سبيله، فاستمرارهم على ما هم عليه من الباطل، ورفضهم لدعوة الرسول ﷺ فيه الدليل على سفههم، وقد علمنا من خلال العرض سببا من أسباب استحقاق الإنسان الضلال، وهو اتخاذه لله شريكا، وبعد إقامة الحجة يأتي الإنذار: لَهُمْ أي الكافرين عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بالقتل والأسر بأيدي المؤمنين، أو بأنواع المحن والبلايا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أي المدخر لهم أَشَقُّ أي

стр. 2624

أشد من عذاب الدنيا بكثير، لدوامه وشدته، فإن عذاب الدنيا له انقضاء وذاك دائم أبدا، ونار جهنم بالنسبة إلى نار الدنيا سبعون ضعفا، وفيها من صنوف العذاب الكثير: وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ أي من حافظ من عذابه، ثم تأتي بشارة لأهل التقوى وإنذار لأهل الكفر بآية واحدة مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ أي صفتها ونعتها أُكُلُها دائِمٌ أي ثمرها دائم الوجود لا ينقطع وَظِلُّها أي دائم لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس ففواكهها ومطاعمها ومشاربها وروحها كل ذلك لا انقطاع ولا فناء تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا أي الجنة الموصوفة عقبى المتقين أي منتهى أمرهم وَعُقْبَى أي ومنتهى أمر الْكافِرِينَ النَّارُ نعوذ بالله من ذلك. ثم يستكمل الرد الثالث على اقتراح الآيات بآيتين فيهما رد ضمني على الاقتراح، وفيهما رد على نوع آخر من الكافرين وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وهم قائمون بمقتضاه يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أي من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به كفرح النجاشي وقسيسيه بالقرآن يوم قرأه عليهم جعفر وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ أي ومن أحزابهم- وهم كفرتهم الذين يتحزبون ضد هذا الدين- من ينكر بعضه ويقر بعضه، كما يفعل المبشرون والمستشرقون في عصرنا، لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعاني مما هو ثابت في كتبهم، ولكنهم يجعلونه مستمدا من كتبهم، وينكرون نبوة محمد ﵊ وغير ذلك مما حرفوه وبدلوه من الشرائع، ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يقول لهؤلاء جميعا قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ ومن كان مضمون الوحي الذي أنزل إليه ذلك، فذلك دليل على أنه حق، والإنكار له إنكار لعبادة الله وتوحيده إِلَيْهِ أَدْعُوا أي إلى الله أدعو وَإِلَيْهِ أي وإلى الله لا إلى غيره مَآبِ أي مرجعي، وإذ كان هذا دأبي وعملي ودعوتي، فكيف ترد هذه الدعوة وتكفر، وهي دعوة كل رسول ومن ثم قال: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا أي حكمة عربية مترجمة بلسان العرب، والمعنى- كما قال ابن كثير:- (وكما أرسلنا قبلك المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتب من السماء، كذلك أنزلنا عليك القرآن محكما معربا شرفناك به، وفضلناك على من سواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي) وقال النسفي في معناها: (ومثل ذلك الإنزال أنزلناه، مأمورا فيه بعبادة الله وتوحيده، والدعوة إليه وإلى دينه، والإنذار بدار الجزاء) فإذا كان مضمون هذا الوحي كمضمون كل وحي سابق، فكيف ينكر هذا الدين، وكيف يكفر بهذا الرسول!، وهكذا قامت الحجة على مقترحي الآيات في هاتين الآيتين مرتين، مرة بموقف قسم من أهل

стр. 2625

الكتاب من هذه الرسالة، ومرة بمضمونها بعد أن بدأ الرد الثالث بتسفيه ما هم عليه، وعلى هذا فإن الرد الثالث كان ردا بالمضمون، المضمون الباطل الذي هم عليه، والمضمون الحق الذي هو هذه الدعوة، فمن أين يحق لهم بعد هذا أن يطلبوا آية، وفي ثنايا الرد على مقترحي الآيات رد على أحزاب أهل الكتاب الكافرين بوحدة رسالات الله، ووحدة مضمونها الظاهرين في هذه الدعوة، ثم ختم الله الرد الثالث بتثبيت رسول الله ﷺ على الحق الموحى إليه، وأن عليه ألا يبالي باقتراحاتهم وإنكارهم ومجادلاتهم فقال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ أي آراءهم بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الثابت من الله المؤيد بالحجج القاطعة، والبراهين الساطعة ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ أي من ناصر ينصرك وَلا واقٍ يقيك منه، وهذا من باب التهييج والبعث للسامعين على الثبات في الدين، وألا يزلزل المؤمن عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة، وإلا فإن رسول الله ﷺ من شدة الثبات بمكان، وفيه وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة، بعد ما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والحجة المحمدية، وبهذا انتهى الرد الثالث في سياق هذا المقطع على مقترحي الآيات ليأتي الرد الرابع: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لاحظ قوله تعالى أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ ولاحظ ما ذكرناه من أن هذه المجموعات كلها رد على قول الكافرين في الآية الثانية من هذا المقطع: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ تجد ارتباطا بين المجموعة الجديدة، وسياق المقطع وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ فلست بدعا من الرسل، بل أنت واحد منهم، يجري عليك ما يجري عليهم وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً أي نساء وأولادا لأنهم بشر وهم قدوة، وفي ذلك رد على التصورات الخاطئة في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي ليس في وسعه إتيان الآيات على ما يقترحه قومه؛ وإنما ذلك إلى الله لِكُلِّ أَجَلٍ أي لكل وقت، أو لكل زمن، أو لكل مدة كِتابٌ ينزله الله ليحكم هذه المدة، ويفرض على أهل هذا الزمن اتباعه، فالتوراة والزبور والإنجيل لزمن، وهذا القرآن لباقي الزمان ومن ثم قال الله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ أي يمحو الله ما يشاء منها فينسخه، ويثبت ما شاء منها فيقبضه، حتى نسخت كلها بالقرآن الحكيم الذي أنزله الله تعالى على محمد ﷺ وَعِنْدَهُ أي وعند الله أُمُّ الْكِتابِ أي أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ لأن كل كائن مكتوب فيه فهو الذي

стр. 2626

يحكم الأزمنة كلها وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ أي في كل الأحوال سواء أريناك مصارعهم وما وعدناهم من إنزال العذاب عليهم، أو توفيناك قبل ذلك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أي فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب وَعَلَيْنَا الْحِسابُ أي وعلينا حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم لا عليك؛ فلا يهمنك إعراضهم، ولا تستعجل بعذابهم، وهكذا واسى الله رسوله ﷺ وذكره بما يجب عليه، وأقام الحجة على الكافرين المقترحين للآيات، بأن ذلك إلى الله، وأنه يكفيهم أن محمدا ﷺ له خصائص الرسل، وتظهر فيه سنة الله في إنزاله الكتب لكل زمان، ويكون محمد ﵊ قد أنزل عليه الكتاب الحاكم لبقية الزمان، وهو رد على مقترحي الآيات، ورد على الكافرين من أهل الكتاب، ثم تأتي آية تقيم عليهم الحجة، وترد عليهم من خلال لفت نظرهم إلى آية واقعة، وهي التوسع الدائم لدار الإسلام على حساب دار الكفر، فذلك تأييد من الله فيه معنى الآية، وهو الذي تم لرسول الله ﷺ وأصحابه فقال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ أي أرض الكفر نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بما نفتح على المسلمين من بلادهم، فننقص دار الحرب ونزيد في دار الإسلام، وذلك من آيات النصرة والغلبة، وعلامات التوفيق، فما أكثر الآيات إذن وهم يطلبون آية، فما يطلبونه موجود، وطلب المزيد دون رؤية الموجود لا يفيد وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ أي لا راد لحكمه إذ المعقب هو الذي يكر على الشئ فيبطله، وقد حكم الله لرسوله ﷺ ودينه بالغلبة والإقبال، وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس، فلا أحد يستطيع أن يحول دون هذا، ولقد كان هذا كله مما هو مذكور في التاريخ من غلبة المسلمين على قلة العدد والعدد، واندحار الكفر على كثرة العدد والعدد، وحيث أقام المسلمون دينهم كان لهم هذا وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ فعما قليل يحاسبهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا، بتسليط المؤمنين عليهم بالقهر والغلبة، وفي هذا السياق- سياق التبشير بانتشار الإسلام- يذكرنا الله بالمكر الهائل الذي يقابل به أعداء الله هذا الدين، فيبشر المؤمنين ويقوي ثقتهم به ﷻ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كفار الأمم الخالية بأنبيائهم والمكر: إرادة المكروه في خفية فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً وإذ كان الأمر كذلك فمكرهم لا قيمة له، ثم فسر كيف أن المكر له جميعا بقوله: يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ لأن من علم ما تكسب كل نفس هو وحده الذي له المكر كله وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ أي لمن العاقبة المحمودة، أي لمن تكون الدائرة والعاقبة، لهم أو لأتباع الرسل؟ إنها لأتباع الرسل في الدنيا

стр. 2627

والآخرة، وبهذا التهديد والوعيد ختم الرد على مقترحي الآيات. ثم يختم المقطع، وتختم السورة كلها بهذه الآية. وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا أي لم يرسلك الله فأنت مدع قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي حسبي الله هو الشاهد علي وعليكم، شاهد علي بما بلغت من الرسالة، وشاهد عليكم بما تفترونه من الكذب، وقد أنزل علي، وأظهر على يدي من الأدلة على رسالتي ما قامت به الحجة وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ يشهد على رسالتي كذلك، والمراد بهم من أسلم من أهل الكتاب، فإسلامهم دليل على صحة رسالته، لأنهم لم يسلموا إلا لما علموه من التبشير في كتبهم، وقد كتبنا في كتابنا (الرسول ﷺ فصلا خاصا عن البشارات برسولنا ﷺ في الكتب الدينية العالمية. كلمة في السياق: كانت الآية الأولى في المقطع الأخير حديثا عن الله، ثم جاءت الآية الثانية فيه وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا .... وجاءت الآية الأخيرة: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ..... وبين ذلك ومع ذلك، وقبل ذلك ردود متعددة على الكافرين، فقد بدأت السورة بقوله تعالى: المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ فهذه البداية تقرر أن القرآن آيات، فالمقدمة ترد من البداية على مقترحي الآيات بأن الآيات هي القرآن، وتقرر أن هذا القرآن حق، وأن أكثر الناس لا يؤمنون، ثم تتابع السورة أقوال الكافرين وتردها، وتعلل سبب عدم إيمان الناس، ففيما بين المقدمة والخاتمة، وما بين المقاطع نفسها، وما بين ذلك كله ومحور السورة في السياق القرآني من اتصال ما قد رأيت، فسبحان الله منزل هذا القرآن، وخالق هذا الكون ظاهرهما أجزاء وباطنهما وحدة متكاملة. فوائد: ١ - في تفسير كلمة طوبى كلام كثير للمفسرين قال ابن كثير: (قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس (في تفسير طوبى) فرح وقرة عين، وقال عكرمة: نعم مآلهم. قال الضحاك: غبطة لهم. وقال إبراهيم النخعي: خير لهم، وقال قتادة: هي كلمة عربية يقول الرجل طوبى لك أي أصبت خيرا، وقال في رواية طوبى لهم حسنى لهم. وَحُسْنُ مَآبٍ أي مرجع، وهذه الأقوال شئ واحد لا منافاة بينها، وقال سعيد ابن جبير عن ابن عباس (طوبى لهم) قال: هي أرض الجنة بالحبشية. وقال سعيد بن

стр. 2628

مسجوع: طوبى اسم الجنة بالهندية. وكذا روى السدي عن عكرمة طوبى لهم أي الجنة، وبه قال مجاهد. وقال العوفي عن ابن عباس: لما خلق الله الجنة وفرغ منها قال الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ وذلك حين أعجبته ..... ) ٢ - بمناسبة قوله وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ يذكر ابن كثير الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: قال رسول الله ﷺ : «إن أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن». ٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ يذكر ابن كثير أن لفظ القرآن، قد يطلق على كل من الكتب المتقدمة، ويستشهد على ذلك بحديث رواه الإمام أحمد والبخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خفف على داود القرآن فكان يأمر بدابته أن تسرج فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يده». فالمراد بالقرآن في هذا الحديث الزبور، ومن ثم يكون معنى الآية، ولو أن كتابا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى .... لكان هذا القرآن، إلا أن قتادة قدر المحذوف في الآية تقديرا آخر فقال: لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم .. وما اعتمده ابن كثير والنسفي ونقلناه في صلب التفسير وهو الأولى ٤ - وبمناسبة الكلام عن عظمة القرآن، وأنه به تقوم الحجة أثناء الكلام عن آية وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً .... قال ابن كثير: فإنه ليس ثمة حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في العقول والنفوس من هذا القرآن الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله. ٥ - وفي سبب نزول قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ ..... ذكر ابن كثير ما ذكره ابن أبي حاتم بسنده عن عطية العوفي قال: قلت له: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ ... الآية قالوا لمحمد ﷺ لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعت بنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه. فأنزل الله هذه الآية. قال: قلت: هل تروون هذا الحديث عن أحد أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: نعم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ وكذا روي عن ابن عباس والشعبي وقتادة وغير واحد في سبب نزول هذه الآية. والله أعلم.

стр. 2629

٦ - في قوله تعالى: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ أكثر من قول للمفسرين أحدها: ما ذكرناه في صلب التفسير وهو ما ينزله الله بالكافرين من بأس، وبعضهم فسرها بغزو رسول الله ﷺ والمؤمنين لعقر دار الكفر وجوارها. روى أبو داود الطيالسي بسنده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ قال سرية أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ قال محمد ﷺ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ قال فتح مكة. والذي نراه في هذا المقام أن سنة الله أن ينزل بعقر دار الكافرين وما جاورها قوارعه المستمرة إلى يوم القيامة، إما كعذاب أو كتسليط عليهم، وقد كان تسليط رسول الله ﷺ على قريش نموذجا على جزء من هذه السنة. ٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا .... يذكر ابن كثير حديث الصحيحين: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته». ثم قرأ رسول الله ﷺ وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ. ٨ - قراءة حفص التي شرحناها عند قوله تعالى: بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ تضم الصاد، وهناك قراءات متواترة تفتح الصاد فيكون المعنى: لقد صد هؤلاء الكافرون عن سبيل الله كما زين لهم المكر والكيد للإسلام وأهله فاستحقوا بشركهم وكيدهم وصدهم عن سبيل الله الضلال، فعقوبة الإضلال من الله لا تكون بلا سبب. ٩ - عند قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ينقل ابن كثير مجموعة أحاديث ننقلها جميعا مع حذف الأسانيد (قال ابن كثير: وفي الصحيحين: من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف وفيه قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت. فقال: «إني رأيت الجنة- أو أريت الجنة- فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا». وقال الحافظ أبو يعلى ... عن جابر قال: بينما نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله ﷺ فتقدمنا، ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر، فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب: يا رسول الله صنعت اليوم في الصلاة شيئا ما رأيناك كنت تصنعه فقال: «إني عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم

стр. 2630

به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه» وروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر شاهدا لبعضه، وعن عتبة بن عبد السلمي أن أعرابيا سأل النبي ﷺ عن الجنة فقال فيها عنب؟ قال: «نعم» قال: فما عظم العنقود؟ قال: «مسيرة شهر للغراب الأبقع ولا يفتر» رواه الإمام أحمد. وقال الطبراني ... عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ «إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى» وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون، طعامهم ذلك جشاء كريح المسك، ويلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس» رواه مسلم، وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش عن تمام بن عقبة سمعت زيد بن أرقم قال: جاء رجل من أهل الكتاب فقال يا أبا القاسم: تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ قال «نعم والذي نفس محمد بيده إن الرجل منهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة» قال: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى، قال: «تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كريح المسك فيضمر بطنه». رواه الإمام أحمد والنسائي. وقال الحسن بن عرفة ... عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فيخر بين يديك مشويا» وجاء في بعض الأحاديث «أنه إذا فرغ منه عاد طائرا كما كان بإذن الله تعالى» وقد قال الله تعالى: وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ* لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (الواقعة: ٣٢، ٣٣) وقال: وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (الإنسان: ١٤) وكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص كما قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا .... ) أهـ. أقول: رأينا في بداية هذه الفائدة النصوص التي تذكر أن الجنة دنت لرسول الله ﷺ ورآها، وهذه النصوص من جملة ما استندنا إليه في أن السموات السبع والعرش من المخلوقات المغيبة عنا، فالملائكة سكان السموات غيب، والجنة- وهي فوق السماء السابعة- غيب، ودليل ذلك أن رسول الله ﷺ دنت إليه، ورآها ولم يرها غيره، فالسّماوات السبع- والله أعلم- لا تخرج عن هذه الطبيعة فهي موجودة ولكنها مغيبة عنا ١٠ - بمناسبة الكلام عن الظل الدائم في الجنة في قوله تعالى: أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها
следующие страницы →