← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

ما تملكه تلك القوة أن تملك الجسد تؤذيه وتكبله وتحبسه. أما الضمير. أما الروح. أما العقل. فلا يملك أحد حبسها ولا استذلالها إلا أن يسلمها صاحبها للحبس والإذلال: من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء تبعا للمستكبرين في العقيدة وفي التفكير وفي السلوك؟ من ذا الذي يجعل أولئك الضعفاء يدينون لغير الله والله هو خالقهم ورازقهم وكافلهم دون سواه؟ لا أحد. لا أحد إلا أنفسهم الضعيفة فهم ضعفاء لا لأنهم أقل قوة مادية من الطغاة ولا لأنهم أقل جاها أو مالا أو منصبا أو مكانا .. كلا إن هذه كلها أعراض خارجية لا تعد بذاتها ضعفا يلحق صفة الضعف بالضعفاء، إنما هم ضعفاء لأن الضعف في أرواحهم وفي قلوبهم وفي نخوتهم وفي اعتزازهم بأخص خصائص الإنسان. إن المستضعفين كثرة. والطواغيت قلة. فمن ذا الذي يخضع الكثرة للقلة، وماذا الذي يخضعها؟ إنما يخضعها ضعف الروح، وسقوط الهمة وقلة النخوة، والتنازل الداخلي عن الكرامة التي وهبها الله لبني الإنسان! إن الطغاة لا يملكون أن يستذلوا الجماهير إلا برغبة هذه الجماهير، فهي دائما قادرة على الوقوف لهم لو أرادت فالإرادة هي التي تنقص هذه القطعان! إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء .. وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها الطغاة.) كلمة في السياق: بدأت السورة بتبيان الحكمة من إنزال الكتاب وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ثم جاء كلام عن موسى ﵇، وتكليفه بإخراج قومه من الظلمات إلى النور، وتذكيرهم بأيام الله، وما قاله لهم، وبذلك عرفنا أن مهمة الرسل الإخراج من الظلمات إلى النور، والتذكير بأيام الله، ثم يتوجه الخطاب إلى هذه الأمة بتذكيرها بأيام الله، وفعل الله للرسل، وفعله بالمكذبين بالرسل في الدنيا والآخرة. وفي المجموعة الثالثة رأينا خطاب الرسل لأقوامهم في عملية الإخراج من الظلمات إلى النور، وموقف أقوامهم منهم، كما رأينا في المجموعة الرابعة عملية الإخراج من النور إلى الظلمات التي يقوم بها الشيطان، كما عرضها هو وقبيله في النار. وقد عرفنا من السياق أن الشك في الله من الظلمات، وأن الإيمان من النور، وأن التوكل على الله من النور،

стр. 2662

وأن الصبر من النور، وأن إيذاء الرسل من الظلمات، وأن معرفة أن الله خلق السموات والأرض بالحق طريق إلى النور، وأن معرفة أن الله قادر على استبدال الخلق بخلق آخر طريق إلى النور، وأن طريق الشيطان إلى الظلمات مجرد الوسوسة المزخرفة الكاذبة، وأن الإيمان والعمل الصالح طريق إلى النور والجنة. فوائد: ١ - ذكر الشيخ أحمد الزروق في كتابه (قواعد التصوف) أن مما يذهب بالشك أن يكرر الإنسان قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ وكنت أتسأل عن دليل هذا القول حتى اشتغلت بتفسير سورة إبراهيم فلاحظت أن مجئ هاتين الآيتين آت في سياق دعوة الرسل وشك أقوامهم فيما يدعونهم إليه، ومن ثم فالآيتان دواء للشك ودواء من الوسوسة، ثم هما آتيتان في الوسط بين مشهدين من مشاهد يوم القيامة يصفان مآل الكافرين الشاكين المستجيبين للشيطان ٢ - بمناسبة قوله تعالى حكاية عن أهل النار سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ينقل ابن كثير قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله ، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله، فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا أنه لا ينفعهم قالوا: إنما أدرك أهل الجنة بالصبر تعالوا حتى نصبر فصبروا صبرا لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك فعند ذلك قالوا سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا الآية. ٣ - هل الخطبة التي ألقاها إبليس تكون قبل دخول الكافرين النار أو بعد ذلك؟ يرجح ابن كثير وغيره أنها بعد دخول النار، مستشهدا بكثير من الآيات، وبقوله تعالى في الآيات وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أي بدخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار، إلا أنه لرفع العهدة فيما يبدو يذكر اتجاها آخر وهو أن هذه الخطبة كانت بعد فصل القضاء وقبل دخول النار قال: (ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم وهذا لفظه وابن جرير من رواية عبد الرحمن بن زياد: حدثني دخين الحجري عن عقبة بن عامر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين، فقضى بينهم، ففرغ من القضاء قال المؤمنون قد

стр. 2663

قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا؟ فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم، وذكر نوحا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، فيقول عيسى أدلكم على النبي الأمي، فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم إليه، فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط، حتى آتي فيشفعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى أظفر قدمي، ثم يقول الكافرون: هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا، فيأتون إبليس فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط ثم يعظم نحيبهم وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ). ٤ - يلاحظ النسفي ملاحظة وهي أن الله إذا خاطب الكفار واعدا إياهم بالتوبة من ذنوبهم إذا آمنوا يذكر كلمة (من) قبل الذنب، كما ورد في هذه السورة لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وكما ورد في سورة نوح وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وكما ورد في سورة الأحقاف يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ بينما لا تذكر كلمة (من) في نفس المقام في خطاب المؤمنين، فمثلا في سورة الصف بعد قوله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ .... يأتي قوله تعالى يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ قال: وغير ذلك مما يعلم بالاستقراء، وكأن ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوى بين الفريقين في الميعاد) مر معنا حتى الآن من هذه السورة أربع مجموعات: المجموعة الأولى: مقدمة السورة. والمجموعة الثانية: الكلام عن موسى ﵇. والمجموعة الثالثة: المبدوءة ب أَلَمْ يَأْتِكُمْ .... المنتهية بقوله تعالى ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ والمجموعة الرابعة: المبدوءة بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ .... وكل من المجموعة الثالثة والرابعة مبدوءة بخطاب أَلَمْ يَأْتِكُمْ أَلَمْ تَرَ والآن يأتي خطاب ثالث مبدوء ب أَلَمْ تَرَ .... وفيه ذكر لطريق من طرق الخروج من الظلمات إلى النور تضمنه المجموعة الخامسة. ***

стр. 2664

المجموعة الخامسة وتمتد من الآية (٢٤) إلى نهاية الآية (٢٧) وهذه هي: [سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٤ الى ٢٧] أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧) التفسير: أَلَمْ تَرَ أي ألم تعلم كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا وقد فسر هذا المثل بقوله كَلِمَةً طَيِّبَةً هي لا إله إلا الله كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ كالنخلة وغيرها من الشجر المثمر أَصْلُها ثابِتٌ فى الأرض ضارب بعروقه فيها وَفَرْعُها فِي السَّماءِ أي أعلاها، ورأسها في السماء تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ أي تعطي ثمرها في كل وقت وقته الله لإثمارها بِإِذْنِ رَبِّها أي بتيسير خالقها وتكوينه وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فيتعظون لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ هي كلمة الكفر والشرك والضلال كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ وهي كل شجرة لا يطيب ثمرها ولا أصل ثابت لها كشجرة الحنظل اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ أي استؤصلت من فوق الأرض ما لَها مِنْ قَرارٍ أي لا أصل لها ولا ثبات، كذلك الكفر لا أصل له في الفطرة البشرية ولا فرعا صالحا ولا ثمرا طيبا، ومن ثم لا يصعد للكافر عمل ولا يتقبل، وهكذا شبه كل قول كافر لا يعضد بحجة بأنه داحض غير ثابت. يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ هو قول لا إله إلا الله، أي يديمهم على

стр. 2665

الإيمان بسبب كلمة التوحيد فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فإذا فتنهم أعداء الله أو وسوس لهم شياطين الإنس والجن لم يزالوا ثابتين وَفِي الْآخِرَةِ الجمهور على أن المراد به في القبر بتلقين الجواب وتمكين الصواب وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ فلا يهديهم ولا يثبتهم على القول الثابت في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أول شئ وهم في الآخرة أضل وأزل بسبب اتصافهم بصفة الظلم التي يدخل فيها الشرك الذي هو أعظم أنواع ظلم الإنسان لنفسه وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ فمشيئته مطلقة لا يسأل عما يفعل، ومن ثم فلا اعتراض عليه في تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين. نقل: بمناسبة قوله تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً قال صاحب الظلال: (إن الكلمة الطيبة- كلمة الحق- لكالشجرة الطيبة. ثابتة سامقة مثمرة .. ثابتة لا تزعزعها الأعاصير ولا تعصف بها رياح الباطل ولا تقوى عليها معاول الطغيان ... - وإن خيل للبعض أنها معرضة للخطر الماحق في بعض الأحيان- سامقة متعالية، تطل على الشرك والظلم والطغيان من عل- وإن خيل إلى البعض أحيانا أن الشر يزحمها في الفضاء- مثمرة لا ينقطع ثمرها، لأن بذورها تنبت في النفوس المتكاثرة آنا بعد آن. وإن الكلمة الخبيثة- كلمة الباطل- لكالشجرة الخبيثة، وقد تهيج وتتعالى وتتشابك ويخيل إلى بعض الناس أنها أضخم من الشجرة الطيبة وأقوى. ولكنها تظل نافشة هشة وتظل جذورها في التربة قريبة حتى لكأنها على وجه الأرض .. وما هي إلا فترة ثم تجتث من فوق الأرض فلا قرار لها ولا بقاء. ليس هذا وذاك مجرد مثل يضرب ولا مجرد عزاء للطيبين وتشجيع إنما هو الواقع في الحياة ولو خفي في بعض الأحيان. والخير الأصيل لا يموت ولا يذوي مهما زحمه الشر وأخذ عليه الطريق والشر كذلك لا يعيش إلا ريثما يستهلك بعض الخير المتلبس به- فقلما يوجد الشر الخالص- وعند ما يستهلك ما يلابسه من الخير فلا تبقى فيه منه بقية فإنه يتهالك ويتهشم مهما تضخم واستطال.)

стр. 2666

فوائد: ١ - قال النسفي: (والكلمة الطيبة كلمة التوحيد، أصلها تصديق بالجنان، وفرعها إقرار باللسان، وأكلها عمل الأركان، وكما أن الشجرة شجرة وإن لم تكن حاملا، فالمؤمن مؤمن وإن لم يكن عاملا، ولكن الأشجار لا تراد إلا للثمار، فما أقوات النار إلا ثمار من الأشجار إذا اعتادت الإخفار في عهد الإثمار). ٢ - رأينا أن الكلمة الطيبة وهي «لا إله إلا الله» وأن القول الثابت هو «لا إله إلا الله» والفطرة هي الأرض، فلا إله إلا الله جذورها ضاربة عميقة في الفطرة، وثمارها كل عمل صالح، وكل خلق طيب، وساقها وورقها وكل شئ فيها يستفاد منه، وبهذه الكلمة يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ومن ثم فبقدر فهمها وتردادها تقوى جذورها، وتبسق فروعها، ويطيب أكلها، ففي حديث الصحيح عن رسول الله ﷺ : «جددوا إيمانكم قيل: يا رسول الله كيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله». وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن قتادة أن رجلا قال: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، فقال «أرأيت لو عمد إلى متاع الدنيا فركب بعضه على بعض أكان يبلغ السماء؟ أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض وفرعه في السماء؟ قال: ما هو يا رسول الله؟ قال: «تقول لا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، عشر مرات، في دبر كل صلاة، فذاك أصله في الأرض، وفرعه في السماء». ٣ - هل الشجرة الطيبة التي ضرب الله بها مثلا شجرة بعينها، أو كل شجرة متصفة بما ذكر القرآن؟، قولان للمفسرين، وهل كل شجرة خبيثة تتصف بما وصف الله تدخل تحت قوله الشجرة الخبيثة أو أنها شجرة بعينها؟. قولان للمفسرين، والنصوص تشير إلى النخلة والحنظلة. فهل الأحاديث النبوية تحدد أو تمثل؟ قولان. وعلى كل فالشجرتان: النخلة والحنظلة نموذجان كاملان للمثلين - روى أبو يعلى بمسنده عن أنس أن رسول الله ﷺ أتى بقناع عليه بسر فقال: «مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها» فقال «هي النخلة» (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار) قال: «هي الحنظل» قال شعيب: فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: كذلك كنا نسمع»

стр. 2667

- وروى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: أخبروني عن شجرة تشبه- أو- كالرجل المسلم لا يتحات ورقها صيفا ولا شتاء، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها» قال ابن عمر فوقع في نفسي أنها النخلة ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان؛ فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله ﷺ : «هي النخلة» فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة. قال ما منعك أن تتكلم؟ قلت لم أركم تتكلمون فكرهت أن أتكلم وأقول شيئا، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا. ٤ - بمناسبة قوله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ يذكر ابن كثير أحاديث كثيرة نجتزئ منها ما يلي: قال البخاري: حدثنا أبو الوليد ... عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ورواه مسلم أيضا وبقية الجماعة كلهم من حديث شعبة به، وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية ... عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، كأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثا ثم قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط (١) من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها يعني- على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي

стр. 2668

تليها، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول ديني الإسلام. فيقولان: له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء، أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال فيأتي من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، سود الوجوه، معهم المسوح (١)، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت، فيجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها، على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله ﷺ لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ (الأعراف: ٤٠) فيقول الله اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا ثم قرأ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (الحج: ٣١) فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر

стр. 2669

بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالشر فيقول: أنا عملك الخبيث فيقول: رب لا تقم الساعة». ورواه أبو داود من حديث الأعمش والنسائي وابن ماجه من حديث المنهال بن عمرو به. وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق ... عن البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى جنازة فذكر نحوه. وفيه بالنسبة للمؤمنين «حتى إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه منه قبلهم». وفي آخره «ثم يقيض له- أي للكافر- أعمى أصم أبكم، وفي يده مرزبة، لو ضرب بها جبل لكان ترابا، فيضرب به ضربة فيصير ترابا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شئ إلا الثقلين». قال البراء: ثم يفتح له باب إلى النار ويمهد له من فرش النار). .... وقال الإمام عبد بن حميد ﵀ في مسنده ... عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه،- وإنه ليسمع قرع نعالهم- فيأتيه ملكان، فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله قال: فيقال له انظر مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة». قال نبي الله ﷺ : «فيراهما جميعا» قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا، ويملأ عليه خضرا إلى يوم القيامة. رواه مسلم عن عبد بن حميد به وأخرجه النسائي من حديث يونس بن محمد المؤدب به. وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج أخبرني الزبير أنه سأل جابر بن عبد الله عن فتاني القبر فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا أدخل المؤمن قبره، وتولى عنه أصحابه، جاء ملك شديد الانتهار، فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول المؤمن: أقول: إنه رسول الله وعبده، فيقول الملك: انظر إلى مقعدك الذي كان لك في النار، قد أنجاك الله منه، وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة، فيراهما كليهما، فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي فيقال له: اسكن، وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أهله فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، أقول كما يقول الناس، فيقال له: لا دريت، هذا مقعدك الذي كان لك في الجنة أبدلت مكانه مقعدك من النار». قال جابر فسمعت النبي ﷺ يقول: «يبعث كل عبد في القبر على ما مات، المؤمن على

стр. 2670

إيمانه، والمنافق على نفاقه». إسناده صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. .... وقال ابن حبان في صحيحه ... عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن المؤمن إذا قبض أتته ملائكة الرحمة، بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي إلى روح الله، فتخرج كأطيب ريح مسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا يشمونه، حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون: ما هذه الريح الطيبة التي جاءت من قبل الأرض؟ ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك، حتى يأتوا به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحا به من أهل الغائب بغائبهم. فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقولون: دعوه حتى يستريح، فإنه كان في غم، فيقول: قد مات أما أتاكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية، وأما الكافر فيأتيه ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: اخرجي إلى غضب الله فتخرج كأنتن ريح جيفة فيذهب به إلى باب الأرض». ... وقال الحافظ أبو عيسى الترمذي ﵀ ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قبر الميت- أو قال أحدكم- أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما منكر، والآخر نكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول- أي قبل أن يموت- هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا، في سبعين، وينور له فيه ثم يقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون: فقلت مثلهم، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، فيقال للأرض التئمي عليه، فتلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك». ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب. .. وقال الإمام أحمد ﵀ ... عن محمد بن المنكدر قال: كانت أسماء- يعني بنت الصديق- ﵂ تحدث عن النبي ﷺ قالت: قال «إذا دخل الإنسان قبره، فإذا كان مؤمنا أحف به عمله: الصلاة والصيام قال: فيأتيه الملك من نحو الصلاة فترده، ومن نحو الصيام فيرده، قال. فيناديه: اجلس. فيجلس فيقول له: ماذا تقول في هذا الرجل؟ يعني النبي ﷺ قال: من؟ قال محمد، قال أشهد أنه رسول الله، قال وما يدريك، أدركته؟ قال: أشهد أنه رسول الله، قال: يقول: على ذلك عشت، وعليه مت، وعليه تبعث، وإن كان فاجرا أو كافرا جاءه الملك ليس

стр. 2671

بينه وبينه شئ يرده، فأجلسه فيقول له ماذا تقول في هذا الرجل؟ قال أي رجل؟ قال محمد، قال يقول والله ما أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، قال له الملك على ذلك عشت، وعليه مت، وعليه تبعث، قال ويسلط عليه دابة في قبره، معها سوط ثمرته جمرة مثل عرف البعير- تضربه ما شاء الله، صماء لا تسمع صوته فترحمه» .... وقال أبو عبد الله الحكيم الترمذي في كتابه (نوادر الأصول) ... عن عبد الرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن في مسجد المدينة فقال: «إني رأيت البارحة عجبا، رأيت رجلا من أمتي جاء ملك الموت ليقبض روحه فجاء بره بوالديه فرد عنه، ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا، كلما ورد حوضا منع منه، فجاءه صيامه فسقاه وأرواه، ورأيت رجلا من أمتي والنبيون قعود حلقا حلقا، كلما دنا لحلقة طردوه، فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذه بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلا من أمتي بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن شماله ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها فجاءته حجته وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه النور، ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه، فجاءته صلة الرحم، فقالت: يا معشر المؤمنين كلموه فكلموه، ورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النار وشررها بيده عن وجهه، فجاءته صدقته فصارت له سترا على وجهه، وظلا على رأسه، ورأيت رجلا من أمتي أخذته الزبانية من كل مكان، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذاه من أيديهم، وأدخلاه مع ملائكة الرحمة، ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه بينه وبين الله حجاب، فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله ، ورأيت رجلا من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله فأخذ صحيفته، فجعلها في يمينه، ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه، فجاءته أفراطه (١) فثقلوا ميزانه، ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم، فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلا من أمتي هوى في النار فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله في الدنيا، فاستخرجته

стр. 2672

من النار، ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة فجاء حسن ظنه بالله فسكن رعدته ومضى، ورأيت رجلا من أمتي على الصراط يزحف أحيانا ويحبو أحيانا، فجاءته صلاته علي فأخذت بيده فأقامته ومضى على الصراط، ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى باب الجنة فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة». قال القرطبي بعد إيراد هذا الحديث من هذا الوجه هذا حديث عظيم ذكر فيه أعمالا خاصة تنجي من أهوال خاصة أورده هكذا في كتابه التذكرة. .... قال أبو داود ... عن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذ فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل». تفرد به أبو داود.) ٥ - رأينا أن محور هذه السورة هو قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ وقد رأينا في هذه المجموعة أن (لا إله إلا الله) هي وسيلة الوصول إلى النور في الدنيا والآخرة، ومن ثم فإن علينا أن نكثر من قول لا إله إلا الله. وقد فهمنا من الآية أن: لا إله إلا الله لها ثمارها في كل زمن، وفي كل عصر، وفي كل مكان، وعند كل مؤمن، ولا يزال الناس يأكلون من هذه الثمار خلقا طيبا وإحسانا كثيرا ولننتقل إلى المجموعة السادسة وفيها كذلك ذكر لوسائل الخروج من الظلمات إلى النور ***

стр. 2673

المجموعة السادسة وتمتد من الآية (٢٨) إلى نهاية الآية (٤١) وهذه هي: [سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٨ الى ٤١] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١)

стр. 2674

التفسير: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً أي بدلوا شكر نعمة الله كفرا، وذلك لأن شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر، وبدلوا تبديلا، واللفظ يعم كل الكفار، وهو في حق بعض الأقوام أظهر، كالعرب في عصرنا، وأهل مكة، إذ بدلوا دين إبراهيم وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ أي دار الهلاك والصيغة تدل على أن الكلام في القادة والرؤساء الذين يسيرون بمن تابعهم إلى الهلاك جَهَنَّمَ هي دار البوار يَصْلَوْنَها أي يدخلونها وَبِئْسَ الْقَرارُ أي وبئس المقر جهنم وَجَعَلُوا أي هؤلاء الذين دخلوا جهنم لِلَّهِ أَنْداداً أي شركاء عبدوهم معه ودعوا الناس إلى ذلك، جعلوهم له أمثالا أو في التسمية لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قال البيضاوي: وليس الضلال ولا الإضلال غرضهم في اتخاذ الأنداد ولكن لما كان نتيجته جعل كالغرض قُلْ تَمَتَّعُوا هذا تهديد ووعيد من الله لهم، أي مهما قدرتم عليه في الدنيا فافعلوا، فمهما يكن من شئ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ فإن مرجعكم ومآلكم إليها، والأمر بالتمتع هنا يفيد الخذلان والتخلية، والتمتع كما فسره ذو النون المصري أن يقضي العبد ما استطاع من شهوته قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا أضاف عباده إلى نفسه تشريفا لهم، ووصفهم بأعلى أوصافهم وهو الإيمان يُقِيمُوا الصَّلاةَ بالمحافظة على وقتها وحدودها وركوعها وخشوعها وسجودها وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يدخل في ذلك أداء الزكوات، والنفقة على القربات، والإحسان إلى الأجانب في الخفية والجهر، وإخفاء التطوع أفضل، وإعلان الواجب أفضل، إلا لمصلحة في الحالتين مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ هو يوم القيامة لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ أي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة فالخلال المخالة أي الصداقة فليبادر العبد في الدنيا بالصلاة والإنفاق لخلاص نفسه اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ قال النسفي: من السحاب ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ

стр. 2675

فمن كان كذلك تستحق له العبادة بالصلاة ويجب أن يطاع بالإنفاق مما رزق وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ وكل ذلك فيه رزق لكم فاشكروه بالصلاة والإنفاق مما رزقكم وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ أي يدأبان في حركتهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات، وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات، وهذا كله يقتضي شكرا بالصلاة والإنفاق وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يتعاقبان لمعاشكم وسباتكم وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ أي وهيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم، فهو يعلم احتياجكم قبل خلقكم، ويعلم ما تسألونه قبل وجودكم، فخلقه وسهله لكم وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها أي لا تطيقون عدها، وبلوغ آخرها، حتى على سبيل الإجمال، فكيف على سبيل التفصيل إِنَّ الْإِنْسانَ المراد به الجنس لَظَلُومٌ يظلم النعمة بإغفال شكرها كَفَّارٌ شديد الكفران للنعمة، أو ظلوم في الشدة يشكو ويسخط، كفار في النعمة يجمع ويمنع. ثم بعد هذه الآيات ستأتي آيات تحدثنا عن إبراهيم ﵇ ودعائه للبلد الحرام بتجنيبه الأصنام، وغير ذلك من دعواته كما سنراها، فما صلة ذلك بالآيات قبلها: إذا تذكرنا بداية هذه المجموعة أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً ... وأن المفسرين يحملون هذا- كما سنراه- على أهل مكة، أدركنا الصلة بين قصة إبراهيم ﵇ وما سبقها، وإذا رأينا من دعاء إبراهيم رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي .... ورأينا فيما مر قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ... عرفنا الصلة بين ما مر وما سيأتي، وإذا رأينا في كلام إبراهيم وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ وتذكرنا قوله تعالى فيما مر وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ... أدركنا كذلك الصلة بين الفقرتين، فإذا تأملنا هذه المجموعة كلها من آخرها فما سبقه، من قصة إبراهيم ﵇، إلى نعم الله في السموات والأرض، نعرف كيف أن زعماء مكة بدلوا نعمة الله كفرا وأشركوا به، وكيف أن الأمر لرسول الله ﷺ أن يأمر عباد الله بالصلاة والإنفاق هو وضع للأمر في نصابه الصحيح الذي رغب فيه إبراهيم ﵇، وإنما فصلنا بهذه الكلمة بين الفقرتين في المجموعة السادسة ليقبل القارئ وفي ذهنه صورة عن صلة قصة إبراهيم ﵇ بما قبلها،

стр. 2676

فقصة إبراهيم ﵇ تذكير بكل الحقائق التي غفلت عنها قريش والناس، والتي لفتت الآيات السابقة النظر إليها وأمرت بها. وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ أي واذكر إذ قال إبراهيم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ أي البلد الحرام مكة آمِناً أي ذا أمن وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أي أولادي وذريتي أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ومعنى جنبني أي أبعدني أي ثبتني وأدمني على اجتناب عبادتها رَبِّ إِنَّهُنَّ أي الأصنام أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ جعلن مضلات على طريق التسبيب؛ لأن الناس ضلوا بسببهن فكأنهن أضللنهم فَمَنْ تَبِعَنِي أي على ملتي، وكان حنيفا مسلما مثلي فَإِنَّهُ مِنِّي أي هو بعضي لفرط اختصاصه وَمَنْ عَصانِي فيما دون الشرك فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تغفر وترحم لمن تاب وآمن رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي أي بعض أولادي وهم إسماعيل ومن سيلد منه بِوادٍ هو وادي مكة غَيْرِ ذِي زَرْعٍ أي لا يكون منه شئ من زرع قط، عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ المراد به بيت الله، وسمي محرما لأن الله تعالى حرم التعرض له والتهاون به، وجعل حوله حرما لمكانه، أو لأنه لم يزل ممنعا يهابه كل جبار، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم، ويعمروه بذكرك وعبادتك. فما أعظم الصلاة وما أغلى قيمتها عند الله ورسله فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً أي قلوبا مِنَ النَّاسِ أي من قلوب الناس تَهْوِي إِلَيْهِمْ أي تسرع إليهم من البلاد الشاسعة، وتطير نحوهم شوقا وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ أي مع سكناهم واديا ليس فيه شئ منها، بأن تجلب إليهم من البلاد القريبة والشاسعة، وقد كان ذلك كله لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ النعمة إذ تهوي إليهم الأفئدة، وإذ يرزقون أنواع الثمرات في واد ليس فيه شجر ولا ماء رَبَّنا في تكرار النداء التضرع واللجوء إلى الله إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ أي تعلم السر كما تعلم العلن وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ هل هذا من كلام إبراهيم، أو من كلام الله تصديقا لإبراهيم ﵇؟ قولان للعلماء ومعنى وما يخفى على الله من شئ أي وما يخفى على الله شئ ما الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ تذكر التوراة الحالية المحرفة أن إسماعيل ولد لإبراهيم وعمره ابن ست وثمانين سنة، وأن إسحاق ولد له وعمره مائة سنة، وإنما ذكر حال الكبر لأن المنة بهبة الولد فيه أعظم، لأنها حال وقوع اليأس من الولادة والظفر بالحاجة، من أجل النعم، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم إِنَ

стр. 2677

رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ أي لمجيب الدعاء رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أي وبعض ذريتي، وإنما بعض لأنه علم بإعلام الله له أنه يكون في ذريته كفار رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ أي واستجب دعائي أو تقبل عبادتي رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ أي آدم وحواء، أو قاله قبل النهي واليأس من إيمان أبيه وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ أي يوم يثبت الحساب أو يوم يقوم أهل الحساب من قبورهم، وبهذا انتهت المجموعة السادسة من هذه السورة فوائد: ١ - ساق ابن كثير أسانيد كثيرة إلى علي وعمر وابن عباس في تفسير قوله تعالى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً بأنهم قريش، وبنو المغيرة يوم بدر، وبنو أمية يوم أحد، قال ابن كثير بعد تصحيحه هذا القول: وإن كان المعنى يعم الكفار فإن الله بعث محمدا ﷺ رحمة للعالمين، ونعمة للناس، فمن قام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار ٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها نذكر ما قاله ابن حبيب ﵀ (إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين) وما رواه البخاري: أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم لك الحمد غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا». وبمناسبة هذه الآية نقول: إن الشكر هو المخلص من مقام الظلم والكفران، ولكن الشكر نفسه هو من نعم الله فهو يحتاج إلى شكر قال الشافعي: (الحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها) ومن ثم فالشكر الذي يخلص من الكفران هو أن تحمد وتعمل، وتعترف لله بالفضل وعلى نفسك بالتقصير ٣ - في قوله تعالى على لسان إبراهيم فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال ابن كثير (وليس فيه أكثر من الرد إلى مشيئة الله تعالى لا تجويز وقوع ذلك) أي لا تجويز وقوع المغفرة على الشرك. أقول: إن أهل السنة والجماعة يفرقون في كتبهم بين الجائز العقلي في حق الله، وبين الجائز الشرعي، فعندهم يجوز عقلا أن يغفر الله كل ذنب، ولكن لإخباره أنه لا يغفر الشرك فإنه من الواجب الاعتقاد أن

стр. 2678

غفران الشرك مستحيل الوقوع، وقول إبراهيم هنا وقول عيسى ﵉ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يؤيد هذا التقسيم. ٤ - روى عبد الله بن وهب بسنده إلى عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ تلا قول إبراهيم ﵇ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ الآية. وقول عيسى ﵇ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ الآية. ثم رفع يديه ثم قال: «اللهم أمتي، اللهم أمتي، اللهم أمتي وبكى. فقال الله: اذهب يا جبريل إلى محمد- وربك أعلم- وسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله فأخبره رسول الله ﷺ ما قال. فقال: اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» ٥ - يلاحظ أن الله تعالى قال في سورة البقرة: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً بتنكير البلد وهنا رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً بتعريف البلد فما حكمة التعريف والتنكير؟ نكره حيث أراد أن يجعله آمنا من جملة البلدان الآمنة، وعرفه حيث أراد أن يخصه بالخروج من الخوف إلى الأمن الدائم. ٦ - يلاحظ أن من سنة إبراهيم ﵇ الدعاء لنفسه ولوالديه وللمؤمنين وللذرية، كما يلاحظ حرصه على استمرار الخير في ذريته وذلك خلق ينبغي أن يتحقق فيه كل مسلم. ٧ - بمناسبة قوله تعالى: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم: لو قال أفئدة الناس لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم ولكن قال: من الناس فاختص به المسلمون. ٨ - فسرنا قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ بمعنى لمجيب الدعاء، وذلك من باب قولك: سمع فلان كلام فلان إذا تلقاه بالإجابة والقبول، ومنه سمع الله لمن حمده. ٩ - بمناسبة قوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي نقل النسفي عن ابن عباس قوله: لا يزال من ولد إبراهيم ناس على الفطرة إلى أن تقوم الساعة.

стр. 2679

كلمة في السياق: رأينا أن المجموعة الأولى في هذه السورة تبين الحكمة من إنزال الكتاب على محمد ﷺ وهي إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وأن المجموعة الثانية بينت أن موسى ﵇ قد كلف بما كلف به محمد ﷺ وأن الثالثة والرابعة ذكرت بالأقوام السابقين، وما كان بينهم وبين رسلهم، وعاقبة الكافرين في الدنيا والآخرة، وأن المجموعة الخامسة ذكرت بآثار كلمة التوحيد وكلمة الكفر على أصحابها وعلى الناس، وأن المجموعة السادسة لفتت النظر إلى فعل الكافرين بتبديل نعمة الله، والآن تأتي مجموعتان كل منهما مبدوءة بنهي «ولا تحسبن» «فلا تحسبن» *** المجموعة السابعة وتمتد من الآية (٤٢) الى نهاية الآية (٤٦) وهذه هي [سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٢ الى ٤٦] وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦)

стр. 2680

التفسير: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ قال ابن كثير: يقول تعالى: ولا تحسبن الله يا محمد غافلا عما يعمل الظالمون أي لا تحسبنه إذا أنظرهم وأجلهم أنه غافل مهمل لهم لا يعاقبهم على صنعهم، بل هو يحصي ذلك عليهم ويعده عليهم عدا إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ أي يؤخر عقوبتهم الكاملة لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ أي لا تقر في أماكنها من شدة هول ما ترى، ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم وعجلتهم إلى قيام المحشر فقال: مُهْطِعِينَ أي مسرعين مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ أي رافعيها لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ أي لا يرجع إليهم نظرهم فينظرون إلى أنفسهم. قال ابن كثير: أي أبصارهم ظاهرة شاخصة مديمون النظر، لا يطرفون لحظة، لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة، لما يحل بهم عياذا بالله العظيم من ذلك ولهذا قال: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ أي وقلوبهم خاوية خالية، ليس فيها شئ لكثرة الوجل والخوف، يقال: قلب فلان هواء إذا كان جبانا لا قوة في قلبه ولا جراءة، ثم قال الله لرسوله ﷺ وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ أي يوم القيامة، أي أنذرهم يوم القيامة فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي عند معاينة العذاب والذين ظلموا هم الكافرون رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أي ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد وحد من الزمان قريب؛ نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك فيقال لهم: وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ أي حلفتم في الدنيا ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ أي أو لم تكونوا تحلفون من قبل هذه الحالة أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه، وأنه لا معاد ولا جزاء، ويحتمل أن يكون المراد بيوم يأتيهم العذاب يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، ويحتمل أنه أريد به يوم موتهم معذبين بشدة السكرات، ولقاء الملائكة بلا بشرى بينما كانوا في وهمهم يعيشون، كأنهم خالدون وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أي وقررتم في مساكن من سبقكم من الكفار مطمئنين طيبي النفوس سائرين سيرة من قبلكم في الظلم والفساد، لا تحدثونها بما لقي الأولون من أيام الله، وكيف كان عاقبة ظلمهم فتعتبرون وترتدعون وَتَبَيَّنَ لَكُمْ بالأخبار أو المشاهدة للآثار كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ إذ أهلكناهم وانتقمنا منهم وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ أي صفات ما فعلوا، وما فعل بهم، وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة، والمعنى: أنهم قد رأوا، وبلغهم ما أحل الله بالأمم المكذبة قبلهم، ومع هذا لم يكن لهم فيهم معتبر، ولم يكن فيما أوقع الله بهم لهم مزدجر ومن ثم قال وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ أي مكروا مكر الأقوام

стр. 2681

السابقين الذين استفرغوا فيه جهدهم، وهو ما فعلوه من تأييد الكفر وإبطال الإسلام وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ أي ومكتوب عند الله مكرهم فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه، أو عند الله مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يأتيهم من حيث لا يشعرون وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ أي وما كان مكرهم لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ أي ليزول منه الإيمان وأهله شبه أهل الإيمان بالجبال الفوائد: ١ - هذه المجموعة تنهى الدعاة عن ظن السوء بالله، بأن يظنوا الغفلة بالله عن عمل الظالمين، والمؤمن لا يقع في مثل هذا، ولكن عليه أن يتذكر رقابة الله دائما، كما تأمر المجموعة بالإنذار باليوم الآخر، وفي هذا لفت نظر للدعاة أن يكونوا يقظين منذرين ٢ - رأينا تفسير قراءة حفص في قوله تعالى: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ وهناك قراءة متواترة أخرى قرأ بها الكسائي وهي بفتح لام «لتزول» وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ أي وإنه كان مكرهم يزيل الجبال. وهذا وصف لمكرهم بالشدة والكبر، ومع ذلك فإن الله يفسده، ومن رأى مكر الكافرين في عصرنا عرف معنى هذه القراءة عمليا، ومن رأى ثبات المؤمنين في عصرنا عرف معنى قراءة حفص عمليا.

стр. 2682

المجموعة الثامنة وتمتد من الآية (٤٧) إلى نهاية الآية (٥١) وهذه هي: [سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٧ الى ٥١] فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١) التفسير: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ من نصرتهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، والتقدير مخلف رسله وعده، وإنما أخر الرسل وقدم الوعد ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي ذا عزة لا يمتنع عليه شئ أراده، وغالب لا يغالب ولا يماكر ذُو انتِقامٍ لأوليائه من أعدائه يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ أي وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض وَالسَّماواتُ أي وتبدل السموات غير السموات وَبَرَزُوا أي وخرجوا من قبورهم لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ذكر الوحدانية بجانب القهارية هنا ليعلم أن الملك يومذاك لواحد غلاب لا يغالب، فلا مستغاث لأحد إلى غيره، وهذا يفيد أن الأمر يومذاك في غاية الشدة وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ أي الكافرين المفسدين يَوْمَئِذٍ أي يوم القيامة مُقَرَّنِينَ أي قرن بعضهم مع بعض أو مع الشياطين، أو قرنت أيديهم إلى أرجلهم مغللين فِي الْأَصْفادِ والأصفاد هي القيود والأغلال سَرابِيلُهُمْ أي قمصهم وثيابهم التي يلبسونها مِنْ قَطِرانٍ وهو مادة معروفة تتحلب من شجر يسمى الأبهل، فيطبخ فيهنأ به الإبل الجربى فيحترق الجرب بحدته وحره، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وهو أسود اللون، منتن الريح، فيطلى به جلود أهل النار، حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل ليجتمع عليهم لذع القطران وحرقته

стр. 2683

وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش ونتن الريح. على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين. وكل ما وعده الله أو أوعد به في الآخرة فبينه وبين ما نشاهد من جنسه ما لا يقدر، وكأنه ما عندنا منه إلا الأسامي والمسميات ثمة نعوذ بالله من سخطه وعذابه» اهـ النسفي وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ أي وتعلوها باشتعالها، وخص الوجه لأنه أعز موضع في ظاهر البدن كالقلب في باطنه لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أي يفعل بالمجرمين ما يفعل ليجزي كل نفس مجرمة ما كسبت أو كل نفس من مجرمة ومطيعة سيجازيها لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم، فسيثيب المؤمنين على طاعتهم إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ أي يحاسب جميع العباد في أسرع من لمح البصر. فوائد: ١ - هذه المجموعة توجه الداعية نحو الثقة المطلقة بوعد الله في النصرة في الآخرة وفي الدنيا؛ لأن مقتضى اتصافه بأسمائه: العزيز، ذي الانتقام، الواحد، القهار، يقتضي أن يكون ما أخبر عنه حاصلا، ومقتضى عدله أن يجازي الأنفس على عملها، ومن ثم فالثقة بوعد الله سمة رئيسية من سمات الداعية ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. ٢ - بمناسبة قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ قال ابن كثير: (جاء في الصحيحين من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي (١) ليس فيها معلم لأحد» وقال الإمام أحمد ... عن عائشة أنها قالت: أنا أول الناس سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ قالت: قلت أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: «على الصراط». وقال قتادة عن حسان ابن بلال المزني عن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن قول الله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ قال: قالت: يا رسول الله فأين الناس يومئذ؟ قال: «لقد سألتني عن شئ ما سألني عنه أحد من أمتي، ذاك أن الناس على جسر جهنم»)

стр. 2684

وبمناسبة هذه الآية يثور سؤال: هل التبديل- الذي هو التغيير- تغيير ذات، أو تغيير أوصاف؟ قولان قال النسفي: (واختلف في تبديل الأرض والسماوات فقيل: تبدل أوصافها، وتسير عن الأرض جبالها، وتفجر بحارها وتسوى ولا ترى فيها عوجا ولا أمتا. وعن ابن عباس ﵄: هي تلك الأرض وإنما تغير. وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها، وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبوابا وقيل: تخلق بدلها أرض وسماوات أخر وعن ابن مسعود ﵁: يحشر الناس على بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئة ... ) وقال الألوسي: (والتبديل قد يكون في الذات كما في بدلت الدراهم دنانير ومن قوله تعالى: بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها وقد يكون في الصفات كما في قولك: «بدلت الحلقة خاتما» إذا غيرت شكلها ومنه قوله سبحانه: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ والآية الكريمة ليست بنص في أحد الوجهين) ثم ذكر الألوسي أقوالا كثيرة للمفسرين عن هذا التبديل ثم قال: ولا مانع أن يكون هنا تبديلات على أنحاء شتى، وعلقه على الحديث الذي رواه مسلم والذي فيه «هم في الظلمة دون الجسر»: ولعل المراد من هذا التبديل نحو خاص منه) ٣ - قال الألوسي عن القطران: (هو ما يحلب من شجر الأبهل فيطبخ وتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بما فيه من الحرة الشديدة، وقد تصل حرارته إلى الجوف، وهو أسود منتن يسرع فيه اشتعال النار حتى قيل إنه أسرع الأشياء اشتعالا. وفي التذكرة أنه نوعان ... وأنه إن سل بنفسه يقال زفت وإن كان بالصناعة فقطران) ٤ - بمناسبة قوله تعالى: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ يذكر ابن كثير هذين الحديثين: - روى الإمام أحمد والإمام مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركوهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت، والنائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب».

стр. 2685

- وفي حديث القاسم عن أبي أمامة ﵁ قال رسول الله ﷺ رفعه: «النائحة إذا لم تتب توقف في طريق بين الجنة والنار سرابيلها من قطران وتغشى وجهها النار». ***

стр. 2686

خاتمة السورة وهي آية واحدة وهي الآية (الثانية والخمسون) وهذه هي: [سورة إبراهيم (١٤): آية ٥٢] هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢) التفسير: هذا أي الذي ورد في السورة بَلاغٌ لِلنَّاسِ أي كفاية في التذكير والموعظة، وبه تقوم الحجة الكاملة عليهم وَلِيُنْذَرُوا بِهِ أي بهذا البلاغ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ بمجموع ما جاء في السورة وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ أي ذوو العقول فيخرجون بهذا البلاغ من الظلمات إلى النور. وبمناسبة هذه الآية قال صاحب الظلال: (إن الشرك بالله- المخالف لشهادة أن لا إله إلا الله- يتمثل في كل وضع وفي كل حالة لا تكون فيها الدينونة في كل شأن من شئون الحياة خالصة لله وحده، ويكفي أن يدين العبد لله في جوانب من حياته بينما هو يدين في جوانب أخرى لغير الله. حتى تتحقق صورة الشرك حقيقة وتقديم الشعائر ليس إلا صورة واحدة من صور الدينونة الكثيرة، والأمثلة الحاضرة في حياة البشر اليوم تعطينا المثال الواقعي للشرك في أعماق طبيعته. إن العبد الذي لا يتوجه لله بالاعتقاد في ألوهيته وحده ثم يدين لله في الوضوء والطهارة والصلاة والصوم والحج وسائر الشعائر بينما هو في الوقت ذاته يدين في حياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لشرائع من عند غير الله، ويدين في قيمه وموازينه الاجتماعية لتصورات واصطلاحات من صنع غير الله. ويدين في أخلاقه وتقاليده وعاداته وأزيائه لأرباب من البشر تفرض عليه هذه الأخلاق والعادات والتقاليد والأزياء- مخالفة لشرع الله وأمره- إن هذا العبد يزاول الشرك (الخفي أو الجلي) فى أخص حقيقته ويخالف عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله في أخص حقيقتها هذا ما يغفل عنه الناس اليوم فيزاولونه في ترخيص وتميع، وهم لا يحسبونه

стр. 2687

الشرك الذي كان يزاوله المشركون في كل زمان ومكان. والأصنام .. ليس من الضروري أن تتمثل في تلك الصورة الأولية الساذجة .. فالأصنام ليست سوى شعارات للطاغوت، يتحفى وراءها لتبعيد الناس باسمها- وضمان دينونتهم له من خلالها إن الصنم لم يكن ينطق أو يسمع أو يبصر .. إنما كان السادن أو الكاهن أو الحاكم يقوم من ورائها يتمتم حولها بالتعاويذ والرقى .. ثم ينطق باسمها بما يريد هو أن ينطق لتعبيد الجماهير وتذليلها فاذا رفعت في أي أرض وفي أي وقت شعارات ينطق باسمها الحكام والكهان ويقررون باسمها ما لم يأذن به الله من الشرائع والقوانين والقيم والموازين والتصرفات والأعمال ... فهذه هي الأصنام في طبيعتها وحقيقتها ووظيفتها! إذا رفعت «القومية» شعارا أو رفع «الوطن» شعارا أو رفع «الشعب» شعارا أو رفعت «الطبقية» شعارا .. ثم أريد الناس على عبادة هذه الشعارات من دون الله وعلى التضحية لها بالنفوس والأموال والأخلاق والأعراض. بحيث كلما تعارضت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعليماته مع مطالب تلك الشعارات ومقتضياتها، نحيت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعاليمه ونفذت إرادة تلك الشعارات- أو بالتعبير الصحيح الدقيق: إرادة الطواغيت الواقفة وراء هذه الشعارات كانت هذه هي عبادة الأصنام من دون الله .. فالصنم ليس من الضروري أن يتمثل في حجر أو خشبة. ولقد يكون الصنم مذهبا أو شعارا إن الإسلام لم يجئ لمجرد تحطيم الأصنام الحجرية والخشبية ولم تبذل فيه تلك الجهود الموصولة من موكب الرسل الموصول ولم تقدم من أجله تلك التضحيات الجسام وتلك العذابات والآلام لمجرد تحطيم الأصنام من الأحجار والأخشاب. إنما جاء الإسلام ليقيم مفرق الطريق بين الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن، وبين الدينونة لغيره في كل هيئة وفي كل صورة .. ولا بد من تتبع الهيئات والصور في كل وضع وفي كل وقت لإدراك طبيعة الأنظمة والمناهج القائمة، وتقرير ما إذا كانت توحيدا أم شركا؟ ودينونة لله وحده أم دينونة لشتى الطواغيت والأرباب والأصنام! والذين يظنون أنفسهم في «دين الله» لأنهم يقولون بأفواههم «نشهد أن لا إله إلا

стр. 2688

الله وأن محمدا رسول الله» ويدينون لله فعلا في شئون الطهارة والشعائر والزواج والطلاق والميراث .. بينما هم يدينون فيما وراء هذا الركن لغير الله- ثم هم يبذلون أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وأخلاقهم- أرادوا أم لم يريدوا- ليحققوا ما تتطلبه منهم الأصنام الجديدة. فإذا تعارض دين أو خلق أو عرض مع مطالب هذه الأصنام نبذت أوامر الله فيها ونفذت مطالب هذه الأصنام ... الذين يظنون أنفسهم «مسلمين» وفي «دين الله» وهذا حالهم .. عليهم أن يستفيقوا لما هم فيه الشرك العظيم!!! إن دين الله ليس بهذا الهزال، إن دين الله منهج شامل لجزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها، والدينونة لله وحده في كل تفصيل وكل جزئية من جزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها- فضلا على أصولها وكلياتها- هي دين الله- وهي الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه. وإن الشرك بالله لا يتمثل- فحسب- في الاعتقاد بألوهية غير الله ولكنه يتمثل ابتداء في تحكيم أرباب غيره معه. وإن عبادة الأصنام لا تتمثل في إقامة أحجار وأخشاب بقدر ما تتمثل في إقامة شعارات لها كل ما لتلك الأصنام من نفوذ ومقتضيات. ولينظر الناس في كل بلد لمن المقام الأعلى في حياتهم؟ ولمن الدينونة الكاملة؟ ولمن الطاعة والاتباع الامتثال؟ فإن كان هذا كله لله فهم في دين الله، وإن كان لغير الله- معه أو من دونه- فهم في دين الطواغيت والأصنام .. والعياذ بالله .. ! هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ، وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ .. ) فائدة: لخصت هذه الآية مقاصد السورة بأنها البلاغ، والإنذار، والعلم بوحدانية الله، والتذكير، فهي بلاغ للناس بأن هذا القرآن وحده هو الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور، وهي إنذار بما تهدد الله به الكافرين في القرآن، وعلى لسان موسى ﵇، وبما فعل الله بالمكذبين، وبما حدثنا الله عنه من شأن الكافرين، وهي إنذار لمن يبدل نعمة الله كفرا، وهي إنذار للظالمين بما أعد لهم.

стр. 2689

وهي كذلك لتعليم الناس الوحدانية، فالله واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في أفعاله، فهي تعلم الناس الوحدانية من خلال ظاهرة الخلق، ومن خلال آثار الوحدانية في الحياة البشرية، ومن خلال بعثة الرسل ونصرتهم، ومن خلال دعوتهم وحالهم. وهي تذكر أولي الألباب في الطريق إلى النور من خلال الخطاب المباشر أَلَمْ يَأْتِكُمْ* أَلَمْ تَرَ* أَلَمْ تَرَ* أَلَمْ تَرَ* وَلا تَحْسَبَنَّ* فَلا تَحْسَبَنَّ ومن خلال انفعالهم بأوامر الرسول ﷺ ، ومن خلال القدوة بالرسل، وبمجموع مقاصد السورة نعرف كيف تتم عملية الخروج من الظلمات إلى النور بالبلاغ والإنذار، والتركيز على التوحيد والتذكير. كلمة في سورة إبراهيم: رأينا أن محور سورة إبراهيم هو قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وسورة إبراهيم تحدد بم يكون الإخراج، فالإخراج بالقرآن، وسبب الخروج محمد ﷺ ، والسورة توجه، وتبين آلية الخروج وبم تتم: فالمخرج تقول: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ .... أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً .... أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً .. قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ... وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا .... وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ .... فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ... فهذه مجموعة أمور توجه عملية الإخراج من الظلمات إلى النور ولتتم به.

стр. 2690

إن سورة إبراهيم ﵇ تفصل في محورها، ومع ذلك فإن لها سياقها الخاص: تبدأ بذكر الحكمة من إنزال القرآن، وتثني بأن ذلك كان هو الهدف من بعثة موسى ﵇، ثم تخاطب المكلفين ألا يرفضوا، ثم تلفت النظر إلى قدرة الله لتصل إلى مشهد من مشاهد يوم القيامة، ثم تذكر بكلمة التوحيد، ثم تأمر بالصلاة والزكاة، ثم تذكر بحقوق الحرم، فهي بذلك تذكر بأن الطريق إلى النور هو: كلمة التوحيد، والصلاة، والإنفاق، والحج، وإذ كان الكثيرون من الناس سيرفضون دعوة الله فإن المجموعتين الأخيرتين في السورة تذكران رسول الله ﷺ بأن الله يمهل ولا يهمل، وأن وعده آت لا محالة، ثم تأتي خاتمة السورة مذكرة بأغراض السورة وهكذا شأن كل سورة من سور القرآن، لها سياقها الخاص، ولها محورها الذي تفصل فيه، وكل سورة لها محلها في السياق القرآني العام كلمة في المجموعة الأولى من قسم المئين: إن التكامل واضح في سور المجموعة الأولى من قسم المئين، كما أن التكامل واضح بين هذه المجموعة وبين المجموعتين الأخيرتين من قسم المئين كما سنرى: جاءت سورة يونس في هذه المجموعة فنفت الريب عن القرآن، وأكدت أنه هدى، ثم جاءت سورة هود فدلت على الطريق إلى الله، وعلى الطريق للاهتداء بكتابه والطريق هو العبادة لله وحده، ثم جاءت سورة يوسف فعمقت الإيمان بالقرآن وعمقت ضرورة الاهتداء به، ثم جاءت سورة الرعد فبينت أن للاهتداء وللضلال سننا، فمن تجنب سنن الضلال وتبع طرق الهداية فإنه يهتدي، وحتى لا يظن ظان أن الهداية تكون بلا هاد، وحتى يتعمق معنى السير في طريق الهداية، فقد جاءت سورة إبراهيم لتفصل في ذلك كله. وهكذا نجد أن المجموعة الأولى من قسم المئين تشكل وحدة متكاملة فيما بينها، وتظهر لك هذه الوحدة على كمالها لو أنك وضعت محاور سور المجموعة من سور البقرة بجانب بعضها. ونحن سنضع هذه المحاور بجانب بعضها لتتأمل الصلة بين الآيات، ثم لتدرك ما ذكرناه من تكامل، ثم لنتذكر ما قلناه من قبل إن محاور القسم- أو المجموعة في القسم- من سورة البقرة تشكل مع بعضها وحدة موضوعية.

стр. 2691

الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا، ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ* اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ هذه هي محاور سور المجموعة الأولى من قسم المئين، ولو أنك تأملتها لوجدت معاني يكمل بعضها بعضا، فكذلك سور المجموعة، إذ ترسم طريق الهداية من بدايته إلى نهايته، وهي بهذا تضع الأساس الذي ستبني عليه المجموعة الثانية من قسم المئين كما سنرى. ............. في هذه المجموعة من قسم المئين يصل النور إلى القلب، ويزداد اليقين وتتضمن صفات الخير، ويتخلص الإنسان من صفات الشر، وبذلك يصبح عنده استعداد للتلقي في أمور أخرى، وذلك هو موضوع المجموعة الثانية من قسم المئين. ستأتي المجموعة الثانية في قسم المئين لتعالج موضوع الاهتداء ببعض الكتاب وإهمال بعض، ولتعالج موضوع الاستسلام المطلق لله بالاستسلام له في كل ما شرع، ولتعالج احتمالات الانحراف في هذه الأمة، ولتعالج موضوع التسليم لله في رزقه لعباده، الرزق الحسي والرزق المعنوي، ولتعالج موضوع الاختلاف في الكتاب، وكلها مواضيع مهمة في حياة الإنسان، وحياة الأمم، وإنما تأتي المجموعة الثانية لتعالج هذه المواضيع بعد أن وضعت المجموعة الأولى من قسم المئين الأساس النظري والعملي للتلقي الكامل في هذه الشئون، والأمر أوسع من ذلك بكثير ولكنا نحرص ألا يتشعب بنا البحث فيفوتنا توضيح المسرى العام للتكامل القرآني ***

стр. 2692

بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله واصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 2693

كلمة في المجموعة الثانية من قسم المئين: رأينا أن المجموعة الأولى من قسم المئين عمّقت اليقين ودلّت على النور وأخرجت من الظلمات، ثمّ تأتي المجموعة الثانية من قسم المئين وأولها سورة الحجر التي تفصّل في مقدمة سورة البقرة من جديد تفصيلا غير الذي فصّلته سورة يونس، ثمّ تأتي بعد ذلك سورة النحل والإسراء والكهف ومريم فتفصّل في الآيات (٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٣) من سورة البقرة. سورة النحل تفصّل في الآية (٢١٠) وهي هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ولذلك فإن أول آية في سورة النحل هي: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ... وسورة الإسراء تفصّل في الآية (٢١١) وهي سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ولذلك تجد في سورة الإسراء قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ .... وسورة الكهف تفصّل في الآية (٢١٢) وهي زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ولذلك تجد في سورة الكهف إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وسورة مريم تفصّل في الآية (٢١٣) وهي كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. ولذلك تجد في سورة مريم وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ. والتدليل على ما ذكرناه هنا سيأتي بتوسع فيما بعد إن شاء الله. إن الآيات (٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٣) من سورة البقرة آتية بعد قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ

стр. 2694

مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. وإذن فهي آتية في حيّز الدعوة إلى الدخول في الإسلام كله، وترك اتباع خطوات الشيطان، ولذلك فإن السور الأربع التي جاءت تفصّل الآيات الأربع قد عمّقت معنى الدخول في الإسلام كله وترك اتباع- خطوات الشيطان- كما سنرى- وبما أن سورة الحجر كانت مقدمة لهذه السور الأربع فإنها ذكرت مثل هذا المعنى فقالت كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ* الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أي أقساما، قبلوا قسما وردوا قسما، فسورة الحجر والسور الأربعة بعدها تشكل كلا متكاملا ضمن قسمها وهذا سيتضح معنا بشكل أكمل عند ما نستعرض سور المجموعة كلها. ***

стр. 2695

سورة الحجر وهي السّورة الأولى من المجموعة الثانية من قسم المئين وهي السّورة الخامسة عشرة بحسب رسم القرآن وهي مكيّة وآياتها تسع وتسعون

стр. 2696

بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 2697

[تقديم الألوسي لسورة الحجر] قال الألوسي في تقديمه لسورة الحجر: (أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم أنها نزلت بمكة وروي ذلك عن قتادة. ومجاهد. وفي مجمع البيان عن الحسن أنها مكية إلا قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وقوله سبحانه: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ وذكر الجلال السيوطي في الإتقان عن بعضهم استثناء الآية الأولى فقط ثم قال قلت: وينبغي استثناء قوله تعالى وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ الآية لما أخرجه الترمذي وغيره في سبب نزولها وأنها في صفوف الصلاة، وعلى هذا فقول أبي حيان ومثله في تفسير الخازن إنها مكية بلا خاف .. من قلة التتبع وهي تسع وتسعون آية، قال الداني وكذا الطبرسي: بالإجماع وتحتوي- على ما قيل- على خمس آيات نسختها آية السيف. ووجه مناسبتها لما قبلها أنها مفتتحة بنحو ما افتتحت به السورة السابقة ومشتملة أيضا على شرح أحوال الكفرة يوم القيامة وودادتهم لو كانوا مسلمين، وقد اشتملت الأولى على نحو ذلك، وأيضا ذكر في الأولى طرف من أحوال المجرمين في الآخرة، وذكر هنا طرف مما نال بعضا منهم في الدنيا، وأيضا قد ذكر سبحانه في كل مما يتعلق بأمر السموات والأرض ما ذكر، وأيضا ... فيما يتعلق بإبراهيم ﵇، وأيضا في كل من تسلية نبينا محمد ﷺ ما فيه وغير ذلك مما لا يحصى». كلمة في سورة الحجر ومحورها: سورة الحجر هي كالمقدمة للسور الأربع الآتية بعدها، وهي في الوقت نفسه تفصّل في مقدمة سورة البقرة، فمحورها هو الآيات الأولى من سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ إنك لو تأملت سورة الحجر فإنك ستجد فيها: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ.

стр. 2698

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ* وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ* لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ. كما نجد فيها: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ* ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ. وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ* لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا فالسورة تفصّل في شأن المتقين، كما تفصّل في شأن الكافرين الذين لا ينفع معهم إنذار، إنها تفصّل في مقدمة سورة البقرة، مع تركيز على تفصيل أحوال الكافرين. قال صاحب الظلال: (محور هذه السورة الأول هو إبراز المصير المخوّف الذي ينتظر الكافرين المكذبين .. وحول هذا المحور يدور السياق في عدة جولات متنوعة الموضوع والمجال، ترجع كلها إلى ذلك المحور الأصيل سواء في ذلك القصة، ومشاهد الكون، ومشاهد القيامة، والتوجيهات والتعقيبات التي تسبق القصص وتتخلله وتعقب عليه). إن السورة تركز على تفصيل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. ولذلك فهي تدلنا على صفات هذا النوع من الكافرين الذين لا ينفع معهم إنذار، إن من خلال المعنى أو من خلال القصة، وتردّ على الذين يتصورون أن الله لا يعذب: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ وتضرب الأمثلة على أنواع من تعذيبه للكافرين في الدنيا. هذا هو محور سورة الحجر الرئيسي: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إنها شرح لحال الكفار وموقفهم من الإنذار، وهي في الوقت نفسه توجيه للنذير كيف يفعل وكيف يوجّه نذارته، وبماذا يقابل رفضهم للإنذار، كما أن فيها تعليلا لهذه الحالة من الكفر الطاغي الأعمى: لاحظ هذه التوجيهات للنذير: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.

стр. 2699

نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ. فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ. لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ* وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ. فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ* وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ. إنك عند ما تقرأ هذه التوجيهات في محلها تجد أنّ كل توجيه منها يأتي في محله بما يخدم محور السورة وسياقها. ومن قبل قلنا: إن أي سورة في القرآن لها محورها من سورة البقرة، وهي تفصّل فيه، وفي بعض امتداداته من سورة البقرة نفسها، فهي تجذب الشئ إلى نظيره، وسورة الحجر تصلح أن تكون نموذجا على ذلك، فهي تفصّل في مقدمة سورة البقرة، وفي بعض امتدادات هذه المقدمة، بحيث يتألف من مجموع ذلك المقدمة الكاملة للسور الأربع التالية، إن السور الأربع التالية لسورة الحجر تناقش أهم الدوافع والصوارف في شأن حمل الإسلام كله، من ثمّ فإن سورة الحجر تفصّل في محورها من سورة البقرة، وتفصّل في امتداداته ضمن سياقها الخاص ليشكّل ذلك مقدمة كاملة للسور بعدها، فإذا كانت السور بعدها تناقش الدوافع والصوارف لحمل الإسلام كله، فإن سورة الحجر تتحدث عن الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، كما أنها تنذر وتوجّه وتوطّئ، وكل ذلك سنراه عند عرضها، وسنعرض سورة الحجر على مجموعات بدلا من عرضها كمقاطع للتسهيل على القارئ. ***

стр. 2700

المجموعة الأولى وتمتدّ حتى نهاية الآية (١٥) وهذه هي: ١٥/ ١٥ - ١ التفسير: الر سبق الكلام عن هذه الأحرف تِلْكَ أي: ما تضمنته هذه السورة من الآيات آياتُ الْكِتابِ أي: معجزات الكتاب وَقُرْآنٍ مُبِينٍ أي: كثير الإبانة
следующие страницы →