← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 2697

[تقديم الألوسي لسورة الحجر] قال الألوسي في تقديمه لسورة الحجر: (أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم أنها نزلت بمكة وروي ذلك عن قتادة. ومجاهد. وفي مجمع البيان عن الحسن أنها مكية إلا قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وقوله سبحانه: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ وذكر الجلال السيوطي في الإتقان عن بعضهم استثناء الآية الأولى فقط ثم قال قلت: وينبغي استثناء قوله تعالى وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ الآية لما أخرجه الترمذي وغيره في سبب نزولها وأنها في صفوف الصلاة، وعلى هذا فقول أبي حيان ومثله في تفسير الخازن إنها مكية بلا خاف .. من قلة التتبع وهي تسع وتسعون آية، قال الداني وكذا الطبرسي: بالإجماع وتحتوي- على ما قيل- على خمس آيات نسختها آية السيف. ووجه مناسبتها لما قبلها أنها مفتتحة بنحو ما افتتحت به السورة السابقة ومشتملة أيضا على شرح أحوال الكفرة يوم القيامة وودادتهم لو كانوا مسلمين، وقد اشتملت الأولى على نحو ذلك، وأيضا ذكر في الأولى طرف من أحوال المجرمين في الآخرة، وذكر هنا طرف مما نال بعضا منهم في الدنيا، وأيضا قد ذكر سبحانه في كل مما يتعلق بأمر السموات والأرض ما ذكر، وأيضا ... فيما يتعلق بإبراهيم ﵇، وأيضا في كل من تسلية نبينا محمد ﷺ ما فيه وغير ذلك مما لا يحصى». كلمة في سورة الحجر ومحورها: سورة الحجر هي كالمقدمة للسور الأربع الآتية بعدها، وهي في الوقت نفسه تفصّل في مقدمة سورة البقرة، فمحورها هو الآيات الأولى من سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ إنك لو تأملت سورة الحجر فإنك ستجد فيها: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ.

стр. 2698

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ* وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ* لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ. كما نجد فيها: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ* ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ. وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ* لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا فالسورة تفصّل في شأن المتقين، كما تفصّل في شأن الكافرين الذين لا ينفع معهم إنذار، إنها تفصّل في مقدمة سورة البقرة، مع تركيز على تفصيل أحوال الكافرين. قال صاحب الظلال: (محور هذه السورة الأول هو إبراز المصير المخوّف الذي ينتظر الكافرين المكذبين .. وحول هذا المحور يدور السياق في عدة جولات متنوعة الموضوع والمجال، ترجع كلها إلى ذلك المحور الأصيل سواء في ذلك القصة، ومشاهد الكون، ومشاهد القيامة، والتوجيهات والتعقيبات التي تسبق القصص وتتخلله وتعقب عليه). إن السورة تركز على تفصيل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. ولذلك فهي تدلنا على صفات هذا النوع من الكافرين الذين لا ينفع معهم إنذار، إن من خلال المعنى أو من خلال القصة، وتردّ على الذين يتصورون أن الله لا يعذب: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ وتضرب الأمثلة على أنواع من تعذيبه للكافرين في الدنيا. هذا هو محور سورة الحجر الرئيسي: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إنها شرح لحال الكفار وموقفهم من الإنذار، وهي في الوقت نفسه توجيه للنذير كيف يفعل وكيف يوجّه نذارته، وبماذا يقابل رفضهم للإنذار، كما أن فيها تعليلا لهذه الحالة من الكفر الطاغي الأعمى: لاحظ هذه التوجيهات للنذير: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.

стр. 2699

نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ. فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ. لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ* وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ. فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ* وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ. إنك عند ما تقرأ هذه التوجيهات في محلها تجد أنّ كل توجيه منها يأتي في محله بما يخدم محور السورة وسياقها. ومن قبل قلنا: إن أي سورة في القرآن لها محورها من سورة البقرة، وهي تفصّل فيه، وفي بعض امتداداته من سورة البقرة نفسها، فهي تجذب الشئ إلى نظيره، وسورة الحجر تصلح أن تكون نموذجا على ذلك، فهي تفصّل في مقدمة سورة البقرة، وفي بعض امتدادات هذه المقدمة، بحيث يتألف من مجموع ذلك المقدمة الكاملة للسور الأربع التالية، إن السور الأربع التالية لسورة الحجر تناقش أهم الدوافع والصوارف في شأن حمل الإسلام كله، من ثمّ فإن سورة الحجر تفصّل في محورها من سورة البقرة، وتفصّل في امتداداته ضمن سياقها الخاص ليشكّل ذلك مقدمة كاملة للسور بعدها، فإذا كانت السور بعدها تناقش الدوافع والصوارف لحمل الإسلام كله، فإن سورة الحجر تتحدث عن الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، كما أنها تنذر وتوجّه وتوطّئ، وكل ذلك سنراه عند عرضها، وسنعرض سورة الحجر على مجموعات بدلا من عرضها كمقاطع للتسهيل على القارئ. ***

стр. 2700

المجموعة الأولى وتمتدّ حتى نهاية الآية (١٥) وهذه هي: ١٥/ ١٥ - ١ التفسير: الر سبق الكلام عن هذه الأحرف تِلْكَ أي: ما تضمنته هذه السورة من الآيات آياتُ الْكِتابِ أي: معجزات الكتاب وَقُرْآنٍ مُبِينٍ أي: كثير الإبانة

стр. 2701

والتوضيح، فالقرآن مبين عن الله وصفاته مبين عن الله ورسله، مبين عن سنن الله وشرعه ودينه، مبين عن طبيعة الإنسان وخصائص الإنسان وأدواء الإنسان وطرق علاجها، بل إنه مبين لكل شئ يحتاجه الإنسان رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ هذا إخبار عن الكفار أنهم سيندمون على ما كانوا فيه من الكفر ويتمنّون لو كانوا مسلمين في الدنيا، ومتى يكون هذا؟ هل هو عند النزع إذا كشف الحجاب، أو يكون يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين، أو إذا رأوا عصاة المسلمين يخرجون من النار، أو إذا رأوا المسلمين يعبرون على الصراط، أو إذا رأوا أهل الجنة في الجنة، أو عند هذا كله؟ أقوال للعلماء، ولم استعملت ربما التي تفيد التقليل في هذا المقام مع أن تمني الإيمان والإسلام في هذه المقامات قطعي وكثير وكبير؟ الجواب: إنما جئ ب (ربما) للإشعار بأن ما سيرونه من أهوال يشغلهم عن التمني، وبناء عليه يصدر الله لرسوله ﷺ أمرا فيه إهانة لهم فيقول ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا بدنياهم وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ أي ويشغلهم أملهم وأمانيهم عن حقيقة أنفسهم وعما أمامهم وعن الحق الذي أنزل إليك وعما كلفوا به فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أي سوء صنيعهم، والمعنى: اقطع طمعك من ارعوائهم لأن الإنذار وعدمه في حقهم سواء. كلمة في السياق: نلاحظ أن الآية الأولى في السورة لها صلة بالآية الأولى من سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (سورة البقرة) الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (سورة الحجر) ثم نلاحظ الصلة المباشرة بين تتمة المجموعة وبين قوله تعالى من مقدمة سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. بدأ ذلك بقوله تعالى رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ* ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وتأتي بقية المجموعة لتعلّل سبب هذا الأمر، ومن خلال ذلك نعرف أن الكلام في المجموعة عن نوع من الكفار لا يؤثر فيهم الإنذار وكل ذلك مرتبط بمقدمة سورة البقرة.

стр. 2702

فوائد: ١ - [اشتغال الكافر في الدنيا بالأكل والتمتع والأمل فقط] فهمنا من الآية أن الأكل والتمتع في الدنيا والأمل هي كل شئ بالنسبة للكافر، وأن هذه القضايا الثلاث تشغلهم عن كل شئ، وإذا تأملنا حال الكافرين، وحاولنا أن نلخّص أحوالهم لم نجد أبلغ مما وصفهم القرآن به، وفي ذلك مظهر من مظاهر الإعجاز القرآني، إذ مثل هذه الإحاطة في النفس البشرية، وهذا البيان البليغ يخرجان عن طوق البشر، وفي الآية تنبيه عظيم للمؤمنين على أن إيثار التلذذ والتمتع والانشغال بالآمال الكاذبة وما يؤدي إلى طول الأمل وإلى أن تصبح هذه الأخلاق عميقة الجذور في النفس والقلب، كل ذلك ليس من أخلاق المؤمن، كما أنّ أمر الرسول ﷺ بتركهم يشير إلى أنّ الواجب في حق هؤلاء ازدراؤهم واحتقار ما هم فيه، وأي ازدراء أكبر من أن يؤمر المكلّف بالتبليغ أن يترك من هذا شأنه! وفي عصرنا حيث تعتبر قضية الطعام والمتاع ميزان التقدم، وحيث تقوم الحركات السياسية كلها على تعليق نفس الإنسان بالآمال الدنيوية ندرك أهمية هذا التوجيه في التربية الإسلامية. ٢ - [حول اختلاف العلماء في اللحظة التي يود الكافرون فيها لو كانوا مسلمين] رأينا اختلاف العلماء في اللحظة التي يودّ الكافرون فيها لو كانوا مسلمين ولا شك أن ندامتهم تحصل لهم في كل لحظة يتاح لهم أن يراجعوا ما هم فيه، ومن ثم قصّ الله علينا قولهم يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وقصّ الله علينا قولهم رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ... وهكذا تعددت أقوال العلماء، لأن كلّا منهم نظر إلى ما قصّه الله علينا من أمنية في مقام فذهب إلى أن الآية تريد هذا المقام، إلا أن هناك أربعة أحاديث يذكرها ابن كثير تعتبر نصا في الموضوع، حديثان منها رواهما الطبراني، وحديث رواه الطبراني وابن أبي حاتم، وحديث منها رواه ابن أبي حاتم، والأسانيد مختلفة ومعانيها قريبة من بعضها، ومن ثم نكتفي بذكر الحديث الرابع الذي أخرجه ابن أبي حاتم، وهذا هو: «قال رسول الله ﷺ : «ومنهم- أي من المسلمين الذين أدخلوا النار- من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم، ومنهم من يمكث فيها شهرا ثم يخرج منها، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثا بقدر الدنيا منذ خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد الله أن يخرجهم منها قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان، والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله، فنحن وأنتم اليوم في النار سواء.

стр. 2703

فيغضب الله لهم غضبا لم يغضبه لشئ فيما مضى فيخرجهم إلى عين في الجنة وهو قوله رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ. ٣ - [حول تهديد الله للكافرين بقوله سبحانه ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا .. ] قوله تعالى ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا .. فيه تهديد شديد ووعيد أكيد كقوله تعالى: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (إبراهيم: ٣٠) وقوله كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (المرسلات: ٤٦) ولهذا قال: وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ أي عن التوبة والإنابة فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أي عاقبة أمرهم ولنعد إلى التفسير. إنّه بعد أن أمر الله رسوله ﷺ أن يدع هؤلاء الكافرين لما هم فيه ذكر تعليلات ذلك الأمر: (١) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ أي مكتوب مَعْلُومٌ وهو أجلها الذي كتب في اللوح المحفوظ ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها المحدّد في الكتاب وَما يَسْتَأْخِرُونَ عن هذا الأجل المضروب. أخبر الله أنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها، وأنه لا يؤخر أمة حان هلاكهم عن ميقاتهم ولا يتقدمون عن مدتهم، فإذا كانت سنة الله كذلك فهؤلاء الكافرون المعاندون لك يا محمد سيأتيهم أجلهم، ومن ثم فدعهم فيما هم فيه ونحن نتولى شأنهم. (٢) وعلة أخرى للأمر بتركهم: هي أقوالهم المتعنّتة التي تخرجهم عن طور استحقاق الدعوة والإنذار، لأن أقوالهم تخرجهم عن الاتزان والإنصاف وَقالُوا أي الكفار يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ أي القرآن الذي تدعو إليه إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ والمعنى: إنك لتقول قول المجانين حيث تدّعي أن الله نزّل عليك الذكر لَوْ ما أي هلا تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ أي يشهدون بصدقك إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فقوم هذا منطقهم: السباب، واقتراح خرق نظام الكون، لا يستحقون الاهتمام وإنما الترك، ومع ذلك فقد ردّ الله عليهم أقوالهم ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ أي إلا تنزيلا ملتبسا بالحق والحكمة، إما بالرسالة وإما بالعذاب، والعذاب له أجل والرسالة لها أهلها وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ أي لو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين ولما تأخر عذابهم، هذا ردّ على طلبهم تنزل الملائكة، وأما اتهامهم رسول الله ﷺ بالجنون بسبب تنزل الذكر عليه

стр. 2704

فالردّ عليه إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ أي القرآن وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ أي من التغيير والتبديل، قال النسفي: وهو رد لإنكارهم واستهزائهم في قولهم (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) ولذلك قال (إِنَّا نَحْنُ) فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع، وأنه هو الذي نزله محفوظا من الشياطين، وهو حافظه في كل وقت من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل، بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتولّ حفظها، وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغيا فوقع التحريف، ولم يكل حفظه القرآن إلى غيره، وقد جعل قوله (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) دليلا على أنه منزل من عنده آية. إذ لو كان من قول البشر أو غير آية لتطرّق عليه الزيادة والنقصان كما يتطرق على كل كلام سواه، أو الضمير في (له) لرسول الله ﷺ كقوله (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ) اهـ. فنسبة الرسول ﷺ إلى الجنون مع أن هذا القرآن من عند الله، والأدلة قائمة على ذلك- يدل على أن هؤلاء وصلوا في الطغيان على الله ورسوله حدا لا يصلح معه إلا الترك. (٣) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رسلا فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ أي فرق السابقين، والشيعة: الفرقة إذا اتفقوا على مذهب وطريقة وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وإذن لم يزل دأب الأمم الماضية الاستهزاء بالرسل، فهؤلاء ماضون على سنن السابقين كَذلِكَ أي كما سلكنا الكفر أو الاستهزاء في شيع الأولين نَسْلُكُهُ أي الكفر أو الاستهزاء فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ من هذه الأمة بسبب تحققهم بصفة الإجرام عقوبة لهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أي بالله أو بالذكر وَقَدْ خَلَتْ أي مضت سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي طريقتهم التي سنّها في إهلاكهم أو في شأنهم، ومن ثم فهؤلاء الذين هذا شأنهم، وهذا حالهم، لا يطمع بإسلامهم، ومن ثم فذرهم يأكلوا ويتمتعوا ... (٤) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ أي ولو أظهرنا لهم أوضح آية وهو فتح باب من السماء فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ أي يصعدون لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا أي حيّرت أو حبست من الإبصار، أو سدّت، أو أخذت أو شبّه عليها بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ فما يحدث لنا ليس حقيقة، والمعنى: أن هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم

стр. 2705

في العناد أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء، ويسّر لهم معراج يصعدون فيه إليها ورأوا من العيان ما رأوا لقالوا: هو شئ نتخايله لا حقيقة له؛ لقوة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق، وناس هذا شأنهم لا يقابلون إلا بالترك لأنه لا فائدة من إنذارهم، وفي قوله تعالى: فَظَلُّوا إشعار بأنه حتى لو جعل عروجهم بالنهار إذ هو محل الظلول ليكونوا مستوضحين لما يرون لما كان موقفهم إلا ذلك، وقوله تعالى: لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا فيه إشعار بمزيد جرمهم بأنهم مهما يحدث لهم فإنهم يعتبرونه تسكيرا للأبصار ولذلك استعملوا أكثر من مؤكد. نقول: ١ - [كلام لصاحب الظلال عن سنة الله أنه على حسب العمل يكون الأجل] بمناسبة قوله تعالى وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ قال صاحب الظلال: «وذلك الكتاب المعلوم والأجل المقسوم يمنحه الله للقرى والأمم، لتعمل، ومن سنته ﷻ أنه على حسب العمل يكون الأجل. فإذا هي آمنت وأحسنت وأصلحت وعدلت كان أجلها مديدا حتى تنحرف عن هذه الأسس كلها، ولا تبقى فيها بقية من خير يرجى، عندئذ تبلغ أجلها وينتهي وجودها، إما إطلاقا بالهلاك والدثور، وأما وقتيا بالضعف والانزواء. ولقد يقال: إن أمما لا تؤمن ولا تحسن ولا تصلح ولا تعدل. وهي مع ذلك قوية ثرية باقية. وهذا وهم. فلا بد من بقية من خير في هذه الأمم. ولو كان هو خير الخلافة في الأرض بعمارتها، وخير العدل في حدوده الضيقة بين أبنائها، وخير الإصلاح المادي والإحسان المحدود بحدودها. فعلى هذه البقية من الخير تعيش حتى تستنفدها فلا تبقى فيها من الخير بقية. ثم تنتهي حتما. إن سنة الله لا تتخلف. ولكل أمة أجل مرتب على عملها ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ. ٢ - [كلام لصاحب الظلال حول الآية وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ .. ] وبمناسبة قوله تعالى: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ* لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ قال صاحب الظلال: «ويكفي تصورهم يصعدون في السماء من باب فتح لهم فيها يصعدون بأجسامهم، ويرون الباب مفتوحا أمامهم، ويحسون حركة الصعود ويرون دلائلها .. ثم هم بعد ذلك يكابرون فيقولون: لا لا. ليست هذه حقيقة. إنما أحد سكر أبصارنا

стр. 2706

وخدّرها فهي لا ترى إنما تتخيل. بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ سحرنا ساحر فكل ما نراه وما نحسه وما نتحركه تهيؤات مسحور. يكفي تصورهم على هذا النحو لتبدو المكابرة السمجة ويتجلى العناد المزري. ويتأكد أن لا جدوى من الجدل مع هؤلاء، ويثبت أن ليس الذي ينقصهم هو دلائل الإيمان، وليس الذي يمنعهم أن الملائكة لا تنزل، فصعودهم هم أشد دلالة وألصق بهم من نزول الملائكة. إنما هم قوم مكابرون. مكابرون بلا حياء، وبلا تحرج، وبلا مبالاة بالحق الواضح المكشوف. إنه نموذج بشري للمكابرة يرسمه التعبير، مثيرا لشعور الاشمئزاز والتحقير. كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة الأولى بمحور السورة] ذكرنا أن محور هذه المجموعة من سورة الحجر هو مقدمة سورة البقرة وخاصة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وفي هذه المجموعة من الآيات رأينا أن الله أمر رسول الله ﷺ بقوله ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ثم رأينا علل هذا الأمر في الفقرات الأربع التي جاءت بعد الأمر، وقد عرفنا من الآيات مواصفات الكفار الذين أصبح الإنذار وعدمه في حقهم سواء. وهم الذين همّهم الطعام والشراب والمتعة، واللاهون بالأمل، والسابّون للرسول، والمقترحون للآيات، والمستهزءون بالرسل، والمجرمون، والمؤولون للآيات إذا رأوها، وإذن فليس كل كافر لا ينذر وإلا لتعطّل الإنذار والتبليغ، وإنما من وصل إلى حالة من الكفر هذه مواصفاتها، ولكوننا لا نعلم- إلا بإعلام الله بالوحي وقد انقطع الوحي- أن كافرا قد أصبح كذلك فنحن مطالبون بالتبليغ والإنذار. فوائد: [حول مدى ترابط آيات المجموعة الأولى ببعضها البعض] لقد رأينا أن الآية الأولى في هذه السورة تشير إلى أن في هذه السورة معجزات من معجزات هذا القرآن المبين، وأول ما نراه في المجموعة السابقة من هذه المعجزات هو هذا البيان العجيب في التصوير والعرض لمعان لا تخطر على بال بشر كقوله تعالى: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ* لَقالُوا ... كما رأينا في الآيات من مظاهر الإعجاز هذا النوع الجازم من الكلام الذي ليس فيه مظهر من مظاهر الضعف البشري، ومن ذلك هذا الجزم في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ

стр. 2707

لَحافِظُونَ وإنها لمعجزة واضحة في هذه الآية إلى قيام الساعة أليس في حفظ هذا القرآن بحروفه وكلماته ولهجاته وقراءاته معجزة تتحدى على الدهر؟. *** المجموعة الثانية وتمتدّ من الآية (١٦) حتى نهاية الآية (٢٢) وهذه هي: ١٥/ ٢٢ - ١٦ التفسير: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ أي خلقنا فيها بُرُوجاً أي نجوما أو منازل للنجوم، أو مدارات ومسارات لها، أو منازل للشمس والقمر بالنسبة للأرض وَزَيَّنَّاها أي السماء لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْناها أي السماء مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ أي ملعون إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ أي حاول سرقة المسموع من عالم الغيب فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ أي جزء من مادة النجوم مُبِينٌ أي ظاهر للمبصرين وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها ووسعناها بالقدر الذي تحتاجه نشأة الحياة

стр. 2708

والإنسان عليها، وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ أي جبالا ثابتة تجعلها متزنة غير مضطربة وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ أي مقدر بقدر فهو موزون بميزان الحكمة لا تصلح فيه زيادة ولا نقصان بحيث لا يطغى نوع على نوع أو على بقية الأنواع، أو جنس على جنس أو على بقية الأجناس وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها أي في الأرض مَعايِشَ أي ما يعاش به والمعايش جمع معيشة وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ أي وجعلنا لكم فيها من لستم له برازقين من الأنعام والدواب وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ أي وما من شئ ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ أي وما نعطيه إلا بمقدار معلوم على حسب المشيئة والحكمة البالغة والرحمة وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ قال ابن كثير: (أي تلقح السحاب فتدر ماء وتلقح الشجر .. ) وقال النسفي: (وأرسلنا الرياح حوامل بالسحاب لأنها تحمل في جوفها كأنها لاقحة بها من لقحت الناقة حملت ... ). وفي الفوائد عودة على هذا الموضوع. فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ أي من السحاب ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ أي فجعلناه لكم سقيا بأن أنزلناه لكم عذبا منتفعا به وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ أي أنتم لستم بقادرين على أن تملكوا خزائنه وتعطوه، أو أنتم لستم قادرين حتى على خزنه. قال ابن كثير: (ويحتمل أن المراد: وما أنتم له بحافظين بل نحن ننزله ونحفظه عليكم ونجعله معينا وينابيع في الأرض، ولو شاء الله تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبا وحفظه في العيون والآبار والأنهار، وغير ذلك ليبقى لهم في طول السنة يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم). أقول: ويحتمل معنى آخر يذكره المفسرون كما سنرى في سورة الفرقان، وهو أن مجموع الماء الموجود في الأرض لا يزيد ولا ينقص، ومن ثم فحبس هذا الماء على الأرض وفي جوّها ما كان ليكون لولا أن الله جعل هذه الأرض على ما هي عليه، فالآية قد يراد بها هذا، أي وما أنتم بحابسين هذا الماء على الأرض وجوها حتى لا يفر من جو الأرض، ولكن الله هو الذي فعل لكم ذلك. وبهذا انتهت المجموعة. نقل: [لصاحب الظلال حول آيات الله في السماء] بمناسبة قوله تعالى: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. قال صاحب الظلال: (والبروج قد تكون هي النجوم والكواكب بضخامتها. وقد تكون هي منازل النجوم والكواكب التي تنتقل فيها في مدارها وهي في كلتا الحالتين شاهدة بالقدرة،

стр. 2709

جلاله) عن هذه الظواهر وغيرها بالتفصيل هناك. ولا نرى أن نسهب في هذه وشاهدة بالدقة، وشاهدة بالإبداع الجميل: وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. وهي لفتة هنا إلى جمال الكون، فليست الضخامة وحدها، وليست الدقة وحدها إنما الجمال الذي ينتظم المظاهر جميعا، وينشأ من تناسقها جميعا. وإن نظرة مبصرة إلى السماء في الليلة الحالكة، وقد انتثرت فيها الكواكب والنجوم، توصوص بنورها ثم يبدو كأنما تخبو، ريثما تنتقل العين لتلبي دعوة من نجم بعيد .. ونظرة مثلها في الليلة القمرية والبدر حالم، والكون من حوله مهوم، كأنما يمسك أنفاسه لا يوقظ الحالم السعيد. إن نظرة واحدة شاعرة لكفيلة بإدراك حقيقة الجمال الكوني، وعمق هذا الجمال في تكوينه، ولإدراك معنى هذه اللفتة العجيبة: وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. ومع الزينة الحفظ والطهارة: وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ لا ينالها ولا يدنسها ولا ينفث فيها من شره ورجسه وغوايته. فالشيطان موكل بهذه الأرض وحدها، وبالغاوين من أبناء آدم فيها. أما السماء- وهي رمز للسمو والارتفاع- فهو مطرود عنها مطارد لا ينالها ولا يدنسها. إلا محاولة منه ترد كلما حاولها: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ. وما الشيطان؟ وكيف يحاول استراق السمع؟ وأي شئ يسترق؟ كل هذا غيب من غيب الله، لا سبيل لنا إليه إلا من خلال النصوص. ولا جدوى في الخوض فيه، لأنه لا يزيد شيئا في العقيدة؛ ولا يثمر إلا انشغال العقل البشري بما ليس من اختصاصه، وبما يعطله عن عمله الحقيقي في هذه الحياة. ثم لا يضيف إليه إدراكا جديدا لحقيقة جديدة. فلنعلم أن لا سبيل في السماء لشيطان، وأن هذا الجمال الباهر فيها محفوظ، وأن ما ترمز إليه من سمو وعلى مصون لا يناله دنس ولا رجس، ولا يخطر فيه شيطان، وإلا طورد فطرد وحيل بينه وبين ما يريد).

стр. 2710

فوائد: ١ - [قضية استراق الشياطين السمع وعقاب الله لهم قضية غيبية يجب الإيمان بها] بمناسبة قوله تعالى: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ نقول: إن ظاهرة الشهب وتعليلها الطبيعي معروف، ولكن كثيرا من ظواهر هذا الكون قد يكون لها علاقة بقضية غيبية تعرف عن طريق خبر المعصوم، ومن ذلك هذه القضية، فالنصوص القرآنية والحديثية تحدثنا أن لهذه الظاهرة صلة بمنع الشياطين من استراق خبر السماء، والذي يبدو أن الشياطين بتركيبهم يستطيعون أن يسمعوا ما لا يسمعه البشر من أمر السماء، ومن ثم فليس لظاهرة الرجم صلة بموضوع المركبات الفضائية والأقمار الصناعية، على أن المشتغلين في هذا الموضوع يلحظون احتمال الإصابة بالشهب، ومن ملاحظتنا للنصوص التي تشير إلى موضوع استراق السمع، ومن معرفتنا عن الشهب في أن نورها المتألق أثر عن اصطدام جرمها في جو الأرض ندرك أن المكان الذي يستطيع الشياطين الوصول إليه محدود، وأن السماء الغيبية التي أخبرتنا عنها النصوص ليست كما قد يظن بعضهم أنها بعد المجرات كلها بالنسبة للأرض، وهذا المقام الذي نحن فيه يدل على ما ذهبنا إليه من أن السموات السبع التي فوقها عرش الرحمن مغيبة عنا، فهي داخلة في عالم الغيب، وأن كل ما نراه إنما هو السماء بالمعنى اللغوي، واقرأ هذا الحديث الصحيح الذي ذكره ابن كثير عن هذه الآية فلعله يساعدك على التحقق مما قلناه. قال فقد روى البخاري عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان». قال علي وقال غيره: صفوان ينفذهم ذلك، فإذا فزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير. فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر، ووصف سفيان- وهو أحد رواة الحديث- بيده، وفرّج بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض. فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه، وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه، إلى الذي هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الأرض. وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض. فتلقى على فم الساحر أو الكاهن، فيكذب معها مائة كذبة فيصدق، فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا كذا، فوجدناه حقّا- للكلمة التي سمعت من السماء-؟!. ٢ - [الظواهر الكونية أحد الأدلة القاطعة على وجود الله تعالى] هذه المجموعة من الآيات التي مرّت معنا تتحدث عن ظواهر كونية متعددة كلها تشير وتدل على وجود الله بما لا يقبل جدلا، ونحن قد تحدثنا في كتابنا (الله جل

стр. 2711

المواضيع هنا، لأن ما تحدثنا عنه هناك نحتاج إلى أن ننقله مرات ومرات في هذا التفسير ونحن في الأصل نعتبر سلسلة الأصول الثلاثة مقدمة لهذه السلسلة (الأساس في المنهج). ٣ - [سبق المفسرين القدامى لعصرهم بتفسيرهم الآية وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ .. ] استطاع المفسرون القدامى أن يسبقوا عصرهم إلى حد ما في فهم قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً. إلا أن تفصيلات كثيرة في شأن الكون في عصرنا أعطتنا تصورا أكثر وضوحا لهذه الآية: هذه التفصيلات تدلنا على أن في هذه السورة- زيادة على إعجازها العام- معجزات أخرى، لقد عرف الناس في عصرنا أن السحاب أنواع، بعضه فيه كهربائية سالبة، وبعضه فيه كهربائية موجبة، وأن للرياح دورا في الجمع بين أنواع السحاب، ولقد رأينا أن ابن كثير ذكر موضوع تلقيح الشجر بواسطة الرياح وهي قضية عرف عصرنا كثيرا من أسرارها. كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة الثانية بالمجموعة الأولى وبمحور السورة] - جاءت هذه المجموعة تتحدث عن أدلة وجود الله ، وعن آيات الله الحق في هذا الكون بما تقوم به الحجة على الكافرين، فبعد أن ذكر الله في المجموعة الأولى موقف الكافرين من الرسالة والرسول والوحي، جاءت هذه المجموعة لتنسف مواقف الكافرين من أساسها، ومن هذا الجانب ندرك الصلة بين المجموعة وما سبقها. ... - بعد مقدمة سورة البقرة جاء قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ والملاحظ أن المجموعة التي مرّت معنا تحدثت عن الأرض والسماء والثمرات وهذا يؤكد ما ذكرناه من أن سورة الحجر تفصّل في مقدمة سورة البقرة وبعض امتدادات معانيها، فسورة الحجر لها سياقها الخاص وهي تفصّل في محورها الخاص وامتداداته لتؤدي دورها في قسمها ومع مجموعتها. ***

стр. 2712

المجموعة الثالثة وتمتدّ من الآية (٢٣) إلى نهاية الآية (٢٥) وهذه هي: ١٥/ ٢٥ - ٢٣ التفسير: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ هذا إخبار عن قدرته تعالى على بدء الخلق وإعادته وأنه أحيا الخلق ثم يميتهم، وقد قرّر الله هذا الموضوع تقريرا مؤكدا، فظاهرة الإحياء والإماتة تدل على الله بشكل قطعي، وقد برهنّا على ذلك في ظاهرة الحياة من كتابنا عن (الله ﷻ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ أي: الباقون بعد هلاك الخلق كلهم، إن صفة الإماتة المتجددة تدل على الموت النهائي، وظاهرة الموت النهائي تدل على صفة البقاء للحي القيوم وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ أي من جنسكم وهم كل حي من لدن آدم وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ أي من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة، ومن كان هذا علمه كيف يكفر وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ أي وهو وحده يقدر على حشرهم ويحيط بحصرهم إِنَّهُ حَكِيمٌ يضع الأمور مواضعها عَلِيمٌ واسع العلم. ذكر قدرته على الإحياء والإماتة، وعلمه بما مضى وما هو آت، ثم ذكر الحشر، وختم بوصف ذاته بالحكمة والعلم، فعرفنا على حكمة الحشر ووقوعه، وعرّفنا على ذاته، فكيف يكفر به الكافرون، وكيف لا يطيع رسله المستهزءون.

стр. 2713

فوائد: [حول أقوى الأقوال في تفسير الآية وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ .. ] ١ - في قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ أقوال كثيرة للمفسرين، وقد اخترنا لك من هذه الأقوال ما اعتبرناه هو القول الأقوى، وهو الذي نقله ابن كثير عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة ومحمد بن كعب والشعبي وغيرهم، وهو اختيار ابن جرير ﵀، وبعد أن ذكر ابن كثير هذا نقل اتجاها آخر هو الذي غلب على مفاهيم الأكثرين. فلننقل ما ذكره ابن كثير، ثم نعلّق عليه. قال ابن كثير بعد أن ذكر القول الأول ومن ذهب إليه قال: وروى ابن جرير ... عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء فأنزل الله وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ وقد ورد فيه حديث غريب جدا فروى ابن جرير عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄ قال: كانت تصلي خلف رسول الله ﷺ امرأة حسناء- قال ابن عباس لا والله ما رأيت مثلها قط- وكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا- يعنى لئلا يروها وبعضهم يستأخرون، فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم فأنزل الله وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ وكذا رواه أحمد، وابن أبي حاتم في تفسيره، ورواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما، وابن ماجه من طرق عن نوح بن قيس الحدّاني وقد وثقه أحمد وأبو داود وغيرهما، وحكي عن ابن معين تضعيفه، وأخرجه مسلم وأهل السنن، وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقد رواه عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك، وهو النّكري أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ في الصفوف في الصلاة وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط ليس فيه لابن عباس ذكر، وقد قال الترمذي هذا أشبه من رواية نوح بن قيس والله أعلم. وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن أبي معشر عن أبيه أنه سمع عون بن عبد الله يذاكر محمد بن كعب في قوله وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ أنها في صفوف الصلاة فقال محمد بن كعب ليس هكذا وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ الميت والمقتول الْمُسْتَأْخِرِينَ من يخلق بعد وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ فقال عون بن عبد الله: وفقك الله وجزاك خيرا». نلاحظ من هذا النقل الذي نقلناه عن ابن كثير أكثر من معنى:

стр. 2714

٢ - من خلال النقاش الذي ناقش فيه ابن كثير هذا الاتجاه في التفسير، نعرف أهمية الاختصاص في العلوم الشرعية، وأن أهل الاختصاص في كل علم هم أدقّ الناس نظرا فيه، فالمفسر، والفقيه، وعالم الحديث، وعالم التوحيد، وعالم الأخلاق، لكل من هؤلاء في اختصاصه نظرات تفوق نظر غير المختص. فالذين يريدون أن يلغوا كل شئ فلا فقه، ولا مذاهب، ولا علم توحيد، ولا علم سلوك، ولا ولا بدعوى العودة إلى الكتاب والسنة، أمثال هؤلاء تروج دعواهم، حيث لا علم، فإنه ما من أحد من أصحاب الاختصاصات الشرعية تكلم في اختصاصه إلا ضمن الكتاب والسنة، وضمن أدق معايير الفهم للكتاب والسنة. ٣ - في هذه المجموعة تدليل على وجود الله من خلال ظاهرة الحياة، كما أن فيها تدليلا على اليوم الآخر من خلال التعريف على الله وصفاته، فمن عرف علم الله وقدرته على الخلق، والإعادة، وحكمته، أدرك أن اليوم الآخر من حيث الإمكان ممكن، ومن حيث ضرورة تحقيق العدل فهو ضروري. كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة الثالثة بالمجموعة الثانية وبمحور السورة] تأتي المجموعة التي مرّت معنا مكمّلة للمجموعة السابقة عليها، من حيث إقامتها الحجة على الكافرين، وهذا هو محلها بالنسبة لسياق سورة الحجر، وهذا الذي يربطها بشكل مباشر بمحورها من مقدمة سورة البقرة. ولكن المجموعة، مع هذا، تفصّل في امتدادات المحور من سورة البقرة، فلنتذكر بعض ما مرّ معنا من قبل: بعد مقدمة سورة البقرة التي ذكرت المتقين والكافرين والمنافقين جاء قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ثم بعد آيات جاءت آيتان تقيمان الحجة على الكافرين بظاهرتي الحياة والعناية: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ولقد جاءت المجموعة التي مرّت معنا تتحدث عما تحدثت عنه الآية الأولى من هاتين الآيتين، فتحدثت عن الإحياء والإماتة، والرجوع إلى الله، فإذا ما عرفنا أنه بعد آيتي البقرة تأتي قصة آدم، وأنه بعد هذه المجموعة من سورة الحجر تأتي قصة آدم، أدركنا الدور الذي تؤديه سورة الحجر، إنها

стр. 2715

تذكّر بالمعاني الرئيسية في سورة البقرة التي أوصلت إلى قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً إنها تذكر بالمعاني نفسها، لتوصل إلى المعاني التي وردت في السور الأربع اللاحقة، التي تفصّل في الدوافع والصوارف التي تؤثر في حمل الإسلام كله. من هذا ندرك أن لسورة الحجر سياقها الخاص وأنها مرتبطة ارتباطا مباشرا بمحورها من سورة البقرة. وأنها تفصّل. في امتدادات هذا المحور على ترتيب وروده في سورة البقرة. وأنّها تأخذ محلها ضمن قسمها (قسم المئين) وأنها تؤدي دورا خاصا ضمن مجموعتها في قسم المئين. وهذا بعض ما في القرآن من إعجاز، وبعض ما في سورة الحجر من معجزات. المجموعة الرابعة وتمتدّ من الآية (٢٦) حتى نهاية الآية (٤٨) وهذه هي: ١٥/ ٣٥ - ٢٦

стр. 2716

١٥/ ٤٨ - ٣٦ نقول: ١ - [كلام صاحب الظلال حول مناسبة ورود قصة آدم ﵇ في سورة الحجر] قال صاحب الظلال بمناسبة ورود قصة آدم ﵇ في سورة الحجر: (ولقد مرت بنا هذه القصة معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف. تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها: ففي سورة البقرة سبقها في السياق: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وفي سورة الأعراف سبقها: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ. وهنا سبقها: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ

стр. 2717

مَوْزُونٍ* وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ. ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض .. في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ... ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قالَ: يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ، فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ؟. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويده بهذه التجربة واستغفارهما وتوبة الله عليهما .. وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه والتجربة لأبي البشر. وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها، وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولى. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود .. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلون من ثمرها إلا شجرة واحدة، هي المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى: قالَ: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ* قالَ: فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ ... ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ

стр. 2718

الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ. قالُوا: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ وأسدل الستار. فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان .. ومن ثم نصّ ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون ونفخه فيه من روحه. وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق. وقد استوفت بيان عنصري الإنسان، وبيان سلطة الشيطان.) ٢ - [كلام صاحب الظلال حول قوله تعالى وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي] وبمناسبة قوله تعالى وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي قال صاحب الظلال: (وقد كان ما قاله الله. فقوله تعالى إرادة. وتوجه الإرادة ينشئ الخلق المراد. ولا نملك أن نسأل كيف تلبست نفخة الله الأزلي الباقي بالصلصال المخلوق الفاني. فالجدل على هذا النحو عبث عقلي. بل عبث بالعقل ذاته، وخروج به عن الدائرة التي يملك فيها أسباب التصور والإدراك والحكم. وكل ما ثار من الجدل حول هذا الموضوع وكل ما يثور إن هو إلا جهل بطبيعة العقل البشري وخصائصه وحدوده، وإقحام له في غير ميدانه، ليقيس عمل الخالق إلى مدركات الإنسان، وهو سفه في إنفاق الطاقة العقلية، وخطأ في المنهج من الأساس ... بينما العقل الإنساني ليس مدعوا أصلا للفصل في الموضوع. لأن الله يقول: إن هذا قد كان. ولا يقول: كيف كان. فالأمر إذن ثابت ولا يملك العقل البشري أن ينفيه. وكذلك هو لا يملك أن يثبته بتفسير من عنده- غير التسليم بالنص- لأنه لا يملك وسائل الحكم. فهو حادث والحادث لا يملك وسائل الحكم على الأزلي في ذاته. ولا على الأزلي في خلقه للحادث وتسليم العقل ابتداء بهذه البديهية أو القضية- وهي أن الحادث لا يملك وسائل الحكم على الأزلي في أي صورة. يكفي ليكف العقل عن إنفاق طاقته سفها في غير مجاله المأمون)

стр. 2719

التفسير: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ أي أصله وهو آدم ﵇ مِنْ صَلْصالٍ أي من طين يابس غير مطبوخ مِنْ حَمَإٍ أي من طين أسود متغير مَسْنُونٍ أي مصور. فالإنسان خلق من طين أسود مصور قد يبس. قال النسفي: وفي الأول كان ترابا، فعجن بالماء طينا، فمكث فصار حمأ، فخلص فصار سلالة، فصوّر ويبس فصار صلصالا .... وَالْجَانَّ أي أبا الجن، كآدم للناس خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ أي من قبل آدم مِنْ نارِ السَّمُومِ أي من نار الحر الشديد النافذ في المسام وَإِذْ أي واذكر إذ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ في إعلام الملائكة ماذا سيخلق تشريف للملائكة، وتعليم لخلقه أن يعلموا بفعلهم من يستأهل الإعلام فَإِذا سَوَّيْتُهُ أي أتممت خلقه وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي أي وجعلت فيه الروح وأحييته، وإضافة الروح إلى ذاته تشريف لها كقولنا بيت الله فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ أي اسقطوا على الأرض ساجدين أي اسجدوا له فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أي امتنع واستكبر أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ وهل إبليس من الملائكة أو لا؟ قولان للعلماء ومذهب الحسن أنه ليس من الملائكة قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ في أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ أي: أيّ غرض لك في إبائك السجود قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ أي لا يصح مني أن أسجد لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ رفض أمر الله بعلة باطلة، وهكذا شأن كل رافض لأمر الله قالَ فَاخْرُجْ مِنْها أي من السماء أو من الجنة فَإِنَّكَ رَجِيمٌ أي: مرجوم مطرود من رحمة الله أي ملعون وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ أتبعه الله لعنة لا تزال متصلة به، لا حقة له، متوافرة عليه إلى يوم القيامة. قال النسفي: «ضرب يوم الدين حدا للعنة لأنه أبعد غاية يضربها الناس في كلامهم، والمراد به إنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين من غير أن تعذب، فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما ينسى اللعن معه» قالَ رَبِّ فهو إذن معترف بالربوبية لله، معترف بوجود الله، فليس كل من اعترف بوجود الله وربوبيته مؤمنا مسلما ناجيا فَأَنْظِرْنِي أي فأخرني إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ سأل الإنظار إلى اليوم الذي فيه يبعثون لئلا يموت لأنه لا يموت يوم البعث أحد، فلم يجب إلى ذلك وانظر إلى آخر أيام

стр. 2720

التكليف، ومن ثم كان الجواب قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ أي يوم القيامة وكلامه يدل على أنه كان عالما أن هناك ساعة وبعثا، فهو مؤمن في الظاهر بالله واليوم الآخر، ومع ذلك حكم الله بكفره لأنه اعترض على حكم الله قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي أي فبإغوائك إياي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ أي المعاصي فِي الْأَرْضِ أي في الدنيا، وقد علم الخبيث أن بني آدم مقرهم الأرض من قوله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أي ولأضلنهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ استثنى المخلصين لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم ولا يقبلونه منه، وهكذا أقسم الخبيث أن يحبب لأبناء آدم المعاصي، ويرغّبهم فيها، ويزعجهم إليها إزعاجا قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ* إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ أي هذا طريق حق عليّ أن أراعيه وهو ألا يكون لك سلطان على عبادي إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أي لموعد الغاوين أَجْمَعِينَ لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ من أتباع إبليس جُزْءٌ مَقْسُومٌ أي نصيب معلوم مقرّر، ثم لما ذكر حال أهل النار عطف عليه ذكر أهل الجنة إِنَّ الْمُتَّقِينَ أي الذين اتقوا ما يجب اتقاؤه مما نهوا عنه فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوها أي يقال لهم ادخلوها بِسَلامٍ أي سالمين أو مسلما عليكم، تسلم عليكم الملائكة، آمِنِينَ أي من الخروج منها والآفات فيها، آمنين من كل خوف وفزع، لا إخراج ولا انقطاع ولا فناء وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ الغل: هو الحقد الكامن في القلب، أي إن كان لأحدهم غل في الدنيا على آخر نزع الله ذلك في الجنة وطيّب قلوبهم، ويدخل في ذلك تطهير قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدرجات في الجنة، نزع من القلوب الغل وألقى فيها التوادّ والتحابّ، فالمتحابون في الله في الدنيا لهم من أخلاق أهل الجنة ونعيمها نصيب إِخْواناً دل ذلك على أن الأخوة والغل متنافيان، فليحرص المسلم أن يطهّر قلبه من الغل في علاقته مع المؤمنين عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ أي ينظر بعضهم إلى بعض لا يَمَسُّهُمْ فِيها أي في الجنة نَصَبٌ أي تعب وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ وهذا من تمام النعمة، وأي نعمة أعظم من الخلود في النعيم. [نقل: لصاحب الظلال حول غواية الشيطان لبني آدم] قال صاحب الظلال بمناسبة قوله تعالى: قالَ: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ.

стр. 2721

وبذلك حدّد إبليس ساحة المعركة. إنها الأرض: لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وحدد عدّته فيها إنه التزيين. تزيين القبيح وتجميله، والإغراء بزينته المصطنعة على ارتكابه. وهكذا لا يجترح الإنسان الشر إلا وعليه من الشيطان مسحة تزينه وتجمّله، وتظهره في غير حقيقته وردائه فليفطن الناس إلى عدة الشيطان؛ وليحذروا كلما وجدوا في أمر تزيينا، وكلما وجدوا من نفوسهم إليه اشتهاء. ليحذروا فقد يكون الشيطان هناك. إلا أن يتصلوا بالله ويعبدوه حق عبادته، فليس للشيطان- بشرطه هو- على عباد الله المخلصين من سبيل وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ والله يستخلص لنفسه من عباده من يخلص نفسه لله، ويجردها له وحده ويعبده كأنه يراه. وهؤلاء ليس للشيطان عليهم من سلطان. هذا الشرط الذي قرره إبليس- اللعين- قرره وهو يدرك أن لا سبيل إلى سواه، لأنه سنة الله، أن يستخلص لنفسه من يخلص له نفسه وأن يحميه ويرعاه. ومن ثم كان الجواب هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ* إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ هذا صراط. هذا ناموس. هذه سنة. وهي السنة التي ارتضتها الإرادة قانونا وحكما في الهدى والضلال. إِنَّ عِبادِي المخلصين لي ليس لك عليهم سلطان، ولا لك فيهم تأثير، ولا تملك أن تزين لهم، لأنك عنهم محصور، ولأنهم منك في حمى، ولأن مداخلك إلى نفوسهم مغلقة وهم يعلقون أبصارهم بالله، ويدركون ناموسه بفطرتهم الواصلة إلى الله، إنما سلطانك على من اتبعك من الغاوين الضالين. فهو استثناء مقطوع لأن الغاوين ليسوا جزءا من عباد الله المخلصين. إن الشيطان لا يتلقف إلا الشاردين كما يتلقف الذئب الشاردة من القطيع. فأما من يخلصون أنفسهم لله. فالله لا يتركهم للضياع. ورحمة الله أوسع، ولو تخلفوا فإنهم يثوبون من قريب. فوائد: ١ - [حديث بمناسبة ذكر خلق آدم والجان في المجموعة الرابعة] بمناسبة ذكر خلق آدم والجان في هذه المجموعة نذكر الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وأحمد عن عائشة عن رسول الله ﷺ : «خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم». ٢ - [سلاح الشيطان التزيين والإغواء وكيف يتغلب عليه المخلصون] من قوله تعالى: قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ* قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ* إِنَّ عِبادِي لَيْسَ

стр. 2722

لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ نعلم أن سلاح الشيطان التزيين والإغواء: تزيين الشهوات، تزيين المعاصي، تزيين الدنيا، تزيين المنكر، تزيين الحال السيئ. الإغواء عن الحق، الإغواء عن صراط الله، الإغواء عن السنن. ومن تتمة الآيات نعلم أن عباد الله المخلصين ليس للشيطان عليهم سلطان، وعباد الله وردت صفاتهم في أكثر من مكان في القرآن كقوله تعالى وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً (الفرقان: ٦٣) وقد فصّلنا ذلك في كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) فليراجع. وأما المخلصون: فهم من اجتمع لهم العلم والعمل والإخلاص فأخلصوا. قال الحسن البصري: (الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم). فإذا كان المخلصون على خطر عظيم، فمن هم مظنة النجاة؟. الجواب: المخلصون. والطريق إلى التحقق بصفة المخلصين هو الإكثار من تذكر الدار الآخرة. قال تعالى: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ* إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ. (ص: ٤٥ - ٤٦) فبقدر ما يتذكر إنسان الآخرة يقرب من هذا المقام. ٣ - [سلاح ابن آدم ضد الشيطان هو الاستعاذة بالله] ذكر ابن كثير عند قوله تعالى: إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ كلاما رواه ابن جرير عن يزيد بن قسيط ولم يرفعه إلى رسول الله ﷺ وخلاصته: أن ابن آدم يغلب الشيطان بالاستعاذة منه بالله، وأن الشيطان يغلب ابن آدم عند الغضب والهوى وهي معان صحيحة، فلنحذر من الغضب والهوى، ولنكثر من الاستعاذة بالله من الشيطان. ٤ - [حول أبواب جهنم السبعة وأتباع إبليس] بمناسبة قوله تعالى عن النار: لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ قال ابن كثير: «أي: قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه- أجارنا الله منها- وكل يدخل من باب بحسب عمله ويستقر في درك بقدر عمله). أقول: وتفصيلات هذا الموضوع لم نطالب بعلمها. وما نقلناه هنا من أقوال إنما نقلناه لمجرد استكمال التصورات عن اليوم الآخر من خلال ما ورد من أقوال السلف، ولا يلزمنا في هذا الباب إلا ما ورد في كتاب ربنا وما ثبت عن رسولنا عليه الصلاة

стр. 2723

والسلام. ٥ - [كلام ابن كثير عند الآية وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ... ] عند قوله تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ* لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ قال ابن كثير: (وقد روى سعيد في تفسير: حدثنا ابن فضالة عن لقمان عن أبي أمامة قال: لا يدخل الجنة مؤمن حتى ينزع الله ما في صدره من غل، حتى ينزع منه مثل السبع الضاري. وهذا موافق لما في الصحيح من رواية قتادة حدثنا أبو المتوكل الناجي أن أبا سعيد الخدري حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: «يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذّبوا ونقّوا أذن لهم في دخول الجنة» وقال ابن جرير حدثنا الحسن حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا هشام عن محمد- هو ابن سيرين- قال استأذن الأشتر على علي ﵁ وعنده ابن طلحة فحبسه ثم أذن له، فلما دخل قال: إني لأراك إنما حبستني لهذا؟ قال: أجل، قال: إني لأراه لو كان عندك ابن لعثمان لحبستني قال: أجل، إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ وقال ابن جرير أيضا: حدثنا الحسن بن محمد حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا أبو مالك الأشجعي، حدثنا أبو حبيبة (مولى لطلحة) قال: دخل عمران بن طلحة على علي ﵁ بعد ما فرغ من أصحاب الجمل فرحب به وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وإياك من الذين قال الله وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. [تعليق: للمؤلف حول موضوع (الغلّ) في الآية وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ .. ] ولنا تعليق على موضوع (الغل) نقول: إن الشيطان قد يحرّش بين المؤمنين، فيقع بينهم ما يقع، فإذا دخلوا في طور سيئ جرهم ذلك إلى ما هو أسوأ، وهكذا، فإذا كانت لهم نية صالحة في قضية يحتملها الاجتهاد فإنه يرجى للجميع النجاة، ولكن بعد وقفة، أفلا تكفي هذه الوقفة كي يبتعد الإنسان عن كل موطن يؤدي إلى أن يكون في قلبه غل على إخوانه، أو أن يكون سببا في إيجاد غل في قلب غيره عليه. كلمة في السياق: [حول مدى الترابط بين المجموعات الأربعة السابقة وصلة المجموعة الرابعة بالمحور] ١ - لهذه المجموعة صلة بما قبلها من حيثيات متعددة، فقد ذكر فيها خلق

стр. 2724

الإنسان، بعد أن ذكر فيما قبلها خلق الحياة والأشياء، وإذا كانت المجموعة الأولى في السورة قد تحدثت عن الكافرين، فإن في المجموعات الثانية والثالثة والرابعة إقامة حجة على الكفر والكافرين. ٢ - إن المجموعة التي مرّت معنا عللت لظاهرتي الهداية والضلال بما يعرف معه سبب الكفر الذي حدثتنا عنه المجموعة الأولى كما رسمت طريق الاهتداء. ٣ - إن مجئ قصّة آدم ﵇ في سورة الحجر يشبه مجئ قصة آدم ﵇ في سورة البقرة، من حيث إن المعاني التي سبقت قصة آدم ﵇ هنا قد جاء شبهها في قصة آدم هناك، كما أن الخاتمتين متشابهتان في أن كلّا منهما تحدثت عن الناجين والهالكين، لكن في القصة هنا معان هي محل التركيز في سياق سورة الحجر. ٤ - رأينا أن المحور الأساسي لسورة الحجر هو مقدمة سورة البقرة، وخاصة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ والملاحظ أن سورة الحجر بعد أن وصفت الكافرين وأقامت عليهم الحجة تأتي مجموعة فيها لتقول: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ إن هناك ناسا يستبعدون أن يعذّب الله أحدا لجهلهم بجلال الله، ولذلك تأتي المجموعة اللاحقة من السورة لتصحح مفاهيم هؤلاء. ٥ - جاء الأمر الأول لرسول الله ﷺ في السورة في قوله تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وهو أمر للنذير أن يعرض عن الكافرين لعدم فائدة الإنذار في حقهم، وفي المجموعة اللاحقة يأتي أمران جديدان للنذير: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ* وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ. فهناك أمر بالإخبار عن رحمة الله ونعمته، وهناك أمر بالإخبار عن ضيوف إبراهيم الآتين بالبشارة لإبراهيم وبالعذاب لقوم لوط، وهذا يفيد أن على النذير أن يبين لعباد الله ما يعرفون به الله، وذلك ينفع هؤلاء وتقوم به الحجة على أولئك فلنر المجموعة الخامسة.

стр. 2725

المجموعة الخامسة وتمتدّ من الآية (٤٩) إلى نهاية الآية (٨٤) وهذه هي: ١٥/ ٨٤ - ٤٩

стр. 2726

نقل: [لصاحب الظلال تعليقا على ورود القصص في سياق المجموعة] قال صاحب الظلال تعليقا على ورود القصص في هذا السياق: (هذا القصص يساق بعد مقدمة: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ فيجئ بعضه مصدقا لنبأ الرحمة، ويجئ بعضه مصدقا لنبأ العذاب .. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة فيصدق ما جاء فيها من نذير: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ* وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ* ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل .. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون: قالُوا: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ* لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ. فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا .. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في

стр. 2727

المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. التفسير: لما أتم الله ذكر الوعد والوعيد في نهاية قصة آدم ﵇ أتبعه بقوله: نَبِّئْ عِبادِي أي أخبر عبادي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أي أني ذو مغفرة وذو رحمة وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ أي وأني ذو عذاب أليم، وقد جاء هذا عقب ما تقدم من الوعد والوعيد في نهاية قصة آدم تقريرا لما ذكر، وتمكينا له في النفوس، وعباده هم الذين مرّ ذكرهم بقوله: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وهكذا اتضح كيف يكون الموقف من الكافرين ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ لأنهم سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أما عباد الله فهؤلاء يربون على مقامي: الخوف والرجاء، وعلى معرفة سنن الله ومن ثم وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ أي وأخبر أمتك عن أضياف إبراهيم، لأن هذا الإخبار يدلهم على سنة الله في أوليائه، وعلى سنته في أعدائه في الدنيا بعد أن عرفوا من قصة آدم ﵇ ونهايتها سنته في أوليائه وأعدائه في الآخرة، كما أن في هذا الإخبار تعريفا لهم على سنته في إنزال الملائكة الذي اقترحه الكافرون في أول السورة، فهو ينزلهم إما لتكريم رسول أو لتعذيب المكذبين، وفي المجموعة تذكير وتدليل على أنه شديد العقاب، وأنه غفور رحيم، كما أن في هذا الإخبار إعجازا إذ يتحدث عن دقائق ما كانت لتذكر لولا أن هذا القرآن من عند الله إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ أي على إبراهيم فَقالُوا سَلاماً أي نسلم سلاما قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ أي خائفون، وقد ذكر في مكان آخر رده للسلام وتقديمه للطعام وسبب خوفه منهم وذلك عند ما رأى أيديهم لا تصل إلى ما قربه إليهم من الضيافة قالُوا لا تَوْجَلْ أي لا تخف إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ أي إسحاق، والمعنى إنك مبشّر آمن فلا توجل قالَ متعجبا من أن يكون ذلك مع كبره وكبر زوجته ومتحققا للوعد أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ أي أبشرتموني مع مس الكبر بأن يولد لي؟ أي إن الولادة أمر مستنكر عادة مع الكبر فبأي أعجوبة تبشرونني، وفهمنا كلمة الأعجوبة من ما الاستفهامية بقوله فَبِمَ فأجابوه مؤكدين لما بشروه به تحقيقا وبشارة بعد بشارة قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ أي باليقين الذي لا لبس فيه فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ أي من الآيسين من ذلك، فأجابهم

стр. 2728

بأنه ليس يقنط فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ أي إلا المخطئون طريق الصواب، أي لم أستنكر ذلك قنوطا من رحمته، ولكن استبعادا له في العادة التي أجراها، ثم شرع يسألهم عما جاءوا له قالَ فَما خَطْبُكُمْ أي فما شأنكم أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ أي أيها الملائكة المرسلون من الله قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ أي قوم لوط إِلَّا آلَ لُوطٍ أي إلا أهله المؤمنين إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ فإنها ليست من المؤمنين قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ أي المهلكين في العذاب وإنما قالوا قدرنا، والمقدر الله لقربهم من الله، وتكليفهم منه بذلك فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ* قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ أي لا أعرفكم قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ أي ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل جئناك بما فيه سرورك، وتشفّيك من أعدائك وهو العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله فيمترون فيه، أي يشكون ويكذبونك وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ أي باليقين من عذابهم وَإِنَّا لَصادِقُونَ أي في الإخبار بنزوله بهم فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ أي في آخر الليل، أو بعد ما يمضي شئ صالح من الليل وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وسر خلفهم وامش وراءهم يكون أحفظ لهم ولتكون مطّلعا عليهم وعلى أحوالهم وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أي إذا سمعتم الصيحة بالقوم فلا تلتفتوا إليهم، وذروهم فيما حلّ بهم من العذاب والنكال، والحكمة في ذلك لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقّوا لهم في موضع لا تجوز فيه الرقة، أو جعل النهي عن الالتفات من أجل مواصلة السير وترك التواني والتوقف، لأن من يلتفت لا بد له من أدنى وقفة وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ أي حيث أمركم الله بالمضي إليه. وتدعي التوراة الحالية المحرّفة أن المكان الذي ذهب إليه هو صوغر- بلد قريبة من سدوم- وعمورة قريتي قومه اللتين عذبتا وَقَضَيْنا إِلَيْهِ أي وأوحينا إليه وحيا مبتوتا مقضيا ذلِكَ الْأَمْرَ وهو أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ أي وقت الصباح ودابرهم آخرهم أي يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ تذكر التوراة الحالية أن سكن لوط كان في سدوم، وأن مجئ الملائكة إليها وأن رجالها جميعا جاءوا إلى لوط يَسْتَبْشِرُونَ أي فرحين بالملائكة طمعا منهم في ركوب الفاحشة قالَ أي لوط إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ أي بفضيحة ضيفي، لأن من أساء إلى ضيفي فقد أساء إليّ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ أي ولا تذلوني وتهينوني بإذلال ضيفي وإهانته. قال ابن كثير: وهذا إنما قاله لهم قبل أن يعلم بأنهم رسل الله كما قال في سورة

стр. 2729

هود، وأما هاهنا فتقدم ذكر أنهم رسل الله، وعطف بذكر مجئ قومه ومحاجته لهم، ولكن الواو لا تقتضي الترتيب ولا سيّما إذا دلّ دليل على خلافه». قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ أي: أو ما نهيناك أن تضيف أحدا، أو أوما نهيناك عن أن تجير أحدا أو تدفع عنه، فأرشدهم إلى نسائهم وما خلق لهم ربهم منهن من الفروج المباحة قالَ هؤُلاءِ بَناتِي أي أزواجكم فالنّبي أب لقومه، أو أنه عرض عليهم أن يزوجهم بناته، وكان نكاح المؤمنات من الكفار جائزا إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ أي إن كنتم تريدون قضاء الشهوة، فلتكن فيما أحلّ الله دون ما حرّم، هذا كله وهم غافلون عما يراد بهم وما قد أحاط بهم من البلاء، وماذا سيصبحهم من العذاب المستقر- نعوذ بالله من الغفلة- ولهذا قال الله تعالى لمحمد ﷺ : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ أي في غوايتهم التي أذهبت عقولهم وتمييزهم بين الخطأ الذي هم عليه، والصواب الذي يدعون إليه يَعْمَهُونَ أي يتحيرون ويترددون فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ وهي ما جاءهم من الصوت القاصف مُشْرِقِينَ أي داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس. قال ابن كثير: وذلك مع رفع بلادهم إلى عنان السماء، ثم قلبها وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم، وقد تقدم الكلام عن السجيل في سورة هود بما فيه كفاية فَجَعَلْنا عالِيَها أي عالي قرى قوم لوط سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ أي حجارة من طين مستحجرة قوية شديدة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أي المتفرسين المتأملين، وسمي المتفرس المتأمل متوسما لأنه كأنه يعرف باطن الشئ بسمة ظاهرة، والمعنى: إن آثار هذه النقم الظاهرة على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسّمه بعين بصره وبصيرته فيه معجزات كثيرة وَإِنَّها أي هذه القرى يعني آثارها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ أي ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد وهم يبصرون تلك الآثار، قال ابن كثير: «أي وإن قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي والقذف بالحجارة حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة بطريق مهيع مسالكه مستمرة إلى اليوم» أي من أراد التوسم فإنه ميسر له إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ هي للمتوسمين آيات وللمؤمنين آية، والمعنى: إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار وإنجائنا لوطا وأهله لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله. وحتى لا يفهم فاهم أن هذه حادثة مفردة وليست سنة مطردة. قال تعالى: وَإِنْ كانَ أي وإنه كان أَصْحابُ الْأَيْكَةِ أي قوم شعيب،

стр. 2730

والأيكة: الشجر الملتف لَظالِمِينَ بشركهم بالله، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة وَإِنَّهُما أي قرى قوم لوط، وقرية شعيب. قال ابن كثير: وقد كانوا قريبا من قوم لوط، بعدهم في الزمان ومسامتين لهم بالمكان، ولهذا قال: وإنهما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ أي لبطريق واضح مسلوك مطروق، وقد مرّ معنا في سورة الأعراف تحقيق مكان قوم شعيب وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ هم ثمود، والحجر واديهم وهو بين المدينة والشام، وآثارهم لا زالت قائمة مدهشة الْمُرْسَلِينَ كذبوا صالحا نبيهم ﵇، ومن كذّب برسول فقد كذّب بجميع المرسلين وَآتَيْناهُمْ آياتِنا كالناقة التي أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء، وكانت تسرح في بلادهم لها شرب ولهم شرب يوم معلوم. وفي ذلك آيات تدل على صدق صالح ﵇ فَكانُوا عَنْها أي عن الآيات مُعْرِضِينَ أي أعرضوا عنها ولم يؤمنوا بها وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ أي ينقبون في الجبال بيوتا آمن، لوثاقة البيوت واستحكامها من أن تنهدم، ومن نقب اللصوص، أو كانوا ينحتونها من غير خوف ولا احتياج إليها، بل أشرا وبطرا وعبثا، أو آمنين من عذاب الله يحسبون أن الجبال تحميهم فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ أي بالعذاب مُصْبِحِينَ أي وقت الصباح من اليوم الرابع من قول صالح لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ من بناء البيوت الوثيقة، واقتناء الأموال النفيسة، وما كانوا يستقبلونه من زروعهم وثمارهم التي ضنّوا بمائها عن الناقة، حتى عقروها لئلا تضيّق عليهم في المياه. فسنة الله إذن جارية في إهلاك من كذّب رسله، ولكن لكل شئ أجل عنده، وقد ذكرنا في مقدمة تفسير هذه المجموعة صلتها بما قبلها، ولنذكر هنا صلة هذه المجموعة بالمجموعة الأولى من السورة. في أول السورة نجد ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ثم وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ* ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ وهذه المجموعة التي مرّت معنا فيها تمثيل على هذا الإهلاك التمتع والأمل. وكنا قد ذكرنا إلى ما يشير إلى عمق الصلة بين أواسط السورة وبدايتها ونهايتها، وكل ذلك ضمن محور السورة، وبما يحقق كون السورة مرتبطة بما بعدها من السور، ولعلّ

стр. 2731

هذا مظهر من مظاهر ما أشارت إليه الآية الأولى في السورة من كون هذه السورة فيها من معجزات هذا القرآن. نقول من الظلال: ١ - [تعليق على قصتي إبراهيم ولوط ﵉ في السورة] قال صاحب الظلال تعليقا على قصتي إبراهيم ولوط في سورة الحجر: (وقد وردت هذه الحلقة من قصة إبراهيم وقصة لوط ﵇ في مواضع متعددة بأشكال متنوعة، تناسب السياق الذي وردت فيه. ووردت قصة لوط وحده في مواضع أخرى. وقد مرّت بنا حلقة من قصة لوط في الأعراف، وحلقة من قصة إبراهيم ولوط في هود .. فأما في الأولى فقد تضمنت استنكار لوط لما يأتيه قومه من الفاحشة، وجواب قومه: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ وإنجاءه هو وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. وذلك دون ذكر لمجئ الملائكة إليه وائتمار قومه بهم. وأما في الثانية فقد جاءت قصة الملائكة مع إبراهيم ولوط مع اختلاف في طريقة العرض. فهناك تفصيل في الجزء الخاص بإبراهيم وتبشيره وامرأته قائمة. وجداله مع الملائكة عن لوط وقومه. وهو ما لم يذكر هنا. وكذلك يختلف ترتيب الحوادث في القسم الخاص بلوط في السورتين .. ففي سورة هود لم يكشف عن طبيعة الملائكة إلا بعد أن جاءه قومه يهرعون إليه وهو يرجوهم في ضيفه فلا يقبلون رجاءه، حتى ضاق بهم ذرعا وقال قولته الأسيفة: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ. وأما هنا فقدم الكشف عن طبيعة الملائكة منذ اللحظة الأولى، وآخرها حكاية القوم وائتمارهم بضيف لوط. لأن المقصود هنا ليس هو القصة بترتيبها الذي وقعت به، ولكن تصديق النذير، وأن الملائكة حين ينزلون فإن القوم لا ينظرون ولا يمهلون). ٢ - [كلام حول الآية وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ] وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ: (والتعبير على هذا النحو يكشف عن مدى الشناعة والبشاعة الذي وصل إليه القوم في الدنس والفجور في الفاحشة الشاذة المريضة. يكشف عن هذا المدى في مشهد أهل المدينة يجيئون جماعة، يستبشرون بالعثور على شبان يعتدون عليهم جهرة وعلانية. هذه العلانية الفاضحة في طلب هذا المنكر- فوق المنكر ذاته- شئ بشع لا يكاد الخيال يتصور وقوعه لولا أنه وقع. فقد يشذ فرد مريض فيتوارى بشذوذه، ويتخفى بمرضه،

стр. 2732

ويحاول الحصول على لذته المستقذرة في الخفاء وهو يخجل أن يطلع عليه الناس. وإن الفطرة السليمة لتتخفى بهذه اللذة حين تكون طبيعية. بل حين تكون شرعية. وبعض أنواع الحيوان يتخفى بها كذلك. بينما أولئك القوم المنحوسون يجاهرون بها ويتجمهرون لتحصيلها، ويستبشرون جماعات وهم يتلمظون عليها! إنها حالة من الارتكاس معدومة النظير). ٣ - [كلام حول الآية فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ والتي تليها] وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ، فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ: (وقد خسف بقرى لوط بظاهرة تشبه ظاهرة الزلازل أو البراكين وتصاحبها أحيانا ظاهرة الخسف وتناثر أحجار ملوثة بالطين وهبوط مدن بكاملها تسيح في الأرض. ويقال: إن بحيرة لوط الحالية وجدت بعد هذا الحادث. بعد انقلاب عمورة وسدوم في باطن الأرض، وهبوط مكانها وامتلائه بالماء. وقرى لوط في طريق مطروق بين الحجاز والشام يمر عليها الناس. وفيها عظات لمن يتفرس ويتأمل، ويجد العبرة في مصارع الغابرين. وإن كانت الآيات لا تنفع إلا القلوب المؤمنة المتفتحة المستعدة للتلقي والتدبر واليقين: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ. وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ* إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) ٤ - [تعليق على ورود قصتي قومي شعيب وصالح في السورة] وعلّق صاحب الظلال على ورود قصتي قوم شعيب وقوم صالح في سورة الحجر فقال: وقد فصّل القرآن قصة شعيب مع قومه: أهل مدين وأصحاب الأيكة في مواضع أخرى. فأما هنا فيشير إشارة إلى ظلمهم وإلى مصرعهم تصديقا لنبأ العذاب في هذا الشوط، ولإهلاك القرى بعد انقضاء الأجل المعلوم الوارد في مطالع السورة. ومدين والأيكة كانتا بالقرب من قرى لوط. والإشارة الواردة هنا وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ قد تعني مدين والأيكة، فهما في طريق واضح غير مندثر، وقد تعني قرية لوط السالفة الذكر، وقرية شعيب، جمعهما لأنهما في طريق واحد بين الحجاز والشام، ووقوع القرى الدائرة على الطريق المطروق أدعى إلى العبرة، فهي شاهد حاضر يراه الرائح والغادي. والحياة تجري من حولها وهي دائرة كأن لم تكن يوما عامرة. والحياة لا تحفلها وهي ماضية في الطريق.

стр. 2733

أما أصحاب الحجر فهم قوم صالح، والحجر تقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وهي ظاهرة إلى اليوم. فقد نحتوها في الصخر في ذلك الزمان البعيد، مما يدل على القوة والأيد والحضارة .... ). ثم علّق على قوله تعالى: وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ فقال: (وهذه اللمحة الخاطفة من الأمن في البيوت الحصينة في صلب الجبال، إلى الصيحة التي تأخذهم فلا تبقي لهم مما جمعوا ومما كسبوا ومما بنوا ومما نحتوا .. شيئا يغني عنهم ويدفع الهلاك الخاطف. هذه اللمحة تلمس القلب البشري لمسة عنيفة. فما يأمن قوم على أنفسهم أكثر مما يأمن قوم بيوتهم منحوتة في صلب الصخور. وما يبلغ الاطمئنان بالناس في وقت أشد من اطمئنانهم في وقت الصباح المشرق الوديع .. وهاهم أولاء قوم صالح تأخذهم الصيحة مصبحين وهم في ديارهم الحصينة آمنون. فإذا كل شئ ذاهب، وإذا كل وقاية ضائعة، وإذا كل حصين موهون. فما شئ من هذا كله بواقيهم من الصيحة. وهي فرقعة ريح أو صاعقة، تلحقهم فتهلكهم في جوف الصخر المتين). الفوائد: ١ - [سبب نزول الآية نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ... ] بمناسبة قوله تعالى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .. قال ابن كثير: وذكر في نزولها ما رواه موسى بن عبيدة عن مصعب بن ثابت قال: مرّ رسول الله ﷺ على ناس من أصحابه يضحكون فقال: «اذكروا الجنة واذكروا النار». فنزلت: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ... رواه ابن أبي حاتم وهو مرسل. وروى ابن جرير بسنده عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: طلع علينا رسول الله ﷺ من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة فقال: «ألا أراكم تضحكون». ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى فقال: «إني لما خرجت جاء جبريل ﵇ فقال يا محمد إن الله يقول لك لم تقنط عبادي نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .... ٢ - [سنة الأنبياء مع أصحابهم في الحرب] وبمناسبة حكايته تعالى ما أمر به لوط يوم أمر بالخروج: وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ لفت النظر ابن كثير أن رسولنا ﵊ كان يفعل هكذا يقدم أصحابه أمامه قال ابن كثير: «وهكذا كان رسول الله ﷺ يمشي في الغزو إنما يكون ساقة يزجي

стр. 2734

الضعيف ويحمل المنقطع (١)». أقول: بل سنته الدائمة ﵊ ذلك أنه كان يقدم أصحابه أمامه ويقول: «خلوا ظهري للملائكة») ٣ - [بعض الأحاديث حول فراسة المؤمن] بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ نقل ابن كثير بعض الأحاديث عن فراسة المؤمن قال: وروى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي سعيد مرفوعا قال: قال رسول الله ﷺ : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ النبي ﷺ : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وروى ابن جرير .. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «اتقوا فراسة المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور الله». وعن ابن جرير أيضا .. عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «احذروا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله». وروى ابن جرير أيضا .. عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : «إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم». ورواه الحافظ أبو بكر البزار ... ٤ - [حول شرف قسم الله تعالى بحياة محمد ﷺ في الآية لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ .. ] وعند قوله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ قال ابن كثير: «أقسم تعالى بحياة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض. قال عمرو بن مالك النّكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد ﷺ وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ يقول وحياتك وعمرك وبقائك في الدنيا إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ رواه ابن جرير. وقال قتادة: في سكرتهم أي: في ضلالهم يَعْمَهُونَ أي يلعبون. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لَعَمْرُكَ لعيشك إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ يترددون).

стр. 2735

المجموعة السادسة وتمتدّ من الآية (٨٥) إلى نهاية السورة أي إلى نهاية الآية (٩٩) وهذه هي: ١٥/ ٩٩ - ٨٥ التفسير: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ أي إلا خلقا ملتبسا بالحق، لا باطلا وعبثا، أو إلا بسبب العدل والإنصاف اللذين سيكتملان يوم الجزاء
следующие страницы →