Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
يحكم الأزمنة كلها
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ أي في كل الأحوال سواء أريناك مصارعهم وما وعدناهم من إنزال العذاب عليهم، أو توفيناك قبل ذلك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أي فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب وَعَلَيْنَا الْحِسابُ أي وعلينا حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم لا عليك؛ فلا يهمنك إعراضهم، ولا تستعجل بعذابهم، وهكذا واسى
الله رسوله ﷺ وذكره بما يجب عليه، وأقام الحجة على الكافرين المقترحين للآيات، بأن ذلك إلى الله، وأنه يكفيهم أن محمدا ﷺ له خصائص الرسل، وتظهر فيه سنة الله في إنزاله الكتب لكل زمان، ويكون محمد ﵊ قد أنزل عليه الكتاب الحاكم لبقية الزمان، وهو رد على مقترحي الآيات، ورد على الكافرين من أهل الكتاب،
ثم تأتي آية تقيم عليهم الحجة، وترد عليهم من خلال لفت نظرهم إلى آية واقعة، وهي التوسع الدائم لدار الإسلام على حساب دار الكفر، فذلك تأييد من الله فيه معنى الآية، وهو الذي تم لرسول الله ﷺ وأصحابه فقال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ أي أرض الكفر نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بما نفتح على المسلمين من بلادهم، فننقص دار الحرب ونزيد في دار الإسلام، وذلك من آيات النصرة والغلبة، وعلامات التوفيق، فما أكثر الآيات إذن وهم يطلبون آية، فما يطلبونه موجود، وطلب المزيد دون رؤية الموجود لا يفيد وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ أي لا راد لحكمه إذ المعقب هو الذي يكر على الشئ فيبطله، وقد حكم الله لرسوله ﷺ ودينه بالغلبة والإقبال، وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس، فلا أحد يستطيع أن يحول دون هذا، ولقد كان هذا كله مما هو مذكور في التاريخ من غلبة المسلمين على قلة العدد والعدد، واندحار الكفر على كثرة العدد والعدد، وحيث أقام المسلمون دينهم كان لهم هذا وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ فعما قليل يحاسبهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا، بتسليط المؤمنين عليهم بالقهر والغلبة، وفي هذا السياق- سياق التبشير بانتشار الإسلام- يذكرنا الله بالمكر الهائل الذي يقابل به أعداء الله هذا الدين، فيبشر المؤمنين ويقوي ثقتهم به ﷻ
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كفار الأمم الخالية بأنبيائهم والمكر: إرادة المكروه في خفية فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً وإذ كان الأمر كذلك فمكرهم لا قيمة له، ثم فسر كيف أن المكر له جميعا بقوله: يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ لأن من علم ما تكسب كل نفس هو وحده الذي له المكر كله وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ أي لمن العاقبة المحمودة، أي لمن تكون الدائرة والعاقبة، لهم أو لأتباع الرسل؟ إنها لأتباع الرسل في الدنيا
стр. 2627
والآخرة، وبهذا التهديد والوعيد ختم الرد على مقترحي الآيات.
ثم يختم المقطع، وتختم السورة كلها بهذه الآية. وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا أي لم يرسلك الله فأنت مدع قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي حسبي الله هو الشاهد علي وعليكم، شاهد علي بما بلغت من الرسالة، وشاهد عليكم بما تفترونه من الكذب، وقد أنزل علي، وأظهر على يدي من الأدلة على رسالتي ما قامت به الحجة وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ يشهد على رسالتي كذلك، والمراد بهم من أسلم من أهل الكتاب، فإسلامهم دليل على صحة رسالته، لأنهم لم يسلموا إلا لما علموه من التبشير في كتبهم، وقد كتبنا في كتابنا (الرسول ﷺ فصلا خاصا عن البشارات برسولنا ﷺ في الكتب الدينية العالمية.
كلمة في السياق:
كانت الآية الأولى في المقطع الأخير حديثا عن الله، ثم جاءت الآية الثانية فيه وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا .... وجاءت الآية الأخيرة: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ..... وبين ذلك ومع ذلك، وقبل ذلك ردود متعددة على الكافرين، فقد بدأت السورة بقوله تعالى: المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ فهذه البداية تقرر أن القرآن آيات، فالمقدمة ترد من البداية على مقترحي الآيات بأن الآيات هي القرآن، وتقرر أن هذا القرآن حق، وأن أكثر الناس لا يؤمنون، ثم تتابع السورة أقوال الكافرين وتردها، وتعلل سبب عدم إيمان الناس، ففيما بين المقدمة والخاتمة، وما بين المقاطع نفسها، وما بين ذلك كله ومحور السورة في السياق القرآني من اتصال ما قد رأيت، فسبحان الله منزل هذا القرآن، وخالق هذا الكون ظاهرهما أجزاء وباطنهما وحدة متكاملة.
فوائد:
١ - في تفسير كلمة طوبى كلام كثير للمفسرين قال ابن كثير: (قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس (في تفسير طوبى) فرح وقرة عين، وقال عكرمة: نعم مآلهم. قال الضحاك: غبطة لهم. وقال إبراهيم النخعي: خير لهم، وقال قتادة: هي كلمة عربية يقول الرجل طوبى لك أي أصبت خيرا، وقال في رواية طوبى لهم حسنى لهم.
وَحُسْنُ مَآبٍ أي مرجع، وهذه الأقوال شئ واحد لا منافاة بينها، وقال سعيد ابن جبير عن ابن عباس (طوبى لهم) قال: هي أرض الجنة بالحبشية. وقال سعيد بن
стр. 2628
مسجوع: طوبى اسم الجنة بالهندية. وكذا روى السدي عن عكرمة طوبى لهم أي الجنة، وبه قال مجاهد. وقال العوفي عن ابن عباس: لما خلق الله الجنة وفرغ منها قال الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ وذلك حين أعجبته ..... )
٢ - بمناسبة قوله وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ يذكر ابن كثير الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: قال رسول الله ﷺ : «إن أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن».
٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ يذكر ابن كثير أن لفظ القرآن، قد يطلق على كل من الكتب المتقدمة، ويستشهد على ذلك بحديث رواه الإمام أحمد والبخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خفف على داود القرآن فكان يأمر بدابته أن تسرج فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يده». فالمراد بالقرآن في هذا الحديث الزبور، ومن ثم يكون معنى الآية، ولو أن كتابا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ....
لكان هذا القرآن، إلا أن قتادة قدر المحذوف في الآية تقديرا آخر فقال: لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم .. وما اعتمده ابن كثير والنسفي ونقلناه في صلب التفسير وهو الأولى
٤ - وبمناسبة الكلام عن عظمة القرآن، وأنه به تقوم الحجة أثناء الكلام عن آية وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً .... قال ابن كثير: فإنه ليس ثمة حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في العقول والنفوس من هذا القرآن الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله.
٥ - وفي سبب نزول قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ ..... ذكر ابن كثير ما ذكره ابن أبي حاتم بسنده عن عطية العوفي قال: قلت له: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ ... الآية قالوا لمحمد ﷺ لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعت بنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه. فأنزل الله هذه الآية.
قال: قلت: هل تروون هذا الحديث عن أحد أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: نعم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ وكذا روي عن ابن عباس والشعبي وقتادة وغير واحد في سبب نزول هذه الآية. والله أعلم.
стр. 2629
٦ - في قوله تعالى: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ أكثر من قول للمفسرين أحدها: ما ذكرناه في صلب التفسير وهو ما ينزله الله بالكافرين من بأس، وبعضهم فسرها بغزو رسول الله ﷺ والمؤمنين لعقر دار الكفر وجوارها. روى أبو داود الطيالسي بسنده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ قال سرية أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ قال محمد ﷺ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ قال فتح مكة. والذي نراه في هذا المقام أن سنة الله أن ينزل بعقر دار الكافرين وما جاورها قوارعه المستمرة إلى يوم القيامة، إما كعذاب أو كتسليط عليهم، وقد كان تسليط رسول الله ﷺ على قريش نموذجا على جزء من هذه السنة.
٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا .... يذكر ابن كثير حديث الصحيحين: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته». ثم قرأ رسول الله ﷺ وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ.
٨ - قراءة حفص التي شرحناها عند قوله تعالى: بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ تضم الصاد، وهناك قراءات متواترة تفتح الصاد فيكون المعنى: لقد صد هؤلاء الكافرون عن سبيل الله كما زين لهم المكر والكيد للإسلام وأهله فاستحقوا بشركهم وكيدهم وصدهم عن سبيل الله الضلال، فعقوبة الإضلال من الله لا تكون بلا سبب.
٩ - عند قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ينقل ابن كثير مجموعة أحاديث ننقلها جميعا مع حذف الأسانيد (قال ابن كثير: وفي الصحيحين: من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف وفيه قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت.
فقال: «إني رأيت الجنة- أو أريت الجنة- فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا». وقال الحافظ أبو يعلى ... عن جابر قال: بينما نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله ﷺ فتقدمنا، ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر، فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب: يا رسول الله صنعت اليوم في الصلاة شيئا ما رأيناك كنت تصنعه فقال:
«إني عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم
стр. 2630
به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه» وروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر شاهدا لبعضه، وعن عتبة بن عبد السلمي أن أعرابيا سأل النبي ﷺ عن الجنة فقال فيها عنب؟ قال: «نعم» قال: فما عظم العنقود؟ قال: «مسيرة شهر للغراب الأبقع ولا يفتر» رواه الإمام أحمد. وقال الطبراني ... عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ «إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى» وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون، طعامهم ذلك جشاء كريح المسك، ويلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس» رواه مسلم، وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش عن تمام بن عقبة سمعت زيد بن أرقم قال: جاء رجل من أهل الكتاب فقال يا أبا القاسم: تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ قال «نعم والذي نفس محمد بيده إن الرجل منهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة» قال: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى، قال: «تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كريح المسك فيضمر بطنه». رواه الإمام أحمد والنسائي. وقال الحسن بن عرفة ... عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فيخر بين يديك مشويا» وجاء في بعض الأحاديث «أنه إذا فرغ منه عاد طائرا كما كان بإذن الله تعالى» وقد قال الله تعالى: وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ* لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (الواقعة:
٣٢، ٣٣) وقال: وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (الإنسان:
١٤) وكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص كما قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا .... ) أهـ.
أقول: رأينا في بداية هذه الفائدة النصوص التي تذكر أن الجنة دنت لرسول الله ﷺ ورآها، وهذه النصوص من جملة ما استندنا إليه في أن السموات السبع والعرش من المخلوقات المغيبة عنا، فالملائكة سكان السموات غيب، والجنة- وهي فوق السماء السابعة- غيب، ودليل ذلك أن رسول الله ﷺ دنت إليه، ورآها ولم يرها غيره، فالسّماوات السبع- والله أعلم- لا تخرج عن هذه الطبيعة فهي موجودة ولكنها مغيبة عنا
١٠ - بمناسبة الكلام عن الظل الدائم في الجنة في قوله تعالى: أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها
стр. 2631
يذكر ابن كثير حديث الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب المجد الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها» ثم قرأ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ
١١ - بمناسبة قوله تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً يذكر ابن كثير حديث الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» كما يذكر الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي عنه ﵊ «أربع من سنن المرسلين: التعطر والنكاح والسواك والحناء» أي لشيب الرأس واللحية.
١٢ - من الآيات التي دار حولها نقاش كثير بين العلماء واختلفوا في فهمها على أقوال متعددة، آية يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ وقد ذكرنا في صلب التفسير أرجح ما ترجح عندنا، ولزيادة الفائدة نذكر هنا تلخيص ابن كثير لهذه الأقوال ننقله بحاله ما عدا الأسانيد، قال ابن كثير بعد أن ذكر القول الذي رجحناه: (قوله:
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ اختلف المفسرون في ذلك فقال الثوري ووكيع وهشيم عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: يدبر أمر السنة فيمحو الله ما يشاء، إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت، وفي رواية يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ قال كل شئ إلا الموت والحياة والشقاء والسعادة فإنهما قد فرغ منهما، وقال مجاهد يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران، وقال منصور سألت مجاهدا فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهم إن كان اسمي في السعداء فاثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم وأجعله في السعداء. فقال حسن، ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر فسألته عن ذلك فقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ الآيتين قال يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب السعادة والشقاء فهو ثابت لا يغير، وقال الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة إنه كان كثيرا يدعو بهذا الدعاء: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحه واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. رواه ابن جرير وقال ابن جرير ... عن أبي عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال- وهو يطوف بالبيت وهو يبكي-: اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب فاجعله سعادة ومغفرة.
стр. 2632
وقال حماد ... عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضا ورواه شريك عن هلال بن حميد عن عبد الله بن عليم عن ابن مسعود بمثله، وقال ابن جرير ... عن إبراهيم أن كعبا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: وما هى؟ قال: قول الله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ الآية ومعنى هذه الأقوال: أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء، قد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد ... عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» ورواه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري به وثبت في الصحيح أن صلة الرحم تزيد في العمر. وفي حديث آخر «إن الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض» وقال ابن جرير ... عن ابن عباس قال إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام، من درة بيضاء، لها دفتان من ياقوت- والدفتان لوحان- لله كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. وقال الليث بن سعد ... عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت» وذكر تمام الحديث. رواه ابن جرير وقال الكلبي يمحو الله ما يشاء يثبت وقال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، فقيل له من حدثك بهذا؟ فقال أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رباب عن النبي ﷺ ، ثم سئل بعد ذلك عن هذه الآية فقال يكتب القول كله حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شئ ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك أكلت وشربت دخلت وخرجت ونحو ذلك من الكلام وهو صادق، ويثبت ما كان فيه الثواب وعليه العقاب، وقال عكرمة عن ابن عباس: الكتاب كتابان: فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب وقال العوفي عن ابن عباس في قوله يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ يقول: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله وهو الذي يثبت. وروي عن سعيد بن جبير أنها بمعنى فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ يقول: يبدل ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ وجملة ذلك عنده في أم
стр. 2633
الكتاب الناسخ وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب، وقال قتادة في قوله يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ كقوله ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها الآية، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ قال قالت كفار قريش لما نزل وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ما نرى محمدا يملك شيئا وقد فرغ الأمر، فأنزلت هذه الآية تخويفا ووعيدا لهم، إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا ونحدث في كل رمضان فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وما يقسم لهم، وقال الحسن البصري يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ قال من جاء أجله يذهب، ويثبت الذي هو حي يجري إلى أجله، وقد اختار هذا القول
ابن جرير ﵀ وقوله وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ قال الحلال والحرام، وقال قتادة أي جملة الكتاب وأصله، وقال الضحاك وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ قال كتاب عند رب العالمين،
وقال سنيد بن داود حدثني معتمر عن أبيه عن يسار عن ابن عباس أنه سأل كعبا عن أم الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، ثم قال: لعله كن كتابا فكان كتابا. وقال ابن جريج عن ابن عباس وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ قال:
الذكر)
أقول: لقد رجحنا أن المراد بالآية يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ من شرائعه وَيُثْبِتُ ما يشاء منها وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ أي اللوح المحفوظ، وقد ذهب بعض علماء التوحيد أن ما يطرأ عليه المحو هو صحف الملائكة التي كتبت فيها أحداث السنة، وأما اللوح المحفوظ فلا يطرأ عليه جديد لأنه مظهر من مظاهر علم الله.
١٣ - حمل بعضهم قوله تعالى: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ أن المراد به عبد الله ابن سلام قاله مجاهد. قال ابن كثير: (وهذا القول غريب لأن هذه الآية مكية) والذين اتجهوا إلى أن المراد به عبد الله بن سلام إما أنهم جعلوا الآية مدنية، أو أنهم جعلوا إسلام عبد الله بن سلام متقدما على الهجرة إلى المدينة، والذي نرجحه ما رجحه ابن كثير من كونها عامة في كل من أسلم من اليهود والنصارى، وأنها مكية، وما يروى خلاف ذلك فليس من القوة بحيث يعتمد.
١٤ - ونختم هذه الفوائد بفائدة من حقها التقديم ولكنها أخرت لاعتقادنا أنها مهمة هذه الفائدة لها علاقة بالدعوة إلى الله والتربية، لقد رأينا أن هذه السورة أحد مضامينها الرئيسية تعليل ظاهرة الهداية والضلال، ومما قاله تعالى: وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ومن تم فإن
стр. 2634
الدعاة إلى الله ينبغي أن يلاحظوا هذا في الدعوة والتربية، فيركزوا موضوع التوبة والإنابة، وموضوع الإيمان بالله والإكثار من ذكره، وبقدر ما ينجح الداعية في هذه البداية يكون نجاحة في النهايات، ومن ثم فإننا نلاحظ أن أنجح الناس في نقل الإنسان من حال إلى حال هم صالحوا الصوفية، لأنهم يبدءون مع المريد هذه البداية، إذ يأمرونه بالاستغفار والذكر، ويركزون على المذاكرة في معرفة الله وعيوب النفس، ومن ثم فإننا نوصي كل مسلم بالإكثار من الصلاة، لأنها أعلى من كل ذكر، وبالإكثار من الأذكار، وليلتزم المسلم بحد أدنى من الأذكار المأثورة لا يتخلى عنها في صيف أو شتاء أو سفر أو حضر، ويزيد عليها ما شاء إذا واتته الهمة، وليكن له حظه اليومي من الاستغفار والصلاة على رسول الله ﷺ ، والتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير وليحافظ على أذكار الصلاة وقيام الليل وسنة الضحى
كلمة في محل سورة الرعد:
سورة الرعد هي السورة الرابعة من هذه المجموعة من هذا القسم من أقسام القرآن.
وقد غطت هذه السور الأربع الآيات الأولى من سورة البقرة حتى الآية (٢٧) فهي تقابل من حيث التغطية آل عمران والنساء والمائدة في القسم الأول، إلا أن نوع التغطية والتفصيل يختلف. والابتداء في سورة الرعد ب (المر) يشبه الابتداء في القسم الأول ب (الم) من حيث الاحتواء على حرف زائد على (الم) وهو الراء هنا وهو الحرف المميز في هذا القسم وكما كان بعد (الم) في القسم الأول سورتا الأنفال وبراءة وهما تغطيان معنى في أعماق سورة البقرة، فإن ما بعد سورة الرعد سورة هي سورة إبراهيم تغطي معنى في أعماق سورة البقرة كما سنرى، وبسورة إبراهيم تنتهي هذه المجموعة، فتكون خمس سور لتأتي المجموعة الثانية، وهي مبدوءة بسورة الحجر المبدوءة ب (الر) وهي كذلك خمسة، ثم تأتي المجموعة الثالثة والأخيرة من قسم المئين الذي ينتهي بسورة القصص وسنرى بعد عرض سورة إبراهيم وقبل سورة الحجر ما هي الأسباب التي جعلتنا نعتبر أن سورة إبراهيم هي نهاية المجموعة الأولى، فإلى عرض سورة إبراهيم ﵇
***
стр. 2635
سورة إبراهيم
وهي السورة الرابعة عشرة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الخامسة والأخيرة من المجموعة الثانية من قسم المئين
وآياتها اثنتان وخمسون آية وهي مكية
стр. 2636
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 2637
قال الألوسي في تقديمه لسورة إبراهيم ﵇:
(أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة، والظاهر أنهما أرادا أنها كلها كذلك، وهو الذي عليه الجمهور، وأخرج النحاس في ناسخه عن الحبر أنها مكية إلا آيتين منها فإنهما نزلتا بالمدينة وهما أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً .. الآيتين نزلتا في قتلى بدر من المشركين. وأخرج نحوه أبو الشيخ عن قتادة.
وقال الإمام: إذا لم يكن في السورة ما يتصل بالأحكام فنزولها بمكة والمدينة سواء إذ لا يختلف الغرض فيه، إلا أن يكون فيها ناسخ أو منسوخ فتظهر فائدته. يعني أنه لا يختلف الحال وتظهر ثمرته إلا بما ذكر، فإن لم يكن ذلك فليس فيه إلا ضبط زمان النزول وكفى به فائدة ....
وارتباطها في السورة التي قبلها واضح جدا؛ لأنه قد ذكر في تلك السورة من مدح الكتاب، وبيان أنه مغن عما اقترحوه ما ذكر، وافتتحت هذه بوصف الكتاب والإيمان، إلى أنه مغن من ذلك أيضا، وإذا أريد (بمن عنده علم الكتاب) الله تعالى ناسب مطلع هذه ختام تلك أشد مناسبة، وأيضا قد ذكر في تلك إنزال القرآن حكما
عربيا ولم يصرح فيها بحكمة ذلك، وصرح بها هنا، وأيضا تضمنت تلك الإخبار من قبله تعالى بأنه ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله، وتضمنت هذه الإخبار من جهة الرسل ﵈ وأنهم قالوا: ما كان لنا أن نأتي بسلطان إلا بإذن الله، وأيضا ذكر هناك أمره ﵊ بأن «عليه توكلت» وحكى هنا عن إخوانه المرسلين ﵈ توكلهم عليه سبحانه، وأمرهم بالتوكل عليه جل شأنه، واشتملت تلك على تمثيل للحق والباطل، واشتملت هذه على ذلك أيضا بناء على بعض ما ستسمعه إن شاء الله في قوله سبحانه ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً إلى آخره، وأيضا ذكر في الأولى من رفع السماء ومد الأرض وتسخير الشمس والقمر إلى غير ذلك مما ذكر، وذكر هنا نحو ذلك، إلا أنه سبحانه اعتبر ما ذكر أولا آيات، وما ذكر ثانيا نعما، وصرح في كل بأشياء لم يصرح بها في الأخرى، وأيضا قد ذكر هناك مكر الكفرة، وذكر هنا أيضا، وذكر من وصفه ما لم يذكر هناك، وأيضا قال الجلال السيوطي: إنه ذكر في الأولى قوله تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ وذلك مجمل في أربعة مواضيع: الرسل، والمستهزئين، وصفة الاستهزاء، والأخذ، وقد فصلت الأربعة في قوله تعالى أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ ... الآيات وقد اشتركت السورتان- مما عدا افتتاح كل منهما بالمتشابه- بأن
стр. 2638
كلا قد افتتح بالألف واختتم بالباء ... )
كلمة في سورة إبراهيم ومحورها:
عند ما نتأمل سورة البقرة لنجد فيها محورا لسورة إبراهيم يتفق مع معناها وجرسها وروحها، فإننا نجده محورا بعيدا جدا عن محور سورة الرعد حتى ليكاد يكون في آخر سورة البقرة والمحور الذي نعثر عليه هو: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
تأمل هاتين الآيتين، وتأمل بداية سورة إبراهيم: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ .....
ثم تأمل قوله تعالى فيها وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ .... وكما أنه بعد الآية التي ذكر فيها الظلمات والنور جاءت آية مبدوءة بقوله تعالى (ألم تر) في سورة البقرة فإنك ترى في سورة إبراهيم هذه الكلمة تتكرر.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ....
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً .....
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً ....
وكما كان في الآية الثانية من المحور كلام عن إبراهيم فإن كلاما عن إبراهيم يأتي كذلك في السورة وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً
............
فسورة إبراهيم تفصل في موضوع الإخراج من الظلمات إلى النور، وتلفت النظر إلى كل ما يساعد عليها، وتضرب مثلا على أنواع من الخروج من الظلمات إلى النور، ثم توجه الخارجين من الظلمات إلى النور إلى معان من ظلمات الحياة فتخرجهم منها إلى النور.
стр. 2639
وقد دلنا على أن هذه هي نهاية المجموعة الأولى من قسم المئين المعاني، فإن سورة الحجر وما بعدها تبدأ بتغطية سورة البقرة من بدايتها
...........
تتألف سورة إبراهيم من ثمان مجموعات وخاتمة هي آية واحدة، وهي بمجموعها تشكل مقطعا واحدا، ينتظم هذه المجموعات كلها محور واحد. وتخدم كل مجموعة هذا المحور بشكل من الأشكال
وكل مجموعة توصل إلى ما بعدها، وكل مجموعة لاحقة تتصل بما قبلها
فلنر السورة من خلال العرض.
стр. 2640
المجموعة الأولى
وهي أربع آيات وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)
التفسير:
الر كِتابٌ أي هذا الكتاب أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ يا محمد لِتُخْرِجَ النَّاسَ به بالدعوة إليه والتربية عليه مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي من الضلالة والغي إلى الهدى والرشد، من ظلمات الشهوة والجهل والكفر، والشرك والشك، إلى نور الإسلام بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أي بتيسيره وتسهيله وتوفيقه لمن قدر له الهداية على يدي رسوله ﷺ المبعوث عن أمره بهذا القرآن إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ أي الذي لا يمانع ولا يغالب، بل هو القاهر لكل ما سواه الْحَمِيدِ أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وأمره ونهيه
اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ أي ويل لهم يوم القيامة إذ خالفوك وكذبوك.
وبعد أن ذكر الخارجين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، توعد الكافرين بالويل الذي هو نقيض النجاة، وهو اسم معنى كالهلاك،
ثم وصف الكافرين فقال: الَّذِينَ
стр. 2641
يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ أي يختارونها ويؤثرونها ويقدمونها عليها، ويعملون للدنيا وينسون الآخرة، ويتركونها وراء ظهورهم وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن دينه والدعاة إليه وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي ويطلبون لسبيل الله زيغا واعوجاجا، وما هم بواجدين فيها شيئا من ذلك، ولكنه الحقد عليها واللؤم من طبائعهم، قال ابن كثير في تفسيرها: (أي ويحبون أن تكون سبيل الله عوجا أي مائلة حائلة، وهي مستقيمة في نفسها، لا يضرها من خالفها ولا من خذلها، فهم في ابتغائهم ذلك في جهل وضلال بعيد من الحق لا يرجى لهم- والحالة هذه- صلاح) ومن ثم ختم الله الآية بقوله أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ أي عن الحق، وقد وصف الضلال بالبعد مع أن البعد للضال، لأنه هو الذي يباعد صاحبه عن طريق الحق، ولأن فعل الضلال ملازم له لا يفارقه
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ أي إلا متكلما بلغتهم، وهذا من لطفه تعالى بخلقه، أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغاتهم ليفهموا منهم ما يريدون، وما أرسلوا به إليهم لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ما هو مبعوث له وبه، فلا يكون لهم حجة على الله، ولا يقولون له لم نفهم ما خوطبنا به فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ من آثر سبب الضلالة وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ من آثر سبب الاهتداء بعد البيان وإقامة الحجة وَهُوَ الْعَزِيزُ فلا يغالب على مشيئته الْحَكِيمُ في أفعاله فيضل من يستحق الإضلال، ويهدي من هو أهل لذلك، ولا يخذل إلا أهل الخذلان، ويوفق من يستحق التوفيق بفضله ومنه.
كلمة في السياق:
رأينا أن محور سورة إبراهيم ﵇ هو قوله تعالى في سورة البقرة اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وقد بدأت سورة إبراهيم بأن بينت أن الله قد أنزل هذا القرآن على محمد ﷺ من أجل أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، فإذا كان الله قد أجمل في سورة البقرة موضوع الإخراج من الظلمات إلى النور، فههنا فصل ذاكرا الأسباب، إن عملية الإخراج من الظلمات إلى النور إنما تتم بالقرآن بواسطة رسول الله ﷺ ، وأن الإخراج إلى النور إنما يكون بالسير في صراط الله ، فالنور هو صراطه المستقيم، ومن هذه البداية ندرك أن السورة فيها تفصيل لموضوع الخروج من الظلمات إلى النور.
стр. 2642
فوائد:
١ - لقد وصف الله الكافرين في الآيات بثلاث صفات:
ا- الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة.
ب- ويصدون عن سبيل الله.
ج- ويبغونها عوجا.
وهي صفات يشترك فيها كل كافر، فكل كافر يعتبر الحياة الدنيا أصلا ويجعلها الميزان لكل تصرف، وكل كافر يصد عن السبيل في الحقيقة، وكل كافر يحرص على أن يجد ثغرات في سبيل الله ليهاجمها، ويحرص على أن يحرف سبيل الله ويعوجها- إن استطاع- باستعماله كل الوسائل حتى لا تبقى سبيل الله مستقيمة.
٢ - إذا جمعنا قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ مع قوله تعالى وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ نفهم منهما أنه ما من أمة لها لسان خاص إلا وقد بعث الله لها رسولا، فما يفهمه بعض الناس أن الرسل لم يبعثوا إلا في المنطقة العربية، أو في منطقة بلاد الشام، وما جاورها فإنه ليس صحيحا. فكل أمة لها لسانها بعث الله لها رسولا منها بلغتها. وروى الإمام أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «لم يبعث الله نبيا إلا بلغة قومه». والحكمة في ذلك هي: ألا يكون لهم على الله حجة؛ فلا يقولون له لم نفهم ما خوطبنا به، فإن قال قائل: إن محمدا ﷺ بعث إلى الناس جميعا بل إلى الإنس والجن وهم على ألسنة مختلفة فالجواب:
إن هذا القرآن إما أن ينزل بجميع الألسنة، أو بواحد منها، ولا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك فتعين أن ينزل بلسان واحد، وكان لسان قومه أولى بالتعيين لأنهم أقرب إليه
٣ - دلتنا الآيات أن صراط الله هو النور، وأن الخروج إليه يكون بالرسول والقرآن. والقرآن موجود والسنة موجودة، ووراث رسول الله ﷺ
موجودون ينوبون مناب الرسول ﷺ في الإخراج من الظلمة إلى النور كما دلتنا الآيات أن بالبيان تقوم الحجة، وأن إضلال الله وهدايته أثر عن عدله وفضله، وأثر عن الاستحقاق بسبب الخصائص والصفات. فالخروج من الظلمات إلى النور لا يكون إلا بالله، والله جعل لذلك سننا وأسبابا، وقد حدد الله في هذه الآيات هذه السنن
стр. 2643
والأسباب بشكل عام، وبعد أن عرفنا في هذه الآيات الأربع أسباب الخروج من الظلمات إلى النور، تأتي الآن آيات أربع، تتحدث عن موسى ﵇ وتكليفه من الله أن يخرج قومه من الظلمات إلى النور، وبعض السنن التي لها علاقة في هذا الموضوع، مما يفهم منه أن إخراج الناس من الظلمات إلى النور بواسطة الرسول هو سنة الله في كل زمان، فلنر آيات المجموعة الثانية
***
стр. 2644
المجموعة الثانية
وتمتد من الآية (الخامسة) إلى نهاية الآية (الثامنة) وهذه هي:
[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٥ الى ٨]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)
التفسير:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ قال ابن كثير في تفسيرها: (وكما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب لتخرج الناس كلهم، وتدعوهم إلى الخروج من الظلمات إلى النور، كذلك أرسلنا موسى إلى بني إسرائيل بآياتنا). وإذن إخراج الناس بمحمد ﷺ والقرآن من الظلمات إلى النور يشبهه إخراج بني إسرائيل من الظلمات إلى النور بموسى ﵇ والتوراة. وقد فهمنا أن التكليف الأول لموسى ﵇ في هذه الآية هي الإخراج من الظلمات إلى النور، والتكليف الثاني هو: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ أي وأنذرهم بوقائعه التي أوقعها بالأمم أو بنعمه التي أنعمها عليهم. قال ابن كثير: (أي بأياديه ونعمة عليهم في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه، وإنجائه إياهم من عدوهم وفلقه لهم البحر، وتظليله إياهم الغمام، وإنزاله عليهم المن والسلوى إلى غير ذلك من النعم). ثم ذكر ابن كثير حديثا رواه عبد الله بن الإمام أحمد عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ في قوله تعالى.
وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ قال: «بنعم الله». ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم إِنَّ فِي
стр. 2645
ذلِكَ أي في أيام الله لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ على البلايا والضراء شَكُورٍ على العطايا والسراء.
ثم قص الله علينا نماذج من فعل موسى ﵇ في الإخراج والتذكير بأيام الله وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ مذكرا لهم بأيام الله كما أمره الله اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ أي ويتركون إناثكم أحياء وَفِي ذلِكُمْ أي وفي ذلك الإنجاء بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ أي نعمة عظيمة منه عليكم في ذلك أنتم عاجزون عن القيام بشكرها، ومما قاله موسى ﵇ لبني إسرائيل كذلك
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ أي وآذن ربكم إيذانا بليغا تنتفي عنده الشكوك والغفلة لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ أي لئن شكرتم يا بني إسرائيل ما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها لأزيدنكم نعمة إلى نعمة وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ أي كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ وذلك بسلبها عنهم وعقابه إياهم على كفرها في الدنيا والآخرة
وَقالَ مُوسى كذلك لبني إسرائيل إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ يا بني إسرائيل وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أي والناس كلهم فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عن شكركم حَمِيدٌ أي محمود وإن لم يحمده من كفره.
فوائد:
١ - أيام الله فسرها الحديث بأنها نعم الله، ولكن نعمة الله في هذا المقام ترافقها نقمة، فنعمة الله على بني إسرائيل بإنجائهم من فرعون ترافقها نقمة الله على فرعون، ومن ثم فأيام الله يدخل فيها نعمه على قوم ونقمه على قوم.
٢ - قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يفيد أنه لا يأخذ العبرة من أيام الله إلا من اجتمع له صفتا الصبر والشكر، وقد ورد في الحديث «الصبر نصف الإيمان». أقول: والشكر نصفه الثاني. قال النسفي: (إذ الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر). وإذن فكأن الله قال: إن في ذلك لآيات لكل مؤمن ظهرت عليه ثمرتا الإيمان الرئيسيتان: الصبر، والشكر. قال قتادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر. وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال «إن أمر المؤمن كله عجب لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له».
٣ - قول موسى ﵇ لقومه في هذه الآيات الأربع نجدها في الإصحاحات
стр. 2646
التاسع والعشرين، والثلاثين من سفر التثنية، مع سطر من نهاية الإصحاح الثامن والعشرين، ننقلها هنا لنرى كيف أن هذا القرآن إعجازاته لا تنتهي، فما تحويه آيات ثلاث منه تحتاج إلى الصفحات من غيره، كما ننقله لهدف آخر سنراه عند ما نبدأ الحديث عن الآيات اللاحقة لهذه الآيات، ثم إننا ننقله استئناسا لنرى كيف خاطب موسى ﵇ قومه، فنرى تفصيل ما أجمله القرآن، مع ملاحظة ما ذكرناه من قبل حول أمثال هذه النصوص
في نهاية الإصحاح الثامن والعشرين جاء هذا النص: (هذه هي كلمات العهد الذي أمر الرب موسى أن يقطعه مع بني إسرائيل في أرض موآب فضلا عن العهد الذي يقطعه معهم في حوريب)
ثم جاء بعد ذلك الإصحاحان التاسع والعشرون، والثلاثون وهذان هما:
الإصحاح التاسع والعشرون
ودعا موسى جميع إسرائيل وقال لهم أنتم شاهدتم ما فعل الرب أمام أعينكم في أرض مصر بفرعون وبجميع عبيده، وبكل أرضه التجارب العظيمة التي أبصرتها عيناك وتلك الآيات والعجائب العظيمة ولكن لم يعطكم الرب قلبا لتفهموا وأعينا لتبصروا وآذانا لتسمعوا إلى هذا اليوم فقد سرت بكم أربعين سنة في البرية لم تبل ثيابكم عليكم ونعلك لم تبل على رجلك لم تأكلوا خبزا ولم تشربوا خمرا ولا مسكرا لكي تعلموا أني أنا الرب إلهكم ولما جئتم إلى هذا المكان خرج سيحون ملك حشبون وعوج ملك باشان للقائنا للحرب فكسرناهما وأخذنا أرضهما وأعطيناها نصيبا لرأوبين وجاد ونصف منسى فاحفظوا كلمات هذا العهد واعملوا بها لكي تفلحوا في كل ما تفعلون أنتم واقفون اليوم جميعكم أمام الرب إلهكم رؤساؤكم أسباطكم شيوخكم وعرفاؤكم وكل رجال إسرائيل وأطفالكم ونساؤكم وغريبكم الذي في وسط محلتكم ممن يحتطب حطبكم إلى من يستقي ماءكم لكي تدخل في عهد الرب إلهك وقسمه الذي يقطعه الرب إلهك معك اليوم لكي يقيمك اليوم لنفسه شعبا وهو يكون لك إلها كما قال لك وكما حلف لآبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب وليس معكم وحدكم أقطع أنا هذا العهد وهذا القسم بل مع الذي هو هنا معنا واقفا اليوم أمام الرب إلهنا ومع الذي ليس هنا معنا اليوم لأنكم قد عرفتم كيف أقمنا في أرض مصر وكيف اجتزنا في وسط الأمم الذين مررتم بهم ورأيتم أرجاسهم وأصنامهم التي عندهم من خشب وحجر وفضة وذهب لئلا يكون فيكم رجل أو امرأة
стр. 2647
أو عشيرة أو سبط قلبه اليوم منصرف عن الرب إلهنا لكي يذهب ليعبد آلهة تلك الأمم لئلا يكون فيكم أصل يثمر علقما وأفسنتينا فيكون متى سمع كلام هذه اللعنة يتبرك في قلبه قائلا يكون لي سلام إني بإصرار قلبي أسلك لإفناء الريان مع العطشان لا يشاء الرب أن يرفق به بل يدخن حينئذ غضب الرب وغيرته على ذلك الرجل فتحل عليه كل اللعنات المكتوبة في هذا الكتاب ويمحو الرب اسمه من تحت السماء ويفرزه الرب للشر من جميع أسباط إسرائيل حسب جميع لعنات العهد المكتوبة في كتاب الشريعة فيقول الجيل الأخير بنوكم الذين يقومون بعدكم والأجنبي الذي يأتي من أرض بعيدة حين يرون ضربات تلك الأرض وأمراضها التي يمرضها بها الرب كبريت وملح كل أرضها حريق لا تزرع ولا تنبت ولا يطلع فيها عشب ما كانقلاب سدوم وعمورة وأدمة وصبوييم التي قلبها الرب بغضبه وسخطه ويقول جميع الأمم لماذا فعل الرب هكذا بهذه الأرض لماذا حمو هذا الغضب العظيم. فيقولون لأنهم تركوا عهد الرب إله آبائهم الذي قطعه معهم حين أخرجهم من أرض مصر وذهبوا وعبدوا آلهة أخرى وسجدوا لها آلهة لم يعرفوها ولا قسمت لهم.
فاشتعل غضب الرب على تلك الأرض حتى جلب عليها كل اللعنات المكتوبة في هذا السفر واستأصلهم الرب من أرضهم بغضب وسخط وغيظ عظيم وألقاهم إلى أرض أخرى كما في هذا اليوم السرائر للرب إلهنا والمعلنات لنا ولنبينا إلى الأبد لنعمل بجميع كلمات هذه الشريعة.
الإصحاح الثلاثون
ومتى أتت عليك كل هذه الأمور البركة واللعنة اللتان جعلتهما قدامك فإن رددت في قلبك بين جميع الأمم الذين طردك إلهك إليهم ورجعت إلى الرب إلهك وسمعت لصوته حسب كل ما أنا أوصيك به اليوم أنت وبنوك بكل قلبك وبكل نفسك يرد الرب إلهك سبيك ويرحمك ويعود فيجمعك من جميع الشعوب الذين بددك إليهم الرب إلهك إن يكن قد بددك إلى أقصاء السموات فمن هناك يجمعك الرب إلهك ومن هناك يأخذك ويأتي بك الرب إلهك إلى الأرض التي امتلكها آباؤك فتمتلكها ويحسن إليك ويكثرك من آبائك ويختم الرب إلهك قلبك وقلب نسلك لكي تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك لتحيا ويجعل الرب إلهك كل هذه اللعنات على أعدائك وعلى مبغضيك الذين طردوك وأما أنت فتعود تسمع لصوت الرب وتعمل بجميع وصاياه التي أنا أوصيك بها
стр. 2648
اليوم فيزيدك الرب إلهك خيرا في كل عمل يدك في ثمرة بطنك وثمرة بهائمك وثمرة أرضك لأن الرب يرجع ليفرح لك بالخير كما فرح لآبائك إذا سمعت لصوت الرب إلهك لتحفظ وصاياه وفرائضه المكتوبة في سفر الشريعة هذا. إذا رجعت إلى الرب إلهك بكل قلبك وبكل نفسك.
إن هذه الوصية التي أوصيك بها اليوم ليست عسرة عليك ولا بعيدة منك ليست هي في السماء حتى تقول من يصعد لأجلنا إلى السماء ويأخذها لنا ويسمعنا إياها لنعمل بها ولا هي في عبر البحر حتى تقول من يعبر لأجلنا البحر ويأخذها لنا ويسمعنا إياها لنعمل بها بل الكلمة قريبة منك جدا في فمك وفي قلبك لتعمل بها.
انظر قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير والموت والشر بما أني أوصيتك اليوم أن تحب الرب إلهك وتسلك في طرقه وتحفظ وصاياه وفرائضه وأحكامه لكي تحيا وتنمو ويباركك الرب إلهك في الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها فإن انصرف قلبك ولم تسمع بل غويت وسجدت لآلهة أخرى وعبدتها فإني أنبئكم اليوم أنكم
لا محالة تهلكون. لا تطيل الأيام على الأرض التي أنت عابر الأردن لكي تدخلها وتمتلكها أشهد عليكم اليوم السماء والأرض. قد جعلت قدامك الحياة والموت والبركة واللعنة فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك. إذ تحب الرب إلهك وتسمع لصوته وتلتصق به لأنه هو حياتك والذي يطيل أيامك لكي تسكن على الأرض التي حلف الرب لآبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيهم إياها.
٤ - بمناسبة قوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ذكر النسفي بعض الحكم منها (الشكر قيد الموجود وصيد المفقود) ومنها (إذا سمعت النعمة نغمة الشكر تأهبت للمزيد) ومما ذكره ابن كثير بمناسبة الآية الحديث: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» أقول: ويفهم من الآية أن المعصية كفران عملي للنعم.
٥ - وبمناسبة قوله تعالى: وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ يذكر ابن كثير ببعض الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب
стр. 2649
رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر».
٦ - البلاء في اللغة العربية من أسماء الأضداد، فقد يراد به النعمة، وقد يراد به النقمة والاختبار، وقد رجحنا أثناء التفسير أن المراد به في النص هنا النعمة، وأشرنا هنا إلى هذا لاحتمال النص الوجه الثاني.
كلمة في السياق:
بينت السورة أن محمدا ﷺ أنزل عليه القرآن ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأن موسى ﵇ بعث من أجل هذا، ومن أجل التذكير بنعم الله، ولاحظنا أن مما ركز عليه موسى موضوع الشكر على النعم، والتحذير من الكفران، فدل ذلك على أن من صراط الله الشكر على النعم. وفهمنا كذلك من الآيات أن من صراط الله الصبر والشكر بل هما مفتاحا الهداية، وعرفنا من السياق أن أدب الداعية إلى الله الإلحاح على التذكير بالنعم، والإلحاح على موضوع الصبر والشكر، والتخويف من الكفر، وهكذا فإن السورة توضح لنا موضوع الخروج من الظلمات إلى النور شيئا فشيئا، ولقد عرفنا حتى الآن أن من الظلمات الكفر، ومحبة الدنيا، والصد عن سبيل الله، والرغبة في انحرافها، والكفر بنعم الله، والهلع، وإذ استقرت هذه المعاني يتجه الآن الخطاب لهذه الأمة من أجل إخراجها من الظلمات إلى النور، من خلال تذكيرها بأيام الله في المخالفين للرسل، وذلك موضوع المجموعة الثالثة
***
стр. 2650
المجموعة الثالثة
وتمتد هذه المجموعة من الآية (٩) حتى الآية (١٨)
[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٩ الى ١٨]
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣)
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)
стр. 2651
التفسير:
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ أي خبر الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ هل هذا خطاب من موسى ﵇ لقومه أو خبر مستأنف من الله تعالى لهذه الأمة؟ ذهب ابن جرير إلى الأول ورجح ابن كثير الثاني؛ بسبب أن قصة عاد وثمود ليست في التوراة. فلو كان هذا من كلام موسى ﵇ لقومه وقصصه عليهم لكانت هاتان القصتان في التوراة، هذه حجة ابن كثير في كون هذا الخطاب مستأنفا لهذه الأمة، وقد رأينا فيما نقلناه من كلام التوراة الحالية مما له علاقة في مقام الخطاب المذكور في الآيات السابقة ما يرجح ما ذهب إليه ابن كثير، وهذا من الأسباب التي حملتنا على نقل ما نقلناه قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ هذا تفسير للأمم التي أراد الله أن نتذكر أخبارها،
والمعنى أن هذه الأمم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالحجج والدلائل الواضحات الباهرات القاطعات ومنها المعجزات فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ أي أخذوا أناملهم بأسنانهم تعجيبا، أو عضوا عليها تغيظا، أو أنهم بهذه العملية أشاروا إلى الرسل يأمرونهم بالسكوت، أو أنهم ردوا أيديهم في أفواه الرسل كيلا يتكلموا، أو أنهم ردوا أيديهم إلى أفواههم من أجل ألا يجيبوا الرسل جوابا إيجابيا. ورجح ابن كثير قول مجاهد: وهو أنهم كذبوهم وردوا عليهم قولهم بأفواههم، وعلى هذا القول يكون المعنى، فرد الأقوام أيادي الرسل أي نعمهم بأفواههم، أورد الأقوام قدراتهم وجعلوها في أفواههم بمعنى أن كل طاقاتهم سخروها للرد اللساني ابتداء وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ من الإيمان والتوحيد والعبادة وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ أي موقع في الريبة
قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ الاستفهام للإنكار أي إن وجود الله وإلهيته لا يحتملان الشك لظهور الأدلة فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خالقهما يَدْعُوكُمْ أي إلى الإيمان والعبادة لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أي إذا آمنتم وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي
стр. 2652
إلى وقت في الدنيا قد سماه وبين مقداره. قالُوا أي كل قوم من الأقوام المكذبة إِنْ أَنْتُمْ أي ما أنتم إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أي لا فضل بيننا وبينكم، ولا فضل لكم علينا، فلم تخصون بالنبوة دوننا، وكيف نتبعكم ونحن متساوون معكم في البشرية؟
تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي بحجة بينة.
وقد جاءتهم رسلهم بالبينات وإنما أرادوا آية يقترحونها تعنتا
قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ أي ما نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أي صحيح أنا بشر مثلكم في البشرية وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي بالرسالة والنبوة كما من علينا وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ أي على وفق ما سألتم إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي بعد سؤالنا إياه، وإذنه لنا في ذلك. والمعنى: أن الإتيان بالآية التي قد اقترحتموها ليس إلينا ولا باستطاعتنا، وإنما هو أمر يتعلق بمشيئة الله وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ في جميع أمورهم. هذا الأمر من الرسل للمؤمنين كافة بالتوكل، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا كأنهم قالوا: ومن حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وإيذائكم
ثم قال الرسل: وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا أي وأي عذر في ألا نتوكل عليه وقد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه وهو التوفيق لهداية كل منا سبيله الذي يجب عليه سلوكه في الدين، وما يمنعنا من التوكل عليه وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا أي من الكلام السيئ والأفعال السخيفة. وهذا من الرسل حلف على الصبر على أذى أقوامهم وألا يمسكوا عن دعائهم وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ أفاد التكرار التثبيت على مقام التوكل. والمعنى: فليثبت المتوكلون على توكلهم.
وهنا لجأ الأقوام إلى التهديد بإخراج الرسل من أوطانهم ونفيهم: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أي من ديارنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا أي في ديننا أي ليكونن أحد الأمرين: إخراجكم أو عودكم، وحلفوا على ذلك فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ هذا وعد من الله بإهلاك الظالمين واستخلاف المؤمنين إذا تحققوا بصفتين ذلِكَ أي الإهلاك والإسكان لِمَنْ خافَ مَقامِي أي موقفي وهو موقف الحساب، أو خاف قيامي عليه بالعلم وَخافَ وَعِيدِ أي عذابي، أي وعيدي، هذا لمن خاف مقامه بين يدي يوم القيامة وخشي من وعيدي وهو تخويفي وعذابي، والمعنى أن إهلاك الأعداء واستخلاف الأولياء منوطان بوجود التقوى
وَاسْتَفْتَحُوا أي واستنصر الرسل على أعدائهم، أو واستفتح الكفار على الرسل ظنا منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل، أو واستنصر
стр. 2653
الجميع الله وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ منهم أي بأن لم يفلح باستفتاحه وهم مكذبو الرسل، والجبار: هو المتجبر في نفسه، والعنيد: هو المعاند للحق، وكيف لا يخيب ويخسر حين يجتهد الأنبياء في الابتهال إلى الله ربهم العزيز المقتدر، ومع خيبة الجبارين المعاندين في الاستفتاح في الدنيا فإن أمامهم عذاب النار
مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وراء هنا بمعنى أمام أي من أمام الجبار العنيد جهنم، أي هي له بالمرصاد يسكنها مخلدا يوم المعاد، ويعرض عليها غدوا وعشيا إلى يوم التناد، وهو إما وصف لحاله في الدنيا لأنه مرصد لجهنم فكأنها بين يديه، وهو على شفيرها، وإما وصف لحاله في الآخرة حين يبعث ويوقف وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ إذا ألقي في النار، والصديد هو ما يسيل من جلود أهل النار
يَتَجَرَّعُهُ أي يشربه جرعة جرعة أي يتغصصه ويتكرهه وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ أي ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة؟ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي إن أسباب الموت تأتيه من كل جهة، أو من كل مكان، وهذا تصوير لما يصيبه من الآلام، أي لو كان ثمة موت لكان كل واحد منها مهلكا وَما هُوَ بِمَيِّتٍ لأنه لو مات لاستراح ولا راحة لهم بل عذاب وَمِنْ وَرائِهِ أي ومن بين يديه عَذابٌ غَلِيظٌ أي في كل وقت يستقبله يتلقى عذابا أشد مما قبله، أو أغلظ، أي وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ، أي مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله، وأدهى وأمر،
ثم ضرب الله مثلا لأعمال الكفار عامة الذين عبدوا معه غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح فانهارت، وعدموها أحوج ما كانوا إليها مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ هذه جملة على تقدير سؤال سائل يقول:
كيف مثلهم؟ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ أي ذي ريح شديدة عاصفة قوية، والمعنى: مثل أعمالهم يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى لأنهم كانوا يحسبون أنهم كانوا على شئ فلم يجدوا شيئا، ولا ألفوا حاصلا إلا كما يتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة، فلا يقدرون على شئ من أعمالهم التي كسبوها
في الدنيا إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد في مثل هذا اليوم، وأعمال الكفرة: المكارم التي كانت لهم، من صلة الأرحام، وعتق الرقاب، وفداء الأسرى، وإطعام الأضياف، وغير ذلك، شبهها الله في حبوطها- لبنائها على غير أساس الإيمان بالله تعالى ورسله- برماد طيرته الريح العاصف لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ أي لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شئ، أي لا يرون له أثرا من ثواب كما لا يقدر من الرماد المطير في الريح على شئ ذلِكَ أي سعيهم وعملهم على
стр. 2654
غير أساس ولا استقامة حتى فقدوا ثوابهم أحوج ما كانوا إليه هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ عن طريق الحق، أو عن الثواب.
نقل:
بمناسبة قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ: لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قال صاحب الضلال: (هنا تتجلى حقيقة المعركة وطبيعتها بين الإسلام والجاهلية .. إن الجاهلية لا ترضى من الإسلام أن يكون له كيان مستقل عنها.
ولا تطيق أن يكون له وجود خارج عن وجودها. وهي لا تسالم الإسلام حتى لو سالمها. فالإسلام لا بد أن يبدو في صورة تجمع حركي مستقل، بقيادة مستقلة وولاء مستقل، وهذا ما لا تطيقه الجاهلية. لذلك لا يطلب الذين كفروا من رسلهم مجرد أن يكفوا عن دعوتهم ولكن يطلبون منهم أن يعودوا في ملتهم، وأن يندمجوا في تجمعهم الجاهلي، وأن يذوبوا في مجتمعهم، فلا يبقى لهم كيان مستقل وهذا ما تأباه طبيعة هذا الدين لأهله وما يرفضه الرسل من ثم ويأبونه، فما ينبغي لمسلم أن يندمج في التجمع الجاهلي مرة أخرى .. وعند ما تسفر القوة الغاشمة عن وجهها الصلد لا يبقى مجال لدعوة، ولا يبقى مجال لحجة ولا يسلم الله الرسل إلى الجاهلية
إن التجمع الجاهلي- بطبيعة تركيبه العضوي- لا يسمح لعنصر مسلم أن يعمل من داخله. إلا أن يكون عمل المسلم وجهده وطاقته. لحساب التجمع الجاهلي والتميع في تشكيلاته وأجهزته. هذه الطبيعة التي ترغم كل فرد داخل المجتمع يعمل لحساب هذا المجتمع ولحساب منهجه وتصوره .. لذلك يرفض الرسل الكرام أن يعودوا في ملة قومهم بعد إذ نجاهم الله منها
وهنا تتدخل القوة الكبرى فتضرب ضربتها المدمرة القاضية التي لا تقف لها قوة البشر المهازيل وإن كانوا طغاة منجبرين:
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ ..
لا بد من أن ندرك أن تدخل القوة الكبرى للفصل بين الرسل وقومهم، إنما يكون دائما بعد مفاصلة الرسل لقومهم .. بعد أن يرفض المسلمون أن يعودوا إلى ملة قومهم، بعد إذ نجاهم الله. وبعد أن يصروا على تميزهم بدينهم وبتجمعهم الإسلامي الخاص بقيادته الخاصة. وبعد أن يفاصلوا قومهم على أساس العقيدة
стр. 2655
فينقسم القوم إلى أمتين مختلفتين عقيدة ومنهجا وقيادة وتجمعا .. عندئذ تتدخل القوة الكبرى لتضرب ضربتها الفاصلة ولتدمر على الطواغيت الذين يتهددون المؤمنين، ولتمكن للمؤمنين في الأرض، ولتحقق وعد الله لرسله بالنصر والتمكين ولا يكون هذا التدخل أبدا والمسلمون متميعون في المجتمع الجاهلي عاملون من خلال أوضاعه وتشكيلاته، غير منفصلين عنه ولا متميزين بتجمع حركي مستقل وقيادة إسلامية مستقلة.
الفوائد:
١ - من قوله تعالى: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ فهم المفسرون أن المعرفة الدقيقة للتاريخ متعذرة، وبذلك شككوا بالكثير مما يذكره بعضهم من أنساب متصلة ضاربة في القدم. قال ابن كثير: وقال ابن إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله أنه قال في قوله تعالى: لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ كذب النسابون. وقال عروة بن الزبير ما وجدنا أحدا يعرف ما بعد معد بن عدنان.
٢ - قال ابن كثير في قوله تعالى: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ: (وهذا يحتمل شيئين (أحدهما) أي أفي وجوده شك فإن الفطر شاهدة بوجوده، ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده، ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال، فإن سبق شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليهما، فلا بد لها من صانع وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شئ وإلهه ومليكه؛ والمعنى الثاني في قولهم أَفِي اللَّهِ شَكٌّ أي أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك، وهو الخالق لجميع الموجودات ولا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى)
أقول: الملاحظ أنه في العصور المتأخرة أصبح نفي وجود الله- بله الشك به- هو الفلسفة التي تتبناها دول من أكبر دول العالم، وتروج لها وتزخرفها آلاف الكتب وملايين النشرات وتبني عليها مذاهب وتقوم عليها تكتلات، وعلى أهل الإيمان أن يقابلوا ذلك بما يكافئه
٣ - ذكر ابن كثير بمناسبة قوله تعالى: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ ذكر بهذه
стр. 2656
المناسبة بعض الآيات التي تشبهها في المعنى فقال: كما قال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ* وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ....
(الصافات: ١٧١ - ١٧٣) وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (الأعراف: ١٣٧) اهـ
ومن خلال النظر في هذه الآيات ندرك أن الله من سننه أن تكون العاقبة للمتقين، وأنه ربى المسلمين على أن يعرفوا هذه السنة ويعتقدوها، فهي جزء من
معرفة الله، وهي من النور الذي يخرج الله إليه عباده كما يفهم من السياق.
٤ - بمناسبة قوله تعالى وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يذكر ابن كثير أنواع عذاب أهل النار وأن الماء الصديد واحد من هذه الأنواع، وله كلام نفيس بمناسبة هذه الآية وما بعدها ننقله مع حذف الأسانيد. قال: (وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ أي في النار ليس له شراب إلا من حميم وغساق، فهذا حار في غاية الحرارة، وهذا بارد في غاية البرد والنتن كما قال تعالى: هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ* وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (ص: ٥٧، ٥٨) وقال مجاهد وعكرمة: الصديد من القيح والدم، وقال قتادة:
هو ما يسيل من لحمه وجلده، وفي رواية عنه: الصديد ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدم، وفي حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قلت: يا رسول الله ما طينة الخبال؟ قال: «صديد أهل النار». وفي رواية «عصارة أهل النار». وقال الإمام أحمد .. عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ قال: «يقرب إليه فيتكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره» يقول الله تعالى: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (محمد: ١٥) ويقول وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ الآية (الكهف: ٢٩). وهكذا رواه ابن جرير من حديث عبد الله بن المبارك به، ورواه ابن أبي حاتم من حديث بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو به، وقوله (يتجرعه) أي يتغصصه ويتكرهه أي يشربه قهرا وقسرا لا يضعه في فمه حتى يضربه الملك بمطراق من حديد كما قال تعالى: وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (الحج: ٢١). وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ أي يردده لسوء طعمه ولونه وريحه وحرارته وبرده الذي لا يستطاع وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه، قال عمر بن ميمون بن مهران: من كل عظم وعصب وعرق، وقال عكرمة: حتى من أطراف شعره، وقال إبراهيم التيمي: من
стр. 2657
موضع كل شعرة أي من جسده حتى من أطراف شعره، وقال ابن جرير وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي من أمامه وخلفه، وفي رواية وعن يمينه وشماله، ومن فوقه ومن تحت أرجله، ومن سائر أعضاء جسده، وقال الضحاك عن ابن عباس: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ قال: أنواع العذاب الذي يعذبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم ليس منها نوع إلا يأتيه الموت منه لو كان يموت ولكن لا يموت لأن الله تعالى قال: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها (فاطر: ٣٦) ومعنى كلام ابن عباس ﵁ أنه ما من نوع من هذه الأنواع من العذاب إلا إذا ورد عليه اقتضى أن يموت منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت ليخلد في دوام العذاب والنكال، ولهذا قال تعالى وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وقوله وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ أي وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ مؤلم شديد أغلظ من الذي قبله، وأدهى وأمر، وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ* طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ* فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ* ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ* ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (الصافات: ٦٤ - ٦٨) فأخبر أنهم تارة يكونون في أكل زقوم، وتارة في شرب حميم، وتارة يردون إلى جحيم، عياذا بالله من ذلك، وهكذا قال تعالى هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ* يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (الرحمن: ٤٣، ٤٤) وقال تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ* طَعامُ الْأَثِيمِ* كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ* كَغَلْيِ الْحَمِيمِ* خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ* ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ* ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ* إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (الدخان: ٤٣ - ٥٠) وقال وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ* فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ* وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ* لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ. (الواقعة: ٤١ - ٤٤) وقال تعالى: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ* هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ* وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (ص: ٥٥ - ٥٨) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنوع العذاب عليهم وتكراره وأنواعه وأشكاله مما لا يحصيه إلا الله جزاء وفاقا وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. (فصلت: ٤٦) اهـ كلام ابن كثير ولننتقل إلى المجموعة الرابعة:
***
стр. 2658
المجموعة الرابعة
وتمتد من الآية (١٩) حتى نهاية الآية (٢٣) وهذه هي:
[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٩ الى ٢٣]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣)
التفسير:
أَلَمْ تَرَ أي ألم تعلم والخطاب- كما قال النسفي- لكل أحد أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي بالحكمة والأمر ولم يخلقهما عبثا إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ أي هو قادر على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقا آخر على شكلهم، أو على خلاف شكلهم، إعلاما بأنه قادر على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم
وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ أي بعظيم ولا متعذر ولا ممتنع بل هو سهل عليه، ذكرنا الله بهاتين الآيتين بما ينفي الشك به، كما أخبرنا عن قدرته على معاد الأبدان يوم
القيامة،
ومن ثم ينقلنا إلى عرض مشهد من مشاهد يوم القيامة:
стр. 2659
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً أي برزت الخلائق كلها برها وفاجرها لله الواحد القهار، أي اجتمعوا له في براز من الأرض، وهو المكان الذي ليس فيه شئ يستر أحدا، ومعنى برزوهم لله- والله تعالى لا يتوارى عنه شئ يبرز له-: أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خاف على الله، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم، وعلموا أن الله لا تخفى عليه خافية، وأخرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه فَقالَ الضُّعَفاءُ أي في الرأي وهم السفلة والأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عن عبادة الله وحده لا شريك له، وعن موافقة الرسل وهم السادة والرؤساء الذين استصغروهم وصدوهم عن الاستماع إلى أنبيائهم واتباعهم إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً أي تابعين، فمهما أمرتمونا ائتمرنا وفعلنا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي فهل تقدرون على دفع شئ مما نحن فيه؟، قالُوا أي فقالت القادة لهم لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ وليس هذا جوابا مباشرا ولكن لما كان قول الضعفاء، توبيخا لهم وعتابا على استغوائهم لأنهم علموا أنهم لا يقدرون على الإغناء عنهم قالوا لهم مجيبين معتذرين لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ أي لو هدانا الله إلى الإيمان في الدنيا لهديناكم إليه، أو لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم أي: لاغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق الهلكة سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا أي مستويان علينا الجزع والصبر، لا هذا يفيدنا ولا هذا. قال ابن كثير:
(والظاهر أن هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها) ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ أي من منجى ومهرب جزعنا أم صبرنا، وهل هذا من كلام المستكبرين أو من كلام الجميع؟
قولان للمفسرين، والظاهر أنه من كلام المستكبرين،
ثم أخبر تعالى عما خطب به إبليس أمام أتباعه بعد ما قضى الله بين عباده فأدخل المؤمنين الجنات، وأسكن الكافرين الدركات، فقام فيهم إبليس- لعنه الله- يومئذ خطيبا ليزيدهم حزنا إلى حزنهم وغبنا إلى غبنهم وحسرة إلى حسرتهم، قال تعالى: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أي لما حكم بالجنة والنار لأهليهما، ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وهو البعث والجزاء على الأعمال على ألسنة رسله الذين جعل في اتباعهم النجاة والسلامة، وعدا حقا وفى الله به وَوَعَدْتُكُمْ أي بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء فَأَخْلَفْتُكُمْ أي كذبتكم وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ أي من تسلط واقتدار ولا دليل ولا حجة إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ أي لكني دعوتكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني فَاسْتَجَبْتُمْ لِي أي فأسرعتم إلى جانبي أي بمجرد الدعوة، هذا
стр. 2660
وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه فَلا تَلُومُونِي لأنني عدوكم فكيف ألام إذا دعوتكم إلى أمر قبيح وقد حذركم الله مني؟ وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ حيث اتبعتموني بلا حجة ولا برهان، فإن الذنب ذنبكم لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ أي بمغيثكم وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ أي بمغيثي أي: فلا ينجي بعضنا بعضا من عذاب الله ولا يغيثه، ما أن بنافعكم ومنقذكم مما أنتم فيه، وما أنتم بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ أي كفرت اليوم بإشراككم إياي مع الله من قبل هذا اليوم أي في الدنيا ومعنى كفره بإشراكهم إياه: تبرؤه منه، واستنكاره له، ومعنى إشراكهم الشيطان بالله: طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة غير الله إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ هل هذا من تتمة كلام إبليس يحكيه الله لنا، أو هو كلام مستأنف؟ قولان للمفسرين.
ثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال، عطف بمآل السعداء فقال: وَأُدْخِلَ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ سارحة فيها حيث ساروا وأين ساروا خالِدِينَ فِيها أي ماكثين أبدا لا يحولون ولا يزولون بِإِذْنِ رَبِّهِمْ الإدخال من الملائكة، والإذن من الله تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ المراد به إما تسليم بعضهم على بعض في الجنة، أو تسليم الملائكة عليهم.
نقل:
بمناسبة قوله تعالى: فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً. فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قال صاحب الظلال:
(والضعفاء هم الضعفاء هم الذين تنازلوا عن أخص خصائص الإنسان الكريم على الله حين تنازلوا عن حريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد والاتجاه وجعلوا أنفسهم تبعا للمستكبرين والطغاة ودانوا لغير الله من عبيده واختاروها على الدينونة لله. والضعف ليس عذرا، بل هو الجريمة، فما يريد الله لأحد أن يكون ضعيفا، وهو يدعو الناس كلهم إلى حماه يعتزون به. والعزة لله، وما يريد الله لأحد أن ينزل طائعا عن نصيبه في الحرية- التي هي ميزته. ومناط تكريمه- أو ينزل كارها. والقوة المادية- كائنة ما كانت- لا تملك أن تستعبد إنسانا يريد الحرية، ويستمسك بكرامته الآدمية فقصارى
стр. 2661
ما تملكه تلك القوة أن تملك الجسد تؤذيه وتكبله وتحبسه. أما الضمير. أما الروح. أما العقل. فلا يملك أحد حبسها ولا استذلالها إلا أن يسلمها صاحبها للحبس والإذلال:
من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء تبعا للمستكبرين في العقيدة وفي التفكير وفي السلوك؟ من ذا الذي يجعل أولئك الضعفاء يدينون لغير الله والله هو خالقهم ورازقهم وكافلهم دون سواه؟ لا أحد. لا أحد إلا أنفسهم الضعيفة فهم ضعفاء لا لأنهم أقل قوة مادية من الطغاة ولا لأنهم أقل جاها أو مالا أو منصبا أو مكانا .. كلا إن هذه كلها أعراض خارجية لا تعد بذاتها ضعفا يلحق صفة الضعف بالضعفاء، إنما هم ضعفاء لأن الضعف في أرواحهم وفي قلوبهم وفي نخوتهم وفي اعتزازهم بأخص
خصائص الإنسان.
إن المستضعفين كثرة. والطواغيت قلة. فمن ذا الذي يخضع الكثرة للقلة، وماذا الذي يخضعها؟ إنما يخضعها ضعف الروح، وسقوط الهمة وقلة النخوة، والتنازل الداخلي عن الكرامة التي وهبها الله لبني الإنسان!
إن الطغاة لا يملكون أن يستذلوا الجماهير إلا برغبة هذه الجماهير، فهي دائما قادرة على الوقوف لهم لو أرادت فالإرادة هي التي تنقص هذه القطعان!
إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء .. وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها الطغاة.)
كلمة في السياق:
بدأت السورة بتبيان الحكمة من إنزال الكتاب وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ثم جاء كلام عن موسى ﵇، وتكليفه بإخراج قومه من الظلمات إلى النور، وتذكيرهم بأيام الله، وما قاله لهم، وبذلك عرفنا أن مهمة الرسل الإخراج من الظلمات إلى النور، والتذكير بأيام الله، ثم يتوجه الخطاب إلى هذه الأمة بتذكيرها بأيام الله، وفعل الله للرسل، وفعله بالمكذبين بالرسل في الدنيا والآخرة.
وفي المجموعة الثالثة رأينا خطاب الرسل لأقوامهم في عملية الإخراج من الظلمات إلى النور، وموقف أقوامهم منهم، كما رأينا في المجموعة الرابعة عملية الإخراج من النور إلى الظلمات التي يقوم بها الشيطان، كما عرضها هو وقبيله في النار. وقد عرفنا من السياق أن الشك في الله من الظلمات، وأن الإيمان من النور، وأن التوكل على الله من النور،
стр. 2662
وأن الصبر من النور، وأن إيذاء الرسل من الظلمات، وأن معرفة أن الله خلق السموات والأرض بالحق طريق إلى النور، وأن معرفة أن الله قادر على استبدال الخلق بخلق آخر طريق إلى النور، وأن طريق الشيطان إلى الظلمات مجرد الوسوسة المزخرفة الكاذبة، وأن الإيمان والعمل الصالح طريق إلى النور والجنة.
فوائد:
١ - ذكر الشيخ أحمد الزروق في كتابه (قواعد التصوف) أن مما يذهب بالشك أن يكرر الإنسان قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
وكنت أتسأل عن دليل هذا القول حتى اشتغلت بتفسير سورة إبراهيم فلاحظت أن مجئ هاتين الآيتين آت في سياق دعوة الرسل وشك أقوامهم فيما يدعونهم إليه، ومن ثم فالآيتان دواء للشك ودواء من الوسوسة، ثم هما آتيتان في الوسط بين مشهدين من مشاهد يوم القيامة يصفان مآل الكافرين الشاكين المستجيبين للشيطان
٢ - بمناسبة قوله تعالى حكاية عن أهل النار سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ينقل ابن كثير قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله ، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله، فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا أنه لا ينفعهم قالوا: إنما أدرك أهل الجنة بالصبر تعالوا حتى نصبر فصبروا صبرا لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك فعند ذلك قالوا سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا الآية.
٣ - هل الخطبة التي ألقاها إبليس تكون قبل دخول الكافرين النار أو بعد ذلك؟
يرجح ابن كثير وغيره أنها بعد دخول النار، مستشهدا بكثير من الآيات، وبقوله تعالى في الآيات وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أي بدخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار، إلا أنه لرفع العهدة فيما يبدو يذكر اتجاها آخر وهو أن هذه الخطبة كانت بعد فصل القضاء وقبل دخول النار قال:
(ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم وهذا لفظه وابن جرير من رواية عبد الرحمن بن زياد: حدثني دخين الحجري عن عقبة بن عامر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين، فقضى بينهم، ففرغ من القضاء قال المؤمنون قد
стр. 2663
قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا؟ فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم، وذكر نوحا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، فيقول عيسى أدلكم على النبي الأمي، فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم إليه، فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط، حتى آتي فيشفعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى أظفر قدمي، ثم يقول الكافرون: هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا، فيأتون إبليس فيقولون:
قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط ثم يعظم نحيبهم وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ).
٤ - يلاحظ النسفي ملاحظة وهي أن الله إذا خاطب الكفار واعدا إياهم بالتوبة من ذنوبهم إذا آمنوا يذكر كلمة (من) قبل الذنب، كما ورد في هذه السورة لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وكما ورد في سورة نوح وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وكما ورد في سورة الأحقاف يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ بينما لا تذكر كلمة (من) في نفس المقام في خطاب المؤمنين، فمثلا في سورة الصف بعد قوله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ .... يأتي قوله تعالى يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ قال: وغير ذلك مما يعلم بالاستقراء، وكأن ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوى بين الفريقين في الميعاد)
مر معنا حتى الآن من هذه السورة أربع مجموعات:
المجموعة الأولى: مقدمة السورة.
والمجموعة الثانية: الكلام عن موسى ﵇.
والمجموعة الثالثة: المبدوءة ب أَلَمْ يَأْتِكُمْ .... المنتهية بقوله تعالى ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ
والمجموعة الرابعة: المبدوءة بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ .... وكل من المجموعة الثالثة والرابعة مبدوءة بخطاب أَلَمْ يَأْتِكُمْ أَلَمْ تَرَ والآن يأتي خطاب ثالث مبدوء ب أَلَمْ تَرَ .... وفيه ذكر لطريق من طرق الخروج من الظلمات إلى النور تضمنه المجموعة الخامسة.
***
стр. 2664
المجموعة الخامسة
وتمتد من الآية (٢٤) إلى نهاية الآية (٢٧) وهذه هي:
[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٤ الى ٢٧]
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧)
التفسير:
أَلَمْ تَرَ أي ألم تعلم كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا وقد فسر هذا المثل بقوله كَلِمَةً طَيِّبَةً هي لا إله إلا الله كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ كالنخلة وغيرها من الشجر المثمر أَصْلُها ثابِتٌ فى الأرض ضارب بعروقه فيها وَفَرْعُها فِي السَّماءِ أي أعلاها، ورأسها في السماء
تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ أي تعطي ثمرها في كل وقت وقته الله لإثمارها بِإِذْنِ رَبِّها أي بتيسير خالقها وتكوينه وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فيتعظون لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ هي كلمة الكفر والشرك والضلال كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ وهي كل شجرة لا يطيب ثمرها ولا أصل ثابت لها كشجرة الحنظل اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ أي استؤصلت من فوق الأرض ما لَها مِنْ قَرارٍ أي لا أصل لها ولا ثبات، كذلك الكفر لا أصل له في الفطرة البشرية ولا فرعا صالحا ولا ثمرا طيبا، ومن ثم لا يصعد للكافر عمل ولا يتقبل، وهكذا شبه كل قول كافر لا يعضد بحجة بأنه داحض غير ثابت.
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ هو قول لا إله إلا الله، أي يديمهم على
стр. 2665
الإيمان بسبب كلمة التوحيد فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فإذا فتنهم أعداء الله أو وسوس لهم شياطين الإنس والجن لم يزالوا ثابتين وَفِي الْآخِرَةِ الجمهور على أن المراد به في القبر بتلقين الجواب وتمكين الصواب وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ فلا يهديهم ولا يثبتهم على القول الثابت في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أول شئ وهم في الآخرة أضل وأزل بسبب اتصافهم بصفة الظلم التي يدخل فيها الشرك الذي هو أعظم أنواع ظلم الإنسان لنفسه وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ فمشيئته مطلقة لا يسأل عما يفعل، ومن ثم فلا اعتراض عليه في تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين.
نقل:
بمناسبة قوله تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً قال صاحب الظلال: (إن الكلمة الطيبة- كلمة الحق- لكالشجرة الطيبة. ثابتة سامقة مثمرة .. ثابتة لا تزعزعها الأعاصير ولا تعصف بها رياح الباطل ولا تقوى عليها معاول الطغيان ... - وإن خيل للبعض أنها معرضة للخطر الماحق في بعض الأحيان- سامقة متعالية، تطل على الشرك والظلم والطغيان من عل- وإن خيل إلى البعض أحيانا أن الشر يزحمها في الفضاء- مثمرة لا ينقطع ثمرها، لأن بذورها تنبت في النفوس المتكاثرة آنا بعد آن.
وإن الكلمة الخبيثة- كلمة الباطل- لكالشجرة الخبيثة، وقد تهيج وتتعالى وتتشابك ويخيل إلى بعض الناس أنها أضخم من الشجرة الطيبة وأقوى. ولكنها تظل نافشة هشة وتظل جذورها في التربة قريبة حتى لكأنها على وجه الأرض .. وما هي إلا فترة ثم تجتث من فوق الأرض فلا قرار لها ولا بقاء.
ليس هذا وذاك مجرد مثل يضرب ولا مجرد عزاء للطيبين وتشجيع إنما هو الواقع في الحياة ولو خفي في بعض الأحيان.
والخير الأصيل لا يموت ولا يذوي مهما زحمه الشر وأخذ عليه الطريق والشر كذلك لا يعيش إلا ريثما يستهلك بعض الخير المتلبس به- فقلما يوجد الشر الخالص- وعند ما يستهلك ما يلابسه من الخير فلا تبقى فيه منه بقية فإنه يتهالك ويتهشم مهما تضخم واستطال.)
следующие страницы →